تحميل رواية «انصاف القدر» PDF
بقلم سوما العربي
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
في أحد القصور الفخمة جداً، بعد الدخول إلى باحتها الواسعة مروراً بمساحات كبيرة جداً من الخضرة، نصل إلى الحديقة الداخلية للقصر. الجميع يعمل على قدم وساق تجهيزاً لحفل عيد ميلاد تلك الصغيرة، أصغر أفراد عائلة الخطيب. يتيمة الأب والأم، مليكة، اليوم هو عيد ميلادها الثامن عشر. بداخل القصر، يجلس الجميع على سفرة الطعام لتناول الإفطار. تتقدم الخادمة بالكرسي المتحرك الخاص بالسيدة الفت كي تشاركهم الإفطار. بينما يجلس محمد يتجاذب الحديث بهمس مع كارما، يبدو أنه يتغزل بها. واضح جداً من خجلها وهي تنظر أرضاً لا تع...
رواية انصاف القدر الفصل الحادي والعشرون 21 - بقلم سوما العربي
أيام حلوة تمر على الجميع، خصوصاً على رجب. أخيراً هو و"ست البنات" معاً.
حلم طال انتظاره كثيراً حتى تحقق بفضل الله. يشكر كل الظروف التي جعلت توفيق دائم الشجار معها، ولا شيء على لسانه غير يمين الطلاق.
والآن رجب يقود بها السيارة، يغادر الإسكندرية. جلست لجواره بصمت تام، لا تعلم ماذا يحدث، ولا حتى شعورها ناحية كل ما يحدث. زواجها بتلك الطريقة الغريبة من رجب، إتمامه الزواج منها، اتفاق توفيق مع رجب على أساس أنه محلل فقط، حديث رجب عنها الأكثر من رائع، ولأول مرة تشعر أنها كائن حي ولديه شعور. إنها امرأة جميلة وهناك من يعجبها، بل ويعشقها ويرى أنها شيء كبير جداً صعب المنال.
ولكن... بكل منا جانب سيء.
يجلس رجب وهو يقود سيارته بتركيز. تركيزه ليس بالقيادة فقط، إنما يفكر بشيء مهم آخر.
قطعت هي ذلك الصمت تقول:
"هو إحنا رايحين فين؟"
نظر لها مبتسماً يقول:
"جمصة."
زوت ما بين حاجبيها مبتسمة تقول:
"إيه؟! ده بجد؟"
قهقه رجب قائلاً:
"قديم أنا صح؟ بس لعلمك... بقت تحفة. أنا عايز أروح معاكي كل الأماكن اللي روحتها زمان وكنت أبقى قاعد أتخيل وأقول ياااه... معقول ييجي اليوم اللي تكوني معايا فيه هنا."
"انت بجد غريب أوي."
ابتسم هو قائلاً:
"ولا غريب ولا حاجة."
ثم أكمل، يغتنم الفرصة التي ينتظرها:
"أصلي لما بيبقى معايا حاجة حلوة... بعرف أزاي أقدرها وأحافظ عليها. حد يبقى معاه ست زي القمر زيك وأي واحد يتمناها، وكل شوية يزعق ويرمي يمين طلاق لحد ما بقوا ثلاثة... خسارة والله... ضيعتي عمرك مع حد ما يستاهلش."
نظرت له بصمت قاتل وحزن، لا تجد ما تقوله. تحاول بستماتة أن تنسى وهو بكل بساطة يذكرها.
تألم كثيراً لنظرة الحزن والخذلان في عينيها، لكنه بالأول والأخير بشر. لم ولن يكن ملاكاً يوماً. أراد الضغط على جرحها القديم. يخشى لو أتى اليوم الذي تقرر فيه إنهاء كل شيء والعودة إلى حياتها الطبيعية مع ابنتها ووالد ابنتها. لقد تمم زواجه منها، وبكل ما تعنيه الكلمة هو حقاً اقتنصها من الحياة. ولكن لو أتت وقالت إنها تريد الطلاق، لن يستطيع الرفض. لا يستطيع. لن يتحملها على نفسه وعلى قلبه. لو جاءت الآن وطلبت الطلاق للعودة إلى توفيق، سيفعل ويموت بعدها، ولكنه سيفعل بكل تأكيد.
لذا، وبكل أنانية منه، من عاشق تعذب كثيراً في عشقه، سيضع الملح على الجرح ولن يكف عن تذكيرها بمعاناتها مع والد ابنتها. لن يترك لها أي فرصة للتفكير بالعودة إليه مهما حدث.
تركها تغوص قليلاً في بعض الذكريات المريرة لها مع توفيق. يعلم أن الأمر يحزن جداً حبيبته، ولكن ليتركها. ربما ببعض العذاب يصلح كل شيء. بعض الحزن لن يضر، ولكن لتبقى معه... بإرادتها.
***
داخل الإسكندرية
في أحد المطاعم المطلة على البحر.
جلس كارم يسحب كمية كبيرة من هواء البحر المحمل باليود قائلاً لنهى:
"الله... الماء والخضرة والوجه الحسن."
رفعت شفتها العليا تقول بسخرية:
"وهو في قدامك خضرة؟"
"يعني هو في قدامي وجه حسن... خليكي فريش."
وقفت بحدة تهم بالمغادرة. فضحك وأوقفها قائلاً:
"اقعدي يابنتي بهزر... ماهو برضه يانهى انتي على طول لابسة لي وش الكلب ده كده مش نافع."
شهقت بغضب قائلة:
"وش الكلب... اه يا..."
قاطعها قائلاً:
"شفتي... اهو كنتي هتشتمي اهو. طيب أنا راضي ذمتك... عمرك شوفتي ظابط بيتشتم؟ ده أنا أترفد فيها. على طول كده شتيمة شتيمة... مافيش مرة تقوليلي صباح الخير يا بيبى."
"بيبى؟"
"اه. شفتي سهلة ولايقة على النضارة كمان."
"بقولك يا جدع انت... انت خطبتني وانت عارف إنك هكده. أنا ما ضحكتش عليك. ومالها النضارة بتتريق كمان على نضارتي."
"يانهى... يانهى يا حبيبتي أنا نفسي أقولك كلمة حلوة... تقوليلي كلمة حلوة... حرام كده يا ناس أنا بقالي سنة خاطب مش عارف أمسك إيدك."
شهقت قائلة:
"انت عايز تمسك إيدي؟"
"اه... سبيه يمسكها يانهى... مافيهاش حاجة يعني."
"لا يا أستاذ... لا مش أنا... أنا أصلاً عمري ما أسيب حد يفكر بس يقرب مني... ولو حد فكر بموتوه."
"إيه موصلة جسمك بالكهربا... تصدقي بالله أنا ما بقيت عايز أمسكها."
رفعت رأسها بزهو تقول:
"أيوه كده الأدب حلو."
رغم عنه ابتسم. يعلم كم هي جميلة وخلوقة حتى لو كان لسانها لاذع وحاد قليلاً. أحم، ليس قليلاً بل كثيراً جداً. ولكنها حقاً رقيقة وطيبة القلب، يكفي أنها تحفظ نفسها له.
لكنه بشر ولن يستطيع التحمل كثيراً. تحدث بكبت يقول:
"نهى... إحنا نكتب الأسبوع الجاي والفرح آخر الشهر."
"نعم... إيه اللي بتقوله ده... هو سلق بيض؟"
"نهى ماتستهبليش. إحنا مخلصين كل حاجة. حتى إجراءات نقلك جامعة القاهرة خلصانة والشقة والديكور، حتى العفش محجوز... مش فاضل غير فستان وبدلة."
"لا طبعاً... أااهو الفرح فستان وبدلة وبس. في حاجات تانية كتير."
ابتسم بتسلية وقال:
"كل حاجة ممكن تتحل. قولولي بقى إنك خايفة من الجواز زي كل البنات."
"إيه... لا طبعاً."
"خلاص يا وحش... خليك بطل كده للآخر واثبتيلي إنك شبح في نفسك ومش خايفة من الجواز ولا حاجة... أنا هاكلم أبوكي."
رفع هاتفه بتحدٍ وهو ينظر لها، يبتسم داخلياً عليها. تحاول قدر الإمكان إظهار الثبات، ولكنها كأي فتاة ترتجف.
***
في قصر الخطيب.
إنه يوم الإجازة. الكل متواجد... ولكن هناك شيء آخر سيجعل الأمور أكثر صعوبة.
فهو الآن يقف أمام والدته، لا يعلم ماذا يفعل وكيف يتصرف.
تحدث بغضب:
"إزاي يا أمي عزمتيهم من غير ما تقوليلي."
"واحدة وعزمت أختها اللي هي خطيبة ابنها اللي هي أصلاً بنت أختها. مش فاهمة فيها إيه."
"طيب ومليكة."
زمت شفتيها تجيب:
"والله مش عارفة... شوف أنت بقى هتحلها إزاي يا أول فرحتي وكبير العيلة."
"تقصدي إيه باللي عملتيه وبتقوليه ده؟"
"اللي فهمته... أنت عاكت الدنيا. عاكت حياتك وعاكتنا معاك. لسه خاطب من يومين بنت خالتك وبعدها على طول بكام يوم جايب بنت ابن عمك الصغيرة تقول بحبها. عمرك شفت عك أكتر من كده؟ أنا ولا مصدقة ولا فاهمة إيه اللي بيحصل ده. أنا حتى مش قادرة أستوعب إنك أنت اللي تطلع منك التصرفات دي."
"إيه اللي جرى لك يا أمي... أنت كنتي بتحبي مليكة أوي."
"ولسه بحبها وجداً كمان. ولو أنا بعمل كده فأنا بعمله عشان كبيرة وعاقلة. بعمل اللي كنت متوقعة إنك أنت اللي تعمله. شايفاك قاعد بتتجاهل وضعك واللي حاصل... مش عايز تواجه الأمر الواقع وهو إنك خاطب وكبير. تقدر تقولي لو أجلت مجيء هديل هنا الأسبوع ده، طب أسبوعين، أقولك شهر، ها؟ هتعمل إيه بعد كده؟ أنا قاعدة أهو بهدوء مستنية أسمع منك... أنا لا هتعصب ولا هزعق. أنا بس عايزة أعرف دماغك فيها إيه للي جاي عشان أنا كده شايفاها بتضلم. مش عليك لوحدك... لا عليك وعليها."
جلس بإنهاك مردداً بقلة حيلة:
"أنا بحبها يا أمي."
عادت برأسها للخلف تستكين به على ظهر المقعد، تغمض عينيها بتعب. لا تعلم ماذا تفعل.
فتحت عينيها تقول:
"طب وبعدين؟"
وقف بتعب مردداً بضيق وقلة حيلة وهو يغادر بحزن وغضب:
"مش عارف... مش عارف."
هزت رأسها هي الأخرى بقلة حيلة. لا تعلم ماذا تفعل، ولكن... عنصر الخبرة وسنوات العمر مهم. ترى مالا يراه. لن تصمت أبداً.
خرج من عند والدته متجهاً للحديقة. يريد بعض الهواء، صدره أصبح يضيق عليه من شدة الاختناق.
بعد دقائق كان يجلس على أحد المقاعد يفكر وهو مغمض عينيه.
رغم عنه ابتسم تلقائياً وهو يشم عبيرها الخفيف بالقرب منه، مردداً وهو مازال مغمض عينيه وعلى وضعه:
"وحشتيني."
"وعرفت منين إنه أنا؟"
فتح عينيه وجدها تقف أمامه تحمل بيدها كوبين من النسكافيه. أخذهم من يدها وضعهم على الطاولة الصغيرة أمامه، وسحبها من يدها تجلس لجواره جداً.
"معقول مش هعرف ريحة حبيبتي؟ ده اسمه كلام يعني."
ابتسمت باتساع وفرحة وهو ينظر لكل إنش بوجهها بحب واعجاب قائلاً:
"انتي حلوة أوي يا حبيبتي."
"أيوه أنا حاسة بكده."
ضحك بشدة جاذباً إياها لأحضانه وقال:
"ياواد يا واثق أنت."
استكانت في أحضانه تبتسم وهو أيضاً يمرر يده على ظهرها بحب.
خرجت من حضنه تقول:
"يلا اشرب النسكافيه بتاعك قبل ما يبرد."
"عرفتي منين إني لسه ما شربتش قهوتي؟"
"متبعاك من أول ما صحيت ياباشا."
"بحبك."
"وأنا كمان."
في تلك الأثناء كانت سيارة عائلة هديل قد دخلت نطاق القصر الداخلي وتتوقف الآن أمام الباب الداخلي للبيت، ومن خلفهم يجلس عامر ومليكة معه.
انتبهت مليكة للسيارة أولاً، وهديل تهبط من السيارة بعدها والدتها ونادر.
نظر إلى حيث تنظر حبيبته وفهم كل شيء. ماذا سيفعل الآن.
نظرت هدى ناحيتهم بغل تقول:
"ودول قاعدين مع بعض ليه والبت دي لازقة فيه كده ليه؟"
"باينة أوي يعني... مش محتاجة فصاحة."
"اخرس... وانتي ياحلوة... إيه هتقفي تتفرجي؟"
قالتها وهي تنظر بغل لهديل، والتي في موقف لا تحسد عليه حقاً.
أما عند عامر فالوضع كان متأزماً أيضاً. فهو لا يعلم ماذا يفعل. لا يستطيع ترك حبيبته وتجاهلها والذهاب لهم. لن تتحمل ولن تصمت، يعلمها جيداً. أيضاً هديل لا ذنب لها، علاوة على أنها ضيفة الآن.
نظرت له مليكة بغيرة وغضب تقول:
"انت كنت عارف إنها جاية؟"
أومأ برأسه موافقة ثم قال بهدوء:
"حبيبتي لو سمحتي تتصرفي النهارده بهدوء وعدي اليوم."
"نعم... أعدي اليوم وأتصرف بهدوء؟ أنت بتتكلم بجد؟ ليه... ده اللي هو إزاي يعني؟"
"حبيبتي عشان خاطري اديني شوية وقت."
"حبيبتي إيه بقى... هو أنا حبيتك فعلاً؟"
"طبعاً حبيبتي... أنا بحبك أوي ومش عايز أخسرك عشان كده بقولك لو سمحتي عدي اليوم. مش عايز الموضوع يخلص بخناق أو مشاكل وخلافات... عايز أخلصه بهدوء. ثقي فيا شوية."
عند السيارة كانت هدى تكمل حديثها بغضب لابنتها:
"إيه... هتفضلي واقفة كده وتسيبها لازقاله كده... اتلحلحي يابت."
"خلاص بقى يا ماما... هو حر... شكله بيحبها. نفضيها سيرة أحسن ليه كده؟"
"نعم يا حبيبة أمك... قولي اللي قولتيه ده تاني... قسماً عظماً لو اتكررت تاني لأنا اللي هعرف شغلي معاكي ومع أبوكي ومش هتطولي أي حاجة. أظن فاهمة قصدي كويس ها؟"
صكت أسنانها بغضب وذهبت من أمامها تجاههم. لا حيلة لديها.
نظر نادر لأمه بغضب يقول:
"يا شيخة ملعون أبو الفلوس اللي تخليكي تعملي كده في بنتك."
"وهو أنا بعمل في بنتي إيه يعني... بحافظ على مستقبلها."
"كده؟! بقلة القيمة دي؟"
"قلة القيمة دي من نصيب البجحة اللي قاعدة جنبه. بنتي هي اللي خطيبته... فاهم يا حبيبي... ويلا... يلا نروح لهم."
تقدمت هديل منهم لا تدري ماذا تفعل. أصبحت دمية وانتهى الأمر.
وقف عامر بدوره مرحباً يقول:
"أهلاً وسهلاً يا هديل. البيت نور."
"اححمم... منور بيكم... إزيكم يا ميكا."
"حلوة... وعامر بس اللي يقولي ميكا."
تقدمت هدى تقول بحاجب مرفوع:
"عامر؟ مش عيب برضه يا مليكة ياحبيبتي تنادي الأكبر منك كده من غير ألقاب."
"ماهو على يدك يا طنط. انتي عارفة إني كنت بقوله كده بس هو اللي طلب مني أقوله يا عامر بس... مش كده يا عامر."
نظر لها يهز رأسه بقلة حيلة منها. لن تستطيع الصمت وهو يعلم ذلك. يدعو الله أن يمر هذا اليوم بسلام.
أما هدى فنظرت ناحية ابنتها بغضب تحثها على الحديث.
"أوكي حبيبتي... عامر طيب ومش بيحب يحط حواجز بينه وبين حد... مش كده يا حبيبي."
اتسعت عينا عامر مردداً داخله: "حبيبي؟ من امتى وهي بتقولي كده أصلاً؟ استر يارب مليكة هتهد الدنيا."
وبالفعل... ظهرت غيرتها واضحة للعيان تقول:
"حبيبه إيه... انتي إزاي تقولي له كده؟"
"الله... جرى إيه... مالك كده ماتهدي... مش خطيبته وقريب قوي هتبقى مراته."
من أجل إنهاء الأمر بهدوء وحكمة، لا يريد أن يحتد على خالته الآن ويقلب كل شيء رأساً على عقب. لكنها تنظر له بعينين متسعتين، تنظر له وشفتيها تردد بذهول لا تراه يعترض:
"مراته؟"
"اه يا حبيبتي. عقبالك كده لما تكبببري ها... تكبري كده ونشوفك عروسة حلوة."
نظرت لهم بتحدٍ وغيظ قائلة:
"قريب... قريب أوي هوافق على حد من خطابي الكتير يا طنط وأفرحك بيا."
نظر لها بغضب. ماذا تقول هي وبأي سخافات تهذي؟ حتى لو غارت لا يحق لها قول أو فعل ذلك أبداً.
أما هي، فغادرت المكان تصعد مباشرة لغرفتها، تحبس دمع عينيها. لا تستطيع التحمل ولا القوة.
كانوا هم في حربهم تلك، ونادر في عالم آخر، يبحث عنها. ظل يبحث ويبحث حتى وجدها. تجلس تحتضن علبة النوتيلا كأنها لم تأكل ظهراً.
"في إيه يا كارما انتي قافشة حرامي؟"
نظرت له بفمها الملطخ بالنوتيلا من جميع الجوانب كالأطفال:
"إيه في إيه أنا حرة."
"حرة إيه وزفت إيه... وشك كله ملطخ... إيه ده... إيه الفجعة دي... البرطمان بيقول أغيثوني."
"اضحك يعني كده الأفيه خلص؟ هاهاها... مش بتضحك على فكرة."
"أموت وأعرف راحت فين كارما اللي كانت قبل ما أسافر رقيقة وكيوت."
ظهر عليها بعض الحزن تقول:
"موجودة."
عاودت التهام النوتيلا مجدداً تخفي أي ألم.
"طب هي فين؟ وليه اتخطبت لمحمد؟"
"وبتسأل ليه؟"
"عايز أعرف ليه اتخطبت لمحمد."
"عادي... نصيب... وأهو ما كملش."
"زعلت والله... ده حتى محمد كينج الإحساس يعني... لا فعلاً زعلت."
وضعت المعلقة بفمها تخفي أي وجع من حديثه تجيب متصنعة اللامبالاة وهي تتقطع من الألم:
"لا ماتزعلش على غالي."
"مانا ما عنديش أغلى منك يا كرمتي."
رفعت وجهها له بعينين متسعتين وفم مغلق على النوتيلا.
فردد مجدداً بمنتهى القوة كأنه يقول صباح الخير:
"أنا بحبك يا كارما."
قالها... وغادر. خرج من المطبخ كله، وهي... سقطت من يدها المعلقة. جلست على أقرب مقعد لا تصدق. هل سيتحقق حلمها؟
***
خرجت حكمت تقوم بوضع بعض الملابس على أحبال من البلاستيك بشرفة بيتها كي تجف في الهواء. وجدت سيد هو الآخر يقف في شرفة شقته والقلق يظهر بوضوح على وجهه، فقالت:
"خير يا سطى سيد. واقف كده ليه؟ كفا الله الشر."
"البنت مي اتأخرت. المفروض درسها يخلص من ساعة."
"طب اهدى، اهدى ياخويا زمانها جاية خير إن شاء الله."
"يارب."
بدأ القلق يتسرب إليها هي الأخرى فالوقت فعلاً قد تأخر.
لكنها تنفست الصعداء وهي تجدها تسير بغضب وخلفها يوسف.
هتفت بفرحة:
"أهي جت تحت آهى."
أخيراً ابتلع ريقه يقول:
"الحمد لله... بس هو يوسف ماله؟"
"مش عارفة... هروح أشوفه."
بالخارج.
كانت اقتربت من باب شقتهم تهم لفتح الباب، فلحق بها بغضب يقول:
"بنتي انتي أما أكون بكلمك تقفي وتسمعي لحد ما أخلص كلامي خالص. انتي سامعة."
"نعععم ياخويا... ليه إن شاء الله تكونش أبويا ولا أمي... اتكلم على قدك ياض."
"ياض؟! بتقوليلى ياض... ده انتي يومك مش معدي النهاردة."
خرج كل من سيد وحكمت، كل منهم من شقته على صوت شجارهم الذي أصبح شبه معتاد في الفترة الأخيرة.
"فيه إيه؟ فيه إيه يا مي... إيه يا يوسف."
"شيلوا البت دي من قدامي ياما، إلا وأقسم بالله هفصل راسها عن جثتها."
"يوسف... جرى إيه... ابلع ريقك كده وما تنساش إني عايش وواقف قدامك كمان. فيه إيه بتزعق في البت كده ليه؟"
"اسأل بنتك... إيه اللي موقفها مع الواد الني ده في وقت متأخر كده؟"
"وانت مالك يا تنح يابارد... كنت من بقية أهلي."
"مي... ردي عليا أنا... الكلام اللي بيقوله ده صح... كنتي واقفة مع واحد؟"
"يا بابا، إحنا كلنا كنا بنصور ورق وهو كان جاي يوزع علينا باقي فلوس كل واحد فينا. وأنا كنت آخر واحدة عشان ما لقيتش فكة الـ 100 اللي انت مديهالي وأنا نازلة. فوقفت لحد ما لاقى فكة وجه أديهالي... غلط في إيه أنا بقى."
"طيب خلاص... بس ما تحطيش نفسك في موقف زي ده تاني. ما حدش هيفهم كل الظروف دي وهيفهم غلط على طول."
"أنا مش بعمل حاجة غلط... والبيه ده بيعلي صوته عليا في نص الشارع ليه؟ زي ما يكون واصي عليا... ده فرج عليا الناس."
"بنتي انتي وطّي صوتك."
"شايف يابابا... شايفه يا طنط."
"شايفه يابنتي حقك عليا أنا... أنا اللي معرفتش أربي."
"بقا يوسف هو الغلطان دلوقتي... ماشي... ماشي ياما."
ثم غادر البناية كلها مجدداً وهو يتوعد لها.
"حقك عليا أنا يامي... ماتزعليش... معلش يا سطا سيد."
"حصل خير... ابننا برضه."
"ماتقوليش كده يا طنط انتي مش ذنبك حاجة."
"تصبحوا على خير. هروح أكلمه أشوفه راح فين."
أومأ لها سيد وأغلق كل منهم باب شقته.
***
طوال اليوم ونادر عينه لا تتزحزح عن كارما المرتبكة بشدة.
وهديل تحت ضغط والدتها تزيد من جرعة الاهتمام بعامر.
وعامر عقله وقلبه مع تلك التي لم تريه وجهها ثانية طوال اليوم. يعلم أنه أخطأ بعد الشيء، ولكن هناك أمور يجب أن تؤخذ بحكمة حتى لا تتعقد.
كانت بغرفتها تبكي... تبكي بصمت ولا تريد حتى الحديث مع ندى وطلبت منها أن تذهب الليلة لأي غرفة أخرى. تريد أن تبقى وحدها.
في وقت متأخر من الليل، تقلب في نومها لا تشعر براحة ولا تعلم لماذا. فتحت عينيها تنظر بتشوش حولها بخوف ورهبة.
أين هي؟ تتذكر أنها قد غفت على فراشها بعد وصلة بكاء مريرة.
أخذ الوقت منها ثانية أو اثنتين. تعلم هذا المكان وجاءت إليه مسبقاً ذات مرة.
اتسعت عيناها وهي تدرك. تنظر حولها بذهول وأعين مستعرة. إنها على متن طائرة عامر الخاصة مجدداً.
وهو يجلس مقابل لها يتأمل صدمتها بابتسامة لعوب يقول:
"صح النوم يا حبيبتي..."
رواية انصاف القدر الفصل الثاني والعشرون 22 - بقلم سوما العربي
فتحت عينيها بتشوش. تستوعب. تعلم هذا المكان. أتت إليه من قبل.
أخذ الأمر أكثر من ثلاثين ثانية حتى بدأت تستوعب. هي الآن على متن طائرة خاصة. طائرة عامر.
اتجهت بعينيها التي مازالت تحمل أثر النوم إليه. وجدته يجلس مسترخى على مقعد نصف مفتوح. يحمل بيده كاساً من العصير. يبتسم لها مردداً:
"صح النوم يا حبيبتي."
مليكة: "أنا إيه اللي جابني هنا؟"
عامر: "أنا يا روحي."
مليكة: "أيوه جيت إزاي؟"
عامر ببرود: "شيلتك."
مليكة: "شيلتني؟!"
عامر: "آه.. شيلتك كده هيلا بيلا.. عشان تعرفي إنك عيلة بتتشال بسهولة.. ينفع كده؟ تتشالي وتتحطي وإنتي ولا حاسة؟"
مليكة بغيظ: "الغلط مش عليا.. الغلط على اللي بيدخل أوضة غيره... إزاي تدخل أوضتي وأنا نايمة."
وقف من مقعده يقترب منها يقول باستمتاع وتلاعب: "أنا حر... حر فيكي."
رغم محاولتها المستميتة لإظهار غضبها إلا أن كلمته دغدغت كل حواسها. رفرفت بأهدابها تقول بتلعثم: "إيه حر فيا دي."
اقترب منها أكثر يقول: "أيوه حر فيكي... ملكي وأنا حر فيه."
تفاقمت دقات قلبها الصغير من كلامه. نبرة صوته الواثقة القوية. ثبات شخصيته وقوتها. هيبته التي تفرد نفسها على أي شيء وكل مكان. وقار يتحرك على قدمين. أحياناً لا تصدق أن هذا الشخص الوقور يهيم بها عشقا. مظهره وهيئته تلك تجعله حلم صعب على أي فتاة. لكنه...
توقفت عن شرودها به بصدمة، وهي تشعر به يضمها لصدره. ثم بهدوء يفتت أي قوة التهم شفتيها بسلاسة وعذوبة. يغمض عينيه ويستمتع بتلك اللحظة الفريدة معها.
شعرت أن قبلته قد طالت. بل واقتربت على التمادي وفقد السيطرة وهي تشعر ببداية تحرك يديه عليها بطريقة جديدة منه.
تخلصت منه بصعوبة تنذره. أخيراً استفاق على حاله. يستوعب إلى أي درجة فقد السيطرة على نفسه. معها يصبح كل شيء خارج حدود السيطرة. كيف يسيطر على نفسه ومعه أنثى بكل ذلك الجمال.
ابتعد يرفع يديه الاثنين يغرس أصابعه بشعره مزهولاً مما كان سيفعله لولا ابتعادها وإفاقتها له. فضل الابتعاد الآن. هو بالآخر بشر.
جلست خلفه على المقعد بارتباك. رغم كل شيء هي أنثى. سعيدة بلهفته عليها. لكن مازال جسدها ينتفض.
بعد دقائق قليلة عاد إليها ومعه كاسين من العصير. جلس بجوارها يقول: "آسف يا حبيبتي."
أومأت برأسها فقط تبتسم بصعوبة: "دي كبيرة أوي.. عامر باشا بيعتذر."
كانت تحاول تجاوز الموقف. أن تتحدث بموضوع آخر. لا صلة له بأي شيء وربما بحديث غير متناسق لكنها تريد التمويه عن ارتباكه وارتباكها.
أغمض عينيه يبتسم. يقدر ما تفعله ببساطة. تريد التشويش عما حدث.
لكنها سرعان ما عادت لطبيعة أي أنثى. الخوف. خافت مما حدث منذ قليل. وعلى نفسها فقالت بتوتر: "هو إحنا رايحين فين؟"
عامر: "امممم.. خمّني كده."
مليكة بتلعثم: "مش عارفة.. بس بقولك إيه."
عامر: "إيه؟"
مليكة: "ما تيجي نرجع."
عامر بحزن: "ليه؟"
ابتسمت بتوتر وشحوب تبحث عن أي حجة فقالت: "آآآه.. أصل بصراحة بقيت بتشائم من الطيارة دي."
عامر: "ده إنتي قلبك أسود أوي."
مليكة: "كان يوم صعب أوي... يلا نرجع."
عامر: "لا مانا لازم أصلح الذكرى الوحشة دي ويتحط مكانها ذكرى جميلة ماتتنسيش عمرنا كله."
مليكة: "مش ضروري أوي. يلا نرجع."
نظر لها باستفهام: "مليكة.. إنتي خفتي مني؟!"
صمتت بحرج. لا تدري ماذا تقول. أين لها بحجة وما يقوله هو الصواب.
رآها وهي تهرب بعينيها منه. وصلته إجابتها بدون حديث. تحسس يديها بكف يده يقول: "حقك عليا... بس أنا بحبك أوي... إنتي جميلة أوي يا مليكة... لما بقرب منك بفقد السيطرة على نفسي... بس مش عايزك تخافي مني بليز."
مليكة: "أوكي."
صمتت قليلاً وهو يتأمل ارتباكها وقالت: "بس يلا نرجع."
عامر: "مليكة.. عايزين نعمل ذكرى حلوة تفضل معانا طول سنيننا مع بعض."
ابتسمت بمرارة وقالت: "وهو إحنا هنفضل سنين مع بعض؟"
عامر: "طبعاً... ده سؤال؟ ليه بتقولي كده؟"
مليكة: "من اللي أنا شايفاه قدامي... حضرتك خاطب ولا ناسي... كل كوابيسي اتحققت.. قولتلك هي هتبقى جنبك وأنا على الهامش.. قولتلك هي هيبقى ليها كل الحق وأنا مش هقدر أتكلم... شفت خالتك النهاردة قالتلي إيه... هتبقى مراته... شفت هديل وهي بتقولك يا حبيبي."
عامر: "أنا حبيبك إنتي وبس."
أخذ نفساً عميقاً وتحدث بهدوء يحاول أن يشرح لها: "بصي يا حبيبتي... أنا مابقاليش كتير خاطب هديل هتبقى مشكلة كبيرة لو سبتها بعد كام يوم... أنا صحيح أقدر أواجه بس هي لأ... لعلمك هديل مش بتحبني... أنا بالنسبة ليها عامر الأخ.. القدوة لكن زوج لأ.. وأنا عارف... الإحساس بيوصل يا مليكة والمشكلة إني حاسس إنها كمان عارفة إني مش بحبها وإني بعتبرها أخت بس... يبقى نهدي كده ونعقل ونسيب كل حاجة تاخد وقتها."
مليكة: "هو كلام يحترم وكل حاجة بس أنا مش هحترمه."
ابتسم بيأس ثم لكزها بخفة يقول: "بطلي طوله لسان واسمعي... دلوقتي إحنا في مشكلة بينا... إنتي صغيرة و متهورة على حسب سنك... وأنا الكبير اللي المفروض أبقى عاقل... أنا مش هينفع أسمع كلامك وأمشي وراكي في كل اللي إنتي عايزاه."
مليكة باعتراض: "لأ أنا مش كده وإنت عارف... ولا أنا اللي عايزك تسمع كلامي في كل حاجة وإلا أتقمص... بس ده مش أي موضوع وإنت عارف.. وعارف كمان إني استحملت معاك كتير... ده غير سنين عمري اللي ماكنتش حاسس بيا فيهم ولا حتى واخد بالك مني."
زم شفتيه بغضب من نفسه مما كان عليه وقال: "حقك عليا.. والله هعوضك عن السنين دي كلها... بس لو سمحتي تطولي بالك في موضوع هديل... هي مش خطوبة والسلام ده في قرابة... يعني لازم لما أنهي الموضوع أنهيه بشياكة عشان القرابة تفضل موجودة ومايحصلش أي ضرر."
تهز رأسها برفض. ترفض الفكرة برمتها. تعلم هي ضيق البال والخلق. تغار عليه بشدة. لن تتحمل.
تحدثت ببعض العصبية: "لأ لأ.. مش هعرف... ما وعدكش.. أنا بيبقى هاين عليا أجيب شعرها كله في إيدي... أنا بغير عليكي أوي وغيرتي وحشة.. يمكن أوحش منك."
ابتسم حتى بانت كل أسنانه قائلاً بفرحة: "يسلملي حبيبي اللي بيغير يا ناس... هو أنا جامد أوي كده عشان أجمل بنت في الدنيا تبقى بتغير عليا؟"
مليكة: "مش وقته خالص على فكرة."
نظر لها بإصرار فابتسمت رغماً عنها وقالت: "بصراحة اااه.. وأنا بتحول لزومبي هياكل أي واحدة تقرب منك كده من رقبتها."
قهقه عالياً يضمها لأحضانه لا يصدق أو يتخيل وهي تكمل قائلة: "فاكر لما كنت بتقولي أنا غيرتي صعبة وبتاع.. أنا أبشع منك... أنا مش ببقى ضامنة نفسي."
زادت ضحكاته وهو يقول: "لا وعيلة يعني لا حرج عليكي."
لكزته بكتفه تقول: "إيه عيلة دي؟"
عامر مبتسماً: "أحلى عيلة في الدنيا."
اتسعت ابتسامتها تنظر له ببلاهة فقال: "مش عايزة تعرفي رايحين فين؟"
مليكة: "مش أوي... أصلي اتشائمت من الطيارة دي."
عامر: "ليه بس.. مش قولنا هنبدل الذكرى الوحشة بواحدة حلوة... وواحدة ليه.. نخليها ذكريات كتير. إيه رأيك؟"
مليكة: "مش متفائلة بس ماشي.. هنروح فين؟"
عامر: "هنروح كذا مكان... بس أولها أكتر مكان بحبه زي ما إنتي عارفة... مدريد."
مليكة: "وااااو."
ابتسم بحب: "عايزين بقى ننسى أي خلاف وننبسط.. ولو على أي حاجة تانية ماتقلقيش أنا هتصرف... وراكي رجالة على فكرة."
ضيقت عينيها وقالت: "تقصد إيه؟"
عامر: "مش مسموح بأي أسئلة... مسموح بفسح.. خروجات... سينما ومسرح... شوبينج... ضحك وهزار... أي حاجة تانية نوو.. أوكي حبيبتي؟"
مليكة بإصرار وحماس: "أوكي... يلا بينا."
عامر: "عموماً إحنا كمان كام ساعة هنوصل... تعالي بقى كملي نوم."
***
صباحاً في منزل الخطيب.
يجلس الجميع على الفطور. الكل بانتظار حضور عامر.
أتت تلك الخادمة التي أرسلتها ناهد لإيقاظه وقالت: "مش موجود يا هانم."
ناهد: "مش موجود! ده إحنا لسه بدري.. معقول لحق راح شغله."
نظرت إلى محمد الذي يتابع ما يحدث بتحفز وحاجب مرفوع قائلة: "هو في حاجة في الشغل يا محمد... في مشكلة ولا حاجة؟"
محمد: "لا خالص الشغل ماشي زي الساعة."
ناهد: "والانتخابات اللي مقدم فيها... يعني يكون حصل حاجة؟"
ابتسم بتهكم وقال: "ده على أساس إن ابن حضرتك مهتم مثلاً... ده مش هاموا الموضوع كله من أوله لآخره ولا فارق معاه قد إيه الموضوع ده هينقلنا كلنا... أنا الموضوع ده بالنسبة لي حياة أو موت... لو كان ينفع أقدم أنا كنت عملت كده."
تدخلت كارما هذه المرة تقول بسخرية: "وما قدمتش إنت ليه يا محمد... ما بتحبش إنت تبقى في الوش... دايماً حابب تاخد من ورا الكل من غير أي مسؤوليات."
احتدم محمد قائلاً: "قصدي إيه يا كارما."
كارما ببرود: "إنت كان ممكن تقدم وبرضه اسم عامر كان هيرجح كفتك.. مجرد إنك من ولاد الخطيب هيرجح كفتك برضه... مش مضطر تدخل عامر لأنه الأكبر... كلنا عارفين ده."
جلس بتوتر أخفاه ببراعة يحسد عليها وقال: "الموضوع مش كده وبس... ليه حيثيات تانية كتير أشُك إنك تقدري تفهميها يا كارما."
قال ذلك وهو يتابع تناول طعامه ببرود.
كارما: "قصدك إيه يعني أنا مش بفهم؟"
محمد: "لا لا سمح الله أنا أقصد إن فوق كل ذي علم عليم... ودي أمور إنتي ماعندكيش خبرة فيها."
كارما: "تقريباً يا محمد إنت الوحيد اللي شايف إني مش بفهم في أي حاجة... مش عارفة إنت إزاي كنت مصر تتجوز واحدة زيي... عموماً أهو ربنا نجدك."
قالتها بسخرية واستفزاز وغادرت، وهو ينظر لأثرها بغضب كبير بعدما وصله معنى كل حرف تفوهت به... يقسم لن يترك كل تلك الملايين لغيره.
خرجت من القصر كله بسيارتها... تسير في الشوارع بدون وجهة محددة. قررت الخروج اليوم.
لاحظت في الطريق سير سيارة خلفها. يبدو أنها تتبعها.
أرادت التأكد ربما يخيل لها... انعطفت بسيارتها يميناً. فانعطفت خلفها. خالفت الاتجاه وسارت بالطريق المعاكس. فسارت السيارة وغيرت اتجاهها وانحدرت. تملك الخوف منها. زادت من الضغط على البنزين فزادت سرعة السيارة تبعاً. تسير والسيارة الأخرى خلفها. زادت السرعة أكثر. تسير للأمام قليلاً والأخرى تلاحقها. تضيق الخناق عليها. تحتك بإطار السيارة. لا قدرة لها على التحمل أو القوة. بحركة سريعة من السيارة الأخرى شد السائق ذراع السيارة واستدار بها فصنع دائرة كاملة وتوقف أمامها يمنع سيرها.
وهي قاربت على التبول أول شيء فعلته أن رفعت هاتفها تهاتف أول شخص فكرت في الاستنجاد به.
وإذ بها تجد الهاتف يدق بتلك السيارة. اتسعت عينيها وهي تراه يهبط من سيارته. يسير بتبختر. يرفع نظارته من على عينيه ويتقدم منها بهيئته الخاطفة تلك حتى وقف أمامها قائلاً: "إيه رأيك في شوية الأكشن دول؟"
نظرت له بشراسة مرددة: "إنت بتستهبل يا نادر؟"
نادر: "حبيت أسرق قلبك وكده أنا عارف البنات بتموت في جو أحمد السقا وكده... ها؟؟! عجبتك؟!"
قالها وهو يغمز لها بعينيه. عدت مرات كالابلة فقالت: "يا شيخ حرام عليك... أنا كنت هقطع الخلف."
نادر: "ولا يهمك هنخلف برضه الطب أتقدم أوي."
كارما: "إنت إيه الثقة دي كأني مراتي مثلاً وعندنا مالك وحنين."
نادر: "تصدقي حلو.. آه والله حلوين الاسمين دول... وبصي ندهن الأوض بتاعتهم بيبي بلو مع بامبي يعني حيطة بيبي بلو وحيطة بامبي... الستاير بقى هان...."
قاطعته قائلة: "حيلك حيلك... إنت اخترت ألوان الستاير كمان... ده إيه ده ياربي."
نادر: "شوفتي مع إني المفروض إنتي اللي تختاري وتعملي كل الحاجات دي... بس هقول إيه.. من بين كل البشر ربنا يوقعني فيكي إنتي."
كارما بحده: "نعمم.. ومالي بقى ده أنا حتى هحسنلك النسل وأجيبلك عيال قمر."
نادر: "أووووبا... قفشتك... يعني وافقتي."
تلعثمت بحرج. نطق لسانها بغير حساب لما يريده قلبها حقاً.
كارما: "هااا.. لا. طبعاً..."
قاطعها هو: "بس بس... أنا قفشتك واللي كان كان... يابنتي ماتتكسفيش.. أنا عذرك برضه.. أنا كنت مدوخة بنات لندن كلها."
نظرت له بغيظ وقالت: "طب أوعى.. أوعى بقى من على عربيتي.. أوعى عشان أمشي."
نادر: "تمشي تروحي فين؟ بقا بعد كل الشقلبة دي هتمشي... يلا إحنا هنخرج سوا."
كارما: "هتوديني فين."؟
نادر: "الحسين... يلا؟"
كارما بحماس: "جداً."
ابتسم عليها قائلاً: "مجنونة... يلا سيبى عربيتك وتعالى معايا."
كارما: "أوكي... يلا بينا."
***
في الحارة جلس يوسف على مقعده مكان والده مثلما كان يجلس أمام محله. رغماً عنه ينظر لساعة يده. يبدو أن أحداً قد تأخر بعض الشيء.
ثوانٍ وكانت مي تسير في طريق عودتها لبيتهم والذي تمر منه من أمام محل الجزاره. رأته يجلس أمام المحل فأشاحت بوجهها بكبر وغضب وأكملت سيرها. وهو رفع ذقنه جزء منه شعر بارتياح لعودتها بمعادها. بمفردها.
وجزء منه غاضب منها ومن طريقتها ولسانها اللاذع بالإضافة إلى الكبر الذي هي عليه وتقليلها منه دائماً.
أشاح هو الآخر بنظره لا يريد أن يعيرها اهتمام أو حتى يفكر بها.
في مكان بعيد قليلاً عن محل الجزاره. تحديداً في شقة أم نجلاء وقف توفيق يصرخ بخالد: "فين أختك يا خالد؟"
خالد: "إنت بتعلي صوتك علينا في بيتنا."
تدخل شكري: "خالد الراجل معذور... مراته بقالها أسبوع برا بيتها مانعرفش هي فين واللي سمعناه إنها مع رجب الجزار."
خرجت هناء ولم تستطع السيطرة على هدوئها مثل أمها وشقيقتها وهن يسترقن السمع إليهم بالخارج. بل اندفعت تفتح ذراعيها وتشيح لهم قائلة: "قطع لسان اللي يجيب في سيرة أختي بكلمة.. أختي اتجوزت على سنة الله ورسوله وإنتو كنتوا شاهدين."
شكري: "لما الرجالة تتكلم النسوان تسكت... ماتشوفل أهلك يا خالد."
وقف خالد قائلاً بغضب: "إيه مش شايفاني بتكلم.. خشي إنتي جوه."
هناء: "مانا مش هسكتله وهو جايب سيرة أختي بالردي كده."
توفيق: "أختك اللي بتدافعي عنها مسافرة مع واحد غريب... ها.. تقولي فيها إيه دي؟"
هناء: "ما كانت معاك... ما كانت في إيدك وتحت جناحك... إنت اللي طفشتها.. ده إنت كل ما كنت تنطق.. إنتي طالق إنتي طالق... إلا عمري ماشوفتها مبسوطة معاك... دلوقتي بقت كحكة بسكر."
صمت توفيق بغيظ فقال شكري: "ست هناء... دي أمور خاصة بيهم وإحنا مش جايين عشان كده... إحنا جايين نشوف اتفاقنا اللي اتفقناه مع خالد وسيد ورجب... عايزين نعرف إيه اللي بيحصل من ورا ضهرنا... قوم بينا يا خالد... يلا يا توفيق."
بعد عشرة دقائق كانوا ثلاثتهم واقفين أمام سيد وهو يمسح يده بمنشفة برتقالية قائلاً: "خير يا بهوات.. أمروني."
توفيق: "فين صاحبك... واخد مراتي على فين."
سيد باستغراب شديد: "مراتك؟!!! ما المؤاخذة هو إنت اتجوزت؟!"
شكري: "سيد... ماتصيعش علينا... إنت عارف إنه قصده على الست أم ندى."
سيد: "إزاي بس يا حج شكري.. هي مش الست أم ندى اتجوزت المعلم رجب... هو مش إنت كنت موجود برضه يا أستاذ خالد."
خالد: "آه بس ده كان اتفاق.. يوم يومين مش أكتر... وإنت كنت شاهد."
سيد باستغراب: "أنا يابني.؟!"
شكري: "لا إله إلا الله.. وبعدهالك في اللوع بتاعك ده يا سيد... صاحبك فين."
سيد بسخرية: "كلموا."
شكري: "وهو لو تليفونه مفتوح كنا جيناك."
سيد: "والله علمي علمك يا حج شكري... أنا برضه مش عارف أوصله... اقعدوا اشربوا الشاي... واااد يا جنش.. ولا.. شاي هنا للأساتذة."
علموا أنه يطردهم بالذوق فقال توفيق: "ماشي.... مسيرهم يرجعوا... الحساب يجمع."
هدهد سيد بيده على كتف توفيق يقول: "روح إنت يا باشمهندس استناهم لحد ما يرجعوا.. يلا نورتونا."
ذهبوا من أمامه... لا حل أمامهم سوى انتظار عودتهم. أما سيد فجلس على مقعده يتنهد قائلاً: "ماشي يا رجب... تدلع إنت وأنا حالي يقف هنا."
***
أما عند نجلاء.
فكانت تجلس على الرمال أمام البحر مباشرة تنظر له شاردة بكل ما يحدث معها.
انتبهت على صوته يبدو أنه قد عاد.
رجب: "أتأخرت عليكي يا ست البنات؟"
ابتسمت له: "آه.. أنا جعت أوي."
رجب: "يقطعني.. بصي جبتلك إيه."
فتح تلك اللفافة التي بيده فاتسعت عينها قائلة: "فطير؟"
رجب: "آه. فطير شرقي إنما إيه.. محشي سبيط وجمبري... والتانية حلوة... محشية حاجات كتير... أنا مش عارف إيه هي بالظبط بس وعد هتدوقي أحلى فطير شرقي في حياتك كلها.... المنطقة هنا أحلى مكان تاكلي منه فطير شرقي."
سال لعابها من الوصف فقط. قطع لها قطعة كبيرة يطعمها إياها في فمها قائلاً: "بالهنا والشفا يا ست البنات."
ابتلعت تلك القطعة بصعوبة وهي تغمض عينيها باستمتاع ونهم مرددة: "حلوة أوي يا رجب."
رجب ببلاهة: "ها."
نجلاء: "حلوة أوي."
رجب: "لأ لأ التانية... يا رجب... حلوة منك أوي.. لحد دلوقتي مش بتناديني باسمي.. ده يوم المنى ده ولا إيه."
ضحكت بشدة وهو معها. وشرعوا في الطعام بنهم وهو يحكي لها لمحات من طفولته وشبابه. ذكرياته في قريته قبل القدوم للقاهرة وهي تستمع له بانصات شديد واهتمام. لم يسبق وفعل معها أحد ذلك. دائماً ما كان يعاملها توفيق على أنها نكرة. حتى لو تحدث لن تفهمه. لكن رجب... الجزار غير.
***
في أحد المحال التجارية بمدريد.
وقف عامر وهو يحمل حقائب كثيرة لا يعلم كيف ولما فعل ذلك بنفسه.
شوبينج مع فتاة. لا يستطيع التحمل. وما كل هذه الأشياء.
عامر: "ما كفاية بقى يا حبيبتي."
مليكة: "تؤتؤ.. لسه فاضل حاجات كتير... كمان لسه هدية ندى ونهى وكارما."
ألقى ما بيده بغيظ. نظرت له بذهول فقال بغضب كأنه طفل: "إنتي يابت إنتي... أنا جايبك هنا بعيد عن الكل عشان تبقي معايا لوحدي.. وإنتي ماشية هارياني شوبينج ولف وشرا وكل تفكيرك في كارما ونهى."
اقتربت منه تمسك وجنتيه بكلتا يديها تقول: "غيرانة يا بيضا."
أشاح بنظره كأنه طفل بالضبط وقال: "أنا مش بيضا.. بقا أنا خاطفك من مصر وملبس نفسي مصيبة قدام البيت كله عشان تبقي معايا لوحدي وإنتي في الآخر مش مركزة."
اتسعت عينيها وقالت: "يانهار أبيض. إزاي ما فكرتش في الموضوع ده... دول زمانهم عرفوا إني بايته برا البيت ومعاك."
عامر: "أكيد زمانهم عرفوا.. يبقى سيبك من كل الشوبينج ده ورجعيلى حبيبتي بقى."
ابتسمت له وقالت: "حاضر."
ضمها له بقوة يشتم عبيرها. ثم أخرجها من أحضانه يضع خصلة من شعرها خلف أذنها يقول بوله: "تعالى أجيبلك آيس كريم وبعدين نلف في البلد شوية... بالليل بقى المفاجئة.........."
رواية انصاف القدر الفصل الثالث والعشرون 23 - بقلم سوما العربي
في مساء تلك الليلة، وقفت داخل غرفتها تنظر لذلك الفستان الموضوع على فراشها.
لا تصدق هل هو من جلبه... وهل سيتركها ترتديه... هل اختل نصاب الكون أم انطبقت السماء على الأرض أم ماذا ليتركها ترتدي فستانًا كهذا.
صحيح طويل لاخر القدم، لكنه مفتوح الصدر والظهر بطريقة غير عادية.
خرجت من غرفتها وذهبت تجاه غرفته تدق الباب.
فتح لها مبتسمًا كأنه كان يعلم بقدومها.
مليكة: عامر.. هو انت شفت الفستان اللي جالي النهاردة.
عامر: أمال هشتري حاجة مش عارفها... ده أنا شوفته وتخيلته عليكِ بالملي.
اتسعت عيناها تستوعب ما يقوله ذلك عامر... كأنه شخص جديد عليها.
وأيضًا أين ذهبت غيرته العمياء؟
مليكة: عامر... انت متأكد... يعني ألبسه عادي ونخرج نسهر بيه عادي؟
عامر: اممم.. البسيه عادي.. ونخرج نسهر بيه عادي.
مليكة باستغراب: حاضر.
عامر: طب يلا.. يلا ربع ساعة وتكوني جاهزة.
بعد ساعة ونصف.
كان يقف متأففًا يحدث روحه: هو الستات كده كبار ولا صغيرين لازم عشر ساعات لبس. السن مش بيغير الموضوع ده.
فتح باب الغرفة... وخرجت هي منه تتهادى بخطواتها.
ينظر لها بعينين مبهورتين... حتى خياله لم ينصفها... ما يراه الآن فاق كل خيالاته.
بفستانها الأحمر الملاصق لجسدها الرائع.
شعرها نصفه على ظهرها ونصفه على أحد كتفيها.
ظل ينظر لها بانبهار وفتنة وهي تنظر له بحرج... لأول مرة تظهر أمامه هكذا.
حاولت إخراج صوتها تقول: يلا؟
لكنه لم يكن مع حروفها... هو هائم الآن بحبيبته فائقة الجمال.
مليكة: عامر.
عامر: يا روح عامر.
اقشعر جسدها تنظر له بفرحة وهي تبتسم قائلة: يلا مش قلت فيه مفاجأة.
عامر: أه... يلا.
همت بالتحرك ولكنه قال: استنى هنا رايحة فين؟
مليكة: إيه مش هنخرج.
عامر: أيوه بس مش هتخرجي كده.
مليكة: الله.. هو مش انت قلت أوكي عليه.
عامر: أيوه بس تلبسي ده واحنا خارجين.
دخل غرفته لثوانٍ ثم خرج وهو يحمل بيده جاكيت من الفرو يغطي كل جسدها حتى خصرها.
هزت رأسها بيأس فقال: أمال كنتي مفكرة إيه.. إحنا رجالة أوي لعلمك.
ضحكت بشدة وهو معها ثم سحبها معه خارج الفندق نهائيًا.
بعد مدة توقفت بهم السيارة أمام مطعم مطل على المياه.
هبطت من السيارة بمساعدته... تقدم بها للداخل قائلاً: إيه رأيك.
نظرت له بانبهار وهي تسير متمسكة بيده... المكان من حولهم فارغ... طريق من الورد والشموع.
صاروا به حتى وصلوا إلى سطح منطاد عائم على المياه كله مزين بكلمة (بحبك يا مليكة).
نظرت له بفرحة كبيرة عند استيعابها وتحملها... قالها كثيرًا من قبل ولكن أن يفعل كل ذلك لهو كثير وكبير.
اتسعت عيناها أكثر وهي تجده يخلع عنها ذلك الجاكيت ثم ينحني على إحدى ركبتيه قائلاً: بحبك... بحبك يا مليكة.. تقبلي تبقي حبيبتي.
من شدة الفرحة لا تجيب... ولا حتى بإيماءة صغيرة... ولا يوجد أي ردة فعل... معذورة ومسكينة... كل ذلك كثير على قلبها الصغير.
وقف على قدميه يقول: إيه.. مش موافقة؟
ومن قال ذلك... هل جنت هي لترفض... على الفور ارتمت في أحضانه... غير مراعية أنها قد خلعت جاكيته.
وهو... اقشعر كل خلية ببدنه... يسب تحت أنفاسه يقاوم بصعوبة.
أبعدها عنه قبل أن يحدث ما لا يحمد عقباه وقال بأنفاس ثقيلة قائلاً: لا بصي... أنا غلطان وعيل. البسي الجاكيت على الفستان لحد ما نرجع عشان الليلة دي تعدي على خير... البسي.
ضحكت باستمتاع وهي ترى تأثيره عليه ولم تتحرك.
وجدها تقف تستفزه فتقدم منها يحمل هو الجاكيت قائلاً: قوينا على الصعب يارب.
ثم ألبسها إياه قائلاً: أيوه كده احنا في الأمان... تعالي يلا.
تقدم بها لطاولة عليها طعام معد مسبقًا.
جلست معه ثم شهقت وهي تجد ذلك المنطاد المزينة وهم عليه به طاولة الطعام ينفصل قليلاً عن المكان ويسير على سطح الماء حتى ابتعد حوالي عشرة خطوات من المياه.
نظرت له بانبهار وسعادة. يوم جميل وأجواء رومانسية.
كل ذلك أعده من أجلها ومن أجل اعتراف لا مثيل له.
في قصر الخطيب صباحًا على طاولة الإفطار.
الجميع يغلي من الغضب... ما يفعله عامر غير مقبول بالمرة.
تحدث محمد للجميع قائلاً: أنا عايز أعرف إيه اللي بيعمله ده... هو إحنا هنا قراطيس لب ولا مركبين قرون... يعني إيه واحد ياخد واحدة من البيت لاهو أخوها ولا أبوها ويسافر بيها... بقالهم يومين برا البيت وحتى مش عارفين هما فين... والهانم مش كانت بتتدرب عند عدي وراحت كذا يوم وادته كلمة تغيب كده بمزاجها... مفاجأة.
ناهد: اهدى... اهدى يا محمد.
محمد: أهدى! أهدى إزاي وكل حاجة في البيت ده ماشية غلط... بدأت بالأستاذ فادي إلى رايح يتجوزلي واحدة فلاحة.. بعدها الست كارما اللي قال إيه أنا مش بحبك يا محمد... ما طبيعي يعملوا كده وهما شايفين كبير البيت ماشي ورا أصغر عيلة في البيت.. لأ وراح خطب واحدة وبعد يومين جاي يقول بحب مليكة ومش كده وبس.. لأ ده كمان ياخدها ويمشي من غير أي حد... هو فيه موروث كده... أنا وقعت في عيلة تودي ورا الشمس... الكل بدأ حملته الانتخابية وهو أصلاً مش عارف... أنا تعبت... أنا الوحيد الصح... أنا بس اللي شايل هم الكل.
وقف من موضعه وخرج وكارما تنظر لأثره بغضب تقول لوالدتها: انتي إزاي تسمحيله يكلمك كده.
ناهد: وهقول إيه وأنا مش عندي أي رد عليه.. كل اللي قاله صح.
كارما بسخرية: بجد... بقى محمد هو اللي صح وهو اللي شايل هم العيلة.. فيها إيه لما فادي يتجوز اللي حبها.. مش واحدة عندها ورث كبير... فيها إيه لما عامر يحب ويعبر عن حبه حتى لو كان لمليكة.. فيها إيه لما أقرر إني هتجوز اللي أحبه وبس.. محمد مش مظلوم، محمد طماع.
تركت مقعدها ورحلت هي الأخرى... نادر ينتظرها بالخارج.
خرجت من باب القصر وجدت يجلس بسيارته.
فتحت باب السيارة ودلفت تجلس لجواره بصمت.
نادر: مالك؟ حصل حاجة؟
قصت له كل ما حدث دون الحديث عن علاقة عامر بمليكة.
نادر بشك: وهو محمد متضايق من عامر كمان ليه؟ هو كان عمل حاجة؟
تلعثمت قائلة: أنا عارفة بقى.
محمد: طب إيه... هيفضل الكلام رايح جاي بينكم كتير كده... أنا هاجي أطلب إيدك امتى؟
كارما: مش اتفقنا لما عامر يرجع.
نادر: لا أنا هفاتح ماما النهاردة في الموضوع وهي تكلم أمك لازم يبقى فيه كلام ومحمد ده يعرف إنك تخصيني.
ابتسمت له وعلى غيرته وقالت: طب يلا فسحني.
أخذ نفس عميق ثم ابتسم لها قائلاً: من عنيا.
في جمصة.
بأحد المطاعم وقفت نجلاء بحلقة السمك تنتقي نوعية السمك الذي ستطلبه لها ولرجب.
وجدت من يقف خلفها يقول: قمر والله.
نظرت خلفها وجدت رجل لم تستطع تحديد سنه لكنه على ما يبدو تخطى الأربعين... يرتدي بنطال أبيض وقميص أزرق يوجد برأسه بعض الشيب... وجهه أبيض وبه بعض الوسامة.
نظرت له باستهجان واستدارت مجددًا... لا تصدق... هل يوجد من يفعل ذلك بهذا العمر؟
لكنه لم يكتفِ ولم يصمت بل أكمل غزله قائلاً: طب واقف لوحدك ليه.. ماننقي الأكل سوا وناكله مع بعض يا جميل.
نجلاء ببعض الحدة: هو حضرتك بتكلمني أنا يا أستاذ أنت.
الرجل: وهو فيه قمر هنا غيرك... أنا مش شايف.
وجدت من يقبض على كتفه بكف غليظ ويقول بصوت أغلط: لا أنت مش هتشوف قمر.. أنا هوريك النجوم في عز الضهر.
وبدون أي مقدمات ضربه بجبهته بقوة على مقدمة جبهته جعل الرجل يترنح من موضعه.
ونجلاء متسعة العين لا تصدق ولا تتخيل حتى.
رجب بصوت جهوري: اللي ييجي جنب مرات المعلم رجب تبقى ليلته عنب.
قبض على يدها واتجه يجلس على طاولتهم... وهي تنظر له باستغراب ألن يأخذها ويغادر.
لم تستطع الصمت فقالت: رجب.. هو إحنا مش هنمشي من هنا؟
رجب بصوت غاضب غليظ: ونمشي ليه؟ أنا قاعد هنا بفلوسي وهو لو دكر يقرب منك تاني... يا حلاوة يا ولاد لاهو أنا همشي وأسيبه المكان كمان... ليه قالولك عليا عويل.. ابن أبوه بصحيح يقرب منك تاني... هنخيب ولا إيه.
كانت تستمع له وعينها يقفز منها الانبهار... رجب شخص مبهر فعلاً وغير عادي.
ظلت على وضعها وهي ترى بالفعل ذلك الرجل هو من ترك طعامه وغادر المكان نهائيًا.
عاودت النظر لرجب تراه يرفع رأسه بشموخ لا تصدق... لا تصدق كل ما يحدث معها والآن... كل ما كان يجب أن تعيشه بسن أصغر وهي بمقتبل شبابها... وهي فتاة في العشرين تحياه الآن... مع رجب وبعدما تجاوزت الخامسة وأربعين... أن يغار عليك أحد شعور جميل لا يضاهيه شيء.
وصل محمد إلى مكتبه لا يرى أمامه من شدة الغضب... جلس قليلاً يحاول أن يهدأ كي يستطيع التعامل.
الخطأ في عمله بملايين.
رفع هاتفه مكتبه الأرضي يطلب سكرتيرته فأتت في الحال قائلة: أفندم.
محمد: عندي إيه النهارده.
السكرتيرة: حضرتك جاي النهاردة متأخر شوية وده خلاني ألغي معاد بعض العملاء بس فيه معاد حضرتك مؤكد عليه من أكتر من يومين.
محمد: معاد إيه؟
السكرتيرة: باشمهندسة رشا الجوهري.
زوى مابين حاجبيه وقال يحاول التذكر: بتاعت إيه دي ولا أنا عايزها ليه؟
السكرتيرة: عشان إعلانات الدعاية بتاعت حملة عامر بيه الانتخابية.
محمد: اااااه.. أيوه أيوه.. ده إحنا متأخرين أوي.. طيب اطلبيلي قهوتي الأول وأول ما تيجي دخليها.
أومأت له ثم نفذت أمره وغادرت.
بعد ربع ساعة تقريبًا وهو يرتشف قهوته وجد باب مكتبه يدق وبعدها فتحت السكرتيرة الباب تقول: باشمهندسة رشا يا فندم.
أشار لها موافقًا ثم وقف بعملية يرحب بها.
وجد فتاة طويلة جدًا... وترتدي أيضًا حذاء ذات كعب عالٍ.
كان طولها أول شيء لفت انتباهه... منذ مدة طويلة لم يعد يرى فتيات طويلات... كأنهم انقرضوا مثلاً.
نظر إليها... ترتدي بذلة سوداء عملية ذات تنورة قصيرة... وجهها أبيض مستدير... شعرها قصير بقصة عملية.
جلست أمامه بكل ثقة تحدثه عن عرضها له.
وبعد مدة من الحديث وانبهاره بشخصيتها العملية المتمكنة قال: هو عرض هايل بس مش شايفه أن أربعين ألف مقدم كتير شوية.
رشا بعملية: يا فندم دي سياسة الشركة.. قبل أي حاجة لازم دفعة من الحساب.. مش هقدر أتدخل فيها دي.. لكن خدمتي ليك إنك تاخد شغل ممتاز.
زم شفتيه... لقد اقتنع... تحدث قائلاً: تمام.. ثواني ويكون المبلغ عندك ونمضي العقود.
مر يومان وهو يجلس الآن بمنزله يبحث عن أي تطور... لكن لا جديد.
رفع هاتفه يتصل بها... لكن الهاتف مغلق.
أين ذلك الإعلان الممول وتلك الدعاية الرائعة.
هاتف مدير الشركة التي تعمل بها.
محمد: الو... راشد بيه.. إزيك حضرتك.
راشد: بخير يا فندم.. والله أنا مش عارف أعتذر لحضرتك إزاي على اللي حصل.
محمد: بصراحة أنا متضايق جداً... المبلغ اللي طلبتوه دفعته وكاش ليه بقى التأخير.
راشد: لا ثواني بس... كده فيه سوء فهم.. أنا أقصد أعتذر لحضرتك على عدم حضور باشمهندسة رشا أول امبارح... حصل ظروف طارئة.
حجبت أعين محمد وقال: نعم... أمال مين اللي جت وقعدت وحطت رجل على رجل وأخذت كمان الفلوس وهي ماشية.
راشد: لا يا فندم.. باشمهندسة رشا ما دخلتش شركتك أصلاً حصل عطل في كاوتش عربيتها فجأة مع إنه جديد.
محمد: ابعتلي صورتها حالا.
ثم أغلق الهاتف وهو لا يصدق... هل تعرض محمد الخطيب للنصب؟!!
بعد مرور أيام... كان محمد منشغل بالبحث عن تلك الفتاة... أقسم لن يغمض له جفن حتى يعثر عليها.
أما عامر فهو يهبط الآن من طائرته مع مليكة قلبه... متجهين لقصر الخطيب.
يجلس بسيارته وهو يمسك يدها بحب قائلاً: كانوا يومين حلوين أوي.
مليكة: أوي.. ياريتنا نفضل هناك على طول.
عامر: قلت لك نسافر ونتجوز قولتي لأ.
مليكة: لا طبعًا.. أنا عايزة أتجوزك قدام الناس كلها.. أنت ترضالي؟
قبل يدها قائلاً: لا طبعًا.. وما تقلقيش... قريب أوي هيحصل.
مليكة: نفسي أعرف إيه اللي في دماغك.
عامر بحب: مع الوقت هتعرفي... قلت لك وراكي رجالة.
بعد مدة وصلوا للبيت وجدوا محمد يغادر.. لم يهتم لعودتهم ولا لقصتهم التي يرفضها... كأنه لا يرى أمامه.
مليكة: هو ماله ده.
عامر: مش عارف... تعالي نشوف فيه إيه.
دلفوا للداخل وجدوا الكل مجتمع.
شعرت بالحرج والارتباك من فعلتهم ومن أنظارهم المسلطة عليهم.
ناهد تنظر لأيديهم متشابكة ببعض... كانت تهم بالابتعاد. لكنه تمسك بها يطمئنها... وتقدم منهم يجلس على أول مقعد قائلاً: سلام عليكم يا جماعة.
أشارت الفتاة لمليكة أن تأتي إليها تعانقها.
ذهبت لها وارتمت سريعًا في أحضانها وعامر يبتسم عليها بحب.
قطع كل ذلك حديث ناهد: كنت فين يا عامر.. وإزاي تعمل حاجة زي دي.. وإزاي سايب كل اللي وراك ومكبر دماغك للكل.
عامر بهدوء: لو سمحتي يا أمي مش عايز أي كلام دلوقتي إحنا لسه جايين من السفر... ممكن بس أعرف محمد ماله.
تحدث فادي: فيه واحدة نصبت عليه.
اعتدل بانتباه يقول: إيه.. إزاي.
شرح له فادي كل ما حدث يضيف: بنت اللذينة لعبتها صح.. كانت دارسة كل حاجة حتى أماكن كاميرات المراقبة بقالنا كذا يوم بندور على أي لقطة ليها تكون أي كاميرا لاقطتها بس هي كانت بتقف في زوايا بنت كلب... عشان كده ماكناش عارفين نوصلها... بس بالصدفة ولحظها الزفت ساعة ما خرجت وقفت تدور على تاكسي وراحت في اتجاه فيه كاميرا بس احنا كنا مسقطينها عشان برا الشركة وفي حتة ماحدش بيروح عندها.
كل ذلك وعامر مذهول لا يصدق... قطع الصمت صوت أمه تقول: كنت كمان قافل موبايلك ليه... كارم كلمك 100 مرة عشان يعرفك أن فرحه كمان يومين.
مليكة بفرحة: بجد... نهى خلاص هتتجوز.
ناهد بثبات: آه يا حبيبتي.. أنا اخترت لك فستان يجنن.
فرحت بشدة ولكن سرعان ما تلاشت ابتسامتها وهي تستمع لناهد تكمل: وواحد كمان لهديل يا عامر.. ماهي لازم هتروح معاك.. مش خطيبك... أنا كلمتها خلاص وعرفتها.
ألقت لهم القنبلة وغادرت تاركة عامر في وضع لا يحسد عليه أبدًا.
وقفت بغرفتها غاضبة... لا تكتمل فرحتها أبدًا... دلف إليها يعلم ما يحدث وقال: بهدوء كده وبراحة.. ممكن تهدى ونتكلم.
مليكة بجنون: فرح بنت خالتي وصاحبك هي تيجي ليه.. عايزة أفهم.
عامر: عشان هي لسه خطيبتي.
مليكة: وكمان بتقولها في وشي.
عامر: يا حبيبتي اهدى.. ده واقع ولازم نواجهه أنا مش قلت لك الموضوع هياخد وقت.
مليكة بغضب كبير: مش قادرة ومش عارفة... ومش هفضل مستحملة يا عامر سامع... مش هقبل هي تقف جنبك وأنا أقف بعيد.
عامر: مليكة وطّي صوتك.
زاد جنونها وقالت: مش هوطي سامع، مش هوطي صوتي.
عامر: لأ أنا مش هتكلم معاكي وإنتي كده لأن كده أنا ممكن أتغابى عليكِ.
تركها وغادر يسمعها تقول: امشي... امشي وسيبني بس أعرف أني مش موافقة.. مش موافقة ومش هسكت.
بمكان آخر... مخزن قديم يقف أمامه سبع رجال مفتولي العضلات.
دلف محمد للداخل وخلفه خمسة آخرين ينظر بسخرية وغضب لتلك المتكورة على نفسها ومسجا على الأرض.
يتذكر ما حدث وكيف تمكن من العثور عليها.
فلاش باك
حصل على صورتها بيده وعلى الفور تذكر عدي صديقه وهاتفه.
محمد: عدي.. عايزك في خدمة.
عدي: عينيا.
محمد: أنت بتتعامل مع مخبرين كتير ومظبطهم مش كده؟
عدي: كده.. دول بياخدوا مرتب ثابت مني... بس فيه إيه؟
محمد: فيه واحدة هبعت لك صورتها تجيبلي عنوانها... عنوانها بس... والباقي عليا.
أغلق هاتفه ووقف أمام فادي الذي قال: يعني أنت مأجر مخزن بـ 20 ألف جنيه لأسبوع... وجايب بودي جارد تكلفة الأسبوع ليهم بأكتر من 30 ألف... عشان تجيب واحدة نصبت عليك بـ 40 ألف... يعني صرفت أكتر من اللي اتنصب عليك فيهم.
محمد: ولو هضيع ورثي كله... بس ألاقي بنت الجزمة دي... أنا كل ما يغمضلي جفن ألاقيها وهي بتطلعلي لسانها... عمر ما حد عمل فيا كده... حاسس إني واخد على قفايا.. اسكت أنت يا فادي.. أنا جوايا ناااار.. ومش هتهدى غير لما أجيبها.
باك
اقترب منها يبتسم بسخرية... جلس على إحدى ركبتيه. يهدهد كتفها يقول بنبرة مخيفة: اهللللين باشمهندسة رشا... ولااااا أقولك يا توتا.
اتسعت عينها بخوف وهو يقول: توتا.. تغريد عبد السلام.. أخت تحية عبد السلام... نصابين على نص مصر... ومن حظكم الأسود وقعتوا فيا.
اتسعت عينها برعب وهي تسمع صوته يصيح: ده انتي هتشوفي أيام سووودا.
رواية انصاف القدر الفصل الرابع والعشرون 24 - بقلم سوما العربي
مازال محمد على وضعه.. ينظر لها بغل وشراسة. لم يسبق أن فعل به أحد هكذا من قبل.. يتعرض للنصب! هو؟! حقيقة لا يصدق.
أما هي فكانت مرعوبة بشدة. هيئته مرعبة ولا تبشر بالخير أبداً.
عادت بذاكرتها للخلف.
فلاش باك.
شاب طويل أسمر داخل إحدى البنايات يدق الباب. فتحت له على الفور شقيقته وتقول: "أهو خطيبك جه اهو.. تعالي يا توتا أنا داخلة أنام."
خرجت من غرفتها بكسل تقول: "صباحو يا مرتضى."
مرتضى: "صباحو ياتوته."
تحية: "أنا داخلة أنام بقى.. أغدًا ألقاك."
مرتضى: "لا استني ياحجة انتي رايحة فين؟ جبت لكوا أخبار جديدة وكده الهدف هيتغير."
تحية: "مين؟ عامر الخطيب؟"
مرتضى: "أيوه.. هنبدله بمحمد الخطيب."
توتا: "طب وليه كده بس يا مورتضى."
مرتضى: "محمد هيبقى صيد أسهل من عامر.. ده غير أن عامر الخطيب تملي مسافر.. صدقوني محمد صيد أسهل."
تحية: "طب يالا هات اللي عندك."
بعد دقائق كانت توتا قد أعدت الشاي لهم، يجلسون حول إحدى الطاولات الصغيرة.
وبدأ مرتضى بالحديث: "محمد الخطيب.. 28 سنة.. 186 سم.. مقاس رجله 45.. مواليد برج الثور.. عصبي ولسانه زفر.. بيصحى من نومه 9 ونص 10 بالظبط يكون بيفطر مع أهله و11 ونص بيكون على مكتبه بعد عشر دقايق بالظبط تكون قهوته قدامه.. بزنس مان شاطر أوي أوي.. أناني.. جاحد.. والأهم من كل ده بخييييل."
قاطعته تحية تقول: "يخربيتك يامحمد.. جايب لنا واحد بخيل ننصب عليه.. دول لو سلمت عليهم تعد صوابعك وراهم."
مرتضى: "البخل أنواع يا تحية.. ومحمد من أهم صفاته أنه كلب فلوس. دينه ومعبده القرش.. يحب الفلوس والمكسب زي عيني.. فيه بخلا يرضوا يدفعوا لما يعرفوا إن الجنيه اللي هيخرج هيرجع مية. لو كنا ثبتنا الهدف على عامر الخطيب العملية دي ماكنتش هتتم.. عامر نزيه أوي وضارب الدنيا جزمه.. مبدأه لو حطيت الجنيه فوقك يوطيك لو حطيته تحت رجلك يعليك والنوع ده صعب يتضحك عليه لأنه صيده صعب.. لكن محمد كلب فلوس صيده سهل خصوصًا إنه واخد موضوع الانتخابات ده حياة أو موت.. لكن عامر لا.. عادي مش فارقله.. إنما محمد لو قولنا ادفع عشان تعدي.. هيدفع."
توتا: "لا يا ولا ألماس."
تنحنحت تحية تقول: "طيب الشغل هيكون إزاي."
مرتضى: "أول حاجة نحاول نهكر تليفونه.. بس مانفعش.. متأمن جامد.. لكن عرفت أهكر تليفون السكرتيرة.. حتة بيت إنما إيه."
تحية: "ولااااا."
مرتضى: "احمم.. اااا المهم.. هما اتصلوا مع شركة دعايا وإعلان وحددوا معاد."
تحية: "برافو وبعدين."
مرتضى: "توتا هتروح له على أنها هي وأنا على بعد 100 متر من الشركة اللي هي شغالة فيها في أوضة فوق سطوح صغير.. طلقة في قلب الكاوتش كده عطلت في نص الطريق.. المهم ياتوته ركزي.. أنا عملت هاك على السيستم عندهم وجبت أماكن كاميرات المراقبة كلها.. أوعي وشك يبان.. عايزين نخلص على نضيف.. لو وشك بان سهل أوي يجيبك."
بااااك.
اقترب وهو يصك أسنانه بغيظ منها.. ومن ثباتها أمامه.. حتى لم تصرخ تعبر عن ندمها أو أسفها.. بل شاردة بعالم آخر.. ألهذا الحد تستهزئ به.
لكزها عدة مرات على كتفها بقوة يصيح: "أيييه.. خدتينى كام صورة يابت."
نظرت له بشراسة: "أنا مش بت."
محمد: "يا سلام.. وكمان بتردي.. تحت رحمتي وبتردي."
توتا: "أنا تحت رحمة ربنا يا خفيف."
محمد: "ده إيه الورع ده.. وكان فين ده لما نصبتوا عليا."
توتا بكبرياء واعتراض شديد جدا: "بس ماتقولش نصبتوا.. ده مش نصب."
مال برقبته يقول: "والنبي إيه.. مش نصب؟! أمال بتسموه إيه يا سكر؟"
توتا برأس شامخ: "ده اجتهاد.. حداقة.. فهلوة وشطارة.. وما يقع إلا الشاطر.. وانت شاطر.. فكني بقى.. فكني عشان أروح وأنا جدعنة مني مش هقول لحد إني عرفت أنصب عليك."
كانت عيناه وفمه متسعين للغاية.. تسرقه بالبداية والآن ومن كثر بجاحتها تساومه.
اقترب منها يقبض على خصلاتها من غيظه يقول: "يعني تنصبي عليا وتسرقي فلوسي وكمان واثقة أوي إني هسيبك تمشي وبتساوميني.. عايزة تعرفي الناس إن محمد الخطيب اتنصب عليه."
توتا: "لا حول ولا قوة إلا بالله.. مانا يابن الناس بقولك أهو هستر عليك ومش هقول لحد."
زاد غيظه يقول: "يعني أقتلك وأروح السجن في واحدة زيك.. يابت لمي لسانك انتي جايبة البجاحة وكشفت الوش دي منين؟"
توتا: "هو انت بتكلم عبلة الكحلاوي؟! .. مالك كده ماتهدا."
محمد: "صحيح.. واحدة عايشة على شغل البيضا والحجر هستنى منها إيه.. لا وكمان بتألس.. سارقة فلوسي ولا همك."
توتا بكبرياء: "على فكرة ممكن أكتب لك شيك بيهم."
محمد بجنون قبض عليها من مقدمة منامتها الوردية يقول: "يابت.. يابت هتنصبي عليا تاني.. أنا مش عارف إيه اللي ماسكني عليكي.. وإيه الترنج ده.. إيه ده."
نضفت يده بغضب والحراس من خلفهما يكتموا ضحكاتهم وهي تقول: "البجااامه.. جايباها بـ 120 جنيه من مول الأمير."
محمد: "إحنا آسفين لسيادتك كرمشنهالك."
توتا: "مالك كده... هو الخطف بقى بالملابس الرسمية اليومين دول... التييران اللي وراك دول جايبني من قلب سريري يا جاحد.. ده أنا ماسدقت... ماسدقت كان الصداع راح وعيني غفلت."
جن جنونه من برودها وعدم خوفها.. وقف يضرب الحائط بقبضة يده يقول: "ده انتي مصره تستفزيني عشان أموتك.. ماعلش إحنا آسفين لمعاليكي المرة الجاية هناخد ميعاد للخطف وتكوني لابسة دريس شيك كده عشان رئيس العصابة يقع في غرامك.. فوقي ياروح أمك انتي سرقاني وأنا دائي وسمي حد ياخد مني حاجة فمابالك بقى باللي يضحك عليا بقى."
توتا: "طب هتعمل فيا إيه.. هتقتلني ولا تسجنيني دلوقتي."
محمد: "وهو أنا هستفيد إيه بقتلك ولا سجنك يا حلوة انت."
توتا برعب: "أمال هتعمل إيه... لااا.. كله إلا الشرف.. محصنين.. محصنين وشمعنى ااايد."
محمد: "بس يا حلوة كده واهدي على نفسك.. أنا مايلزمنيش غير ألماظ.. الفلوس.. افهميها دي.. فانتي بقى ياسكر هتشتغلي عندي بيهم."
توتا بفرحة: "بجد.. هشتغل.. ومالو حلو برضه."
محمد: "لمي نفسك وأوعي عقلك يوزك تنصبي على الموظفين."
أطفأ حماسها كأنه يقرأ أفكارها فقالت: "أعوذ بالله.. ربنا ما يجعلنا من قاطعين الأرزاق."
محمد: "بتت.. اسمعي كده وركزي عشان أنا مابحبش الرغي.. انتي هتيجي تبقي مرمطون.. الفلوس اللي عليكي عايزك تسديها في أربع شهور.. عارفة يعني إيه؟"
توتا بعين متسعة خوفاً: "يعني إيه؟"
محمد ببرود وهو ينظر لأظافره: "يعني هنقسم أربعين ألف على أربع شهور يعني الشهر بعشر آلاف.. يبقى انتي لازم تعملي شغل ناس مجموع مرتبهم 10 آلاف.. فهمتي يا كتكوته."
توتا بصدمة: "ها؟؟"
توجه بنظره لأحد الرجال خلفه: "تجبولها زفت على دماغها تعرف تخرج بيه وبكرة تكون عندي في مكتبي.. أوعوا تغيبوا عن عينكوا، فتحوا عينكوا شكلها لابش."
قال آخر كلماته وغادر تاركاً إياها تنظر لأثره بقنوط تقول بتبرم: "يا ظالم يا مفترى.. صحيح كلب فلوس على رأي مرتضى.. وهو فين صحيح مرتضى.. واطي أوي."
أغلق الباب عليها من الخارج فكسى المكان ظلام دامس ذهبت بعده في ثبات عميق من شدة التعب.
***
صباح اليوم التالي.
على طاولة الإفطار كل في ملكوته.
عامر نظره مرتكز على حبيبته.. هبطت للإفطار قبله وبدونه والآن تتجنب حتى النظر ناحيته.
محمد يأكل طعامه بغيظ.. كلما تذكر استهتار تلك الفتاة بالحديث.. عدم خوفها وأخذها كل الأمور بمرح كأنها برحلة مع الجامعة مثلاً.
فادي منشغل بطعامه وكارما تقاوم النعاس بسبب سهرتها حتى الفجر في الحديث مع نادر.
ألفت تنظر لعامر ومليكة تريد أن تعرف لماذا هذا الغضب من بعضهم.
لكن ناهد منتبهة لكل شيء وعازمة على محاسبة ابنها فتحدثت بقوة: "عامر.. عدى وقت أهو.. جيت وريحت من السفر.. ممكن أفهم إزاي تاخد مليكة كده فجأة وتسافروا لوحدكوا كذا يوم."
أغمض عينيه.. كان يعلم لن يمر الأمر مرور الكرام هكذا.
تحدث بعد برهة بهدوء: "أمي بعد إذنك طبعًا أنا عارف إن اللي حصل مش مقبول بس أنا نفسيتي كانت وحشة أوي وكنت محتاج آخد بريك وكنت عايز مليكة معايا لو كنت قلت لكوا ماكنش حد هيوافق وأنا كنت مستنفذ نفسيًا جدًا.. إحنا كنا قاعدين في أوتيل كل واحد في أوضة، أنا أعرف ربنا كويس أوي."
ناهد: "مش مبرر.. مش مبرر أبداً."
عامر: "أمي.. لو سمحتي.. كفاية كده."
صمتت.. تعلم ابنها عندما يفقد أعصابه لا تريد تعرضه لهذا الموقف أمام الجميع.
ناهد: "بعد إذنك يا عامر اللي حصل ده ما يحصلش تاني."
عامر: "تمام."
محمد: "عامر لو خلصت أكلك لو سمحت عايزك في المكتب شوية."
عامر وهو ينظر لتلك التي تتجاهله: "في حاجة يا محمد؟"
محمد: "في حاجات.. الانتخابات.. الدعاية.. حسابات الشركة.. فيه هم ما يتلم."
زم شفتيه وقال: "تمام.. يالا."
بعد مدة طويلة خرج من مكتبه يبحث عنها ولم يجدها.. ذهب لوالدته: "أمي.. فين مليكة؟"
زمت شفيتها لا تستطيع الصمت: "هو انت خلاص مبقتش تعرف تتنفس من غيرها."
أغمض عينيه يأخذ نفس عميق ثم قال: "مالك بس يا أمي؟"
ناهد بضيق: "مالوش لازمة الكلام.. خد."
أعطته باقة دعوة لحفل زفاف فقال: "إيه ده؟"
ناهد: "واحد من شركة قاسم مهران بعته.. بيقول فرحه بكرة."
ردد بذهول: "بكرة؟!"
***
في شركة الخطيب.
كان محمد يجلس على مكتبه يتكئ بظهره للخلف يشعر بانتشاء وفرحة كبيرة وهو يشاهدها على إحدى الشاشات عن طريق كاميرات المراقبة حرفياً (مسحولة) تصعد الدرج هنا وهنا.. تصور ورق.. أحيانًا توزع القهوة والعصائر.. أحيانًا أخرى تجلب الملفات لأحد المديرين.. ثم تهبط وتصعد.. تقف تلتقط أنفاسها بصعوبة.. يراها تسب وتلعن..
يقهقه بقوة ضحكات شريرة متقطعة يعلم يعلم تسبه هو.
أغلق الشاشة واستدار يكمل عمله براحة كبيرة وشعور بالثأر والنصر.
***
صباح اليوم التالي.
حدث كل شيء كما هو بكل الأحداث.
لكنه يريد أن يتحدث معها وهي لا تعطيه أي فرصة حتى أمس ليلاً دلف لغرفتها وجدها قد غفت.. قبل جبهتها وانصرف.
لن يتركها اليوم.
انتظر بالخارج في سيارته فوجدها تخرج من البيت.
ترجل من سيارته يقول: "مليكة استني."
وقفت لا تريد النظر إليه فتقدم منها يمسك كلتا يديها يقول: "حبيبي زعلان مني ليه."
رفعت نظرها له تنظر له نظرة غريبة عليه جعلته ينظر لها باستغراب وهي تقول: "زعلانة؟ أنا؟ هزعل ليه.. لا خالص مفيش حاجة."
عامر: "مليكة... مالك فيكي إيه؟"
مليكة: "لا بس رايحة لندي عشان فرح جودي. ممكن توصلني في طريقك عادي."
عامر باستغراب: "حاضر.. تعالي يالا."
أما بالداخل.
كانت ناهد تهاتف هديل تخبرها أن عامر يطلب منها أن تتجهز للذهاب معه في المساء لحفل زفاف أحد أصدقائه.
جاء المساء.
وقفت تغريد أمامه تلهث تلوح بأحد الأوراق على وجهها كي تبعث لها بعض الهواء قائلة بأنفاس لاهثة: "خلصت وخلصت أقسم بالله."
محمد: "تؤتؤ ماتقوليش كده ياتوته.. لسه.. عندي بدل في البيت محتاجة تروح الدراي كلين.. والقهوة بتاعت بليل.. أصلي اتكيفت من القهوة بتاعتك أوي.. وبالمرة تشوفي لو اللي في البيت محتاجين أي حاجة أصل فيه أزمة شغالين اليومين دول."
توتا: "كمان... طيب ماشي."
نظر لها بشك وقال وهو يرفع حاجبه: "إيه. لا هتجادلي ولا تناهدى فيا وتنشي في ريقي."
توتا بخنوع: "أهو أمري لله.. أنا غلط يا محمد بيه ولازم أكفر عن غلطتي."
ازداد ريبة منها.. وجه البراءة هذا لا يليق بها أبداً.
لكنه وقف من موضعه وقال: "طب يالا."
في قصر الخطيب.
وقفت أمام مرآتها تنظر لنفسها برضا تام.. تعلم كم هي جميلة.. خصوصًا بلون فستانها السكري.. يليق لها ذلك اللون كثيرًا.. رفعت شعرها على شكل كحكة مبعثرة.. مكياج هادئ وحذاء ذو كعب عالٍ.
خرجت تتهادى بخطواتها حتى هبطت الدرج فتقابلت مع ناهد التي قالت: "بسم الله ما شاء الله.. قمر يا ميكا.. بس ليه ما لبستيش الفستان اللي جبتهولك هو ما عجبكيش ولا إيه؟"
مليكة: "لا ده حلو أوي يا طنط بس طويل شوية خفت أقع وأنا رايحة لوحدي."
قالت الأخيرة عن عمد، فنطقت ناهد عن عمد هي الأخرى: "ليه بس ده عامر وهديل خارجين دلوقتي."
مليكة بتفاجؤ: "إيه... عامر مع هديل؟"
ناهد: "آه.. معزوم على فرح واحد صاحبه فطبيعي كلم هديل عشان تروح معاه.. شفتي.... ده اللي كنت بتكلم فيه... عامر كبير وأول ما يفكر ولا تيجي أي حاجة تخص واجهته قدام الناس هيفكر في واحدة كبيرة ومناسبة.. انتي صغيرة وزي القمر بس لحد سنك وجيلك.. العلاقة دي غلط يا ميكا أنا خايفة عليكي وعليه."
أدمعت عيناها.. لا تصدق.. لديه سهرة اليوم ولم يخبرها.. أول من خطرت على باله كانت خطيبته.. تلك هي الحقيقة هديل هي الحقيقة خطيبته وما هي إلا كذبة... لم تجد حتى فرصة لتخبره أنها تريده أن يذهب معها لزفاف صديقتها.
رق قلب ناهد لها فجذبتها لحضنها قائلة: "حبيبتي ماتعيطيش.. كل شيء نصيب.. وده الأحسن.. ماقلتليش بقا... كنتي رايحة فين؟"
خرجت من حضنها تبتسم بصعوبة: "فرح واحدة صاحبتي."
ناهد: "في السن ده وتتجوز؟"
مليكة: "بيحبها بقى."
ناهد: "مين العريس؟"
مليكة: "مش عارفة.. أنا لسه جايلى دعوة من شوية."
ناهد: "خلاص حبيبتي... اخرجي واتبسطي... مش عايزة أشوف دموعك تاني."
مليكة: "حاضر.. باي يا طنط."
ناهد: "باي يا حبيبتي."
خرجت مليكة بحزن كبير وناهد جلست بهدوء ترتشف قهوتها.
وجدت محمد يدلف للبيت ومعه فتاة.
محمد: "مساء الخير يا طنط."
ناهد: "مساء النور يا حبيبي... مين البنوتة الحلوة دي."
محمد: "دي تغريد... يعني لو عايزة أي شغلانة هي تعملها مش كده يا تغريد؟"
ابتسمت بسماجة: "آه آه.. يعني أفتح باب.. أنا أول حد كوباية مايه.. أسير الأرضية.. أصين حيطان المطبخ.. أنا بتاعت كله.. ماكنوش أربعين ألف دول."
ناهد: "إيه يامحمد شغل العبودية ده."
محمد ببرود: "والله شغل العبودية أحسن من شغل النصب."
نظرت له تغريد بغيظ فناظرها هو ببرود واستفزاز: "اطلعي شوفي البدل اللي مش نضيفة وابعتيها الدراي كلين زي ما قولتلك وعشر دقايق القهوة تكون قدامي في المكتب جوا."
تغريد بخنوع: "أمرك.. أمرك يا محمد بيه."
ثم ذهبت سريعا لأعلى تبحث عن غرفته وهو تنهد براحة لذلها وذهب لمكتبه بشعور غريب بالنصر.
وناهد تنظر لهم مرددة: "إيه المجانين دول.. ومحمد جراله إيه."
ثواني ووجدت عامر يدلف للداخل يقول: "أمي.. مليكة راحت فين... البواب بيقولي إنها خرجت من خمس دقايق."
ناهد: "بتقول رايحة فرح واحدة صاحبتها."
عامر: "إيه؟! إزاي ما تقوليش عشان أروح معاها.. وكمان أنا عايزها عشان عندي فرح دلوقتي عايزها تيجي معايا."
وقفت ناهد تقول بهدوء وثبات: "تيجي معاك إزاي... طب وهديل؟"
عامر: "وإيه اللي هيعرف هديل بس."
ناهد: "أنا... أنا كلمتها وهي أصلاً عشر دقايق وتبقى هنا."
وقف ينظر لأمه بغضب شديد.. وكيف أصبحت تتصرف وتأخذ قرارات عنه أيضاً.
بعد ساعتين.
كان محمد يصرخ بغيييظ: "ياااابنت الكلللللب... تاني.. تاني بتضحكي عليا... وتاني يوم على طول ده انتي قلبك ميت بقا."
اجتمع الجميع على صوته ليروا ماذا حدث.
أما في بيت تغريد تجلس أمام أختها تحية التي قالت: "لا عفريتة يابت وإيدك تتلف في حرير."
توتا بتعب وغيظ: "أنا النهاردة استحملت ذل عمري ما شوفته عشان أقدر أجيب العلبة دي."
تحية: "وليه وجع القلب ده الموبايل لوحده كفاية."
تغريد: "جاهلة ومحدثة نعمة.. ده آيفون يا أم جهل وآيفون إكس أحدث إصدار كمان يعني يجيب له بتاع 20 ألف بس من غير علبته ما يجيبش 10 آلاف على بعض."
تحية: "وليه يعني الموبايل معانا بقولك."
تغريد: "عشان الآيفون لازم معاه علبته... عليها بيبقى فيه حاجة اسمها آي كلاود من غيره الموبايل سعره ينزل الأرض ده غير إننا ممكن مانقدرش نبيعه لأن طول ما العلبة معاه يقدر يقفله بالكود ده يعني لو رحنا لأي حد بيفك الآي كلاود بردو يقفله فهمتي."
تحية: "لا شاطرة يابت... نصبنا عليه مرتين... هههههههه."
وقفوا الاثنتين يغنون: "يا عبسلاااام... بابا يا بابا يا بابا."
***
في حديقة بيت قاسم مهران كان الكل مجتمع وهي تقف مع صديقتها جودي وريتال.
تراقبه من بعيد يقف مع رجال أعمال أصدقائه وهديل تبتسم بلباقة للجميع.. أصابها زهول غريب وهي تدرك أنهم مدعوون على نفس الحفل.
وهو ينظر لها بغضب شديد... كيف أتت بدونه... لا تتيح له أي فرصة لا للاقتراب أو الحديث. فقط ينظر لها باشتياق ولوعة.
ذهبت هديل لذلك البوفيه المفتوح تجلب لنفسها كأس من العصير... ولكن فجأة التوى ساقها فاتسعت عينها وهي تدرك.... لقد كسر كعب حذائها.
وجدت أحدهم يقف خلفها يقول: "في حاجة يا آنسة.. اتعورتي؟"
نظرت له.. وجدت شاب أسمر وسيم ببذلة سوداء ينظر لها بتفحص قائلاً: "أنا عادل صاحب قاسم جدا... محتاجة مساعدة؟"
على جانب آخر.
تقدم عدي يقول بانبهار: "ملييييكه.. مش معقول آخر مكان كنت أتوقع أشوفك فيه... إزيك."
مليكة: "عدي... إزيك عامل إيه؟"
عدي: "لا زعلان جدا منك.. بقالك فترة مش بتيجي تدريبك ولا حتى اعتذرتي."
مليكة: "أسفة حقك عليا."
قاطعها قائلاً: "مليكة أنا لو اتقدمتلك توافقي؟؟؟"
نظرت له بعينين مستوعتين فقال: "خدي وقتك وردي عليا."
صمت قليلاً وقال: "تسمحيلي بالرقصة دي."
نظرت له بحيرة وبعدها سريعا وافقت وذهبت معه لحلبة الرقص.
بعيد قليلاً كان عامر يقف مع أحد أصدقائه قائلاً: "انت لسه ماشي بورق الغرفي بجيبك يا سامح."
سامح: "ما بستغناش عنه ياباشا."
عامر بغموض: "طيب عايز ورقتين حالا."
سامح: "إيه هتمشي في طريق البلح المقمع أخيراً."
عامر بخبث: "بس ياض انت.. هات هات....."
رواية انصاف القدر الفصل الخامس والعشرون 25 - بقلم سوما العربي
جلس يضع قدم فوق الأخرى يتفحص تلك الورقة بيده يقرأها.
انتهى من كل شيء فنظر لسامح وقال:
شوفلنا حد بقا يمضي.
سقط فم سامح أرضا يردد بزهول:
ولا.. انت ضارب حاجة؟!!!
عامر بهدوء:
ليه بس ياسموحة؟
سامح:
سموحة... ده انت مزاجك عالى كمان.
عامر:
أوي أوي أوي... يالا بقا مين هيمضي؟
سامح:
انت بتسألني أنا... قولت عايز ورقتين عرفي جبتلك أكتر، من كده بقا مش اختصاصي ياكوتش.
عامر:
تعالى بس تعالى.. تعالى استهدى بالله وامضي.
سامح:
ياخي والله أنا هطلع من هدومي منك ومن جنانك.. ماتقولي يابني دماغك فيها إيه؟
عامر:
يووه.. خلصني يا سامح.
سامح:
قولتلك لأ.
عامر بصوت جهوري:
امضضضى.
تقدم سامح بخنوع تام يوقع على الأوراق فقال عامر:
بأسمي... عامر الخطيب.
سامح:
اللهم اطولك يا روح.
انتهى سامح من التوقيع تحت اسم الزوج ورفع نظره لعامر بمعنى (انتهيت) لكن اتسعت عينيه وهو يجد عامر ينظر له بإصرار أن يكمل فصرخ:
ايه هعمل إيه تاني.
عامر ببراءة:
امضي مكان العروسة.
سامح:
نعععععععم.
عامر:
زي ما سمعت.. يالا يا سموحتـي.. يالا امضي.. مليكة مكرم الخطيب.
سامح:
هاااااا؟!!
عامر بتأفف:
يوووه.. هو كل شويه هتزهق كده. قولتلك امضي يبقى تمضي. يالاااا.
بلا أي حيلة وقع سامح على كل العقدين باسم مليكة إلى أن انتهى وقال:
افهم بقا ليه الأذية دي.
عامر:
إيه ده.. سموحتي.. انت بتحس زينا.
سامح:
عامر ماتهزرش.. أنا عارف إني بعمل حاجة تغضب ربنا وحرام بس والله دايما بدعي ربنا يهديني.. لعلمك أنا مش ببقى مرتب ولا عايز.. بس ماعرفش بلاقي الكلام بيتسرب من بوقي وألاقيني مضيت على الورقتين ماتعرفش يا أخى فيه إيه... بس يا عامر أنا لا بأذي ولا بغصب حد لكن حرام تعمل كده في عيلة صغيرة أمانة عندك.
عامر:
مانا بعمل كده عشان عايز أتـجوزها.
سامح:
كده... بفضيحة... تتجوزها عرفي وتطلعها قدام الكل رخيصة ومش متربية... مليكة ماتستحقش منك كده أبدا.
عامر:
لأ طبعًا مين قالك كده.. أنا عايز أتـجوزها بكوشة وفرح ومعازيم ومأذون.
سامح:
انت غبي يابني.. أمّال العقد العرفي اللي باسمها واسمك ده إيه.. ماهم هيشوفوا العقد وكده تبقى غلطت.
عامر:
أمّال أنا خليتك تمضي مكاني أنا وهي ليه يا خفيف.
سامح:
لا براحة كده واحدة واحدة و فهمني.
بالخارج
وقف عادل يتحدث مع هديل قائلاً:
بجد... يعني انتي تعرفي في شغل الـ IT؟!
هديل بزهو:
هه.. اللي قدامك دي من أحسن خمس مبرمجين في مصر.
عادل:
ياواد يا جامد انت ههههه.
كسى الحزن وجهها وقالت:
كنت.
عادل:
كنتي إزاي يعني... إيه اللي وقفك.
التمعت الدموع في عينها وقالت:
قصة كده.. مش مهم... انسى... قوللي انت بقا تخصصك إيه.
عادل:
لأ.. قوليلى إيه اللي وقف شغلك.
نظرت له بتردد قائلة:
مشكلة عائلية بس.
عادل:
مش فضول مني على فكرة أنا بس بشوف يمكن أقدر أساعدك.
نظرت له مطولاً ولمع الأمل في عينها قائلة:
بجد... انت ليك حد في المجال ده.
ابتسم مجيباً:
احكيلي بس الأول عشان أشوف هساعدك إزاي ولا هتبدأ منين.
أخذت نفس عميق زفرته على مهل ثم بدأت بسرد كل شئ حدث معها.
عند مليكة
كانت ترقص بهدوء مع عدى الذي يبتسم بإعجاب قائلاً:
يااه أخيراً.
نظرت له باستغراب:
أخيراً إيه؟
عدى:
عرفت ألم عليكِ ربع ساعة على بعض... يانهار أبيض.. أنا ماكنتش بعرف أقف ولا أتكلم معاكي ده حتى اليومين اللي جيتي فيهم تدريب عندي كان عامر بيه كل شوية يتصل بيكي يشغلك... لحد ما فقدت الأمل أصلاً.
مليكة:
اااامعلش هو بس بيخاف عليا شوية.
عدى:
بصراحة ليه حق.. لازم يخافوا عليكي وإنتي قمر كده... جمالك جمال مش عادي... بجد وشك يخطف.. منور... مليكة إنتي بتنوري في الضلمة؟
ضحكت عالياً وهو معها ولكن قاطعهم يد غليظة وضعت بينهم ووقف يفصل وينهي تلك الرقصة قائلاً:
إيه اللي بيحصل هنا ده... وانت إزاي تقرب منها كده؟
عدى:
عامر باشا ياريت صوتك يهدى كده شوية أنا مش قليل بردو.
عامر:
انت تجاوب على سؤالي وانت ساكت.
عدى بقوة:
طلبت منها ترقص معايا زي أي اتنين هنا بيرقصوا.
استدار لها يعض على شفته السفلى من شدة الغيظ يقول:
وهي بقا وافقت؟؟
مليكة:
آه. فيها حاجة يا ابيه؟
عامر:
قدامي.. يالا.
قال الأخيرة بصراخ ارتعدت له فقال عدى:
عامر بيه أنا ما اسمحلكش.
التف له ينظر له وكأنه قتل له قتيل قائلاً:
نعم؟ ما إيه؟ ماتسمحليش؟ وفي حاجة تخص مليكة؟ ده انت أكيد اتجننت.
عدى:
لا ما اتجننتش.. بس اللي انت واقف تخشط وتنتر فيها دي دلوقتي في مقام خطيبتي يعني مينفعش حد يزعقلها أبداً.
بدون أي تفكير لأي عواقب... جن جنونه فتجرد من شخصية عامر المتزنة وصدمه بقوة على مقدمة جبهته ترنح عدى على أثرها وبلمح البصر قبض على يد صغيرته وخرج بها من المكان كله.
وضعها بالسيارة عنوة.. شاءت أم ابت قوته تفوقها بمراحل.
***
جلست توتة تستلذ بتناول حبة البرقوق التي بيدها تحية تجلس تفكر بإمعان قائلة:
بس يابت ياتوتة احنا نسينا حاجة مهمة أوووي.
تحدثت وهي تهمهم بتلذذ:
هممم مزز أوي بس طعم.
تحية:
هو إيه ده.
توتا:
همممم البرقوق.
جذبت الثمرة من يدها بغيظ وقالت:
بت.. بطلي حش... ركزي معايا.. احنا لازم نسيب الشقة هنا.
توتا:
ليه بس ده حتى عطفها خفيف وريحها هادي.
تحية:
بت.. انتي امتى بقيتي غبية كده؟
توتا:
ياستي أنا فاهمة كل اللي بيدور في دماغك... ابن الخطيب جابني من على سريري مرة يبقى هيجيبني تاني.
تحية:
طب مانتي فاهمة اهو امال فيه إيه بقا... يالا قوام نلم حاجتنا الأساسية ونـكـش من هنا.
توتا:
هممم وهنروح فين بقا؟
تحية:
مش هنلعب يعني هو أنا اللي هقولك.
توتا:
بس أنا بقا عايزاه يلاقيـني.
تحية:
بت انتي هبلة؟
توتا:
الناس دي مالهاش في الضرب والتعذيب وشغل العصابات ده... أنا قريتهم هما مالهمش في اللبش.. هو كل اللي هيعمله إنه هيقعد يجعجعله بكلمتين عشان يشوشر على اللي حصل معاه.. واخرتها هيعمل إيه يعني هيشغلني بالفلوس دي.
تحية:
وهي دي شوية.. بقا احنا بدل ما ندور على عملية جديدة نطلع منها بقرشين حلوين نقوم نتلخم في سد فلوس العملية الأولى.
توتا:
يابت... يابت الشغلة دي مش دايمة لنا وانتي عارفة... لازم نقب بقا على وش الدنيا.
وقفت تدور حول نفسها تحلم قائلة بهيام:
ياما نفسي يابت ياتوحتـا أنا وانتي كده ننضف ونتنجر... نلبس حلو ونتعامل حلو... نشتغل بشهادتنا... الناس تحترمنا.. نلبس فورمال ويبقى لينا قيمة.
تحية:
واحنا كده مالنا... 100 فل وعشرة وبناكل أحلى أكل وبنلبس أحلى لبس.
توتا:
هه.. لأ.. احنا طلعنا مش عايشين.. من ساعة مادخلت شركة ولاد الخطيب دول وشوفت الموظفين هناك.. كرهت نفسي وزعلت على حالي وحالك... شغل وكرير.. ولا بيداروا ولا بيتخفوا... هنفضل لحد امتى نخطف ونجري يا توحا.
توحا بحزن:
بتقلبى عليا المواجع على بالليل ليه بس.. وهو كان بخطرنا يعني.
توتا:
عارفة بس لامتى هنفضل كده؟
توحا:
عندك حل تاني؟
توتا:
آه... أنا عايزة أفضل في الشركة هناك عشان كده مستنياه عادي ييجي يهبهب شوية ويرجعني اتسحل في الشركة تاني... مش مهم... بس ده أنا من يوم واحد اتعرفت هناك على بنت شاطرة وواصلة أوي وعدتني تدورلك انتي كمان على شغل... ممكن الشغل هناك يفتح لنا علاقات حلوة أوي... أما محمد ده سيبك منه ده خيش واش... بوق على الفاضي.
توحا:
ولو طول ايده عليكي.
توتا:
يطول ايده على مين يابت ده أنا توتة عبسلام.
في نفس اللحظة كسر باب شقتهم من قبل زوجى من الرجال ضخام الجثة ومحمد خلفهم يردد:
مسامسا يابنات عبسلام.
تحية:
فيه حاجة يا محمد بيه؟ حاجة ضاعت منك ياخويا.
محمد:
لا أبداً هو بس الموبيل اللي في إيد معاليكي.
ثم أشار للرجلين:
هاتوهم.
أحد الرجال:
إنهي واحدة فيهم ياباشا.
محمد:
لا المرة دي هاتوا الاتنين.. أصل الدين بتاعهم زاد.
انكمشت توتا على أختها مرددة:
ياوقعة مربربة.. هو الواطي اللي اسمه مرتضى فين.
تحية بخوف:
طول عمره واطي.. أول مرة نتعكش فيها قام خلع.
كل ذلك والرجلان يتقدما منهن بهدوء فقالت تحية:
لأ لأ من غير عنف سايق عليك النبي احنا هنخرج معاكوا بكرامتنا.
محمد:
لأ... أنا كيفي جايبني أهينكوا.
تحية:
وعلى إيه الشوشرة ياباشا حتى عشان تعرف تطلع بينا من الحتة احنا في حارة شعبية ماتنساش.
محمد:
اممم.. اشتريت... ورايا.
خرجت تحية تهتف في أذن شقيقتها:
خلينا نخرج بكرامتنا عشان نعرف نرجع هنا بكرامتنا.
***
يقود سيارته بغضب لا يرى أمامه وهي لاتهتم... لقد اكتفت منه حقاً... تنظر أمامها ببرود، لا تبالي.
لكنه لم يتحمل ذلك الصمت وصرخ بها:
أنا عايز أعرف إزاي تسبيه يقرب منك كده... ردي عليا.
مليكة:
أنا اللي عايزة أعرف انت إزاي وبأي حق تحرجني قدامه كده.
عامر:
نعم.. ده إيه النغمة الجديدة دي.. أحرجك... هي غيرتي عليكي بقت إحراج دلوقتي.
مليكة:
آه أحرجتني.. ولو سمحت ياريت تبقى آخر مرة تعملها.
عامر:
انتي فيكي إيه أنا عايز أعرف.
مليكة:
لأ لأ يا ابيه... هو أنا اللي هقولك... انت الكبير العاقل اللي عارف ووازن كل حاجة.. اعرف لوحدك بقا يا..... يا ابيه.
قالت الأخيرة بقوة وتحدي تزامناً مع وصول السيارة أمام الباب الداخلي للقصر.
ثم ترجلت بعدها من السيارة وتركته مزهولاً منها.
دلفت للداخل بغضب وحزن... همت لتصعد غرفتها ولكن توقفت وهي تستمع لصوت ناهد المعترض:
انت اتجننت يامحمد... خاطف بنتين وجايبهم هنا.
محمد:
خطف؟ مين بس جاب سيرة خطف يا طنط.
وقفت توتة تغتنم الفرصة:
لا خاطفنا يا طنط أقسم بالله.
محمد بنبرة تهديد واضحة:
توووتااااا.. اهدى يا حب... سيديهاتك معايا.
جذبت تحية يد أختها تجلسها بجوارها قائلة:
اهديني يا حلاوة الكاميرا جايبة صورتك.
جلست تغريد بخنوع من جديد لا حيلة لها.
فتقدمت مليكة ومن خلفها عامر الغاضب.
نظرت لها تحية وتوتا بانبهار مرددين:
ده إيه ياختي النسوان الحلوة دي.
ضحكت مليكة حتى أن عامر رغماً عنه ضحك ومحمد يردد:
اقلشي اقلشي... كله هيطلع على عينك الصبح.
توتا:
ياساتر يارب... ياسيدي ده المثل بيقولك احييني النهاردة وموتني بكرة.
نظر لها بغيظ دائماً تتفوق عليه وتغلبه بالحديث.
ناهد:
عامر انت إزاي جيت وسبت هديل لوحدها.
عامر:
ماتقلقيش يا أمي بعت سواق بعربية يوصلها للبيت.
ناهد:
وليه أصلاً من الأول تسيبها يا عامر؟
عامر:
أمي. لو سمحتي أنا مش شايف قدامي.
نظر ناحية مليكة وأكمل:
هشرب قهوتي وأجي عشان نتحاسب كلنا.
وصلها معنى كل حرف، لكنها فعلاً قد استهلكت في هذه العلاقة وقررت أنه يكفي إلى هذا الحد.
انتبهت على صوت ناهد تقول لمحمد:
طب وبالنسبة للبنات يا محمد... إيه؟؟
محمد:
عادي يا طنط... هيباتوا في أوض الشغالين... لعلمك دول شاطرين أوي وهيسمعوا الكلام... أنا بس حابب أساعد لحد ما تلاقي شغالين كويسين بدل ما كل يومين تغيري.
نظر لهم بتهديد وقال:
والبنات شطار وهيسمعوا الكلام مش كده يا قطاقيط.
تحية:
آه... لعلمك احنا شطار أوي... مش هتندمي.. يارب عدّي اليومين دول على خير.
محمد:
بتقولي حاجة يا شاطرة؟
تحية:
بدعي ربنا يقبل توبتي... احنا تبنا على إيدك يا أخويا.
توتا:
ماكانوش 60 ألف جنيه دول.. صدق اللي قال بخيل ويموت على القرش.
محمد:
البت دي بتقول إيه؟
تحية:
بتدعيلك.. بتدعيلك.
هزت ناهد رأسها تقول:
لاحول ولا قوة إلا بالله هو البيت كان ناقص جنان ياربى... وانت يامحمد فين العقل اللي كنت فيه خاطف بنتين وجايبهم البيت كمان واحنا في عز الانتخابات... أمّال بقا فين لا ياعامر أعقل يا عامر.
صمت محمد.. لا يجد رد... أما تحية وشقيقتها يسمعون لحديث ناهد يفكرون كيف يمكنهم الاستفادة من تلك النقطة.
***
في نفس المساء بمنزل توفيق
جلس ينظر حوله... بيته أصبح عبارة عن كومة من القمامة.. أكثر من عام وهو يحيي بمفرده... حتى ندى ابنته رفضت العيش معه وفضلت المكوث مع جدتها حتى عودة أمها.
أحياناً يجلب إحدى النساء وهو بعمله تنظف البيت وتطهو الطعام ولكن أصبح كل شيء لا يطاق.
طعام غير معتاد عليه... حتى ترتيب البيت والأثاث.
عاد بذهنه للخلف لسنوات.
فلاش باك
كانت ندى في المرحلة الابتدائية
عاد للمنزل وجدها مازالت تنظف البيت... اشتعل الغضب داخله وصرخ بها:
انتي لسه بتنضفي لحد دلوقتي... مش عارفة إن في طور كان داير في ساقية وعايز يرجع يلاقي البيت نضيف والأكل اتعمل.. كنتي فين طول النهار.
نجلاء بتعب نتيجة شقاء يوم كامل:
والله أنا شغالة من بدري بأيدي وسناني ماقعدتش البيت هو اللي كبير.
صرخ بها بقوة:
ما كل النسوان شايفة شغل بيتها... وعلى كده بقا الطفح خلص ولا لسه؟
نجلاء:
على النار والله.
توفيق:
نعم ياختي على النار؟
نجلاء:
والله عشر دقايق بس وكل حاجة تبقى جاهزة.
نظر لها باشمئزاز وغادر يبدل ثيابه وهي أغمضت عينيها بتعب وقلة حيلة... عاد يصرخ من جديد وهي حقاً على وشك البكاء:
فين الأكل اللي قولتي بعد عشر دقايق يا هانم.
نجلاء بتعب:
يعني هو أنا أقوى من النار؟
توفيق:
ماليش فيه... اخلصي.
نظر حوله وقال:
إيه اللي خلاكي تحركي الكرسي ده وتجبيه هنا؟
نجلاء:
حبيت أغير ديكور الشقة كده بحاجات بسيطة.
توفيق:
ت إيه ياختي.. تغيري ديكور البيت... ده منظر ده... شكله مش لايق على المكان.
ثم أنهال عليها بنفس الأسطوانة:
انتي تفهمي في إيه أصلاً.. انتي بهيمة لا بتعرفي تلبسي ولا تنضفي ولا تطبخي.. غووري من وشييييي.
بااااك
عاد من شروده يغمض عينيه.. أين كل تلك النعم التي كان قديماً يتبرم عليها بسخط.
في نفس الوقت
توقفت سيارة رجب أمام بيت نجلاء.
هبط من سيارته سريعاً يفتح بابها وهي تبتسم له برضا وفرحة.. لاتصدق... أخيراً وجدت كل الحب والتقدير.
مجرد لهفته وهو يدور حول السيارة حتى يفتح لها بابها قبلما تفعل هي... كانت عينيها تلمع بانبهار على وشك البكاء.. لا تصدق كمية المكافأة والجبر التي تمثلت في رجب.
أما في منزل سيد... كان يجلس مع شقيق حكمت يتفق معه على كل شيء... لقد صبر كثيراً.
***
صباح اليوم التالي
تفاجئ الكل بطلب عدى للقدوم إليهم اليوم.
عامر غير مرتاح بالمرة.. ومليكة في تخبط شديد.
أما محمد فهو منشغل بوضع كل مهام العمل على تغريد وتحية.
جلس عامر بمكتبه لا يعرف ما الذي سيحدث... قدوم عدى في زيارة رسمية لا يوجد له إلا تفسير واحد.
وجد سامح يقتحم عليه المكتب وقال:
أنا عايز أعرف انت ناوي على إيه بالورقة اللي معاك.
عامر:
سلمتها بس للواد اللي قولتلك عليه؟
سامح:
حصل.. عايز أفهم بقا.
عامر:
سامح... أنا شرحت مرة امبارح وانت غبي ما فهمتش.. هما مش خايفين على الأسهم الفلوس... أنا بقا هستغل كل ده.. وأطلع بقا من دماغي ولا أقولك أطلع برا خالص... يالا من غير طرد.
خرج من مكتبه يسير حتى المصعد يردد:
هو ليه محسسني إني غبي مثلاً مع إني حاسس إني نابغة.
وصل المصعد وفتح على مصرعيه.
كانت تحية تقف به متأففة... العمل الحلال صعب جداً.
لكن سرعان ما وجدت فريسة... بل غنيمة.
تهلل وجهها متمتـمة:
البت توتة دي ذماغ.. ده الشغل هنا مرتب.
ثم وبخبث شديد تصنعت التعب واستندت على فريستها.
بعد ثوانٍ معدودة وصل المصعد... خرج منه سامح يقول:
بقيتي كويسة... الدوخة راحت أجيبلك ميه؟
تحية:
لا خلاص بقيت أحسن.. مش عارفة أشكرك إزاي... بعد إذنك.
غادرت ترقص فرحاً وهو وصل إلى سيارته وضع يده يخرج مفتاحها وفجأة شعر بعدم وجود هاتفه وجزلانه.........
رواية انصاف القدر الفصل السادس والعشرون 26 - بقلم سوما العربي
جلس عامر في وضع الاستعداد، كأنه يستعد للانقضاض على ذلك الماثل أمامه في أي لحظة.
وما كل هذه الشياكة والوسامة التي حلت عليه اليوم، وباقة ورد أيضاً!!
هذا كثير... كل ما يراه لا يدل إلا على شيء واحد... لو كان صحيحاً لا يدري ماذا سيفعل.
حمحم محمد بحرج من نظرات عامر التي يبدو عليها الانزعاج والاشمئزاز وهو في حضرة وزير الداخلية بذاته.
محمد: احححممم... منورنا.... البيت كله نور سعادتك.
جابر المناويشي (والد عدى): البيت منور بأصحابه... يااااه... عدت سنين على آخر مرة جيت فيها هنا.
نظر محمد ثانية ناحية عامر ينذره... نظراته أصبحت قاتلة... غير مرحبة وغير لائقة.
ماذا يفعل له.. حاول جذب انتباهه مراراً... لكن الآخر نظره مسلط على غريمه.
غريمه الذي يجلس بكل هدوووووء.. هدوء مستفز كأنه واثق من شيء ما.. بل والأكثر أنه ينظر له بتحدٍ.
لم يجد محمد حيلة سوى أن يتركه بمفرده معهم ربما يستفيق ذلك العامر ويدرك أنه لم يتحدث بحرف واحد منذ أن حضروا.
محمد: أنا هروح أشوف اتأخروا بالقهوة ليه.
خرج محمد سريعاً فقال عامر: منورين.
جابر: بنورك يا عامر بيه.
ابتسم عدى باستفزاز وقال: لا يا أبويا... قولوا عامر بس... إحنا خلاص... هنبقى أهل.
أنزل عامر ساقه من على الأخرى واعتدل قليلاً في جلسته يقول: نعم يا حبيبي... نبقى أهل إزاي يعني؟
على الناحية الأخرى
في المطبخ
وقفت توتا تأكل قطعة كبيرة من الجلاش المحشو بقطع الدجاج: ههمممم، أدرى العز حلو يا ولاد... ياريت كل الشغلانات زي شغلانتكوا دي.
وجدت من يلكزها على مؤخرة عنقها يقول: إنتي إيه.. مش بتطبلي أكل... وياريت باين عليكي إلا إنتي بتاكلي تطولي.
توتا: يا أخي حرام عليك الأكل وقع من بوقي... حد يرمي نعمة ربنا كده ده حتى النعمة تزول من وشك.
محمد: وتزول من وشي ليه إن شاء الله.
توتا: ماهي لو ما زالتش من بطنك ده أكيد أكيد هتزول من وشك اللي يقطع الخميرة من البيت.. إيه ده! وش بني آدم ده؟!
اتسعت عيناه يقول: بطري؟! ووشي يقطع الخميرة من البيت.. محمد الخطيب بقا وشه يقطع الخميرة من البيت.
توتا: بقولك إيه... أنا لسه ضاربة جلاش بالسجق وبعده بالفراخ وأنا بصراحة الأكلة دي بتكيفني ومش ناويه أعكر مزاجي أبداً.
اصطك على أسنانه يقول: لا إحنا آسفين.. عكرنا مزاج السيادة... تقدري تقوليلي فين القهوة بتاعت الناس؟
توتا: لما قهوتي تتعمل وأشربها هعملهم.
حجظت عيناه يقول بصدمة: نعم؟
توتا: إيييه.. بقولك لسه آكلة وعايزة أحبس.
رفع أول قدر وجده بجانب يده يقول بغيظ: يعني إنتي مأجلة الناس لحد ما سيادتك تحبسي... شكلي أنا اللي هتحبس في جريمة قتل لواحدة زيك.
توتا: مش أخلاق دي على فكرة... بترفع القلاية عليا عايز تديني بيها على نفوخي.
محمد بصراخ: ما عملتيش من ماكينة القهوة ليييه ماهي قدامك.
توتا: الله مش بعرف أشغلها... ما علش أصل أنا تعليم حكومي.
أخذ أنفاس متلاحقة... بلغ غضبه منها لأقصى درجة...
بعمره كله لم ينجح أحد باستفزازه كتلك الفتاة.
محمد: بت.. أنا هطلع وعشر دقايق والاقي القهوة ورايا.... سامعة يا طويلة انتي.
توتا: مالهم الطوال إنتي عمرك شفت عارضة أزياء قصيرة ولا رقاصة قصيرة.
هز رأسه بيأس يغادر وهي من خلفه تصرخ به: ولعلمك بقى... لو الطويل معيب ما كانوش عملوا للقصيرين عيوب.
رغماً عنه وجد نفسه يكتم ضحكته وهي استدارت بسخط لتصنع القهوة لهم لكن توقفت قائلة: الله دي طلعت حلوة وبوش... هكملها ليا وهما يستنوا... عادي يعني.
ثم رفعت رأسها بشموخ تدندن إحدى أغاني فيروز.
أما في غرفة مليكة.
كانت ندى تجلس خلفها تنظر لها باستغراب قائلة: لحد دلوقتي مش مستوعبة بجد.
وضعت مليكة أحمر الشفاه من يدها على طاولة الزينة تجيب: مش مستوعبة إيه بالظبط؟
ندى: إن دي نهاية حكايتك مع عامر... عامر اللي بقالك سنين بتحبيه... عامر اللي قللتي من نفسك واتنازلتي ورحتي إنتي تقولي له أنا بحبك.
مليكة بهدوء: مش إنتي كنتي معترضة على كل ده من الأول... إيه اللي حصل؟!
ندى: اللي حصل إن كل حاجة اتغيرت وجبل الجليد ساح وشعلل كمان على إيدك.
زمت مليكة شفتيها وقالت: واو.. وبعدين... إيه اللي حصل ولا إيه اللي قدمه... ندى الله يباركلك أنا تعبت من العلاقة دي... أنا حاسة إني بعمل الصح.
ندى: طب.. طب إنتي بتحبي عدى ده.. أو.... أو على الأقل متقبلاه؟
مليكة: عدى شاب مؤدب... جنتل مان... أوبن مايند.. بيعاملني حلو.
مستقبله حلو... شاطر في شغله.. مش مكسوف ولا محروج مني يا ندى.
ندى: لسه ما جاوبتيش... متقبلاه.
مليكة: لو سمعتيني كويس هتفهمي... بقولك بيعاملني حلو ومش مكسوف مني.. مش ماشي يخبّي حبه ليا.. بالعكس أول ما عجبته جه يتقدملي.
ندى: طب ما هو عامر عمل كده... قال للكل إنه بيحبك.... دلوقتي الكل عارف إنك حبيبة عامر الخطيب.
مليكة: يا فرحتي... وبعدين... حبيته وهو ناوي يتجوز هديل... بيروح معاها كل الأفراح والمناسبات و...
صمتت بتعب وتنهيدة تقول: والنبي تسيبيني ساكتة يا ندى.
طرقات عالية على الباب قطعت ذلك الجو المختلج بالمشاعر.
فتحت ندى الباب ونظرت بحاجب مرفوع لناهد وهي تتقدم تفتح ذراعيها بفرحة شديدة قائلة: مبروووك... مبروك يا ميكا.. هو ده الصح.. عمري ما كنت أتمنالك عريس غير كده... عدى شاب مهذب وجانتي جالص.
ندى: شكلك مبسوطة أوي يا طنط... ده حتى يوم خطوبة أخويا عامر ما كنتيش مبسوطة كده.
ناهد: آه من بنات اليومين دول... دايماً كاشفني كده... بصراحة يا نادوشة أنا ما كنتش موافقة على علاقة عامر بميكا... أنا ست قطر وبحدف دبش... مش بعرف أنافق وميكا عارفة.. وأنا قلتها صريحة أنا مش مرحبة بعلاقتهم بس بعد أي حاجة ميكا دي بنت قلبي وتربية إيدي وهفضل أحبها زي كارما بالظبط.
احتدت ندى تجيب معترضة: بس يا طنط هما بيحبوا بعض أوي وده مش حل أبداً... ده ممكن يكون باب لنار كتير قدام و...
قاطعتها مليكة تقول: ندى.... طنط ناهد معاها حق في كل كلمة... لعلمك ساعات الخبرة بتفرق... هي من الأول كانت شايفة اللي إحنا مش شايفينه.
ناهد: برافو.. هي دي ميكا.
سحبتها من على مقعدها تنظر لها بتقييم تقول: ماشاء الله... طالعة قمر يا روحي... طول عمرك جميلة.. والله مستخسراكي في الغربة.
ابتسمت مليكة بشحوب فقالت ناهد: يلا بقا ننزل العريس تحت قاعد على نار.
تقدمت تخرج بها من الغرفة كلها وندى تردد: ربنا يستر.
عند عامر كان يجلس متحفز يكمل حديثه: نبقى أهل إزاي يعني؟
جابر: إنت مش عندك خبر ولا إيه يا عامر؟ إحنا جايين نطلب إيد بنتكم مليكة لابني عدى وأنا كلي شرف وفخر بكده مليكة بنت جميلة ومؤدبة.
أخذ ينفض رأسه كأنه لا يصدق وقال: لا ما علش... قول تاني كده يا جابر بيه... تخطب مين؟
جابر: بنتكم مليكة.
عامر: ومين قال إن مليكة بنتي... هي مش بنتي أبداً... مليكة تبقى ح....
قاطعه دخول ناهد التي تحدثت بصوت مرتفع قليلاً لتوقف حديث ابنها: يا أهلا يا أهلا... البيت نور يا جابر بيه.
نظر لها عامر بغيظ ثم اتجه بنظره ناحية حبيبته ينظر لها بغضب... مرتدية فستان أسود مرصع بنجوم بيضاء.. قصير حتى ركبتيها يظهر صدرها وذراعيها... ترفع شعرها عالياً مظهر بياض وروعة عنقها الطويل.
كل هذا الجمال أمام الجميع.. والأدهى أن كل هذا الجمال وكل تلك التحضيرات لمقابلة ذلك السمج كي يقوم بخطبتها.... كي تصبح له.
نظراته تزيد اشتعال والتهاب وهي شعرت أنها ستحترق من لهيب نظراته.
توارت قليلاً خلف ناهد تشعر كأنها تفعل شيئاً خطأ... كأنها مثلاً تخون زوجها.
كل ذلك وعدي حقاً مسحور.... تلك الجنية ستكون من نصيبه... كم هي جميلة.. بل مذهلة.
التقط كفها بيده وقال: عاملة إيه؟
ابتلعت ريقها بصعوبة تتحاشى النظر ناحية منبع النيران ذاك وقالت: الحمد لله.
وأيضاً تتحدث بصوت رقيق... اشتعلت نيران عينيه أكثر وأكثر ينظر لها بوحشية.
ناهد في موقف لا تحسد عليه إطلاقاً... حاولت تهدئة الوضع وقالت: اا.. اقعد يا عامر يا حبيبي... واقف ليه.. واقفين ليه يا جماعة... اتفضل يا جابر بيه.. اتفضل.
أغمض عينيه يأخذ نفس عميق... حسناً فقط سيتصرف هو.. ولينهي ذلك اليوم دون إثارة مشاكل أو كوارث.. سيتحمل بالتأكيد... لطالما كان عامر الخطيب دبلوماسياً إلى أقصى حد.
جلس بهدوء يحاول أن يتحلى بالصبر والحلم.
جلس عدى وجابر وناهد أيضاً وهي اتجهت لتجلس على المقعد الوحيد الشاغر.
نظر لها بحدة وهو يجد ذلك المقعد بجوار عدى.. تحدث بوحشية قائلاً: رايحة فين.
نظراته حقاً قاتلة.. قطعتها أرباً.. تخشبت في موضعها لا تجيب فقالت ناهد: هتقعد يا حبيبي.
عامر بوعيد: لا تعالى اقعدي جنبي.... يا بنوتي.
قال الأخيرة وهو يصطك على أسنانه... الموقف برمته صعب ومحتدم ولكنها حقاً تريد أن تضحك.. جذب ذراعها يجلسها لجواره.. يلصقها به.. جابر يراه يعاملها كابنته ولكن عدى لا... عدى يشعر بكل شيء... لكنه لم يرد خلق أي جدل أو مشاكل من الآن... صمت قليلاً حتى يظفر بها.
في تلك اللحظة دلفت توتا ومعها القهوة تقول: ألف ألف مبروك.. والله أنا نفسي أعمل شربات بدل القهوة.
عامر بحدة ونظرات قاتلة: شربات لأيه إنتي كمان.
توتا: الله يا عامر باشا مش النهاردة خطوبة ميكا على سي عدى باشا.
عامر: والله عااال... ده الكل عارف... روحي إنتي على شغلك.
مالت توتا على مليكة تقول بخفوت: هو ماله مضايق كده.
رغماً عن مليكة فلتت ضحكتها فنظر لها عامر بغضب وتوتا تكمل بصوت واضح قليلاً: أما صحيح عيلة تراللى.. الفرح مايعرفش طريقهم.... لولولولولولولولى.. يا ألف نهار أبيض.
عامر: يا محمددددد.
حضر محمد في الحال.. ليس على صوت نداء عامر الغاضب وإنما على صوت (الزغاريد) التي أطلقته تلك المجنونة ورج كل نواحي البيت.
محمد: الله يخربيتك.... الله يخربيتك... إنتي طينتك إيييه؟
توتا: ياساتر يارب... بقا أنا بوجب مع البنية وإنت بتعمل كده.
عامر: يا أخي هديك أنا الـ 60 ألف جنيه بس مشيها وارحمني منها.
محمد لتوتا بغضب: على شغلك.
توتا: لا استنى... اتجهت لعامر تقول بفرحة وحماس: هتدفعهمله بجد.. يعني أمشي أنا وأختي؟
عامر: خدها من قدامي يا محمد والله هرتكب جريمة.
جابر: هو إيه اللي بيحصل هنا ده؟!
ناهد بحرج: إحنا آسفين والله.. اااههههه.. هما بس بيحبوا ميكا أوي وحبوا يفرحوها يوم خطوبتها.
عامر: خطوبة إيه يا أمي؟
نظر محمد لتوتا التي وضعت صنية التقديم بأحضانها ووقفت تشاهد ما يحدث كأنه فيلم سينمائي وقال: على المطبخ يا جربوعة وحسابي معاكي بعدين... امشي.
نظرت له بسخط وذهبت سريعاً تدب الأرض بقدميها وهو يراقبها بنظراته غير منتبه على تلك الحرب المشتعلة.
تحدثت ناهد تقول: خطوبة مليكة يا عامر.
تدخل جابر في الحوار وقال: عامر.. هي الانتخابات أثرت عليك ولا حاجة.. أنا عارف إن عقلك مشغول بحاجات كتير بس ده إحنا لسه قايلين الكلمتين أكيد ما لحقتش تنسى يعني.
لكزت ناهد محمد برفق فانتبه وتدخل قائلاً: اا... اعذروا.. اعذروا يا باشا.
أصله لسه عارف دلوقتي... والله والله والله عنده اجتماع مع رؤساء تحرير أكتر من 20 مجلة وجريدة دلوقتي.. الدنيا متلتلة فوق دماغه.
لم يقتنع جابر... لكن أمام رغبة ابنه بتلك الفتاة والتي يراها حقاً مناسبة وتستحق ابتلع كل ذلك وتصنع التفهم قائلاً: مفهوم مفهوم.. كان الله في العون... نقرأ الفاتحة؟
عامر: نعم؟
جابر بغضب مكبوت: الفاتحة يا عامر يا ابني.
نظر بغضب وتحذير تجاه مليكة وقال: مش لما ناخد رأي العروسة الأول.
نظرت له.... داخل بؤبؤ عينيه وقالت: اللي تشوفه يا أبيه.
ارتعشت شفتيه بغضب.. يمنع لسانه بصعوبة عن التفوه بكلمات بذيئة الآن... هو من اختار طريق العقل والرزانة... ليكمل به إذن ويتحمل.
أنقذت ناهد الموقف و تحدثت بفرحة: يبقى نقرا الفاتحة.
رفع الكل أيديهم يقرأون الفاتحة وهو فقط ينظر لها بغضب.
انتهى جابر قائلاً: اااااامين... مبروك يا ولاد.
طاقة احتماله انتهت حقاً... لقد حاول التحكم ولكن لكل بني آدم طاقة وطاقة تحمله انتهت.
وقف فجأة يقول: بعد إذنكم.
سحبها بيده وغادر والكل ينظر له بتفاجؤ.. ابتسمت ناهد بشحوب تقول: ااصله... ااصله شايلها هدية كبيرة لليوم ده.. وراح يوريهالها.
ابتسم محمد بحرج مؤكداً وجابر غير مرتاح أبداً هو وابنه.
صعد بها لغرفتها وأغلق الباب بعنف يقول: إيه اللي حصل ده... أنا عايز أفهم.... انطقي.
قال الأخيرة بصراخ جعلها ترتعب فصرخ مجدداً: ما تتكلمي ولا لسانك مش بيعرف يقول غير اللي تشوفوه يا أبيه.... أنا أبيه.. أنا؟!
تحدثت بخوف تقول: أيوه أبيه... وهتخطبي لحد تاني... هخليك تحس كل اللي خليتني أحسه وإنت شايفني بحضر خطوبتك... هخليك تحضر خطوبتي ومش بس كده ده إنت اللي هتحضر الحفلة كمان وتدفع التكاليف... هخليك تقف مكاني أشوفك وإنتي بتلبسيني دبلتك زي ما وقفتني أشوفك وإنت بتلبس واحدة غيرك دبلتك... هكمل وأعيش مع واحد مش محروج ولا مكسوف مني.
كان يستمع لها بقلب مفطور... لم يكن على حاله... بل عليها هي... وضعها بكل تلك الظروف... هو من حول مليكة التي جاءت إليه تعترف بحبها.. من فعلت وتحملت لأجله الكثير إلى تلك مليكة التي تعبت ويأست من كل شيء... مليكة التي كانت راضية لأي شيء منه حتى لو صغير.. تعبت واكتفت.. بل وتحولت... هو من فعل كل هذا... لأول مرة يدرك فداحة ما فعل... بالبداية كان يشعر بأن كل ما يخطط له شيء لا يعقل ولا يصح.. لكنه الآن أدرك أن مليكة قلبه تستحق كل ذلك.
تقدم منها يجلس بجوارها... مد يده يتلمس وجنتها.
ابتعدت بخوف فاغمض عينيه وقال: أنا آسف... حقك عليا.. أنا اللي حولتك وغيرتك كده.. فكرت في كل حاجة وكل الناس إلا حبي ليكي وحبك ليا.. بس والله أنا مش ساكت وبكرة تعرفي.
نظرت له بصمت.. أقسمت لن تذوب مجدداً بين يديه وتؤثر بها كلماته... ستظل على موقفها.
عندما قابله الصمت قال باستجداء: مليكة عشان خاطري بلاش توافقي... خطوبة يعني عيلتين وعلاقات ممكن تدمر.. ارفضي من البداية عشان خاطري يا حبيبتي.
مليكة: بس أنا خلاص وافقت وقرينا الفاتحة.. مش هرجع في كلامي... إنت إلى سبق واخترت هديل... إنت إلى ساعدتني أصلاً آخد القرار ده.
عامر: أنا؟!
مليكة: أيوه... لما اتحرجت مني قدام صحابك.. لما خطبت هديل.. لما تاخدها معاك كل المناسبات.. وحاجات كتير أوي.. إنت بكل ده كنت بتقولي خد قرارك أنا مش بحبك.
عامر بلوعة: لا يا مليكة أنا بحبك... بحبك أوي... ما أقدرش أستغنى عنك.
لم تجب مجدداً فقال: ماشي يا مليكة.
استدار ينوي المغادرة.. تحرك خطوتين.
لكنه فجأة استدار جذبها لصدره... يطبق ضلوعه عليها يقبلها بلهفة لا يقوى على الابتعاد.
وتلك التي عاهدت نفسها على عدم التأثر به.. ذابت بين يديه مجدداً... ابتسم من بين قبلاته وهو يشعر باستجابتها.. فصل قبلته يضع جبينه على جبينها قائلاً: إنتي بتاعتي يا مليكة... وهرجعك ليا مهما حصل.. ماحدش هياخدك واعتبري ده وعد من عامر الخطيب.
***
وقف توفيق أمام شقة نجلاء بمنتهى الثقة يدق الباب.
فتح له رجب وهو!!
وهو يرتدي سروال شعبي بيتي من القطن الأبيض وفوقها تيشرت قطن (فانلة بيضة).
اتسعت أعين توفيق يقول: إيه اللي إنت عامله ده يا جدع إنت.
وضع رجب إصبعه بأذنه يداعبها قائلاً بكسل وخمول يقصده: في حاجة يا هندسة؟
توفيق: نعم... إنت إيه اللي مقعدك كده من غير هدوم وكمان قايم تفتح الباب.
رجب: هههع.. طب ده أنا حتى كده لبست عشان أفتح الباب.
توفيق: نععععععم.. وإنت أصلاً إيه اللي مقعدك هنا لحد دلوقتي.. وفين مراتي.
أدخل رأسه من الباب ينادي عالياً: يا نجلاء.... نجلاء.
احتدت أعين رجب وقبض على عنقه يخرج رأسه ثانية للخارج كما كان وقال: حسك ما يعلاش هنا.... وبتنادي على الست بتاعتي ليه ولا بأمارة إيه يا باف إنت.. حد قالك إنها متجوزة اعتماد؟
توفيق: لاااا.. إنت الظاهر نسيت نفسك ونسيت اتفاقنا.
رجب: بخ.
توفيق: نعم؟!
رجب: زي ما سمعت... بخ... كان فيه وخلص.
توفيق: معناه إيه الكلام ده؟!
رجب: والله يا هندسة المعنى واضح بس البعيد غبي ودغوف حبتين... الست اللي جوة دي مراتي.. والبيت ده بقا بيتي خلاص... إنت كنت مأجره حبي كده من غير لا عقد ولا ورق... أنا رحت لصاحبة البيت وكتبت عقده.. بقا يا راجل يا واطي يبقى عندك شقة ملك ومقعدها في الإيجار! غور.. غور من وشي.
على صوت توفيق يقول: بقولك مش ماشي.. يا نجلاء.. نجلااااء.
خرجت بجلباب البيت لترى ما مصدر تلك الجلبة.
نظر لها توفيق بانبهار.. لأول مرة يلاحظ كم هي جميلة... بل وزادت إشراق وجمال.
لاحظ رجب نظراته المسلطة على شيء ما خلفه فنظر لها واشتعل غضبه يصرخ بها: اخشي جوه واستري نفسك.
انصاعت لأمره سريعاً واختفت بالداخل.
وتوفيق مصعوق... تنفذ أمره سريعاً.. تتمثل له وتختبئ منه هو؟!
رجب بغضب شديد: وإنت...
غور من هنا مش عايز أشوف وشك تاني.
دفعه بغضب وأغلق الباب بوجهه ثم اتجه لها بغضب شديد.
فتح باب الغرفة يقول: إيه اللي عملتيه ده... خارجة بجلابية البيت وبشعرك... اسمعي يا بت الناس أنا الكلام ده ماينفعنيش والراجل ده بالذات ما يلمحش طرف جلابيتك تاني... سامعة.
كانت تستمع له بانبهار تهز رأسها قائلة: سامعة.
أما توفيق
خرج من البناية كلها وكأنه أخذ مئة ضربة وضربة فوق رأسه... اتجه في الحال لبيت شقيقه شكري يطلعه على الوضع وكيف احتال رجب عليه.
***
صباح يوم جديد... استيقظت مليكة تبتسم لا إرادياً... تتذكر قبلته وحديثه لها أمس.
وجدت الباب يدق ودلفت كارما تقول: ميكا ميكا.. اصحي.. عايزاكي في حوار.
في نفس الوقت... دق هاتفها وكان المتصل ريتال صديقة جودي.
قالت لكارما: طب ثواني هرد بس على الفون.
كارما: ماشي بس في الإنجاز... الموضوع لا يحتمل.
مليكة بتوجس: استر يارب.
فتحت الهاتف تجيب: أيوه يا ريتا.
ريتال: ميكا ياميكا.. صباحوا.
مليكة: صباحوا... متصلة بدري كده ليه.
ريتال: أنا وجودي عايزينك في حاجة شريرة.
ابتسمت مليكة بحماس: الله... اقفلي أنا جايه.. طالما فيها شر أنا جايه.
أغلقت معها الهاتف ونظرت لكارما التي قالت هي الأخرى: أنا كمان عايزاكي في حاجة شريرة.. أو بمعنى أصح.... مصيبة.
زاغت أعين مليكة تتمتم: الله يكون في عونك يا عاموري.
أما بغرفة المكتب عند عامر كان يتحدث في الهاتف مع شخص ما يقول: كله تمام.
الشخص: تمام يا باشا.
عامر: نفذ.
ثم أغلق الهاتف يأخذ نفس عميق بارتياح.
أما تحية فوقفت في الشركة أمام البوفيه تلهث: ده كأنهم شايلين شغل سنين ومحوشينه ليا أنا وأختي لما نيجي... ذنبي إيه أجى بدري أحضر لاجتماع البهوات.
وجدت فريسة الأمس ظهر لها من العدم يقول بابتسامة غير مطمئنة بالمرة: صباح الخيييييير.
نظرت له بتوجس لا تعرف ماذا تقول... هل كشفت؟
رواية انصاف القدر الفصل السابع والعشرون 27 - بقلم سوما العربي
وقف توفيق مع شكرى على أعتاب شقة خالد، شقيق نجلاء، يدقان الباب.
ثوانٍ وفتح خالد الباب قائلاً: "يا أهلاً يا أهلاً.. أهلاً يا حاج شكرى... اتفضل.. اتفضل يا توفيق."
دلف الرجلان بملامح يابسة صلبة، خصوصاً شكرى.
خالد بحفاوه: "ده إحنا زارنا النبي... تشربوا إيه."
صمت شكرى، كأنه يُميت محدثه بهدوئه القاتل. ينظر له من أعلى لأخمص قدميه، ثم يتحدث ببطء: "قهوة... مظبوط يا خالد... أصلي أحب كل حاجة تبقى مظبوط."
ابتلع خالد ريقه بصعوبة وقال: "طول عمرك... طول عمرك يا حاج."
تحرك خطوتين واختفى بالداخل يوصي بالقهوة، ثم عاد ثانية مرحباً. كثرة ترحيبه تظهر مدى ارتباكه.
خالد: "منورين... منورين والله."
شكرى: "خالد... أنت عارف إحنا جايين في إيه؟ أنا عايز أعرف إنت إزاي سكت على سفر أختك مع رجب كل ده؟ أديلهم مدة مسافرين... دول ولا اللي بيعملوا شهر العسل اللي بنسمع عنه في التليفزيونات ده؟ طيب وخلص، ولو إنه غلط بس هعديها بمزاجي. جم من السفر والمولد انفض. إيه بقا... مش هنفضها سيرة وعيشة ترجع لأم الخير؟!"
خالد... نظراته مرتبكة، غير واثقة وغير ثابتة، مهتزة. لطالما كان مهتزاً. شكرى كلماته قوية وفي الصميم.
حاول التحدث قائلاً: "عداك العيب... أنا عارف إني انشغلت حبتين المدة اللي فاتت... أصل جالي مدير جديد في الشغل، وإنت سيد العارفين... الغربال الجديد له شدته."
شكرى: "ده إنت موظف حكومة يا خالد... يعني بتبدأ شغل عشرة... على ما تفطر وتاخد الشاي وتقلّع الجزمة تهوي رجلك تحت المكتب تكون بقت 12... واحدة ونص بالظبط بتكون قايم تمضي انصراف. وكده ولا كده أنا مش جاي أسمع له كلام ولا أعذار. أنا جاي أحط النقط فوق الحروف. الجدع ده اللي اسمه رجب إيه اللي في دماغه بالظبط ولا ناوي على إيه؟ ده عمل عقد الشقة باسمه وسمعت إنه عارض على صاحب البيت يشتريها. الجدع ده كان بينيمنا ولا إيه؟ أنا عايز أفهم."
كل ذلك وخالد تحت السيطرة التي تفرضها هيبة شكرى. يتسمع ويهز رأسه المنكسة فقط.
وتوفيق... صامت. لم يتحدث. لقد ذهب على الفور لشكرى كي يتحدث ويتحمل هو الموقف برمته.
وقف شكرى على الفور وقال بحزم: "غير هدومك دي يالا وقوم بينا."
وقف خالد مهتزاً، متلجلجاً: "على فين يا حاج."
شكرى: "هنروح لرجب المحل نتكلم معاه ونشوف آخرتها. مش على آخر الزمن هيتلعب بينا. قوم يالا... أنا مستنيك تحت أنا وتوفيق."
خالد: "والقهوة؟"
نظر له شكرى نظرة تعني الكثير وقال: "إحنا في إيه ولا في إيه... يالا قوام وإنجز."
***
خرج من مكتبه يبحث عنها. ما زال يتذكر قبلتهم ليلة أمس. يحبها من كل وجدانه، يشعر أنها جزء منه. هي من خُلقت من ضلعه، هي نصفه الثاني.
أين هي تلك السارقة المحتالة؟ من سرقت قلبه وكل عقله.
وقف على باب الغرفة بعدما اصطدم بمحمد، الذي وكأنه يبحث عن شيء حوله، غير منتبه لما أمامه.
عامر: "مش تفتح يابني."
محمد: "معلش ماخدتش بالي."
عامر: "مالك كده... بتدور على حد."
محمد: "هااا... ااا... عايز قهوة... هي توتا فين."
رفع عامر حاجبه قائلاً: "هي القهوة ما بقتش تتشرب غير من إيدها ولا إيه؟ وبعدين مش هي اسمها تغريد برضه."
محمد بعينين زائغتين: "ا. اه. اه."
عامر: "أمال إيه توتا توتا دي؟ بقولك إيه يا محمد، لعب العيال اللي إنت بقالك يومين فيه ده لازم يخلص."
محمد: "لعب... لعب إيه."
عامر: "إنت عارف... البنتين اللي جايبهم وتقريباً خاطفهم... إزاي تعمل كده ومبلغ إيه اللي إنت متحجج بيه ده."
محمد: "عامر أنا..."
قاطعه قائلاً: "إنت إيه؟ مش شايف إن كل دي حجج فارغة؟ عاجباك؟"
اتسعت عينا محمد وردد مجدداً: "انطق.... عاجباك؟"
صمت قليلاً، يحارب ذلك الصراع الذي بداخله، وعامر ينتظر الإجابة.
صمت خيّم عليهم إلى أن رفع محمد وجهه وقال: "عجباني... بس مستحيل. أنا محمد الخطيب ودي عيلة نصابة... مش هينفع."
صدم عامر، صدمة عمره. لطالما تأكد أنه سيأتي اليوم الذي ينهار به قلب محمد ويقع للحب، ولن يهتم لأي شيء، لا بمظهر اجتماعي أو أي فوارق. لكن حقاً الطبع غالب.
نظر له ثوانٍ باشمئزاز وتقزز، ودون أي حرف واحد ترك له المكان. سيندم كثيراً وهو يعلم.
ذهب حيث طاولة الطعام وتغريد تضع آخر صحن من يدها على الطاولة. نظر لها بتعاطف كبير وقال: "صباح الخير يا تغريد."
استدارت بزهول تقول: "صباح الخير يا أخويا... مانت حلو أهو وبتعرف تصبّح."
عامر: "وحد قالك إني أخرس مثلاً."
تغريد: "لا والنبي الشهادة لله إنت شكلك طيب وابن حلال."
ابتسم ابتسامة صغيرة وقال: "فين الجماعة؟ فين مليكة."
ابتسمت بمكر: "هروح أناديهم دلوقتي."
نظر لها بسخط. لم تجب على أهم جزء. ابتسمت تلك المخادعة وقالت تلاعب حاجبيها: "خرجت من شوية هي وست كارما... ما تقلقش، كانت لابسة فستان طويل ورابطة شعرها."
نظر لها بصدمة. من أين علمت؟ دارت حوله تغادر وهي تدندن: "بنحب يا ناس... نكذب لو قولنا ما بنحبش... بنحب يا ناس وماحدش في الدنيا ما حبش... ههئ.. حتى عامر الخطيب."
رغم عنه ابتسم يحدث نفسه: "غبي يا محمد... وهي خسارة فيك أصلاً."
***
جلست في إحدى المقاهي الشهيرة تستمع إلى حديث جودي وريتال، تفكر بعمق. إلى أن قالت: "بصي إحنا لازم نأدبه، وكمان نكسب وقت."
جودي: "إزاي بس."
فكرت أكثر وأكثر إلى أن رفعت هاتفها وقالت: "استنوا هكلم ندى."
قامت بالاتصال بندى: "الو... إزيك عاملة إيه... هو مازن خلاص بقى في مستشفى هنا في القاهرة مش كده."
ندى: "آه ليه؟"
مليكة: "تعاليلي عشان عايزينه في حوار، وماحدش هيقنعه غيرك."
ندى: "مش عارفة تيتا هتسبني أخرج دلوقتي ولا لأ... أنا قاعدة عندها اليومين دول."
مليكة: "لا بصي بجد اتصرفي عشان خاطري."
ندى: "تمام، هحاول. اقفلي انتي."
أنهت الاتصال وكارما تجلس أمامهم تشاهد كل ما يحدث قائلة: "إنتي ناوية على إيه؟"
مليكة: "هقولكوا."
***
جلس رجب على مقعد أمام محل الجزّارة خاصته، يتكئ عليه يدخن أرجيلته... يتمطى بظهره، يستند على يديه، يشعر كأنه ملك زمانه بكل ما تعنيه الكلمة من معنى.
يرفع رأسه، يخرج من فمه وأنفه دخان الأرجيلة عالياً بشموخ. هو حقاً ملك. كل ما أراده... وماذا يريد بعد أن اجتمع أخيراً مع سيدة قلبه وأحلامه.
تقدم سيد منه قائلاً: "هل هلالك شهر مبارك... إيه يا رجب؟ فينك غايب عننا كده."
رجب براحة كبيرة وزهو: "موجود يا صاحبي."
سيد: "شكلك مبسوط... باين على وشك."
رجب: "إنت جاي تقر عليا بقى ولا إيه."
سيد: "يا عم ولا أقر ولا حاجة... أنا جايلك في حاجة تانية بصراحة."
رفع حاجبه بتوجس يراقب توتر صديقه وقال: "هممم قول، أنا سامعك."
رغم شخصية سيد القوية، إلا أنه ازداد توتراً من طريقة رجب وقال: "بصريح العبارة كده... أنا جاي أديك خبر إن كتب كتابي على الست حكمت بعد بكرة."
أخذ رجب نفساً عميقاً من أرجيلته وزفره على مهل عالياً وقال: "آه جاي تعرفني يعني."
سيد: "رجب إنت عارف أنا راجل دوغري... أنا مش بعمل حاجة غلط... وما تاخدهاش من الناحية دي. اعتبرني صاحبك وجاي أعزمك على كتب كتابه يا جدع."
نظر له رجب بثبات ثوانٍ ثم قال ووجهه لا يبدو عليه أي رد فعل: "مبروك يا سيد."
فهم سيد على الفور. طالما لم ينهِ كلماته كما اعتاد منه بـ (يا صاحبي) يعني أنه لم يصفُ بعد. صمت. لقد فعل كل ما عليه. صبر كثيراً وأعطاه وقتاً كي يستوعب الموقف. هي امرأة مطلقة وهو رجل أرمل... لما لا يتزوجا؟ وإن كان هو فعل الأكثر من ذلك للفوز بالسيدة نجلاء... لا حرج عليه إذا.
وقف من المقعد المجاور لرجب يقول: "ماشي يا صاحبي الله يبارك فيك... همشي أنا... لو احتجتني هتلاقيني... سلام."
رجب بهدوء: "سلام يا سيد."
ذهب سيد وهو يأخذ يعيد محاسبة حاله. لابد وأن يتقبل الموضوع. هذا حقها وحق سيد.
استمر في تدخين أرجيلته بشموخ يفكر، إلى أن شاهد من بعيد اقتراب ذلك السمج برفقة أخيه شكرى وخالد شقيق نجلاء.
زم شفتيه جانباً بسأم واستمر على وضعه... كما هو، يدخن بشرود ظاهرياً، لكن بداخله يستعد لتلك المواجهة.
تقدموا حتى أصبحوا أمامه وهو على جلسته، يضع قدم فوق الأخرى. ملامح وجهه لا تفسر.
ينظر لهم وهو هكذا كأنه يقول: "هات ما عندك."
بالطبع من سيتحدث هو شكرى، الوحيد الذي لديه تلك الجرأة والقوة: "مش لما يجيك ضيوف تقف تستقبلهم يا رجب."
زفر الدخان من أنفه على مهل... ثم وضع المبسم جانباً، يقف بتروٍ على مهل، كله شموخ وقوة، إلى أن مد يده لشكرى يقول: "وأنا هقوم لاعز منك يا حاج شكرى... خطوة عزيزة... اتفضلوا."
شكرى: "نتفضل فين يا معلم."
رجب: "ما طرح ما تحط رجلك هتنور... عايز هنا في المحل ماشي."
صمت برهة ثم استأنف حديثه يقول عن عمد: "عايز تطلع فوق في بيتي ماشي... بس... ثانية بس أدي خبر للجماعة عشان يفضوا السكة."
اشتعلت عينا توفيق وصرخ به: "إنت اتجننت ولا رافع حبيتين؟ ده بيتي أنا واللي فوق دي تبقى مراتي."
بدون أي مقدمات، ركل رجب الأرجيلة بقدمه، يصرخ وهو يتقدم منه يقول: "مرات مين يا عين أمك."
اشتعلت عينا شكرى وهو يراه يذكر سيرة والدته، وأيضاً يقبض على عنق شقيقه.
شكرى بصوت جهوري: "رجججب... إنت اتجننت ولا إيه."
تجمهر البعض على صوت الشجار وتقدم سيد سريعاً من ورشته يفصل بين رجب وتوفيق، يزيل يد رجب من على رقبة الآخر بعدما بدأ وجهه بالشحوب.
سيد: "رجب.. إنت اتجننت... الجدع هموت في إيدك."
رجب: "وهقطعه له لسانه اللي جاب سيرتها بيه كمان."
شكرى: "لا ده انت اتجننت بجد بقى يا رجب."
رجب: "حاج شكرى الزم حدودك."
شكرى: "ولو ما لزمتش هتعمل إيه يعني يا رجب."
احتد الموقف كثيراً فتدخل سيد: "استهدوا بالله يا جماعة مش كده."
أخيراً نطق خالد يقول: "إنت مش كنت حاضر يا سطى سيد وشهدت على اتفاقنا... الاتفاق إنه يبقى محلل مش يكمل في الجوازة."
صمت سيد لا يجد رد، بينما تحدث رجب: "كان فيه وخلص، والاتفاق ده اعتبره لاغي."
شكرى: "يعني إيه لاغي؟ هو لعب عيال."
رجب بغضب: "أنا لسه محترم سنك ومقامك يا حاج مش عايز أزعلك."
شكرى: "وهتزعلني إزاي يا رجب؟ أنا عايز أعرف."
تدخل سيد مجدداً: "استهدوا بالله، استهدوا بالله يا جماعة مش كده... وإنت يا حاج شكرى خد أستاذ توفيق واستاذ خالد دلوقتي... مش عايزينها تقلب بخناقة."
شكرى: "تقلب زي ما تقلب يا سيد... مش إحنا اللي هنتقرطس ونتخرس كمان."
تقدم الشيخ منتصر يقول: "وحدوا الله... وحدوا الله يا جماعة الخير. في إيه بس."
سيد: "الحقنا يا شيخنا... أنا مش قادر عليهم لوحدي."
وضع منتصر يده على كتف شكرى يقول: "إيه ياحاج صلى على النبي كده في قلبك."
الجميع: "عليه الصلاة والسلام."
منتصر: "إحنا نهدا دلوقتي وبإذن الله نتجمع ونعمل قاعدة نحل بيها الخلاف ده... مش عايزين حد يقع في النص لو نقدر نلم الدنيا نلمها، ولا إيه يا حاج شكرى."
شكرى: "وإنت شايف إن ده شكل ولا طريقة واحد ناوي يلم."
نظر منتصر تجاه رجب وقرأ بعينه الكبر والتمادى بما هو به، لكنه قال: "خير... خير إن شاء الله... مش عايزين الموضوع يكبر... يالا استهدى بالله وخد أخوك واستاذ خالد وروحوا دلوقتي."
على مضض تحرك من أمام ذلك الرجب وخلفه توفيق وخالد.
ورجب ينظر لأثرهم بغضب. لن يتركها مهما حدث.
***
وقف سامح أمام تحية ينظر لها بمكر وانتصار، وهي مصدومة. كيف لم تنتبه بأن هاتفه خاصية التتبع؟ يمكنه تحديد مكان السارق.
لا تعلم بماذا تجيب ولا ماذا تفعل. لا تعلم لماذا يحدث معها هكذا هي وشقيقتها هذه الأيام.
تحدثت بصوت هامس ساخط: "ما طول عمرها ماشية معانا زي السكينة في قلب الحلاوة، مش عارفة منحسة معانا اليومين دول ليه؟ دي أكيد علامة يامارد."
يستمع لبعض حديثها يقول: "بتبرطمي تقولي إيه يابت."
تحية باندفاع: "بت أما تبتك.. إيه بت دي."
اتسعت عيناه بزهول من سلاطة لسانها وقال: "نعم؟!"
أدركت سريعاً ما فعلت وقالت: "ااا.. إنت تقول اللي إنت عايزه يا باشا."
سامح: "والله... هممم اعمل أنا إيه فيكي دلوقتي."
تحية: "ولا تعمل ولا تغلب روحك يا كبير... خد الموبيل اهو وفوقيها المحفظة بتاعتك كمان."
سامح بزهول: "المحفظة كمان يابنت ال... بجد لساني عاجز حتى عن الوصف."
تحية: "ما خلاص بقى خلصنا، خد حاجتك أهي.... يالا الحرام ما بيدومش."
سامح: "بالسهولة دي... أنا سهل أوي أحبسك على فكرة."
ارتعبت عيناها تقول: "ليه بس يابشا؟ هو أنا كنت عملت حاجة؟ ده حتى الموبيل ما غابش عنك غير سواد الليل، وأهو زي ماهو بحالته. وبعدين ليه.. ليه أقسام وبوليس؟ ما إحنا نوصل للترضيّة اللي تعجبك."
ابتسم سامح بخبث وقال: "أي حاجة... أي حاجة."
تحدثت بلهفة: "أي حاجة يا باشا."
سامح: "حتى لو كان الحاجة دي؟"
تحية: "لو أسد ما عنديش مانع... أنا أبيع نفسي لأول مشترى آت."
ضحك يهز رأسه ثم قال: "حلو... متفقين."
أخرج من جيب بدلته زوجي من العقود يقول: "خدي أمضي."
تحية: "إيه ده؟"
سامح: "ورقتين عرفي."
تحية: "جبتهم منين."
سامح: "مابمشيش من غيرهم."
تحية: "ما شاء الله."
سامح: "هتمضي ولا إيه؟"
تحية بسرعة: "أمضي يا خويا مامضيش ليه؟ مش لو أنا مضيت هتسبيني؟"
سامح: "آه.... أصلك عجبتاني أوي... مزة."
تحية: "إن شاء الله يجبر بخاطرك... أمضي فين بقى."
كان ينظر لها بزهول. من المفترض أن تخاف وترفض حتى لتمثل عليه دور الشرف والنزاهة. لأول مرة يخاف هو بدلاً من أن تخاف منه فريسته.
أشار لها بزهول شديد... تتسع عيناه أكثر وأكثر وهو يجدها توقع باسمها ثم تقول: "خلاص كده... امشي."
سامح بزهول: "عادي كده."
تحية: "آه عادي، إحنا هنفتح عكا يعني."
رفع العقدين بيده ينظر لهما يتأكد من توقيعها، ثم أخذ أحد العقدين يعطيه لها قائلاً: "طب خدي نسختك."
مدت يدها ترجع يده ناحية جسده تقول: "خليه معاك ياخويا... هو أنا هخونك... ده الحاجة في إيدك تزيد."
فكّه وصل للأرض. لا يصدق ولا يستوعب.
تحية: "خد بقى موبيلك اهو والمحفظة... حبايب؟"
من شدة زهوله لم يجيب، فجابت هي عوضاً عنه: "حبايب... أتمسى بالخير ياخويا."
ثم اختفت من أمامه سريعاً وهو ما زال على صدمته من هذه التحية. لم يسبق وقابل لها مثيل. لا يصدق حقاً.
***
يجلس بسيارته وهي لجواره بعدما نفذت خطتها مع جودي. يسير بغضب شديد من كل شيء.
نظرت له بغضب قائلة: "ممكن أعرف إنت إزاي تكلمني كده قدام الناس؟"
عامر: "نعم... وكمان إنتي اللي مش عاجبك؟ يقرب منك كده إزاي وكمان يقولك يا حبيبتي؟ إنتي الظاهر اتجننتي."
عادت تحاول الهدوء تنظر أمامها بصمت، فجأة جعلته ينظر لها بغضب مختلط بالاستغراب.
مليكة... كأنها شخص جديد عليه. يعلم عليه كل الذنب. هو من حولها إلى تلك التي لا يعرفها ولا حتى يتوقع ردود أفعالها.
أغمض عينيه يحاول أن يهدأ وقال وهو يكبت غضبه: "إنتي مش عارفة إني بغير عليكي؟ مش عارفة إنتي إيه بالنسبة لي؟ تروحي سايباه يقولك كده؟ طب اعملي حساب حتى لمشاعري."
نظرت له فجأة بحدة تقول: "وهو إنت كنت راعيت مشاعري عشان أنا أراعي مشاعرك؟ ولا هو الكبار بس اللي عندهم مشاعر."
صمت. لم يجد ما يقوله.
صمت قليلاً ثم جذب يدها، يشبكها بيده، يقبلها ثم يضمها له قائلاً: "حقك عليا... هصلح كل ده."
جذبت يدها من يده تقول: "سيب إيدي... أنا مش زيك أبقى خاطب واحدة وماسك إيد واحدة تانية. أنا دلوقتي مخطوبة يعني على اسم راجل تاني."
احتدت عيناه يصرخ: "إنتي بجد اتجننتي؟ إنتي بتقولي إيه؟"
مليكة: "زي ما سمعت يا أبيه."
توقف أمام باب القصر يقول: "ماشي يا مليكة أنا هفضل ماسك نفسي عنك لحد بس ما كل حاجة ترجع زي الأول... أرجعك ليا وبعدين نتحاسب."
لم تهتم أو تعير حديثه انتباه. اعتادت وسئمت من تلك الكلمات التي لا يتبعها أي فعل.
فتحت باب السيارة وخرجت سريعاً تصعد غرفتها، لا تريد مقابلة أو حديث أحد معها. وهو ظل ينظر لأثرها بشرود يغمض عينيه بتعب.
***
جلست تحية تكمل طعامها باستمتاع غير مهتمة بتغريد حينما شهقت تضرب صدرها بيدها على ما قصته عليها أختها تقول بعويل: "يا حزن الحزن.. اتجوزتي عرفي يابنت عبسلام."
توقفت تحية عن الطعام لثانية واحدة، ترفع شفتها العليا باندهاش لانفعال أختها الغير مبرر. هزت رأسها باستغراب ثم عاودت إكمال الطعام.
صرخت تغريد مجدداً: "ردي عليا يابت... إيه اللي هببتيه ده... إنتي عايزة تفضحينا."
تحدثت تغريد وهي تأكل الطعام: "اسم الله ده إحنا لا أهل ولا صحاب.... مقطوعين من شجرة... حتى مانعرفلناش قرايب."
تغريد: "تقومي تتجوزي عرفي؟"
أغمضت عينيها بسأم تجيب: "إنتي هبلة يابت؟ هو الجواز اعرفي دلوقتي بقى جواز بحق وحقيقي.. دي ورقة هبلة قالي امضي مضيت."
صمتت تغريد تقول: "يعني إيه؟"
تحية: "يعني إيش ياخد الريح من البلاط هيعمل إيه يعني؟ آخره إيه؟"
تغريد: "إنتي مستقله بنفسك ده إنتي ملكة جمال وسيد مين يتمناك... أكيد طمعان فيكي إنتي."
تحية بزهو: "هو أنا حلوة آه، هو الصراحة معذور."
وضعت ملعقة محملة بالطعام في فمها وتتحدث: "بس برضه هيعمل إيه... دي ورقة سكّت بيها زي اللعبة كده لما تشتريها لعيل زنان... مش أخدها كبيرة هيعمل إيه؟"
تغريد: "هو مش قالهالك بصريح العبارة كده وعلى بلاطة... إنتي عاجباني... أكيد عايز يطولك."
تحية: "وماله ياختي... خليه يقرب وأنا أصوّت وألم عليه أم محمد واللي يحصلني يفرجني."
زمت تغريد شفتيها وقالت: "مش مرتاحة يا توحا."
وضعت تحية الملعقة من يدها تقول: "أنا مش عارفة هي ملخبطة معانا اليومين دول كده ليه... ما كانت ماشية معانا زي الحلاوة... مش عارفة غفلت كده ليه."
تغريد: "أنا عايزة أمشي من هنا... إحنا عمرنا ما كنا خدامين... نشتغل ونجمعله الفلوس اللي علينا."
صمتت تحية برهة ثم قالت: "عندك حق... هو كده زودها أوي... أنا كمان ما بقتش متحملة... أنا طول عمري أحب الشغل الطياري... ما أحبش أتقيد."
نظرت تغريد للفراغ تقول بشرود: "مش عارفة يابت. بس حاسة إننا خلاص... عيشة الحرية راحت وهنتقيد."
***
وقفت نجلاء تعد الطعام وهي تفكر بشرود... كيف كانت الأمس... وأين أصبحت اليوم.
خلطة عجيبة من المشاعر تجول بصدرها... تحديداً قلبها... الأغرب أنها لا تريد تفسيراً لما هي به... أو مواجهة نفسها.
هل أحبت ورضت بالعيش مع رجب الجزار؟ هل ستترك نهائياً حياة توفيق... والد ابنتها.
وقفتها لإعداد الطعام هذه المرة مختلفة. تعلم وتثق أنه سيثني على طعامها مهما كانت النتيجة.
أغمضت عينيها تبتسم وهي تستمع لصوته يقول: "اللهم صلى على سيدنا محمد... إيه الروايح الحلوة دي."
لم يخيب ظنها يوماً منذ تزوجا. ابتسمت بمرارة تتذكر توفيق. كان دائماً يذم طعامها ولا يحبه... حتى لا يقدر أنها تعبت به حتى لو لم يعجبه.
وضعت تلك الملعقة من يدها واستدارت له تقول: "حمد الله على السلامة."
رجب: "الله يسلمك يا ست البنات."
شعرت أن به خطب ما. نظرت له بحيرة وقالت: "مالك... في حاجة مضيقاك."
ابتسم براحة وقال: "والله وبقيتي تحسي بيا."
ابتسمت بحرج تنظر أرضاً. رفع وجهها بيده ينظر لها قائلاً: "ربنا ما يحرمني منك أبداً."
نجلاء: "طب ما تقولي مالك."
رجب مبتسماً: "ولا حاجة... يمكن أكون جعان... فين أكلك الحلو؟"
ابتسمت بحماس قائلة: "هوا.. ده أنا عملالك برياني تحفة."
رجب: "إيه؟"
نجلاء: "برياني... دوّق بس هتعجبك."
رجب وهو يراقص حاجبيه: "طالما من إيدك يبقى هتعجبني يا عسل."
أغمضت عينيها من شدة الحرج واختفت من أمامه تجلب الطعام... لا تصدق كل ما أصبحت تحياه.
***
مر أسبوع على الجميع، وطوال هذه المدة كانت هديل منشغلة عن الجميع بعادل.
يساعدها في جمع عدد من مهندسي البرمجة بمصر.
بعدها أصبحت المشكلة في إيجاد مكتب ولو صغير لبدء مشروعها من أبجدياته.
أما سيد فقد عقد قرانه على حكمت أخيراً، وهي الآن تجمع أشياءها لتنتقل لشقة سيد الملاصقة لشقتها هي وابنها.
كانت مي تساعدها بجمع أغراضها وهي تثرثر: "قام الراجل أبو حامد مديها بالكف على صرصور ودنها... الولية أم حامد قامت رافعة بالصوت لامّت عليه العمارة كلها... على مجيء حامد من الجيش... آه لو شوفتيه.. بقى قمر."
حكمت: "مش قلت مية مرة ما ترميش ودنك مع الجيران يا مي."
مي ببراءة: "وأنا كنت رميت حاجة؟ بقولك صوتت ولمت الناس."
هزت حكمت رأسها بيأس وذهبت تجلب بعض الأشياء من غرفتها.
استدارت مي تكمل جمع الأغراض... شهقت برعب وهي تجد يوسف يقف خلفها ينظر لها بغيظ قائلة: "مش ترن الجرس؟ مش عارف إن في حد غريب هنا... قول أحم ولا دستور."
يوسف: "والله أنا واحد داخل بيتي... الدور والباقي على اللي مركزة مع الشباب."
مي: "شباب مين يا ضنا."
تقدم منها بغضب يقبض على رسغها قائلاً: "أنا ما قابلتش في طول لسانك حد... إنتي جايبة البجاحة دي منين... أما عيلة ما تربيتيش صحيح."
نفضت يده عنها بعنف... لكن لم تستطع منع ترقرق عينيها بالدمع. كل ما استطاعت فعله بتلك اللحظة هو حبس دمعها بقوة والفرار من أمامه.
ذهبت لشقة والدها وتركته لا يشعر بأي راحة أو نصر بعد سبها وتعنيفها وملاحظته ضعفها... بل ما شعر به كان على النقيض تماماً.
***
أما كارم ونهى فقد فعلت ما برأسها. قامت بتأجيل العرس أسبوع آخر.
جلس كارم بغيظ يقول لصديقه: "دماغها جزمة قديمة... عملت اللي هي عايزاه برضه وكل اللي عليها إننا كده بنستعجل."
عامر: "على فكرة هي عندها حق... إنت نفسك مش عارف تخلص كل ترتيبات الفرح والمعازيم."
ارتفع رنين هاتفه، ابتسم بخبث وفتح الهاتف يقول: "الو... أيوه يا محمد... مالك؟ مصيبة؟ لالا مصيبة إيه وقعت قلبي... طب أنا جاي.. جاي حالا ماتقلقوش."
أغلق الهاتف يقول لكارم: "طب همشي أنا بقى."
أمعن كارم النظر له وقال: "في إيه ياض؟ شكلك عامل مصيبة."
عامر: "أنا؟ إنت تصدق عني كده؟ بقا أنا وش ذلك؟"
كارم: "ده إنت ذلك بذاته."
عامر: "مظلوم يا صاحبي."
وقف كارم يقول: "لا أنا جاي أشوف في إيه، اتحرك قدامي."
بعد مدة وصلا اثنتيهم للقصر. لاحظ وجود سيارة عدي. سب بصوت واضح. لن يبتعد عنهم.
كانت مليكة تجلس معه، لا تشعر بالراحة أو الانتماء له. لم تحبذ يوماً علاقتها به، لكنه حقاً شاب ممتاز، ماذا تريد أكثر من ذلك.
جاءها اتصال من جودي. استأذنت منه وابتعدت تجيب عليه.
في نفس الوقت خرجت توتا تحمل معها القهوة لعدي.
توقفت أمامه تقول بضيق: "القههههوووه."
اتسعت عيناه ينظر لها بخوف يقول: "إيه يابنتى مالك بتقوليها زي ريا وسكينة كده ليه."
توتا: "أهو هو كده.. ينفع."
عدي: "ينفع... ينفع... ياساتر... إنتي مالك مكشرة كده؟ أنا دايماً بشوفك بتضحكي وتملي المكان حواليكي بهجة."
توتا بضيق مما مرت به هي وأختها: "إنت مالك ومركز معايا ليه من الأساس؟ القهوة عندك أهي عجباك اشربها مش عجباك ارميها... ياساتر... هو انتوا كنتوا اشتريتونا."
ذهبت من أمامه بغضب تركته ينظر لأثرها بزهول. عقله مشغول. يريد معرفة سبب ضيقها هذا.
على بعد.
جلست مليكة تتحدث في الهاتف وعامر يقترب منها بغضب. لم ينس ما حدث منذ أسبوع في المشفى، والآن تجلس مع ذلك العدي.
استمع لها تقول لمحدثها: "يانهار أسود. إيه اتكشفنا؟!"
استدارت برعب وهي تستمع لصوته بجانبها يقول: "هو إيه اللي اتكشفتوا؟ عملتي إيه تاني."
رددت بخوف: "أبيه عامر؟!"
زاد غضبه منها: "إيه هي خلاص لزقت في لسانك؟ أبيه أبيه... أنا مش أبيه... أنا عامر بس."
أشاحت وجهها عنه بغضب فقال: "تمام... قولتلك الحساب يجمع... استعدي بقى للمفاجأة اللي جوا."
مليكة: "مفاجأة؟ مفاجأة إيه؟"
عامر: "تعالي وإنتي تعرفي."
سار معها للداخل متجنباً الطريق الذي يجلس به عدي.
دخلا معاً فاستقبلهم محمد بهلع: "مصيبة.. مصيبة يا عامر... إنت لازم تكتب على مليكة حالا."
صعقت مليكة وهي تستمع لناهد تقول هي الأخرى: "ما فيش وقت يا عامر قبل ما بكرة ييجي لازم تكون كاتب عليها."
ابتسم لها جانباً وهي فقط متسعة الفم والعين، ثم قال: "إيه اللي حصل بس يا جماعة."
وقف شاب في منتصف العشرين وقال: "أنا سيف اللي محمد بيه زارعه وسط حملة معتز الموسى الانتخابية. الورقة دي كان ناوي يوديها لكل الصحف بكرة عشان يفضحك."
عامر... وكأنه لا يعلم: "يا خبر... ورقة إيه دي؟"
سيف: "دي ورقة جواز عرفي... باسمك إنت وإنسة مليكة... عايز يسوق سمعتك."
استدار ينظر لمليكة ويبتسم، ثم استدعى الجدية ونظر لهم بغضب يردد: "اتجوز مليكة... العيلة الصغيرة... مستحيل... وبعدين أنا راجل خاطب... خاطب بنت خالتي... لا لا مش ممكن.........."
رواية انصاف القدر الفصل الثامن والعشرون 28 - بقلم سوما العربي
في بيت الخطيب كان الموقف مشتعل.
عامر يعطيهم ظهره يبتسم بخبث وانتصار.
خلفه يقف محمد وناهد يتوسلان له.
كل ذلك وهى متخشبة.. متسيبة.. لا تربط أي حدث بأي حديث ولا تعي أو تستجمع أي شيء... لا تستطيع حقًا.
تحدث محمد قائلاً:
يا عامر... مش هو ده اللي انت كنت عايزه... مش جيت قولتلي بحبها.
كبت ضحكته... يعاني كثيراً كي يرسم ملامح الجدية على وجهه.
تدخلت ناهد:
يابني اسمع الكلام بقا... أنا مش فاهمة انت ليه بتعمل كده... مش جيت قدام الكل وقولت بحب مليكة... إيه اللي حصل... ما إحنا بنقولك اتجوزها اهو.. في إيه بقا.
على حاله هكذا وهو يتلاعب بهم قليلاً باستمتاع. جاء صوت صاحبة الشأن والتي على ما يبدو أنهم قد نسوا أمرها تقريباً... إنها لابد وأن توافق... ولماذا يعتبرونها موافقة مثلاً.
قالت مليكة:
هو انتو بتتكلموا في إيه معلش... أنا عمري ماهوافق.
كان مازال يعطي الجميع ظهره.. هو يتلاعب بهم... لكنه يعلم نبرة حديثها تلك... يحفظ مليكة عن ظهر قلب... تتحدث بجدية شديدة لا تلاعب أو عبث بها.
تخشبت ملامح وجهه واستدار لها يواجهها كالجميع.
قالت ناهد:
إيه اللي بتقوليه ده بس يابنتي.
قال محمد:
هو مش ده اللي كنتي بتغنيلوا حبيبي اه من حبيبي وكنتي نجاة الصغيرة من كام يوم... إيه اللي حصل بقا.
مازال ينظر لها بعينين ثابتة.. تتطلق سهام مشتعلة.
نظرت له... ثم للجميع وقالت:
الكلام ده كان من فترة... بس الظاهر إنكوا نسيتوا إني مخطوبة دلوقتي... عدي شاب كويس وبيحبني.. ماشفتش منه حاجة وحشة.
عادت النظر لاعين عامر تقول:
أنا أكتر واحدة جربت كسرة القلب... يعني إيه أبقى بحب حد ويمشي مع غيري ويسبني... يعني إيه أقدر حد وهو ما يقدرنيش... وعدي شاريني ومن زمان.. جه وقعد واستحمل كل اللي حصل فيه... طلبني وعززني وكرمني... ما عملش حاجة يستاهل عليها إني أمشي وأسيبه.
نسي لعبته... نسي عبثه وتلاعبه بالجميع... تقدم منها بغيرة يقول:
انتي شكلك اتجننتي... انتي واقفة قدامي تقولي كده... جرى لمخك حاجة ولا إيه.
رفعت وجهها بشموخ تقول:
أنا عارفة أنا بقول إيه.. والنهاردة غير امبارح يا أبيه.
قال عامر:
أنا مش أبيه.
قالت مليكة:
أبيه مش أبيه... مش قصتي... أنا اللي عندي قولته.
همت لتغادر فقبض على يديها وأوقفها قائلاً:
هو انتي فاكرة إنه بمزاجك مثلاً.
قالت مليكة:
أمال بمزاج مين.. انت مثلاً.
صك على أسنانه وقال:
آه يا مليكة... بمزاجي أنا... وكل حاجة تخصك بإيدي أنا.
نفضت يده تقول:
وأنا قولت لأ.
نظر حوله لهم... ووجدهم يشاهدون كل ما يحدث... فهم الجميع أنه موافق. كان يتلاعب بهم فقط... المعضلة الآن بمليكة.
مليكة الصغيرة تلك بيدها مصير الجميع.
تحدث لهم قائلاً:
سيبونا لوحدنا لو سمحتوا.
هم الجميع للمغادرة بصمت ولكن تحدثت ناهد:
مليكة... استهدي بالله يا حبيبتي.. انتي دلوقتي في إيدك مصير العيلة كلها.
وأضاف محمد هو الآخر:
اقعدوا مع بعض وياريت نوصل لحل. أنا رايح أتصل بالمأذون عشان يلحق ييجي.
قالت مليكة بغضب:
ما تتصلش بحد.. أنا مش موافقة ومش هوافق.
قالت ناهد:
استهدي بالله يا ميكا.. إحنا هنسيبكوا لوحدكوا وعامر هيقنعك.. طول عمره الوحيد اللي بيعرف يقنعك.. كلم المأذون يا محمد.
استشاطت غضباً من إيقان الكل بتأثيره عليها وأنها حتماً ستوافق صرخت بغضب:
قولت مش هوافق... انتو سامعين.
احتدمت عينيه ينظر إليها لكنه يخاطب محمد:
سيبونا لوحدنا زي ما قولت... وانت يا محمد كلم المأذون.
قالت مليكة:
قولت لأ.
قال عامر:
روح يا محمد اعمل اللي قولت عليه.
تحرك محمد سريعاً ينفذ وناهد صعدت لغرفتها.
وهو يتقدم منها ببطء وغضب.
كل هذا يحدث للعائلة بالداخل.. الكل مشغول بتلك المفاجأة التي قلبت كل الموازين.. والكل متناسي أن عدي يجلس الآن بالقصر.
لكن أين عدي المناويشي الآن ياترى؟؟......
لا يعلم لما أثرت به كلماتها... حزنها الظاهر بعينيها... من أول يوم بعث له محمد رسالة بصورتها وهى لها سحر عليه.
في البداية امتثل لرغبة محمد ولم يجلب أي معلومة عنها سوى عنوانها فقط.
ولكن لا يعرف لما أمر أحد العاملين معه بجلب بعض المعلومات عنها.
لم يكن الأمر سهل... حتى أهل المنطقة التي تقطن بها هي وشقيقتها لا يعلمون عنهما الكثير... فقط معلومات بسيطة عنهما وعن والدهما ووالدتهما... سيرة طيبة... أنهما يعملان بأحد المولات... فقط... هذا كل ما استطاع جمعه من معلومات عنها.
وجد قدماه تسوقانه رغماً عنه ناحية المطبخ من الناحية المطلة على الحديقة.
استمع لشقيقتها تقول:
توتا.. اهدى بقا... مالك اتعصبتي فجأة كده.
قالت توتا:
تعبت وزهقت.. عمالين نقاوح ونناطح في الدنيا بعزم ما فينا واحنا أصلاً ضعاف... عاجبك اللي إحنا فيه ده.
تنهدت تحية وقالت:
ومين سمعك... بنضحك ونهزر لكن القلب من جوا حزين.
صمتت الشقيقتان قليلاً إلى أن أكملت تحية:
بس هنعمل إيه... هي الدنيا كده... ماينفعش نضعف.. لو ضعفنا بان الناس هتاكلنا.. اللي بيقع الناس مش بتسنده يقف لأ دي بتخطى عليه ويمكن تقف على جثته عشان تبان.. مش لازم نضعف أبداً يا توتا.
قالت توتا بحزن:
ياااااه... يعني حتى الدنيا مستكتره علينا الضعف.
قالت تحية:
أيوه يا تغريد.. الضعف مش لينا... ومش عايزة أشوفك كده تاني.
وضعت يدها على الطاولة تستند بوجهها عليه بحزن.
أي حديث لن يصف أو يكفي... تشعر بثقل كبير على عاتقها هي وشقيقتها.
تحدثت تحية:
أنا هروح أغير وأجي.. مش عايزة أرجع ألاقيكي زعلانة والنبي... ده أنا باخد فرحتي وضحكتي منك... عايزين نهونها على بعض يا توتا.
أومأت بوجهها تحاول أن تبتسم... ابتسمت لها تحية هي الأخرى وغادرت بحزن.
مرت عليها لحظات من الصمت والحزن... انتفضت فجأة وهي تشعر بيد تغرس في شعرها.
رفعت وجهها وجدت عدي المناويشي هو من يفعل ذلك... ينظر داخل عينها بنظرة غريبة.
وقفت بسرعة فانسحبت يده تبعاً من شعرها.
قالت بتلعثم:
عدي باشا... في حاجة؟!
قال عدي:
بتعيطي ليه؟
حمحمت بجدية تقول:
لا ما فيش حاجة.. أنا أعيط؟! ... ما فيش الكلام ده.
أغمض عينيه يبتسم ثم قال:
بس انتي كنتي بتعيطي... قوللي فيكي إيه.
نظرت له بضيق وأشاحت بوجهها... لم يكن ينقصها هو الآخر... جاء ليتسلى قليلاً حتى تعود له خطيبته.. جاء إليها هي.
في ذلك الوقت تحديداً.. الجميع يعتبرها هي وشقيقتها سلعة.
لاحظ ضيقها.. بل اشمئزازها منه فقال باستغراب:
مالك يابنتى بتبصيلي كده ليه؟
لن تحتمل.. أو حتى تنمق وتختار عباراتها.... ستقذف الحديث ربما ترتاح.
انفجرت به:
انت عايز إيه... في حاجة ياباشا... القهوة خلصت مثلاً عايز غيرها.. ولا الست مليكة عندها مكالمة وقاعد زهقان قولت تشوف فين البت أم دم خفيف تسليك شوية على ما خطيبتك ترجع... هو انتو إيه... شايفنا مش بني آدمين... اللي ما يتسمى اللي اسمه محمد يجيبنا هنا ويشغلنا خدامين عند اللي خلفوه... عمال يتقرب ويتمحك شوية وانت شوية... إحنا مش خدامين ولا لعبة.. روح شوف سكتك بعيد عني الله يخليك أنا مش أراجوز جايلى أسليك.
كان يستمع لها... يتوقع ويريد أن تنفجر به... هيئتها يبدو عليها أنها تريد الانفجار... تحملت كثيراً وتريد أن تخرج تلك الشحنة السلبية.
لكنه اقترب منها معلقاً:
محمد بيتمحك فيكي إزاي... قرب منك.. غصبك على حاجة؟
قالت توتا بحدة:
ألزم حدودك.. مش أنا اللي أتسأل السؤال ده... ده أنا توتا.
ابتسم قائلاً:
ودى أكتر حاجة عجبا ني فيكي.. دكر.
عادت تنظر له بحزن قائلة:
دكر... كتر خيرك.
قال عدي:
أحلى دكر شوفته.
قالت توتا:
طب روح شوف طريقك.. يالا.
قال عدي:
انتي يابنتي عمالة توزعي فيا كده ليه أنا مستغربك أوي... انتي عارفة أنا مين وكم واحدة تتمنى تقعد تتكلم معايا؟!
قالت توتا:
يخربيت الكبر يا أخي... مش عارفة وما يلزم نيش أعرف.
قال عدي:
يابنتي مش حكاية كبر.. بس دي حقيقة أنا بفهمهالك.. انتي بقى ليه مش طيقاني.
صمتت لدقيقة ثم قالت:
أنا مش طايقة حد ولا طايقة نفسي.. وبصراحة مش ناوية أبقى البلياتشو بتاعك دلوقتي عشان قاعد فاضي وعايز حد يحكي معاك... شوف طريقك بعيد عني الله يسهلك أنا مش رايقة.
كل تلك الضغوطات التي تحدثت بها وعبرت نبرة الشجن في حديثها عنها جعلته يتهور قائلاً:
تمشي من هنا؟ لو قولتلك تيجي معايا تيجي؟
مُتَّ شفتيها باستياء... هممم يريد خادمة... أو ربما يريد انتقال البلياتشو لبيته.
تحدثت وهي تبتسم بسماجة:
لا ياسيدي... أنا مرتاحة في الشغل هنا.
قال عدي:
شغل إيه افهمي.... أنا عايزك معايا.
قالت توتا:
معاك إزاي مش فاهمة.
رفع كتفيه بعصبية يجيب:
ولا أنا نفسي عارف بس... مش عارف.. أنا عايزك قدام عيني.
ضحكت بسخرية وقالت:
إيه.. لأ لأ ماتقوليش.. ماتصدمنيش.. ماتفاجئنيش.... هيييييييح.. حبتني.
نظر لها بانبهار... يبدو أن حديثها صحيح... عينيه متسعة يدرك ذلك ببطء.
رفعت شفتها العليا باستنكار وقالت:
شوف سكتك الله يسهلك أنا مش ناقصة لعب.. اللي فيا مكفيني.
نظر لها مطولاً وقال:
أنا مش بلعب.
قالت توتا بتنهيدة.. تضع وجهها على رأسها تغمض عينيها تستعد للنوم قائلة بخمول:
وأنا مش رايقة لا لهزار ولا لعب دلوقتي الله لا يسيئك... تعالى بكرة ممكن يبقى مزاجي حلو ونهزر.
صمت قليلاً وقال:
هاجي بكرة... بس اوعديني تفكري في كلامي.
رفعت وجهها له تقول بسخرية:
هفكر حاضر... يالا مع السلامة.
أخذ نفس عميق يصك أسنانه من سخريتها به وقال:
لا أنا مطول بالي عليكي بالعافية.... لكن خلي بالك أنا مش بالأخلاق العاليا دي... قولتلك همشي دلوقتي وفكري في كلامي.
نظرت له بعدم اهتمام ثم أعادت وضع رأسها على يديها تغمض عينيها مدعية النوم.
ركل قدم المقعد المجاور لها وتحرك ناحية الحديقة مجدداً.
بمجرد شعورها أنها أصبحت بمفردها... فتحت عينيها مجدداً تنظر أمامها بشرود تتذكر حديث عامر بأحد الأيام مع محمد.
فلاش باااك
كانت تمر في الحديقة تنظر حولها بانبهار لتلك الورود الجميلة:
ياحليييله.... أول مرة أشوف ورد كتير كده وفى حتة واحدة.
انتبهت إلى صوت أحدهم يتحدث ببعض الغضب... اقتربت قليلاً وجدت نفسها بجوار شرفة مكتب عامر المطلة على الحديقة.
وصل إلى أذنيها القليل من الكلمات:
محمد.. لو عاجباك قول... وما يهمكش لا سمعة العيلة ولا الكلام ده.
جذب الحديث فضولها... تقدمت أكثر بخبث تدعو الله ألا يراها أحد.
التصقت أكثر بالشرفة واستمعت له يجيب:
سبق وسألتني وأنا سبق وقولتلك.. آه عاجباني... أوي.. بس ماتنفعنيش.
تملكتها الحيرة... تريد أن تعلم عمن يتحدثون.
إلى أن نطق عامر فجحظت عينيها:
تغريد بنت كويسة وباين عليها مؤدبة... ده غير أنها جميلة.
لكن جاءت الصاعقة الأكبر من حديث محمد:
جميلة آه... عجبا ني مش هنكر... بس نصابة.. وجبتها بيتي خدامة... تفتكر ينفع أربط اسمي بواحدة زيها.
ابتعدت سريعاً بصدمة... لم تخطط لاصطياد محمد يوماً... حتى لم تقع بهواه.. لكن مجرد سماعها رفضه لها بهذه الطريقة رغم اعترافه أنها جميلة وتعجبه صادم... بل قاتل.
فكرة أن المجتمع من حولها لا يتقبلها هي وشقيقتها... أحدهم يعرض عقدي زواج عرفها على أختها والثاني يرفضها بهذه الطريقة رغم أنها تعجبه... هل هم قليلي الشأن لهذه الدرجة.
باااااك
أغمضت عينيها تفر منها دمعة ألم وحسرة تضع رأسها على يديها تتذكر كلمات أختها:
الضعف مش لينا.
هبت من مقعدها... لابد ألا تجلس هكذا... هذه الجلسة وذلك الشرود لا يجلب سوى سوء التفكير... ستشغل نفسها بأي شيء.
وقفت سريعاً على حوض المطبخ تقوم بجلي بعض الأشياء وبعدها ستعد قهوة.. وربما كيكة لذيذة بمقادير من مطبخ آل الخطيب لها ولأختها.. نعم.. أموالهم حلال لها...هذه هي توتا.
____________________________
أما عند عامر
كان ينظر لها يراها تقف أمامه بتحدي. تقدم منها وهي تعود للخلف بظهرها.
تقدم أكثر.. وهي عادت أكثر.
إلى أن اصطدمت بأحد الأعمدة خلفها.. التصق بها ومال عليها قائلاً:
قولي بقا كنتي بتقولي إيه من شوية؟
قالت مليكة:
بقول إني مش موافقة.. وأني دلوقتي مخطوبة لحد تاني.. مش هجرحه ومش هسيبه.
قال عامر:
انتي شكلك اتجننتي... انتي واقفة قدامي خلي بالك... المفروض تراعي مشاعري وأنتي عارفة إني بحبك.
اهتزت قليلاً من اقترابه منها بهذه الطريقة المهلكة... كلمة بحبك زلزلتها... لن تنكر... ابتلعت ريقها بصعوبة بالغة وقالت:
لا انت مش بتحبني.
تحدث بوله ولهفة:
والله العظيم بحبك.. أوي... كل اللي حصل ده أنا اللي عامله.
قالت مليكة:
إزاي؟!!
قال عامر:
هقولك... بس خلي كل حاجة تمشي زي ما خططت.
عادت صورة عدي وهو يبتسم لها تلوح بعقلها.... أغمضت عينيها تهز رأسها يميناً ويساراً تقول:
مش هينفع.
اتسعت عينيه لا يصدق:
إيه؟!! هو إيه اللي مش هينفع؟!
قالت مليكة:
انت اتأخرت... اتأخرت أوووي.
قال عامر بجنون:
اتأخرت على إيه؟
قالت مليكة:
اتأخرت عليا.. بقالنا قد إيه في المتاهة دي.. بقالي سنين بتعذب وانت خايف على شكلك وعلى الكل إلا أنا.
قال عامر:
كنت غلط... كنت غلط وفقت.. ماتقفيش في وشي بقا ياحبيبتي.. أنا بحبك أوي... مش عارف أبعد.
قالت مليكة:
لا يا عامر انت اتأخرت... دلوقتي ما بقتش مليكة بس.. انت اتأخرت لدرجة أن في واحد تالت ملوش ذنب بقى جوه حكايتنا.. جه وخطبني واتعشم فيا... مش هعمل فيه اللي انت عملته فيا.. انت مش فاهم ولا حاسس.. أنا بس اللي فاهمة وحاسة.. أنا بس اللي أقدر أتوقع هو هيحس بإيه.
قال عامر:
يا حبيبتي... يا حبيبتي حسي بيا أنا كمان... اعتبري إني غلط وبصلح غلطي... لكن إنك ماتبقيش ليا ده صعب... مش هينفع أصلاً.
وضعت يدها على صدره.. أزاحته عنها قليلاً وقالت:
مش هينفع... حكايتنا خلصت.
تحركت من أمامه فقبض على يدها وأوقفها قائلاً:
الحكاية أنا بس اللي أخلصها مش انتي... وأنا هكتب عليكي النهاردة يعني هكتب عليكي.
قالت مليكة بتحدي:
هتعمل كده إزاي غصب عني؟
قال عامر:
غصب بقا رضا مش فارقة... أنا عملت اللي عليا عشان أوصل إنهم هما اللي يجوزونا تيجي انتي وتقولي لأ... مش هيحصل.. وهتجوزك.
حلت يدها من قبضته ونظرت له داخل عمق عينيه وقالت:
مليكة الصغيرة كبرت على فكرة.
تحركت من أمامه بغضب... ذهبت تجاه الحديقة حيث تركت عدي.
وهو يتابعها بعينين يخرج منها لهب حارق تجلس لجواره تبتسم له تجذب أطراف الحديث معه.
جاء محمد من خلفه ينظر إليهم. ضرب مقدمة جبهته بعنف وقال:
يانهار أبيض... أنا إزاي فاتتني دي... هنعمل إيه في المصيبة دي؟
التف له عامر بضيق وقال:
مصيبة إيه انت كمان؟ قول لي الأول كلمت المأذون.
قال محمد:
مأذون إيه وزفت إيه.. إحنا نسينا عدي خالص.
قال عامر بغيرة:
إيه عدي ده كمان اللي هنعمل له حساب في إيه؟
قال محمد:
عامر.. ركز حبيبي.. ده ابن وزير الداخلية وإحنا أصلاً بنعمل كل ده عشان الانتخابات.. إيه ماسمعتش عن حاجة اسمها الأمن الوطني... أي حد مقدم في الانتخابات ورقة لازم يعدي من هناك ويتوافق عليه... يعني سهل أوي كلمة صغيرة في نص ملفك توقف حالك.
قال عامر:
أنا سمعتي زي الفل والكل يشهد بكده مش خايف أنا.
قال محمد:
استهدي بالله كده وقول هديت عشان هي مش بالسمعة... إحنا لازم نأجل كل حاجة يومين نحاول فيها نحل الموضوع بشكل ودي معاه لكن يبقى قاعد مع خطيبته برة وإحنا جوه بنكتب كتابها على واحد تاني ماينفعش خالص.
قال عامر بعصبية:
إيه اللي بتقولوه ده.. انت ناسي الورقة اللي مع معتز موسى.. هيوديها بكرة لكل الصحف... وأنا هقعد لما عدي باشا يحن عليا.
جلس محمد يفكر قليلاً وقال:
مش عارف... من ناحية عدي وأبوه ومن ناحية الورقة اللي مع الزفت معتز.
صمت قليلاً وأخرج هاتفه يقول:
استنى كده هكلم سيف أشوف هيقدر يعطل الموضوع قد إيه؟
وقف يتحدث بهاتفه تاركاً عامر على وضعه يغلي من الغضب وهو ينظر لها تتحدث مع ذلك العدي.
بالخارج في الحديقة... يجلس معها بحيرة شديدة... أليست تلك هي مليكة التي أعجبته من أول مرة رآها بها.. لطالما غازلها وتحين أي فرصة كي يكن معها.. فعل وتحمل الكثير كي يقوم بخطبتها... ماذا حدث له الآن وأين شغفه بها... أين حتى عقله... عقله لا يزال بداخل مطبخ بيت الخطيب.
ينظر ويبتسم وربما يتفاعل مع حديث مليكة.. لكن جزء كبير به غير حاضر.. غائب.
أنهى محمد مكالمته يأخذ نفس عميق ووقف خلف عامر يقول:
الحمد لله.. لقينا حل مؤقت.
قال عامر وهو مازال ينظر ناحيتها:
إيه هو؟
قال محمد:
سيف هيقنعه يأجل كام يوم تكون الانتخابات حمية وسخنت عشان يأثر علينا بجد لكن لو عمل كده من دلوقتي الناس ممكن تنسى أو إحنا نعرف نلم الموضوع... لكن هما يومين بس يا عامر.. يعني على آخر الأسبوع لازم نكون كتبنا الكتاب.. خلينا نفكر بقا هنعمل إيه مع عدي المناويشي.
لم يهتم بحديثه... إنما تحرك بغضب... لن يتركها تجلس لجواره هكذا.
خرج لهم ووقف أمامهم بغضب. انتشلها من جوار غريمه وأوقفها بجانبه يقول:
أظن كفاية كده... اطلعى أوضتك.
وقف عدي يدرك حجم تلك الإهانة:
إيه اللي بتعمله ده يا عامر.
وقف يحاول لملمة الأمر بدبلوماسية.. عدي ضيفه وببيته فقال:
عايزك في موضوع مهم في المكتب.. اطلعى انتي يا حبيبتي أوضتك.
قال الأخيرة يتكئ على كل حرف... وعدي ينظر له بتمعن.
ذهبت لغرفتها تدب الأرض بغضب... وهو أخذ عدي يبعده عنها يلهيه بأي حديث.
أما محمد.. فقد ذهب إلى شغفه.. موطن المرح الوحيد الذي أصبح بحياته، المطبخ....توتا.
وجدها تجلي بغض الأواني النظيفة بالفعل بغضب.. ثم تغسلها بالماء وتعاوذ جليها من جديد.
قال محمد:
إيه يا بنتي... الحلة بتستغيث.. خلاص نضفت.
توقفت يديها.. نظرت إليه نظرة تحمل الكثير... هههمم.. انتهى يومه وجاء كي يمرح قليلاً مع فقرة الساحر التي جلبها على بيته.
لكن الأمر أصبح فوق طاقتها حقاً.. نظرت له بصمت ولم تجيب.
الجميع يأتي إليها يضع حزنه ويأخذ طاقة ومرح... وهي لا شيء لديها اليوم لتعطيه لأحد... هي كتلة كبيرة من الشحنات السلبية.
استغرب كثيراً رد فعلها الصامت هذا.. أين توتا بروحها المرحة ولسانها السليط.
قال محمد:
إيه ده.. تتحسدي.. مش هتطولي لسانك عليا وتردي الكلمة بعشرة؟
قالت توتا:
لا لا سمح الله... وهي العين تعلى عن الحاجب بردوا يامحمد بيه.
رفع حاجبه مندهش وردد:
ده من إمتى العقل ده.
نظرت أمامها تعاود جلي الأواني:
من دلوقتي... كنت جاي عايز حاجة.
قال محمد بتعثر:
اا.. للا. آآآ.. عايز ساندويتش.
ألقت ما بيدها بعنف وقالت:
العيش قدامك اهو.. طلع واعمل... أنا رايحة أنام.. واه.. اعمل حسابك إني آخر معاكوا الأسبوع ده وهمشي من هنا... أنا مش خدامة لا أنا ولا أختي.
صدم.. بل صعق ولجم لسانه لكن تحدث قائلاً:
إيه... تمشي إزاي يعني؟
قالت توتا:
هو إيه اللي إزاي يا خويا.. همشي.. يعني أذهب.. ماخدتوهاش في المدرسة؟
قال محمد:
وتمشي ليه أصلاً.
قالت توتا:
إحنا آه نصابين بس مش خدامين.
قال محمد بسخرية:
لا انعم وأكرم... تصدقي طلع النصب أشرف من الشغل.
قالت توتا:
بقولك إيه مش ناقصة... انت ما عيشتش ظروفنا عشان تحكم علينا ولا أنا جايه أعطيلك وأحكيلك مأساتي أنا وأختي أول حاجة عشان أنا ماليش في جو الصعبانيات ده والحاجة الأهم إنك مش بتحس عشان تفهمه... واوعى بقا من خلقتي على المسا.
همت تغادر بغضب فاوقفها قائلاً:
أنا ممكن أبلغ عنك الصبح ودي صورك النيابة.
نظرت له باستفزاز:
طظظظظ... اعمل اللي تعمله.
تركته مزهول وغادرت.. إلى هنا ويكفي.. نفذت كل طاقتها.
جلست كارما في غرفتها... تتذكر ما فعلته هي ومليكة بنادر كي تثير غيرته.. كرد منها على تلك الرسالة التي جاءت إليه على هاتفه وقرأتها بالصدفة.
فتاة أجنبية تتغزل به وهو يلعن الحظ.. أرسلت له فتاة معجبة به رسالة في نفس الوقت الذي تقوم به كارما بالتقاط الصور لهم معاً.
أرادت رد الضربة له وخططت مع مليكة بأن تستعين بمازن المسكين لإثارة غيرته وقد فعلها مازن بجداره واستحقاق.
وها هي الآن تفكر كيف تقوم بمصالحته.
انتفضت بخوف وهي تشعر باهتزاز هاتفها.
رفعت الهاتف على أذنها وكان الحديث جملة واحدة غاضبة مختصرة:
أنا جاي أنا وأمي وأبويا وهديل بكرة عشان أخطبك ويبقى ليا عين آلمك يامتربية.
ثم أغلق الهاتف بوجهها وهي فقط متسعة العين والفم.
___________________________
مرت أيام على الجميع
تمت فيها خطبة كارما على نادر بترحيب كبير من كلا العائلتين... أيضاً بقى أيام على زفاف كارم ونهى.
محمد يحاول التمهيد لعدي بشأن مليكة.
وعامر في أقصى درجات العذاب والغيرة وهو يراها يومياً مع شخص آخر... كان يعلم بأنها تتعذب وهو خاطب لهديل... لكن العلم وحده ليس بكافٍ... تجربة الشعور مؤلمة كثيراً... وهو الآن يحترق.
___________________________
عند قاسم مهران
جلس أمام صديقه يقول:
مش هتقولي مالك بقا.
قال عادل:
حبييييت.
قال قاسم:
انت... ما أصدقش.
قال عادل:
ليه يعني؟ مش بني آدم.
قال قاسم:
لا ياسيدي بني آدم... بس قولي هي مين؟
حمحم عادل قليلاً وتحدث بتلعثم:
هديل... بنت خالة عامر الخطيب.
صدم قاسم قائلاً:
لأ وانت الصادق قصدك خطيبته.
قال عادل:
أيوه بس هي مش بتحبه.
قال قاسم:
وانت عرفت منين. مش يمكن بيحبها.. هو في حد دلوقتي بيخطب غصب عنه.
قال عادل:
مش غصب.. بس هو شايفها مناسبة مش أكتر.. هي عارفة كده.. ومش بتحبه.. أنا حاسس إنها بتحبني برضو بس مستنية مني أنا خطوة جريئة.
قال قاسم:
عادل.. انت اتجننت.. أنا مش عايز مشاكل مع عامر الخطيب.. وبعدين البنت دي أكبر منك بكتير.
قال عادل:
وإيه المشكلة مانت أكبر من جودي بكتير.
قال قاسم:
أيوه بس أنا الراجل وطبيعي وعادي وبيحصل.. لكن إن الست تبقى أكبر من الراجل لأ.
قال عادل:
لأ فيه... والمهم إني أبقى أنا اللي مسيطر على العلاقة.
نظر له قاسم بيأس وصمت... لا يدري ماذا يقول أمام إصرار صديقه.
___________________________
في مكان آخر
بتلك الحارة الشعبية وعقب صلاة العصر
جلس الجميع بحضرة رجب.... سيد... خالد.... شكري.. توفيق. الشيخ منتصر. بعض رجال المنطقة.
بما يعرف بمجلس رجال... أصوات عالية متداخلة... اتهامات بالتحايل.. وأن رجب خدع الجميع.
الكل يتحدث... ضجة عالية إلى أن تحدث أحد الرجال يبدو أنه الأكبر سناً وقال:
وحدوا الله... إيه هتضربوا بعض قدامي ولا إيه.
قال شكري:
مانت سامع يا حاج بنفسك المعلم لعب على الكل وأكلنا البوظة.
قال رجب:
الزم حدك يا حاج شكري أنا ما عملتش حاجة عيب ولا حرام.
تدخل ذلك الرجل بحسم وقال:
صح... انت اتجوزت الست نجلاء على سنة الله ورسوله مش هننكر... بس في حاجة انت مش واخد بالك منها... هي اتجوزتك على أساس أنك الحل الوحيد عشان تقدر ترجع لجوزها أبو بنتها... مش يمكن هي عايزة ترجع دلوقتي وانت اللي مانع عشان عصمتها في إيدك؟!
صمت تاااااام خيم على الجميع... وهو كأنه بحلم جميل واستفاق منه للتو... لا حل أمامه... سيخيرونها..
الآن الحل والعقد بيدها... هي من تملك حياته القادمة بكلمة بسيطة منها.
يسير الآن مع جمع الرجال متجه إلى شقته حيث تركها... يشعر أنه يسير للخسارة بقدميه... المعادلة محسوم نتيجتها لصالح غريمه. زوجها السابق. الباشمهندس المتعلم.. والد ابنتها.
وهو.. من هو.. رجب. الأمي.. جزار الحي.. لا يوجد وجه مقارنة على الإطلاق.
جسد بلا روح... يسير معهم وهو يتذكر كل ما كان بينهم الأيام السابقة... تدليله لها.. قربها منه... تلك الهدايا التي جلبها... الطعام الجاهز... ورداته الحمراء التي كان يخبئها لها بجلبابه... كل شيء فعله... سيظل معه ليعينه على فراقها.
فتح الباب ودلفا جميعاً... وها هي المواجهة.
توفيق يرفع رأسه بانتصار وهي تقف لا تعلم ماذا تفعل تستمع لحديث أخيها المبطن:
إحنا جيناك عشان تختاري زي ما المجلس حكم ولو إن الإجابة معروفة بس عشان يبقى عدانا العيب... توفيق.. الباشمهندس توفيق.. أبو بنتك جاي عايز يرجعك.
لو كان الأمر بيده لترك دمعته تخرج من عينه... لكنه لا يستطيع... أحكم جفنيه عليها يمنعها من الخروج.
فتح عينيه مجدداً ينتظر حكم الإعدام ووجه الجميع منتظراً شيئاً واحداً.
شاهدها وهي لم تعترض.. موافقة... حسرة كبيرة ألقت على قلبه وهو يتذكر ما كان يفعله لأجلها وهي ببساطة عند أول مواجهة تركته... تركت أمره لله ماذا سيفعل هو.
لكن تسارعت دقات قلبه وتعالت أنفاسه وهو يراها تحركت.
سقط فم الجميع أرضاً... مذهولين... وهو توقف به الزمن... يشعر بها تتحرك تقف خلف ظهره.
حركة واحدة تعني الكثير... تشعره أنه ملك مقاليد العالم كله.......
رواية انصاف القدر الفصل التاسع والعشرون 29 - بقلم سوما العربي
ذهول وصدمة ألجمت الجميع. خطوة غير متوقعة على الإطلاق.
هو نفسه لم يتوقع أو يتخيل أن يحدث هذا أبداً.
كأنه إنصاف من السماء وسقط عليه، كأنه حقاً إنصاف القدر.
منذ ثانية واحدة كان الدم يغلي بعقله، ولكن أطرافه باردة من شدة الخوف، من صعوبة الموقف عليه. يتوقع تحطم قلبه، بل تمزيقه. خصوصاً وهو يواجه توفيق، والذي يرفع رأسه وأنفه بشموخ، يعلم أن النتيجة هي شيء واحد.
لكن انقلب كل شيء للنقيض فجأة، وهو يجدها تتحرك ببطء وحرج. أغمض عينيه بألم، لا يريد رؤيتها وهي تذهب مع غيره.
لكنها وقفت خلف ظهره.
تصرف لا يحتاج إلى كلمات، بل لو قيلت أي كلمة لأفسدت جمال اللحظة. تختاره هو، بل وتحتمي به، تتخفى بجسده عن الجميع.
أدمعت عينه رغماً عنه، وهل يوجد أروع من فعلتها تلك؟
استدار ينظر لها، بعينين مبهورتين، مزهول، غير مصدق. ربما يخشى أن يصدق.
وجدها تنظر له نظرة واحدة، ثم تخفض عينيها أرضاً.
نظرة واحدة، كانت نظرة واحدة فقط، كأنها تعطيه توكيل بكل أمورها، وأيضاً الوصاية عليها.
ما زال لا يصدق. والله الأمر كبير على قلبه. لم يتخيل يوماً أن تختاره هو، لو وضع في مقارنة مع توفيق بكل الميزات التي يتمتع بها دوناً عنه.
بينما بقية الحضور يقفون بريبة من ما حدث، والذي لا يدل إلا على نتيجة واحدة.
شحب وجه توفيق. كان يقف بانتظار نتيجة واحدة فقط. لا يخطر على باله ولو على سبيل العبث أن ترفضه نجلاء. نجلاء التي طالما خطبت وده طوال سنواته معها.
ماذا فعل لها ذلك الجزار؟ بالتأكيد جنت.
كان الكل مصدوماً، ولكن تحدث أكبرهم سناً:
"كده الجواب باين من عنوانه، إحنا عملنا اللي حكم بيه مجلس الرجالة وخيرنا الست نجلاء وهي اختارت."
كان رجب يرفع رأسه بشموخ، عن استحقاق وجدارة. صدره منفوخ بعظمة. يحق له.
صرخ توفيق: "ايه؟ اختارت إيه وهبل إيه؟ مفيش الكلام ده."
نظر ناحيتها يصرخ فيها بغضب: "أنتي أكيد مش في وعيك."
وهي تقف خلف رجب، مدت يدها تمسك يده، تستعين وتقوى به.
أغمض عينيه باستمتاع، يبتسم. كم لامست حركتها تلك قلبه.
تحدث بقوة: "الكلام هنا يبقى معايا أنا."
توفيق: "أنا ماليش كلام معاك، إنت مالك إنت."
رجب: "إيه؟ مابتعرفش تتكلم مع رجالة؟ كلامك كله مع الحريم ولا إيه."
توفيق: "مالكش فيه."
رجب: "ده لما تكون بتكلم أي حد، لكن إنت دلوقتي واقف بتكلم حريم بيتي، يبقى تتعدل وكلامك يبقى مع راجلها."
جن جنون الآخر وقال: "راجل مين يا جزار البهايم إنت، إنت صدقت نفسك."
تحولت معالم رجب بلحظة إلى وجه شيطاني غاضب، يقول: "أيوه صدقت نفسي، وإنت واللي معاك شفتوا بنفسكم، وعشرة البهايم أحسن مية مرة من عشرة البني آدمين اللي زيك."
خرج توفيق عن السيطرة وتقدم كي ينقض على رجب، لكن تدخل كبيرهم بغضب: "جرى إيه؟ مش عاملين احترام لحد ولا إيه."
توفيق: "إنت مش شايف يا حج هو بيقول إيه."
الرجل: "عداه العيب يا توفيق."
توفيق بذهول: "إيه؟! إنت اللي بتقول كده يا حج؟"
الرجل: "إحنا قعدنا وعملنا قعدة رجالة، وإنت بنفسك جاي هنا على أساس الحكم ده، إنها تختار، وأهي صاحبة الشأن اختارت، يبقى خلصت يابني."
توفيق: "هو إيه اللي خلصت، إيه اللي خلصت ماخلصتش."
الرجل: "إنت بتعلي صوتك عليا يا توفيق."
تدخل شكري: "مايقصدش يا با الحج، بس إنت شايف اللي بيحصل ده، مايصحش أبداً."
الرجل: "ومايصحش ليه؟ الراجل والست متجوزين علناً على سنة الله ورسوله، حصل ولا لأ يا خالد."
خالد بخنوع: "حصل.. حصل يا با الحج."
الرجل: "حكمنا إنها تختار وهي اختارت رجب، يبقى كده المولد ده ينفض وكل واحد يروح يشوف أشغاله، وسيبوا الناس في بيتهم."
توفيق: "مولد إيه اللي ينفض؟ هو هيطلع من هنا وأنا أرجع لبيتي ولبنتي، ماتتكلم يا خالد ولا إنت مالكش حكم على اختك."
حديث توفيق أشعله، جعله يحتد في الحديث عليها قائلاً بصوت حاد: "إيه اللي عملتيه دلوقتي يا نجلاء... هو لعب عيال... قسماً عظماً لو ما..."
قطع حديثه دخول شقيقاته هو ونجلاء. ينظران للجميع بغضب، يبدو أنهم تكاثروا على شقيقته المسكينة.
تحدثت هناء: "في إيه يا خالد، معلي صوتك على اختك قدام اللي يسوى واللي ميسواش ليه."
تدخل توفيق: "قصدك مين باللي ميسواش دي؟"
هناء: "والله كل واحد عارف قيمة نفسه، لو إنت شايف نفسك ماتسواش هعملك إيه فيها دي يا مسكين."
صفاء: "ماتقول يا خالد، ملمومين كده على البت ليه؟ إيه اللي بيحصل؟"
خالد بغضب: "تعالوا... تعالوا شوفوا اختكوا اللي فضحتني وفرجت عليا الناس."
هناء بغضب وصياح عالٍ، أصدرت صوت رفيع من حنجرتها يدل على عدم تقبلها حديث شقيقها: "فضييييحة؟ فضيحة إيه يا خوووويا؟ الشر برا وبعيد، قطع لسان اللي يقول على أختنا كده."
صفاء: "فضيحة إيه يا حبيبي اللي بتتكلم عنها، إحنا أختنا مالهاش زي."
خالد: "مالهاش زي... آآآه... طب خدي عندك بقا، الست هانم اختارت رجب الجزار ورفضت ترجع للمهندس توفيق."
أكمل شكري بغضب يعظم من شأن أخيه: "أخويا... ترفض أخويا المهندس."
هناء بصياح: "يا خوي.. هندسة الخيبة والندامة، خدنا إيه من هندسته إلا القنطرة والنفخة الكدابة."
زجرتها صفاء بعنف: "عيب يا هناء، مايصحش."
هناء: "أوعى سيبيني، ماحدش يحوشني، ده أنا جوايا كل دملة ودملة منه، ياختي ده كان مقندل عيشتها وطافي نور وشها، دي كانت أيام مرار، داهية لا ترجعه لا هو ولا أيامه، أنا عارفة كان لاوي رقبته علينا ليه، يالا... يالا أمشي من هنا وخد الناس دي معاك، يالا خلي النفس يبقى رايح جاي كده."
شكري: "هي الحريم اللي بقت تتكلم عندكوا ولا إيه يا خالد؟ إيه يا با الحاج هتسكت على اللي بيحصل ده؟"
الرجل: "آه هسكت يا شكري، عشان أخوك اللي بدأ يبقى هو اللي يستحمل."
شكري: "بدأ؟ بدأ بإيه يا با الحاج، دي ردحتلنا."
الرجل: "الموضوع منتهي وصاحبة الحق اختارت، نقف ليه ونسمعها ونتخانق، أخوك بدأ بالخناق يبقى يتحمل نهايته."
شكري: "وهو كل ده ليه؟ ما عشان باقي على بيته، عشان بنته."
هنا تحدثت نجلاء لأول مرة في تلك الوقفة: "بيته؟ بيته هو اللي هدّه وهدني معاه، أنا حافظت كتير أوي على البيت ده وجيت على نفسي وعلى أعصابي، وهو كان كل يوم بيدوس أكتر، اليمين بالنسبة له زي صباح الخير، مفيش أي حاجة بعملها عجباه، دايماً مش عاجبه ودايماً وحشة. وحاشه بوحاشه بقا واعمل اللي أنا عايزاه وأوفر على نفسي، ولو على بنتي فأنا استحملت كل اللي فات عشانها وهي شهر والتاني وتتجوز خلاص، وخطيبها ابن ناس ومتفهم كل حاجة. هي نفسها جت تطلب مني إني اختار لمرة واحدة في حياتي اللي أنا عايزاه."
رفعت أنظارها تجاهه، تحاول التخلي عن خجلها الفطري، خصوصاً أمام كل ذلك الجمع: "وأنا اخترت المعلم."
ابتسم يقترب منها بصوت هامس جداً: "قلب المعلم."
أغمضت عينيها تبتسم بحرج وخجل.
هناء: "ياختشي عليهم، جوز عصافير والنعمة."
عادت النظر تجاه توفيق تقول: "ماتيلا... هوينا... اتفضل وخد لياليك السودا معاك، يالا داهية تاخد داهية."
توفيق بغيظ، لأول مرة يتعرض لكل تلك الإهانات: "فرصتك وجاتلك."
هناء: "حق الله طول عمري نفسي آكل واحد أفكك، من أول يوم شوفتك فيه وأنا بتمنى أفرشلك الملاية، يالا اتوكل، سكتك خضرا."
انسحب الرجال واحداً تلو الآخر ورجب يرمق توفيق بنظرات قوية متحدية ومتصرة بنفس الوقت. أخيراً نصفه القدر.
***
كل شيء أصبح على ما يرام. هديل اليوم أفضل حالاً عن ذي قبل.
لقد بدأت من جديد. صحيح بإمكانيات تكاد تكون منعدمة، ولكن أفضل من الزواج من شخص لا يريدها ولا تريده. باتت تعلم بحبه العلني لمليكة مهما حاول هو والجميع إخفاءه. العاشق تفضحه عيناه، كل شيء واضح للعيان لا يحتاج لحديث.
هي أيضاً بداخلها شعور جديد وجميل ناحية أحدهم. للآن لم تضع له مسمى، ولكنه موجود. ربما تحتاج لجلسة مع نفسها كي تحدد كل تلك الأمور، ولكن الآن الخطوة الأهم، خطوة التحرر.
بخطى مريحة، سريعة، متحررة، خطت داخل بيتهم.
تعلم طريقها، متجهة حيث مكتب والدها، دون طرق الباب فتحته.
رفع والدها نظره عن حاسوبه، يخفض نظارته يقول باستغراب: "في إيه يا هديل مش تخبطي الأول."
لم تهتم. تقدمت مبتسمة تقول: "أنا خلاص... فسخت خطوبتي من عامر."
انتفض بحده يقول: "إيه؟! إنتي اتجننتي؟ عملتي كده إمتى؟"
هديل: "من نص ساعة بالظبط، لسه راجعة من عنده."
الأب: "مجنونة... إنتي أكيد مجنونة."
هديل مبتسمة بلا مبالاة: "تؤ.. خالص."
تحدث بغضب: "لو عملتي كده يبقى تنسي شركتك للأبد."
هديل براحة: "أوكي بابي... مش مشكلة... أنا زي ما عملتها من مافيش هعمل غيرها من مافيش بردو... أنا أصلاً عملت كده فعلاً اليومين اللي فاتوا... بااااي بابي."
تحركت من أمامه خطوتين وهو فقط مصدوم. استدارت بحزن تقول: "عارف... كان نفسي يبقى عندي القوة والشجاعة اللي تخليّني أرفض الخطوبة دي من البداية حتى لو أخدت مني كل حاجة وما بقاش مضطرة أتنازل وأكمل لحد ما ألاقي البديل... للأسف أنا ماطلعتش بالشجاعة الكافية."
أنهت حديثها وخرجت من عنده، عازمة على حياة جديدة بهديل جديدة غير تلك الدمية التي تلاعب بها والديها. لطالما أرادت أن تكون مثل شقيقها نادر، يفعل ما يحلو له طالما لا يؤذي أحد.
لكنها تقسم ستفعل بأيامها القادمة.
***
يبدو أنها أصبحت عادة لديه. يجلس على مقعده في حديقة القصر، يحرسها ويرقب كل تحركاتها.
لن يسمح لها بالاقتراب من ذلك العدو أبداً.
أيضاً لابد من إتمام كل أمور زواجه بها سريعاً.
تشنجت معالم وجهه وهو يرى سيارة عدي تسير بطول الحديقة تعبرها للداخل.
استقام من جلسته ووقف له بتأهب.
تقدم منه عدي يمد يده للسلام: "مساء الخير يا عامر."
عامر: "أهلاً.. منورنا."
بالطبع استشف عدم التقبل، شيء ظاهر للعيان، كأنه ينافسه على شيء أو شخص ما. لكن فارق العمر بينه وبين مليكة جعله يستبعد الأمر نهائياً.
تحدث مجدداً: "مالك يا باشا حد مضايقك... شايفك متعصب."
كاد أن يجيب عليه ولكن تدخل محمد سريعاً. بات على علم بجنون عامر حينما يتعلق الأمر بمليكة.
محمد سريعاً: "أهلاً أهلاً يا عدي... نورتنا."
عدي وهو مازال ينظر داخل أعين عامر: "مش باين يا محمد.... يظهر أن عامر مش حابب وجودي."
محمد: "للالا.... ماتقولش كده ده إنت تنور أي حتة... هو بس في مصيبة وقعت فوق راسنا وبقالنا فترة مش عارفين نحلها إزاي."
عدي: "خير؟"
محمد: "ااا.. خير خير. اتفضل معايا جوا نتكلم."
سار يقوده أمامه. فتحرك معه خطوتين ثم توقف وعاود النظر لعامر وجده مازال واقفاً.
عدي: "وهو عامر مش جاي معانا ولا إيه؟"
لم يجبه عليه. إنما ظل على وضعه، صامت، غاضب.
تحدث محمد: "هيجي. هيجي.. اتفضل نقعد نتكلم."
ذهب معه على مضض، بينما تحرك عامر لأعلى، حيث غرفة تلك التي ستصيبه بنوبة قلبية قريباً.
جلس عدي أمام محمد ينتظر حديثه.
بينما ناهد تفرك يدها بتوتر. تعلم أن الأمر ليس بالهين.
أشارت من بعيد لمحمد منادية، فوقف قائلاً: "عن إذنك ثواني."
رفع عدي حاجبه: "اتفضل."
غادر محمد ناحية ناهد، بينما تقدمت توتا تحمل كأسين من العصير.
نظر لها بإعجاب. خصلاتها السوداء القصيرة، بشرتها الخمريّة، روعة جسدها، حتى ذوقها في انتقاء ملابسها رائع.
بينما هي بوجه خالٍ من أي تعبير تقدمت تضع ما بيدها أمامه دون أي حديث. فقال هو: "أنا جيت أهو."
نظرت له باستغراب كأنه تنين برأسين وقالت: "إنت بتكلمني أنا؟"
ابتسم باستمتاع قائلاً: "أيوه... مش بينا معاد."
رفعت شفتها العليا تقول: "إنت عبيط؟ قول لي ماتتكسفش."
عدي: "هممم... أنا بحب روحك وطولة لسانك... بس مش عليا ها؟"
توتا: "لا ماهو مش أوبشن.. هو طويل على الكل.. دي حاجة مش بخاطري."
عدي: "طب ها... قولتي إيه؟"
توتا: "في إيه يا أخ.. ومعاد إيه اللي مابينا ما علش."
عدي: "مش قولتي عدي علينا بكرة، أنا ماجتش بكرة وسبتك كذا يوم أهو عشان تفكري."
نظرت له بإمعان. بالتأكيد هو أبله. تحدثت بغرابة: "أفكر في إيه... إنت أكيد جعان.. أنا لما بجوع ببقى كده."
أخذ نفس عميق يقول: "هههممممم...هطول بالي للآخر.. ماشي... مش أنا قولتلك فكري في عرضي ليكي."
توتا ببوادر عصبية وصوت عالٍ: "عرض إيه.. إنت لسه هتلمح أنا أساساً مش بفهم الكلام المباشر."
في نفس الوقت أنهى محمد حديثه مع ناهد وعاود التوجه ناحيتهم. تغيرت كل معالم وجهه وهو يراها تقف معه. ما الشيء المميز بهذا العدي يجعله يعجب كل الفتيات.
وقف أمامهم وقال بغضب: "إنتي واقفة عندك بتعملي إيه؟ اتفضلي روحي على شغلك."
توتا: "إنت مالك كده بتكلمني كده ليه... إنت صدقت إني شغالة عندك ولا إيه."
محمد: "مش عايز كلام كتير... أخفي دلوقتي."
تدخل عدي: "في إيه يا محمد... ماتتكلم معاها كويس."
نظر له محمد بتفحص وقال بغيره شديدة: "وإنت مالك إنت.... وإزاي تتدخل مابينا."
عدي: "ده على أساس إيه يعني... ما اتدخل عادي."
محمد: "لا ماتتدخلش وإنتي ادخلي جوا حالا."
نظرت لهم اثنتيهم باستخفاف. من هم ليقرروا أن تقف أو تغادر. ومن قال إنها تريد المكوث معهم.
غادرت وهي موقنة أن اثنتين أصيبوا بجنون أو شيء ما.
تقابل محمد مع عدي وجه لوجه كأنهم أعداء. كل منهما ينظر للآخر بتحفز.
محمد بدون أي مقدمات: "مالك بتغريد يا عدي."
رفع عدي حاجبه وقال: "هو مش كان في موضوع مهم.. مصيبة باين... إيه توتا دلوقتي أهم؟"
محمد: "لا هي اسمها تغريد."
عدي: "بس توتا أحلى."
محمد: "خلينا نقعد بهدوء نتكلم.. مش عايزين نخسر مصالحنا اللي مع بعض."
عدي: "دي مشكلتك، إنت مش عايز تخسر حاجة.. بس أنا ماعندييش مشكلة أخسر حاجة قصاد حاجة عادي... بس إنت عايز كل حاجة وبدون خسائر."
محمد: "تمام... طيب بص يا عدي.... دلوقتي إحنا لازم ننهي خطوبتك لمليكه."
عدي: "ليه؟"
زم محمد شفتيه لا يبدو عليه أي حزن، أي غضب، أي شيء.
محمد: "هتتجوز عامر."
جلس عدي ووضع قدم فوق الأخرى وقال: "لا بس أنا مش عايز كده."
أمعن محمد النظر له. هيئته تشير لأنه غير غاضب. لم يثور. أي شخص يقال له مثل هذا الحديث يهدم العالم من حوله. مجرد الحديث عن شيء من هذا القبيل يعد إهانة. لكن عدي صمت وجلس. يعني أنه يريد التفاوض.
لذا أخذ نفس عميق بهدوء وجلس. وضع ساق على الأخرى مثله مثل مفاوضه بالضبط.
محمد: "هممم... طلباتك."
ابتسم عدي قائلاً: "وعرفت منين إن هيبقى فيه طلبات."
محمد: "من شكلك... أي حد هيتقاله عايزينك تسيب خطيبتك عشان نجوزها لواحد تاني هيقوم يكسر ويرزع ويهد الدنيا... لكن إنت لأ... إنت قعدت وسكت... يبقى ليك طلبات.. وأنا مستعد."
عدي: "برافو عليك.. طول عمرك شاطر وواعي يا محمد.... بس ياترى إنت هتقدر تتفاوض معايا... خصوصاً إنك مش هتبقى حابب تزعلني أبداً."
نظر له بإمعان. عدي أدرك ما يجول برأسه. إنه لا يستطيع معاداة ابن وزير الداخلية في هذا الظرف الحرج بالذات.
تحدث بتروي: "إن شاء الله مش هنختلف."
***
في شركة عائلة الخطيب.
انتهى الدوام ولكن تحية لم ينتهِ عملها بعد. تحضر لاجتماع الغد.
تصوير أوراق، نسخ بعض الإيميلات، أشياء كثيرة تحتاج للترتيب، وهي قد تعبت حقاً.
شهقت برعب وهي تشعر بمن يقف خلفها يحتضنها من ظهرها قائلاً: "يخربيتك.... صاروخ."
انتفضت بعيداً عنه تنظر له بذهول واضطراب صارخة: "إنت اتجننت في مخك ولا هبت منك على المسا يا جدع إنت."
تقدم منها بتلاعب قائلاً: "إيه مالك... واحد ومراته."
تحية: "مرات مين يا أخينا إنت مبلبع حاجة؟"
زم شفتيه يقول: "تؤتؤ.. كده بردو يا توحا يا حبيبتي.. أنا عارف إنك لاسعة ودماغك ضاربة بس مش كده يعني... مس لدرجة تنسي سموحة جوزك.. طب تحبي أفكرك... العقدين العرفي... مش فاكرة بردو.. طب المحفظة."
تحية: "خلاص."
أكمل هو: "الموبيل ال..." قاطعته بخوف: "خلاص خلاص، إيه هتفضحني."
ابتسم بانتصار وقال: "أيوه كده... يالا قدامي."
تحية بتوجس: "على فين."
سامح: "على شقتي.. عايزك دلوقتي."
صرخت به غير مراعية لا الزمان ولا المكان، فقط تظهر شخصية تحية الحقيقية: "نعم نعم يا دلعدي.... شقق إيه اللي أروحها يا روح النونا... أنا مش بتاعت شقق يا كسر الرجالة يا سلالة الحمير إنت."
كان حقاً مصدوماً، وقال: "إيه ده في إيه."
تحية: "إنت لسه شفت حاجة... ده أنا هخلي اللي ما يشتري يتفرج عليك."
سامح: "أنا كمان هخلي اللي ما يشتري يتفرج عليا وأنا بعرفهم إني متجوزك عرفي وإنك مضيتي على العقد بمزاجك."
تحية باستهزاء وسخرية: "ثانية واحدة... أروح أناديهم لك وأجي."
اتسعت عيناه لا يصدق حقاً. هيئته فعلاً مصدومة. هذه الفتاة مختلفة عن... عن أي شخص قابله مسبقاً.
تحية: "مالك كده مصدوم... أمال إنت كنت مفكر إيه... حظك الأسود بقا وقعك في طريقي... أنا لا أهل تلم ولا حكومة تهم."
سامح: "خلاص لمي الناس وأنا أقولهم إنك سرقتي موبايلي... سرقتيه لما أنا بكل شهامة ومرؤة ساندتك لما عملتي فيها دايخة."
تحية: "ماشي وأنا أعرفهم إنك ماكنتش بتسندني ولا حاجة... إنت كنت بتتحرش بيا... يعني سبحان الله... أنا بسند عليك عشان أقلبك وإنت سندتني عشان تتحرش."
سامح: "شوفتي بقا.. ربك رب قلوب بردو... ما جمع إلا ما وفق."
تحية: "يالا يا يابا.. يالا يا يابا سكتك خضرا... مش ناقصة هي... يالاااا."
وقف ينظر لها بغضب بائت كل محاولات التهديد معها بالفشل، وهو يشتهيها إلى درجة الجنون. فقال بمهادنة: "طيب هحطلك مبلغ حلو في البنك.... أظن ده عرض حلو."
تحية: "ولا كأني سمعت حاجة... اتوكل يالا على الله."
سامح: "هسيبك يومين.. مبلغ لو فضلت عمرك كله مش هتحصلي على ربعه... فكري."
غادر سريعاً وهي تنظر لأثره بغضب. أصبحت تمقت تلك الحياة.
***
خرجت من المرحاض بعدما وضعت على جسدها روب ما بعد الاستحمام الطويل.
تجفف شعرها بمنشفة صغيرة. وجدته يجلس على أحد الأرائك بغرفتها يضع قدم فوق الأخرى ويده أسفل فمه ينظر لها بغيره.
شهقت بتفاجئ وهي تراه أمامها داخل غرفتها هكذا وقالت: "إنت بتعمل إيه هنا وازاي تدخل كده."
ما زال على جلسته يقول بهدوء مرعب: "إيه بقا كمية الروايح والعطور اللي خارجة من حمامك دي... كل ده ليه... ولا عشان عريس الهنا جه؟"
مليكة: "ليه هو أنا قبل كده كانت ريحتي وحشة مثلاً."
عامر بحزن: "وهو إنت سامحالى أقرب منك أصلاً."
مليكة: "مش وقته يا عامر... كل حاجة انتهت خلاص."
عامر: "هممم.. انتهت... انتهت إزاي بقا.. هتقدري تسيبيني؟"
أشاحت وجهها بصمت. فقال: "ردي عليا.. هتقدري تسيبيني... هتعرفي؟"
مليكة: "هعرف.. كل حاجة بتعدي وبتخلص."
عامر: "طب لو هتعرفي قوليلى إزاي عشان أنا مش عارف."
مليكة: "عامر عشان خاطري كفاية عليا كده... أنا بجد مش قادرة."
صمت قليلاً وقال: "جهزي نفسك عشان عشر دقايق والماذون يوصل محمد تحت يتفاهم مع عدي."
مليكة: "همم عدي.. عشان ابن وزير الداخلية. لكن مافكرتش في هديل... ذنبها إيه؟"
عامر: "هديل جت الصبح رجعتلي دبلتي وفركشت الخطوبة... كانت حاسة إن فيه حاجة بينا... يالا عشان كتب الكتاب."
ابتسم بخبث وقال: "يستحسن تخليكي بالبورنص كده زي ما إنتي.. أنا هجبلك العقود لحد هنا."
هم للخروج بعدما ألقى عليه أوامره. فصرخت بغضب: "إيه اللي بتعمله ده.. قولتلك أنا مش موافقة إنت سامع."
وقف على أعتاب الباب يقول باستمتاع: "ومين قال إني محتاج موافقتك... أنا كل اللي محتاجه إمضتك بس........"
رواية انصاف القدر الفصل الثلاثون 30 - بقلم سوما العربي
أنهى عدي حديثه ومحمد يقف لا حول له ولا قوة.
عدي يستغل الوضع بأبشع الطرق. لا سبيل أمامه. بل من الأساس ماذا يريد هو؟
تخبط شديد أصابه، وهو لم يبدِ أي ردة فعل.
فقط صمت. صمت تام تحرك به من أمام عدي وانصرف.
ذهب لعامر وباقي العائلة. الكل يجلس حول المأذون الذي حضر وجهز كل أوراقه بالفعل.
عشر دقائق لا أكثر وكان كل شيء قد انتهى. لم يتبقَ غير "إمضاء العروس".
هذا ما قاله المأذون عقب إنهائه كل شيء.
وقفت ناهد بفرحة شديدة تقول: أنا هطلع لها تمضي.
كانت فرحته مسيطرة عليه، لكنه لثوانٍ. اتسعت عيناه. تذكر أنها تقريبًا لا ترتدي شيئًا.
تحدث سريعًا: لا استني. أنا هطلع لها.
لكن ناهد قد تحركت بالفعل، فصعد الدرج خلفها سريعًا يحاول اللحاق بها.
وجدها دلفت للغرفة، فذهب خلفها بعصبية، ولكن تنفس الصعداء وهو يجدها قد ارتدت إحدى المنامات المريحة.
تقف أمام والدتها بغضب شديد تضرب الأرض بقدميها تقول: مش همضي يعني مش همضي.
ناهد بسعادة لا توصف: ميكا يا ميكا. خلصي بقا يا حبيبتي. كل حاجة خلصت. أنا فرحانة بيكم أوي.
رفعت مليكة حاجبها قائلة باستغراب شديد: غريبة والله يا طنط. مش انتي كنتي معترضة على علاقتنا كلها على بعضها ونصحتيني إني أبعد.
كان متوارياً خلف الباب يستمع بعينين متسعتين ما يقال. هل أمه لها يد بتغيرها عليه؟
تحدثت ناهد: حبيبتي ابني بيحبك. أنا حاسة بيه. اللي عملته ده ممكن يكون غلط، بس هو حق مشروع. أنا كنت خايفة عليه وعلى مصالحه ومستقبله. بس اللي مش هقدر أنكره إني أول مرة أشوف ابني بيحب كده. عامر ممكن يكون قوي، بس زيه زي رجالة كتير. يتحرج يعبر عن حبه أو يقول. بس ده جابك ووقف بيكي قدامنا كلنا وقال أنا بحب مليكة. دي حاجة كبيرة أوي وصعبة كمان.
صمتت قليلاً ثم مدت يدها بالأوراق تقول: خدي. يالا امضي يا حبيبتي.
صمتت مليكة ثم قالت: بيحبني بس عذبني وتعبني. بحبه لسه بس.
صمت قليلاً لا يعرف كيف وأي حديث يمكن أن يصف ما بداخلها، فقالت ناهد بتفهم: أنا عارفة. عارفة وفاهمة اللي انتي مش عارفة تشرحيه. بس اتجوزيه يا عبيطة وبعدين ابقي سويه على الجانبين. تسوية مشروعة.
قالت الأخيرة بغمزة وعامر بالخارج مزهول. أمه تتفق مع زوجته عليه؟!
ابتسمت مليكة ثم تناولت الأوراق توقع عليها كلها تنظر لناهد بحماس وشر. فقالت ناهد: لا لا لا. براحة على الواد ده ابني بردو ها.
مليكة: اللي ربنا يقدرني عليه بقا يا طنط.
ناهد: يا حبيبي يا ابني.
ابتسم بخبث وتحفز ثم تحرك سريعًا يهبط الدرج من جديد. بداخله سعادة لا توصف. هو لا يخطو بقدميه على الأرض بل كأنه يحلق. يحلق بلا أدنى مجهود من فرط السعادة والفرح. وأخيرًا أصبحت مليكة له. مليكة قلبه وروحه. عشقها بروحه وعقله وقلبه.
اعتبرها خاصته منذ وقع لها حتى من قبل زواجه بها. لم يكن ليتركها أبدًا. هي له. أمرها محسوم بالنسبة له تحت أي ظرف.
بفرحة شديدة يستقبل هواء الحديقة يأخذ أكبر كمية بصدره ينعش روحه. بل هي منعشة بلا أي شيء.
وأخيرًا حب حياته أصبحت له. شعور لا يضاهيه أي شيء حقًا. كأنه ملك الدنيا بيده. وأخيرًا آتاه إنصاف من الله. لولا تلك الانتخابات التي لم يهتم لها في البداية بل واعتبرها عبئًا عليه وشيء غير مرغوب به لما استطاع الزواج من صغيرته. معذبة قلبه. وملهمة إحساسه. الوحيدة التي تجعل الدماء تحمى بعروقه بحركة أو لمسة بسيطة منها. أو فقط لتنطق اسمه وتقل عامر. عامر منها هي شيء آخر. بل خيالي. والأكثر وأكثر عندما تناديه حبيبي. آه واه من حبيبي منها. يذوب بعدها ويصبح فاقد السيطرة على مشاعره.
هو أكثر من سعيد وممتن لتلك الانتخابات.
في تلك الأثناء. وقف محمد لجواره يكبت مشاعره المتخبطة والثائرة بداخله.
عامر بالأساس لا يشعر به ولا حتى بوقوفه لجواره. هو غارق في فرحته.
لكنه تحدث مباركًا يقول بصوت رغماً عنه خرج حزين: مبروك. مبروك يا عامر.
انتبه على صوته يقول: الله يبارك فيك. مالك في إيه.
محمد ببعض الصمود: لا مافيش. مبروك عليك.
عامر: انطق يابني قول لي في إيه. وانت عامل كده ليه؟ استنى استنى استنى. قول لي أصلًا أنت عملت إيه مع عدي؟
أغمض محمد عينيه وقال: ما تقلقش. خلصت معاه الموضوع.
عامر: ولااا. هو أنا هسحب الكلام من بوقك. ما تقولي قالك إيه. اخلص. أنا عارفه. زبالة وهيستغل الوضع.
صمت محمد ولم يجيب. عاجز ومتعب.
عامر: انطق يا محمد.
محمد: عايز توتا.
نظر له أولاً بصدمة. ثم زوى ما بين حاجبيه وقال باستهجان: عايزها؟ عايزها إزاي يعني؟ ما هي تفرق. يعني عايزها تشتغل معاه في الشركة ولا عايز يتجوزها ولا إيه؟
محمد بهدوء صعب. مهيب: مش عارف. ما قالش.
عامر بعصبية شديدة: ما قالش. وانت؟ انت سكت على كده؟
حاول التظاهر بعدم الاهتمام. رفع كتفيه كأن الأمر لا يهمه وقال: آه. وأنا مالي.
استفز عامر من بروده كثيرًا. نظر له بغضب وقال: انت مش قلت عجباك. هتسيبه ياخدها. عادي كده.
محمد: قلت لك قبل كده عجبا ني بس ماتنفعنيش.
عامر بغضب: يعني إيه ماتنفعكش. إيه؟ هتسيبها؟
أغمض عينيه يقول: عايزني أعمل إيه. والانتخابات اللي إحنا فيها. كده هنخسر كل حاجة. عدي ده زبالة. لعبها صح. هو عارف إننا مش عايزين نعاديه خصوصًا دلوقتي.
اقترب عامر منه يقول بتقزز: يعني هتسلمها ليه. طب افرض عايز يعيش معاها في الحرام. هتقبل بكده وتسكت عليه. هتسلمهاله. ده أنا اللي مش بحبها ولا حاجة مش قابل الكلام ده أبدًا. في راجل يسلم واحدة أياً كان هي مين لواحد عشان مصالحه. ده يبقى واطي وقرني لا مؤاخذة. مش ناقص غير تبقى بتقبض فلوس على الكلام ده. ولا مش فارقة مانت هتعمل كده عشان تمشي مصالحك يبقى هي هي.
كان يميل عليه يضغط على كل حرف يخرج منه يحدثه بفحيح وتقزز. لابد لمحمد أن يستفيق.
أكمل عامر قائلاً: عرفني انت هتعمل إيه عشان أتصرف وأعرف أشتري لك جوز قرون على مقاسك.
انتفض محمد قائلاً: عامر. أنا مش كده يا عامر.
عامر: امال انت إيه يا أسد الرجالة. هتديله البنت عشان ننجح في الانتخابات؟
صمت محمد ولم يجيب، فمال عليه وقال: هتسيبه يقرب منها. يمشي إيده عليها. ويعمل إلى أكثر من كده. هتستحملها؟
قال الأخير بصراخ جعل محمد ينفجر قائلاً: مش هقدر. مش هقدر يا عامر. كفاية كده ما أنا بشر بردو يا أخي. أنا خايف على مصلحة العيلة. أسهل ما عليا إني أروح أقول له اخبط دماغك في الحيطة وخلاص بس. طب وبعدين والانتخابات؟
عامر: ما تولع. مش عايزينها. إحنا أغنيا أوي. عندنا اللي يكفينا. مش محتاجين. ليه من الأساس نقعد قدام حيوان زي ده ونحسسه إننا محتاجين رضاه فيقعد ويحط رجل على رجل ويبيع ويشتري فينا.
محمد: مش هينفع يا عامر. دي لا أعرف لها أصل من فصل ولا حتى أهل. يا عامر. يا عامر دي عايشة هي وأختها على النصب والسرقة. لا وواخدة الموضوع عادي وبتتبجح كمان. دي مستفزة. بتقول لي دي فهلوة وشطارة.
صمت عامر قليلاً وقال بعد أن زم شفتيه: والله يا ابني عندك حق. خلاص. سيبها. أنت صح. وروح اتجوز لك واحدة من بنات العائلات الراقية. اللي هما تلت أربعهم نصابين بردوا. بس دول على كبير. في بلدنا دي تنصب على حد في كام ألف تبقى حرامي وصعب ويتغفر لك. تسرق ملايين. تبقى بيه ويتضرب لك تعظيم سلام ومش بعيد ياخد عفو دولي. ونقول نسامح ونتعامل. مش كده.
ظل محمد على صمته وسط صراعه، فأكمل عامر: لآخر مرة هقولك. أنا بنفسي من بكرة هروح أتنازل عن الانتخابات اللي ممكن تذلنا لحد دي. وانت لو البنت حتى نصابة اتجوزها. عشانك لأنك بتحبها وأنا عارف وكمان تبقى عملت حاجة عدلة في دنيتك وخليتها تسيب السكة دي.
محمد: والناس. هتقول عليّ إيه وأنا متجوز نصابة.
عامر بهياج: ياااادي الناس. يا أخي يلعن أبو الناس. وبعدين الناس مالها. انت حر. حامد أبو المجد عارفه؟ ماهو متجوز رقاصة فاهم يعني إيه رقاصة ومن دور عياله. بس ما حدش عرف يفتح بوقه. والبت تابت على إيده. أنا عن نفسي بقول برافو عليه وكثر خيره. كده ولا كده ما حدش هيقول لك بتعمل إيه. انت حر. ده غير إن ما حدش غيري أنا وانت عارف إنها نصابة.
ما زال الصمت مسيطر عليه وهو في صراع مع حاله.
فتحدث عامر: فكر يا محمد وخد انت القرار لأن كده ولا كده مش هسيب البنت لعدي ده كده. إلا إذااااا.
قال الأخيرة بتشويق فنظر له محمد قائلاً: إلا إذا إيه. مش قلت هتتصدر له ومش هتخليه ياخدها؟
عامر ببساطة واستفزاز: افرض الراجل غرضه شريف وعايز ياخدها من هنا ويتجوزها.
اتسعت عينا محمد قائلاً: إيه؟ هتسيبهاله؟
عامر: في الحالة دي آه هسيبهاله. عدي زبالة آه بس فرصة كويسة لبنات كتير أضيع عليها الفرصة دي ليه.
زاد ذهول وصدمة محمد. فبعدما اطمئن لتدخل عامر بالأمر تفاجأ بتصريحه الأخير. ماذا لو قرر عدي الزواج بها فعلاً.
تحرك سريعًا يغادر متجهًا نحوها وعامر يرفع بدلته بيديه قائلاً: ناس ما تجيش غير بالعين الحمرا.
ابتسم سريعًا باشراق وهو يتذكر صغيرته وتلاعبها به. يبدو أنه سيستمتع معها كثيرًا.
صعد بخطوات سعيدة متمهلة إليها. وتقدم للداخل.
وجدها تجلس تعبث بهاتفها بفرحة شديدة يبدو أنها تحادث صديقاتها تخبرهم بما حدث. أول ما رأته وقفت بغضب تقول: انت إزاي تدخل كده من غير ما تخبط.
اتسعت عيناها وهي تراه يخلع جاكيت بدلته وبعدها ساعة يده يتقدم منها قائلاً: على أساس إني كنت بخبط قبل كده عشان أخبط لما بقيتي مراتي.
رغما عنها وعن أي شيء لمعت عيناها بفرحة وهي تدرك وتستمع لكلمة "مراتي". تعود عليها هي. أصبحت زوجته. حلم طفولتها وصباها قد تحقق وهي الآن تتدلل. رفعت حاجبها تحدث نفسها بأنه نعم. يحق لي التدلل بقدر كل تلك السنوات التي ركضت خلفه بها.
هو الآخر قالها بسعادة كبيرة. مليكة أصبحت زوجته. أصبحت مليكة عامر الخطيب.
تقدم منها يخلع قميصه هو الآخر فصرخت به: انت بتعمل إيه؟
عامر: بعمل إيه؟ اصبري انتي بس.
مليكة بأمر غير قابل للنقاش: عامر. بس.
اقترب منها بعدما خلع قميصه وبقي عاري الصدر يقول: والله لو عملتي إيه.
ضمها إليه بحنان لاول مرة تلامس صدره. نست كل شيء وذابت مجددًا متناسية كل شيء.
تنهد بصوت عالٍ يتحسسها بيديه قائلاً بصوت مبحوح مما يشعر به الآن: اااااه يا مليكة. وأخيرًا.
أطبق ضلوعه عليها يتنفس بسرعة. يديه تمر عليها لا يصدق حاله.
أصبحت زوجته وبين يديه دون أي قواعد أو شروط وأمام الجميع. الكل يعلم أنه معها الآن ولا يوجد اعتراض.
رفع وجهها له يقبل شفتيها برقة شديدة. سريعًا ما تحولت إلى قوية مطالبة.
تطالب بها بقوة. يقبض عليها داخل أحضانه يرفض فرارها منه. سعيد باستسلامها له. حبيبته تعشقه مثلما يعشقها. يبتسم من بين قبلاته لها. جميل أن تشعر بأن من تعشقه يبادلك نفس الشيء. يعشق تلك الصغيرة بعدد أنفاسه بالحياة.
***
تقدم رجب منها وهي تقف في الشرفة تعطيه ظهرها. تشعر أنها لأول مرة قوية.
أخذت قرارًا صعبًا وجريئًا، لكنه ولأول مرة قرار سيسعدها. لقد أحبت رجب. عشرته. طيبة قلبه. وحنانه. آه من حنان الرجل. يخطف أي أنثى مهما كان به من عيوب.
بدون أي حديث ضمها إليه من ظهرها قائلاً: ربنا يخليكي ليا.
ابتسمت بهدوء وحرج. للآن لم تستطع التخلي عن حرجها منه.
قبل وجنتها الملتهبة بحمرة الخجل قائلاً: لسه بتتكسفي مني يا ست البنات؟
أومأت برأسها دون حديث من شدة حرجها فقال: أنا بحبك أوووي. بصراحة. أنا كنت بقول. إنك. إنك يعني. لو خيروكى. هتختاري إلى ما يتسمى إلى اسمه توفيق ده.
التفتت له تنظر له بزهول. يحدثها بصوت يغلب عليه مشاعر كثيرة. الحزن. الحب. الامتنان. الضعف. الخجل. كل شيء. لأول مرة تشعر كم هي مهمة. أن حياة أحدهم متوقفة عليها. بل ينتظر موافقتها ويشكرها عليها بعدما كانت تعامل على أنها نكرة بل عبء.
لتحمد الله أن رجلًا مثل توفيق ارتضى بها وأنعم عليها وتزوجها.
مدت يديها تتخلى عن أي خجل الآن تقول: انت كبير أوي يا رجب. ما تقولش كده. انت ضفرك بعشرة زيه. انت راجل. راجل بجد ولوحدك مش مستني تتكي على ضعفي عشان تحس وتحسسني إنك راجل. انت أرجَل حد أنا قابلته لحد دلوقتي.
كان يتنفس سريعًا. صدره يعلو ويهبط. أدرك أنه كان يحبس أنفاسه وهي تتحدث بحديثها المهلك هذا.
أهلكته بكلماتها تلك والتي قالتها بمنتهى السلاسة والعذوبة. إحساس خرج من القلب فأصاب الهدف في الصميم. أصاب قلبه الملتاع عليها. قلب طالما تمنىها ولم ينطق.
وأنى له ذلك وهي كنجمة عالية صعبة المنال.
سحب يديه من يديها وضمه لها بقوة ولهفة. سحقها داخل أحضانه يتمتم بحمد الله كثيرًا.
يحتضنها بقوة وهو يقول: الصبر حلو. الصبر جميل. كنت خلاص قربت أفقد الأمل فيكي وأقول إنك ست متجوزة صعب يا رجب. زهقت وتعبت. الصبر أخذ مني راحة. بس لو كنت أعرف. ياااه. ده أنا كنت هصبر فوق الصبر صبر بس أوصلك في الآخر. مين كان يصدق اللي هييجي اليوم اللي هتبقى فيه حلالي وفي حضني يا ست البنات.
خرجت من حضنه تسحبه بحنان تجلس بجوارها على إحدى الأرائك تجلس داخل أحضانه قائلة: رجب.
رجب: يا عيون رجب.
ابتسمت مجددًا وقالت: غنيلى يا رجب.
رجب: أغنيلك وماله. يعني هعمل البدع دي كلها وفي الآخر مش هعرف أغنيلك. طب والله لأغنين لك.
ضحكت بخفة فنظر لها بوله يقول: هغنين لك أكتر أغنية كنت بسمعها وأنا بحلم بيكي بيني وبين نفسي.
نظرت له بانبهار وهو ينظر داخل عينيها بحب يبدأ في الغناء بصوت غليظ نشاز:
ويلي ويلي ويلي من الأيام يا شوق. ماقدرش أنام في ليلي ويرضى مين يا شوق. أنا من بعد الأسيه. مشتاق نظرة حنية ولا مكتوب عليا أعشق وأتوب. ده عيوني بيبصولك وبعت مراسل جولك. وانتي مين يطولك وانتي العالية لفوق.
أدمعت عيناه. رغما عنه أدمعت. لقد تعب كثيرًا في عشق مستحيل ولولا إنصاف القدر لما أصبحت له.
احتضنته هي هذه المرة. احتضنته بقوة تبكي سنين عمرها وسنينه هو الآخر.
***
كانت توتا تجلس شاردة تفكر في حديث تحية وما فعله وقال ذلك الحقير.
وجدت محمد يقف أمامها بغضب يقول: كان واقف معاكي بيقولك إيه. ومن امتى وفيه بينك وبينه كلام من أساسه.
نظرت له بسخرية. فهي حقًا كان ينقصها محمد هو الآخر.
تحدثت بلا أي مبالاة لحديثه وقالت: كويس إنك جيت عشان أقول لك إن أنا وأختي ماشيين خلاص. يعني عشان تيجي تتمم على حاجتنا إلا نكون قلبناك تاني ولا حاجة.
زادت عيناه اشتعال وغضب. تنوي الرحيل. على أين. هل متفقة معه على الذهاب إليه أم ماذا.
تحدث بغيره واضحة: ويا ترى هتمشي من هنا على فين. ها. متفقة معاه هتعيشوا فين؟
توتا: بقول لك إيه يا جدع أنت. أنا مش ناقصة وجع دماغ. عندك حاجة عايز تقولها قولها مش عندك اتكل على الله الله لا يسيئك عشان مش ناقصة هي.
قبض على مقدمة ثيابه بغضب وقال بعينين حمراوين مرعبتين لأول مرة تتلبسه تلك الحالة: اسمعي. قسماً بعزة جلال الله لو عرفت إنه لمح خيالك بس لاهتشوفي محمد تاني محدش لسه شافه ولا يعرفه. وإلى عندي قولته وانتِ ومزاجك بقا ومشيان من هنا مش هتمشي. وده آخر كلام عندي ووريني بقا هتقدري تعملي إيه يا بنت عبد السلام.
تركها بغضب وهي جاحظة العين لا تجد أي تفسير أو مبرر بطريقته هذه.
وهو خرج يحاول السيطرة على حاله. يواجهها ليعلم ماذا يريد.
***
أنهى يوسف عمله وتوجه إلى بيته يصعد الدرج. تقابل معها وهي تخرج القمامة على أعتاب شقتهم.
منذ ذلك اليوم لم يراها ولو مرة. لا يستطيع نسيان حزنها ودموع عينها التي شاهدها لأول مرة.
حتى بعدما عقد سيد على والدته انتقلت للعيش معهم تاركة له الشقة مقررة أنها له وسيتزوج بها.
وقف أمامها وهي تهم لإغلاق الباب فقال سريعًا قبلما تغلقه بوجهه: ااا... ازيك.
رفعت حاجبها بنفور ولم تجيب فقال: أنااا. يعني يا ستي ماتزعليش. حقك عليا ههه.
نظرت له باستنكار. يقولها وكأنه يضغط على حاله كثيرًا فقالت: لا والله وجاي على نفسك كده ليه.
يوسف: شوفي يعني أنا بقولك إيه وانتي بتقولي إيه. هو إحنا لازم يعني كل ما نتقابل نشرح بعض مطاوي وسكاكين. في إيه مانا بشوفك كويسة مع الناس كلها.
مي بسماجة: سبحان الله يا أخي مش بطيقك.
ابتسم قائلاً: من القلب للقلب والله يا بت يا مي. وسعي. وسعي بقا ودخليني أتعشى عندكوا أكل أمي وحشني.
مي ببرود: لااا.
تحدث من بين أسنانه: اللهم طولك يا روح. وسعي. وسعي من وشي يا مي أحسن لك.
مي: لأ بيت أبويا وأنا حرة فيه.
يوسف: وبقا بيت أمي بردوا. أوعي بقا من سكتي.
مي بكبر: وماله. ادخل تعالى نعشيك.
ردد خلفها بغيظ: ادخل تعالى نعشيك؟
مي: آه. أهو كله بصوابه. وانت شكلك غلبان وتجوز عليك الصدقة.
زادت الأمر كثيرًا وهو تحملها كثيرًا لأول مرة بحياته. لكن أكثر من ذلك أن يستطيع.
قبض على يدها بغضب منها ينوي تعنيفها ولكن. لا يدري فجأة وجد حاله يجذبها لأحضانه بقوة. لا يعرف كيف ولا لما فعل ذلك. ضمها له لمدة نصف دقيقة كانت أروع من الخيال.
فجأة انتفضت من حضنه بعدما استكانت به لثواني وانتفض هو الآخر معها لا يصدق ما فعله ومع من. مي! أكثر شخص يتعارك معه يوميًا وكلما رآه.
دلفت داخل شقتها بسرعة وأغلقت الباب ووقفت تستند بظهرها عليه تتنفس بسرعة وتغمض عينيها.
فتحتهم بسرعة على صوت والدها يقول: مالك يا مي واقفة كده ليه وكنتي بتكلمي مين برا؟
تحدثت بتلعثم وخوف: ده. ده يوسف.
سيد: إيه هو انتوا مولودين فوق روس بعض لازم كل ما تتقابلوا تمسكوا في خناق بعض.
تحدثت حكمت وهي تضع صحون العشاء على طاولة الطعام: عيال يا سيد وبكرة يعقلوا سيبهم يا خويا.
سيد لمي: طب ما قولتيليش ييجي يتعشى معانا ليه؟
تحدثت بتلعثم أشد تشعر بالذنب على ما حدث: اا. اااهوو. هو قالي مش جعان.
نظر لها بجانب عينه يعلم ابنته جيدًا وقال: هو بردوا؟
تدخلت حكمت: لا ما تخافش عليه. ما بيسيبهاش عن روحه أبدا. تعالوا انتوا اتعشوا وأنا شوية وهبقى أروح أشقر عليه وبعدها أعدي على خالتي شوية.
مي: اااهرروح أغسل ايدي من كيس الزبالة وأجي.
تحركت سريعًا تختفي داخل المرحاض. تغلق الباب بسرعة وتلقف أنفاسها المسلوبة لا تصدق ما حدث.
وهو الآخر ببيته مثلها مزهول ومصدوم منها. من نفسه. من شعوره وهي داخل أحضانه. وأخيرًا ابتسم براحة يتنهد. كأنه وجد ضالته.
***
جلس على طاولة الطعام يقطع الدجاج بغيظ كأنه يشرحه لا يقطعه. مغتاظ منها بشدة.
وهي تكبت ابتسامتها بصعوبة عليه وعلى ما حدث.
رأى ابتسامتها تلك التي لم تفلح في مداراتها فمال عليها قائلاً بغيظ: بتضحكي. ماشي. بقا بتمنعي نفسك عني. وبعد ما شوفت الويل عشان تبقى مراتى. انتي بقيتي مراتي على فكرة.
تحدثت بخفوت وخبث: ده بدل ما تبقى جان وتقولي مش هلمسك إلا أما أعملك فرح وتفرحي بنفسك الأول يا حبيبتي.
عامر بصوت خافض عصبي جداً: ما هعملك فرح. دي مالها بديه عايز أفهم.
مليكة: لا طبعًا. ما فيش أي فارس أحلام بيعمل كده. دايما بيصبر عليها لحد ما تتزف له بالفستان الأبيض قدام الكل.
عامر: ما هي الروايات دي اللي مقندلة عيشتي. أبقى فكريني أمنعها تدخل البيت خالص. حبيبتي أنا أصلاً زبالة وأخلاقي زفت. ومش هصبر عليكي كتير.
كانت عيناها متسعة من وقاحته لكنها اتسعت أكثر وهو يكمل مبتسمًا بخبث ووقاحة: على سيرة الفساتين بقا.
بعد العشا ابقي لبسيلى الفستان إياه بتاع مدريد.
ابتسم بتلاعب وهو يجدها تنظر له بصدمة وحرج لا يسعفها أي رد.
والجميع ينظرون لهم بخبث وفرحة خصوصاً الجدة تشعر أخيرًا براحة كبيرة.
الكل يرى عامر جديد. لا يستطيع إخفاء لهفته على تلك الصغيرة أبدًا.
***
في مكان آخر.
على طاولة عشاء رومانسية في أفخم المطاعم.
جلست هديل بفستان أحمر راقٍ. تضع شعرها على كتف واحد بحرج أمام عادل الذي ينظر لها بصمت وهيام كأنه يحفظ كل ملامحها. ثوانٍ وتحدث بحب: هديل انتي حلوة أوي.
ابتلعت مشروبها بتلعثم وقالت: ششكراً.
ابتسم على خجلها الفطري والذي تقريبًا انعدم ولم يعد يراه. يقسم بأن يترك حياة الليل وألا يضيعها من يده فهي هبة بكل ما تعنيه الكلمة.
تحدث بدون مقدمات قائلاً: هديل. انتي ما فكرتيش أنا ساعدتك ليه؟
ابتسمت ابتسامة جميلة وقالت: عشان شهم وزوق. شكرا بجد.
عادل: أنا لا شهم ولا زوق. أنا مش بعمل حاجة لله.
صمتت بصدمة فقال: انتي عجباني من أول ما شفتك وعايز أتجوزك.
اتسع فمها مع عينيها وهي تُغازل بتلك الطريقة الفجة ولكن هذا هو عادل وتلك هي طريقته.
***
جلس كارم لجوار نهى والتي تزحزحت قليلاً تبتعد عنه.
تزحزح هو الآخر يلتصق بها ثانية. فتزحزحت تبعًا.
حمحم بهدوء ثم التصق بها فصرخت برعب قائلة: في إيه يا أستاذ أنت ما تحترم نفسك وتقعد باحترامك بدل ما والله أنادي بابا.
كارم وهو يراقص حاجبيه: بابا إيه يا نونتي ما بقيت أنا بابا خلاص. إحنا كتبنا الكتاب وعليّنا الجواب.
فتح الباب في تلك اللحظة على مسرعيه يدخل منه فاروق والدها ينظر له بغضب وهو يجده يجلس كتفًا لكتف جوار ابنته فتمتم كارم: سلامًا قولا من رب رحيم.
فاروق بصوت غليظ: بقا أنا أطلع أوصي على الشاي أجي ألاقيك لازق في البت كده.
وقف سريعًا يقول: شوف يا عمي. أنا والله ما عملت حاجة هي أصلاً مش مديهالي فرصة. دي عاملة زي القطر.
رفع فاروق رأسه بشموخ يقول: طبعًا مش بنتي. تربيتي. بنت أبوها بصحيح.
كارم: طب جوزونا بقا الله يكرمك.
ابتسم فاروق قائلاً: خلاص آخر الأسبوع.
اتسعت عينا كارم وقفز عليه يقبله من وجنته قائلاً: ينصر دينك يا شيخ.
ثم أكمل يحدث نفسه بجنون وهو يلملم أشياءه يستعد للذهاب متمتماً: يااااه. أخيرًا هتتجوز ياواد. هتتجوز.
خرج من عندهم وفاروق يضم ابنته لحضنه يقول: عاجبك على إيه ده.