وبعد مرور يومان كانت تصارع أحلامها المفزعة التي تراودها، ولكن الغريب أنها لم تراه من آخر لقاء، فظنت أنه تركها وشأنها. انتزعت نفسها من دوامة الأفكار وهي تذهب لتأخذ حماماً دافئاً يريح أعصابها، وبعد ذلك ارتدت ملابسها والمكونة من طرحة طويلة على تيشيرت أزرق غامق اللون على تنورة سوداء "جيبة". رغم بساطة الملابس إلا أنها أعطتها مظهراً جميلاً، وذات الهالات السوداء تحت عينيها بسبب إرهاقها النفسي والبدني جمّلت فوق جمالها.
وقفت وهي تصلي وتشعر بذاك الحمل على ظهرها، وبعد أن انتهت اتجهت إلى خزانة ملابسها وهي تضع ملابسها في حقيبتها الكبيرة وعقلها شارد بما ينتظرها. وأيضاً سعيد لأنها ستحقق حلمها وتخلص من معاناتها في بيت عمها راشد، والتي تستمتع بذلها زوجة عمها أنعام وغيره ابنتها منار. حمدت الله على أنه منحها عم متفاهم ويحبها ويعتبرها كابنته، وأخيراً انتهت من وضع الملابس وتوجهت إلى السرير وهي تنتظر قدوم عمها.
تنظر في ساعة يدها فوجدتها الساعة الرابعة فجراً. استيقظ راشد وهو يرتدي عباءته الصعيدية بعد أن أخذ حماماً وصلى، وتوجه إلى الباب. "على فين يا راشد أكده؟ " هتفت أنعام بمضض. "هروح عشان أوصل رهف للجامعة، انتي مش عارفه يعني يا أنعام ولا هو لوك لوك على الصبح." رد راشد وهو يهتف بابتسامة فرحة. "ولا لوك لوك ولا حاجة يا خويا، اتفضل روح للست رهف وصلها وعند بنتكم في حاجة اسمها تروح الجامعة." قالت أنعام بمضض.
"يووو اكتمي يا أنعام، أنا مش عايز وجع دماغ الله." قال راشد بغضب وملل. ثم اتجه إلى الخارج وهو يتوجه إلى غرفة رهف ويطرق الباب بهدوء: "رهف.. يارهف." "صباح الخير ياسيد الناس." فتحت رهف الباب بهدوء وهي تبتسم بإشراق لعمها راشد. "صباح الخير والسعادة عليكي يا ست البنات، يلا اجهزي عشان نتوكل على الله عشان أول محاضرة ليكي اليوم." قال راشد بابتسامة.
"يلا بينا أنا جاهزة أصلاً من بدري." قالت رهف بحماس وعيون لامعة باقتراب حلم وهدف قد واصلت لأجله من زمن طويل، وها قد حان للذهاب إليه. "هاتي الشنطة عنك ويلا بسرعة قدامي….." ضحك راشد وهتف. رقدت رهف أمامه إلى السيارة، بينما أتى راشد ووضع الحقيبة في الشنطة الخلفية للسيارة، واستقل السيارة بجانبها وقادها متوجهاً إلى جامعة القاهرة. *** جلست وهي تضع حقيبتها داخل الغرفة الخاصة بها، بينما نظرت إلى الغرفة
الخالية بجانبها وتهتف: "ربنا يستر ياترى أي نوع اللي هتسكن معايا." ثم توجهت إلى خارج السكن وتوجهت إلى الجامعة قسم الصحافة والإعلام. "الله أخيراً الواحد بقى طالب جامعي وكبرنا هههه." بحماس وهي تنظر حولها بمتعة وتهتف. ظلت تسأل الفتيات عن قسم الصحافة والإعلام حتى وجدته. وبينما هي تسير بسرعة وعجالة ضربت في إحداهن وهي تحمل إحدى الكتب بيدها. "مش تفتح يا أعمى أي القرف دا…" فنظرت له بغضب وأخذت كتبها. وبينما هي
تمشي أمسك بيدها بغضب وهتف: "انتي بتغلطي في مين كدا؟! "لا أعمى وكمان غبي، شكلك كلامي موجه ليك مش هخاف منك." نظرت له بعصبية. "هتندمي على كلامك دا، وعشان انتي بنت مش هكلمك ولا هرد عليكي أصلاً……" نظر لها بسخرية ثم أكمل طريقه. "فاكر نفسه مين دا… يارب من أولها كدا." هتفت. وأخيراً وهي تمشي مرة أخرى صدمت مرة ثانية، فنظرت بغضب فوجدتها فتاة يبدو على وجهها الطيبة والبرائة والجمال والخجل. "اسفة ما أخدتش بالي يا آنسة."
"ولا يهمك يا جميلة حصل خير، نتعرف بقى." ضحكت على توترها وهتفت بمد يدها لها حتى تصافحها هاتفة: "أنا غرام، وانتي…." "ابتسمت الأخرى وهي تصافحها بتوتر فهي شخصية انطوائية: "وأنا رهف." "الله اسمك جميل أوي ومناسب مع شكلك يا رهف، المهم أنا أولى جامعة قسم صحافة وإعلام وانتي." قالت غرام بابتسامة واسعة. "وأنا كمان أولى جامعة قسم صحافة وإعلام بردو، صدفة سعيدة يا غرام." قالت رهف بابتسامة.
"أوكي يا صاحبي، يلا بقى نروح عشان المحاضرة هتبدأ بعد خمس دقايق ولو اتأخرنا هنتنفخ فعلاً." هتفت غرام بمرح. تقدمت رهف معها وهم يمشون سريعاً إلى المحاضرة غافلين عن الأعين التي تلاحقهم. "شوفت ياض يا علي الجمدان ده، لا لا كدا كتير، هي السما بتمطر مزز ولا إيه." قال الشابان بخبث. "وخصوصاً البت اللي كانت لابسة أزرق دي خطفت قلبي." قال أمجد بضحكة خبيثة وهو يهتف. "شكلها مش هتعدي من تحت إيدك يا برو ههههه."
"اكيد مبقاش أمجد البحيري إن ما جبتها تحت رجلي زي أي بنت في الجامعة." قال أمجد بهدوء وهو يفكر بها. "خلصانة يا صاحبي مبروك عليك المزة، بس شكلها ملهاش في الحوارات دي بس جرب انت وحظك بقى ههههه." قال علي وهو يضحك. *** اتجهتا للدلوف إلى المحاضرة بسرعة قبل دخول الدكتور وهم يسرعون إلى أماكنهم في المدرج. جلستا، فنظرت غرام لرهف بضحك: "وصلنا قبل ابن المقشفة دا ههههه."
"الحمد لله، فضل ونعمة من ربنا كويس بدل مانطرد من أول يوم هيبقا منظرنا وحش خالص." قالت رهف بابتسامة جميلة وتهتف. "الحمدلله.. انما قوليلي انتي من القاهرة ولا منين؟! "لا أنا من محافظة قنا." قالت رهف بابتسامة ودودة. "حببتي وأنا محافظتي جمب." قالت غرام بفرحة. "أي المنيا ولا أسيوط؟ " قالت رهف بتساؤل. "لا لا لا الفيوم يا سكرتي." قالت غرام وهي تنفض الغبار الوهمي من على كتفيها وتهتف.
"أهاا أحسن ناس بجد، اتعاملت مع بنات كتير منهم…………………" "تسلمي يارب، انتي شكلك طيبة أوي يا رهف وجميلة أوي." قالت غرام بارتياح لهذه الفتاة. "تسلمي يارب." قالت رهف بخجل فهي تخجل من هذه العبارات حتى ولو كانت من فتاة مثلها. "أوباا أي العسل دا." قالت غرام بغمزة. "هههه ربنا يهديكي يا غرام." ضحكت رهف. "الأساتذة اللي قاعدة بترغي ورا هي وزميلتها اقفوا." دلف الدكتور وهو يهتف. "أنا؟! " وقفت رهف هي وغرام وهي تهتف.
"اه انتي يعني رغايه وطلعتي غبية كمان….." هتف الدكتور ببرود. "انت إزاي تكلمني كدا وتغلط فيا، هو احنا بنيجي هنا عشان نتعلم الألفاظ دي والغلط ولا بنتعلم؟! "نظامي معروف واسألوا الدفعة اللي قبلكم، شغل ثانوي والهبل دا انسوه يعني انتوا دلوقتي كبار، رغي كتير في الحصة هتلاقي نفسك مطرودة منها." "اه وحضرتك أنا متكلمتش أصلاً في الحصة ولا حضرتك مستقصدني." قالت غرام باعتراض.
"كلامي أظن مفهوم، اقعدي المرة الجاية هتلاقي نفسك برا المحاضرة." جلست رهف وغرام، بينما ظلت تتمتم غرام بسخط على هذا المتعجرف وتهتف: "يارب تموت دنتا سم والله العظيم." "يخربيتك ليسمعك بس وانتبهي للمحاضرة عشان هيسأل." قالت رهف بهمس.
"أحب أعرفكم إني دكتور مراد وهدرس ليكم السنة دي بإذن الله، أنا مش هعمل زي أي دكاترة معندهمش ضمير ومش بيشرحوا وهشرح وهعمل امتحانات، بحب النقاش والأسئلة، وبكدة تكون ضمنت درجتك معايا في مدتي." قال الدكتور بابتسامة جذابة. أنصتت غرام للمحاضرة وهي تدون هي ورهف جميع ملاحظاته، وكانت تسأله أسئلة منطقية وتعلق على كل جملة يكتبها.
أما رهف فبعد انتهاء المحاضرة اقتربت منه بكشكولها وهي تعلق على بعض النقاط، ووضح لها الدكتور مراد هذه النقاط، ونظر لها باستغراب من جمالها الفاتن الذي يشبه بلاد الغرب وأنه حقاً لا يصدق أنها مصرية أو من الوطن العربي. نفض مراد هذه الأفكار من عقله وهتف: "غرام محمد السيد." "نعم يادكتور." وقفت غرام وهى تهتف. "تعالي على مكتب العميد." قال مراد بخبث وشماتة. "هاا حضرتك أنا عملت إي." قالت غرام بتوتر.
"هتعرفي، يلا متتأخريش." قال مراد ببرود. نظرت غرام لرهف بخوف. "تحبي أجي معاكي يا غرام." هتفت. "ياريت، أنا مش عارفة أنا عملت إيه أصلاً، ربنا يستر تلاقيه مستقصدني من الصبح ابن المفترية دا." قالت غرام بتوتر. "لو تبطلي طول لسان ربنا يستر والله 😂." ضحكت رهف وهي تشعر أنها تعرفها من زمن وهتفت. "يلا بينا يا أختي ههه." ضحكة غرام وهتفت. ***
جلس بهيئته الرجولية الجذابة وقميصه الأسود الذي يفتح أول ثلاث زرائر منه وهو يتصنع الانشغال، بينما هي تقف وتتأفف بملل وتهتف بخنق: "في إيه ياعم انت هفضل واقفة كدا كتير ولا إيه!؟ "بتقولي حاجة يا غرام؟! " نظر لها مراد ببرود. "لا ياباشا كمل كمل." بابتسامة صفراء. ابتسم مراد في نفسه على هذه المعتوهة وهتف بجدية مصطنعة: "مش مكسوفة من اسمك اللي بيدل على الرزيلة!؟
"لا ونبي رزيلة هي حصلت ليه، اسمي إيه بقاش شايف اسمي سوسو أون لاين ولا مديحة الحساسة (😂😂😂) ." وهي ترفع جانب شفتيها. "المهم أنا جايبك هنا عشان أحذرك من أسلوبك دا معايا يا غرام، أنتي هنا طالبة وأنا دكتور، يعني أي تعدي منك للحدود هتشرفيني السنة الجاية تاني، فاهمة ولا لأء! ." قال مراد بلا مبالاة.
"لالالا أنا أنا مش هعمل حاجة، وأسفة يا دكتور لو ضايقت حضرتك." قالت بخوف أن يفعل ذلك حقاً خوفاً من أهلها الذين اعترضوا على فكرة تعليمها. "اتفضلي يلا برا." قال مراد بهدوء.
نظرت له غرام بحزن ثم توجهت إلى الخارج إلى رهف التي تنتظرها بوجه حزين ودموع تترقر من عينيها بخوف، فأهلها صعب الطباع ولا يدركون قيمة التعليم، وخاصة بتربصهم لها إن سقطت فلن تستطيع الرجوع مرة أخرى إلى الجامعة لإعادة السنة بل ستخرج وسيتم تزويجها من ابن عمها خالد الذي لا يفقه في هذه الحياة شيئاً. اقتربت منها رهف بسرعة وهتفت بقلق.
"خايفة يارهف، مش مستقصيني ويسقطني في مدته وأنا أهلي صعب يخلوني أكمل بعدها والله." قالت غرام وهي تحتضن رهف. "متقلقيش ياقلبي، أنا لو اضطرني الموضوع هخلي عمي يكلمه، هو قالك إيه يعني؟! " قالت رهف بحزن على صديقتها. "متقلقيش يا غرام، هو بس بيعرفك أسلوبه، إن شاء الله خير، بس تجنبيه يا غرام." أومأت لها غرام، ثم توجهوا إلى حديقة الجامعة وهم يثرثرون مع بعضهم البعض.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!