استيقظت فوجدت نفسها في مكان مظلم موحش ومخيف. نظرت حولها بتركيز وخوف، فوجدت شعاع من النار أضاء لها المكان. شعرت بانقباض في قلبها، كيف أتت إلى هنا؟ إنها تتذكر آخر شيء رأته، هي جلوسها في إحدى المقاهي مع هذه الروائية التي تدعى منه، وآخر شيء هو تبادل الأرقام والمزاح مع بعضهم البعض، والتي شعرت أنها تجلس مع روحها الأخرى. شعرت معها كأن هذه الفتاة تفهمها وتعلم ما يجول بخاطرها. أين ذهبت منه وأين هي الآن؟
سمعت صوتًا مألوفًا لها يأتي من الخلف. -لا تتعبي نفسك في التفكير يا رهف. أحيانًا الجهل بيبقى أفضل بكتير من المعرفة. أحيانًا بيبقى المفروض الفضول يتقتل جوانا عشان ما نعرضش نفسنا واللي بنحبهم لخطر أكبر منا. لكن للأسف، مع إنك خسرتي كتير بسبب العالم السفلي، إلا إنك مازلتي مكملة في الغلط وهنا الدمار.
اتضحت لرهف الرؤى، فوجدت نفسها في غرفة بين مزيج من الألوان الداكنة أمام المدفأة والثلج يتساقط أمامها من النافذة. شعرت ببرودة تسري في جسدها، لا تعلم أهي رهبة أم بسبب برودة المكان. حقًا! لحظة، كيف تمطر السماء ثلج ونحن في فصل الصيف؟ اتضحت ملامح من يتحدث، وبطبع كانت هي هذه الكاتبة الروائية التي تدعى منه. اقتربت منها بجمود وهتفت. -مصدومة ليه يا رهف؟ مش يمكن أنا مش حقيقية زي ما انتي فاكرة، يمكن انتي داخل كابوس؟
رهف بصدمة وخوف: إزاي حصل دا؟ إزاي؟ انتي عرفتي كل دا منين وليه بتعملي فيا كدا؟ ضحكت هذه الفتاة بصخب وصوت يتحول إلى صوت شخص آخر مألوف لرهف. ومع تغير الصوت تغير جسد الفتاة ليصبح شخصًا آخر، وهتفت ببرائة. -ماما رهف، انتي خايفة مني؟ رهف بخوف وهي تبكي: أسماء؟ اقتربت هذه الفتاة التي تشبه أسماء من رهف بابتسامة خبيثة وهي تهتف بغناء.
-كان فيه بنت جميلة وكان عندها فضول. ولدتها كانت بتنصحها بأنها تبعد عن المجهول. فيوم البنت ما سمعتش كلام مامتها وقربت من غار مجهول. في البداية شافت أمير جميل فقررت تدخل للغار. ابتسم الأمير ومدلها إيده، ولما قربت منه بقى تعبان أسود كبير وماتت البنت عشان حبت شخص مجهول. هههههه. حلوة الحكاية يا رهف. رهف وهي تحاول الابتعاد عنها بهلع وبكاء: أرجوكي ابعدي عني وعن بنتي، أرجوكي.
ضحكت وهي تزح رهف أرضًا وتمسك بخصلات شعرها وتشدها بعنف وتهتف. -تؤتؤ، قوليلللللليييي. لما انتي شجاعة وبتدخلي في حاجات أكبر منك، ليه بتتوسلي دلوقتي؟ ليه فاكرة إنك هتقضي على اتباع مارسوا؟ إحنا أكبر منكم بكتير يا رهف وأقووووى منكم ميت ألف مرة. إحنا أفضل منكم، إحنا أصلنا النار وأنتم أصلكم التراب.
تركت خصلات شعر رهف وهي تجلس أمام المدفأة وتنظر إلى النار بشراهة وعيون تلمع بقوة وتتحول إلى جسد عجوزة شمطاء بشعر أبيض وعيون سوداء وتحت عينيها هالات سوداء، وكانت ترتدي رداء أسود. كل ما كانت تفعله هو تأملها للنيران التي تتأكل مع بعضها البعض وهي تخرج لسانها بشراهة. كانت تضم رهف قدميها إلى صدرها بخوف شديد وهي تستنجد بداخلها بالله أن ينجيها هي وابنتها وعائلتها من هذا العناء. هتفت بصوت هامس. -يارب.
نظرت لها هذه العجوز بنظرات جنونية متسعة بشدة. -اخرصي، متحاوليش تستفزيني يا رهف. صدقيني الندم هيكون حليفك في النهاية. رهف ببكاء: ليه الكره اللي جواكم لينا دا؟ إحنا أذيناكم في إيه؟ كل اللي طالبينه إننا نعيش في سلام. ليه بتأذونا وبتتعدوا علينا؟ ضحكت العجوز وهتفت وهي تلتفت إلى رهف بعيون مسلطة عليها بشدة، وهذه الابتسامة الخبيثة لازالت مرسومة على وجهها.
-ههههههه. أنتم كبشر ضعفاء أخذتوا منا كل حاجة. أخذتوا منا الأفضلية ومن أبينا مارسوا. أنتم سبب كل الخراب اللي انتي شيفاه. أنتم تغلطوا ويتغفر ليكم وإحنا بسبب غلطة واحدة اتلعنا. إحنا أفضل منكم، خلقنا من نار وأنتم من طين وبرضه ليكم الأفضلية. هنفضل في لحام معكم إلى يوم الدين وهندخلكم كلكم النار عدا المخلصين. مش هنخليكم تعيشوا في سعادة أبداااااااا. هنخليكم في وسط النعم الكتير اللي انتم فيها مكتئبين وفي شقاء وضنك يا رهف. مش هنخليكم تشوفوا السعادة حتى بعد الموت. هتفضلوا تتعذبوا إلى أن يشاء الله. هههههههههه.
صدمت رهف من عبارات هذه المرأة وهي تنكمش على نفسها بخوف وتبكي وتناجي ربها فقط. هذا كل ما تفعله. أما عن هذه العجوز فأعطت ظهرها لرهف وهي تنظر إلى النيران وتتمتم بالكلمات الغريبة، والتي كانت أحيانًا تضحك وتارة تبكي وأخرى تنظر بخوف إلى النار. وبين الجبال المليئة بالحمم البركانية يقف أعلى الجبال وهو ينظر إلى السماء ذات اللون الأسود بهدوء وصمت. وأخيرًا ابتسم ببشاعة وهو يهتف. -إلهي لماذا فعلت هذا بي؟
أنا البراق، أنا المتوهج، أنا أفضل منه، أنا أحسن منه في كل شيء. لماذا خسفت بي الأرض ولعنتني؟ لأجل من! من أجل من خلق من طين أحقر شيء على وجه الأرض؟ لقد أخطأت مرة واحدة وأدفع ثمنها إلى الآن وإلى الأبد. وهو لا يتعلم، دائم الخطأ، دائم النسيان ودائم الجحود. ومع ذلك تتوب عليه عندما يعود إليك. أنا أكرهه، أمقته. آدم ونسله الذي فضلته على بحق اسمك العظيم. لاحتنكن ذريته إلا قليلا.
سمع مارسوا أصوات الرعد القوي في السماء وزلزال من أسفل الأرض شديد. وسمع صوت كثير من نسل آدم، منهم من يصلي ومنهم من يفطر بعد يوم طويل كان صائمًا به، ومنهم من يبكي عند قراءة القرآن، ومنهم من يدعو الله بخشوع، وأيضًا من تخرج روحه أثناء الصلاة. صرخ بقوة وهو لا يحتمل كل هذا وهتف. -حتى لو منكم صالحين بس مش هسيب شخص على وجه الأرض إلا ما أخليه يرتكب جميع المعاصي. مش هخسر أبدا أمام أولاد آدم.
أخذ يجول يمينًا ويسارًا بجنون وهو يصرخ. -كفووووووو عن الصلاة! اتركوووووو ذكر الله! مش هيتسلمممم! مش هخليكم تعيشوا في سعادة! أنا بكرهكم زي ما بكره آدم! بكرهكم يا نسل آدم! بحق اسم الله العظيم لن أترك على الأرض من نسل آدم إلا لأغوينّه. لن أترك على الأرض من نسل آدم إلا وأدخلت اليأس في قلبه من رحمة الله. لن أترك على الأرض من نسل آدم إلا وجعلته رفيقي في جهنم.
توجه إلى عرشه وهو يجلس عليه وينظر حوله بجنون. في ذلك الوقت اقترب منه العديد من نسله من الشياطين، وكل شيطان يتجهز ليخبره بما فعل ببني آدم. جلس وهو ينظر إليهم ببشاعة. -هيا، أخبروني ماذا فعلتم ببني آدم؟ اشرحوا صدري. اقترب منه أحد الشياطين وهو يهتف. -أنا أفضلهم يا مولاي، أنا جعلته يكذب ويتحرى في الكذب حتى كتب عند الله كذيبًا. وجعلته يسرق حتى يملي شهواته ورغباته، ظنًا منه أنه لن يكشف سره. نظر له مارسوا بجمود.
-لا، لست أفضلهم. ماذا بكم! أخبروني! اقترب آخر منهم ببشاعة. -أنا أفضلهم. أنا زينت له أخته في عينيه وجعلته يزني بها، ثم جعلته يقتلها خوفًا من أن يعلم أهل بيته بما ارتكبه. مارسوا بضحكة بشعة. -هههههه، هل اكتفيت بهذا أم ماذا؟ ضحك هذا الشيطان اللعين وهتف. -لا، لم أكتف. عندما كوشف سره ماتت والدته بحسرتها على ما فعل ولدها بشقيقته. وأخذ هذا الشاب السم ثم تجرعه ومات كافرًا. أصاب مارسوا الغبطة وهتف.
-هيا، اقترب واجلس إلى عرشي بجانبي. إنك فعلت ما لم يستطيعوا فعله. ملأت قلبي بالسرور. انصرف الجميع من حولهم وتولى هذا الشيطان اللعين إلى عرش إبليس وجلس بجانبه يتباهى بما فعله بهذه الأسرة. ترا عزيزي القارئ، هل تظن أن هذه القصة من وحي خيالي أم حدثت في حياتنا الواقعية؟
بلى، إننا نسمع بهذه القصص تتلى علينا بكثرة، وذلك بسبب ضعف إيماننا، لأننا لم نتمسك بآيات الله ولأننا نُنكب على الذنوب دون كلل أو ملل. ترا، لماذا لم نكف عن المعصية من المرة الأولى؟ اتعلمون لماذا؟ لأننا لا نهتم بذكر الله، لم نهتم بالقرب من الله. زينت شهوات الدنيا الفانية في قلوبنا، ونسينا الحساب والقبر والقيامة، وظننا أننا سنحيا أبداً أو أننا سنخلد.
يارب ارزقنا توبة نصوحة قبل الموت، يارب إن رأيتنا نبتعد عنك فردنا إليك رداً جميلاً. كان يطوف بجنون بعدما حدث كل هذا أمام عينيه وهو لا يستطيع إنقاذ ابنته. صرخ بشدة وهو يخطط لشيء لإنقاذها. ثوانٍ واختفى بعدما اظلمت عيناه بجنون وغضب جحيمي، كأن جهنم اجتمعت في حدقتي عينيه. أما بمكان آخر، كان يضرب بيده الجدران بصراخ هاتفا باسمها: "أسماااااااء، صدقني مش هسيبك يا مرة، مش هسيبك، هقتلك."
ثم أخذ يضرب بيده الحائط محاولاً إيجاد مخرج، ولكن دون جدوى. جلس أرضاً بتعب وحزن وقلق على حبيبته. أما عند أسماء، فكانت تنام بعمق على الأرض في غرفة لا يضيئها سوى القليل من النيران المشتعلة أرضاً. أخذت تئن بخفوت من الوجع الذي يفتك بجسدها. جلست وهي تستند على الحائط خلفها وهي تنظر إلى المكان الذي تجلس به. ثوانٍ وضغطت على شفتيها وهي تقوم بتعب وتوجهت إلى باب الغرفة وخرجت منها.
ورأت ممر أمامها، أخذت تركض بشدة محاولة منها للهروب من هذا العالم الذي احتبست به. ترا، من متى وهي عالقة في هذا العالم؟ كيف حال أمي وهي لا تعلم أين مكاني؟ كيف أفعل؟ ثوانٍ وظهـر أمامها هذا الملك الذي يدعى والد أبيها بابتسامة خبيثة: "رايحة فين يا أسماء؟ وقعت أسماء أرضاً وهي تهتف: "أنا فين؟ أنا عايزة أمشي من هنا." ابتسم وهو يدور حولها ويهتف: "وهو ينفع أميرة أرض الجن تسيب العالم الحقيقي بتاعها؟ وقفت أسماء بجمود:
"دا مش عالمي وأنتم مش أهلي، أنا مليش غير أمي وبس. لما أنتم أهلي، كنتم فين من زمان؟ ليه محمتوش ابنكم؟ تحدث الملك بمرارة وخُبث: "أنا حاولت، وأنتي عارفة إنه السبب دا في كل دا هو طيف. طيف كان قدامك أكتر من مرة وأنتي محاولتيش تأذيه. حبيتي طيف يا أميرة ميخائيل." تغيرت ملامح أسماء إلى الجمود الشديد: "أظن إنه ملكش حق تسألني." تقدمت أسماء كي تذهب هاتفة: "عن إذنك، أنا عايزة أمشي."
أمسك بيدها وهو يضع يده على رأسها وعيناه تتحول إلى الأحمر ويقرأ بعض الكلمات التي جعلتها يغشى عليها مرة أخرى. حملها بين يديه وهو يفتح باباً آخر أمامه ويتوجه بها بداخل الظلام...
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!