انفتح فم الكونت أدم وحاول أن ينهض من مكانه وأنا على فمي سؤال واحد، مين دمارا دي؟ فأنا من نوعية الناس اللي لو كتمت سؤال جوايا مش بعرف أفكر. وسألته: مين دمارا دي يا كونت؟ أسند أدم يده على السرير. إنها الفتاة التي كان من المفترض أن أتزوج بها. وقلت: طيب ما تتجوزها يا كونت، دي بنت زي العسل. رمقني الكونت أدم بنظرة كلها لوم وعتاب، وكان يجاهد نفسه حتى لا يقسو علي. وأردف: مينفعش، أنا اخترت واحدة تانية.
طول عمري مش بحب أتدخل في خصوصية أي شخص، لكن تمنيت إني أكون البنت دي. "أين تميمتي؟ " صرخ أدم وهو يمرر يده على صدره العاري. "تميمة إيه يا كونت؟ رد أدم: كانت هناك تميمة حول عنقي، لابد أني فقدتها عندما فقدت وعي. "كونت ممكن سؤال بس من غير ما تزعل؟ نظر إلي أدم بعيون مسالمة كأنه يدعوني لسؤاله. "هو ليه أنا حاسة إني في عالم الحيوانات هنا؟ "اصمتي! " صرخ أدم، "أنت لا تفهمين شيئًا، رغم قوتك عقلك مثل بصلة."
ثم بنبرة أكثر رقة قال: "الكونت دارين، ممكن تبحثي عن تميمتي من فضلك؟ إنها مهمة جدا بالنسبة لي، إذا عثر عليها الشخص الخطأ سأكون في ورطة." "حاضر يا كونت." وقال أدم: "متحاوليش تتعمقي في الغابة لأنها خطر." وقلت مرة أخرى: "حاضر." ما أنا من يوم ما اتولدت مش بقول غير حاضر. فتحت باب القصر الشمالي وصفعني الهواء البارد وشعرت بأهميتي في القصر.
بالأمس كنت الأميرة التي تحمي القصر وتدافع عنه، والآن لدي مهمة أخرى، البحث عن تميمة أدم. قدام باب القصر مكنش فيه حاجة، وكانت أول مرة أضع فيها قدمي داخل أشجار الغابة. مشيت في ممر بين الأشجار وأنا بفتش عن التميمة، وكنت أستعمل حاسة شمي بغباء كأنني ذئبة. الغابة كان فيها أشجار كتير متكسرة كأن كان فيه معركة بين وحوش داخل الغابة. الغابة كانت غريبة كأنها تيار مائي يجذبك نحو العمق، وبعدت عن القصر وأنا بفكر: لازم أرجع بالتميمة.
مضت أكثر من نصف ساعة دون أن أعثر على أي شيء. وفجأة خطرت في بالي فكرة: هو قطيع الذئاب ده بيختفي فين؟ ولما جبت سيرتهم حسيت بالرعب، أنا غبية جدا، وآدم قال متبعديش عن القصر. وقررت أرجع، وفعلا مشيت في الطريق اللي جيت منه. وقبل ما أوصل نصف المسافة، سمعت حركة سريعة مرت بالقرب مني وسقط قلبي مني. وهمست الفتاة الجبانة داخلي: "اجري يا دارين!
وجريت بكل سرعتي، والحركة التي كانت تتعقبني، رغم سرعتي، كان بتسبقني وترجع تاني، كأن حد أسرع مني بيلعب معايا أو بيسخر مني. ولمحت القصر وبدأت أطمئن. وفجأة قفز أمامي. لحظة، ثانية، يدوبك شوفت وش نمر في وشي. "نهار أسود! رجلي طارت في الهوا زي المروحة، ومن سرعتي خبطت في باب القصر وأنا بصرخ. لقيت أدم في وشي، نطيت في حضنه. "فيه إيه مالك كده؟ قلتله وأنا ببلع ريقي: "شفت... "شفتي إيه؟ " زعق أدم. "شفت حاجة تشبه شكل نمر."
أدم اتكى على الباب: "متأكدة؟ "متأكدة." أدم قال: "مش معقول، إزاي تجرأوا ووصلوا لحد هنا؟ "هما مين يا وكونت؟ وازاي قدرت تنزل من غرفتك؟ دا كل جرح وجرح في جسمك كان بطول خيارة؟ أدم قال: "مش مهم، اقفلي باب القصر يا دارين." وبطرف عينه بص ناحيتي وقال: "طبعًا ملقتيش التميمة؟ وحسيت إن أدم حزن جدًا، كان شكله منكسر. لحد ما حسيت بالزعل من نفسي وحلفت في سري: لازم ألاقي التميمة مهما حصل. "لو سمحتلي سيد أدم، ممكن سؤال ملح؟ وابتسم
أدم ابتسامته التي أعشقها: "اتفضلي." "هما الجماعة اللي كانو معاك راحوا فين؟ وكأني صدمته، خربشت كبريائه. صمت أدم طويلًا، يحدث ذلك عندما يتذكر إنسان أمر رغب بإبعاده عن عقله ونسيانه. ثم نظر إلي، وأدركت أنني مهمة بالنسبة له، وكانت عيونه تتوسلني أن أفهمه. "يا نهار أسود؟ ماتوا إزاي يا كونت؟
"إنتي مش هتقدري تفهمي حاجة يا دارين، إحنا في خضم معركة كبيرة. وللأسف ناسين العدو اللي بيتربص بينا. النمورين بيراقبوا كل حاجة بتحصل وسايبنا ناكل في بعضنا لحد ما يلاقوا اللحظة المناسبة وهيقضوا علينا." "لحظة سيد كونت، لحظة، أنا محتاجة فنجان قهوة عشان أركز." "تشرب قهوة معايا؟ وابتسم أدم في سره. إنها صغيرة، صغيرة جدًا على المهمة التي تقع على عاتقها. إنها مثل الزهرة التي لم تستو بعد.
كان مقدر لها جدًا أنها تحاول أن تفهم، لكن لا يمكنها أن تفهم فعلًا إلا إذا كانت جزء من اللعبة. أعدت دارين فنجاني قهوة وجلست إلى جوار أدم. "مين بقا النمورين دول؟ وإزاي أصدقائك ماتوا وأنا هنا بعمل إيه؟ دا خلاف دفاعي عن القصر طبعًا." أردفت دارين بفخر: "إنتي هنا لأنك لازم تكوني هنا يا دارين، زي النجوم، القمر، أشجار الغابة، مياه البحيرة، والقصر."
"يمكن الموضوع غريب بالنسبة ليكي، لكن والدك مكنش والدك، والقرية اللي كنتي فيها مش قريتك." ولما فتحت فمي بغباء مثل بقرة في المرعى، أردف أدم: "إنتي اتولدتي هنا، وفي اليوم اللي اتولدتي فيه حصلت مذبحة. طمع وجشع أعمى عيون بعض الناس. والدك ووالدتك ماتوا، وقام والدي بتهريبك من القصر وإخفائك. أمام منزل والدك، ولأنه مكنش بيخلف ومفيش أولاد ليه، اعتبرك تعويض من ربنا وقرر يربيكي." "إسماعيل موسى."
قلت له: "لكن أنا شفت أمي قبل ما تموت؟ "مكنتش أمك يا دارين، لكنها اهتمت بيكي وربتك، وكنا مطمنين عليكي لحد ما ماتت." "والعلامة اللي في رقبتك دي علامة عشيرتنا، كل واحد فينا فيه نفس العلامة." وأشار أدم إلى عنقه ورأيت العلامة التي أحملها أنا في مؤخرة عنقي. "وصدقتِ أنتِ ولم تجادلي، كان هناك شيء داخلك يخبرك أنك تنتمين لهنا، لهذه الأرض، لهذا القصر، لي." "نادين، مصدقاني؟ وقلت وأنا في صدمة بنبرتك
الطفولية التي أعشقها: "مصدقاك." "دارين، فيه حاجة مهمة، بصي في العلامة اللي في رقبتي، ركزي فيها كويس، لكل شخص فينا علامة، قد تبدو متشابهة، لكن داخلها فيه اختلاف." "اختلاف الطبقة والسلالة والعرق، النوع والمكانة." وحاولت أن أفهمك أن هناك آخرين يشبهونني، وخفت، خفت أن تخافي، خفت أن لا تفهمي. ولم تفهمي. "وسألتي: والنمورين؟
"النمورين دول أعدائنا، فصيل هجين متوحش ظهر نتيجة خطأ جيني. وكانت فيه حروب كتير بينا وبينهم، حروب بعيدة عن عالم البشر. وهما دلوقتي مقيمين في الجزء الغربي من الغابة، وفيه بينا معاهدة سلام." "يعني اللي أنا شوفته في الغابة ده إنسان؟ "وأردت أن أخبرك الحقيقة، أن أقول أنا أيضًا إنسان، أتحول ذئب، وهو إنسان يتحول نمر، وإننا إذا التقينا لابد أن يقتل أحدنا الآخر." "عندما يلتقي نموري مع مستذئب، على واحد منهم فقط أن يكون الناجي."
"وأشفقت عليكِ، أشفقت أن أحمل هذا الجمال والبراءة كل تلك الهموم وقررت أن أحتفظ بها في نفسي، أن أحملها عنك." لكنك كنت ذكية، وكان عقلك قد توصل لبعض النتائج بمفرده، وحاولت أن أوصل لك النتيجة دون أن تفزعي. "دارين، إنتِ لما تتعودي على الحياة هنا هتعرفي كل حاجة في وقتها، متنسيش إنك لسه مكملتيش غير أسبوع هنا." "دلوقتي عندنا مهمة لازم نقوم بيها." "مهمة إيه يا عم كونت؟ إنت جسمك متشرشح، دا أنا بنفسي مجرجراك من الغابة لحد غرفتك؟
والدكتور كان مكتفك بالحبل، لولا أنا فكيت قيدك لكان زمانك لسه محبوس." وضحت أنا مرة أخرى وشعرت بالسعادة تغمرني في قربك. "وعريت لكِ جسدي، نصفه الأعلى، وأردت أن أرى ملامحك وأنتِ تنظرين إلي." "ورأيتني أنتِ، جسد بلا جروح." وفتحت فمك كأنك تلقيتِ بلطة فوق نفوخك الأحمق. "إزاي كده؟ إنت شفيت إزاي؟ إنت شخص مسحور ولا إيه سيد كونت؟ "يلا يا دارين، معندناش وقت نضيعه، بالليل هنسهر ونتكلم براحتنا." "وسألتي: هنعمل إيه؟
"هنعمل أفخاخ وكمائن، ونحاول نزود الحراسة حول القصر." "على فكرة، تقطيع الأشجار اللي كانت قريبة من القصر حركة رهيبة." وانتفضتِ أنتِ مزهوة بذكائك ودبت فيكِ الحماسة. وقلت: "يلا بينا." خارج جدران القصر، حاولت أركز كويس، وكان أول شيء عملته جريت الأشجار المقطوعة بعيد عن القصر. وتركتك تتولين أعمال القياس. عشرين متر في كل اتجاه، وكنت أنوي أن أصنع خندق وأجعل بداخله أفخاخ وكمائن.
وكنت أعلم أنني لا أستطيع أن أفعل ذلك بمفردي وأن الوقت يداهمني. وكنت كلما رأيتك كفراشة تتهادين على العشب شعرت بالحزن من إمكانية أن أفقدك في أي لحظة، إمكانية أن أموت قبل أن أضمك لحضني. وتحرك شيء في صدري، شيء محب للحياة، شيء يعمل من أجلك. وبدأت بالناحية الشمالية التي يهاجم منها القصر في العادة، وبدأت أحفر الأرض أبغي حفر خندق. وقلتِ أنتِ: "سيد كونت أدم، إحنا ليه منعملش سياج هنا؟
نعمل جدار من السلك ونكهربه زي الأفلام كده." وابتسمت أنا: "فكرة السياج جيدة جدًا، ولكن لكي نقوم بها علينا أن نصمد ليلة أخرى في مواجهة القطيع، في مواجهة القوة الأخرى التي تسعى خلفنا." "تقدري تدافعين عن القصر الليلة؟ ورفعتِ أنتِ أنفك بفخر: "طبعًا أقدر، بس أنا مش هكون معاكِ! وفتحتِ أنتِ فمك مثلما تفعلين، ولمحت لحظة يأس وقنوط تعبر وجهك. "هما شاكين إني هنا، لكن مش متأكدين، وأنا لسه مستعدتش صحتي كاملة."
"لكن أنا هساعدك من بعيد." وخدتك ونزلنا القبو، وهناك عرفتي إن فيه غرفة مراقبة تليفزيونية في القصر، والكاميرات ناحية الغابة محطمة. وتصعبتِ أنتِ: "قلت يعني هي الناحية المهمة بس اللي مدمرة؟ قلت لكِ للأسف: "ملحقتش أصلحها، لكن أوعدك بكرة كل حاجة هتتغير." وساعدتكِ في إعداد الأسلحة والرصاص والقنابل المضيئة التي لم تكوني تعرفينها. وأصبح كل شيء جاهز قبل حلول الليل، وكان علي أن أغادر القصر دون أن تشعري حتى لا يتسرب إليكِ الخوف.
كان علي أن أبرم اتفاقات من أجل حمايتك وحمايتي. كان علي أن أقابل هزيل الرعد إيمير.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!