النساك: لقد وافقت أن تبقى وأصبحت غريبا في أرض النساك. فكبر النساك وتحمدوا لطارق على سلامته وهنأوه. بعدها عاد طارق للبيت مرهقا متعبا، فقد سمحت له أم النساك أن يبقى في ضيافتها. خلع ثوب أيوب ونعله واستلقى على فراشه ليغط في نوم عميق. استيقظ بعد عدة ساعات ليجد الظلام حالك، فبدأ يتحسس طريقه ويتخبط: إيه ده مين اللي طفى النور إنتوا ياناس النور قاطع.
ليتلمس حتى وصل إلى الباب، وقبل فتحه اكتشف أنه عاري فعاد يتخبط ويتحسس حتى وجد الثوب فلبسه وعاد وفتح الباب. لكن الشوارع مظلمة والبيوت هادئة، ولكن من حسن حظه أن دار ضيافة النساك ملاصقة لبيت أم النساك فنادى عليها بصوت عالي: ياأم النساك إنتي فين نايمة وسايبة الدنيا ضلمة. بعد لحظات فتحت الباب أم النساك ووراءها خادمتها. أم النساك: ما الأمر لماذا تصرخ يا غريب؟ طارق: قلت لك إسمي طارق وبعدين الدنيا ضلمة ليه طفيين النور.
أم النساك: هناك مشعل في الدار لما لم تضيئه. طارق: مشعل إيه مفيش زر النور والدنيا كحل جوا. فنظرت لخادمتها: إذهبي فإملئي مشعلة بالزيت وأنيري له الدار. طارق: مشعل إيه هو مفيش كهرباء. أم النساك: أي كهرباء؟ طارق: قشطة يعني لا فيه نور ولا كهربا ولا تلفزيون ولا تكييف ولا حاجة صح. ده هيبقى مرار طافح. عادت الخادمة بعد قليل، لتقول لها أم النساك: قدمي للغريب الطعام فلعله جائع.
لتدخل أم النساك تاركة طارق وحده، لتعود الخادمة ومعها طبق فخاري. فسألها طارق: إيه ده؟ الخادمة: جريش الشعير مطهو بالمرق. طارق بتأفف: هو معندكوش حاجة تتفهم ده كنتاكي له الجنة. ((فوقفت الخادمة تسمعه بغير فهم) ليسألها: هو اللي يحب يسهر عندكو يسهر فين؟ الخادمة: يتسامر الرجال في خيمة عبد الرحمن فإذهب لهم أو إبحث لنفسك عن رفيق. طارق: وأنا هروح لهم إزاي طب ماتندهي لأم النساك ونسهر سوا.
الخادمة: أفقدتك الشمس عقلك. سأتيك بمنقوع الأعشاب علك تبرأ. طارق بإندفاع: لا لا لامنقوع إيه حرام عليكي خلاص كفاية عليا الأكل الغريب ده. لترحل الخادمة ويقول طارق للطعام: مفيش قدامي غيرك أنا وإنت والليل طويل. وقد كان الليل طويل جدا لم يعرف كيف يقضيه، ليل بلا موبايل ولا تلفزيون ولا خروج ولا سهرات والدنيا هادئة والليل سكون والوقت بطيء ممل.
والكارثة الكبرى حينما نفد الزيت وإنطفأ المشعل ليجد نفسه في ظلمته حالكة حتى أنقذه الله أخيرا بالنوم. ليصحو في اليوم التالي على صوت طرق على الباب فعرف أنها الخادمة أحضرت له الإفطار، فقام متكاسلا ليفتح لها ويقول وعيونه مغلقة: خشي وحطي الأكل بسرعة عشان عايز أرجع أنام. لينتبه لصوت غليظ: إفتقدناك في صلاة الفجر يا غريب. لينتفض بسرعة ويفتح عينيه ليرى عدد خمس رجال ضخام الجثة لهم عيون سوداء يرتدون أثواب صوفية زرقاء وبيضاء.
لينظر لهم بدهشة: فيه حاجة؟ ليقول أطولهم بصوت غليظ: إفتقدناك في فجر اليوم ولم نراك أمس في المغرب والعشاء فأتينا نطمئن. لعله خير. فيقول بصوت مهزوز: أنا كويس الحمد لله. فيقول الآخر: إذا لما لم نراك في المسجد. فيقول بخوف: أصلي يعني أصلي صليت هنا في البيت. فيقول الرجل مستنكرا: تصلي في البيت كالنساء. فيرد الآخر: إنتظر عبد الرحمن وإهدأ. ((ثم وجه كلامه لطارق)
يا غريب لا يصلي الرجال في المنازل إلا إن كان مريضا أو في النوافل غير ذلك فصلاتنا في المساجد. فيقول طارق في نفسه: ((كل ده عشان قلتلهم صليت في البيت هيعملوا فيا إيه لو عرفوا إني مابركعناش ومش بصلي أكيد هيقيموا عليا الحد) لينظر لهم بخوف ويقول: خلاص خلاص والله هصلي ومش هتأخر. لينظر له رجل سمح الوجه ويرى الخوف في عيونه فيقول: إهدأ يا بني ولا تخف ربما لأنك لا تعرف مكان المسجد. لينظر طارق للرجل وكأنه حبل النجاة:
أيوه صح مش عارفة. ليبتسم الرجل بلطف ويقول: إذا أستأذنك أن أكون أنيسك وأمر عليك للصلاة. طارق: على راسي تشرفني. ليخرج الرجال ويتنفس طارق الصعداء، وبعدها بلحظة يسمع طرق جديد على الباب ليقول: إيه الرعب ده من أول يوم ده أنا هموت قبل ما أكمل أسبوع. ليفتح الباب ويجد أم النساك ووراءها الخادمة تحمل الطعام فيبتسم ويقول بسعادة: أهلا أهلا جيتي في وقتك إتفضلي. فأشارت أم النساك للخادمة لتدخل الطعام ثم قالت:
أيها الغريب عبد الرحمن يطلبك فاذهب إليه. طارق بدهشة: عبد الرحمن مين؟ وعايز مني إيه؟ أم النساك: إذهب لمسجد النساك وستجده هناك. طارق: مش فاهم أرحلوا فين وليه متفهميني. أم النساك: إن كنت لا تعرف الطريق فإتبعني أدلك عليه أو إنتظر ميساء. طارق: لا ميساء مين أنا هاجي معاكي. أم النساك: وطعامك. طارق: مش مهم أكل بعدين. ليسير بجوارها لتقول: يا هذا إما أن تسبق أو تتأخر عني. فيقول:
خلاص إتفضلي وأنا وراكي بس بصراحة فيه حاجات كتيرة نفسى أعرفها عنك يعني مثلا إنتي إسمك الحقيقي إيه أصل أم النساك ده تقيل أوي ومش لايق عليكي وكمان إنتي تبقى كبيرة البلد يعني العمدة مثلا. طيب لو إنتي العمدة إزاي الناس رضيت تحكمهم واحدة ست هو مفيش رجالة. ((لتستدير له وتنظر له بحدة) ليتراجع باعتذار: مقصدش بس يعني اللي أدك في بلدنا كل همها اللبس والمكياج وإزاي توقع العريس لكن إنتي... تقاطعه: صه يا غريب صه. ((ثم أشارت)
هذا المسجد فإسأل عن عبد الرحمن. ثم تركته. فيقول: تنكة أوي بس مزه جامدة بنت الذينا. ليستدير فيجده الرجل الضخم ذو الوجه القاسي فيرتعب منه خوفا أن يكون سمعه وخوفا من نظراته الحادة. ليقول له الرجل: تعال يا غريب أحتاجك معي كي نلقح النخلات. طارق بصوت عالي: نعم. فينظر له عبد الرحمن بشدة فيتراجع طارق ويقول بصوت مهزوز: حاضر هاجي. بعد صلاة العصر
عاد طارق وهو يجر قدميه من شدة التعب أما وجهه كان أحمر قاني من الشمس والغيظ ليضرب باب أم النساك بشدة لتفتح له الخادمة ويصرخ في وجهها: فين ستك فين أم النساك. ميساء: ماذا تقصد بستي؟ ثم أم النساك في الساحة الكبيرة فاليوم سنكرم خمس. طارق: يعني إيه؟ ميساء: نادى المنادي أننا سنكرم خمس اليوم وأم النساك ستحاججهم مع الحكماء ألن تأتي. طارق: أنا مش فاهم حاجة بس لو هتروحي خديني معاكي.
ليسيرا معا حتى وصلوا إلى منطقة واسعة كبيرة وكل الرجال مجتمعين في جهة وكل النساء في الجهة المقابلة والحكماء الأربعة يتصدرون الجلسة وأمامهم خمسة أطفال بين العاشرة والثانية عشر. ثلاث صبية وفتاتان. أما أم النساك فتتصدر مجلس النساء بملابسها السوداء المميزة فهي الوحيدة التي ترتدي الأسود أما باقي النساء فملابسهن بين الأبيض والأخضر واللبني. فيقول الحكيم: أسمعني أيها الصغير من قوله تعالى: ((إذ أوحينا إلى أمك ما يوحى (٣٨)
أن إقذفيه في التابوت)). فيرتل الصغير بقراءة صحيحة وصوت جميل: ((فإقذفيه في اليم فليلقه اليم بالساحل يأخذه عدو لي وعدو له وألقيت عليك محبة مني ولتصنع على عيني...... واستمر الصغير يكمل لينتقل لحكيم آخر يسأله والصغير يجيب ويسمع القرآن حتى أجازه الشيخ فارتفع صوت النساك بالتسبيح والتهليل. لينتقلوا إلى صبي آخر حتى فرغوا من الصغار لتقوم أم النساك من مكانها وبدأت في سؤال الصغار والصغار يجيبون عليها وبعدها أعطتهم
نظرة رضا عنهم لتقول: أنتم عز النساك وفخرهم. ليهلل الرجال وتكبر النساء فهذه إشارة إجتيازهم الاختبار. لكن أم النساك نظرت لصبية في العاشرة لتبادلها الصغيرة نظرة واثقة فتقول أم النساك: قالوا عنك درة الحفاظ وفخرهم. فترد الصغيرة: قالوا وصدقوا. فتبتسم أم النساك فقد أعجبها رد الصغيرة وثقتها بنفسها. فقالت أم النساك: إذا يا صغيرة أسألك قولي ما تعرفي عن ((الكلالة) فقالت الصغيرة:
((يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة إن امرؤ هلك ليس له ولد وله أخت فلها نصف ما ترك.......... فقالت أم النساك: أحسنتي فقولي لي ما قيل عن القواعد من النساء. فتقول الصغيرة: ((والقواعد من النساء التي لا يرجون نكاحا فليس عليهن جناح أن يضعن ثيابهن غير متبرجات لزينة. وأن يستعففن خير لهن والله سميع عليم) فتتسع ابتسامة أم النساك وقالت: كم تحفظين من أقوال رسولنا الكريم. فأجابت الصغيرة: أحفظ عشرة آلاف حديث. فتقول أم النساك:
فقط زيدي ولا تتكسلي وأسمعيني ما قاله رسولنا الكريم عن الصلاة. فقالت الصغيرة: عن أبي موسى الأشعري قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من صلى البردين دخل الجنة) قالت أم النساك: صدق رسولنا الكريم زيدي وأسمعيني. فقالت الصغيرة: عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((الملائكة تصلي على أحدكم ما دام في مصلاه الذي صلى فيه ما لم يحدث تقول اللهم اغفر له اللهم ارحمه) فاتسعت ابتسامة أم النساك وقالت:
أكثري فقد استأنست لحديثك فزيدي وأسمعيني. ((لم تعلم أم النساك بأن بين الحضور غريب بعيون خضراء مفتون من جمال ابتسامتها فهذه أول مرة يرى فيها أم النساك تبتسم) وهكذا استمرت أم النساك تسأل وتجيبها الصغيرة ثم قالت: أيها اللحام إنحر أربعة خراف كبار إكراما لعزتنا من حفظة كتاب الله وإذبح الشيحانة إكراما لدرة النساك وفخرهم. لتجري الصغيرة تحتضن أم النساك. فسأل طارق من بجواره: إيه هي الشيحانة دي؟ فأجابه الرجل:
ناقة أم النساك المفضلة والعزيزة عليها. قالت أم النساك: يا حفظة كتاب الله وعزهم دوروا بين النساك وأطعموهم بأيديكم فوالله لن نذل أبدا ما دمتم بيننا. ثم خرجت من حلقة الإكرام وقبل أن ترحل قالت لرجل: أطعم الغريب من كبد الشيحانة. فقال له الرجل: أحسدك أيها الغريب أثرتك علينا أم النساك بكبد الشيحانة. فابتسم طارق بثقة وقال في نفسه:
تبقى بدأت تميل كلها شوية وتقع ويبقى هنيالك يا طارق لو وقعت عمدة البلد وكبيرتهم. هتبقى البلد كلها تحت إيدي.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!