سيبتهم واقفين برة ودخلت بسرعة أوضتي. قفلت الباب ورايا كويس بالمفتاح وبدأت أحاول أسيطر على نفسي وعلى دموعي. غمضت عيني بقوة وأنا بتكلم بإصرار: "ماتعيطيش يا كيان. إنتِ كنتِ مستنية إيه منهم أصلاً؟ دول ناس غريبة عنك، ويوم أو اتنين وكانوا هيزهقوا منك زي أمك. خليكي قوية زي ما بابا قال."
أخدت نفس عميق في محاولة مني لإخراج كل الطاقة السلبية اللي جوايا. اتجهت بسرعة لـ تحت السرير، سحبت الشنطة بتاعتي وبدأت ألم حاجتي بهدوء عشان محدش يسمع حاجة فيحاولوا يمنعوني. بعد فترة كنت خلصت تجميع حاجتي. رفعت الشنطة وخبيتها ورا الستارة عشان لو خالتو جات ماتشوفش حاجة. قعدت على السرير بتعب وإنهاك وأنا بفكر هعمل إيه وهروح فين. أنا ماليش أي مكان ممكن أقضي فيه يومين لحد ما أقبض وأجر شقة.
بدأت أدعي الله في سري بالدعاء اللي كنت دايما بسمع بابا بيردده لما بيكون مهموم أو في حاجة مدايقاه: "اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن، وأعوذ بك من الجُبن والبُخل، وأعوذ بك من العجز والكسل، وأعوذ بك من غلبة الدين وقهر الرجال." فضلت أردد الدعاء لأكتر من نص ساعة وأنا لسه على وضعية نومي. لحد ما خطرت على بالي سارة وإنها ممكن تساعدني بحكم إنها عارفة المكان هنا كويس وممكن تلاقيلي شقة بإيجار قليل.
ابتسمت بحماس وقمت بسرعة. لفيت بنظري في المكان على شنطتي، ولكن مالقيتهاش. دورت تاني في كل مكان وكانت النتيجة برضه الخيبة. خبطت على دماغي بضيق لما افتكرت إنها وقعت مني على باب الصالون وأنا بسمعهم. *** "عرفت يا زياد إنك كنت ظالمها! "وأنا إيه عرفني يا ماما إنها هتتأخر في الكلية لحد دلوقتي؟ مانا مش بقرا على كف إيدي يعني." "لا مش بتقرا، بس على الأقل استنى لما تيجي ونفهم منها اللي حصل، مش تتكلم عنها بالطريقة دي."
بصيت لهم مريم بقلق واتكلمت وهي بتقعد جمب مامتها: "عيون كيان كان جواها حزن كبير بتحاول تخبيه. أنا حاسة إنها سمعت حاجة." بصيت لها مامتها بشك: "تفتكري؟ قعد زياد جمبهم بتعب وهو بيضغط على راسه: "ما أعتقدش. لأنه بحكم معرفتي بيها وبشخصيتها، لو كانت سمعت مكنتش هتدخل عادي." بصت له دلال مامته بسخرية وهي بتقوم: "إنت لو بحكم معرفتك بيها بجد، مكنتش هتقول كده. ربنا يستر وما تكونش سمعت حاجة فعلاً." وكملت وهي بتوجه كلامها لمريم:
"تصبحين على خير يا حبيبتي، أنا داخلة أنام." رفع زياد حاجبه بضيق: "مافيش تصبح على خير يا زياد؟ ولا بقيت ابن البطة السودة دلوقتي؟ تجاهلت دلال ومريم كلامه ودخلوا كل واحدة أوضتها. وهو فضل لوحده. ولما زاد وجع دماغه، وقف واتجه للمطبخ يدور على أي برشام يخفف الوجع شوية. *** فتحت باب أوضتي براحة. ولما لفيت بنظري في المكان وتأكدت إنهم ناموا، خرجت أتسحب على طراطيف صوابعي عشان محدش يحس بيا، لأني مش قادرة لأي كلام دلوقتي خالص.
"مالك بتتسحبي كده زي الحرامية؟ شهقة عالية خرجت مني من الخضة. فـ حطيت إيدي على فمي بسرعة، وضربات قلبي تكاد تُسمع. والله وحقيقي أنا خلفي اتقطع بسبب اللي منه لله. حاولت أسيطر على أعصابي وأنا ببصله بعصبية وأنا على تكة هقوم أفشفش راسه خالص عشان مايطلعلوش حس تاني البني آدم المستفز ده. "في حد يخض حد كده؟ "وهو في حد يخرج من أوضته بيتسحب كده؟
بصيت له بطرف عيني وقررت أتجاهله خالص. فـ مشيت ناحية الصالون، لقيت الشنطة مكانها. سحبتها بسرعة وهو لسه واقف بيبصلي بهدوء. قربت من أوضتي، كنت هدخل وأقفل الباب بس لقيتني برجع له تاني وبتكلم بابتسامة جانبية: "المرة الجاية لما تتكلم عن شرف بنت بالسوق باعتبار إنها مش موجودة، وتتكلم عن يتمها وكأنه عار أو عيبة في حقها، افتكر إن في ربنا شايفك ومش بيسيب حق حد."
حسيته اتصدم لما عرف إني سمعته ووشه احمر من الخجل. ولكني ما اهتمتش ورجعت لأوضتي تاني. لسه هفتح الباب وأدخل، سمعت صوته واللي من نبرته الندم. فـ وقفت ولكن ما التفتتش له: "أنا آسف… حقيقي مش عارف أقولك إيه. بس أنا كنت قلقان عليكِ والله لما اتأخرتي كده، وتليفونك مقفول، ومكنتش عارف أنا بقول إيه من خوفي. سامحيني يا كيان." "أسفك مش مقبول."
دخلت أوضتي وأنا بتنهد بضيق. وخوف كبير بيتبني جوايا من اللي جاي. ولكني حاولت أهدئ نفسي بإن هيحصل إيه أكتر من اللي حصل. خرجت الفون من الشنطة، كان لسه فاصل شحن. نفخت بضيق وأنا بدور على الشاحن بعيني. ابتسمت لما لقيته على التسريحة. أخدته بسرعة حطيته على الفون لحد ما فتح. جبت رقم سارة ورنيت عليها. "كيان.. في حاجة ولا إيه؟ "واحدة رانة عليها الساعة 3 الفجر، طبيعي تقلق كده. ولكن مكنش قدامي حل تاني ومش هينفع أستنى للصبح."
"سارة ماتعرفيش تتصرفيلي في أي مكان أقضي فيه يومين لحد ما ألاقي شقة أجره." "أنا مش فاهمة حاجة، شقة إيه ومين هيأجرها؟ "لا سارة، أبوس إيدك صحصحي معايا كده وركزي." "فوقت أهو وفهميني براحة إنتِ عاوزة إيه." *** كلامها اللي في الرسالة كان بمثابة سكاكين بتقطع قلبي. مهما قولت أو عملت دلوقتي محدش فيهم هيعذرني، وده حقهم أكيد. أنا كلامي مكنش هيّن معاها. "يعني كيان سمعتنا امبارح؟ تنفست مريم بضيق:
"أكيد يا ماما، أومال إيه هيخليها تسيب البيت كده." دموع ماما بدأت تنزل على خدها وأنا واقف جمبها مش قادر أتحرك أو أعمل حاجة. "هتروح فين طيب؟ دي مابقاش ليها غيرنا." "مش ممكن تكون راحت لخالتو يا ماما؟ "هاتيلي تليفوني بسرعة أكلم ثريا."
جريت مريم بسرعة ولهفة على أوضة ماما وأنا عيني متركزة عليها وجوايا أمل كبير إنها تكون عندها. مع إن إحساس جوايا كان بيقول إنها مش هتروحلها، ولكني ماحبتش أسبق الأحداث وانتظرت لما ماما تكلم خالتو، لعلي وعسى تكون عندها فعلاً. "خدي يا ماما أنا جبتلك الرقم." قعدت مريم جمبي وأحنا باصين ناحية ماما وهي بتتكلم بانتباه. "إزيكم يا ثريا، عاملة إيه؟
سكتت شوية لما خالتو ردت عليها وظهر على ملامح ماما الضيق والحزن. ولكن حاولت تعدل نبرة صوتها وهي بتقفل معاها. "أيوه بتسلم عليكِ.. لا متقلقيش عليها دي في عنينا.. ماشي يا حبيبتي خدي بالك من نفسك، سلام." "مش عندها." كلمة واحدة قالتها ماما لما قفلت مع خالتو وبدأت دموعها تنزل تاني ومريم بتحاول تهديها عشان ما تتعبش. *** "حقيقي يا سارة أنا مش عارفة أشكرك إزاي. إنتِ ربنا بعتك طوق نجاة ليا والله." ابتسمت سارة بطيبة
وهي بتغسل إيديها جمبي: "أنا ماعملتش حاجة يا كوكي. الشكر كله يروح لمستر سليم ومستر أدهم بعد ربنا." أتنهدت براحة وأنا بهز راسي بالموافقة. "بس غريبة يعني، هما ليه عاملين سكن مجمع للي شغالين معاهم؟ "ولا غريب ولا حاجة. هما عندهم كذا عمارة ولأن أغلب اللي شغالين هنا طلبة مغتربين، عطوهم شقتين يسكنوا فيهم وبيخصموا كل شهر الإيجار من مرتبهم. بس طبعاً بسعر قليل أوي مقارنة بالشقق التانية."
هزيت راسي باقتناع وأنا بدعيلهم بالخير في سري. بعد نص اليوم كان وقت البريك. وللأسف اليوم ده كان عندي محاضرة مهم، فـ قررت أروح على مكتب مستر أدهم وسليم أستأذن إني آخد نص اليوم إجازة. وأنا في طريقي للمكتب حسيت بهزة في جيبي. وقفت وأنا بطلع الفون واللي كان بيرن برقم غريب. فـ اتجهت لركن منعزل في الكافيه. "الو.." سكت وأنا بسمع رد الطرف التاني. "إزيك يا كيان، عاملة إيه يا حبيبتي."
على قد ما كنت زعلانة منها، على قد ما كانت وحشاني. عمري ما تخيلت إن هييجي اليوم اللي هكون مش قادرة أكلمها عادي، وإن هيكون في حاجز كبير كده بينا. للوهلة الأولى قلبي حنّ لها. ولكن لما افتكرت جحودها معايا، دوست على قلبي ومشاعري. "مين معايا..؟ حسيت من نبرة صوتها إنها زعلت. ولكن حاولت ما أتأثرش ولا أبين ده في كلامي. "معقول أسبوع واحد ينسيكِ صوتي يا كيان..؟
"نفس الأسبوع اللي نساكِ إن عندك بنت طردتيها من بيت أبوها عشان جوز الفيران، وما سألتيش فيها هتصرف منين ولا هتتصرف إزاي في بيت ماتعرفش فيه حد. نساني إني عندي أم." "يا كيان أنا بس كنـ…" قاطعتها بسرعة وأنا حاسة إني لو فضلت ثانية كمان هعيط وأبين لها ضعفي في غيابها: "بصي يا مدام، في اليوم اللي أنا بقيت فيه يتيمة الأم، إنتِ فقدتي بنتك. ويا ريت ما تحاوليش تكلميني تاني، لأني مش هرد."
قفلت الفون وأنا حاطة إيدي على قلبي وبحاول أهدئ نفسي بإن ده مش الوقت ولا المكان المناسب للعياط. "يارب أنا تعبت يارب ومش قادرة أستحمل أكتر من كده. يارب هو عليك هيّن. يارب حلها يا رءوف." دموعي بدأت تنزل فـ مسحتها بسرعة، ولكن كانت بتخوني تاني وتنزل على خدي بضعف. "هتعيطي زي ما إنتِ عايزة، بس مش هنا. إجمعي يا كيان، الناس هتقول عليكي إيه."
رفعت كم البلوزة مسحت بيها دموعي وأنا بكلم نفسي. ولما اتأكدت إني بقيت أقوى شوية، لفيت عشان أروح المكتب. ولكني وقفت بصدمة لما شفت مستر سليم واقف ورايا، وغالباً سمع كلامي كله. "مسـ… مستر سليم، حضرتك محتاج حاجة؟ بصيت له بتوتر وأنا بشوف نظراته المتفحصة ليا وكأني بالفعل سمعني. "هو في حاجة.. إنتِ كنتِ بتعيطي مش كده..؟ لو حابة تتكلمي، أنا ممكن أسمعلك واعتبرني صديق." ابتسمت بتوتر:
"لا لا مافيش حاجة. أنا بس في حاجة دخلت في عيني وكنت واقفة أخرجها." "بصي يا كيان، أنا مش عارف إنتِ مالك، ولكن متأكد إن في حاجة تانية. فـ
كنت حابة أقولك: إنتِ مش فاشلة، كفاية تحطيم في نفسك وكفاية وهم إنك مش هتعرفي تكملي وإن دي النهاية. كفاية تفكري في اللي فات وتجلدي ذاتك بإن مكنش ينفع اللي حصل. كل حاجة حصلت لكِ ولسه هتحصل مكتوبة لكِ أصلاً ولازم تحصل، سواء وافقتي أو لا. فشلك في علاقة أياً كان المسمى بتاعها ده مش معناه إن كده خلاص. أهدافك وطموحاتك لسه متحققوش، عادي بس إنتِ اجري وراهم. أوعي تفتكري إن مفيش فرص تاني. لا، لسه فيه فرص ولسه فيه طرق إنتِ
متعرفيش عنها أي شيء. قومي وكملي حياتك، خدي فرصة إنك تكملي. مفيش أي مشكلة لما تقعي وتقومي طالما من جواكِ بتحاولي. ربنا مش هيضيع تعبك ولا محاولاتك نهائي، بس إنتِ حاولي عشانك. معرفش كلامي ده له علاقة بمشكلتك ولا لا، بس حسيت إني حابب أقولهولك."
كلامه كان بمثابة باور عشان أكمل وما أتعبش. أنا أحسن من غيري بكتير، وأكيد ربنا مخبيلي الحلو كله، بس محتاج الصبر. ابتسمتله بهدوء واستأذنت منه عشان أخرج. وهو ما اعترضش. فـ دخلت تاني أخدت حاجاتي وبدلت هدومي واتجهت للجامعة. ولأني كنت متأخرة، قررت آخد أوبر. وبعد أقل من عشر دقايق تقريباً كنت بنزل من التاكسي بعد ما حاسبته. ولأني كنت متأخرة جداً، جريت عشان يدوب ألحق أدخل قبل دكتور المادة اللي مش بيدخل حد بعده.
كنت ماشية في الطرقة وأنا بظبط حاجاتي ومش منتبهة للي جاي عليا. وقبل ما أخبط فيه، اتكلم بصوت عالي عشان أنتبه. واقف فـ شهقت بخضة ورجعت خطوتين لورا. "مستر سليم… إنت بتعمل إيه هنا؟ ابتسم بهدوء: "إنتِ ماتعرفيش إني دكتور هنا ولا إيه؟ "بتهزر صح؟ أنا أول مرة أشوفك هنا." "مش غلطتي إنك مش مجتهدة ومش عارفة الدكاترة بتوعك." ابتسمت بعدم تصديق: "بجد والله مش مصدقة."
"ما طبيعي ماتصدقيش، لأني ولا دكتور ولا نيلة. أنا ليا واحد صاحبي هنا وكنت بشوفه." ضحكت على غبائي وإني كنت هصدقه فعلاً. "ما الحلو مقضيها أهو، اومال سايق عليا العوج ليه؟ بصينا إحنا الاتنين على مصدر الصوت واللي مكنش غير مراد عملي الأسود. قرب منه سليم وكان هيضربه لولا إني منعته بسرعة وأنا ببعده عنه عشان مايحصلش مشاكل. ولكن مراد كان له رأي تاني بسبب كلامه:
"جايبلي واحد يضربني يا كيان عشان فضحتك وعرفت حقيقتك، وإنتِ اللي عاملة علينا الخضرة الشريفة." "مين دول يا كيان…؟ بصيت لمصدر الصوت وأنا بتمنى الأرض تنشق وتبلعني: "زياد."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!