تحميل رواية «انصاف القدر» PDF
بقلم سوما العربي
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
في أحد القصور الفخمة جداً، بعد الدخول إلى باحتها الواسعة مروراً بمساحات كبيرة جداً من الخضرة، نصل إلى الحديقة الداخلية للقصر. الجميع يعمل على قدم وساق تجهيزاً لحفل عيد ميلاد تلك الصغيرة، أصغر أفراد عائلة الخطيب. يتيمة الأب والأم، مليكة، اليوم هو عيد ميلادها الثامن عشر. بداخل القصر، يجلس الجميع على سفرة الطعام لتناول الإفطار. تتقدم الخادمة بالكرسي المتحرك الخاص بالسيدة الفت كي تشاركهم الإفطار. بينما يجلس محمد يتجاذب الحديث بهمس مع كارما، يبدو أنه يتغزل بها. واضح جداً من خجلها وهي تنظر أرضاً لا تع...
رواية انصاف القدر الفصل الحادي عشر 11 - بقلم سوما العربي
أنهى طعامه سريعاً قائلاً إنه قد تأخر عن عمله.
خرج خلفها يناديها بغضب وهي لا تجيب.
زاد غضبه... إلا يكفي وقوفها وحديثها مع ذلك النادر... والآن تخبره فقط أنها ستخرج بل وأيضاً لا تجيب عليه.
ظل يسير خلفها بخطوات سريعة: مليكة مليكة... مليكة استني.
لكنها لم تعره اهتمام وما زالت تسير متجهة للخارج.
أسرع من خطوته أكثر واستوقفها وهو يقبض على ذراعها فتوقفت على مضض: مليكة استني مش بنادي عليكِ.
ظلت كما هي معطية له ظهرها وقالت: نعم... في حاجة يا أبيه.
أدار وجهها له مقابل وجهه يقول: إيه أبيه دي يا مليكة... أنا عامر.
مليكة: والله... لا ما علش أنا مش بميت وش وعندي جوا زي برا.
احتدم قليلاً وقال: قصدك إيه... أنا بـ 100 وش... إيه اللي بتقوليه ده؟
مليكة: آه ولو سمحت مالكش أي علاقة لا بيا ولا بتصرفاتي.
اشتدت عصبيته أكثر من حديثها هذا... وماذا تعني به.
نظر لها بتوجس وقال: يعني إيه الكلام ده؟
مليكة: مش يعني حاجة لأن ما فيش حاجة أصلاً.
صاح بصوت عالٍ: يعني إيه ما فيش حاجة أصلاً انتي اتجننتي.
مليكة: لو سمحت يا أبيه ما تعليش صوتك عليا.
عامر: تاني أبيه... في إيه يا مليكة إيه اللي مغيرك كده.
مليكة: كل ده ومش واخد بالك إن في حاجة أصلاً... تحكمات تحكمات تحكمات وأنا المفروض أسمع وأطيع... طب ليه. قول لي أنت على أساس إيه؟ ها... على أساس إنك عامر... بيني وبينك... بس قدام الكل أبيه... على أساس بنت خالتك اللي قاعدة تتلزق فيك وبيتفقوا على خطوبتك منها... قدامـي... وأنا مش عارفة ولا ليا عين أنطق وأعترض وفي المقابل إيه بقى... ممنوع خروج ممنوع الجيبة دي ممنوع التيشيرت ده ممنوع تقعدي مع محمد ونادر ممنوع تضحكي بصوت ممنوع ممنوع ممنوع وأنا تعبت أنا بعمل كده أصلاً ليه؟ قول لي أنت ليييه؟
يعلم... معها حق بكل كلمة... طريقة حبه خاطئة لكنه لا يملك خيار التغيير... خلق هكذا ولا يعرف كيف يغير حاله.
أيضاً لم يعترف لها بأي شيء... أبسط قواعد العلاقة بين اثنين لم يعطها لها أو يقولها.
ماذا يفعل أمام كل تلك الأشياء التي تقف بطريقه.
تقدم منها يمرر يديه على ذراعيها: طيب ممكن تهدّي... اهدّي وأديني فرصة أصلح كل ده... يا مليكة لازم تفهمي إني عامر... ابن عم أبوكي وأكبر منك بكتير مش كتير هيتقبلوا علاقتنا... انتي مش متخيلة ولا عارفة كم الانتقادات اللي هنواجهها.
ردت عليه بقوة ثبات: أنا مستعدة أواجهها لكن أنت لأ.
أغمض عينيه يقول: عشان انتي حرة... مش عليكي لا التزامات ولا مسؤوليات ولا ليكي وضع ومكانة بين الناس ولازم يفضلوا مبيّنينك... انتي بنت صغيرة طليقة مش همك ولا فارق معاكي حد... لكن أنا عكسك... راجل كبير ومعروف وألف عين وعين عليا.
مليكة: خلاص خليك لمسؤولياتك وسبني.
قبض على كتفيها يقول: ما أقدرش... لو كنت أقدر كنت بعدت ورحمتك ورحمت نفسي من كل ده... لكن خلاص أنا مش عارف... أصلاً مش هسمح لك بكده.
مليكة: يعني إيه مش هتسمح لي... أنا وقت ما أحب أمشي همشي.
عامر: مش هتعرفي... قولتلك مش هسمح لك.
مليكة: إيه اللي بتقوله ده... انت بدل ما تراضيني وتصلح اللي حاصل بتهددني.
أخذ نفس عميق... لقد أخرجت بعض شياطينه بسبب حديثها عن ابتعادها عنه... لا يريد أن يرى ذلك الجزء العنيف منه وهو قد حذرها مراراً.
حاول تهدئة حاله... على كل حال معها حق... يعلم نفسه جيداً خصوصاً عندما يقع بالعشق كيف يكون.
جاهد على إخراج صوته هادئاً: طيب اهدّي... وأنا عندي ليكي مفاجأة النهاردة هصالحك بيها... أوكي.
لا تستسيغ الفكرة ولا يعجبها الأمر... أصبح كل شيء مرهق وغير مقبول... لقد تنازلت كثيراً وما يحدث غير صحيح وغير إنساني.
لكنها تعشقه... جداً... ما بيدها شيء... ربما فرصة أخيرة قد تجعله يصلح كل شيء.
ابتسمت بصعوبة تهز رأسها بالقبول.
تحسس يدها بكف يده يقول: طيب يلا بينا.
مليكة: على فين؟
عامر: المفاجأة.
مليكة: لأ وخطوبة ندى.
عامر: مانا مش هعرف آجي معاكي... هاجي بصفتي إيه؟
مليكة: وتيجي ليه مانا دايماً بروح لوحدي.
عامر: مليكة أنا قولت إيه... مش قولتلك عايزك دايماً تحت عيني.
مليكة: ماهو مش هينفع... كده مش نافع... مش كل الأماكن هينفع تيجي معايا... أكبر بقى يا عامر.
رفع حاجبيه مردداً: أكبر يا عامر!! أنا يتقالي أكبر؟! ومن مين؟! من عيلة لحد صدري.
مليكة: ماهو أنت اللي تصرفاتك تصرفات... قاطعت حديثها فقال: ها... تصرفات إيه كملي خليها تبقى ليلة سودة على دماغك.
مليكة: أووف خلاص بقى سبني أروح.
ابتسم قائلاً: هتروحي إزاي.
مليكة: هاخد تاكسي.
عامر: تاكسي وأنا موجود... ودي تيجي برضو... يالا تعالي أوصلك.
همت للسير ولكن توقفت فجأة تقول: عامر.. هو بالنسبة يعني للعربية اللي أنت جبتها لي إيه.. كانت عربية لعبة ولا إيه النظام.
عامر: لا طبعاً.
مليكة: طب إيه ها.. إيه هنفضل راكنينها كده كتير مش هركبها.
عامر: ربنا يسهل... يالا بس.. مانا بوديك وبجيبك من أي مكان أهو.
مليكة: اااااه.. قول كده بقى.
عامر: مش وقت كلام ويالا بينا مش كنتي متأخرة.
ذهبت معه تعلم أنه يراوغ.
بعد نصف ساعة كانت تجلس أمام المرآة تساعد ندى في إتمام زينتها.
تزامناً مع وصول سيارة والدها وأعمامها.
جلس رجب كأنه يفترش الجمر لا يستوي على مقعده ثانية وهو يجد ذلك السمج يترجل من سيارته ويدلف لبيت ست البنات خاصته.
وقف من مقعده منادياً ابنه: واد يا يوسف... خد تعالى.
يوسف: نعم.
رجب: هو إيه في بيت الست أم ندى؟
رمق والده بغضب وقال: ونادلي عشان كده؟ ما عرفش ابقى روح اسألها.
لم يتم جملته إلا ووجد سيارة أخرى تتوقف ويترجل منها سيدة بجوارها فتاة وبعدهم رجل ذو شعر أبيض.... وأخيراً.. ماذا... شاب وسيم يرتدي بذلة زيتونية ويحمل بيده باقة من الزهور.
ما به يجعله يبتسم باتساع هكذا؟!
ترك والده وذهب للداخل المحل على الفور يبحث عن هاتفه.
أما رجب فلن يستطيع الانتظار كثيراً... لن يجلس هنا مثل الثور في نظرة ويتركه يجلس معها.
ذهب وهو يردد (هما فاكرني إيه مركب قروون ده أنا المعلم رجب).
توقف عند ورشة صديقه الأسطى سيد ينادي عالياً: يا سيد... سيد... تعالى عايزك.
خرج سيد من ورشته: خير في إيه مالك قايم القيامة كده.
وضع يده على كتف صديقه يقول: أنا عايز أعرف إيه اللي بيحصل عند أم ندى دلوقتي... شايف عربيات رايحة وعربيات جاية والجدع اللي اسمه توفيق ده كمان فوق.
سيد: إلا يكونوا رجعوا في اتفاقهم معانا.
رجب: نهار أبوهم أسود.. ليه هو لعب عيال... ده أنا أهد الدنيا.
سيد: تهد إيه وتنيل إيه.. هما لو رجعوا في اتفاقهم مين يقدر يغصبهم يعني؟ ده جواز... وكل ده لعبة عملناها أنا وانت... يمكن لقوا حد غيرك.
أغاظ رجب وغلى الدم بعروقه وقال: أنت يا جدع أنت جاي عشان تفور دمي.
سيد: اهدى بس كده خلينا نشوف هنعمل إيه.
رجب: اتصرف يا سيد... أنا قتيل الليلة دي.
سيد: اا... احمم.. إلا قول لي يا رجب... أنت ما بتفكرش ترجع للست حكمت.
رجب: إيه اللي فكرك بالموضوع ده دلوقتي.
سيد: بسأل بس.
رجب: لا... حكمت بنت خالتي وأم ابني وبس.
ابتلع رمقه بصعوبة وقال: طب... طب افرض هي قالت هتتجوز.
رجب: تتجوز.. ده مين اللي قال كده.
سيد: أنا بسأل بس.
رجب: هتتجوز إزاي يعني... ويوسف... لا لا... حكمت ما تعملهاش.
احتدم سيد رغماً عنه وقال: وفيها إيه يا جدع مانت هتتجوز هي يعني اللي لازم تقعد تربي الواد... كمان يوسف كبر وداخل الجامعة أهو وكلها سنة والتانية ويقول لك عايز أخطب وأتجوز وهى هتعيش لوحدها.
رفع رجب حاجبه وقال: أنت مالك يا ضنا؟ فيك إيه كده مالك محموق أوي.
سيد: وووأنا وأنا مالي هتحمق ليه.. أنا بس مش بحب اللي يحلل الحاجة لنفسه ويحرمها على غيره.
رجب: يعني هو كده وبس.
ابتسم سيد بتوتر: أيوة أمااال يا جدع... فوت.. فوت قدامي نشوف حل لوقعتك المقندلة دي... فووووت.
عند ندى
أخذ هاتفها يهتز معلناً عن اتصال ملح... يتصل مراراً وتكراراً.... نظرت للهاتف واتسعت عينيها تقول لمليكة: ينهار أسود... ده يوسف.
مليكة: وده عايز إيه ده دلوقتي.. ما ترديش.
ندى: أنا خايفة.. إيه اللي يخليه يتصل النهاردة مش كان نسى الموضوع ده.
أخذت الهاتف منها وقالت: روحي انتي كملي لبس وهاتي أنا هرد عليه أشوفه عايز إيه.
أعطتها ندى الهاتف ففتحت الخط وقالت: أيوه.
يوسف بغضب: فين ندى؟
مليكة ببرود وتلكؤ: مش فاضية.. اصلها بتتجهز.. لعريسها... ماهو النهاردة خطوبتها.. عقبال عندك يا يوسف.
يوسف: خطوبتها... إيه لحقت تنساني بالسرعة دي... هو إيه كانت عارفانا إحنا الاتنين في وقت واحد.
مليكة: اخرس قطع لسانك.. أنت اتجننت.
يوسف: مش غريب عليها وهي هتجيبه من برا ما أمها كانت متجوزة ومشاغلة أبويا في نفس الوقت.
مليكة: لااا.. ده أنت شكلك اتجننت فعلاً... إيه اللي بتقوله ده يا حيوان اوعى تقول نص كلمة تانية.. طنط نجلاء دي مافيش منها.
يوسف: اااه بأمارة أبويا... المعلم رجب اللي راح جري ورضى على نفسه يكون محلل.
مليكة: أنا بجد بحمد ربنا إنه رحمها من واحد حيوان زيك.. أنت اللي زيك ربنا مش بيسلط عليه حد لا هو مسلط عليه نفسه.
ثم أغلقت الهاتف بوجهه تزفر بضيق.
خرجت ندى من المرحاض تقول: قالك إيه ولا قولتيله إيه.
مليكة: سيبك منه ده عيل معتوه... ده ربنا نجدها نوسة.
ضحكت ندى بخفة وقالت بفرحة: مازن جه براااا... شكله أمووور أوي في البدلة.
بالخارج يجلس الجميع ينظرون للمعلم رجب وهو يجلس بين توفيق والحاج شكري يفرد كتف على توفيق وكتف آخر على أخيه شكري فالأريكة بالكاد تأخذه وهو يفرد باقي جسده عليهم عن قصد.
يرفع فنجان القهوة يرتشف منه ببطء مصدراً صوتاً مقرفاً.
رغماً عنها نجلاء تختلس النظرات إليه كفتاة لم تكمل العشرين أتت أقوى رجل بالحي يغازلها تحت نافذة غرفتها... لكنها ليست بنافذتها بل يجلس ببيتها يكاد يخفي توفيق وشكري بسبب عرض كتفيه... وهو يجلس هكذا بكل فخر واعتزاز بحاله... رغم كل شيء وأي شيء... ضحكت... ههههه.
المعلم رجب شخص خاطف للنظر.
بينما هي تضحك خلسة تحاول أن تخفي بسمتها عليه وعلى هيئته وأفعاله... كانت دلال وزوجها فاروق يجلسون لا يفقهون شيئاً ولا تفسيراً لوجود ذلك المدعو رجب ولا سيد.
فهم سيد على الفور وحمحم بحرج بسبب أفعال صديقه التي دائماً ما تورطه: ااا.. أهلاً وسهلاً... ده الحارة فج نورها والنعمة.. اااصل ندى دي بنتنا ومتربية وسط عيالنا.. واحنا هنا بقى زي ما حضراتكوا شايفين منطقة شعبية وعارفين بعض.
رجب مكملاً بغرور واعتزاز وهو ما زال يرتشف قهوة نجلاء اللذيذة: أه واللي يفرحهم يفرحنا واللي يزعلهم يزعلنا.. مش كده يا ست أم ندى.
نادى باسمها وهو يتغزلها بعينيه فاتسعت عينيها تكبت ضحكتها.. كل ما يحدث اليوم لا هو ضرب من ضروب الجنون.
مال فاروق على أذن دلال يقول: ده إيه المجانين اللي جايباني وسطهم دول... إيه اللي مقعد حارتهم كلها معانا.
دلال بخفوت: يا فاروق إحنا في منطقة شعبية كله عارف كله وبيحبوا يقفوا جنب بعض ويجاملوا... هما كده ناس عشرية.
فاروق: دي حشرية مش عشرية.
دلال: ردة بالنسبة لك أنت يا فاروق... سيب كل واحد على عوايده وراحته إحنا جايين ناخد البنت عندنا. لوحدها يعني بكرة تتطبع بطبعنا إحنا ومازن بيحبها... يبقى خلاص.
لم تكد تقنع فاروق بوجود رجب وسيد إلا ووجد مصيبة أخرى تقف على الباب متمثلة في كارم الذي حضر للتو يفتح ذراعيه على وسعهما مرحباً: نهى خطيبتي.. وحشتيني.
وضعت نهى ودلال كفهما على وجهيهما مغمغمين: الله يخربيتك.
تقدم وخلفه عامر السبب بكل شيء وبوجودهم هنا حتى يظل ملتصقاً بمليكة قلبه.
كارم لنهى: ده القاهرة نورت أقسم بالله.
نهى من بين أسنانها: الله يخربيتك.
فاروق: إيه ده.. مين دول.. ونهى مين اللي خطيبتك يا ابني.
كارم: نهى بنتك يا عمي... اسأل طنط دلال.. ده أنا قضيت عندكوا يومين في إسكندرية مش هنساهم أبداً مش كده يا نهى؟
نهى: الله يخربيتك.
فاروق: قضيته فين يا حبيبي... إيه اللي بيحصل في غيابي يا دلال.
تدخل عامر بوقار ينقذ الموقف: مساء الخير.. عامر الخطيب.
فاروق: غني عن التعريف طبعاً... كنا بنتقابل زمان.
عامر: أه بس حضرتك بقى دايماً مسافر.. اااحمم.. كارم جه معايا لما كنت مسافر أجيب مليكة من عندكوا. ومدام دلال مرات حضرتك ست بتفهم في الواجب عزمتنا على الغدا على البحر وكارم صاحبي معجب بنهى بنت حضرتك وجايلك النهارده يحدد معاك ميعاد عشان نيجي البيت من بابه.
تنهد فاروق قليلاً.... عامر دبلوماسي إلى أقصى حد.
فاروق: أيوه يابني بس مش حاسس إنه خفيف شوية.
تقدم كارم يقول: لاا... لااا دي إهانة لا يمكن أقبل بيها.
عامر: اهدى.
كارم: اعقلوا الكلمة.. اعقلوا الكلمة.
فاروق: أهو شوفت.
عامر: لا لا يا أستاذ فاروق... هو بس مع أهله وحبايبه بيحب يهزر ويفرفش لأنه دمه خفيف بطبعه واصلاً كل المصريين كده بس تعالى شوفو وهو واقف في كمين على الصحراوي كده... باشا مصر.
كارم: أه والله حتى هبقى آخد نهى وأظبط لها قاعدة رومانسية هناك... كرسيين وشمسية واتنين عصير VIP... مش كده يا نهى؟
نهى بغيظ: الله يخربيتك.
كارم متمتما: بتموت فيا.... واقعة أوووى يعني... معذورة.
حاول فاروق أن يستفيق من كل ذلك الجنون الذي يحدث حوله خصوصاً مع نظرات مازن الذي يكاد يبكى مما يحدث لخطبته.
نظر فاروق أمامه لا يعلم من يخاطب ومن بالضبط يطلب يد الفتاة لابنه لكنه حسم أمره وتحدث بتعميم: طيب يا جماعة إحنا جايين نخطب إيد بنتكم ندى لابني مازن... مازن دلوقتي بقى دكتور.. جايله تكليف هنا في القاهرة وهيأجر شقة هنا بس هو ليه شقة ملك في إسكندرية.. ومكان ما يرتاحوا يعيشوا.
تقدم رجب على الكل وقال: على بركة الله.. نقرا الفاتحة.
شكرى: هااا.
رجب: اقرأ الفاتحة يا حاج شكري.. وخلي الباشمهندس يقرأ.
لم يترك فرصة لأحد... إنما باشر الجميع في قراءة الفاتحة بعد كلمته هذه وتعالت الزغاريد من شقيقات نجلاء وهي سعيدة بابنتها تتهرب بخجل من نظرات رجب العاشقة لها.
____________________________
انتهى اليوم ووقف هو أسفل بيت ندى ينتظرها.
أول ما ظهرت أمامه ابتسم لها واستدار يفتح لها باب السيارة بمنتهى اللباقة والحب.
ابتسمت قائلة: ياااااه.. عامر بيه الخطيب بنفسه بيفتح لي باب العربية.
عامر: عامر بيه الخطيب محضر لك مفاجأة هتطير عقلك بس أرجو بقى أن قلبك يحتمل.
نظرت له بتوجس حماس لكنه قال: انسسسسى.. مش هقول أي حاجة دلوقتي.... يلا بينا.
اصطف سيارته في أحد المطارات... وعند طائرته الخاصة توقف.
مليكة: مش معقول... ده أنت مش بتدخل فيها حد.
ابتسم لها بعشق ينبع من عينيه: وهو انتي أي حد... ده لسه المفاجأة الكبيرة.
مليكة: إيه. رايحين فين.
عامر: تؤتؤ.. ما تحاوليش.
مليكة: هعرف من الخريطة اللي في الطيارة أول ما نطلع.
ابتسم قائلاً: خليتهم يشيلوها يا ذكية.
مطت شفتيها بغيظ فقال: يلا مش عايزين نضيع وقت.
مليكة: طب واللي في البيت؟
عامر: أنا في شغل وانتي بايته عند ندى بتحتفلوا.
مليكة: مممم... مش سهل أنت برضه.
عامر: طب يلا.
بعد مدة طويلة
خرجت من الطائرة لا تصدق عينيها: وواااووو... إزمير... مش معقول... مش مصدقة إننا في تركيا.
عامر: لا صدقي.. هنعيش يوم 24 ساعة... أنا وانتي وبس.
مليكة: مش مصدقة... أنت جميل أوووي يا عامر... أنا بحبك اوووي.
ثم احتضنته بقوة... وهو ضمها له يحتاج لاحتضانها أكثر منها بكثير... راحته هي وسعادته.
غرس يديه بشعرها... يد أخرى على ضلوعها يعتصرها داخل أحضانه... ااه لو تعلم كم بات يعشقها.
خرجت من أحضانه تنظر له بحب وقالت: أنا مبسوطة معاك أوي... خلينا على طول مع بعض وسيبك من السن وكلام الناس.
أومأ برأسه يعلم أن هذا فقط ما يريده... ما سيسعده ولو إنه خطأ.
عامر: تعالي يالا نروح نرتاح شوية ونتغدى وبعدها نخرج أفرجك على كل حتة هنا.
مليكة: اووكي.. يلا على الفندق على طول.
بعد غداء تركي لذيذ مع شاي مميز بنكهة تركية مميزة.
انطلاق معاً في شوارع إزمير ذات الطراز الفريد والألوان الجميلة... تدرج الشوارع في الهبوط والصعود.
سوق كبير على اليمين واليسار... ابتاع لها أشياء كثيرة... كل ما تقع عليه عيناها ويعجبها.
توقفوا في مفترق إحدى الطرق.
مليكة: اممممم.... ريحة آيس كريم الشوكولا جاية لحد هنا.
عامر: استنى هروح أجيب لك.
مليكة: لالالا والنبي هروح أنا أجيب وأجي بسرعة.
ذهبت سريعاً بحماس شديد تركض... تشتري لهم اثنين من الآيس كريم.
كان يقف ينظر لها من بعيد بحب شديد... مم هي جميلة... تحب الحياة... تريد أن تحيا سعيدة فقط ولا شيء آخر.
كانت تقترب منه في نفس الوقت الذي وجد به من ينادي اسمه باستغراب وتفاجؤ: عامر الخطيب.. مش معقول.
استدار ووجد صديقه معتز الخيال يقف يرتدي بذلة عملية وبجواره فتاة يعرفها على ما يبدو.
كل ذلك ومليكة تركض إليه بذلك التيشيرت الأبيض.. بنطلون من الجينز "هاي ويست".. شعرها على شكل قطتين.. تحمل الآيس كريم بكل يد وتقترب منه بحماس طفولي شديد... وصديقه يكمل تعريفه على التي بجواره مع قدوم مليكة: دي غادة الصواف... كانت معانا في الجامعة.... وحبيبتي.. جينا هنا في شغل مشترك في أنقرة وبعدها قولنا نستغل الفرصة ونيجي نتفسح هنا مع بعض... أنا وغادة بنحب بعض وقريب أوي هنتخطب.
نظر تجاه مليكة وهي بهيئتها الصغيرة تلك بجوار غادة... من نفس عمرهم.. ترتدي ملابس عملية باهظة... تقف وقفة أرستقراطية تليق بعمر صديقه... هل سيقال عليه مراهق... متصابى.. أم مجنون.
تحدثت تلك الفتاة بلباقة تقول: مش هتعرفنا على البنوتة الحلوة دي يا عامر بيه؟
نظر ناحيتها وهي تنظر له باتساع وحماس.. سيقول الآن بالتأكيد ويصرح بحبه كما صرح صديقه بالضبط لا مكان للخجل.
ابتلع غصة مؤلمة بحلقه وهو ينظر لحماسها ورغماً عنه قال: دي.. مليكة.. بنت ابن عمي.
تلاشت ابتسامتها... سقط الآيس كريم أرضاً... معتز ينظر له ينتظر حديث أكثر... تعريفه لها هكذا فقط لا يكفي من وجهة نظر أي شخص يراهم هنا وحدهم ولكن... هذا فقط ما صرح به... إذا كما يريد.
ظلوا يتجاذبون أطراف الحديث وهي تقف متسمرة.. حتى الدمع لم تجده.. لقد جف.
ذهب صديقه سريعاً ونظر لها... رأى شحوب وجهها يحاكي الموتى... الحياة والفرحة التي كانت بعينيها تبخرت.
عامر بلهفة: مليكة أنا ما كنتش أقدر أقول... انتي صغ...
قاطعته ببرود مقلق للغاية: عايزة أرجع مصر.
عامر: مليكة.. اهدى بس وقدر لي موقفي أنا اتحرجت شوف شكلك جنب شكلي أنا....
صرخت بوجهه بجنون... قد نفذ كل الصبر: قولتلك رجعني مصر حالا بدل ما أجري منك في الشوارع وأروح السفارة وأرجع لوحدي.
عامر: مش هنرجع إلا أما أشرحلك موقفي وتهدي وتسامحيني.
اقتربت منه وشبت على أصابعها وبالكاد وصلت لأنفه: عمري ما هسامحك... أنت موت...
عامر ماااااات... سامعة... مات...
ورجعني مصر بدل ما أروح السفارة وأقول أنا مين وبنت مين فيكلموهم في القصر ويتعرف إني خرجت من مصر معاك... يالااااااا.
صرخت أمره بوجهه ولأول مرة ترتعد عيناه هكذا... لقد أضاع مليكة منه نهائياً.
رواية انصاف القدر الفصل الثاني عشر 12 - بقلم سوما العربي
الخذلان... أن يُخذل المرء مراراً من أهم الأشخاص في حياته جدير بأن يغيره إلى شخص آخر.. شخص لا يعرفه حتى هو.
جلست صامتة... صامتة تماماً.. وهو يقتله الألم... لم ولن تفهمه.. ليس من الطبيعي أبداً ولا من المقبول أن توجد علاقة بينهما... هو رجل تقدم به العمر وهي فتاة صغيرة... ليس من المعقول أن ينسى كل شيء.... نظرة الناس... المجتمع... حتى أقرب الأقربين لا يعلم كيف سيواجههم ويخبرهم.. ليس جبناً ولكن.. هناك أبعاد أخرى... هو نفسه يشعر بالخجل والتصابى بعشقه لها... ماذا سيحدث بعد عشر سنوات... عشرون سنة... كيف سينسى حياة المظاهر التي اعتاد عليها... مليكة... ما هو شعورها بعدما تصبح زوجته.. هل ستظل على حبها أم؛ أم سيعجبها شاب آخر... هل من الممكن أن يأتي اليوم الذي تخبره فيه برغبتها بالانفصال.. أو أنه مثلاً استغلها... استغل حبها وتعلقها به وتزوجها سريعاً قبلما تنضج وتستفيق من نشوة حبه.
الأهم أنه على يقين بأنها لا تصلح له ولا هو يصلح لها.. أغمض عينيه يتنهد بألم فهو أحبها.. بالفعل أحبها وقضى الأمر... قلبه معها... لكن عقله ما زال معه... ولابد أن يظل معه.
عامر الآن في صراع بين الصح والأصح... حبه لتلك التي بجواره... وبين أنها صغيرة... فارق العمر كبير وغير مقبول... كذلك هديل... تلك الفتاة اللطيفة... يعلم بخطط خالته للزواج منها وقد كانت هديل غير مرحبة أو مهتمة ولكن بعد ذلك التغير الذي يراه منها في الآونة الأخيرة جعله في حيرة ومأزق كبير.
لكن لاااا... هو لا يستطيع الاستغناء عن مليكة قلبه.... لا يستطيع الارتباط بغيرها... وأيضاً لا يستطيع الارتباط بها.
يقتله الألم وهو يراها بهذه الهيئة تجلس بجواره في طريق عودتهما إلى مصر... وجهها يكسوه الألم وخيبة الأمل... يعلم... لقد خذلها. خذلها بقوة... مليكة التي بجواره الآن ليست هي تلك التي عهدها حتى في الوقت الذي لم يكن يعشقها به وكانت مجرد فرد في عائلته لم تكن كذلك... كانت كتلة حيوية ومرحة تسكن معهم.... من أروع ما حدث بحياته هو عشقها له.
بات متأكداً أنه يستحق الضرب كونه رفضها ذلك اليوم وبهذه الطريقة... ومع ذلك أعطته بدل الفرصة اثنتين وهو أضاعهما وأضاعها... لكن السؤال الآن والذي بات يلح على عقله... هل سيسطيع تركها تبتعد؟
لا يحتاج لتفكير... يعلم لن يستطيع... حتى لو هي أرادت.
اقتربت الطائرة من الوصول لأرض الوطن... استدار لها بإلحاح يقول وهو يتحسس كف يدها وهي تقبضهم بغضب وألم: مليكة... عشان خاطري اسمعيني وأعطيني فرصة أفهمك.
ظلت صامتة... كأنها ليست معه... أو لا تعير حديثه اهتماماً قال كما لم يقل.
عامر: يا مليكة افهمي... افهمي وحاولي تستوعبي ما ينفعش تشوفي الموضوع من زاويتك أنتِ وبس... الدنيا مش أنا وأنتِ... فيه ناس... ناس كلامهم زي الحجارة وأصعب... والغلط كله هيبقى عليّ... لأنني أنا الكبير الواعي اللي كان المفروض أتحكم في كل حاجة من الأول ولو شفت بنت صغيرة زيك بتحبني يبقى ذهني حاضر ويوقف كل حاجة... هيتقال إني استغليتك أو ممكن كمان غصبتك... وأنا راجل رأس مالي سمعتي... وسمعة عيلة الخطيب كلها.... أنتِ لو شفتي واحد من سني ماشي جنب بنت صغيرة وبيقول حبيبتي هتقولي عليه إيه... بلاش أنتِ ممكن تتعاطفي معاه لكن أنتِ عارفة كويس الناس هتقول إيه... مليكة لازم تفهمي وتعذريني.
أخيراً خرجت عن صمتها ونظرت له ببرود قائلة: أعذرك على إيه؟
عامر: على اللي حصل من شوية أنا أس...
قاطعته تسأل بنبرة باردة كالجليد: وهو كان حصل إيه أصلاً؟!
نظر لها باستغراب يقول: لما... لما قلت لمعتز إنك بنت ابن عمي وبس.
مليكة بهدوء مميت للماثل أمامها: طب وأنت قلت إيه غلط في كده.... ما أنا بنت ابن عمك.. وبس.
عامر بلهفة: لا يا مليكة لا أنتِ مش كده وبس لو سمحتي ما تعمليش كده.. ازعلي مني وزعقي... اعملي أي حاجة بس ما تبقيش ساكتة كده.... هدوءك ده مخوفني.
نظرت له بجانب عينها وقالت: لو سمحت أنا مش حابة أتكلم مع حد دلوقتي.
وقف يتحدث بقوة وغضب: واحنا مش هننزل من هنا ولا هتروحي في حتة إلا أما تفهميني وتسامحيني.... وتديني فرصة تانية.
ردت ببرود صقيعي: اديتك فرص كتير.. خلصت كل الصبر... كتر خيري.
عامر بخوف وتوجس: يعني إيه؟
شعروا باهتزاز الطائرة معلنة عن احتكاك عجلاتها بالأرض.
عامر: مليكة... ردي عليا.. معناه إيه الكلام اللي بتقوليه ده؟
جمعت أغراضها وهي تتجه إلى باب الطائرة ولا تجيب.
ذهب خلفها قبض على ذراعها يديرها نحوه: مليكة.. ردي.. يعني إيه... عايزة تسيبيني؟!!
ابتسمت بجانب فمها تقول بسخرية: هو أنا كنت معاك عشان أسيبك؟
احتدت عينيه وبدأ غضبه يظهر: يعني إيه كلامك ده... أنتِ فاكرة إنك ممكن تبعدي عني عادي.. أنا مش هسمحلك.
كان باب الطائرة قد فتح... نظرت له وقالت ببرود: تسمح.. ما تسمحش.. مع نفسك.
ردد ببهوت: مع نفسي.. إيه ده أنتِ بتكلمي عيل صغير؟
التفتت خلفها تقول: سلام... يا ابببيه.
نظر لأثرها بغضب وهو يراها تغادر... هل ستغادر حياته مطلقاً؟... حسناً سيعطيها بعض الوقت كي تهدأ ثم يتحدث معها بعقل قليلاً ولن يتركها قبل أن يراضيها.. هو مخطئ وعليه أن يتركها لتهدأ.
***
بعد مرور أسبوعين
وقفت حكمت تحمل ذلك الوعاء الساخن تنادي على ابنها.
يوسف: نعم.. نعم يا أمي.
حكمت: ما بتردش ليه على طول.
يوسف: جاي تعبان ومش شايف قدامي وعايز أريح شوية.
حكمت: طب خد... خد حلة الرز دي وديها عند الأسطى سيد جارنا.
يوسف: هو إيه الحكاية... ما يجوا يتغدوا ويتعشوا عندنا بالمرة هو كل يومين هتعملي لهم أكلهم ولا إيه؟
حكمت: يا ابني خلي في قلبك شوية رحمة... الراجل مراته ميتة وبنته لسه صغيرة مش عارف يتصرف.
يوسف: مين دي اللي صغيرة... دي عيلة لسانها مترين.. بترد الكلمة بعشرة.. أنا نفسي ما بعرفش أحلق على لسانها ده... مش موديهم حاجة... أنا لو شفتها همسك في خناقها.
حكمت: يلا يا يوسف واستهدى بالله.. ده الناس لبعضها.
حمل الوعاء الساخن بأحد الأقمشة البالية على مضض وتقدم للخارج.
توقف على أعتاب شقة الأسطى سيد وأخذ يدق الباب.
سمع صوت من الداخل يردد: أيوه.. حاضر جاية.
فتح الباب وظهرت فتاة صغيرة بوجه أبيض مستدير وشعر أسود... ملامحها بريئة جداً ولكن... لسانها سليط وغير بريء بالمرة: نعم خير... هو أنت كل ما تبقى فاضي تقول أما أقوم أخبط على باب الجيران شوية... مش مكسوف من طولك وأنت بتعمل كده.
يوسف: إيه.. بلاعة واتفتحت.. اهدى على نفسك شوية فيه إيه... مش شايفني شايل ولا عميتِ.
احتد صوتها قائلة: هي مين دي اللي عميت يا جزار الحمير أنت.
يوسف: أنا جزار حمير.. لااا ده أنتِ قليلة الأدب وما لقيتيش حد يربيكي.
مي: احترم نفسك يالا بدل ما أفرّج عليك أمة لا إله إلا الله دلوقتي.
مع ارتفاع صوت شجارهم خرجت حكمت من شقتها... في نفس الوقت خرج سيد من شقته.
سيد: فيه إيه يا أمي.. إيه يا يوسف هو أنتو ديماً كده زي النار والبنزين.
حكمت: فيه إيه يا عيال ده أنتو ولا اللي مولودين فرق روس بعض.
يوسف بغضب: أمي دي بت لسانها طويل ومتدلعة وعايزة حد يعدلها.
مي: شايف يا بابا.. شايف بيغلط فيك وأنت واقف.. بيقول إنك ما بتعرفش تربي... شفت قلة الأدب.
يوسف بجنون قال لوالدته: شايفة يا أمي الافتراء والكدب.
سيد وحكمت: بسسس.
سيد: مي خلاص.. يوسف ما يقصدش.. وكثر خيره جايب لنا الغدا أهو تعبناه معانا هو والست حكمت... الأصول نشكرهم مش نتخانق معاهم.
مي: طنط حكمت ماشي على عيني وعلى راسي... لكن الواد ده لأ.
هاج يوسف يهم ليضربها: واد.. واد مين يا أم واد أنتِ. احترمي نفسك ولمي لسانك.
سيد: عيب يا أمي مهما كان ده أكبر منك... يلا اعتذري.
مي: هعتذر لطنط حكمت بس. غير كده لا.
حكمت: ولا تعتذري ولا حاجة... أنتو الاتنين ولادي بس يا ريت تطلبوا منقاره كل ما تتقابلوا ولو صدفه لازم تتخانقوا كده... ده انتي خلاص كبرتي ورايحة أولى ثانوي وهي داخلة الجامعة أهو المفروض نعقل بقا ولا إيه.
مي: أه.
يوسف: شايفة يا أمي.. دي بتحلّن عليكي.. بتتريق. بتستهزئ بينا.
مي: والله أنا بهزر مع طنط حكمت أنت بقا خدتها على أنها تهزيق لأنك حاسس نفسك قليل ومهزأ دي حاجة ترجعلك أنت أكتر واحد تحس بنفسك.
اغتاظ يوسف أكثر وفهمت أمه أنه على وشك ضربها فعلاً... أخذت تجرّجه إلى باب شقتهم تحول بينه وبين مي.
يوسف: لاااا... دي بت قليلة الأدب... سيبيني عليها يا أمي... والله يا مي لأكون معلمك الأدب.. سيبيني يا أمي.. والله ما حد مربيها غيري البت دي.
أما مي فأخذ والدها يدخلها هو الآخر: شايف يا بابا.. شايف قليل الأدب... بيقول عايز يربيني... يقصد إنك مش عارف تربي... ماتسكتلوش... ده زودها أوووي.
أدخلها سيد لشقتهم وأغلق الباب يقول: بقا كده يا مي... بتعلي صوتك وأنا واقف.
مي: بابا أنت إزاي تسكتله... ده شتمني وأنت واقف.
سيد: ده على أساس إني مش عارف طوله لسانك.. الواد جاي وجايب لنا غدا كمان وبتزعقي له.
مي: ياسلام.. يعني هتسكتله.. اللي عمله ده هيعدي عادي... طييب... أنا بقا مش هسكت.
هز رأسه بقلة حيلة من ابنته ورأسها اليابس.. ثم فتح ذلك الوعاء من الأرز الساخن وفوقه قطع اللحم تتصاعد منها الأبخرة.
سيد: طب تعالى... تعالى اتغدى الأول.
مي: هاجي طبعاً.. ده أنا بحب طبيخ طنط حكمت أوى.. هاكل دلوقتي وبعدين أقوم أتخانق عادي.
هز رأسه بأسى ثم شرع في تناول طعام حكمت اللذيذ.
أما عند حكمت فكانت ما زالت تدفع ابنها للداخل تحاول تهدئته: خلاص بقا يا يوسف.. اهدى.
يوسف: والله ما أنا سايبها... أنا هعرفها مين يوسف ابن المعلم رجب.. صبرك عليا يا مي يا بنت سيد.. والله ما أنا سايبها وهي كبرت في دماغي بقا أما أشوف إزاي كل ما تشوف وشي تتطول لسانها عليا.. أنا هخليها تخاف من خيالي.. تشوفني تحط وشها في الأرض... ماشي.. صبرك عليا يا بنت سيد.
دلف لغرفته بغيظ وأغلق الباب خلفه بينما حكمت تتنهد بقلة حيلة تعلم ابنها حين يضع برأسه شيئاً.
***
جلست ندى وهي تضع الهاتف على أذنها.. كعادتها منذ أسبوعين.. تتحدث بالساعات مع خطيبها.. مازن.
ونجلاء تقف بالشرفة تقوم بإنزال (السبت) للمعلم رجب بعدما هاتفها يطلب منها ذلك.
وكعادته منذ فترة... يحضر لها الكثير من الحلوى وأحياناً طعام جاهز.
وهي لا تعرف من أين لها كل ذلك التعود والقبول... من المفترض أنه شخص غريب عنها.. بأي صفة وتحت أي بند تندرج كل تصرفاتها وتصرفاته أيضاً.
لا تعلم لماذا تجيب كل مرة يتصل بها.. ربما لأنه لا يتعدى حدوده.. ربما لأنها تستمع لصوته يحدثها بنبرة تحمل كل الاحترام بل والفخر والاعتزاز أيضاً.
ذلك اللقب الذي لطالما استغربته أصبحت مدمنة عليه.. تحب أن يناديها به.. تعلم سيقال عنها متصابيه أو في مرحلة مراهقة متأخرة ولكن؛ لكن حين يقولها ويناديها بهذا اللقب رغماً عنها تشعر بحالها.. أنها موجودة... لها وجود وليست أم ندى فقط.. تلك السيدة التي تحيا لتربي ابنتها فقط وتزوجها وتجلس تنتظر أي مشكلة تواجه ابنتها من بعد الزواج كي تتدخل... كل هذا مسؤوليتها الأساسية وهي تعلم ومرحبة ولكن ما المانع من أن يكن لها ركن ولو صغير بحياتها يسعدها... يشعرها أنها من الأحياء على هذا الكوكب.
مهلاً نجلاء... إلى أين وصل عقلك... إنه مجرد وسيلة للعودة إلى حياتك العادية مع توفيق وابنتك... اعقلي.
تنصح نفسها بالتعقل... وبعد ثانية واحدة فقط.. ورغماً عنها تولدت من جديد روح الطفلة التي بداخل كل أنثى وهي ترى كل تلك الحلوى التي جلبها لها بجوارها نوع القهوة المفضل لها... ولا تعلم من أين عرف.
انتفضت فجأة على صوت ندى: إيه الحاجات دي يا أمي... هو إيه الحكاية.
تلعثمت لا تجد رد... وكأن الحال تبدل.. شعرت كأنها هي فتاة الثامنة عشر وندى هي ولي أمرها وهي لا تجد رد منطقي على أسئلتها.
نجلاء: ده.. ددده. ده. ده.
رفعت ندى حاجبها تقول باستغراب: ده ده إيه... مالك كده يا أمي وكمان إيه حكاية الأكل الدليفرى.. مرة سي فود ومرة برجر من ماك.. وحلويات وشيكولاتات... وإيه ده.. ده البن اللي أنتِ بتحبيه وبتمشي له مسافة عشان تجيبيه من عند الراجل ده بالذات.... لااااا أنا عايزة أعرف إيه اللي بيحصل من ورا ضهري... قولي... عايزة تشمتي الناس فيا... عايزةيهم يقولوا إيه.. ندى ما عرفتش تربي... قولي.
نجلاء بحدة تداري بها توترها: بنت.. إيه اللي بتقوليه ده... أنا اللي أمك على فكرة.
ندى: مش ضروري.... ساعات الدنيا بيتشقلب حالها... وأنا عايزة أعرف أنتِ إيه حكايتك.
نجلاء: ده المعلم رجب.....
قاطعتها ندى: المعلم رجب... إلا قوليلي يا أمي هو إيه اللي جابه هو وعم سيد قراية فتحتي... مش غريبة شوية.
نجلاء بارتباك: أيوه غريبة... مش عارفة.
قامت ندى بمد يدها وأخذت إحدى الحلوى.. تحل وثاقها وتضعها بفمها بتلذذ تقول وهي تلعقها: امممممم.. طعمه أوي... دي كمان من الغالية... لا صارف ومكلف.
احتضنت ذلك الكيس البلاستيكي الكبير وقالت: أنا هاخد الكيس الكبير ده أمزمز فيه وأنا بفكر الراجل ده بيعمل كده ليه.
ثم ذهبت من أمامها وهي تلعق إحدى الحلوى وتفتح أخرى متمتمة: الا يخيبك يا مازن... مش عارف تبقى ربع المعلم رجب الجزار... تعالى اتعلم.
نجلاء بضيق: بنت... طب هاتِ واحدة حتى.
رفعت صوتها وقالت: وكمان عايزة واحدة... أنتِ تدخلي أوضتك لحد ما أشوف الولد ده عايز منك إيه... أنا مش نايمة على وداني.
زمّت نجلاء شفتيها بغيظ وندى تسير للداخل متمتمة: الا عمري ما جالي كيس زي ده... بترسم على أمي يا معلم.. ماااشي.
***
دلف للبيت وجدهم يجلسون جميعاً... يبدو أن هناك شيء مهم.
نظر لها بشوق... أصبح لا يراها كثيراً وهو يترك لها الفرصة وبعض الوقت كي تهدأ.
لكنها لا تنظر له... وحتى لو تقابلت عيناه.. تكون نظرة عادية... لا حب.. لا كره... ولا حتى خطط.. لا شيء.. تلك اللمعة التي كانت تخصها به انعدمت.. حتى في تلك الفترة بعدما رفض حبها يوم اعترافها له لم تكن تلك نظرتها كان ما زال هناك شيء.. لكن الآن.. لا شيء... ولا شيء هذا يقتله... كأنه ينحر عنقه نحراً.
ابتلع ألمه داخله يعلم أن الخطأ منذ البداية عنده حتى لو كان معه عذره.
تقدم منهم يقول: مساء الخير يا جماعة... إيه بتعملوا إيه كده.
قالها بشموخه المعتاد.. سؤال غير مباشر يحافظ على هيبته وبنفس الوقت يعلم ماذا هناك وهل الأمر يخصها أو لا.
كانت الإجابة من طرف كارما التي قالت: دي ميكا.. كانت بتبعت الرغبات بتاعت الكليات على موقع الوزارة... لسه المرحلة الأخيرة فاتحة من يومين.
نظر لها بغضب وقال: وأنا مش قلت إن مجموعك ده مش نافع وإنك هتقدمي في جامعة خاصة.
وقفت بكبر... لن تسمح له بالتقليل منها ثانية لمجرد أنها لم تصبح دكتورة أو مهندسة... لمجرد أنها حصلت على درجات سيئة في اختبارها... حتى لو... من قال إن الشأن العالي يكن بدرجات التعليم.. وإن كانت بسذاجتها مرت حديثه القديم فلن تمرره ثانية.
مليكة: أنا دي درجاتي وهي عاجباني.. مش مهم هدخل كلية إيه.. المهم هخرج منها إيه... ودرجات الثانوية العامة مش هي نهاية العالم.
احتد صوته.. عاد لتحكماته الفطرية: ولو فيه فرصة إنك تحسني كل ده وتدخلي جامعة خاصة خصوصاً إني معايا اللي يكفي ويفيض.
نظرت له مباشرة في بؤبؤ عينيه تقول بقوة: تؤتؤ.. قصدك أنا اللي معايا... مش حضرتك خالص... حضرتك مش بتصرف عليا ولا بتتفضل بفلوسك.. ده ببساطة ورثي... حقي.. حضرتك بس وصي عليا لحد ما قريب إن شاء الله هتم السن القانوني.
كان الكل في حالة ذهول... خصوصاً وهم معذورون.. لا يعرفون ماذا حدث معها وجعلها أصبحت تتحدث هكذا وبتلك العجرفة من وجهة نظرهم.
أما هو.. فصدمته أيضاً لم تكن قليلة... خصوصاً مع نظرات عيونها تلك.
عامر: امممم.. وإيه كمان يا مليكة... فيه حاجة كمان تحبي تضيفيها.
مليكة: لما يبقى فيه حاجة هبقى أعرفك.. لكن أنا هدخل كلية عادية حتى لو جالي معهد سنتين.. وعايزة عربيتي.. أنا قدمت في مدرسة تعليم سواقة وعايزة أسوقها... عن إذنكم.
تحركت بقوة... تنهي تلك الجلسة.. تاركة الكل مستغرب.. وهو في حالة صدمة.
ظل على وضعه... كأنه صنم... من تلك التي كانت تقف تناظره بقوة وتحدي.
أغمض عينيه.... يعلم... لقد أغضبها.. أغضبها كثيراً.
بعد دقائق اجتمع الكل على طاولة الطعام.
ناهد: كارما... اطلعي نادي مليكة عشان تيجي تتغدى.
كارما: حاضر.
في نفس اللحظة... دلف محمد للداخل بغضب: عامر... فيه مشكلة.
عامر: خيّر.. مشكلة إيه.
محمد: الـ 100 فدان بتوع مشروع العالمين الجديدة.. ألف عين اتفتحت علينا فيه... وبيشككوا إن الأرض مش من حقنا وإننا خدناها برخص التراب رشوة ومحسوبية.
عامر: نعم... ده أنا دافع فيها ملايين ما تتعدش.
محمد: بعد الصفقة الأخيرة والمكاسب اللي حققناها والعيون بقت علينا... عامر.. أنا قتيل المشروع ده... أنت سامع.. دول نفس الناس اللي مشاركينهم في مشروع أرض السويس... وعندهم المشروعين مرتبطين ببعض... ده هينقلنا للعالمية... مش هينفع نوقفه.
أغمض عينيه يقول: قدامك حلول إيه.
تقدم منه بجشع يقول: الحصانة... كرسي في مجلس النواب... والانتخابات قربت... لو نجحت ماحدش هيقدر يفتح بؤه معانا... واسم الخطيب هيبقى مش في مصر والشرق الأوسط بس.. هنوصل للعالمية بقولك.
عامر: لأ لا.. لا يا محمد... أنا ماليش في الجو ده.. ولا عمري فكرت فيه.. السلطة مش حاجة مفيدة دائماً... ساعات بتحطك تحت الميكروسكوب.. خلينا بعيد.. نشتغل ونكسب.. من غير ما نبقى تحت العيون.
تدخلت خالته هدى وعيناها تلمعان.
ترى به زوج ابنتها... ستكون هديل زوجة لعامر الخطيب.. رجل الأعمال والبرلماني الكبير.
هدى: وفيه إيه يا عامر... زيادة الخير خيرين... وبدل ما تدفع عشان تمشي مصالحك... تبقى أنت نفسك حصانة... بيتك ده.. هيبقى حصانة.. محدش يعرف يكلمك.
عامر: لا.. لا برضو.. أنا مش موافق.
لكزت هديل بمرفقها فتدخلت: عامر... دي هتبقى حاجة كويسة أوي ليك.. وافق دي ميزة وإضافة ليك.
قالت الأخيرة بنعومة.. تعلم أنها مراقبة من قبل أمها.
تزامناً مع هبوط مليكة الدرج خلف كارما.. تراها مقتربة منه بعض الشيء تتحدث بنعومة.
رفع نظره وجدها تنظر تجاه هديل.. الأكثر أنه لم يزجرها... لم يوقفها عند حدها.. أبعدت عينها عنه... تحاول تدريب حالها على اعتياد كل تلك الأفعال.
مجرد أبعاد عينيها عنهم جعله بحالة ضيق... منذ متى لا تهتم بانتمائه لغيرها.
جلست على طاولة الطعام مثلها مثل المقعد الذي تجلس عليه... تستمع لحديث هديل المبالغ فيه معه... ترحاب الكل على وجود علاقة بينهم... تحتسي فقط الشوربة الساخنة... معدتها من كثرة الحزن تؤلمها... والفت تنظر لها وله... تشعر بتغير كبير.. سعيدة لتغير وقوة مليكة لكنها ليست مرحبة بكل ما يحدث.
وبجوار الفت... يجلس نادر يستمع لحديث محمد غير راضٍ عن كل هذا القدر من الجشع... لا يرى أمامه غير ذلك المشروع الذي سيصل بهم للعالمية.
ابتلعت بعض من الشوربة الساخنة على مضض.. ثم وضعت ملعقتها وجففت فمها ووقفت تعتذر منهم.
ناهد: بس أنتِ ما أكلتيش حاجة.. طبقك زي ما هو.
نادر: مليكة مالك... فيكي حاجة.
احتدت عينا عامر أمام هذا الاهتمام الموجه منه لمليكته.
والأكثر هو جوابها الرقيق له: لا ما فيش حاجة.. أنا هطلع أنام شوية بس.
جوابها عادي... لكن بالنسبة لعامر هو أكثر من رقيق.
ذهبت لغرفتها... تشعر بالوحدة... حتى ندى ومنذ خطبتها لمازن أصبحت منشغلة به فقط... فتحت هاتفها... ثم تطبيق الفيس بوك.
أخذت ترى المنشورات عليه.. تعلق على أحدهم... دخلت في الحديث بالتعليقات مع إحدى الفتيات بمرح.
مرة وأخرى... ثم بعثت لها طلب صداقة.. قبلته الأخرى.
تناست قليلاً جرحها وهي تتعرف على تلك الفتاة: الحمد لله تمام... أنتِ اسمك إيه؟
الفتاة: جودي.. وأنتِ اسمك مليكة.. صح.
مليكة: أيوه صح.
جودي: شفته مكتوب كده بس بتأكد يكون اسم بنتك أو اسم مستعار.
مليكة: لا بنتي إيه.. أنا لسه صغيرة... 18 ونص.
جودي: وأنا كمان.. 17 ونص.
ثم بدأوا بحديث طويل مع بعضهم... لم تشعر هي بمرور الوقت وهي تتحدث مع تلك الفتاة العفوية الجميلة.
لكن تفاجئت بمن يفتح الباب فجأة ويقتحم غرفتها.
أغلقت الهاتف تقول بغضب: إيه ده.. إزاي تدخل كده من غير ما تخبط.
لم يهتم أو يبالي بحديثها إنما قال: أظن كده كفاية أوي.. سبتك فترة أهو عشان تهدى.. ياريت نقعد ونتكلم بعقل.
مليكة: وحد قالك إني مجنونة مثلاً.
عامر: مليكة بلاش طريقة الكلام دي عايزين نتكلم مع بعض.
مليكة بغضب: هو حضرتك عايز إيه دلوقتي مخليك جاي لحد أوضتي وداخل بالطريقة دي.
عامر: عايزك ترجعيلى... عايز نرجع لبعض.
نظرت له تضحك باستنكار: نرجع لبعض؟! مش تعرف أنت بتقول إيه الأول.. نرجع لبعض دي تتقال لما يبقى كان فيه بنا حاجة... نكون مع بعض في علاقة من أي نوع.. أنا وأنت عمرنا ما كنا حاجة لبعض... أنا لا مراتك.. ولا خطيبتك ولا حبيبتك ولا حتى بنتك أو أختك.. أنا بالنسبة لك مش أي حاجة.. أنا فرد.. فرد عايش معاك في الأوتيل الكبير ده.. جاي إزاي تقول لي نرجع لبعض عايزة أفهم.
كل هذا وهو يقف لا يملك إجابة على كل حديثها هذا.......
رواية انصاف القدر الفصل الثالث عشر 13 - بقلم سوما العربي
كان مازال يقف أمامها متخشبًا، تحاصره وتضيق عليه الخناق. من ظنها صغيرة، غلبته بالحديث لدرجة أنه لا يجد ردًا. لكنها مازالت ضيقة الأفق والرؤية، ترى كل شيء من وجهة نظرها هي، وجهة نظر بنت صغيرة مراهقة تريد أن تحيا فقط، ترى الحياة من الجانب الوردي.
كانت على وضعها، تنظر له بقوة، تنتظر ردًا أو ليغادر ويتركها لسبيلها. لكنه كالمعتاد لا ينسبها له ولا يعطيها حريتها.
تقدم منها يقول: "طيب، حطي نفسك مكاني. هتقولي إيه للي حوالينا؟ ها؟ أروح أقول لهم إيه؟ عايز أتجوز. عايز أتجوز مليكة. مش خوف، مش جبن، بس هي فعلًا حاجة تكسف."
اتسعت عينيها والصدمة أخذت منها نصيبها وقالت: "تكسف؟!! أنا حاجة تكسف؟!"
اقترب منها بتوتر: "يا مليكة افهمي، مش قصدي أنتِ، أنا قصدي الوضع، أقصد..."
قاطعته تقول: "مش عايزة أسمع."
عامر: "لا هتسمعي."
اقترب هي هذه المرة وقالت: "لا مش هسمع حاجة. ويا ريت مش عايزة أشوفك قدامي تاني. أنا مش حابة أشوفك."
صُدِم كليًا وردد بزهول: "مش حابة تشوفيني؟! مش حابة تشوفيني أنا يا مليكة؟"
نظرت له باستفزاز وتحدي: "أيوه أنت. ولو سمحت تطلع برا، مش عايزة أشوفك."
ظل على وضعه ينظر لها بزهول، لا يصدق. مليكة لا تستطيع الاستغناء عنه، عن رؤيته، عن التواجد معه في كل مكان والالتصاق به. لكن ما يحدث الآن لهو درب من دروب الجنون، أو الخيال.
رأته واقفًا لا يحرك ساكنًا، فتحركت هي تجاه الفراش، جلست عليه وقامت بفتح هاتفها من جديد وأخذت تلمس بأصابعها على شاشته دليلًا على انشغالها.
حاول أن يتحلى بالصبر، تقدم منها يقول مبتسمًا: "مش عيب أكون بكلمك وتديني ضهرك كده."
نظرت له بغضب وصمت، فقال: "طيب إيه اللي يرضيكي؟"
مليكه: "أنا تعبت، بجد تعبت من العلاقة المرهقة دي. أنا اللي دائمًا بقدم تنازلات، وفي المقابل وعند أول موقف أنت اتكسفت توضح علاقتك بيا. أنت حتى مش موضحالي. أنا عايشة على القليل، راضية بأي كلمة أو بسمة ترميها لي، بس يكون فيه في الآخر، في نهاية لكل ده. وأنت مش ناوي تاخد خطوة لقدام، حتى مش عايز تاخد خطوة بيني وبينك. أنا مش عارفة أنا بالنسبة لك إيه."
غرس يده في شعرها بلهفة يقول: "كل ده ومش عارفة؟ مش شايفة لهفتي عليكي؟ مش شايفة إني مش قادر ولا عارف أستغنى عنك."
كان من المفترض أن تفرح كثيرًا لحالته تلك التي تراها، لكن ما حدث كان العكس.
اغتاظت بشدة وهي تراه يكابر. تحدثت بغضب: "أنت مستكتر تقولها. هو أنا هشحتها منك؟ بقالي قد إيه بحبك؟ بقالي قد إيه مستنية؟ مفيش بنت بتروح هي تقول لواحد إنها بتحبه، ومع ذلك أنا عملتها. وأنت مش عايز تقول. ويا ترى بقى مستكبر ولا مستكثرها عليا؟"
عامر: "مش كده، مش كده والله، بس... أنا... أنا لازم أما أقول حاجة أبقى قدها، أبقى مستعد للي المفروض يتعمل بعدها."
ابتسمت بحزن: "كانت هتكفيني حتى لو ما عملتش حاجة."
عامر: "لا، بتقولي كده عشان فعلاً لسه صغيرة وعقلك لسه ما نضجش كفاية. دلوقتي مش هتبقي عايزة غير كده، بس بعد فترة هتقولي طب وبعدين؟ آخرتوا إيه كل ده؟ وهتبقى عايزة فعل مش بس كلام. وأنا لحد دلوقتي مش عارف هجيبها للي حوالينا إزاي."
مليكه بسخرية: "هه، يعني أنت كمان عايز تقولي إن كفاية عليكي كده ودلوقتي أو مستقبلاً ما تطلبيش مني حاجة؟ ما تجيش تقولي وبعدين. أنا حذرتك إن معايا مفيش جديد."
عامر: "هو ده اللي فهمتيه بس؟ ما خدتيش بالك إني بقولك مش عارفة هجيبهالهم إزاي."
مليكه: "لو مش عارف هتجيبهالهم إزاي تبقى هي دي مشكلتك. لما تبقى بسنك ده ومش قادر تواجه الكل باللي أنت عايزه، ده لو كنت فعلًا عايزه."
عامر: "إحنا مش هينفع نتناقش وإنتي كده، متعصبة ومش عايزة تسمعيني."
مليكه: "إحنا مش هينفع نتكلم مع بعض تاني أصلًا."
عامر: "مش بمزاجك يا مليكة."
احتدم صوتها وقالت: "أمال بمزاجك أنت؟"
عامر: "ولا حتى بمزاجي. أنا مش هسيبك حتى لو أنتِ عايزة تسيبيني. ومش هسيبك تسيبيني، سامعة."
خرج من غرفتها مستاءً من كل شيء، حتى من نفسه.
***
صباح يوم جديد.
جلس رجب لجوار سيد وقد نفذ صبره بالفعل: "وبعدين يا سيد؟ هفضل كده تحت رحمته كتير؟ ده إحنا بقالنا شهور على الحال ده. هو هيطلقها رسمي إمتى بقى؟"
سيد: "مفيش في إيدينا حاجة غير إننا نستنى بسلامته لما يتعطف ويتكرم ويفضى نفسه ويفتكر يروح يطلق."
رجب: "أنا أكلمها أقول لها عشان نخلص الليلة دي."
سيد: "إنت يا جدع أنت جرى لمخك حاجة؟ عايزها تروح تقول له طلقني أصلًا عايزة أخلص عدتي وألحق أتجوز؟ عشان يفضحها ويقول مستعجلة على جوازك من غيري ليه؟ إنت عايز تكشفنا؟ ما شافوهمش وهما بيسرقوا، شافوهم وهما رايحين يقولوا له طلقها. بقا أنت عايز تجيبلي جلطة."
تنهد بضيق وقال: "يعني هفضل تحت أمره كتير."
سيد: "اقعد يا رجب. اقعد واشرب الشيشة بتاعتك وخلي كل حاجة تمشي زي ما كتبتلها بالظبط بدل ما تعك على دماغك. اقعد... اقعد يا جدع واستهدى بالله."
حاول أن يهدئ من نفسه ويجلس، فقد صبر عمر فلا بأس من الصبر قليلاً أيضًا، كله يهون أمام النظرة في عيني ست البنات نجلاء.
***
بعد مرور شهر.
جلس يضع قدمًا فوق الأخرى في حديقة المنزل، ينتظرها.
توقفت خارج القصر بعدما ترجلت من سيارة الأجرة. وتقدمت للداخل، وجدته كأنه ينتظر أحدًا.
لن تكابر، لقد ارتعبت قليلاً ولكن حاولت التماسك، المضى قدمًا للداخل وأن الأمر لا يعنيها. لكنه مشى بخطوات متمهلة رزينة: "كنتي فين."
ابتلعت ريقها بصعوبة وقالت: "كنت بتفسح شوية."
رفع حاجبه وقال: "أوووه.. ده عامر بقا نايم على ودنه بقا؟ فكرك إني مش عارف بكل خطواتك؟ بتخرجي وتشتري لبس مع إني محرج عليكي وقايلك إن أنا اللي هشتريه، بس قولت ماشي. عصيتي كلامي ورحتي ادمتي في حقوق، وقولت ماشي. لكن تروحي تتعلمي سواقة من غير ما أعرف وكمان تخلي واحد هو اللي يعلمك، ده بعدك. فاهمة؟ أنا مش هسيبك تعملي كده ولو فكرتي بس في كده هقطعلك رجلك قبل ما تفكري تخطي باب البيت."
احتدم صوتها، تملكتها كل شياطين العالم: "إنت بتزعقلي كده ليه؟ وبتشخط وتزعق فيا كده ليه؟ وبأي حق؟"
عامر: "أنا أعمل فيكي اللي أنا عايزه. أنا حر فيكي."
مليكه: "لا مش حر. بأي حق تعمل كده؟ أنا حرة، ماحدش ليه عندي حاجة."
عامر: "لاااا.. ده إنتي خلاص اتجننتي. وإنتي مش حرة، وأنا ليا عندك وليا كتير أوي. أنا سبتك لمزاجك كتير أوي والظاهر إن ده كان غلط. بعد كده مافيش خروج غير معايا، إنتي سامعة."
مليكه: "ماتزعقليش كده، إنت مش من حقك تعلي صوتك عليا."
عامر: "ده أنا هعلي وأعلى وأعلى."
مليكه بسخرية: "ومش خايف اللي في البيت يشوفوك ويسمعوك."
عامر: "لا، ماهو ماحدش هنا. كلهم خرجوا."
مليكه: "آه، وعشان كده واقف بقلب جامد ومعلي صوتك أوي. لو كان حد هنا كنت اتداريت وإنت بتكلمني. وأفضل قدامهم مليكة الصغيرة، مش كده."
عامر: "طالما إنتي مخك صغير كده مش هتناقش معاكي."
مليكه: "أيوه أنا مخي صغير ولسه ما نضجتش زي ما أنت بتقول، سيبني لحالي بقا."
عامر: "ماهو لو بمزاجي كنت سبتك أكيد. بس زي ما قولتلك قبل كده أنا مش عارف. حتى وإنتي لسه مش ناضجة، حتى وإنتي لسه عايشة في عالم الروايات بتاعتك، حتى وإنتي مش عايزة تشوفي ولا تسمعي غير وجهة نظرك وبس."
مليكه: "بقا أنا كل ده؟ إنت شايفني كده."
عامر: "آه."
مليكه: "وما سألتش نفسك أنا بقا شايفاك إزاي؟"
مال عليها وهو يرفع حاجبه يبتسم بثقة قائلًا بأذنها: "عارف. فيا العبر."
أكمل بهمس استفزها: "بس بتحبيني. وشايفاني حبيبك وفارس أحلامك."
احمر وجهها غيظًا تقول: "إنت مستفز. دي كانت أكبر غلطة في حياتي."
التف يعطيها ظهره يغادر بهدوء وخطوات واثقة يتبختر.
وهي تصرخ خلفه: "إنت يا بيه... إنت يا أستاذ... إنت بتقولي أوامرك وبعدها تستفزني وسايبني وماشي."
توقف والتفت نصف التفاته وقال: "أحسنلك امشي دلوقتي."
مليكه بعصبية شديدة: "يا بارد يا مستفز! أنا غلطانة إني..."
قاطعها بعدما تقدم بخطواته سريعًا يضمها له ويلتهم شفتيها بقبلة جائعة طال انتظاره وتصوره لها.
كأنه بالنعيم وأكثر. قبلتها عصفت به وبكيانه. مليكته التي غرق بها عشقًا. بعد قبلته هذه كأنه بدلًا من الفرار بقلبه، ختم على قلبه بوشمها لباقي العمر.
فصل قبلته بصعوبة ونظر لها، كانت خجلة جدًا، ومصدومة أيضًا. قبلة مع عامر الخطيب، كرحلة في الأدغال اختطفها إليها.
الآن استوعب إلى أي درجة يعشقها هو.
ضمها لحضنه أكثر يقول: "مش هقدر أستغنى عنك يا أم عقل صغير ومخ ضلم."
اعترضت بين ذراعيه على حديثه، فقال: "أيوه ماهو إنتي كده فعلًا. مافيش حد ناضج كفاية ولا حد وصل للعمق اللي بيقول إن هو بيقول عليه. كلنا لسه بننضج كل ما بنكبر ونقابل ناس."
شدد على احتضانها أكثر، يأخذ نفسًا عميقًا يحمل في طياته رائحتها: "عشان خاطري ماتسبنيش. خليكي معايا. أنا مش هعرف أستغنى عنك. خلاص أنا هبدأ أمهد لموضوعنا. مش هعرف أستحمل أشوفك قدامي كده بس مش ليا ومش بتاعتي."
مليكه: "بجد يا عامر؟ الله يخليك ماتعشميش تاني. المرة دي لو ما عملتش حاجة أنا مش هثق فيك تاني ولا هبقى معاك حتى لو روحي فيك."
أغمض عينيه يقول: "بجد يا مليكة، بس خليكي جنبي، قريبة مني. بلاش البعد والعند بتوعك دول، أنا مبقتش قادر."
ابتسمت قائلة: "حاضر."
أخيرًا تنهد بارتياح وقال: "طيب ممكن نقعد مع بعض شوية؟ أحكيلي الفترة اللي فاتت عدت إزاي بقالك شهر بعيد عني."
هزت رأسها بالإيجاب، أخذها باحتضانه التي جعلتها تتخدر كليًا. راحته المهيبة وجسده الضخم، كل ذلك امتزج ليعطيها شعورًا بالفخر بحالها. هي من حظت باحتضانه.
شعور الراحة مع الأمان والأمل بغد أفضل لجوار حبيبها. كذلك كونها باحتضانه هو حولها طيف رائحته جعلها تتحدث بأريحية وحماس، تخبره كل شيء. عن غضبها من ندى بسبب انشغالها بمازن أكثر منها، صداقتها الجديدة مع جودي، استعدادها للجامعة، تعلمها القيادة، كل شيء. كل شيء وهو فقط يستمع لها ويبتسم. بات يعشق ثرثرتها تلك حتى لو كانت بلا هدف.
***
بعد مرور شهرين.
كان الحال أكثر من مستقر وممتع بين عامر وحبيبته، مليكة. مليكة مكرم الخطيب، تلك الصغيرة التي أحبها. يعشق كل تفاصيلها، ويعشقها هي. هي جميلة جدًا، جمالها طبيعي وساحر. يعشق النظر داخل عينيها، يحب شعرها الجميل هذا، بشرتها البيضاء، جسدها الملفوف. كل شيء، كل شيء بها يحبه. إلا شيئًا واحد. مرحها. يكره ذلك المرح الذي يجذب إليها الأنظار. مرحها مع محمد. نادر أصبح شيئًا خارج عن طاقة تحمله.
اليوم هو موعد قدوم فادي للبيت، فهو كان ينقصه فادي أيضًا ليكتمل الشلل الرباعي.
دلف فادي بمرح: "وحشتوني وحشتوني وحشتوني أوي."
ركض تجاه الفت يقول: "تيتا، وحشتيني أوي. عاملة إيه؟"
ضمته الفت إليها تحتضنه بحب شديد تهز رأسها له.
سلم على الجميع وتقدم ناحية مليكة يقول: "ميكا، وحشاني موت، عاملة إيه."
همت تجيب عليه بحماس، لكن أجاب ذلك الإمبراطور: "الحمد لله كويسة. اقعد يافادي كده وخد نفسك، إنت جاي من سفر مالحقتش يعني."
ناهد: "اطلع ياحبيبي خد دش وانزل، عملالك الأكل اللي بتحبه."
فادي: "أوكي، عشان عايزكم في موضوع مهم."
صعد فادي لغرفته، وعامر ينظر تجاه مليكة بنظرات مشتعلة جعلتها تتململ في جلستها.
وهو يحذرها بعينيه عن أي تصرف أهوج.
على سفرة طعام ممتلئة بكل أصناف الطعام الفاخر.
جلست ناهد بحماس تقول: "أما أنا عملالك سفرة يا واد يا فادي، هتاكل صوابعك وراها. تلاقيك هفتان وماكنتش بتاكل كويس."
فادي: "هو ده أكل ولا إنتو شفتوا أكل؟ ده أنا كان بيجيلي يوماتي ملوخية فلاحي، يالهوي. ريحتها لوحدها تجيب تخمة. ولا البيض بالسمنة البلدي، بيسيحوا السمنة كده من غير حساب ويحطوا عليها البيض، ياميييي."
محمد: "وده مين اللي كان مهتم بيك كل الاهتمام ده."
فادي مبتسمًا بسماجة: "حماتي."
انتبه الجميع يقولون بصوت واحد: "إيه."
فادي: "اتعرفت هناك على بنت إنما إيه، مش عارف أقولكم إيه. تتحط على الجرح يلتهب. لسانها ده طوله مترين. البت بتفطر شتيمة وتتغذى شتيمة، ماشاء الله. حاجة استغفر الله العظيم ما توصفش. بس قمر قمر قمر. أنا ماكنتش أعرف إن في الأرياف في بنات حلوة كده، لا ومتعلمة ومتخرجة كمان وبتشتغل. ده غير إنها شيك أوي في نفسها. الفلاحين اتقدموا أوي. قال واحنا اللي بنقول عليهم أرياف؟ طب والله إحنا اللي أرياف. أنا قولت هروح ألاقي شوارع ضيقة، ترعة، حمير، بهايم، يالهوي. الشوارع هناك نضيفة، كافيهات، مطاعم، سوبر ماركتز. وفي القرى جوه نضيفة كمان والناس بتنضف قدام بيتها، مش هنا زبالة في كل حتة."
محمد: "خلصت؟ عمال تحكي وتتحاكي، غفلتنا كده يعني؟ إنت إيه اللي عمال تقوله ده؟ ومليكة... مش المفروض إنكم في حكم المخطوبين."
فادي: "أنا ومليكة اتفقنا إننا نبقى أخوات وولاد عم وبس. إنتي ما قولتلهمش يا مليكة."
ابتسمت تجاه عامر قائلة: "قولت لأبيه عامر."
بينما عامر يكاد يطير فرحًا من كل شيء. حبيبته معه، لم تبتعد. فادي أعلن بوضوح ارتباطه بأخرى. وهي الآن تخبر الكل أن عامر هو الأقرب إليها وتخبره بكل شيء وبأدق تفاصيلها.
تحدث أخيرًا وقال: "أيوه قالتلي، بس كنت مستني إنت تقول يا فادي. على العموم ألف مبروك، المهم تكون مبسوط ومرتاح."
ابتسم فادي براحة، ولكن قاطعه محمد محتجًا بعنف: "مبسوط إيه وهباب إيه، عاه على دماغه. إنت هتسيب مليكة اللي مننا وزينا وبنت عمنا وتروح تتجوز واحدة تانية."
مليكه: "وفيها إيه يا محمد؟ أنا مش بحبه ولا هو بيحبني، سيب كل واحد يرتبط باللي بيحبه."
قالت الأخيرة تنظر بعيني عامر تخصه بها، فانشرح قلبه أكثر وأكثر.
محمد: "اللي بيحصل ده جنان ومش مقبول. مين دي ولا عندها إيه عشان تروح تتجوزها؟ الواحد يتجوز جوازة ترفعه مش تقل منه."
وقفت كارما تنظر له بزهول، لأول مرة ترى ذلك الجانب من محمد.
غادرت دون قول أي شيء، غافلة عن نادر وهو ينظر لها باستياء وعلى الوضع الذي ارتضت بوضع نفسها فيه مع ذلك الجشع.
لكنه عاود العبث بصمت في صحنه.
بينما هدى تلكز هديل بكتفها كي تزيد من جرعة الاهتمام.
أغمضت هديل عينيها. لقد سئمت ذلك الوضع، لكن لا مفر أو خيار أمامها.
أكمل فادي الرد على أخيه بقوة: "أنا واعي وكبير كفاية إني آخد قرار زي ده لوحدي، وأنا مش عويل يا محمد عشان أبقى بدور على جوازة ترفعني ويا عالم هعيش مرتاح ولا لأ. أنا حفيد الخطيب، يعني عندي اللي يكفي عيال عيالي."
نظر محمد حوله ووجد أنه الوحيد تقريبًا المعترض، فقال: "إيه؟ كله موافق؟ هتسكتوا على المهزلة دي."
ناهد: "في إيه يا محمد؟ أنا كأني أول مرة أشوفك. من امتى وأنت كده وبتفكر كده؟ ماتسيب كل واحد لحاله."
ألقى بمقعده خلفه وخرج من المكان سريعًا بغضب.
بعد انتهاء الطعام.
جلست مليكة بيدها وعاء متوسط تضع به حبات الفراولة اللذيذة، فاكهتها المفضلة.
تأكل منها بنهم وتلذذ، تضع كل واحدة على أول فمها ثم تلتهمها ببطء واستمتاع. وهناك يجلس هو من ينظر لها وهو منعزل تقريبًا عن الجميع.
فقط ينظر لفاتنته، وإلى كل حبة فراولة تقف عند أول شفتيها ثم تدخل فمها. هممم، كم هي محظوظة تلك الفراولة. على آخر الزمان أتى اليوم الذي يتمنى به لو كان حبة فراولة.
تقدمت هديل تحمل قهوته بعدما صنعتها اتقاءً لشر أمها.
جلست لجواره بهدوء تبتسم قائلة: "عامر. القهوة بتاعتك. ظبطهالك بإيدي."
عينه لم تتحرك من على قطعة الفراولة التي توقفت عند أول شفتيها، تنظر لهم بغيظ.
وهو حرفيًا بعالم آخر. استمعت لصوت كارما تناديها، فتركت الوعاء وهي تزجره بغضب وذهبت لها.
لكنه كان فعلًا بعالم آخر، والدليل على ذلك أنه وقف من مقعده وتقدم نحو الوعاء يحمل تلك الحبة التي قطمت نصفها، يريد التلذذ بها. لكنه وجد الفت تخرجه من أحلامه تشير إليه بإلحاح.
عامر: "حاضر... هخلي حد يجبلك."
أشارت له من جديد وبالحاح أشد. إنها تريد تلك القطعة بالذات.
نظر لها بشر، يقسم أن تلك السيدة تعلم كل شيء وتعانده بالتأكيد.
عامر: "اتفضلي يامرات عمي. أهم حاجة تكوني ارتحتي. اتفضلي بالهنا والشفا. أصل خلاص الفراولة خلصت من البيت والأسواق ووقفت على دي."
خرج بسخط كأنه طفل صغير، وهي وضعت باقي الحبة بفمها تأكلها بشماتة وفرحة لا يعلم بها أو سببها أحد.
***
مرت أيام أخرى وأخيرًا بدأت الدراسة.
يأخذها معه يوميًا ويجلبها أيضًا، لا يتركها.
أما توفيق.
ذهب إليه شكرى قائلًا: "وبعدهالك يا جدع أنت! إنت هتفضل بارد كده لأمتى."
توفيق: "في إيه بس ياشكري؟ إيه اللي حصل."
شكرى: "ماهو المصيبة إن ماحصلش حاجة. مشكلة وحصلت وقعدنا وسبحان من بعتلنا الحل وانت واقف محلك سر ومش عايز تخلص وتنجز. أنا عايز أعرف إنت وضعك دلوقتي إيه؟ وضع مراتك وبنتك إيه؟ ولا مراتك إيه بقا قول طليقتك."
توفيق: "شكرى اهدى كده ووطي صوتك. أنا شغلي واكل كل وقتي ومش بفضى. ولما بفضى بكون عايز أروق دماغي."
شكرى: "إنت أخويا إنت!! ده إنت جبلة."
توفيق: "أنا لو جبله ماكنتش هبقى ببعت لهم مصروفهم كل شهر وكل اللي يكفيهم."
شكرى: "وهي الدنيا مصاريف وبس؟ اسمع يا جدع إنت. بكرة الجمعة وبعده السبت إجازة، تنزل الأحد تخلص الموضوع ده، خلينا ننجز. أنا الناس أكلت وشي وإنت حاطط إيدك في ميه باردة. ولا مستني لما الراجل اللي وافق يرجع في كلامه وساعتها حلني بقا على ما تلاقي حد يرضى بالوضع ده. إحنا ما صدقنا وانت ولا حاسس أو داري. أنا مش عارف دي كانت معاشراك إزاي من غير ما تتجنن ولا عقلها يشت... ومن غير سلام."
خرج وترك خلفه توفيق ينظر له باستغراب واستخفاف، يراه يضخم الأمور ويعطيها أكبر من حجمها. لكنه سيذهب فعلًا لينتهي من ذلك الإلحاح.
رواية انصاف القدر الفصل الرابع عشر 14 - بقلم سوما العربي
كان يعود بها من الجامعة يقود سيارته بغضب. حذرها مرارًا وتكرارًا من غيرته وغضبه.
ألا تتعامل مع أي ذكور، ألا تكون صداقات معهم، ألا تفتح أي مجال لأي حوار بينها وبين أي شاب. وهي تخالف كل هذا.
كانت تجلس لجواره تنظر له بريبة. وجهه محمر وعروقه منتفخة بعض الشيء. يقبض بيده على مقود السيارة من شدة عصبيته.
تحدثت بتعلثم:
والله يا عامر أنا ماليش كلام معاه، هو اللي وقفني فجأة بيسألني على معاد المحاضرة.
ثم تمتمت:
على حظي الأسود كنت أنت جاي.
رد عليها بغضب:
وإيه؟ مافيش زفت جدول متعلق؟ ولا الكلية فضيت ومافيهاش غيرك؟ عبيط أنا ولا مش عارف الحركات دي.
مليكة:
حتى لو، أنا ذنبي إيه تتعصب عليا.
ضرب على مقود السيارة يقول:
ماهو إيه اللي يجرأه إنه يوقفَك يتكلم معاكي؟ ها؟
اتسعت عيناها تقول:
إيه؟ أنت تقصد إيه؟ تقصد إني فتحتله المجال لكده؟
عامر:
مليكة، ما تخليهاش تهب منك، أنا على أخرى.
مليكة:
أنت مش سامع نفسك بتقول إيه؟ أنا بعمل كده؟ مش واخد بالك مثلًا إني حلوة وألف واحد بيحاولوا يصاحبوني من أول الدراسة.
توقف بسيارته فجأة وكان قد وصل للبيت:
نعم؟ مين دول؟ وبيقولولك إيه؟
مليكة بجنون وقد نفذت كل طاقتها:
كده كتير، كتير قوي. مش هرد عليك بجد.
فتحت باب سيارتها وهرولت لأعلى بغضب، تعلم لن يقدر على الركض خلفها أمام الجميع.
دلفت لغرفتها وأغلقت الباب. ألقت ما بيدها على الفراش ثم جلست على حافته تزفر بغضب.
وكما توقعت، وجدت الباب يفتح دون استئذان وهو يدلف منه ويغلقه خلفه بغضب.
عامر:
إيه اللي عملتيه حالا ده؟
مليكة بنفاذ صبر:
إيه عملت إيه؟ مش عايزة أكمل كلام في حاجة ضايقتني وكويس أصلًا إني سكت وبلعتها. جريت على فوق وأنا عارفة مش هتقدر تجري ورايا قدام الكل كده. أصلك أخويا عامر وأنا مليكة الصغيرة.
عامر:
تمام... يعني أولها بتستغفليني وبتوقفي مع شباب، وتانيها بتستغلي نقط الضعف وتضغطي.
مليكة:
مانا مش قطة سيامي رابطها بطوق شيق هتحركها لهنا وهنا على هواك. أنا بني آدمة، موقف اتحطيت فيه أنا ذنبي إيه؟ تقوم كمان تيجي تغلطني وتلزق فيا تهمة زي دي؟ تقول لي بتعرفي شباب؟ الكلمة كبيرة وكبيرة قوي كمان. أنا إيه يخليني أرضى بوضع زي ده؟ الحب ده أنا ماخدتش منه غير الذل والتحكم وقلة القيمة.
شعر أنه تعدى معها كل حدود الصبر وهو يراها تنفجر الآن بوجهه من كثرة ضغطه عليها. حاول تهدئة روعها يقول:
طيب اهدى، اهدى ونتكلم براحة.
لن يستطيع الابتعاد، لن يتحمل تركها له. يعلم أن طباعه صعبة ولكن لا يستطيع السيطرة على حاله في العشق.
كلماته لم تزدها إلا غضبًا. حتى عصبيتها يتحكم بها. متى تهدأ؟ متى تصمت؟ متى تتحدث؟
مليكة:
لا مش هسكت، سكت كتير. شهر ورا شهر وأنا في الدراسة، في الخفاء، بيني وبينك يا عامر وقصاد الناس أبيه. هديل بتتلزق فيك وتقعد جنبك في أي حتة وأنا... أنا أقعد هناك بعيييييد في آخر طرف كرسي.
تقدم يمسح على ذراعيها يقول:
أنا آسف، عارف إني ضاغط عليكي كتير بس والله أنا مش هفضل ساكت.
مليكة:
إمتى... إمتى هتتكلم؟ مستني إيه؟ مستني لما حد ييجي يخطبني منك؟
ترك ذراعيها يقول بقوة واصرار:
مش هوافق ولا هسمح بكده. مافيش حد هيقرب منك.
ابتسمت بسخرية وقالت:
صحيح، مانت ولي أمري. طيب إيه قولك لو هما اللي خطبوك؟ خالتك ليل نهار بتلمح لخطوبتك من بنتها وأمك وأختك مش ممانعين. والاكثر إنك نفسك فاهم ومش بتعترض ولا بتحط النقط فوق الحروف. قول لي مين يستحمل وضع زي ده؟
أغمض عينيه، يعلم معها حق بكل حرف.
تقدم منها مرة أخرى يقول:
عندك حق، عندك حق في كل كلمة. وأنا هبدأ أتكلم من النهاردة، هعرفهم كلهم.
صمتت تنظر له، لا تعلم هل تحيا على ذلك الأمل أم سيخذلها مجددًا.
صعب عليه نظرتها هذه، لن يتحمل بعدها. تقدم منها يضمها لحضنه يقول:
هعمل كل حاجة عشان تبقي معايا. عشان خاطري ماتسبينيش. أنا عمري ما قولت كده لحد ولا عمري كنت محتاج حد جنبي زي ما أنا محتاجك. مليكة، أنتِ مش عارفة أنتِ بقيتي بالنسبة لي إيه.
شددت من احتضانه تسمعه وهي تغمض عينيها بألم تسأل ما النهاية لكل هذا.
***
جلست جليلة أمام حكمت بسخط تقول:
أنا يابت مش قولتلك تعدي عليا عشان نشوف حل للوقعة المنيلة اللي واقعين فيها دي؟ يفوت شهر في التاني وأنتي لا تعدي ولا تسألي. طب بلاش فوتي شقري على خالتك يمكن محتاجة حاجة ولا يمكن موت.
حكمت:
بعد الشر عليكي يا خالتي بس سكة وطريق كده. أنا مارضيتش أجي. عارفة إني لو جيت هتفتحي معايا السيرة دي وأنا مش عايزة ولا ناوية أفتحه تاني الموضوع ده.
جليلة:
يعني إيه يابنت اعتماد؟
حكمت:
يعني أنا وهو خلاص عيشنا مع بعض انقطع لحد كده. كل واحد بقى يشوف طريقه.
وضعت جليلة إصبعها تحت ذقنها تقول:
يبقى اللي بلغني صحيح بقى.
حكمت:
بلغك؟ بلغك إيه يا خالتي؟
جليلة:
الأسطى سيد اللي داخل خارج وعامل الأكل حجته. الأسطى سيد صاحب جوزك وواكل معاه عيش وملح.
هبت من مقعدها تقول بغضب:
إيه اللي بتقوليه ده يا خالتي؟ ده أنا حكمت. أنا تجيب سيرة في كلام بطال زي ده؟ وتطلع منك أنتِ يا خالتي؟ وإيه الأسطى سيد داخل خارج؟ هي كباريه؟ أنا ست عايشة بشرفي. مين قالك الكلام الفاضي ده وأنا أكدبهولك في عينيه.
جليلة:
يوسف ابنك.
تملكتها الصدمة وجحظت عينيها لا تصدق. يوسف؟ ولدها؟ يقول عنها هذا.
جلست على كرسيها بإهمال وتعب:
يوسف... ابني أنا هو اللي يقول عليا كده.
ظلت على صدمتها لساعات حتى لم تشعر لا بذهاب خالتها ولا بوقوفها معها تودعها.
همت لتغلق الباب في نفس اللحظة التي خرج بها الأسطى سيد من شقته:
ست حكمت، مالك فيكي حاجة؟
انتبهت له وللهفته وقالت:
لا ولا حاجة يا أبو مي. تعيش.
تهور سيد قائلاً:
أنا منايا أعيشلك يا ست حكمت.
نظرت له بعينين متسعتين مصدومة. فاستجمع شجاعته بعدما وقع لسانه وقال:
أنا طالب إيدك بالحلال يا ست حكمت وكل طلباتك مجابة ومش خايف على بنتي. أنا عارف إنها بتحبك وأنتِ قلبك طيب وهتعامليها زي بنتك وأكتر.
همت لتجيبه بالرفض قطعًا فلا مجال لذلك. مصيرها معروف هي وسيدات كثير مثلها بعد الطلاق تحيا لتربي أولادها.
قطع حديثها وقال:
سايق عليكِ الأولياء ماتقولي لأ دلوقتي على الأقل خدي شوية وقت تفكري، جايز ربنا يكرم وتغيري رأيك. سلام عليكم.
تركها وغادر بعدما أخيرًا قال ما كان يحبسه بداخله لفترة كبيرة.
أما المعلم رجب. جلس أمام محل الجزاره لا تسعه فرحته. اليوم وصلت ورقة طلاق نجلاء من ذلك الخنزير على حد تعبيره.
كلها ثلاثة أشهر ويستطيع أن يعقد عليها.
رفع يديه للسماء:
يارب، قرب البعيد لأجل حبيبك النبي.
لمح سيد من بعيد يتجه لورشته فنادى عليه بلهفة:
سيد، يا سيد، خد تعالى.
تقدم سيد منه فقال:
مش تباركلي؟
سيد:
على إيه؟
امتعض وجه رجب يقول:
يا أخي طب قول مبروك الأول، ماتبقاش جلف كده.
سيد بتوتر:
مبروك ياسيدي. على إيه بقى؟
رجب بابتسامة متسعة:
توفيق طلق أم ندى النهارده.
سيد:
بجد؟ طب الحمد لله ربنا يكملها على خير بقى.
رجب:
هتكمل. وحياتك لتكمل. أنت مالك كده حالك مش عاجبني.
توتر سيد قليلاً ثم سحب مقعدًا وجلس أمامه يقول:
أنا بصراحة بفكر أتزوج.
رجب:
كده خبط لازق. آه يابن الـ**** أكيد في واحدة عينك عليها. أنا عارفك ليك نوع مخصوص. من أنصار دلال عبد العزيز.
سيد بتوتر:
إيه اللي بتقوله ده؟ عيب.
رجب:
اللعب. ده شكل في واحدة وأنت غيران من كلامي عليها. قر يا واد واعترف هي مين؟
وقف سيد يغادر بتوتر:
أنت فايق ورايق. أنا ماشي.
رجب بصوت عالٍ:
بشوقك. هتجيلي تاني ما هو مين هيخطبلك غيري.
التف له سيد يشير بيده بمعنى (هحتل في المنطقة).
ضحك رجب بعلو صوته ثم تنهد قائلاً:
يارب هون. نظر لأعلى يفكر ثم وضع يده تحت ذقنه يسأل بلهفة:
عدى قد إيه من الـ 3 شهور؟
بالأعلى في شقة نجلاء.
كانت تجلس على السفرة تقبض بيدها على ورقة طلاقها. تحاول أن تستكشف ماهية شعورها. لقد طلقت توا، رسميًا. أين انهيار أي امرأة عند طلاقها؟
لطالما سمعت عن ذلك بتجارب شخصية. هي نفسها كانت تشعر بانهيار العالم من حولها في كل مرة يلقى عليها يمين الطلاق. ولكن هذه المرة غير. أيضًا الآن ليست جملة فقط. لقد طلقها رسميًا. لما لا تشعر بالحزن والانهيار؟ ولما أيضًا لا تشعر بالسعادة؟ هل توقف قلبها عن الشعور؟
ولكن مع اهتزاز هاتفها برسالة مضمونها (نزلي السبت يا ست البنات).
علمت.
قلبها وشعورها ما زال على عملة. فهي الآن سعيدة ومتحمسة لترى ماذا جلب لها هذه المرة.
ظلت تجر (السبت) إليها حتى وصل بما يحتويه. وهنا كانت الصدمة من نصيبها ونصيب ندى المسكينة التي رددت بلوع:
بوكس الشتا. المعلم رجب عملها ومازن لأ. عاااااااااا.
فتحت ذلك الكارت الرقيق بجواره وقرأت:
الشتا هل. أخاف عليكِ من البرد يا ست البنات.
لن تتحمل تلك ندى المسكينة:
سنديني هقع من طولي. ده مازن المعفن ما افتكرنيش حتى بكيس إندومي. اااااااااااه.
***
يجلس في غرفة مكتبه بتوتر أمام محمد. الأقرب إليه عمرًا وبالتأكيد هو من سيفهمه.
تنحنح بحرج يقول:
احمم عايز أكلمك في موضوع.
محمد:
إيه؟ قول. أكيد على فادي المتخلف وجوازته. أنا غلبت معاه وهو راكب دماغه. خليه يشيل بقى.
عامر:
احمم. لا. أنا عايزك في موضوع يخصني أنا. أنا ومليكة.
كانت تسير لجوار مكتبه. استمعت لاسمها فاتجهت تحاول استراق السمع.
محمد باستغراب:
إيه؟ هههههه. أنت ومليكة في جملة واحدة. غريبة.
زاد توتره وقال:
و غريبة ليه؟
محمد:
هههه لا بس أنت في حتة وهي في حتة بس كده.
استجمع قواه (يبدو أنه اليوم العالمي لاستجماع القوة)
وقال:
محمد أنا عايز أتزوج مليكة.
جحظت عينه وقال:
إيه؟ عامر، أنت واعي للي بتقوله؟ أكيد بتهزر.
عامر:
لا مش بهزر يا محمد. أنا عايز أتزوجها فعلاً.
محمد بصوت عالٍ:
أنت جرى لمخك حاجة؟ هو إيه اللي حصل لرجالة البيت ده مرة واحدة كده؟ البيه يتزوج واحدة فلاحة مش من توبنا. وأنت... أنت يا كبير عايز تتزوج مليكة؟ مليكة يا عامر؟!!
عامر:
وفيها إيه؟ ده جواز على سنة الله ورسوله.
محمد:
لا يابيه فيها. ولو أنت مش عارف ولا واخد بالك أقولك أنا. دي أصغر منك، وأصغر منك بكتير قوي. عايز الناس تقول علينا إيه؟ عامر الخطيب اتهبل. ريل على العيلة الصغيرة اللي المفروض إنه هو مربيها. مين هيأمننا على أي شغل بينا وبينهم؟ أسهمنا. أسهمنا هتقع في الأرض لأننا في الأول والآخر تجار. تجار لابسة بدل أوعى تنسى ده. الناس هتبصلك على إنك راجل أهبل بص لعيلة لحد وسطه. هتبقى مسخرة كل النوادي والحفلات. كرسي المجلس. كرسي المجلس هيضيع عليك وعلينا وتعك على الكل. عامر اصحى للكلام وخد بالك. أنت مش ملك نفسك وأي تصرف ليك يا يطلع عيلة الخطيب لفوق يا يرزعها سابع أرض. أنت مش حر في نفسك وأنا مش هسيبك تدمرنا. ولو على الجواز فإنت كتير بنات تتمناك وهتعيش معاهم مبسوط.
ألقى له الكلام خلف بعضه. دفعة واحدة من حقائق مجتمعة.
أغمض عينيه بألم. المواجهة أصعب بكثير.
فتح الباب على مصراعيه ففتح عينيه ووجدها تنظر له بعينين مدمعتين حمراء. كأنها ترجوه أن يصر على عشقها ويحكم رأيه. ألا يخذلها. أن يفي بوعده. ألا يتقهقر عند أول مشكلة وأول اعتراض.
لكنها وجدت بعينيه جواب واحد.
الاستسلام.
كانت ستفر لغرفتها هربًا بدموعها التي تحبسها بصعوبة. لكن لسوء حظها.
وجدت ناهد والدته تتقدم قائلة:
مليكة واقفة كده ليه؟ في إيه يا محمد؟
محمد بهدوء:
مافيش حاجة.
ناهد مبتسمة:
طب تعالي يا ميكا. تعالي أحضرينا في الموضوع ده.
محمد:
خير موضوع إيه.
كل هذا وهو عينه عليها. على الدموع الملتمعة بعينيها ونظرة الخذلان.
ناهد:
تعالي يا ميكا أقنعيه معايا. بصراحة أنا شايفة إن هديل مناسبة ليه أوي. ومن كل حاجة. السن والتعليم والشغل والتفكير. ده غير الأدب والجمال.
اللمعت عينا محمد وقال:
آه وباباها راجل تقيل في البلد وله وزنه هيفيدك كتير في حملتك الانتخابية يا عامر. هي دي الجوازة الصح وفي الوقت الصح.
ناهد:
تعالي. تعالي يا ميكا أقنعيه معانا.
كل هذا كثير. ألا يكفي ما حدث؟ هل أيضًا مطالب منها أن تقنعه بالزواج من أخرى؟ والله كثير. هذا كثير.
كان ينظر لعيناها بعجز وألم. حبيبته أمامه تتألم وحديث محمد يدوي في أذنه كالرصاص.
الشعور بالعجز مؤلم خصوصًا أمام من تحب. بالاخص إذا كنت عاجز أمام ما تريده أنت. إذا كنت مكبل بأشياء كثيرة لا فكاك منها. المسئولية. المظهر الاجتماعي. سمعة عائلتك. مستقبل العمل. حتى أرباح وأسهم الشركة وجد نفسه مسؤول عنها. إذا سقطت سمعة الخطيب فلن يسقط هو فقط. خلفه عائلة بالكامل ستسقط معه لو فعل ما يريد.
لم ولن تستوعب كل هذا. يعلم الجواب الوحيد الذي يدور بذهنها. لو أردت لتركت كل شيء خلفك وأتيت لي.
حاولت حبس دموعها. أن تطمثها بقوة وتحدثت بصوت رغما عنها خرج متحشرج:
مبروك يا أبيه. اسمع كلامهم. هديل فعلاً مناسبة ليك وهتفيدك في الانتخابات.
نظر لها بألم. لو بيده لبكى الآن وهو يراها تبتسم بسخرية وتخبرهم:
ههه اتحايلوا عليه شوية صغيرين بس وهيوافق. ماهو مارفضش بقوة من بداية الكلام يعني شوية زن كمان هيروح يطلب إيدها والنهاردة كمان.
ضحكت ناهد تقول:
تصدقي عندك حق. هو كده طالع لأبوه. تقيل ويحب اللي يتحايل عليه. بس لو كده بسيطة.
نظرت لهم بقهر ثم استدارت تغادر بخطوات مرتعشة. لن تنهار أمامهم الآن.
في ساعة متأخرة من الليل.
كانت تجلس على فراشها تحكي لجودي كل شيء. تشكي لها الألم المتفاقم داخلها. ذلك السكين الغادر الذي تشعر به قد غرس بصدرها.
كتبت جودي:
لو سمحتي ممكن بقى تطلعي الموضوع ده من دماغك. أنا شايفة إنه ما يستاهلش كل دموعك دي. أنتي لسه صغيرة وحلوة وبكرا تلاقي ألف واحد يتمنوا نظرة منك. بلاش تستنفذي قلبك ومشاعرك وروحك في علاقة واحدة وتيجي بعدها ما تلاقيش عندك حاجة تديها لحد وممكن يكون الحد ده هو الشخص الصح.
مسحت دموعها وكتبت:
جودي أنا عارفة كل اللي قولتيه وعايزة تقوليه بس هو صعب. أنا عشت طول عمري أحلم بيه وما صدقت حس بيا.
جودي:
وهو كان حس بجد؟ ده حتى عمره ما صرح إنه بيحبك.
مليكة:
عندك حق.
وكعادته، يقتحم عليها غرفتها دون أي استئذان.
وجدته فجأة يقف أمامها فقالت بهدوء شديد:
إيه اللي جابك هنا؟
عامر:
مليكة لو سمحتي ممكن نتكلم وتفهميني.
مليكة:
مافيش أي كلام بينا. هنتكلم في إيه مثلًا؟ إنك فضلت الشغل والفلوس عليا؟ إنك اتراجعت مع أول واحد رفض اللي بينا مع إن المفروض إننا هنتجوز على سنة الله ورسوله زي ما قولت؟ ههه وبتاخد رأي مين؟ محمد؟ محمد اللي شايف إن جوازة فادي غلط حتى لو من واحدة بيحبها وبتحبه. محمد اللي فضل ورا كارما لحد ما وقعها فيه وخطبها عشان يضمن نصيب أكتر من تركة الخطيب اللي أنت وهي واخدين نصيب الأسد فيها عشان كده وهمها بالحب وفاكر إن ماحدش فاهم وماحدش واخد باله بس أنا بقا فاهمه وساكتة من زمان. مانا لو اتكلمت ماحدش هيسمع من عيلة صغيرة خصوصًا لو هي شايفة حاجة عكس اللي هما بيتمنوه. سكت وقولت يمكن أطلعه ظلمه. بس اتكشف لي أكتر واتأكدت أكتر من إحساسي لما رفض جوازة فادي. ورفض علاقتي بيك. بس أنت مش واخد بالك ليه؟ محمد لسه عنده الأمل في إني ممكن أتزوج فادي. يعني يا يفشكل خطوبته من البنت اللي بيحبها أو يقنعني إنه أرضى أكون زوجة ثانية. المهم إن الورث ما يخرجش بره هو وأخوه وأنت ما تاخدش أكتر من كده. الكل فاكرني هفضل صغيرة برضع مش هكبر ولا هفهم. مش هفهم كل اللي بيخطط له محمد.
كان يستمع لها بذهول. يعلم أن محمد لديه بعض الخبث في شخصيته ولكن أن يصل به التفكير لكل هذا استبعده.
حاول التحدث:
ممكن يكون عندك حق في كل ده. بس هو فعلًا نبهني لحاجات كتير ما كنتش واخد بالي منها. أنا مش لوحدي ولا ملك نفسي و..
قاطعته تقول:
أنت مش مضطر لا تفسر ولا تبرر. وأنا مش عايزة منك أصلًا أي تفسير. لو سمحت كلامك معايا يبقى بحدود بعد كده. ويستحسن تتجنبني أصلًا.
عامر:
يعني إيه؟ هتسبيني؟
مليكة:
آه. هسيبك. روح بقى أخطب هديل هتنفعك. لكن أنا هوقعك وأوقع العيلة وسمعة العيلة. لو سمحت اطلع برا.
وقف يغمض عينيه بألم إلى أين وصل معها.
لا يجد رد. ولا حتى وعد. هو حتى لا يستطيع طلب فرصة أخرى ليصلح كل شيء. فماذا سيصلح وهو يعلم النتيجة.
استدارت تذهب لشرفتها وتغلق الباب خلفها لما وجدته ما زال واقفًا ولم يغادر.
حينها شعر أن مليكة أغلقت أمامه كل الأبواب والنوافذ ولا سبيل للعودة أبدًا.
***
في نفس المساء.
كانت تنتظره طوال اليوم وهو كالعادة ينهي عمله مع والده وبعدها يتسكع في الطرقات مع أصدقائه ويعود في وقت متأخر يطلب الطعام.
جلست مقابله على تلك السفرة الصغيرة تنظر له وهو يلتهم الدجاج بتلذذ. الشعور بالحصره هو المسيطر عليها. ابنها وفلذة كبدها هو من يشهر بها.
تحدثت له قائلة:
الأنت يايوسف عارف الساعة كام؟
قال وهو يلتهم الطعام:
2 بالليل.
حكمت:
2 بالليل ولحد دلوقتي ما أكلتش ومستنياك وأنت عارف إن مابعرفش آكل لوحدي ومع ذلك بتتاخر ولا بيهمك.
أخذ قطعة أخرى من الدجاج وقال:
مانا بحب أفسح مع صحابي الله.
حكمت:
هو أنت يا يوسف كنت شفت عليا حاجة غلط؟ ولا في كلام فاضي بيني وبين الأسطى سيد؟
يوسف:
قطع لسانه يا ماما اللي يقول عليكِ كده.
وقفت حكمت من مقعدها تقول:
ماهو فعلًا قطع لسانه. خصوصًا لما يكون ابني اللي اديته لحمي ودمي. ابني اللي المفروض لو شافني عريانة يغطيني هو اللي عرياني وراح يخبص عليّ لستو. ابني اللي جايب سيرتي في كلام فاضي مع راجل تاني وما عملش حساب لحاجة.
جحظت عينه. لقد فعلتها جدته وأخبره أمه. ظنها ستتصرف دون البوح بما قال فقد أوصاها بشدة.
حكمت:
ساكت ليه؟ ماتقول. ماترد يا ابن بطني. يا ابن عمري.
يوسف:
بصراحة يا ماما أنا عملت كل ده عشان أنتِ وأبويا ترجعوا لبعض بأي شكل وبأي تمن.
حكمت:
ليه؟ على أساس إننا لو رجعنا أو مارجعناش هيأثر فيك في إيه؟ مانت من زمان طول اليوم برا ولا حتى عمرك سألت أمي أكلت ولا لأ. يمكن محتاجة حاجة. إلا مافييش. حتى لما كنا عايشين مع أبوك في بيت واحد لسه كنت كده. بتيجي على النوم بعد ما تخلص صرمحة مع شلة الإنس بتاعتك. دلوقتي قولت أمي وأبويا ويوم ما تحب ترجعنا تشنع على أمك. طب ما عملتهاش مع أبوك ليه؟ ماهو عايز يتجوز هو كمان ولا عشان هو اللي معاه بحر الفلوس وممكن يقطعه عنك. لكن أمك... أمك عادي اخبط فيها.
حاول التحدث قائلاً:
ياما أنا...
قاطعته هي:
أنا اللي هتكلم المرة دي يا يوسف. الأسطى سيد اتقدملي النهارده وأنا بعد كلامك اللي قولته عليا قررت أوافق. مانا ما يخلصنيش إن سمعتي تبقى على كل لسان وأنت تنضر. مانا أمك. وأهو الراجل جاي يصلح غلطته يبقى أوافق والم الفضيحة يا ضنايا.
تركته جاحظ العينين وغادرت تغلق باب غرفتها بغضب. لا سبيل لها لإعادة تأهيله غير هذا.
•
رواية انصاف القدر الفصل الخامس عشر 15 - بقلم سوما العربي
صباح يوم جديد.
تأنقت بزى كاجوال رقيق، مكون من بنطال أبيض وقميص متوسط الطول باللون الزيتوني. جمعت شعرها في جنب واحد على أحد كتفيها.
حذاء أرضي مناسب مع شنطة ظهر عملية وشيك.
خرجت من غرفتها. من يراها للتو يشعر وكأنها مليكة أخرى غير تلك التي عهدوها.
هذا بالفعل ما شعر به الجميع أول ما رأوها. هو نفسه، عينه لم تتزحزح عنها، يريد أن يعرف من أين يكمن الاختلاف. هل من شخصها أم من هيئتها الجديدة أم من روحها.
جملة... رقيقة بزيها هذا، كأنها تخبرهم أنها تخطت مرحلة البنت الصغيرة، وهي الآن في مرحلة الأنثى التي على وشك النضوج.
مرت بهدوء، تجلس على مقعدها المعتاد بجوار فادي.
شعر بالغيرة الشديدة وهي جنبًا لجنب مع فادي وقريبة من نادر، الذي تحدث:
"إيه الجمال ده كله يا ميكا... ما بقيناش صغننين خلاص."
ابتسمت ابتسامة صغيرة:
"وهو أنا هفضل صغيرة يعني.. كل حاجة بتتغير.. حتى نفوسنا."
نظرت لعامر تقول بقوة طفيفة:
"وقلوبنا."
بالطبع لن يشعر من حوله أنه اهتز. هو لن يظهر ذلك عليه، ولكنه بالفعل اهتز داخليًا. على الأقل اهتز قلبه.
لكن مظهره الخارجي... ثابت، ثابت، ثابت.
وعلى نفس الطاولة بالطرف المقابل تجلس كارما تقلب في صحنها بهدوء. لا تنظر لمحمد نهائيًا. وكأنها منذ ذلك اليوم قد فقدت الشغف نحوه. أو ربما شيء آخر... شيء لا يقال ولا يشرح. إحساس مختلط، مشاعر مبهمة... لابد من فك طلاسمها أولاً.
لكن ما باتت تعلمه علم اليقين الآن أنها لم تحبه يومًا ولن تكمل معه.
كل اللوم على ذلك الذي عشقته سرًا وتركها وسافر بعيدًا لسنوات. أصبحت تمقته حتى أكثر من محمد.
وقفت من مقعدها فجأة تقول:
"أنا شبعت.. عن إذنكم."
محمد:
"رايحة فين؟ أكلك زي ما هو."
لم تجب عليه، إنما قالت:
"هقولهم يحضرولنا القهوة."
ثم تركتهم وغادرت. لا يشعر بكل تلك المشاعر التي تتشاجر داخلها إلا مليكة.
ونادر ينظر لها بغيظ وضيق شديد.
كل ذلك وهو عينه عليها. يراها تأكل بهدوء... تكمل طعامها كله. لا يبدو عليها أي حزن أو تغيير.
وجدها فجأة ترفع عينيها له تقول:
"أبيه لو سمحت أنا عايزة عربيتي."
لما تتحدث بهدوء هكذا... لا يبدو بحديثها أي نبرة حزن، غضب منه، أو حتى تحاول أن تتحدث بجفاء.
فكرة أنها تتحدث باعتياد وكأنه لم يحدث شيء تقتله أكثر. كأنها تخبره أنه لا موضوع من الأساس... أنت لا شيء.
لو كانت ثارت... أو غضبت، تجنبته وعاملته بازدراء لأيام لكان ارتاح أكثر. لعلم أنه يفرق معها، أنه موجود.
بطريقتها هذه تخبره بمنتهى البراعة والوضوح: "أنت لا شيء".
هذه الفكرة أحزنت قلبه. يعلم مليكة عن ظهر قلب. هي أنثى رقيقة، والأكثر أنها ذكية جدًا ولماحة.
تصوب نحو هدفها بالصميم.
أخذ نفسًا عميقًا يكبح غضبه، يخفي حزنه. يجب أن يبدو طبيعيًا أمام الجميع. وقال بهدوء:
"ليه... ما أنا بوصلك وبجيبك."
مليكة بنفس الثبات الانفعالي:
"لا مانا مش عايزة أتعبك.. أنا كبرت وعايزة أروح وأجي لوحدي."
عامر:
"أنا مش تعبان.. وإنتي لسه صغيرة ماكبرتيش."
وقفت بهدوء تقول:
"هممم.. تمام.. أنا النهاردة متأخرة ومافيش وقت عندي لكلامي مع حضرتك.. ياريت لو سمحت ترجع النهاردة ألاقي مفاتيح العربية مع تيتا.. لو سمحت يا فادي ممكن توصلني."
فادي:
"طبعًا ده إحنا عنينا يعني."
استعدوا للمغادرة وهو يقبض على يده من شدة الغضب الذي تسببت به.
استوقفهم بصوت خرج غاضبًا رغمًا عنه:
"استنوا."
كان ما زال يجلس على مقعده وهم خلف ظهره.
وقف واستدار ينظر لها قائلاً:
"أنا اللي بوصلك كل يوم ولا نسيتي."
ابتسمت بجانب فمها وقالت ترفع حاجب واحد:
"تؤ.. أصل سواقتك مابقتش تعجبني.. بتعمل حساب للمرور والرادار... خليني أنا مع فادي... شاب متهور زيي وبيحب الحوادث."
وقف متخشبًا منها ومن حديثها الساخر المبطن. أطلقت كل كلمة تصيب هدفها بشدة. أصبحت بارعة في الجلد.
استدار ينظر ناحية محمد. وجده يضع شريحة من الأنشون في الخبز ويقطمها عادي. كأن لا شيء يحدث حوله. لا ذهاب كارما ولا تجنب فادي له، ولا حتى تغير مليكة.
لكن هناك أسهم غاضبة تنطلق من أعين أحدهم جعلته ينتبه. يستدير لها... زوجة عمه الفت. كأنه قتل لها قتيل.
تأمر إحدى الخادمات أن توصلها بكرسيها المتحرك إلى غرفتها.
أغمض عينيه بغضب. من نفسه قبل أن يكون من حبيبته أو من أحد. هو المخطئ الوحيد... هو من بادر بالخطأ.
هم للذهاب لعمله، ولكن همت هدى تلكز ابنتها.
هديل، تلك الفتاة التي أصبحت تمقت ذلك الدور السخيف الذي تلعبه.
نظرت لها بغضب ولم تبادر لفعل شيء. لكن هدى لن تصمت. تحدثت هي بسرعة:
"عامر... استنى."
توقف على مضض. وهل كان ينقصه:
"في حاجة؟"
هدى:
"لا بس دي هديل بقالها فترة عايزة تتعلم شغل الاتش آر عندك في الشركة."
عامر:
"اتش آر؟! هديل تخصص برمجة مالها هي بشغل الاتش آر؟"
هدى:
"عشان ما تبقاش تحت رحمة حد لو مدير الاتش آر عندها مشي في وقت شغلها ما يتأثرش وما تبقاش تحت رحمة حد."
رحبت ناهد بالفكرة جدًا وقالت:
"صح جدًا.. خدها معاك يا عامر واكيد هتفيدك في شغلك انت كمان."
هدى:
"طبعًا.. هديل شاطرة وذكية كمان."
ابتسم بصعوبة وقال:
"أوكي ما عندي مشكلة... اتفضلي معايا يا هديل."
وعلى آخر الزمان أصبحت دمية تحركها أمها وتلصقها بالآخرين، وهي أيضًا عليها أن تكون لذيذة ومسلية.
أصبحت غاضبة من كل شيء. حتى عامر نفسه. فلا فرق بينهما الآن.
***
لو رقص فرحًا الآن في وسط الحارة هل سينعتوه بالجنون. لقد وافقت الست حكمت على الزواج منه. حتى ابنته مى سليطة اللسان فرحت ورحبت بذلك بشدة.
ولكن هناك عقبة واحدة وكبيرة. صديقه رجب. كيف سيخبره أنه يود الزواج من طليقته وأم ابنه.
رد فعله طبيعي ومعروف لأي رجل حتى لو كان طلقها نهائيًا. حتى لو لم يحبها يومًا وحتى لو يحب أخرى ويريد الزواج منها. ولكن... واقعيًا وبالورقة والقلم رد فعله مثل أي رجل شرقي عادي لو أتى إليه أقرب أصدقائه يخبره أنه يريد الزواج من طليقته. كم الأفكار السيئة التي من المؤكد أنها ستندلع من رأسه رهيبة ومعروفة.
حرفيًا كان يدور حول نفسه. لا يعلم كيف يبدأ الموضوع مع صديقه. كلما فكر بطريقة يجدها بالنهاية لن تفلح.
كان يفكر بعمق وهو يجلس على باب ورشته شارداً.
انتبه إلى صوت أحدهم يقول:
"جرى إيه يا أخى ده السلام لله... واد يا سيد.. أنت يا ولا... مش بسلم عليك."
رفع عينيه التي لمعت وكأن النجدة قد أتته من السماء:
"شييييييخ منتصر.. أهلاً وسهلاً.. فينك يا راجل."
الشيخ منتصر:
"لا والله.... أمال مين اللي ماكنش بيرد عليا السلام دلوقتي."
سحب له أحد المقاعد بسرعة يقول بلهفة:
"سامحني ما علش. ده أنا في كلاب سعرانة بتجري ورا بعض في دماغي."
جلس الشيخ منتصر يقول:
"خير يا خويا... ده انت حتى راجل حر وعازب ولا عندكش واحدة تهريك زن."
سيد:
"مانا قررت أجيب حد يزن لي."
الشيخ منتصر:
"هتتجوز.. ألف ألف مبروك والله فرحت لك."
سيد:
"بص يا شيخنا أنا وقعت من السما وأنت استلقتني."
الشيخ منتصر:
"رقبتي والله.. خير."
ابتلع سيد ريقه ثم أخذ يخبره كل شيء.
وبعد أن انتهى وجد الشيخ منتصر صامتًا بحيرة. فقال هو:
"هااا... إيه يا شيخنا مش تنورني."
الشيخ منتصر:
"والله ياسيد مش عارف أقولك إيه.. من ناحية هي ست اتطلقت وعدت عدتها ولا حرج عليها من الزواج وبنتك حباها ومرحبة والست أم يوسف شهادة لله ست كاملة ومحترمة وعلى خلق.. لكن من ناحية تانية كله هيقولك مالقيتش إلا مرات صاحبك."
سيد:
"مانت لسه قايلها اتطلقت منه."
الشيخ منتصر:
"ده في الشرع وأنا بحكم بيه لكن أنا وأنت عارفين إن العرف واللي ماشي بين الناس حاجة تانية خصوصًا لما يبقى في منطقة شعبية هنا.. بتحكمنا العادات والتقاليد والعيب والصح مش سايباه هي ولازم أنا أشتري خاطرك وأنت تشتري خاطري."
سيد:
"يعني أعمل إيه أسيب الست حكمت بعد ما صدقت لقيت واحدة كويسة وبنتي مرحبة ومبسوطة.. وبينى وبينك أنت مش غريب.. أنا ميال."
تنهد الشيخ منتصر:
"همممم. ماهي ميال دي يا سيد.. كله هيقولك من إمتى؟"
سيد:
"لا والله يا شيخنا... ده من قريب.. يعني ماهي مطلقة من فترة وجت نقلت من بيت سيد للشقة اللي جنبي وأنا مراتي كانت ميتة بردو وما كانش في حاجة.. وأنا مش طالب حاجة حرام."
تنهد منتصر فقال هو:
"أنا بس عايزك تمهد له الموضوع وتاخده على حجرك كده وتجبهاله واحدة واحدة وأنت راجل محترم وحكمك ماشي على الحارة كلها."
تنهد منتصر وقال:
"سيبها لله.. وأنا هعمل اللي يقدرني عليه ربنا إن شاء الله."
تنهد سيد يعطي لنفسه جرعة من الأمل.
***
جلست مليكة مع ندى التي تندب حظها:
"أه. أشوف بس مازن المعفن ده.. إلا ما فكرني بأي حاجة.. ماشوفتيش المعلم رجب اللي هدومه غرقانة دم وزفارة.. جايب لأمي بوكس الشتا.. شراب دفاية، مج حراري على شكل كاميرا.. هوت شوكليت وسحلب.. شوكولاتة أنواع.. أربع كوفيات من الجداد الشيك دول.. وآيس كاب على شكل قطة.. جوانتي تريكو بفرو... عيني عليا وعلى حظي يانا."
مليكة بذهول:
"يانهار أسود.. أنتِ عديتيهم."
ندى:
"من حسرتي.. من حسرتي يا أختي.. المعلم رجب رومانسي أكتر من مازن."
مليكة:
"ندي هو إنتي ليه لا مستغربة ولا معترضة اللي بيحصل ده."
ندى:
"مين قالك.. في الأول استغربت.. بس أنا كشفته من أول ما جابلها أكلة السمين وكل يوم والتاني يعمل أي حاجة حجته.. باينة أوي يعني... بس أمي يا عيني عشان ما جربتش ولا سمعت عن الحاجات دي لسه مش فاهمة ولا مستوعبة أو ممكن كمان فكرة إن مستحيل حد في سنه وسنها يعيش قصة حب زي اللي بتيجي في التليفزيون دي.. الست اللي عدت الأربعين بس أذكى من اللي في العشرينات ده كلام تمثيل أو مجتمع معين بس... لكن في الحقيقة الست اللي من سن أمي كده خلاص زي ما تقولي اتحدد إقامتها وغصب عنها دي بتبقى زي عقيدة... لعلمك أمي مبسوطة باللي هو بيعمله بس هي يا حبيبتي مش عارفة تستوعب إنه ممكن يكون معجب أو بيحبها من كتر ما اترسخ جواها إنه هي حياتها لبنتها وإن خلاص زمنها خلص وراحت عليها."
مليكة:
"طب وإيه؟ مش معترضة؟"
ندى:
"أنا ولا ماما."
مليكة:
"لا إنتي."
ندى:
"بصي بصراحة في الأول اتضايقت اللي هو نعم؟ أنت بترسم على أمي وبتصطاد في المية العكرة وكده بس بصراحة مع الوقت وخصوصًا لما أنا ومازن اتخطبنا غيرت تفكيري في كل حاجة.. يعني بابا طول عمره بيعاملها وحش.. وحش جدًا وهي استحملت وعاشت عشاني.. ما افتكرش يوم شفتها فيه فرحانة وبتضحك.. ما فيش يوم جابلها فيه حتى كيلو فاكهة وهو راجع كل كلامه الفلوس معاكي هاتى اللي عايزاه بلاش دلع هو أنا هشتغل بره وجوه... مليكة أنا عمري ما شفت ماما فرحانة ومبسوطة وحاسة بنفسها إلا اليومين دول ومن اللي بيعمله عم رجب... قعدت وفكرت.. طب وبعدين.. ما أنا سنة ولا اتنين واتجوز.. طب وهي؟! ترجع لعيشتها مع بابا.. ولا أحجز لها في دار مسنين بقا... هي كتر خيرها كده.. سيبها تعيش العيشة اللي هي تختارها أنا شايفة بصراحة إنها كده عملت اللي عليها ناحيتي.. واستحملت العيشة الذل دي عشاني.. لازم أسيبها تعيش بقا."
مليكة:
"طب وباباكي؟"
ندى:
"بصي هو ممكن يكون زوج مش كويس بس أنا اللي يخصني إنه أب كويس فخلاص نتعامل على الأساس ده.. آه بزعل عشان ماما بس طب هو بابا هعمل إيه؟ لازم أتعامل."
تنهدت مليكة:
"عندك حق."
ندى:
"بت.. فيكي إيه؟"
صمتت قليلاً وأجابت:
"هحكيلك."
في نهاية اليوم.
خرجت من الجامعة وجدته يجلس بسيارته ينتظرها.
ندى:
"ما تروحيش معاه؟ ده ما عندوش دم."
مليكة:
"لا ودي تيجي.. ده أبيه.. هروح معاه."
ندى:
"بت.. اعقلي كده وخذي موقف ماينفعش كده لازم يتعلم الأدب."
مليكة:
"أنا حافظة عامر كويس.. لو تجاهلته أو أخذت موقف يبقى هو فارق وفارق أوي كمان... اللي بعمله ده أقوى وأحسن أدب له... اتفرجي واتعلمي."
تركتها وغادرت تسير نحو سيارته دون أي اعتراض أو احتجاج. تفتح باب السيارة تقول:
"مساء الخير يا أبيه."
ثم تغلق بابها وتجلس بهدوء. كأنه والدها... أو أخوها.. أي شيء غير عامر الذي من المفترض أنها تحترق بنيران حبه. تخفي أي ألم بداخلها. لن ترحمه منذ اليوم.
أما هو... فهو على حافة الجنون الآن منها. ما هذه المعاملة؟
لن يستطيع الصمت أكثر من ذلك. خمسة عشر دقيقة للان وهو يقود ولا يوجد أي صوت غير صوت أنفاسه الغاضبة وصوت نقرها على الهاتف تراسل وتستقبل رسائل من أحدهم.
تحدث بغضب:
"أنا عايز أعرف إيه اللي فيه؟"
مليكة:
"إيه؟ مش فاهمة؟ هو حصل حاجة؟"
عامر:
"حصل حاجة؟! مالك بتتعاملي كده وكأن مافيش حاجة بينا."
مليكة بهدوء:
"وهو إحنا بينا حاجة؟!"
فلتت أعصابه التي جاهد للتحكم بها أمام الجميع، وهو من كثرة كبحها فقد سيطرته عليها الآن، فصاح بحدة وهو يقود:
"يعني إيه ما فيش بن..."
توقفت عن الحديث وهتفت بخوف:
"حاسب."
لم يشعر إلا وهو ينحرف بسيارته قليلاً، يضرب بقوة مقدمة سيارة كانت تسير بجانبه وتتقدم عنه قليلاً.
أوقف سيارته يقول بخوف وهو يتحسس وجهها يستكشف أي أثر به:
"إنتي كويسة... أنا آسف.... حصلك حاجة."
حاولت التنفس تقول بخوف:
"كويسة كويسة... بس أنت فشفشت العربية اللي جنبنا."
نظر بجانبه وجد صاحب السيارة يفتح بابها ويترجل منها ليرى ما أصاب سيارته.
أغمض عينيه يهدئ نفسه. سيدفع له أي تعويض وينتهي الأمر. حمدًا لله لم تتأذى صغيرته.
ترجل هو الآخر من سيارته وذهب لذلك الشاب.
عامر وهو ينظر للسيارة:
"أنا آسف ياباشا جت بسيطة... وأي تكاليف على حسابي."
رفع الشاب عينيه بغضب نحوه، ولكنه تفاجأ قائلاً:
"عامر باشا."
عامر بذهول:
"عدي المناويشي؟! مش معقول."
عدي:
"كده تخبط لي عربيتي يا راجل.. ده أنا لسه مستلمها من كام يوم."
عامر:
"لا حقك عليا.. تتصلح فورًا ياباشا."
عدي:
"ياسيدي حصل خير... المهم إنك بخير وال..." نظر ناحية سيارته نحو مليكة يقول: "والآنسة بخير."
كانت تجلس لا تفهم شيئًا مما يحدث. قررت أن تهبط لترى ما يحدث.
ابتسم عدي باتساع وهو يرى تلك الجميلة تتضح ملامحها له وتتجه نحوهم. كم هي جميلة تلك الفتاة.
نظر لها بغضب وقال:
"إيه اللي نزلك."
همت لتجيب عليه، لكن قاطعه عدي بصوت به كل ألوان الغزل:
"يا خي من حظي الحلو عشان أشوف الشمس والقمر في وقت واحد في عز النهار."
نظر له عامر بغضب وهو يراه يتغزل بها بل ويمد يده للسلام قائلاً:
"أنا عدي المناويشي... أعرف عيلة الخطيب من زمان... وصاحب محمد بس أول مرة أشوفك."
مد عامر يده يلتقطها قبل أن يلمس حبيبته وقال:
"في حاجة يا عدي.. شايفك مش على بعضك كده... ماتظبط بدل ما تبقى أنت والعربية في يوم واحد."
عدي بإعجاب وهيام:
"مش مهم... كله عشان القمر... اللي لسه مش عارف اسمه."
ردت بسرعة تقول:
"مليكة."
عدي:
"يالهوي واسم حلو كمان.. كده كتير."
عامر بوجه محمر غضبًا:
"فعلاً كتير أوي."
قبض على يدها يجرها لسيارته يقول:
"ادخلي هنا حسابك معايا بعدين."
استدار ليذهب لمقعده يقول لعدي:
"هبعتلك حد يوديها التوكيل حالاً والحساب كله عندي."
عدي:
"لا حساب إيه بس... أنا لازم أعمل لكوا زيارة النهاردة نشوف الموضوع ده."
عامر من بين أسنانه:
"ما قولنا خلاص... عربيتك وهتتصلح في إيه تاني."
عدي:
"وصاحبي.. صاحبي اللي بقالي كتير مقصر في حقه وهو عنده حاجات حلوة كده وأنا مش داري."
عامر:
"بتقول إيه؟"
عدي:
"بقول إني لازم ولابد أعمل زيارة لصديقي النهاردة أنا مش قليل الأصل."
عامر بغضب:
"لا ملوش لازوم كتير خيرك.. أنا هوصله سلامك."
عدي:
"والله أبداً.. لازم أزوركوا.. ينفع كده الشمس جاية على البياض ده كله."
نظر ناحية مليكة وجدها تجلس داخل سيارته بذراعيها ووجهها ناصع البياض تحت أشعة الشمس فقال:
"بص قدامك.. سلام."
دخل سيارته وقاد بها سريعًا للبيت يقول:
"أنا عايز أفهم إنتي إيه اللي نزلك من العربية... وشيفاه واقف عينه هتطلع عليكي ومكملة وكمان تقولي له اسمك."
كل هذا وهي صامتة. لا تجيب.
حتى لم تتأثر بصوته العالي. تركته يتحدث كأن الأمر لا يخصها.
حتى أنه وصل للبيت وتوقف أمام الباب الداخلي للقصر وما زال يتحدث ويصرخ بها بغضب وهي فقط تنظر له نظرة هدوء وبرود غريبة.
والأكثر أنه وهو وسط حديثه حملت أشياءها وفتحت الباب وذهبت لغرفتها.
كأن أحدهم صفعه على مؤخرة عنقه الآن؟!
ما الذي فعلته للتو؟! هل تركته يثرثر وينفعل.. يثور ويحتج ثم وبكل هدوووء ذهبت. كأنه ذبابة أزاحتها عن وجهها وذهبت.
مستغلة الوضع.
لن يقدر على الصراخ أو الذهاب خلفها أمام الجميع.
لقد كبرت مليكة كثيرًا. حتى أنها كبرت عليه هو.
ذهب لغرفته بعدما مر على غرفتها وجدها قد أغلقتها من الداخل:
"ماشي.. ماشي يا مليكة.. أنا هوريكي... أنا هعرفك إنتي بتاعت مين."
ذهب سريعًا إلى أحد الأدراج المغلقة يبحث بينها عن شيء ما.
بعد مدة من البحث وجدهم. تلك النسخة الاحتياطية من كل مفاتيح البيت.
ظل يقف أمام باب غرفتها مستغلاً انشغال الجميع بالغداء. يجرب واحدًا تلو الآخر حتى فتح الباب.
كانت قد بدلت ثيابها للتو. ارتدت تلك المنامة التي تعشقها.
نظرت له بتفاجؤ. كيف دلف لها هنا. هي متأكدة أنها قد أغلقت الباب.
كأنه فهم عليها فقال بهدوء:
"ناسية إني كبير البيت ومعايا نسخة احتياطية لكل مفتاح هنا."
أغمضت عينيها ثم فتحتهم تقول:
"عايز إيه يا أبيه."
تقدم منها بغضب:
"أنا عامر.. مش أبيه.. أنا حبيبك."
أدبرت له ظهرها تقول بنفاذ صبر:
"لا أنت أبيه... أبيه وبس. قولي عايز إيه عشان راجعة تعبانة."
استدار لها يقول:
"إيه اللي بتعمليه ده.. بتتصرفي كده ليه... إزاي تسيبيني بكلمك وأمشي كأني كلب بيهوهو جنبك."
مليكة ببساطة:
"لأن كلامك بالنسبة لي غريب... مش عارفة أنت بتقول كده ليه أصلًا... مشيت لأن الكلام مش عاجبني."
عامر:
"كلام إيه اللي مش عاجبك.. إنتي غلطانة وبتتكلمي."
مليكة:
"بتعلم منك يا كبير العيلة مانت أكتر واحد بتبقى غلطان وتتكلم عادي وأكبر دليل دلوقتي أهو."
عامر:
"عندك ده أكبر غلط يا مليكة... واعرفي إني مش هسيبك تتكلمي ولا تتعاملي مع رجالة أبدًا سامعة."
تحاول أن تبدو هادئة باردة وذلك عكس طبيعتها تمامًا. وهو الآن يخرجها عن شعورها بحديثه المتملك والمتحكم هذا.
بالفعل خرجت عن السيطرة تقول:
"لا هتعامل.. وهعمل كل اللي أنا عايزاه.. ولما إنت متعصب أوي كده ليه ما قولتلش شيل عينك عنها دي تخصني.. لما تبقى قادر على اللي برا تعالي أقدر عليا الأول."
همت لتغادر، لكنه قبض على يدها يجذبها نحوه يقبلها بجنون. يغرس يده بشعرها يعتصرها بين ذراعيه.
غاضبة منه بشدة ومن تصرفاته. فصلت قبلته تنظر له بغضب:
"إيه اللي بتعمله ده.. أنت.."
قاطعها يضع يده على شفتيها يقول:
"طب أنا عندي حل.. حل مؤقت بس توافقي."
نظرت له باستغراب. تشعر أن ذلك العرض سيكون غير لائق وغير مرضٍ تمامًا لها.
رواية انصاف القدر الفصل السادس عشر 16 - بقلم سوما العربي
كان مازال يضمها في أحضانه بعد قبلته العاصفة تلك، والتي فصلتها هي رغمًا عنه بغضب. تنظر له تنتظر ذلك الاقتراح العبقري.
نظرت له نظرة مطولة تخفي في طياتها الكثير، وقالت بهدوء تخفي فيه كل ذلك:
"وايه هو الحل ده؟"
مد يده داخل بدلته العملية يخرج منها بعض الأوراق.
مليكة: "ايه ده؟"
عامر: "الحل الوحيد... أنا قدمت لك في جامعة في النمسا بما إني ولي أمرك والواصي عليكِ... هتسافري هناك تكملي تعليمك وهنقولهم هنا إنك عايزة تكملي تعليم في جامعة كبيرة... ونتجوز... هنروح نتجوز قبل ما تسافري... جواز شرعي والله بس تبقى معايا... عشان خاطري يا مليكة وافقي.. أنتِ هتبقي بتدرسي هناك وأنا معاكي وممكن كل شهر أجي هنا يوم ولا اتنين أباشر الشغل وأرجع لك... لحد بس ما أبدأ أمهد لكل واحد فيهم... إحنا هنبقى متجوزين شرعًا وعند مأذون يعني بمزاجي أو غصب عني لازم أعرفهم وده أكبر دليل أثبت لك بيه إني هعمل كده بس ممكن الموضوع ياخد وقت وأنا مش عارف أبعد نفسي عنك."
كانت تستمع له بعينين متسعتين، صامتة.
خرجت من أحضانه بصدمة تقول:
"يااااااه... ماكنتش أعرف إن بالي عملته رخصت نفسي للدرجة دي... ندى حذرتني... قالت لي ماينفعش بنت هي اللي تروح لواحد تقول له أنا بحبك... وأنا ماسمعتش الكلام وجريت عليك أقول لك.. استهزأت بيا وجرحت مشاعري ومشيت مع اللي كانت معاك قضيت معاها ليلة ورجعت ولا كأن حصل حاجة... فضلت في السرير ده 3 أيام تعبانة ونايمة ماحستش حتى إن في فرد في عيلتك اختفى وما سألتش ولا حتى جه على بالك إن ممكن تكون أنت السبب... نزلت وكملت وحاولت أبقى أقوى... ماقدرتش ولاقيتني بفكر فيك وبحاول أجذبك ناحيتي.. ولما بدأت تاخد بالك أول حاجة عملتها تحكمات... كان فاضل تتحكم أتنفس كل ثانية ولا كل ثانيتين.. سكت وقولت بكرة يحس.. بكرة قلبه يرق.. أنا بحبه وعايزاه في حياتي بأي شكل وباى طريقة وانت.. أنت ما قدمتليش حاجة غير الإهانة.. عارف يعني إيه أبقى قدام الناس بقول لك يا أبيه وحضرتك.. أبقى مش قادرة أتعامل معاك على إنك حبيبي.. أقعد بعيد عنك وغيري له الحق إنه يبقى جنبك.. باين في الصورة ودلوقتي جاي كمان تطلب مني أتهان أكتر وأكتر وأبقى في الخفا أكتر وأكتر.. يعني أبقى مراتك ومضطرة استحمل قرب أي واحدة تانية منك وحتى ما بقاش قادرة أعترض.. ولا ييجي اليوم اللي يحصل فيه زي ما حصل من شوية أمك عايزاني أنا أقنعك تخطب بنت خالتك شوفت وجع أكتر من كده... ومش بعيد ييجي عليا اليوم اللي أبقى فيه مراتك ولسه كنت في حضنك من شوية وبعدها ألبس عشان أحضر فرحك ولا خطوبتك على واحدة تانية لا وكمان أمثل إني فرحانة ومبسوطة.. طب فرحانة ومبسوطة لجوزي ولا لأبيه... قول لي أنت."
أطبق عينيه يشعر بالألم وهي تصف له كم الألم الذي جَنته من حبه ولم تجنِ غيره... يعلم هو مخطئ كثيرًا لكن لا سبيل أمامه لتكن معه في أقرب وقت غير ذلك.
تقدم أكثر يضم ذراعيها له يقول:
"حقك عليا... عارف إني مزعلك ومقصر معاكِ بس غصب عني... يا مليكة إحنا الفرق بينا فعلاً كبير كل الناس هتشوفني يا مجنون يا أهبل.. أنتِ لسه صغيرة بتشوفي كل حاجة من منظورك أنتِ بس مش بتفكري في أي عواقب ومش بلومك على كده لأن ده سنك لكن أنا الكبير أنا اللي المفروض أتلام على أي غلط أو تقصير... لازم أبقى عامل حساب كل حاجة... وفي نفس الوقت غصب عني مش عارف ولا قادر أبعد عنك... فكرة إنك قدامي ومش قادر أقرب منك ولا المسك أو آخدك في حضني متعبة أوي... وساعات بكون عايزك قريبة مني أكتر وأكتر من أي كلام يتقال أو يتوصف.. فهماني."
نظرت له بصمت تستوعب إلى ما يرمي له بحديثه إلى أن استوعبت وقالت:
"يعني عايزني عشيقة.. عشيقة بس بعقد جواز محدش عارف بيه... معقول شايفني كده... واحدة عجباك وعايز ت...."
بطرت عبارتها لا تستطيع الوصف وأغمضت عينيها من شدة الخزي والألم.
فأسرع هو قائلاً بلهفة:
"لأ لأ والله يا مليكة أنتِ مش نزوة ولا رغبة انتي أكبر من كده بكتير انتي مش عارفة انتي بقيتي بالنسبة لي إيه.. أو أوعي تفكري كده."
نفضت يديه من عليها وقالت:
"وأنا كل مرة بتقول لي فيه الكلام ده كنت أقعد ألح وأسأل أنا بالنسبة لك إيه... لكن خلاص مابقتش عايزة أعرف... وخلاص مابقاش في حاجة بينا من النهاردة... ولو سمحت أوعى تعترض طريقي تاني.. أنا زي ما أنت عارف عيلة صغيرة ولا حرج على تصرفاتي.. لو اتحكمت فيا ولا في تصرفاتي تاني هصوت وألم عليك البيت كله وأقول على حاجات كتير أوي.. مش هسمح لك تتحكم فيا تاني... كل حاجة انتهت خلاص."
تركت له غرفتها وغادرت.. لا تريد البقاء معه في مكان واحد الآن تحت أي ظرف.
ألقى بجسده على أول مقعد خلفه... مجددًا يخسرها.. ولكنه كما يتوقع.. سيعيدها له من جديد... لن يتركها تبتعد.
أما هي.. جلست على حافة المسبح تضع قدميها به، تبكي بصمت وألم.. ذلك الحب لم تجنِ منه غير العذاب والمهانة وبنهاية المطاف يريدها عشيقة لا زوجة... قررت أن تسطر هي بيدها كلمة النهاية وتنزل الستار على تلك القصة البائسة... لا عامر بعد اليوم... ولا حتى كونه ابن عم والدها أو واصي عليها... لابد وأن تضع هي حد لكل ذلك.
ظلت على وضعها كثيرًا إلى أن وجدت ضوء غرفته قد اشتغل.. علمت أنه خرج من غرفتها.. فوقفت تتجه إليها بخطى تفتقد للحياة.. تعلم سيأخذ الأمر منها وقتًا طويلًا كي تتعافى من مرض حبه وإدمانها لشيء اسمه عامر.
مرت أيام على الجميع التزمت فيها مليكة العهد الذي قطعته على نفسها.. لم تترك له أي مجال لا للحديث أو التدخل بأي شيء يخصها... كان يأكله الألم ولكن يعلم لقد أخطأ وعليه امتصاص غضبها لذا سيصبر قليلًا ولكن فكرة تركها نهائيًا أمر مستبعد ومرفوض بالنسبة له... حتى أنه لا جدال فيه.
مليكة له وانتهى الأمر.
أما رجب فهو على حاله مع ست البنات خاصته.. لا يكل ولا يمل في التعبير عن إعجابه الشديد لربما تتعطف وتحنو على قلبه المسكين.. وتلك السيدة التي تخطت الخامسة والأربعين لا تفهم.. لكنها سعيدة جدًا.. بطريقة لا توصف رغم أنها للان لم تفسر كل هذا.. رغما عنها منعها التعود أن تدرك أن كل هذا حب وعشق لها... امرأة حرمت من كل ألوان الاهتمام أو التعبير عن الحب، لا تفهم كل ما يفعل لها.. لكنها الآن في أكثر أيامها سعادة وشعور بالحياة.. تشعر أنها أصبحت أصغر من ابنتها.. هل الاهتمام يشعر الأنثى بذاتها.. بوجودها.. إنها شخص مهم.
أما سيد.. فهو بالفعل يدور حول نفسه.. وافقت حكمت وكذلك مي... ولكن للان تبقى العقبة الكبرى... حتى الشيخ منتصر الذي اعتمد عليه للان يخبره أنه لا يعلم من أين يفتح الحديث مع المعلم رجب.. يعلم الموضوع حرج وشائك.. ورد فعله سيكون عنيف.
جلس على كرسيه أمام محل الجزاره التابع له دماءه تغلي داخل عروقه.. رغما عنه ذهبت بسيارة واحدة مع ذلك الخنزير.. اليوم خطبة نهى شقيقة مازن خطيب ابنتها.. ولابد من الظهور بمظهر عائلي محترم.. هذا ما عرفه من ندى وهو يحاول استدراجها بالحديث منذ قليل قبل جلوسها بسيارة والدها.. وتلك العفريتة قالت له كل شيء كأنها تود تهدئته وطمأنته.
ولكن من أين له الهدوء والطمأنينة وسيدة قلبه مع رجل آخر في مكان واحد بعيد عن عينيه... بأي حجة كان سيذهب معهم مثلًا... في الخطبة تعلل بأنهم أبناء حارة واحدة وأن ندى مثل أولاده.. لكن أين حجته اليوم.
أخرج نفسًا حارًا ساخنًا ينم عن كم الغضب المعتمر بصدره.
وها قد أتى الشيخ منتصر... ظل لأيام يتحين الفرصة والوقت المناسب ولم يجد من بين كل الأيام غير اليوم ليفاتحه بهذا الموضوع الشائك.
تقدم يلقي عليه السلام:
"السلام عليكم يا معلم."
رجب: "في نعمة الحمد لله... اتفضل يا شيخنا."
الشيخ منتصر: "كنت عايزك في موضوع مهم بقالي كام يوم بس شكلك مش رايق النهارده."
رجب: "موضوع.. موضوع إيه؟"
الشيخ منتصر: "لا موضوع يطول شرحه وباين على شكلك كده بتشاكل دبان (ذباب) وشك... هجيلك وقت تاني."
هم بالوقوف ولكن بادر رجب يقول:
"لا استنى ده أنا ما صدقت حد ييجي يتكلم معايا عشان أنسى... قول لي بس كنت عايزني في إيه؟"
أجلّ الشيخ منتصر صوته وقال:
"بص يا معلم... دلوقتي شرع ربنا هو الحد الفاصل في أي حاجة وهو القول الحق صح."
رجب: "ودى فيها كلام يا شيخنا؟"
الشيخ منتصر: "لا فيها.. في حاجات كتير مش حرام بس بين الناس عيب... يعني إن واحدة تطلق وبعد فترة كبيرة تتجوز ده في شرع الله مش حرام وهو حلال حلال حلال.. بس في عرفنا هنا عيب."
رجب: "عندك حق بس أهم حاجة اللي بين العبد وربه والناس بقا مابتبطلش كلام.. لو النفر منا قعد يدور يراضي كل واحد مش هيلاحق."
الشيخ منتصر: "عليك نووور.. وزي ما أنت عارف إرضاء الجميع غاية لا تدرك.. صح؟"
رجب: "كلام موزون."
ثم رفع حاجبه وقال مباغتًا:
"خير يا سيدنا.. ليه اللفة دي كلها."
فوجئ منتصر.. لكن ليس كثيرًا.
يعلم أن رجب رجل محنك ويعلم من الأمور الكثير كما يقال (صايع).
حمحم قائلاً:
"يعني أقصد إن لو في حد متقدم للست حكمت أم ابنك."
رجب: "إيه؟! إيه الكلام ده؟"
الشيخ منتصر: "وفيها إيه يا معلم.. الست اتطلقت منك من زمن... وابنكوا ماشاء الله كبر ودخل الجامعة وبيشتغل معاك وأنت رابط له مهية معتبرة يعني مش محتاج حد.. والراجل شارى وبنته موافقة... فيها إيه."
رجب: "وياترى مين بقا الراجل اللي شارى ده وبنته موافقة... لو اللي في بالي طلع صح ماحدش يلومني."
ابتلع منتصر ريقه بصعوبة يقول:
"مش فاهم قصدك."
رجب: "لا فاهم يا شيخ منتصر.. فاهم.. سيد صاحبي وعشرة عمري اللي بقاله كام يوم كده مش على بعضه ومش عارف يرفع عينه فيا وأنا مش عارف ماله.. جالي من مدى وقالي إنه عينه على واحدة وعايز يتجوزها."
الشيخ منتصر: "حتى لو.. وفيها إيه يا أخي."
رجب بحده: "فيها إنه عيب أوي يبقى صاحبي ويبص لأم ابني."
الشيخ منتصر: "مانت طلقتها يا أخي ومش ناوي ترجع لها... حقها تتجوز."
رجب: "وماله مش عيب.. بس مش صاحبي.. مش صاحبي يا شيخ أنت عايز الخلق تمسك سيرتنا... هنتعامل إزاي بعد كده... روح قوله رجب بيقولك عيب عليك يا صاحبي... واللي أنت عايزه ده عيب وما يصحش."
وقف الشيخ منتصر:
"عجيب أمرك والله يا أخي... ما أنت الحتة كلها ماسكة في سيرتك وإنك راضي بجوازه زي اللي أنت داخل عليها دي عشان أنت عايز كده وما قلتش لا للناس ولا كلام الناس... حللت لنفسك وحرمت على غيرك... أنا كنت جايلك وقولت إنك هتتعصب شوية بس بعد كده هتهدى وتاخد الموضوع بهدوء لكن شكلك كده راكب دماغك... شوف بقا يا معلم... هما الاتنين كبار كفاية ومؤهلين شرعًا وقانونًا ياخدوا قرار زي دي وأنت مالكش عندهم أي حاجة وكون إن سيد ندبني عشان أتوسط بينكوا فده لأنه باقي على العشرة اللي بينكوا والعيش والملح وكده الراجل صراحة عداه العيب... أنا هسيبك دلوقتي.. قلب الموضوع في دماغك يا معلم وخلي في معلومك إنهم كده ولا كده مش بيعملوا حاجة غلط وهيتحوزوا يبقى ليه بقا تخسر صاحبك وبنت خالتك أم ابنك.... السلام عليكم."
ألقى السلام وغادر تاركًا رجب خلفه.. مابين نارين لكن الشعور الأقوى هو الرفض القاطع.
***
لم تذهب اليوم لجامعتها...
لديها مشوار سفر للإسكندرية... لم تستطع السفر منذ أمس بسبب انشغالها في البحث عن فستان مناسب.
وبعد مدة من البحث أون لاين استقرت على فستان رائع من اللون الذهبي.
استلمته منذ خمس دقائق فقط... وهي الآن تحمله ذاهبة إلى غرفتها على عجالة كي تستغل كل دقيقة فقد تأخرت كثيرًا.
أغلقت الباب خلفها بسرعة تستعد لجمع أشياءها ولكن.
تسمرت مكانها وهي تجد من يحتضنها من الخلف يعتصرها ويضمها له بقوة مرددًا بلوعة:
"وحشتيني... وحشتيني أوي."
أغمضت عينيها للحظات... رغم أي وعد قطعته ما زالت تشتاقه.. تعلم حب حياتها لن تنساه بين يوم وليلة بعد قرار صارم... أيضًا هي ضعيفة قليلًا أمام أحضانه وكذلك نبرة اللوعة والاشتياق التي تخرج منه قادرة على إذابة الحديد.
استمتاع واشتياق سيطروا عليها لثوانٍ وهو يضمها له بقوة وأخيرًا مليكتها بين أحضانه.
بعد ثوانٍ تعد على الأصابع استفاقت تتذكر سيل الأحداث المهينة التي تعرضت لها بحبها له.
حاولت الخروج من بين أحضانه لكنه منعها قائلاً:
"خليكي في حضني شوية وحشتيني أوي."
تحدثت بنبرة خالية من أي شيء بها الكثير من القوة تقول:
"لو سمحت اللي بتعمله ده عيب وحرام.. أبعد إيدك دي."
حل يديه من حولها ينظر لها باستغراب فقالت:
"أيوه زي ما سمعت كده أنا مش مراتك ولا بنتك ولا أختك عشان تعمل كده... مش سايبة هي.. أنا مش لحم رخيص يا عامر بيه."
اتسعت عينيه يستوعب إلى أين وصل عقلها فقال:
"مليكة... إيه اللي بتقوليه ده.. أنتِ عارفة انتي بتقولي إيه؟ إزاي عقلك وصلك لهنا."
مليكة: "دي الحقيقة.. أي قرب بيني وبينك مش صح.. غلط وحرام... ولو عقلي وصل لحد هنا فهو بفضل معاليك لما عرضت عليا أبقى عشيقتك في السر.. شايفني لحمة مكشوفة."
عامر: "أنا؟"
مليكة: "لو سمحت.. أنا متأخرة ومش عندي وقت وأعتقد أنت كمان وقتك غالي ومش ملكك محتاج تكبر ثروتك وتعلي أسهمك اللي أهم من أي حد في حياتك."
عامر: "أنا ما عنديش أهم منك."
مليكة: "صح بدليل إنك قولتلي لو اتجوزتك أسهم شركاتنا هتبقى في الأرض... لو سمحت النهاردة خطوبة بنت خالتي ومش عايزة لا أتضايق ولا أتأخر.. بعد إذنك اطلع عشان أغير."
رغمًا عنه خرج من عندها.. اليوم خطبة صديقه أيضًا ولكنه لن ينهي الحديث هنا بالطبع.
في الإسكندرية
جلست نهى بطلتها الأكثر من رائعة تلك.. تبرز جمال ولمعة بشرتها الخمريّة.. مع عيونها السوداء جدًا بطريقة مميزة لا توجد كثيرًا.
مكياج يناسب شخصيتها الجادة الصارمة... فستان من اللون الرصاصي... طلة مناسبة وشيك جدًا جعلت ذلك المعتوه ينظر لها طول الوقت ببلاهة مرددًا:
"بص على الطلاق بطل."
نهى: "أووووف.. مش هتبطل طريقتك السوقية دي.. أنا مش عارفة إزاي وافقت أربط اسمي ومسيرتي العلمية بواحد منحرف زيك."
كارم: "وعليا النعمة ما حد بيعرف يكيفني غيرك... شتيمتك بتدخل دماغى توزنها كده... وبعدين ماهو ده الميكس الممتاز من الأدب وقلة الأدب.. أمال كنتي عايزة تتجوزي واحد من اللي بيتكلموا بالفصحى.. طب بذمتك تجيبوا عيال إزاي بس."
نهى: "يا قليل الأدب يا سافل يا منحرف يا..."
قاطعها يقول:
"بمووووت في الشتيمة بمووووت في الشتيمة... وبخني ياقمر."
في نفس اللحظة انتفض من موضعه يقف تمام يقول لذلك الذي تقدم منه:
"أهلاً وسهلاً يا فندم.. المكان نور."
الرجل: "مبروك يا سيادة المقدم.. أتمنى الخطوبة ماتأثرش على عملك أنت ظابط كفؤ."
كارم بانتباه يقف كالسيف:
"ماتقلقش يا فندم هتلاقيني دايما عند حسن ظنك.. خدمة الوطن دي عقيدة."
الرجل: "عاش يا وحش.. مبروك... مبروك يا بنتي."
كارم: "الله يبارك في حضرتك.. نورتنا."
انصرف الرجل.. ونظر هو ناحية نهى وجدها تنظر له بعينين وفم مفتوحين من الصدمة.
جلس لجوارها قائلاً يعود لشخصيته الأولى:
"اقفلي بؤك الدبان هيدخل."
نهى بزهول: "أنت عندك انفصام في الشخصية؟؟؟"
كارم: "لا بس أنا في الشغل حاجة تانية."
لكزها في كتفها بمرح يقول:
" فكي كده وخليكي فريش.. منورة الليلة يا ست الكل."
نظر أمامه بفرحة كبيرة... يعشق تلك الصارمة وهي لازالت تنظر له بزهول لا تصدق ذلك التغير الجذري.
يعود بها في نهاية اليوم يقتله الشوق للحديث معها لكنها تغلق أي سبيل للحديث أمامه.
مرت أيام أخرى وهو ينفطر يوميًا من ابتعادها عنه لا يعلم من أين جاءت بكل تلك القسوة.
يعلم هو المخطئ الأول والأخير أبسط حقوقها لم يعطيها لها... لكن الوضع صعب جدًا.. فارق العمر كبير.. ودرجة قرابته منها أيضًا.
لكن تواجد ذلك العدو شبه اليومي عندهم بحجة زيارة محمد يغضبه خصوصًا وهو يراه أحيانًا يغازلها بوضوح.. في كل مرة يفصل محمد الاشتباك بينهم بسبب غزله لها.
مستغربًا أيضًا موقف محمد الأكثر من مرحب بزيارات عدي... وكأنه يخطط لشيء ما.
اليوم عيد ميلادها الـ 19.
مر وقت طويل على كل ما حدث ابتعدت فيه كارما عن محمد نهائيًا.. ونجلاء أنهت عدتها لكن توقف زواجها من رجب بسبب وفاة شقيقتها التي كانت تعيش مع زوجها بالخارج.
سيد مازال موضوع زواجه من حكمت عالقًا بسبب موقف رجب الذي لم يتغير للان وانقطاع العلاقة بينه وبين صديقه.
في ذلك الحفل الكبير.
وقف هو اليوم بعيدًا يراقبها تقف في حلقة من أصدقائها.
وهو عينه عليها هي فقط.. أيام وأشهر مضت لا يعلم كيف مرت ولا يعلم من أين لصغيرته كل تلك القسوة والقوة في الابتعاد عنه كل تلك المدة.. هو الأكبر منها بكثير لم يستطع فعلها.
لقد كبرت عامًا ولكنه أيضًا كبر معها.. فارق العمر هو هو.
لكنه أصبح يموت في اليوم مئة مرة وهي بعيدة هكذا.
يشعر أن محمد يخطط لزواجها من عدي المناويشي ابن وزير الداخلية فكما ذكر مسبقًا سيفيده كثيرًا في العملية الانتخابية.
محمد الشخص الخطأ الذي لجأ له بالوقت الخطأ... يفضل المصلحة حتى على نفسه وعلى أي شيء.
لكنه لن ينتظر كثيرًا.. لن يجلس حتى اليوم الذي يأتي عدي يخطبها منه.
قتلته الشوق ألف مرة.. كل ما به يريدها حتى لو قيل عنه مختل أو متصابى... حتى لو فقد الكثير.
وقفت وسط الجميع تتطفئ شموعها التاسعة عشر وهذه المرة تعبت من التمني.. أغمضت عينيها تدعو الله أن يختار لها الأفضل.
ثم بدأ الجميع في تقديم هداياهم.. عدي جلب لها أسورة ماسي غالي الثمن جدًا أبهر الجميع... الجميع أعطاها هداياهم إلا هو.. تعلم لابد وأن جلب هدية باهظة قيمتها من قيمته ككل مرة.. ربما عقد ماسي من الزمرد والأحجار الكريمة أو خاتم من الألماس الحر.
لكنها وجدته يقترب ثم يأخذها بعيدًا عن الجميع قائلاً:
"كل سنة وأنتِ طيبة... هديتك أهي."
مد يده لجيب بدلته يخرج منها علبة صغيرة زرقاء.
فتحها ليخرج منها سلسال رقيق وصغير.. يتدلى منه قلب أحمر صغير ولامع... اقترب يلف يده حول عنقها يلبسه إياها يقول عند أذنها:
"ده قلبي... حافظي عليه."
اتسعت عينيها ولم تدع له الفرصة للحديث أكثر فلو تحدث أكثر ستضعف بالتأكيد.
ركضت تحتمي بالوقوف والاندماج مع الآخرين.
وهو يراقبها من بعيد إلى أن وجدها تقف مع ذلك عدي.
اقترب منها قائلاً:
"مليكة تعالي عايزك."
مليكة: "في حاجة يا أبيه."
عامر: "آه عايزك ثواني."
مد يده يسحبها بعيدًا.
إلى أن وقف بعيدًا... وكأن الزمن عاد بها عامًا للخلف.
ولكن هذه المرة وهو يسحبها لذلك المكان الذي وقفت فيه العام الماضي تخبره بحبها المتيم... ولكن هذه المرة هو من يتحدث:
"مليكة أنا عايز أقولك على حاجة مهمة أوي."
مليكة: "حاجة؟! حاجة إيه؟"
عامر: "مليكة أنا بحبك... بحبك أوي وعارف إن انتي كمان بتحبيني أنا متأكد."
نظرت له ثوانٍ... ثم أرادت أن ترد له كل شيء بالملي.
فضحكت كما ضحك هو هنا منذ عام بالضبط وبنفس الطريقة:
"ههههههههه أنا بحبك... ههههههه لا وكمان متأكد.... ههههههه مين قالك كده."
بهت وجهه وقال لا يصدق من هذه التي أمامه وقال:
"أنتِ.. أنتِ اللي قولتي."
مليكة: "مين قالك.. بنت مراهقة وعندها تقلبات في مشاعرها وشخصيتها... يمكن بحبك زي بابايا مش أكتر."
في نفس الوقت اقترب عدي يقول:
"يلا يا ميكا عشان نكمل الحفلة برا مع صحابنا."
نظرت له قائلة:
"سلام يا أبيه."
وكما حدث بالضبط من عام تركته وذهبت مع عدي كما تركها وغادر مع تلك الشقراء بنفس المكان ونفس اليوم الذي لن تنساهم أبدا.....
رواية انصاف القدر الفصل السابع عشر 17 - بقلم سوما العربي
صباح اليوم التالي مباشرة.
بعد ذلك اليوم الكارثي، كان هناك حالة جديدة بينهم، لا توصف بكلمات، مزيج من العناد، الحب، والكبرياء.
المعضلة أن كل منهم يرى أنه صحيح والآخر هو الظالم والمخطئ.
ولكن، مليكة بعدما فعلت فعلتها تلك أمس، أصبحت أهدأ بكثير. لقد ثأرت لنفسها ولقلبها بنفس الأحداث، الوقت، المكان.
حتى صوت الضحكات وعدد الأنفاس.
حينما يكون هناك ثأر على دم أو أي شيء، ويقوم الشخص بأخذ ثأره، تهدأ روحه وأعصابه، فكما يقال "لقد بردت ناره".
كذلك الأمر بالنسبة لمليكة بالضبط، لقد تمادى معها كثيراً.
جار على حقها كثيراً، تحكم بكل شيء بها كأنها دمية، استهزاء بها في بادئ الأمر.
اتخذ عام تقريباً حتى قال إنه يحبها.
فعل وقال أشياء تقلل من شأنها كثيراً، وآخرهم عرضه الأخير المشين.
لكنها ومنذ الأمس أهدأ بكثير، في عامها التاسع عشر هذا تتنفس براحة أكثر من عامها الثامن عشر.
روح السباق التي كانت بها كي يحبها هدأت، فهو بالفعل أحبها وقالها أخيراً.
المشكلة الآن أنها لديها الشعور وعكسه في آن واحد، بالإضافة إلى أشياء كثيرة غير مفسرة.
هي حتى لا تستطيع تحديد وجهتها القادمة.
هل ستزيله نهائياً من عالمها وتنتظر شريك أفضل، أم أن عامر، رغم أي شيء، عالق بقلبها وروحها وقد كبر داخل قلبها كما يكبر الجسد.
صراعات كثيرة ومشاحنات، أمور لم تحسمها مع نفسها أولاً.
على بعد خطوات، بالتحديد داخل غرفته، كان قد ارتدى كل ثيابه مستعد للنزول.
الغريب أنك لو رأيته الآن لشعرت أنه ليس بعامر القديم، كأنه شخص آخر، هناك شيء تغير به.
هل يجلس الآن بعند طفولي ينتظر سماعه لفتح بابها وغلقه دليل على خروجها من غرفتها؟
هل يتعمد أن تجلس هي تنتظره ولا ينتظرها هو؟
لو رأيته بجسده مكتمل البنيان وهيئته المهيبة، لن تصدق أنه نفس الشخص الذي يفكر هذا التفكير الآن.
وقف من مكانه وهندم بدلته الزرقاء، ثم تحرك بخطى ثابتة ليهبط لهم.
جلست في مكانها المعتاد، لجوار فادي رغم أي شيء، تبحث بعينيها عنه.
هبط الدرج بفخامة ووقار، ينظر أمامه بزهو.
تقدم بخطى واثقة يلقي تحية الصباح.
وأول شيء نطقه:
"أمال فين خالتي وهديل؟"
ناهد:
"رجعوا بيتهم امبارح. بصراحة يا عامر أنا حاسة إن خالتك عايزاك لهديل، وأنا كلمتك كتير في الموضوع ده وأنت لا بترفض ولا بتوافق. أنت شايف بنفسك إزاي البنت مهتمة أوي بيك، عيب لو فضلنا نمثل إننا مش فاهمين."
بتصرف غير محسوب منه قال:
"خلاص يا أمي، حددي معاهم معاد بكرة نروح نخطبها."
سعلت مليكة وسط طعامها، نظرت له بأعين جاحظة، وألفت تود إلقاء أي شيء بوجهه.
أما على الطرف الآخر فالكل يهنئه، وأخيراً عامر سيتزوج.
الكل سعيد إلا حزب المعارضة، مليكة وألفت.
وقفت من مقعدها، رغم ما فعلته ورغم أي شيء تشعر بآلام ومرار في قلبها.
تحدثت باختناق:
"أنا شبعت، هطلع أجهز شنطتي."
همت للانصراف ولكنه تحدث بثبات وهو عينه على صحنه:
"استني عندك."
وقفت تقبض على أصابع يدها، تحاول السيطرة على ذلك الحريق بداخلها.
مليكة:
"نعم؟"
تحدثت وهو مازال على جلسته:
"رايحة فين؟"
مليكة:
"زي ما حضرتك سمعت وعارف إن كل سنة بعد عيد ميلادي بسافر إسكندرية لخالتو."
ابتسم نصف ابتسامة وقال بثبات:
"ده كان قبل كده، من هنا ورايح في نظام جديد، من بعد امبارح."
قالها يقصد بها الكثير الذي لا يعرفه غيره هو وهي.
تدخلت ناهد تقول:
"إيه يا عامر فيه إيه، سيبها على راحتها. ماهي كل سنة متعودة تروح ليه التحكمات دي وبعدين هو إيه اللي حصل امبارح."
عامر بلا مبالاة:
"اللي حصل إنها كبرت سنة، بقت آنسة، ماينفعش تروح تبات في شقة فيها شاب كبير كده."
ناهد:
"ده ابن خالتها ومتربيين سوا وخطيب صاحبتها."
عامر:
"ابن خالتها، مش أخوها."
مليكة:
"ثانية ثانية بس يعني اعذروني، هو حضرتك بتتحكم كده على أساس إيه مش فاهمة؟!"
قادرة على استحضار شياطينه ببراعة، مرهقة مرهقة مرهقة.
وقف عن مقعده يقبض على يدها يسحبها معه داخل مكتبه.
ناهد:
"عامر، رايح فين بالبنت؟"
قال وهو يسير بها:
"مش عايز أزعقلها قدام حد يا أمي، هفهمها وأجي."
تقدم بها وهي تتماشى مع خطواته، لا تعلم لما تطاوعه قدماها.
أغلق الباب خلفه ينظر لها بغضب ولكنها هي من بادرت تقول بعصبية:
"إيه اللي أنت بتعمله ده، مش من حقك تتحكم فيا كده."
عامر:
"لا بصي، أنا سكتلك كتير، وعديتلك كتير. قولت عيلة، قولت مش مستوعبة. أنتِ بردو مضايقاها، لكن توصل للي عملتيه امبارح ده؟ كنتي بترديهالي؟ كل ده شايفني زي باباكِ أو أخوكي الكبير ومشاعر مراهقة؟"
مليكة:
"أنا مش بردلك حاجة، دي الحقيقة."
اغتاظ كثيراً من ذلك العناد فهو يرى اهتزاز مقلتيها جيداً.
اقترب منها أكثر يقول:
"كذابة، وأكبر دليل، قلبي اللي أنتِ لسه معلقاه في رقبتك وأنا ملبسهولك بإيدي."
نظرت له بغيظ، تسب وتلعن نفسها.
بالفعل صعب عليها كثيراً أن تتخلى عن سلساله المميز هذا وظلت مرتدية إياه كما لبسه لها بيده.
ابتعد عنها بعدما زلزلها كلياً وقال:
"من هنا ورايح في نظام جديد عشان أنا شكلي دلعتك بزيادة، ومافيش ولا سفر ولا خروج غير بإذني، واعتبريها زي ما تعتبريها، أصل أنا راجل ظالم."
نظرت له قائلة:
"مش من حقك، هو أنت اشتريتني."
عامر:
"آه اشتريتك، إيه رأيك بقا. أنتِ اللي وصلتي بينا لهنا، أنتِ السبب في كل اللي بيحصل."
مليكة:
"أحلى حاجة فيك إنك مش بتعرف تشوف نفسك، ولا عمايلك ومش شايف إنك أنت اللي وصلتنا لهنا وللنقطة دي، هتفضل شايف نفسك صح لامتى."
نظر لها يكابر أي شيء وقال:
"آه أنا صح وأنتِ اللي غلط، وسفر مافيش. لو عايزة تروحي لخالتك استني يوم نسافر فيه كلنا وابقى روحي قضى معاها اليوم لكن بيات هناك لا."
هاجت ثورتها تتحدث بانفعال:
"أنت بتتحكم فيا بتاع إيه ولا بأمارة إيه، بأمارة مانت رايح تخطب هديل. أنا مش هسيبك تتحكم فيا ولا تعمل أي حاجة من الكلام ده، عايز تخطب، تتجوز أنت حر، حر في نفسك بس مش حر فيا."
عامر بغضب:
"ما تعليش صوتك."
مليكة:
"أنا حرة، هعلي وأعلي وأ..."
قاطعها بنفاذ صبر، لقد اشتاقها رغم كل شيء، ابتلع كلمتها في فمه وهو يضمها له يقبلها.
بعد مرور ثوانٍ بطيئة على كلاهما، فصلت قبلته ينظر كل منهما بعجز للآخر.
عجز أمام عند كل منهما، أمام الظروف، وفارق العمر، والقرارات الخاطئة.
أفلتت نفسها من بين ذراعيه تهرب لغرفتها سريعاً، ما يحدث غير مقبول وغير طبيعي أو حتى منطقي.
هل مازالت تحبه، أم ستكمل مع غيره، مع شخص يستحقها؟
هل لقصتهم نهاية سعيدة؟
هل سيخطب هديل حقاً؟
أفكار كثيرة ومشاعر مختلطة، لا تعلم لما نفذت حديثه ولم تذهب للإسكندرية.
بعد ساعة من القيادة في الشوارع، لم يذهب لعمله ككل يوم.
وجد حاله يتوقف أمام قسم الشرطة الذي يعمل به كارم.
صف سيارته وذهب إليه.
والآن بعد أن أنهى حديثه مع قهوته، يجلس كارم في مقابله ينظر له بصمت واستغراب.
عامر:
"بتبصلي كده ليه، أنا مش فايقلك."
كارم:
"أنت ياض حمار، ولا أهبل، ولا عندك ربع ضارب."
أغمض عينيه يصطك على أسنانه.
بارع في إثارة غضبه مثلها:
"ما تلم لسانك ده بدل ما أقل أدبي عليك."
كارم:
"لا بس ابلع ريقك كده وأهدى على نفسك عشان أنت مبهدل الدنيا، أنا عايز أعرف إيه العك اللي أنت بتعكه في حياتك ده، ولما أنت مش عارف تبعد عنها ولا تشيلها من بالك وعمال تفرض تحكمات وأوامر عليها كده رايح تتسحب من لسانك وتقول هتخطب بنت خالتك ليه يا قفل مصدي أنت."
انفجر به كالقنبلة:
"مش عارف، مش عارف، طيرتلي برج من نفوخي، حاسس إني... مش عارف بس متعصب على متغاظ على زن من أمي ومحمد، واهتمام هديل اللي واضح للكل، كذا حاجة كذا حاجة."
كارم:
"لا هو أنت بس عامل زي اللي واخد خبطة فوق نفوخه وعمال يضبش، بتلوش هنا وهنا. أنت عايز تضايقها بس يا عامر وترد على اللي هي عملته امبارح، بس كده غلط، أنت داخل في خطوبة ومش من أي حد دي بنت خالتك اللي زي ما بتقول بنفسك إنها طيبة وكويسة وأنك لسه مش عارف تخرج مليكة من حياتك، طيب براحة كده بقا وواحدة واحدة. دلوقتي أنت هتخطب بنت خالتك لمجرد شوية عند في دماغك اللي هما في الآخر هيلبسوك في حيطة عارف ليه؟ لأنك لسه عايز مليكة ليك ومش هترضا تسيبها لحد، كمان رايح تخطب بنت خالتك، طيب هتكمل وتتجوزها وتخسر مليكة للأبد ولا كمان شوية وبدون أسباب تفسخ خطوبتك من البنت وتخسر خالتك وبنتها؟ أنت مدرك أنت رايح على فين؟"
أرجع رأسه للوراء، يغمض عينيه بتعب، أنه يخطئ بكل تلك التصرفات الهوجاء.
لازال طعم شفتيها عالق بشفتيه، إحساس لا يوصف ولا ينسى.
عاد للبيت تدور برأسه صراعات كثيرة.
دلف لغرفتها مباشرة، وجدها تجلس على أحد الأرائك تنظر أمامها بشرود، لم تشعر حتى بدلوفه عندها.
لكن شعرت بأحدهم يجلس بجوارها، نظرت له فقال:
"مليكة أنا بحبك."
أغمضت عينيها رغم أي شيء تستمتع لتلك الكلمة التي لطالما حلمت بها.
مد يده وهو يتنفس بعد تنهيدة طويلة يتحسس مجموعة خصلات من شعرها بين أصابعه يقول:
"أنا عارف إنك متضايقة مني ومن تحكماتي، بس أنا بحبك وأنا حبي كده."
مليكة:
"بتحبني لدرجة إنك رايح تخطب هديل."
عامر:
"هكلم أمي نلغي كل ده."
مليكة:
"أمك كلمت خالتك خلاص، قولي بقا يا كبير هتحلها إزاي."
عامر:
"قوليلي أنتِ أعمل إيه، حطي نفسك مكاني، ولا أقولك أنا هحطك مكاني فعلاً، تعالي معايا."
مد يده يسحبها خلفه، يبحث عن الجميع وأين هم.
وجد أمه تجلس مع ألفت وكارما، محمد بالعمل، فادي يهبط الدرج لينضم لهم.
جلس أمامهم بعدما جلست هي لجوار كارما.
طريقة دلوفهم هكذا آثار انتباه ناهد خصوصاً مع حديثه غير المقبول صباحاً وأخذه لها داخل مكتبه بهذه الطريقة.
لكنها كذبت نفسها وعقلها، لا يمكن أن يكن هناك شيء بين ابنها ومليكة بالتأكيد.
جلس عامر يقول:
"أنا في موضوع بقالي فترة عايز أكلمكم فيه."
كارما:
"موضوع إيه؟"
عامر:
"بصراحة أنا بقالي فترة كبيرة بحب بنت وعايز آخد خطوة."
اتسعت أعينهم جميعاً ماعدا ألفت.
تحدثت ناهد بزهول وشك:
"وهي مين؟ هديل؟"
عامر:
"لا مش هديل، وفي كذا مشكلة في الموضوع أولها إنها صغيرة أوي."
زاد الشك داخل ناهد وقالت:
"صغيرة بإيه يعني، ست سبع سنين؟"
زم شفتيه وقال:
"لأ، أكتر من كده بكتير."
كل ذلك وهي تجلس، تراه يضعها بقلب الأحداث. يخبرها أن...
انظري بعينك.
كارما:
"طب وهديل؟"
عامر:
"قرار غلط ومتسرع، أنا بحب واحدة تانية."
هبت ناهد من موضعها:
"متسرع إيه وغلط إيه، أنا خلاص كلمت أختي وهي كلمت جوزها وأعمام بنتها وليلة كبيرة وأنت جاي زي العيال ترجع في كلامك. ثم إنك إزاي عايز ترتبط ببنت صغيرة كده، وباين أوي إنها أصغر منك بسنين، أنت عايز تضحك الناس علينا وعليك، ده أنت كبير البيت والعيلة."
تدخل فادي:
"عامر، أنت بتتكلم بجد؟ أنت يا عامر؟ ما صدقش أبداً، ده أنت رمز للخطوات الصح والقرارات الصح، معقول بتفكر بجد ترتبط ببنت أصغر منك بكل ده، طب هتتعامل معاها ومع دماغها إزاي، في فجوة زمنية بينكم."
ناهد:
"انسى يا عامر مش على آخر الزمن هنضحك الناس علينا، خطوبتك على هديل لازم تتم مش لعب عيال هو."
عامر:
"طيب يا أمي لو قلتلك إني سعادتي مع البنت دي. هتقولي إيه؟"
ناهد:
"هقولك إن بكرة بالتفاهم تلاقي سعادتك مع هديل واحدة من سنك ومن قيمتك وهتعرف تتعامل معاها، لكن أنا هتكسف وأنا واقفة في فرح ابني على عيلة صغيرة أصغر منه بكل ده، هنورّي وشنا للناس إزاي، خد نصيبك وهي تاخد نصيبها."
فادي:
"طنط عندها حق يا عامر، فعلاً حاجة محرجة جداً ومش مقبولة، وشكلك كده بيقول إن البنت اندر إيدج، هتعمل كده إزاي، انسى الموضوع ده لأنه غلط من كل الجهات."
تستمع لكل شخص منهم، كل منهم يلقي بكلمة تزيد الأمر صعوبة عليها وعليه. لقد وضعها في قلب المواجهة، يريها ما سيحدث لو تحدث.
كل هذا وهو لم يصرح لهم أنها هي مليكة.
فما العمل لو صرح أنه يحب ربيبته. مليكة.
لكان رد فعلهم أقوى وأعنف.
صمت كل شخص منهم وهو ينظر لها بألم وهي لأول مرة تنتبه إلى ما كان يقوله وأنه قد يكن فعلاً معذور.
___________________________
مرت أشهر كثيرة ورجب مازال على موقفه من سيد.
انقطاع علاقتهم منذ ذلك اليوم أمر محزن جداً خصوصاً بعد صداقة سنوات بينهم.
حسم أمره وقرر الذهاب لرجب، لن يجلس يضع يده على وجنته هكذا كالعاجز.
تقدم من رجب الذي زم شفتيه ونظر للناحية الأخرى أول ما رآه.
سيد:
"سلام عليكم يا صاحبي."
رجب:
"عليكم السلام والرحمة."
سيد:
"ومالك بتقولها من غير نفس كده؟"
رجب:
"عايزني أقولهالك إزاي يعني؟"
تنهد سيد وجلس لجواره قائلاً:
"وبعدهالك يا رجب. هتفضل مقاطعني كده لامتى، ده أنا طالب شرع الله."
رجب:
"وهو شرع الله ده ما ينفعش غير مع طليقتي، الناس تقول علينا إيه؟"
سيد:
"وأنت يعني كنت عملت حساب للناس وكلامهم والكل عارف إنك راضي على نفسك تبقى محلل."
احتدمت أعين رجب يقول:
"أنت بتعايرني يا سيد."
سيد:
"مش القصد يا صاحبي وانت عارف، مش أخلاقي أبداً، بس أنا بعرفك إنك لو عايز تعديها هتعديها."
رجب:
"الستات مالية الدنيا، ما جتش على حكمت يا سيد."
سيد:
"يا سيد البت بتحبها وراضية بيها، دي يتيمة، يتيمة يا رجب، هتكسر بخاطر بنت يتيمة بتدور على أم ليها."
رجب:
"ولاااا. هتصيع عليا؟ اللي عملناه في توفيق هتيجي أنت تعمله عليا؟ أنا وأنت نغني على الناس أه، لكن هتيجي أنت تغني عليا مش هياكل، سامع."
في نفس الوقت وصل أحد الصبية للمعلم رجب يحمل بيده شيئاً يقول:
"الطلب جهز يا معلم."
رجب:
"براوه عليك يا سحس، روح كمل شغلك أنت."
أخرج هاتفه من جلبابه، لا يستطيع السيطرة لا على خفقات قلبه ولا على تلك الابتسامة الواسعة، يبعث رسالة نصها (نزلي السبت يا ست البنات).
تهلل وجهه وهو يراها تقوم بإنزال ذلك الوعاء بخجل كبير، ترتدي الزي الأسود حداد على شقيقتها، وكم بدت بديعة به.
قاربت رقبته على الالتواء وهو يركز بعينيه عليها ويرفع رقبته لأعلى حتى سحبت الوعاء ثانية تنظر لمحتواه بفرحة، تنظر له بخجل ثم تختفي بالداخل سريعاً.
اغتنم سيد اللحظة واقترب منه يهمس:
"فكها يا رجب على اللي تحت عشان ربك فوق يفكها عليك، ارحم ترحم يا صاحبي."
زفر بضيق فقد عاد بصوته وحديثه لأرض الواقع.
نظر له مطولاً ثم قال:
"ربنا يسهل يا سيد."
ثم أعطاه ظهره واتجه لمحله.
أما سيد فقد تهلل وجهه، لقد اقترب كثيراً من إقناع رجب وحل عقدته.
___________________________
تعب من كثرة التفكير، وهي منذ تلك الجلسة تختفي داخل غرفتها، لا يعلم بماذا تفكر ولا إلى أين وصل عقلها.
وقف أمام غرفتها بتردد ولكنه حسم أمره، سيتركها قليلاً تستوعب.
خرج مقرراً الذهاب وحده لمكان هادئ، يجلس يفكر وحده.
في أحد المقاهي الفخمة.
كان يجلس على طاولة بعيدة عن أي شخص.
بعد دقائق وجد أحدهم يضع يده على كتفه يقول بفرحة:
"عامر الخطيب! عاش من شافك يا راجل."
نظر خلفه وتهلل وجهه وقالا:
"قاسم مهران، وحشني والله، بتعمل إيه هنا."
قاسم:
"أنا بعمل معظم اجتماعات الشغل هنا عشان جنب مقر المجموعة، أنت عامل إيه وإيه أخبارك، سمعت إنك داخل الانتخابات الجاية."
عامر:
"غالباً آه، محتاجين الخطوة دي الفترة الجاية."
قاسم:
"ولو إني مش بفضل الحياة السياسية، بتخليك تحت الميكروسكوب، بس اللي أنت شايفه صح اعمله."
عامر:
"تؤ، سيبك مني، قولي أنت إيه سر السعادة اللي فيك دي، ماكنش شهر اللي انشغلت عنك فيه، آخر مرة شفتك كنت قاسم الكئيب اللي أنا أعرفه."
قاسم بسعادة وابتسامة:
"حبيييت."
رفع عامر حاجبه يقول:
"نعم؟ أنت؟"
قاسم:
"آه أنا إيه مش بني آدم؟"
عامر:
"يعني مش أوي."
قاسم:
"لم نفسك يالا."
عامر:
"طب وهي مين؟"
قاسم:
"لا مش هتعرفها طبعاً."
عامر:
"مش مصرية؟"
قاسم:
"لا مش الفكرة بس هي بنت صغيرة، وسنها صغير مش من معارفنا عشان كده مش هتبقى عارفها."
نظر له عامر بتركيز يقول:
"بنت صغيرة؟ عندها كام سنة يعني ولا الفرق بينكوا كام؟"
قاسم:
"بص هي فعلاً أصغر مني بـ أكتر من 12 سنة، بس أنا أول مرة أبقى متعلق بحد كده، أول مرة أحس إني بحب، بحب نفسي وأنا معاها، عندي استعداد أواجه أي حاجة عشان أبقى معاها وتبقى ليا."
عامر:
"مش خايف من كلام الناس عليك؟"
قاسم:
"ليه يعني 12 سنة مش أوفر؟ كتير آه بس إشطا، أنا راضي وهي راضية مالهم هما، ولا أنا أول ولا آخر واحد يتجوز واحدة أصغر منه بكل ده، التوافق مالوش سن، مجرد روحين توافقوا مع بعض خلاص، بيختفي العمر والتعليم وكل حاجة."
عامر:
"عندك حق بس...."
قاطعه قاسم:
"مبسش، أقولك على حاجة، مافيش أي تمن يتقدر بيه سعادتك، إحساسك وأنت ماسك إيد حبيبتك."
ضحك عامر قائلاً بسخرية:
"هههه قاسم مهران زير النسا بيتكلم عن مسكة الإيد بس، ده أنت سيديهاتك معايا."
ابتسم قاسم وقال بحب:
"بالظبط كده، أنت لخصت اللي عايز أقوله، لما تبقى بعد كل ده، تحس إن لمسة كف حبيبتك أحلى من 100 بوسة، لما نبقى عايز تفضل تمرر صوابعك كده في باطن إيدها تحس بيها، إحساس حلو، خالي من أي حاجة تانية، فاهمني."
شرد عامر معه بحديثه يقارن بين تفكيره وتفكير قاسم.
رواية انصاف القدر الفصل الثامن عشر 18 - بقلم سوما العربي
وقف أمامها بعجز وألم، لكن وما العمل؟ كل شيء مقدر بمقدار ولا يستطيع تغيير أي شيء. هناك ضوابط وقوانين مجتمعية تحكمه.
تقدم خطوتين منها أكثر وقال بابتسامة يحاول أن يخفي ألمه على نفسه وعليها:
"لسه ما لبستيش."
استدارت له فتمزق قلبه على عيونها الباكية حمراء كالدم.
أغمض عينيه بألم:
"مليكة عشان خاطري كفاية عياط، أنا مش هستحمل أشوفك كده."
مليكة:
"أمال هتستحمل إيه؟ إنك تلبس وتتشيك وتحط برفان وتروح تخطب واحدة تانية عشان هي مناسبة أكتر.. أنت اخترت حياتك خلاص وخرجتيني منها."
لما لم يأخذه تفكيره لهنا، يخطب غيرها معناها أنه حدد خطواته فعلاً وأخرجها من حياته. تشتت عقله، لا يعلم ماذا يفعل ولا كيف سيتصرف، ولا يستطيع إخراجها من حياته.
عامر:
"إيه اللي بتقوليه ده... يعني إيه خرجتك؟ أنتِ ماينفعش تخرجي من حياتي."
مليكة:
"طيب قولي أنت معناه إيه اللي بيحصل النهاردة... أنت رايح تخطب بنت خالتك، وامبارح كلهم رفضوا جوازك من بنت صغيرة.. وأنت قعدت ساكت.. كان ممكن تحكم رأيك.. تقول هي دي وبس... واللي مش عاجبه يخبط دماغه في الحيطة."
عامر:
"أنتِ شوفتي بعينك رد فعل الكل وهما عرفوا بس إنها بنت صغيرة، مش أنتِ كمان.. الرفض هيبقى الضعف لما الناس تعرف إن عيني راحت على مليكة اللي ربيتها.. عارفة هيتقال عليا إيه وهيتشبه بأيه... هبقى راجل سايب على نفسه ما عرفش يمسك نفسه قدام بنت حلوة، لا وكمان كانت في بيته... طب عارفة كمية الإشاعات اللي هتطلع عليا وأني أكيد اتجاوزت حدودي معاكي، ولا يمكن بأعمل زي ما ناس كتير بنسمع عنهم بيتحرشوا بأطفال من عيلتهم مستغلين وضعهم ومكانتهم... أنتِ متخيييييلة."
صرخ بالأخيرة بغضب. أشياء كثيرة تدور برأسه لا يستطيع التعبير عنها أو تفسيرها لها، وهي كل ما تراه أنه مقصر فقط. لا تعلم مخاطر الموضوع وكل الأشياء المترتبة عليه. سيقال عنه مريض يتحرش ويعجب بالصغيرات.
أغمض عينيه، غضبه بدأ يتفاقم وهو لا يريد ذلك الآن. يعلم سنها صغير ولا تستوعب أو تدرك أشياء كثيرة.
حاول أن يتحدث بهدوء:
"مليكة اسمعي... فيه فرق كبير بيني وبينك، أنا بفكر في الكل وفي كل الجوانب اللي هتأثر على العيلة دي وعلى أولادها وأحفادها اللي هييجوا بعد كده... أنا كده هبقى بوقع الكل... أسهل ما عليا إني آخدك وأتجوزك وأتمتع بيكي ومعاكي ويولع أي حد تاني.. بس أنا بفكر في الكل... طب وبعدين."
ضحكت بسخرية وقالت:
"ههه، ما أنت كنت عايز كده ولا نسيت."
ألقى بجسده على الأريكة خلفه بتعب يقول:
"من تعبي، من يأسي وغُلبي، أعمل إيه؟ من ناحية بحبك وعايزك، ومن ناحية أهلنا والناس."
جلست لجواره تقول:
"يا عامر طنط ناهد بتحبني أوي، يمكن لو عرفت إنك تقصدني أنا تغير رأيها وتوافق."
ابتسم قائلاً:
"بتحبك طول ما أنتِ مليكة البنت الصغيرة الكيوت اللي اتربت معاهم هنا، لكن لو هتبقى خطر على مستقبل أو سمعة أي حد من عيالها هترفض ومش هتبقى كده... دي غريزة في أي أم."
تجهمت معالمها ووقفت تعطيه ظهرها تقول:
"أنا اللي شايفاه إنك بتلعب بيا زي الكورة وعمال تسدها في وشي من كل ناحية... اختصر وقولي إنك جاي دلوقتي تنهي أي حاجة بينا."
هب من مكانه سريعاً يقول:
"إيه اللي بتقوليه ده.. انسى إنك تبعدي عني أصلاً."
استدارت له تقول:
"أمال أنت عايز إيه.. أفضل متعلقة بأمل عمره ما هيحصل، لأن ببساطة أنا اللي ماشيالك لوحدي، أنت واقف مكانك مش عايز تقابلني في نص الطريق عشان نقرب المسافات.. عايزني أفضل كده في السر.. وأستحمل خطوبتك.. أشوفك وأنت قاعد جنب واحدة تانية.. ماسك إيدها وبتلبسها دبلتك.. وبعد كده في أي مكان ولا أي مناسبة تبقى هي اللي جنبك والأحق.. وأنا أفضل مليكة الوحيدة... أنا مش هعيش الدور ده تاني... مش هفضل دايماً الموجوعة في القصة دي."
عامر:
"وأنا.. أنا مش موجوع وأنتِ قدامي ومش عارف أضمك ليا."
مليكة:
"أنا قدمت تنازلات كتير... فضلت سنين أحبك بيني وبين نفسي.. استحملت استهزاءك بيا وبمشاعري... وحاجات كتيييير أنت عارفها كويس... مش هفضل جوا القالب ده كتير... أنا لازم أحرر نفسي منك."
قبض على ذراعها يغرس أظافره بلحمها، تاوهت، لأول مرة يعاملها بهذا العنف.
عامر:
"تقصدي إيه بكلامك ده."
نظرت له بتحدي:
"أقصد إن من هنا ورايح كل واحد منا يمشي في طريقه."
عامر:
"بتستهبلي صح.. طريق إيه اللي يمشي فيه."
مليكة:
"الطريق ده أنت اللي حددته لينا واخترته مش أنا."
عامر:
"بتحلمي.. لو فكرتي إني ممكن أسيبك كده عادي تبقى بتحلمي."
مليكة:
"علاقتنا محكوم عليها بالفشل.. وأنت أول واحد حكمت عليها قبل حتى ما الناس تحكم.. أنا الوجع اللي شفته معاك أقل بكتييير من السعادة... أنت لسه حاببني من كام يوم لكن أنا بحبك من زمان.. يعني بتعذب من زمان وخلاص تعبت واستكفيت.. حقي أعيش زي كل البنات وألاقي حد يحبني ويقدرني.. يتمنالي الرضا أربى... يجبلي الدنيا كلها تحت رجلي ويحارب الدنيا عشاني."
احتدت عيناه أكثر:
"أنتِ عارفة لو سمعتك جايبة سيرة راجل تاني على لسانك هعمل فيكي إيه."
تحدثت بتحدي:
"لا هجيب.. هتشوف."
عامر:
"عايزة راجل تاني في حياتك يا مليكة.. راجل غيري... ده بعدك.. سامعة.. من هنا ورايح فيه نظام تاني.. كل حاجة هتبقى بحساب... عشر دقايق بالظبط وتبقى جاهزة تحت.. سامعة."
خرج من غرفتها وكل ما يشغل باله، العصفورة تريد الخروج من عشه.. سيقص لها أجنحتها تلك.. لن يدعها تفر منه أبداً حتى لو اتهمته بالأنانية والظلم. ليس بيده.. يعشقها هو.
***
جلست كالدمية تضع أحمر شفتيها تستعد لتلك الخطبة العظيمة.
دق شقيقها الباب ثم دلف ينظر لها بسخط معلقًا:
"وبعدين."
أغمضت عينيها تزفر بتعب:
"طب قولي أنا أعمل إيه.. هو أنا كنت أعرف إنه ممكن يفكر يخطبني... أنا بس كنت بحاول أكسب وقت مع بابا."
نادر:
"وعملتي إيه في كل الوقت اللي فات... ولا حاجة مافيش غير إنك تقريباً بقيتي عروسة ماريونيت.. أمك ماسكة حبل من ناحية وأبوكي حبل من ناحية."
هديل بحزن:
"عندك حق.. أنا بقيت حاسة إني أنا مش أنا... زي ما أكون شبح أو خيال."
نادر:
"ماشي.. ما رديتيش عليا.. وبعدين.. هتعملي إيه."
أشاحت وجهها تقول:
"مش عارفة مش عارفة بجد."
خرج من عندها بملل منهم جميعاً.. كلهم سلبيين.. يراهم هكذا.. حتى تلك الغبية التي عشقها بصمت.
في نهاية اليوم.
كانوا في طريقهم للعودة إلى بيت الخطيب.
ناهد عينيها مرتكزة على عيني ابنها.. كل ثانية ينظر في المرآة الأمامية يتواصل ببصره باهتمام شديد مع تلك الجالسة بالخلف. عينيه لم تتزحزح عنها طول اليوم.. لم ينظر لهديل ولو مرة تلك النظرة الخاصة... ابنها وتعلمه جيداً... نظراته لها غير.. عينه بها نظرة ألم على تعب مع اعتذار وصرامة أيضاً كأنه ينذرها ألا تتركه أو ربما ترجوه.. لا تعلم لكن نظراته غير عادية... وهي عيناها تحمل الكثير أيضاً... أشياء حتى لم تستطع تحديدها كما حددتها مع ابنها... لكن بها من الحزن ما لم تستطع إخفاءه.
في سيارة محمد.
جلست كارما بغضب:
"هو أنا ممكن أفهم يعني أنا ليه مارجعتش مع عامر."
محمد:
"أنا اللي عايز أعرف مالك كده ولا فيكي إيه.. بقالي شهور مش عارف ولا ألم عليكي ولا أكلمك في إيه."
كارما:
"يااااه.. ولسه فاكر تاخد بالك دلوقتي."
محمد:
"ده مش رد على سؤالي على فكرة."
أغتاظت كثيراً وعلى صوتها قائلة:
"وأنا مش هرد على كل أسئلتك.. ولو سمحت من هنا لحد ما نوصل أنا مش عايزة أسمع منك أي كلام."
محمد:
"نعم.. أنتِ اتهبلتي ولا إيه.. أنا خطيبك."
كارما:
"خطيب مين يامحمد... أنا مش موافقة عليك ولا بحبك."
توقف بسيارته فجأة فاصطدم رأسها قليلاً.
صرخت بغضب:
"إيه اللي عملته ده."
محمد بغل:
"إيه الـ قولتيـه ده... مالك كده ماتظبطي فيكي إيه.. أنا شايفك كده متغيره من فترة وسايبك بمزاجي... لكن خلاص كفاية أوي كده.. على آخر الزمن مش هعرف ألمك ولا إيه."
"حقير.. حقير....حقير.."
أخذت ترددها بقلبها قبل عقلها.
اشتعلت عيناها بغضب ثم لأول مرة تجرأت.. فتحت باب السيارة وترجلت وبلمح البصر كانت إشارة لسيارة أجرة على الطريق.
زاد غضبه منها.
لا بل اشتعل... منذ متى وكارما لها لسان أو أي رد فعل أمامه.. فقد كانت كالصلصال... حسناً، سيعود للبيت الآن يريها العين الحمراء ويجعلها تعود كما كانت... يعلم هي تهابه وتخاف عامر كثيراً... سيخبرهم فقط بما فعلته الآن... يقسم لن تكررها ثانية.
بعد مدة.
توقف بسيارته أمام الباب الداخلي للبيت.
كانت أول من ترجل من السيارة وذهبت سريعاً لغرفتها.
هبط من سيارته يتنهد بتعب وألم.. فاق على صوت والدته تنظر له نظرة غريبة عليه تقول:
"هي مليكة مالها يا عامر.. طول اليوم قاعدة بعيد وتقريباً مش بتبص ناحيتك ودلوقتي كمان مش على طبيعتها."
يعلم والدته جيداً... إنها تشك به وبها خصوصاً بعد حديثه أمس عن حبه لفتاة صغيرة.. ماذا يفعل أو يقول.
كان يبحث عن رد مقنع ولكن أنقذه توقف محمد بسيارته بغضب بجوار سيارة الأجرة التي توقفت الآن هي الأخرى.
اندفع بسرعة وذهب يفتح الباب يمد يده ويخرجها بطريقة مهينة يقول:
"تعالي يا هانم... تعالي.. قولي لهم... هتقولي لهم اللي قلتيه وعملتيه ولا أقول أنا."
تقدم عامر بغضب ينتزع يده من عليها يصرخ به:
"هي هبت منك ولا إيه يا باشا... أنت هتمد إيدك عليها وكمان قدامي."
محمد:
"شوف أختك بتقول إيه."
عامر:
"أي أن كان اللي حصل.. مالكش حق إنك تمد إيدك عليها حتى لو بقيت جوزها.. اصحى كده وفوق مش عايزين نخسر بعض."
محمد بصوت عالٍ:
"ردي يا هانم وقولي لهم اللي لسه قايلاه."
ناهد:
"ماتوطيش صوتك يابني عيب واعمل حساب إنّي واقفة."
عامر:
"ماتقول أنت يابيه ولا لسانك اتقص."
محمد:
"لا أقولك حاضر وماله... الهانم بتقولي أنت مش خطيبي وأنا مش بحبك أصلاً... لاااا ومش كده وبس دي كمان نزلت من العربية وراحت راكبة تاكسي... ولا كأني قرطاس لب."
صمت خيم على الجميع.. في نفس الوقت خرجت مليكة من شرفتها ترى ماذا يحدث.. أول ما وجدت كارما تبكي أسرعت إليهم.
خرجت إليهم وهي تسمع محمد يقول:
"سمعت يا عامر بيه... سمعت يا كبير.. رد أنت بقا... أنا مستني حكمك يا كبيرنا."
يحرجه ببراعة.. نطقه لكلمة كبير أكثر من مرة.. محمد شخص يستطيع اللعب بالكلمات جيداً ويحول الظالم مظلوم.
عامر:
"طب أول حاجة توطي صوتك كده وتهدى ها."
نظر تجاه كارما وهي تبكي في أحضان حبيبته وقال:
"كارما ليه قولتي كده وعملتي كده."
ظلت على صمتها تبكي.. لا تسعها الكلمات حقاً.
محمد:
"شايفين... مش هاممها حد ولا بترد على حد لأ وكمان مش بترد."
عامر:
"كارما لو سمحتي جاوبيني... ليه عملتي كده."
رفعت رأسها تقول بعينين غاضبة:
"عشان أنا بني آدمة... بفهم وبحس.. البيه عمره ما حبني أصلاً.. دايماً كان بيضحك عليا بكلمتين.. كل همه الشغل والأسهم.. عمره ما خرجني ولا اهتم بيا... بس بصراحة شاطر أوي في الكلام.. هه كل يومين يثبتني بكلمتين حلوين وأنا أرضى وأتثبت فعلاً.. بس كل يومين ينكشف ليا.. من أول مارفض جوازه فادي كأنها ضربة وفوقتني... أنا مش عايزة أكمل في العلاقة دي."
محمد:
"إيه الهبل والكلام الفارغ ده.. أنتِ جرى لمخك حاجة أكيد."
عامر:
"كارما اعقلي الأمور مش بتتوزن كده."
نظرت له ثم لمليكة وقالت:
"وأنا مش هعيش غير الحياة اللي أنا عايزها... مش هعيش الحياة اللي تسعد غيري.. أنت عايز تعمل كده أنت حر في نفسك... مش همشي على هوى الناس.. سامعني.. أنا مش هبقى نسخة تانية من هديل."
أنهت حديثها وذهبت سريعاً لغرفتها... تاركة الجميع ينظر لأثرها بصدمة... حديثها كله ألغاز وإشارات لأشياء يبدو أنها تفهمها وتلتزم الصمت.
أما مليكة نظرت له نظرة مطولة.. كأنها تخبره (كارما بتلقح عليك).
ذهبت لغرفتها بهدوء وخطوات ثابتة وهو يقف متصلب... مندهش.. ومحمد يعد ويحصي الخسائر.
***
لن ينتظر أكثر من هذا... مر الكثير على وفاة شقيقتها... لابد من إنهاء تلك القصة.
ولكن سيد... لا يستطيع الاستعانة به.. ظل على موقفه منه.. سيذهب بمفرده... لا ينقصه يد أو قدم.
وقف أمام بيت خالد يدق الباب.
فتح له مهللاً:
"معلم رجب... يا اهلا يا اهلا... البيت نور والله."
دلف رجب يضع نظره أرضاً:
"احححمم.. ياساتر."
خالد:
"اتفضل يا معلم ماحدش هنا راحوا عند حماتي أنا قاعد لوحدي."
رجب:
"أحسن بردو عشان نعرف نتكلم."
خالد:
"تشرب إيه."
رجب:
"أنا مش ضيف... اقعد بس خلينا نتكلم."
جلس خالد بقلق يقول:
"خير يا معلم... شكلك رجعت في كلامك.. أنا عاذرك وعارف إنه موضوع محرج... ولو أنت عايز ترفع إيدك عن الموضوع مش هزعل."
رجب بخبث:
"صراحة يا أستاذ خالد أنا بين نارين... أول هام كلمتي اللي عطيتهالك وأنت عارف الراجل بيتربط من كلمته... وتاني هام كلام الناس على الموضوع ده... مش سايبني في حالي... وأنا خلَقي ضيق... أنا مش عارف أعمل إيه.. وأنتو الصراحة اتأخرتوا عليا أوي... أنا لما وافقت كان على أساس العدة قربت تخلص وقوام قوام نحل المشكلة.. لكن الموضوع طول وبهوق أوي."
ابتسم بجانب فمه وهو يرى لهفة خالد:
"لالا يا معلم.. إحنا هنخلص على بكرة بإذن الله... متأخذناش ماعلش ظروف موت أختي هي اللي آخرتنا."
تهلل وجه رجب رغماً عنه وقال باندفاع:
"وحياة النبي صح... بكرة بكرة يعني."
خالد:
"آه يا معلم في إيه."
حاول السيطرة على فرحته التي فضحته وقال يدعي الرزانة:
"لا ولا حاجة.. احمم.. زي ما بقولك عايز أنهي الموضوع ده وأنا مديك كلمة ومش المعلم رجب اللي يرجع في كلمته أبداً... مش أخلاقي."
خالد:
"معلوم يا معلم انت راجل مافيش منك."
وقف رجب بفرحة كبيرة داخل قلبه:
"بالإذن أنا بقى... أشوفك بكرة عند ست ال.. ااا.. عند الست أم ندى."
خالد:
"بإذن الله."
خرج رجب من عنده.. سيتوقف قلبه حقاً... أخذ يدندن... يا ولاد بلدنا يوم الخميس.... هكتب كتابي وأبقى عريس.... جايلك... جايلك يا ست البنات.
***
صباح يوم جديد.
استيقظت على صوت هاتفها الذي يدق أكثر من مرة بإلحاح.
نظرت لاسم المتصل وأغلقته ثم عاودت النوم.
ثانية اثنين ووجدت من يصرخ عليها:
"مليييكه."
فتحت عينيها... وجدته هو.. لن يكف عن تلك العادة الغير آدمية.
تحدثت بوهن:
"خير."
عامر:
"بقا أقعد كل ده أتصل وسيادتك مابترديش.. وفي الأخر كمان تقفلي الموبيل خالص وتنامي.. إيه اللي بتعمليه ده."
اعتدلت على فراشها ترفع الشرشف عليها وتنظر له بصمت.. ثم قالت:
"أولاً عيب أوي لما تدخل أوضتي كده وأنا نايمة.. ثانياً لو سمحت وقبل أي كلام تخرج برا."
اتسعت عيناه يقول:
"نعععم."
مليكة:
"زي ما سمعت بالظبط... أنا كنت نايمة في أوضتي وأكيد لابسة خفيف في الحر ده.. ماينفعش أقعد قدامك ولا تشوفني كده."
عامر:
"مليكة... ماتخلينيش أفقد أعصابي... أنتِ بتداري نفسك عني.. عني أنا يامليكة... هو أنا مش قولتك قبل كده إنك بتاعتي."
احتد صوتها والتمع صوتها بنبرة الغضب تقول:
"أنا مش بتاعت حد يا أبيه."
عامر:
"أنا مش أبيه أنا عامر حبيبك ولا نسيتي."
مليكة:
"آه.. نسيت.. وهبدأ من أول وجديد.. مش هربط نفسي بواحد فضل الكل عليا... لو سمحت اخرج عايزة أعرف أقوم وأغير هدومي."
يشعر أن كل شيء ينهار من حوله... مليكة تستعد للخروج من تحت جناحيه وهذا غير مسموح به.
انتزعها من على الفراش يقول:
"لو قولتي الكلام ده تاني رد فعلي مش هيعجبك.. قولتك أنتِ ليا.. وافقتي أو لأ.. ومش هسيبك لغيري يا مليكة.. حذرتك قبل كده أنا لما بحب ببقى صعب."
نظر لها واتسعت عيناه وهو يراها بذلك الهوت شورت الأسود مع تي شيرت لمنتصف معدتها... جميلة جمال مهلك عليه وعلى أعصابه.
ضمها له بدون تفكير.. يتحسس بيده ذراعيها ثم شعرها.
لكن في ثوانٍ نفضت يده عنها ونظرت له بشراسة قائلة:
"شيل إيدك عني... إيه أنت فكرتها سايبة... لكن زي ما قولتلك العيب مش عليك... لو سمحت تطلع برا حالا."
عامر:
"أنتِ بتحوشي نفسك عني يامليكة... طب مش طالع."
رفعت حاجبيها وكتفت ذرا
رواية انصاف القدر الفصل التاسع عشر 19 - بقلم سوما العربي
تقرع الطبول بداخله أم تلك هي دقات قلبه.
اليوم زواجه من ست البنات خاصته. حلم بعد وطال انتظاره أخيراً سيتحقق.
وقف أمام المرآة يمشط شاربه للمرة التي لا يعلم عددها. نظر لنفسه برضا. جلباب طويل، حذاء جديد، لحية مهذبة، هيئته مهندمة حقاً.
أخذ نفساً عميقاً يسحب أكبر كمية من الأكسجين بداخله، وبعدها خرج من البيت كله بخطوات ثابتة نحو هدفه.
في البناية التي يقطن بها الأسطى سيد.
خرج من شقته يهم لغلق الباب في نفس الوقت كانت حكمت تخرج القمامة تضعها أمام باب شقتها.
ابتسم سيد قائلاً:
صباح الخير يا ست حكمت.
حكمت بحرج:
صباح الخير يا سطى سيد.
سيد:
وهنفضل على طول كده لحد امتى؟ قوليلى يا سيد وأنا أقولك يا حكمت ولا إيه؟
حكمت:
إلى تشوفوه.
تنحنح قائلاً:
أنا رايح النهارده أقف جنب رجب.
صمت قليلاً كى يقرأ ملامح وجهها جيداً وهو يقول:
أصل النهاردة كتب كتابه على الست أم ندى.
بقيت ملامحها ثابتة، صامتة. وعلقت أخيراً بهدوء:
ربنا يكتب له الصالح.
تنهد براحة وقال:
ويكتب لنا إحنا كمان. بقولك إيه.. إحنا كمان عايزين نلم الشمل بقا.
وضعت وجهها أرضاً تقول:
ربنا يسهل. فوتك بعافية.
أغلقت الباب بوجهه فتنهد بقوة مقرراً أنه لن يطول صمته وانتظاره لرضا صديقه.
داخل شقة نجلاء.
جلست ندى أمامها تقول بصدمة:
يخربيتك! وعرفتي تقفي قدامه وتقوليلوا في وشه هتدربي مع عدى؟
مليكة:
آه. أنا لازم أكبر بقا. ضيعت من عمري سنين بجرى ورا وهم اسمه عامر وفي الآخر يوم ما اتكلم جاى يقولي سافري اتعلمي برا وأنا أجلك نتجوز ونعيش معاكي.
ندى:
الصراحة هو بجح. بس أقولك... ساعات بتعاطف معاه. إلى حد ما هو عنده حق. فرق العمر كبير ومش مقبول.
مليكة:
والله إلى أعرفه إن لو مش قادر يخليني معاه يبقى يسيبلي حريتي. كده هو لا بيرحم ولا عايز يسبب رحمة ربنا تنزل.
ندى:
طب بصراحة كده ومن الآخر، انتي ناوي على إيه؟
مليكة:
ناوية أنهي الموضوع ده وأبدأ من جديد وبجد. تعبت من العلاقة دي فعلاً. تعبت وكلي أمل إنها تبقى فعلاً مشاعر مراهقة وتروح لحالها. جايز لما أخرج من دايرة عامر أعرف أشوف العالم إلى بجد ومليكة إلى بجد.
ندى:
يعني؟
مليكة:
يعني الدراسة على الأبواب، جامعتي، صحابي، شغلي. هنزل فعلاً أتدرب مع عدى.
ندى:
وإنتي مش شايفة إن حكاية تدريبك دي غريبة؟ هو في حد بيتدرب وهو لسه رايح تانية كلية؟
مليكة:
مش عارفة. بس هو اللي عرض عليا وأنا فكرت إنه عادي.
ندى:
لا هو مش عادي خصوصاً إنه فعلاً من أكبر مكاتب المحاماة اللي في البلد. دول مش بياخدوا أي حد. لازم يكون متخرج ومتدرب ومفحوص شغل مش ييجي يتعلم فيهم لأن الغلطة عندهم بملايين.
مليكة:
صح عندك حق.
ندى:
طب وعامر عدّاها كده عادي إزاي؟
مليكة:
لا مش عادي. اتعصب وعلى صوته بس أمه اتدخلت وهدته وقالت له سيب البنت تتعلم.
ندى:
والنبي أنا قلبي حاسس إن أمه دي فاهمة كل حاجة وساكتة.
مليكة:
تفتكري؟
ندى:
أيوه طبعاً. ليه هي عبيطة؟ معقول مش هتلاحظ كل اللي بيعمله ابنها والتغيير اللي هو فيه خصوصاً بعد ما راح قالهم إنه بيحب بنت صغيرة.
مليكة:
ممكن. عندك حق.
صمتت قليلاً ثم قالت:
وإنتي هتعملي إيه النهارده؟
ندى:
أبدا. هروح أزوق أمي عشان أسلمها لعريسها.
مليكة:
هههههه.
ندى:
شفتيش قهر أكتر من كده؟ بدل ما هي اللي تزوقني أنا اللي هزوقها.
مليكة:
ههههههه. يخربيت الحقد انتي يا بت مش من يومين كنتي بتقولي خليها تعيش وتنبسط وهي حقها تفرح.
ندى:
أيوه. بس أنا متغااااظة. المفروض أنا اللي اتجوز. شكلي هخلل جنب ابن خالتك الحيوان ده. بقت كل حياته نبطشيات مش عارفة ألم عليه.
مليكة:
آآآه قولي كده. عشان كده بقا فضيتيلي.
ندى:
لا اخص عليكِ ما تقوليش كده.
مليكة:
على العموم أنا بقا عندي صاحبة جديدة ومش محتاجة.
ندى:
نعم؟ بتخونيني؟
مليكة:
آه. إنتي زبالة أصلاً.
ندى:
قوليها تاخد بالها منك زي ما كنت أنا بخاف عليكي وأحاول على قد ما أقدر أحميكي وأحافظ عليكي.
مليكة:
ههههههه. إيه يا هبلة إنتي محسساني إنك جوزي. بس هي بنت عسولة وطيبة أوي. عايزة أبقى أعرفك عليها.
ندى:
أوكي. قومي نشوف إيه اللي بيحصل برا يالا.
خرجت الفتاتان بعد استماعهما لصوت جرس الباب.
ذهبت ندى لتفتحه. وجدت المعلم رجب برفقة خالها ورجل بحوزته دفتر الزواج.
خالد:
إزيك يا ندى.
ندى:
الحمدلله يا خالو اتفضل.
ذهبوا خلفها حيث اتجهت بهم إلى الصالون.
يجلس على أحر من الجمر. في انتظار تلك اللحظات الحاسمة. قلبه ينبض بعنف. جسده يسخن ويبرد بين اللحظة والأخرى من شدة التوتر والسعادة والترقب. لحظات قليلة فاصلة عن حلم حياته.
تحدث خالد يقطع الصمت:
أمك فين؟
ندى:
هروح أناديها.
ذهبت ندى وبعد ثوانٍ عادت وخلفها نجلاء. لازالت ترتدي ملابس الحداد. لا بأس هي جميلة بكل الحالات.
كانت تسير بحرج تنظر أرضاً. لا تستطيع استيعاب الموقف ولا على أي شيء هي مقبلة.
الأمر الأكثر غرابة هو موقفها. بعد طلاقها مباشرة من توفيق كانت قد اتخذت القرار أنها لن تعود له نهائياً. عندما حدث ذلك الشجار وتدخل المعلم رجب وسيد واقترحوا ذلك الحل وافقت من كثرة الضغط. لكن أين رفضها العودة لتوفيق؟ لما تسير موافقة على تلك الزيجة؟ ولما تشعر بالخجل الشديد وكأنها عادت فتاة في العشرين.
تقدمت وهي تضع عيناها أرضاً تقول بخفوت:
السلام عليكم.
ردد الجميع:
وعليكم السلام.
إلا هو. هو بعالم آخر. لا شيء به غيرها. يتمعن في ملامحها بارتياح وشوق. أخيراً ستكون له.
في دقائق كان كل شيء قد انتهى تقريباً. لقد أصبحت زوجته. لما لا يقف ويحتضنها الآن. لقد أصبح حقه.
تمالك رجب. تمالك الجميع حوله.
في تلك اللحظة كان سيد يدق الباب أيضاً وفتحت له مليكة.
سيد:
السلام عليكم جميعاً. أوعوا أكون اتأخرت.
خالد:
مش قوي. منور يا سطا.
سيد:
ده نورك يا أستاذ خالد.
تقدم من رجب يهم لاحتضانه يقول:
مبروك يا صاحبي.
احتضنه رجب مرغماً يقول:
لا فيك الخير.
سيد:
أنا معاك في المشوار ده من أوله. ما قدرتش ما أكملش وأيجي أقف معاك وأبقى في ضهرك.
صمت قليلاً إلى أن ابتسم ابتسامة صغيرة وقال:
وده العشم برضو يا صاحبي.
تهلل وجه سيد يقول:
طالما قلت يا صاحبي تاني يبقى سامحت ووافقت.
رفع رجب حاجبه يقول:
ده انت مش جاي تقف جنبي زي ما بتقول بقا.
سيد:
يا أخي فكها علينا بقا. فكها يا صاحبي. ده أنا طالب اللي ربنا حلله. مين إحنا عشان نحرمه.
رجب:
ربنا يسهل يا سيد. ربنا يسهل.
سيد بفرحة كبيرة:
تبقى وافقت. مبروك عليا.
قطع الحديث صوت خالد يقول:
مش يالا إحنا بقا يا جماعة.
التف له رجب يقول:
يالا على فين يا أستاذ خالد؟
خالد:
كل واحد يروح يشوف أشغاله.
يعلم سيد كل ما سيقال فتدخل هو:
إزاي يعني يا أستاذ خالد؟ أمال كتبنا الكتاب ليه. ماتقولوه حاجة يا شيخنا.
المأذون:
أيوه يا أستاذ خالد لابد أن يدخل بها. ده شرع الله. وغير كده يبقى جريمة وهو شارك فيها. وأنا معاكوا.
خالد:
نعم. بس ده ما كانش اتفاقنا.
كل هذا وهى تجلس عيونها جاحظة وجهها محمر خجلاً مما يقال وهي المقصودة الوحيدة به. سيدة وأم تخطت الخامسة والأربعين يتحدثون أمامها ويتشاجرون على أنه لابد من أن يدخل بها. هكذا.
شعور محرج. لا يوصف. تود لو تنشق الأرض وتبتلعها.
رجب:
أنا مش هتكلم. رد انت يا سيدنا الشيخ.
المأذون:
أستاذ خالد ده شرع ربنا. لو حصل غير كده أنا بنفسي هبلغ عنك. سيب الراجل يختلي بزوجته.
ظل الشد والجذب بينهم مستمر وهناك بعيداً تقف ندى مصدومة لجوار مليكة التي لا تقل عنها صدمة تقول:
إنتي سامعة؟ واقفين بيتخانقوا على أمي؟ مش مستوعبة المهزلة اللي أنا فيها دي. هههههههه.
مليكة:
حظوظ.
ندى:
شكلي هاجي أبَات عندك النهاردة.
مليكة:
يالا معايا بكرامتك أحسن قبل ما يطردوكِ.
بعد دقائق كانت ندى قد غادرت مع مليكة والجميع كذلك.
تبقى هو بمفرده معها. حبيبته الأولى والأخيرة. حلمه الذي اعتقد بل كان موقناً أنه صعب المنال.
أصبحت زوجته وله حتى لو بالحيلة. لا يهم. كل شيء مباح في الحب.
وقف ينظر لها وهي تجلس تفرك أصابع يدها ببعض وتنظر أرضاً. كم تبدو جميلة وصغيرة رغم أنهم من نفس العمر تقريباً.
شرد قليلاً وهو يتذكر حديث سيد له منذ قليل:
واحدة واحدة على الست وبلاش غباء. واوعى تعمل أي حاجة غير لما تخليها تحبك. يا إما تحبك يا إما ماتعملش كده.
رجب:
بس ياض يا هبل إنت. أنا مش كده. مش لسه هستنى يا تحبني يالا. أنا اتعلمت أمد إيدي وأكبش الحاجة من الدنيا. اللي مالوش قلب مالوش رزق. وطلاق تلاته مانا سايبها إلا أما تحبني أنا كمان. بس كل ده وهي مراتي. مش هقعد ألمح أنا من بعيد لبعيد. الدنيا عايزة قلب جامد. روح. روح يالا انت بتحب تنام بدري.
سيد:
طب براحة ماتزوقش. سلام.
عاد من شروده وهو ينظر لها وهي تفرك يدها ببعض. مد يده يلتقط كفها يحرره من الآخر يقول:
مبروك يا ست البنات.
لما هربت الكلمات منها. نجلاء من فتيات الزمن الجميل.
الخجل والبراءة. حتى لو أصبح عمرها ستون أو أكثر. في أول موقف مثل هذا ستتحول وتصبح بخجل فتاة عذراء. خصوصاً وهي لا تستوعب كل ما يحدث معها في هذا العمر وابنتها على وشك الزواج. كل ما يحدث ولا بالأحلام.
مد أصابع يتلمس باطن كفها. أغمض عينيه بتلذذ وسحر. كم تمنى تلك اللحظة. يده بيد سيدة أحلامه.
شعور لا يوصف. حتى الكلمات لا توفيه حقه.
أخيراً أخرج صوته يقول:
بصيلي.
رفعت نظرها إليه فقال بدون مقدمات:
كل اللي حصل ده لعبة.
اتسعت عينيها فاكمل مؤكداً:
آه لعبة عملتها أنا وسيد عشان أتزوجك وتبقى مراتي.
زادت صدمتها أكثر. لم يرحمها وهو يكمل بقوة وإصرار:
ومش ناوي أطلقك يا ست البنات.
***
في صباح يوم جديد.
استيقظت ندى ومليكة بوقت متأخر من اليوم. لقد سهروا بالأمس كثيراً يتحدثون عبر الفيديو مع جودي. تحكي لهم عن قصة حبها وذلك القاسم الذي عشقها وحارب وتحدى الكل لأجلها. كذلك كيف أعلن خطبته منها هكذا فجأة وأمام الصحافة ولم يبالي لأحد.
خرجت ندى تحاول أن تستفيق قليلاً تريد تستمتع بهواء الصيف الخفيف.
كتمت ضحكاتها وهي تراه يجلس على كرسيه كأنه يحرس أحدهم من الخروج أو الدخول.
أسرعت للداخل تقفز على الفراش فوق مليكة التي صرخت بفزع:
عااااااا. حرام عليكي مش كفاية طول الليل بتشلطي برجلك ارحميني.
ندى:
بت يابت اصحي وسيبك من الهبل ده قومي شوفي عامر عامل إيه؟
مليكة:
عامل إيه؟
ندى:
ههههه. جايب كرسي وقاعد قدام باب البيت من تحت. ههه عامل زي الكلب اللي حارس صاحبه.
مليكة:
ده بجد؟!
ندى:
آه والله حتى تعالي شوفي.
خرجت معها للشرفة تنظر أسفل غرفتها. وجدته يرفع عينيه وينظر لها بتحدي كأنه يخبرها: أنا قاعدلك اهو. أما أشوف هتدخلي ولا تخرجي إزاي.
دلفت داخل غرفتها ثانية لا تصدق. وندى خلفها تردد بزهول:
يا عيني. ده لسع. كان عاقل ووقور والله.
مليكة:
ده أكيد اتجنن. إيه اللي هو بيعمله ده. أنا لازم أخرج. ده ناوي يفرض سيطرته عليا بالعافية.
ندى:
هتعملي إيه؟
مليكة:
هعمل كتير.
ذهبت لغرفة ملابسها وفي دقائق بدلت ثيابها وخرجت.
ندى:
إنتي رايحة فين وسيباني أنا؟ مش هينفع أروح دلوقتي.
مليكة:
خليكي مع تيتا الفت لحد ما أجي. لازم أرد على كل اللي بيعمله ده وإلا هيسوق فيها.
ظل على جلسته. كما قال وقرر لن يسمح لها بالتحليق بعيداً. حتى لو اضطر لأن يقص أجنحتها.
وكما توقع. وجدها تخرج إليه مستعدة للخروج تتحرك وهي لا تنظر له كأنها لا تراه. همممم حسناً. سيرها من هو عامر.
تحدث بقوة وهو ما زال على جلسته:
استنى عندك. رايحة فين؟
رغم كل شيء وأي شيء تظهره هي لازالت تهابه. توقفت خطواتها تقول:
زي ما حضرتك شايف. خارجة.
وقف عن مقعده وتقدم منها ببطء. آثار الخوف داخلها وقال:
ده إحنا بقينا نخرج ونروح ونيجي ولا كأن ليكي راجل.
زمت شفتيها تدعي الجهل تقول:
لا ما علش مش فاهمة. هو أنا مخطوبة ولا متجوزة حد وأنا مش عارفة؟ أنا قولت لتيتا إني خارجة ووافقت فهخرج.
عامر:
ياسلاام. ده حلو أوي الكلام ده. لا وجديد كمان. اسمعي بقا الأجدد. أنا سكتلك وعديتلك بمزاجي. رغم إن دي مش طبيعتي. لكن أكتر من كده مش هعرف أتحكم في أعصابي وإنتي حرة يا مليكة. عايزة تطلعي جناني عليا براحتك.
نظرت داخل عينيه تقول بتحدي:
لا هخرج وهعمل اللي أنا عايزه. وبعدين المفروض حضرتك مش فاضي دلوقتي. إنت بتجهز لخطوبتك. هي مش بكرة بردوا.
قطع حديثهم صوت سيارة خالته وزوجها. قادمين مع هديل ونادر.
مليكة بسخرية تخفي ألمها:
اتفضل عروستك جت. أصل طنط ناهد مامتك عازماهم النهاردة على الغدا. سلام.
قبل أي خطوة منها كان يحذبها يجرها خلفه غير مهتم بسيارة زوج خالته وهي لازالت تعبر الحديقة في طريقها للباب الداخلي.
صعد بها لغرفتها وأغلق الباب يصرخ بها:
إنتي عايزة إيه؟ عايزة إيه قوووولى. عايزة تجننيني. عايزة توصلي بيا لفين؟
مليكة:
عايزاك تسبني في حالي.
صرخ بها أكثر:
مش عارف يا غبية. مش عارف. ومش عارف أبطل أحبك. افهمي بقا.
نظر لها وأكمل:
اسمعي. خروج مافيش. دروس السواقة اللي روحتي تكمليها بردو مافيش. لو الزفت اللي اسمه عدى ده قرب منك مش هيحصل خير. أنا على أخرى ومش هسكت على المهزلة دي. سامعة.
تركها وخرج لا يرى أمامه وهي تردد:
روحلهم يا خوي روح.
***
في شقة نجلاء.
استيقظت على قبلات خفيفة تتوزع على وجهها وعينيها.
فتحت عينيها بصدمة وهي تنظر للمعلم رجب بجوارها على فراش نومها.
لا تستطيع استيعاب كل ما حدث. كيف تعامل معها رجب بكل هدوء وترقب وبنفس الوقت تشعر أنه انتزعها نزعاً. كأنها حقه بالحياة. أو شيء طال انتظاره.
ولا تعلم كيف استطاع إذابة خجلها والتعامل معه. شعورها الآن لا يوصف. تشعر حقاً أنها فتاة صغيرة.
ضمها لاحتضانه براحة يقول:
عارف بتفكري في إيه. بس لو كنت استنيت عليكي عمرك ما كنتي هتبطلي كسوف.
تشعر بتخبط شديد بكل شيء. لا تستطيع الاستيعاب.
ضمها له أكثر وهو يقول ما جعلت عينيها تجحظ:
أنا بحبك يا ست البنات.
ظلت على صدمتها لمدة كبيرة لا تستمع ولا تدرك أي شيء. حتى وهي الآن معه بسيارته في طريقهما لأسكندريه. فما استوعبته بعد صدمتها تلك أنه سيأخذها ويسافر بعيداً عن الجميع فترة.
حقاً لا تستطيع استيعاب كل ما يحدث معها وبذلك العمر. تنظر جانبها لذلك الرجل وهو عين على الطريق وعين عليها.
من المفترض أنه زوجها. ظلت لسنوات طويلة وهي زوجة لتوفيق.
اعتادت على ذلك وأصبح أمر مسلم به. لا تستطيع الاستيعاب حقاً.
***
في قصر الخطيب.
على حافة المسبح.
كانت كارما تجلس وهي تضع قدميها بالماء شاردة بلا شيء.
شعرت بمن يجلس بجوارها يقول بسخرية مبطنة:
سمعت إنك فسختي خطوبتك. ليه كده؟ زعلت والله. ده حتى محمد راجل حساس وكله حنان ومشاعر.
نظرت له بجانب عينيها. هو آخر شخص تود رؤيته الآن.
أشاحت بوجهها عنه وعادت للنظر أمامها تقول:
عايز إيه يا نادر؟
نادر:
لا ولا حاجة. مش بنت خالتي وواجبي عليا أطمن عليكي.
كارما:
لا كلك واجب والله. ولسه فاكر الأصول.
أعادت النظر له تكمل:
أنا فكرت إن قعدتك برا نسّتك الأصول.
نادر:
هو بصراحة بنات برا اللي نسّوني. دول يخلوا الواحد عقله يسيح.
وقفت بحدة وقالت:
طب أسيبك أنا بقا لذكرياتك العظيمة.
ابتسم بتلاعب واستمتاع وهو يراها تبتعد ينظر لأثرها بمشاعر مبهمة.
بعد مرور أيام.
وقف الكل في حديقة منزل والد هديل.
في حفل خطوبة مميز يليق بها وبعامر الخطيب.
يوم أكثر من صعب على الكثير منهم.
عامر وهو يجلس هكذا لجوار واحدة أخرى غير حبيبته. وحبيبته تقف بعيد تمنع الدمع عن عينيها.
تجاهد وتجاهد ولكن بلا فائدة. مع لبسه خاتم خطبته لها.
وجدت قدميها تتقدمان منه تمد يدها تصافحه قائلة:
مبروك. مبروك يا أبيه.
يشعر بمعنى حديثها وهذا ما لن يسمح به. أبداً.
الكل سعيد. الكل مرحب بهذه الزيجة خصوصاً مع اقتراب الانتخابات. إلا هو وهي.
رغماً عنه ينظر لها بألم وعشق واشتياق. وهي ترتدي ذلك الفستان الأحمر القصير. يصل حتى ركبتيها. كم بدت جميلة بزينتها البسيطة تلك. أجمل فتاة بالحفل وبالعالم أيضاً.
يقف وهو يرقص مع هديل يفتتح الرقص.
وهي لا تستطيع أن تتحمل كل هذا. ليست بهذه القوة على أي حال.
خرجت من الحفل. خرجت سريعاً لن تستطيع الصمود أكثر من هذا.
منذ ذلك اليوم وهو تقريباً لا يراها. لا تخرج من غرفتها وندى تلازمها.
لن يستطيع الصمت أكثر من هذا وهو يرى حبيبته تضيع منه.
حسم أمره أخيراً. لابد من مواجهة الجميع.
أرسل لها رسالة بأن تحضر حالاً للأسفل.
لا تعلم ماذا يريد هو بعد كل ذلك. ولكنها تفاجئت بأن الجميع حاضرين أيضاً.
همست ندى:
هو عامل اجتماع ولا إيه؟
لم تجب عليها. حقاً لا طاقة لها. أكملت هبوط الدرج لتعرف ماذا يحدث.
جلست ومرت دقائق وهو ما زال صامت ينظر لها باشتياق وتفحص. منذ ذلك اليوم لم يراها.
لاحظ الجميع نظراته لها. لكن كذبوا أنفسهم.
لكنه تحدث أخيراً بنفاذ صبر:
أنا سبق وجمعتكوا. قولتلكوا إني بحب بنت وعايز أتزوجها.
شعرت ناهد بالخطر فبادرت بالهجوم تقول:
تاني. هنعيده تاني الموال ده. ودلوقتي. بعد ما خطبت بنت خالتك إنت بتهزر يا عامر.
عامر:
لا يا أمي مش بهزر. بس أنا بني آدم ومن حقي أحب أعيش مع اللي بحبها. وأنا جمعتكوا النهاردة عشان أقولكوا هي مين.
جحظت عينيها وهي تستوعب ما يحدث وما يفعله. رأته يتجه لها يمد يده يوقفها. ثم وأمام الجميع يضمها له قائلاً:
مليكة. أنا بحب مليكة.
صمت أطبق على المكان من هول الصدمة لها قبل أن تكون لهم.
رواية انصاف القدر الفصل العشرون 20 - بقلم سوما العربي
في أقصى أحلامها لم تكن تتوقع أن يكون اعترافه هكذا، أو بهذه الطريقة.
ظنت أنه وإن فعل يوماً، مجهود سيكن مع كل فرد على حدى، أن يخبر أمه أولاً، وبعدها شقيقته، يتبعها فرد آخر وهكذا.
ولكن، أن يجتمع بهم مرة واحدة، أن يقف يمد يده يوقفها لجواره، يقول بملء فمه إنه يحبها، يحبها هي، شيء ولا في الأحلام.
حتى أنها تخشى لو كان كل ذلك حلم جميل، لو كان حلماً ستبقى غافية أبداً.
تفاجئت به ينهي كلماته تلك ويضمها له بحب واحتواء.
والجميع من خلفه مصدوم، حتى ندى صديقتها مصدومة، من كانت تسبه منذ قليل تراه الآن أكبر حتى من كلمة فارس أحلام.
أما باقي أفراد العائلة، فجميعهم تملكتهم الصدمة والغضب.
ما يحدث غير مقبول إطلاقاً، عامر يحب مليكة الصغيرة وخطبته كانت من يومين على أخرى، وليست أي فتاة، إنها ابنة خالته.
انتفضت ناهد تقول بغضب:
"انت شكلك اتجننت فعلاً يا عامر، أنا كنت شاكة فيكوا من زمان، نظراتك ليها، عينك اللي مش بتتشال من عليها، مش بتبطل تسأل عنها، أي مكان أنت اللي تجيبها وتوديها، بس كنت بكذب نفسي، بقول ابني كبير وعاقل، عمره ما يتصرف كده، مليكة؟ مليكة يا عامر! عايز تضحك عليك الخلق، عايز الناس تقول عامر الخطيب اتهطل على كبر، ولما أنت بتحب واحدة تانية وافقت ليه تخطب بنت اختي، الخطوبة دي مش حاجة والسلام، لا دي عيلة بترتبط بعيلة تانية ولو حصل فشكله عمر العلاقات ما بترجع زي الأول ودي مش أي عيلة دي اختي، عايزني أخسر اختي؟"
تأثر كثيراً بحديث والدته، ولكنه مهما بلغ به التأثر لا يملك أي خيار.
أمره محسوم، إنه يعشقها.
تحدث بهدوء قائلاً:
"أمي حاولي تفهميني، مش بإيدي، أنا فعلاً بحبها، وحاولت، كل اللي بتقوليه ده جه على بالي وده اللي خلاني رحت وخطبت هديل، بس غصب عني مش عارف، مش هقدر يا أمي."
أخذت نفس عميق وقالت:
"كلامنا ما خلصش يا عامر، واللي بتقوله ده مش مقبول."
كل ذلك ومحمد يتميز غيظاً، ذلك عامر الغبي يسير خلف قلبه غير مبالٍ بأي خسائر، أي قلب هذا الذي يسير خلفه كل أفراد ذلك البيت، أولهم فادي المعتوه يريد الزواج من فلاحة بعدما ترك مليكة، وثانيهم السيدة كارما والتي فسخت خطبتها منه معللة أنها لا تحبه وأنه شخص لا يملك قلب، قلب؟ ماهذا الهراء، حديث سخيف جداً ولا ينتهي إلا بالحماقة والخسائر، وأولها الآن مع كبير عائلتهم يعلن عشقه الغبي لأصغر فرد يتعامل معه بيومه من الأساس.
مهزلة، كل ما يحدث لا يندرج تحت أي وصف أو تصنيف غير بأنه مهزلة.
وقف يقول وهو محتج بشدة:
"خليك فاكر إنك مش لوحدك، وراك عيلة كاملة واللي بيحصل ده هيضرها كلها، أنت مش حر في نفسك، عايزك تريح وتهدى كده عشان نتكلم، ماتنساش... مستنيك يا كبير."
تركهم وغادر أول فرد.
وقف من بعده فادي معلقاً:
"هو طبعاً أنت حر وكل حاجة بس اللي بيحصل ده ماينفعش، ده غير إننا مش قراطيس لب، أنت واقف كده وواخدها في حضنك، كانت مراتك مثلاً واحنا مش عارفين؟!"
قال الأخيرة بسخرية غير منتبهين لعين الفت التي تهز رأسها كأنها تجيب بإلحاح على شيء موافقة.
عامر:
"خلاص خلصتوا؟ ولا لسه حد عنده حاجة عايز يقولها."
تقدمت كارما تقول:
"عامر أنا سبق وفسخت خطوبتي من محمد ومشيت ورا قلبي فمش هقدر أطلب منك ماتمشيش وراه، لكن فعلاً انتوا الاتنين مع بعض استحالة، أنت أكبر منها بكتير أوي، صعب... صعب يا عامر."
تركته وغادرت ومن بعدها فادي، تاركين عامر ومليكه مع الفت، وندى تقف بعيداً فرحة بشدة.
أشارت لهم الفت بالاقتراب، تحتضنه لأول مرة، فاتسعت عيناه يقول:
"ياااه مش معقول، هههه دي هتحضني، ده أنا كنت فاكر إني قاتلها قتيل."
ابتسمت الفت وهي تضع رقبتها على كتفه غير قادرة على ضمه بسبب حركة يديها المحدودة جداً.
تشير بعينها لمليكه بأن تنضم لهم، عينها يظهر عليها ألف انفعال، كأنها تخبرهم شيء، لو رأيتها لفسرته كأنها تقول هذا هو المكان الصحيح لكم، لابد أن تظلوا معاً.
ابتعدوا عنها ونظر هو ناحية مليكة ثم اقترب منها يمسك يديها بكلتا يديه يقول:
"بحبك أوي ومش هاممني حد خلاص، مش عايزك تبعدي عني تاني ممكن؟"
كانت تتنفس بسرعة من شدة الفرحة، غير مصدقة كل ما يحدث.
أجابت بقوة:
"ممكن... أنا بحبك أوووي."
ابتسم وهو يضمها له براحة:
"وأنا بحبك أووووووي."
انتبهوا على صوت تلك المسكينة تقول:
"يعني مش كفاية أمي وعم رجب، انتوا كمان طلعتولي في البخت، منك لله يامازن."
رغماً عنهم ابتعد كل منهم عن الآخر يضحك بقوة.
مليكة:
"بس لاحسن البت دي تحسدنا."
ندى:
"أنا... اخس عليكي، ماشي، أنا طالعة أجيب موبايلي وأكلم الزفت اللي اسمه مازن اللي جابلي جفاف عاطفي ده."
صعدت على الدرج تندب حظها:
"الله يخربيت الطب واللي بيدخلوه، أخدنا منه إيه، ماشي يامازن يابن دلال، ده حتى عامر ربنا فك عقدة لسانه وانت لسه... عامر نطق وانت لسه."
كان مازال يقف معها يردد بزهول:
"عامر نطق وانت لسه؟ أنا بقى يتدرب بيا المثل، إيه اللي صاحبتك بتقوله عليا ده."
أخذت تملس بيدها على مقدمة بذلته تهدهده كطفل قائلة بنعومة:
"هو أنت ماتعرفش ياحبيبي؟"
عامر:
"لا ما اعرفش."
مليكة:
"أصل أنا مسيحالك وسط كل صحباتي وكلهم عارفين إنك حجر."
اتسعت عيناه:
"حجر؟!!"
مليكة:
"اممم."
عامر:
"لا كتر خيرك والله وكمان مسوءة سمعتي وسط صحابك، قايلة عني إيه تاني."
مليكة ببساطة:
"ولا أي حاجة ياروحى هو كل مافي الموضوع إني مسجلاك على فوني ال... ال..."
عامر:
"ال إيه قولي."
مليكة:
"الجبله ابن الـ****"
اتسعت عيناه أكثر وأكثر بصدمة مردداً:
"الجبله ابن الـ**** يانهارك أسود، مليكة أنا همشي قبل ما أرتكب جريمة... ماشي حبيبتي... باي."
مليكة بهيام:
"بااااي."
قبل مقدمة جبهتها وانصرف، لكنه عاد إليها مجدداً يقول:
"إيه ده... تعالي معايا لحد العربية وصليني."
ضحكت بحب وذهبت معه وهو يوصيها على نفسها حتى يعود وأن تهاتفه عندما تحتاج لأي شيء.
طوال اليوم وهو تقريباً يهاتفها كل ساعة، ماذا يفعل وهو يشتاق لها.
***
في الحارة
دق سيد منزل السيدة حكمت التي فتحت له وهي تنظر أرضاً.
سيد مبتسماً:
"مساء الخير يا ست حكمت."
حكمت:
"يسعد مساك يا سطى سيد... اتفضل."
سيد:
"لا انتي اللي هتجيبي يوسف وتيجوا تتعشوا معانا أنا ومي برا، أنا عازمكوا، إيه رأيك."
نظرت له بتفاجئ وقالت:
"برا؟"
سيد:
"اه وماله، فيها إيه يعني واسم النبي حارسه يوسف ابنك هيبقي معانا."
أكمل حديثه يغمز لها بعبث ومزاح:
"أنا بقول واجب يكون معانا محرم بردوا الأمر ما يسلمش."
رغماً عنها ضحكت وقالت:
"طب هشوف كده وأرد عليك."
سيد:
"وماله بس أحياة النبي ما تتأخري إلا عصافير بطني بتصوصو."
حكمت:
"ماشي."
أغلقت الباب بعدما ذهب، لا تصدق نفسها، لأول مرة يدعوها أحد للطعام بالخارج، رجب رغم عشرته الطيبة لكن لم يفكر ولو لمرة بأن يأخذها ويذهبوا لأي مكان، ومع ازدياد الخلافات بينهم زادت الفجوة وزاد الابتعاد.
لأول مرة تشعر أنها أنثى ومن بني البشر، لا تستطيع وصف سعادتها، من كثر ماهي غير معتادة على السعادة تعتبرها شيء دخيل بل وكثير عليها، قررت بشيء من البديهية أنها لن تقبل ذلك العرض، منذ متى وهي تذهب مثل هذه المشاوير، كما كانت وتعودت وتربت على حديث أمها خالتها وجدتها، ليس للمرأة غير بيتها، هذه الأماكن والنزهات ليست لهن.
في نفس الوقت خرج يوسف من غرفته يقول:
"أمااااا... جعاااان."
لم تنتبه له بادئ الأمر فردد بصوت أعلى:
"أمااااااااا."
حكمت:
"يخربيتك خضتني."
يوسف:
"اللي واكل عقلك."
حكمت:
"يا ساتر يارب... عايز إيه مني يابني."
يوسف:
"عايز أكل... جعااان."
حكمت:
"طيب حاضر ساعة بس وأجهز الأكل."
يوسف:
"ايييييه... والاكل ماجهزتش ليه... وانتِ بتعملي إيه طول النهار؟"
استاءت حكمت كثيراً وقالت:
"يابني مش عيب تجعر فيا كده، أول ما صوتك يتخن هتتخنه عليا؟"
يوسف:
"اييييه.. جعااان ماكلش، أنا شقيان طول اليوم من المدبح للمحل لما رجلي اتهرت."
حكمت:
"وطي صوتك يالا، أنا اللي ماعرفتش أربي... بقولك طول اليوم قالبه البيت وبغسل الفرش والسجاد وبمسح الأرض لما وسطى اتحل، ده بدل ما تقولي كتر خيرك ياما انتي بتتعبى معايا، ريحي انتي ياما وأنا هبعت أطلبلك أكل من برا، انت ياواد مش بتشتغل وبتقبض من أبوك وماسك قرش حلو، ماتجيش في مرة تقول أما أريح أمي وأجيب أكل وأنا راجع ليا وليها، ده انت لو يوم كلت برا مابتفتكرش تجيب لامك وانت راجع، ياشيخ ده انت حتى مش بتفتكر تتصل بيا تقولي كلي انتي أنا هاكل برا وانت عارف إنك بتستناك على الأكل."
يوسف وبعد كل هذا قال:
"ايوه يعني الأكل على إمتى كده؟!"
وقفت بغضب وخيبة أمل لا توصف:
"مافيش أكل يايوسف، واعمل حسابك تعتمد على نفسك، أصلي يومين واتجوز، أنا كنت هرفض عزومة الأسطى سيد بس رجعت في كلامي وهوافق، اللي مستعدة أضيع عمري وأضحي بسعادتي عشانه مش داري بيا أصلاً ومش بعيد لما أكبر يرميني في دار مسنين عشان ياخد الشقة يتجوز فيها، ولا مراته تقوله يانا يا أمك في البيت، أنا قايمة البس وأخرج عايز تيجي معانا تعالي، مش عايز براحتك أنا كده كده رايحة."
ذهبت من أمامه بعدما قالت ما فاضت به روحها، عاشت نصف عمرها شمعة تحترق، لابد من وجود ولو زقاق ضيق لطريق السعادة.
***
في الإسكندرية
جلس رجب مقابل نجلاء يقول:
"هطلب لك بقى أكلة سمك من اللي وصى عليها لقمان."
نجلاء:
"إحنا لسه واكلين من شوية."
رجب:
"لا أنا عايزك تاكلي كده وتتغذى، أنا لو أطول أجيبلك الدنيا كلها تحت رجلك أجبهالك، انتي حاجة غالية عليا أوي.. أوي.. يااااه.. كنتي زي نجمة بعيدة، عارفة لما تبقى ممددة كده على أرض تراب من تحتك، وتبقى باصة لنجمة حلوة أوي وبتلمع وكل ليلة تواعديها وتقعدي تستنيها بس عارفة إنك على الأرض ولامسة التراب عمرك ما هتعرفي تطلعي القمر عشان تقابلي نجمتك، انتي بقى نجمتي ياست البنات."
كل هذا كثير، كل ما حدث خلال العام المنصرم شيء وما يقوله الآن شيء آخر، حديث لا يوصف ولا تسعه الكلمات، حقاً ولا بالخيال.
رغماً عنها بكت، لا تعلم لما القدر ظالم هكذا، لما لم تحظى برجب منذ البداية، ولما تعذبت كل هذه السنوات مع زوج مثل ذلك التوفيق.
تحدث بلهفة:
"يقطعني... اهو أنا كده دبش ماعرفش أقول كلمتين حلوين على بعض."
تحدثت من بين دموعها وقالت:
"بالعكس.... بالعكس ده كلام حلو أوي ومش مترتب وطالع من القلب، أنا بعيط على حاجة تانية."
رجب:
"حاجة إيه؟"
نجلاء:
"بعيط على القسمة والنصيب، أقصد يعني..."
قاطعها هو قائلاً:
"ليه من الأول اتجوزتي توفيق وأنا اتجوزت حكمت صح؟"
أومأت برأسها موافقة فقال:
"وتفتكري لو أنا كنت اتقدمتلك أهلك كانوا هيوافقوا، انتي كل واحدة في أخواتك ماشاء الله تبارك الله اللي متجوزة محامي واللي متجوزة محاسب واللي واللي.... كانوا هييجوا يوافقوا برجب الجزار؟ جوازنا عمره ما كان هيتم إلا بالحيلة، يمكن لو كنت وصلت لك سهل كنت أضيعك مني، أبويا كان دايماً يقول اللي ييجي سهل يروح سهل، يمكن ربك عمل كل ده عشان لما ألاقيكي أحافظ عليكي وأعوضك وانتي كمان تعوضيني."
نجلاء:
"أعوضك؟! أعوضك بإيه أنا مابقاش فيا حاجة ولا حيلتي حاجة أعوضك بيها، أنا مش متفضل مني غير روح، روح شبه عايشة، فاهمني؟"
ابتسم بحزن وقال:
"فاهماك ياست البنات، مش عشان يعني مش مكمل تعليمي أبقى مش فاهم كلامك الكبير ده، أنا راجل سميع وأحب أسمع وأفهم وأوزن الكلام، ومن ناحية هتعوضيني بإيه فإنتي عندك كتير، كفاية وجودك جنبي، أشم نفسك في مطرح اللي أنا قاعد فيه، البصة في وشك بالدنيا واللي فيها، كفاية بس الواحد يتصبح بوشك، يلاقي الخير في يومه، انتي إزاي شايفة نفسك كده، أنا شايفك حاجة كبيرة أوي، أمل ماكنتش أحلم بيها."
أغمضت عينها لاتدري هل تفرح بذلك الكلام الجميل أم تحزن من توفيق وما فعله بها جعلها حتى لا ترى بنفسها شيئاً يستحق الحب، كما قالت، هو حقاً قد سرقها.
رجب:
"بالك، أنا الود ودي آخد بعضي وأروح على مصر في قلب الحارة وأديله علقة من اللي هو وصلك ليه ده."
أنهى كلامه وهو يضحك قائلاً:
"بس أنا بقول ياواد الطيب أحسن، هنزل وأضيع على نفسي يومين عسل مع أجمل ست في الدنيا."
رغماً عنها ضحكت، أصبحت تضحك كثيراً مع هذا الرجب، فريد من نوعه جدًا.
في نفس الوقت حضر النادل بالطعام فقال:
"بسسسس.... الأكل جه ياست الكل وأنا ساعة الأكل مابعرفش أمي."
نظرت له بعيون القطط فقال:
"بس كله يتغير لأجل عيون ست البنات."
ابتسمت له مجدداً وهو يقوم بتقشير أحد قطع الجمبري، ثم فتحت فمها وهو يحثها على ذلك كي يضع لها الطعام بفمها.
***
في المساء بمنزل الخطيب
جلس الجميع على طاولة الطعام كأن على رأسهم الطير خصوصاً بعد اعتراف عامر بالصباح، قلب كل الموازين والحسابات، لكن لابد من وضع حد لكل ذلك.
بنفس الوقت كانت تخرج من غرفتها بعدما اعتذرت ندى فهي قد تناولت الطعام بوقت متأخر.
خرج هو من غرفته قائلاً:
"ياسلام... كنتي نازلة تحت من غيري ولا إيه؟!"
مليكة:
"اه."
عامر:
"كمان بتقولي اه؟"
مليكة:
"اه وفيها إيه ما أنا كل يوم بنزل فطار وغدا وعشا من غيرك."
تحسس يدها يضمها بين كفه الكبير قائلاً:
"قبل كده حاجة ومن النهاردة حاجة تانية، انتي بقيتي حبيبتي قدام الناس دي كلها، فاهمة يعني إيه."
أخذت نفس عميق تبتسم وهي ترفع رأسها بزهو وفخر قائلة:
"ايوه فهمت."
عامر:
"طب يلا بينا."
هبط الدرج وهي معه، لا يهمه رأي الآخرين بعد الآن.
كانت الخادمة تضع آخر طبق على السفرة وتغادر باحترام.
نظر الكل مسلط على كبير البيت بجوار أصغر فرد به، مهزلة، ما يحدث أمامهم لا يصنف إلا بشيء واحد وهو المهزلة.
تقدم من الطاولة وهى همت لتجلس بمقعدها المعتاد.
نظر لها بغيرة وغضب يقول:
"رايحة فين؟"
مليكة:
"هقعد مكاني."
عامر بحدة:
"جنب فادي؟ أنا لسه قايل إيه حالا."
ارتعبت قليلاً من طريقة حديثه، تعلم أنه يغار ولكن اليوم كأنه يعلن بداية لكل شيء جديد ومن نوع آخر حتى غيرته.
أما فادي فقال:
"بقى كخه فادي دلوقتي، اقعدي ياهانم جنب البيه، مانتي هتبقي كبيرة البيت بعد كده."
ضحكت كارما وبعدها فادي رغماً عنهم وهم يجدوها كالأطفال تنظر لهم بتحدي طفولي وتسحب لنفسها المقعد المجاور له لتجلس عليه ككبيرة العائلة.
ضحك عامر عليها، حقاً مظهرها بجواره غير عادي، ضئيلة الحجم جداً.
كانت الفت أكثر من سعيدة وهي تراها وأخيراً بجوار عامر.
أما ناهد ومحمد فتقريباً أفكارهم واحدة ورفضهم القاطع واحد، من نظرات عيونهم تشعر كأنهم اتفقوا بدون أن يتفقوا أو حتى يتحدثوا، مصلحة الجميع هي الأهم.
طوال الوقت وفادي يناوش عامر ويشاغله بالحديث مما يجعل عامر يضحك، ومليكه هائمة في ابتسامته تلك، وأحياناً يتحدث مع محمد في أمر من أمور العمل، تجده يأتي أخيراً بالكلام العملي المفيد ويختصر المشكلة وتحل فوراً وتردد هي داخلها (جووووووووون).
وناهد رغم فكرتها ورفضها لتلك العلاقة إلا أنها أمه وتعلمه أكثر من أي فرد آخر، ابنها سعيد، فرح، تشعر به، حتى في عز حديثه عن العمل والصفقات والمشاكل عينه تضحك، باتت في حيرة من أمرها، ولكن هم فعلاً في موضع شائق، خطيبته ليست أي شخص، إنها هديل ابنة شقيقتها، مصير عائلتين وعلاقتها بشقيقتها، كذلك مستقبل ابنها نفسه، سيتضرر كثيراً من ارتباطه بتلك الصغيرة حتى لو كانت تحبها، حتى لو تربت على يدها هي، بالنهاية مستقبل ابنها هو الأهم.
قطعت كارما كل تلك الأجواء قائلة:
"ميكا... بقالك كتير ماغنيتيش لينا، غني يالا."
بدون تردد وبلا تفكير وعيونها مازالت مرتكزة عليه غنت:
"حبيبي.. حبيبي اه من حبيبي.. عليه احلى ابتسامة.. لما بتضحك عيونه بقول يالا السلامة.. حبييبي.. حبيبي اه من حبيبي.. عليه احلى ابتسامة لما بتضحك عيونه بقولك يالا السلامة.. لما يسلم عليا.. واما يقولي كلاااام عايزه ورا كل كلمة اقوله ياسلام يا سلام يا سلااام.. لما يسلم عليا.. واما يقولي كلااام عايزه ورا كل كلمة... اقولو يا سلام يا سلام يا سلااااام."
صفقت كارما، وأخذ فادي يصفر مردداً لعامر:
"الله يسهله يا عم... ربنا يوفق الدنيا على بعضيها."
أما عامر فكان ينظر لها بأعين لولا الملامة لبكت، تلك الجميلة تجعله محلق من شدة السعادة، شعور أن هناك شخص يحبك حلو، أن من تهواها تبادلك بل وتهيم بك يجعلك تشعر بأن لا مثيل لك، بل لا يوجد من يضاهيك سعادة، تشعر أنك أوسم رجل قد خلق.
وجد نفسه بدون تردد يجذب باطن يدها لفهمه مردداً:
"ربنا يخليكي ليا ياحبيبتي."
ابتسمت بحب وزهو، كل شيء انكشف، لن تصبح مضطرة بعد الآن أن تناديه أبي، يدعوها حبيبتي أمام الجميع، ماذا تريد بعد ذلك أو أكثر من ذلك هي.
ستعشقه أمام الكل، وهو قد أعلن حبه وانتهى ذلك الماراثون.
خرج كل منهم من دنياه تلك على صوت مقعد محمد أثر وقوفه فجأة من شدة الغضب، تاركاً لهم المكان كله، لا طاقة ولا صحة له لتحمل كل تلك السماجة من وجهة نظره.
في نفس اللحظة تبعته ناهد غير راضية هي الأخرى عن كل ما يحدث أمام عينها وعلى العلن.
فادي:
"بس.. بس.. كارما.. كارما."
كارما وهي تأكل الطعام:
"هممم."
فادي:
"خلي عندك دم وبطلي أكل وقومي بعدي، كله قام، سيبيهم مع بعض."
كارما:
"مش شايفني بأكل أنا."
فادي:
"ما طول عمرك بتاكلي، يلا عشان تنامي خفيف قومي."
وقفت على مضض تمسح فمها وتقول:
"قومت أهو، تصبح على نقالة."
فادي:
"بيئة."
بعدها وقف هو الآخر يتجه لغرفته يقول لعامر بغمزة:
"أي خدمة، فادي بيمسي يا كبير."
قهقه عامر مما زاده وسامة وزاد تلك المسكينة هيام به.
كل الأفراد غادروا، وأخيراً بقا هو معها، هم ليقبل يدها مجدداً ولكنه انتبه على حمحمة شخص.
أوه الفت لقد نسوها تماماً.
عامر:
"احمم.. يااااجماعة.. ياأفادي.. ياكارما... ياجماعة انتو ناسيين حد هنا."
نظر لها وجدها كأنها تخبره بعينها بتحدي:
"أنا قاعدة لك محرم."
نظر لها يبتسم بسماجة مردداً:
"منورة يامرات عمي....."