الباب الشمالي للقصر حديدي ولا يمكن تحطيمه. وهذه الحيوانات الغبية ترتطم به. شعرت بالخوف. أتخيلهم في غرفتي يقطعون لحمي ويقتلونني. بعد شوية كان واضح إنهم أدركوا غبائهم. وسمعت عوائهم المرعب قبل أن يبتعدوا عن القصر. فضلت في غرفتي مع باكو نطمأن بعضنا حتى نمت. أشرقت الشمس مرة أخرى وغمرني الضوء. فتحت عيني بسرعة وطلعت أجري على سطح القصر أبص إيه اللي حصل. كان فيه حاجة غريبة مش عارفة حصلت إزاي؟
شجرة كبيرة مايلة ناحية القصر زي ما تكون قوة جبّارة خلتها تنحني تجاه سطح القصر. لكن مش بالقدر الكافي إنها توصل للجدار. حطيت إيدي على فمي. ياااه لو كانت الحيوانات اتسلقت الشجرة وقامت بمهاجمتي؟ دي كانت اللحظة اللي غيرت حياتي وتفكيري. لما شفت الخطر قريب جداً مني. إذا كنت هعيش لوحدي لازم أعرف إزاي أعيش لوحدي. ورغم إن باكو كان جوعان، لا عقلي كان مشغول. أنا في خطر كبير والقصر خالي. مفيش شخص هيساعدني. قعدت أبكي.
هما سابوني هنا لوحدي ورحلوا. طيب ليه جابوني هنا أصلاً؟ عشان أموت!! إذا كنت هموت على الأقل لازم أدافع عن نفسي. خطفت سندوتش جبنة وغيرت هدومي. لبست زي رياضي ونزلت المخزن. محتاجتش وقت طويل عشان ألاقي فأس. فتحت باب القصر الشمالي وقفت دقيقة أتّنصت واتأكد إن مفيش أي حاجة قريبة مني. بعدها اتجرأت وقربت من الشجرة المايلة ناحية الجدار وقعدت أضرب فيها بالفأس عشان أقطعها. أكتر من نص ساعة لحد ما الشجرة سقطت.
أنا بنيتي ضعيفة فعلاً، لكن في بيتنا كنت متعودة أقطع الحطب وأزرع الأرض. العرق كان مغرق جسمي. رغم كده قطعت شجرة تانية كمان وواحدة أخرى. قبل المغرب كنت عاملة مجزرة. أشجار كتيرة كانت قريبة من القصر قمت بقطعها. لحظتها بس قدرت أتنفس بارتياح. مفيش أي حيوان أو كائن يقدر يستخدم الأشجار للوصول للقصر. قفلت باب القصر كويس. خدت شاور وأعددت وجبة لحم كبيرة وأكلت حتى شبعت. الليل كان جه بسرعة وبدأت أشعر بالقلق. نزلت المخزن مرة تانية.
كان المخزن متقسم لأدراج كبيرة. قعدت أفتش فيها لحد ما فتحت خزنة ولقيتها مليانة أسلحة. اتخضيت، كل دي أسلحة؟ مسدسات، بنادق، كشافات، رشاش، كأنها معدات حرب وصناديق ذخيرة. سحبت بندقية آلية وحطيت فيها خزنة وفكرت في نفسي: دا مش كفاية. شلت صندوق ذخيرة على كتفي وطلعت بيه على سطح القصر. اخترت مكان كاشف لمحيط القصر. جريت كرسي ومنضدة وكان الوضع ساكن. نزلت أعمل فنجان قهوة وخدته وطلعت على السطح.
مرت أكتر من ساعة لحد ما سمعت صوت قادم من داخل الغابة. استعديت في مكاني بإيدي البندقية وكشاف وباكو قاعد تحت رجليه. ظهر ذئب ضخم. شكله نفس شكل الذئب اللي كان امبارح لكن كان ذئب وحيد وكان بيعرج على رجله. الذئب فضل ماشي ناحية القصر وأنا بشوف هيعمل إيه. مبصش عليّ ولا حاجة. كمل طريقه ناحية باب القصر ووقف هناك. كأنه بيفكر وسمعت خبطة على باب القصر. من غير تفكير أطلقت عليه رصاص.
الرصاص كان بعيد عنه لكنه ارتاعب ونط بعيد عن باب القصر. بص ناحيتي وشافني. البندقية كانت في إيدي حركتها كأني هضرب الذئب. اختفى داخل الغابة. أيوه كده يا دارين الظاهر إنهم عرفوا إنك مش سهلة وإنك مش هتسمحي لأي حد يقرب من القصر. وغمرتني السعادة وقعدت أرقص بعد ما شغلت المزيكا وأنا حاضنة باكو. وصل قطيع الذئاب دون أن أنتبه. بس باكو حس بيهم ونط من حضني. كان ظهري للغابة والقطيع معملش ضجة وصوت زي مبارح.
وفجأة سمعت الصوت اللي كان هيوقع قلبي. قائد القطيع أطلق عواء غاضب كبير لما شاف الشجر متقطع. ومن وراه بقية القطيع. صوت خلى جسمي كله يرتعش. وقربوا من بعض وغيروا نظرهم من الشجر لفوق ناحيتي. واستمر العواء المرعب وأنا مش عارفة أعمل إيه. القطيع شكل دايرة في منتصفها الذئب الضخم وخرج من بينهم جرو صغير كان بيشم الأرض. وفضلت أنفه تتبع أثر أول ذئب وصل الليلة اللي أنا أطلقت عليه الرصاص.
فضل ماشي لحد ما وصل الباب ورجع تاني القطيع وفي فمه فارغ رصاصة. كأنهم بشر، قعدوا يبصوا على فارغ الرصاصة وصوبوا نظرتهم ناحيتي تاني. كنت قدرت أمسك البندقية لما اندفع الذئب الضخم وقفز قفزة أول مرة في حياتي أشوفها. القفزة وصلته في محاذاتي وبصينا لبعض وشاف باكو مستخبي تحت رجليه ونزل على الأرض. يالهوي! قلت في سري دا ممكن يوصل هنا؟ إيدي المرتعشة ضغطت على الزناد وطلع الرصاص الغير موجه بعيد عنهم. صوت الرصاص طمني.
حشوت البندقية مرة أخرى، تلك المرة صوبت ناحيتهم وأطلقت الرصاص على الدايرة. وسقط ذئب. دا مكنش ذئب، كان الجرو اللي كان بيقتص الأثر. وخرجت من بين الصفوف ذئبة بتعوي كأنها بتبكي. مركزة نظرها ناحيتي بغضب وعواء رهيب. أطلقت الرصاص مرة أخرى. الذئاب جروا الجرو ناحية الغابة وتراجعوا للخلف. وسمعتهم بيعوا داخل الغابة، نغمة جنائزية كأنهم بينعوا شخص ميت. وعرفت إني ارتكبت خطأ كبير. كان واضح من صوت عوائهم وإن ردهم مش هيتأخر.
لكن كان فيه حاجة غريبة؟ الذئب اللي وصل أول مرة الليلة كان نفس شكل الذئب اللي مع القطيع. لكن كان بيجر رجله وكان شكله مسالم. وفضلت سهرانة رغم تعبي متوقعة هجومهم مرة تانية. لكن الشغل اللي اشتغلته اليوم كله خلاني انهار وأنام من غير ما أشعر. ونمت فعلاً لحد ما الصبح طلع وسمعت شقشقة العصافير. فتحت عيني برعب. حسيت على جسمي بإيدي مش مصدقة إني لسه حية. وبـاكو كان واقف على أفريز السطح بيبص ناحية الأرض ناحية باب القصر.
وانحنيت أبص زيه وهنا شفته مرمي قدام باب القصر الشمالي وجسمه كله عريان.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!