ابتعدت صباح عن إلهام بالفعل، ولكنها أخذت تسبها بأفظع الشتائم. لم يسلم محفوظ أيضًا من لسانها الحاد، ولكنه اكتفى بالنظر إليها بعتاب. ثم حاوط إلهام بحنو وحملها بحب إلى غرفتهم. دَفَنت رأسها في عنقه بخجل. ليضعها بعد ذلك على الفراش وأخذ يطالعها لبعض الوقت دون حديث. وهي تطالعه بترقب وتنتظر أن يحدثها بحديث يطيب قلبها المكلوم. لتجده يتحدث أخيرًا بقوله:
"بصي يا بت عمي، أنا صوح أحبك من جَلبي ووعد مني أحميكي من أمي. لكن صدقيني مش قادر. أجي جمبك رغم إني أشتهيكي، بس كل ما أحاول أقرب منك، بلاقي صورة منصور قدامي وتوقف بيني وبينك." فبكت إلهام بمرارة وأخذت تضرب نفسها مرددة: "ياريتني موت قبل ما يعمل فيا أكده، ويحرق جلبي وجلبك يا محفوظ." فوقف محفوظ والشر يتطاير من عينيه مردفًا:
"وأنا مش هسكت يا بت عمي عن اللي حصل ده، وهاخد بتارك منه. وأوعدك هخليكي تشربي من دمه كمان. بس لحد ما يجي اليوم ده، نعيش كيف الأخوات." فصرخت إلهام: "لاااااااا! عتقتله يا محفوظ حتى قبل ما توصل له." محفوظ: "متخافيش، هوصله وهقتله، بس هستنى اللحظة المناسبة." إلهام ببكاء: "حتى لو قتلته، هيحبسوك يا محفوظ، وكيف هعيش من غيرك؟ محفوظ بثبات:
"عتعيشي مرفوعة الرأس يا إلهام، وعتستنيني لما أخرج. حتى لو خمسين سنة، ولما أطلع هعمل ليكي فرح من أول وجديد." لتمر الأيام بالفعل، ويعلم محفوظ ما حدث لمنصور وما ينتظره من عقاب في يوم المحكمة. لذا أصر أن يحضر بنفسه بعد أن عزم الأمر على قتله أمام الناس مهما كانت عاقبة ذلك، حتى لو قتلوه بعدها. فالأهم عنده هو الانتقام لشرفه.
ليأتي بالفعل هذا اليوم الذي انتظره الجميع بشغف ليروا نهاية هذا الظالم الجبار. لإن وعد الله حق، ولكل ظالم نهاية، ومن قُتل يُقتل ولو بعد حين. اصطف جميع الحضور في المحكمة منتظرين بدء المحاكمة ورؤية المتهمين. رأت نهلة زهيرة، فوجدت نفسها تقف وتخطو إليها حتى وقفت أمامها مبتسمة مردفة: "كيفك يا ست زهيرة؟ طالعتها زهيرة بلهفة ووقفت عند رؤيتها وضمتها لصدرها بحنو هامسة: "نهلة، وحشتيني يا بتي. أنتِ اللي كيفك؟
ومجتيش ليه القصر عاد تشوفى حالك؟ ابتعدت نهلة مردفة بحب: "أتوحشتك الجنة يا ست زهيرة، وأنا بخير طول ما أنتِ بخير." ثم ضحكت بوجع مرددة: "قصر إيه وحال إيه يا ست زهيرة! خلاص كل واحد رجع لأصله. وأنا كيف ما جولتلك أنا مكنتش جايه عشان الفلوس وأعيش مرتاحة. أنتِ خابرة أنا اتجوزته ليه؟ والحمد لله إنها وصلت لكده وجه اليوم أخيرًا اللي نتشفى فيه أنا وأنتِ، ومعيزاش حاجة أكتر من أكده." طالعت براء بتعجب من حديثها وحدثت نفسها:
"غريبة جوي البت دي، بس على كده ليه حق فعلًا محمود يعجب بيها، لإنها حالة نادرة بين البنات اليومين دول وجلبها طيب كيف زاد."
ثم أعلن حاجب المحكمة ببدء الجلسة، فدق قلوب الحضور وأخذوا يسلطون أعينهم بترقب على قفص المتهمين لرؤية ذلك الرجل الذي أوهمهم لسنوات طويلة أنه منصور الجبالي. ليزج بهم بالفعل في القفص واحدًا تلو الآخر. فعلت صيحات الحضور عند رؤيتهم. فغضب القاضي وطلب الصمت حتى لا يضطر بالزج بهم خارج القاعة، فلاذوا بالصمت جميعًا.
حاولت قمر الابتعاد عنهم في القفص بقدر الإمكان خوفًا من بطش حمدي الذي كان يرمقها بنظراته الحارقة، فتنتفض خوفًا. وكادت أن يقف قلبها عندما رأته يشير إلى عنقه ويحرك يديه عليه (أي سيذبحها) فتلتفت تهمس لنفسها: "يارب نجيني منه، ده هو السبب المجرم ده في كل اللي أنا فيه دلوقت. يارب عدّي اليوم ده على خير." ثم أشاحت بوجهها عنه، لتصدم برؤية عيني براء التي تحمل العتاب واللوم والازدراء والغضب حتى تلونت بالحمرة. فبكت قمر وتوسلت
بعينيها إليها كأنها تقول: "سامحيني سامحيني يا براء." ثم أغمضت عينيها حتى لا ترى أحدًا وأطبقت على شفتيها بحزن وندم. كما حاول براء عدم النظر إليها مجددًا حتى لا تثير أعصابه وحدث نفسه: "ياااه يا قمر، ياما عيون زاد بكت بسبب وحدة زيك متسواش. وأنا كنت مغفل ومش خابر حاجة. ياريت ربنا يديني العمر عشان أعوضها عن كل لحظة حزن عشتها بسبب حبي الوهمي لقمر." أما حمدي، فكان يحترق بداخله وعيونه تلمع بالشر:
"كله بسببك يا قمر، كنا عايشين وعنشتغل ومحدش يدري بينا. وكنت هكون دراع حمدان اليمين والدنيا كانت بدأت تضحكلي بعد الفقر والضنك اللي كنت فيه. تيجي أنتِ يا قمر في لحظة واحدة تضيعي ده كله وتهدي كل أحلامي اللي بقالي سنين بحلمها، في إني يكون لي مال وجاه. ماشي يا قمر، مش سيبك وأهي كده موتة وكده موتة، بس مش هرتاح غير لما أطلع روحك بيدي الأول."
وقف منصور في القفص وعلى وجه الوهن والضعف، حتى أن قدميه لم تكن تحمله وأخذ يترنح بجسده. والعسكري يوبخه بقول: "اجف عدل يا متهم." ليحاول مجددًا التماسك، ثم أخذت تدور عيناه بين الحضور وكأنه يتلهف لرؤية نهلة، ولكن تصادم برؤية زهيرة في بادئ الأمر. ورأى في عينيها الكره والشماتة به، فأغمض عينيه متألماً.
"خابر يا زهيرة إنك جايه تشمتي فيه، وعذرك ما أنتِ معشتيش اللي أنا عيشته ولا حسيتي بالوجع اللي حسيته من وأنا جد كده. اااااه محدش حس بيه ولا حبني طول عمري غير نهلة." ثم أخرجه من شروده صوت جابر وهو متعلقًا بالقفص يبكي وهو يلمس يد أبيه حمدان مردفًا: "ليه بس يا بوي عملت أكده، ليه؟ ياما جولتلك الحرام آخره وحش، وهينهش في الجسم كيف ما هينهش النار في الحطب، وادي آخرتها." تنهد حمدان وكأن النار تخرج من جوفه مردفًا بندم:
"يارتني كنت سمعت كلامك يا ولدي، بس خلاص سهم القدر نفذ وكنت رايد أنتقم لأمي الله يرحمها." فبكى جابر: "يارتني ما جولتلك اللي حصل، كنت عيل ومش فاهم حاجة، مكنتش خابر إنك هتعمل أكده." حمدان: "وأنا من ساعتها منمتش ولا ليلة مرتاح وكنت فاكر إن كده هقدر أجيب حقها، بس كنت بضحك على نفسي وضيعتها أكتر وأكتر. سامحني يا ولدي وادعيلي بالرحمة وادعيلي ربنا يسامحني، يمكن ربنا يستجيب منك أنت عشان أنت جلبك أبيض وطول عمره طاهر."
فحدث نفسه منصور بآسي: "يا بختك يا حمدان، عندك اللي يحبك ويترحم عليك، لكن أنا اتحرمت من كل حاجة حتى الرحمة. ياما كان نفسي أكمل مع البت نهلة وأجيب منها قطعة عيل بس منهم الله الرمم، حتى دي مهنونيش عليها، طول عمري محروم من كل حاجة." ثم أخذت عيناه تدور مرة أخرى لعله يراها فتطيب نفسه المشتاقة إليها متسائلاً: "أنتِ فين بس يا بت نهلة؟ نفسي حتى أطلعلك لآخر مرة قبل ما أموت." ليتفاجأ منصور بمن تقف أمامه بكل جبروت وعينيها تنذر
بغضب جحيمي مردفة بهمس: "كيفك يا منصورى؟ لتطلق عيون منصور قلوب حمراء امتلأت بها قاعة المحكمة حتى كادت تخرج منها أيضًا، وعلت دقات قلب منصور حتى سمعها من بجواره واضطربت جوارحه وهمس باسمها: "نهلة، نهلة.. أنتِ قدامي صح يا بت ولا بحلم؟ نهلة بسخرية: "تحب أقرصك يا منصورى، عشان تتأكد إني واقفة قصادك يا راجل! منصور بهيام عاشق:
"اقرصيني يا بت، ده أنا أتوحشتك جوي جوي.. ياااه أخيرًا شوفتك، كنت حاسس إنهم هييموتوني مرتين لو مشوفتكيش يا جلب منصور. ياااه بتمنى أغمض عيني وأفتحها وألاقي إن كل اللي أنا فيه ده حلم يا بت. وأننا في أوضتنا أنا وأنتِ وعتسمعيني كلامك الحلو ده يا بت. يلا سمعيني أي كلمة حلوة عشان خاطر حتى حلاوة الروح، وادعيلي يا بت لما يموتوني، عشان خابر إني محدش حبني خالص غيرك يا نهلة." لتحتقن الدماء في عروق نهلة مردفة بغل:
"أسمعك الرعد في ودانك يا منصور. وإنا جايه يا حزين مش عشان أحبك، بالعكس أنا أكتر واحدة هكرهك في الخلق دول كلهم. ثم تابعت بشماتة: "وجال إيه بيقول أدعيله، لا ده أنا هدعي عليك يا منصور ربنا يحرقك في نار جهنم، بحق اللي عملته في ناهد الطاهرة أختي، فاكرها يا منصور؟ ناهد اللي دنستها بعفنتك وكتلتها ورميتها للكلاب اللي شبهك." ليتجمد منصور في مكانه وجحظت عيناه وجاهد لإخراج كلماته بصعوبة:
"نااااااهد، يعني أنتِ كنتِ خابرة وضحكتي عليا عشان أتجوزك." فضحكت نهلة: "أيوه وكنت هحطلك اللي يموت رجولتك في اللبن عشان متلمس منى شعرة يا منصورى." ليثور منصور ويعلو صوته: "آآآه يا فاجرة، حتى أنتِ طلعتي مبتتحبينيش يا نهلة."
ليحاول بعد ذلك مد يده من القفص ليخنقها وبالفعل استطاع ولف يده حول رقبتها، لتجحظ عين نهلة بعد أن نفذ الهواء من رئتيها وكادت أن تموت. ولا تدخل محمود في اللحظة المناسبة قبل أن تزهق روحها لأنه كان يراقبها وعينيه لم تفارقها ولو للحظة واحدة. ليلفت إليه نظر كل من في القاعة وهو يهجم عليه ويوبخه ويزيل يديه عنها. ليتدخل الحرس في إنهاء هذا التداخل ويصيح القاضي مرة أخرى في الحضور بالهدوء مع تعنيف منصور بقوله:
"مش كفاياك كل تاريخك الدموي يا ممدوح وبدل ما تنهيه بتوبة لعل الله يغفر لك، عايز تنهيه بقتل روح تاني." فردد منصور بقهر: "اللي كنت هقتلها دي هي روحي مش روحها يا باشا." ثم أخذ يبكي بانهيار. وجلست نهلة بجانب والدها مرة أخرى وجلس بجانبها محمود وعينيه لا تفارقها وقلبه ينتفض كلما رآها تأخذ أنفاسها بصعوبة. محمود: "مش هينفع كده يا نهلة، قومي نروح لدكتور أو على الأقل نخرج بره عشان تقدري تاخدي نفسك." فترفض نهلة:
"لا، أنا مش هرتاح غير لما أسمع الحكم عليه بنفسي." ليبدأ بالفعل القصاص. فتحدث القاضي: "بعد مناقشة الأدلة تم إثبات كل الإدعاءات على المتهم الأول ممدوح الجبالي الذي تحكم به الشيطان بالكلية وجعله أداة ينفذ به كل ما يريد في صورة إنسان ألغى عقله وخسر دينه وبالتالي آخرته. وزي ما هياخد العقاب دلوقتي اللي يستحقه في الدنيا، لسه برضه هيوقف قدام الملك الجبار في الآخرة عشان يحاسبه حساب عسير." ثم أصدر الحكم: بالإعدام شنقًا.
ثم المتهم الثاني حمدان الجبالي: بالأشغال الشاقة المؤبدة. (لأن قتل مراته بعد ما كانت هي عايزة تقتله ويعتبر دفاع عن النفس والسجن عشان جرائمه التانية) المتهم الثالث حمدي: بالسجن 15 سنة. وهكذا بقية الأفراد كل واحد على جزاء عمله. ليصرخ منصور بهيستيرية:
"عتعدموني وماله، ما أنا كده كده كنت ميت من زمان جوي، ومكنش حد حاسس بيه. حتى أبوي وأمي كنت بالنسبالهم عار وعايزين يخلصوا مني، وعمره ما حد منهم طبطب عليا ولا جالي كلمة حلوة وكنت ديما أشوف الكره في عيونهم
وديما أمي كانت تجول: يارتني ما جبتك وجبت منصور بس. والكل كان يبعد عني، حتى مكنش حد يحب يلعب معايا، فكنت لوحدي، يمكن الكلاب كانت أرحم منكم عليا. أنتم كلكم السبب في اللي أنا فيه دلوقت، أنتم اللي وصلتونى لكده، أنتم المجرمين، أنتم مفروض اللي تموتوا كلكم. لأن محدش خد بيدي وعلمني الصح من الغلط. إعدموني وربنا اللي عتقوله عليه ده هيحاسبني، لا أنا هرحله وهشتكيله منيكوا ولي عملتوه فيا، وعيكون رحيم بيا عشان خابر أنا اتظلمت كيف منيكم."
ليجهش كل من في القاعة في البكاء لحاله وضعفه، إلا زهيرة ونهلة. وأيضًا هذا الذي ظهر فجأة أمام منصور شاهراً سلاحه الذي كان يخفيه. محفوظ بعين تطلق شرار الشر: "أنا اللي هوصلك حالا لربنا يا منصور بيدي قبل حبل المشنقة عشان أغسل عاري وإن شاء الله يكتلوني بعدها. بس أريح نفسي وأريح إلهام اللي غدرت بيها وضحكت عليا وجوزتهالي بعد ما جنيت عليها وضيعت فرحة السنين عشان مزاجك العكر." لتنطلق منه رصاصة إلى قلب منصور، فيسقط ميتًا. ليصدق
(من قتل يقتل ولو بعد حين) ليبدأ الصخب يعم قاعة المحكمة ووجد براء وباسم أنفسهم بدون شعور يسرعون إلى قفص الاتهام مرددين: "أبوي أبوي." وكأنهم تناسوا للحظة أنه ليس بوالدهم، ولكن هنا غلبت الرحمة على العقل. وعندما علموا بوفاته، انهمرت دموعهم بغصة مريرة وكأنهم فقدوا أبيهم للمرة الثانية. فقامت زهيرة بحزن وتقدمت إليهم وربتت على ظهورهم بحنان مردفة:
"مفيش أصعب من إن نفس تموت كده. ومنكرش صعب عليه رغم كل اللي عمله، لكن مفيش في إيدنا غير إننا ندعيله لعلى وعسى ربنا يخفف عنه العذاب." فردد براء وباسم: "الله يرحمه." ثم التفتوا إلى أمهم ليغادروا. ولكن فوجئوا بصراخ مرة أخرى. ليلتفتوا مجددًا، ليجدوا قمر قد افترشت الأرض والدماء تسيل من صدرها بعد أن طعنها حمدي الذي كان يخبئ سكينًا صغيرًا في جوربه على حين غفلة في هذا الصخب الذي حدث بعد مقتل منصور والقبض على محفوظ. فشهق براء:
"قمر." وهَمّ أن يتقدم منها ولكن فوجئ بمن جاء على نحو السرعة ووقف يصرخ أمامها: "قمر، لااااا، فوقي يا قمر.. أنا مستنتكيش السنين دي كلها عشان في الآخر تموتي وتهمليني بعد ما قولت هانت خلاص وهيتحقق حلم السنين وعتكوني ليا في الحلال، بعد كل الحب اللي حبتهولك وأنتِ مش دريانة." مسالم:
"قومي يا قمر، قومي شوفي مين اللي حبك من جلبه. حبك عشان أنتِ قمر لنفسك مش عشان أنتِ حلوة وبس. وخابر إنك من جوه مش وحشة بس مستنية حد ياخد بيدك ويطلع الحاجة الحلوة اللي فيكي يا قمرى." فأغمض براء عينيه مرددًا: "صوح، هو ده الحب الحقيقي، وده اللي اكتشفته مع زاد. لكن قمر كان حب وهمي بشكلها الخارجي الحلو بس." ثم تدخل باسم بقوله:
"أنا دكتور، خلوني أدخل لها بسرعة عشان أعرف لسه فيها نبض وعايشة ولا لا قدر الله ماتت. فلو فيها بإذن الله نبض أحاول أخفف من النزيف ونطلب الإسعاف بسرعة." ففتحوا له القفص وانحنى إليها بجذعه ليرى أنها مازالت على قيد الحياة، فصرخ: "إسعاف! لسه فيها نفس." ثم خلع عنه سترته في محاولة منه للضغط على الجرح للمساعدة في عدم تدفق الدم نوعًا ما.
أما حمدي، فقام العساكر بضربه حتى كسروا عظامه وأخذ يتأوه من الألم ثم قاموا بحبسه في زنزانة بمفرده. ثم جاءت الإسعاف سريعة لنقل قمر إلى مستشفى السجن، وقام بمرافقتها مسالم بحكم عمله كأمين للشرطة. ليحاول الأطباء نجدتها ثم نقلها إلى الرعاية الطبية، حتى تستقر حالتها الصحية. خرجت نهلة من قاعة المحكمة منكسرة حزينة على كل ما حدث أمامها. فبرغم دافع الانتقام الذي كان يراودها دوماً نحو منصور، ولكن ألمها نهايته. فرددت في نفسها:
"الله يرحمه، ظلموه وظلم نفسه." ثم وجدت من يهمس بجانبها: "نهلة." فتوقفت لتجد محمود يظهر على وجهه البشاشة: "نهلة، إيه نقول ألف مبروك واخيرا تحقق اللي كان نفسك فيه وبقيتي أرملة." فابتسمت بمرارة: "نفسي فيه؟ ااااه يا وجع قلبي، على إنسان راح لربنا بكل المعاصي دي كلها." فاندهش محمود وأصاب قلبه الغيرة فحدثها بغيظ: "إيه صعبان عليكي ابن الجبالي يا نهلة! تكوني حبتيه وأنا معرفش." فصمتت نهلة ولم تجبه، فثار محمود وانفعل بقوله:
"لاااا! أنتِ زودتيها أوي يا نهلة، كل ده ليه؟ عشان عارفة وحاسة كويس بلي في قلبي ناحيتك، فعايزة تجنيني صح؟ لكن لكل شيء حد ولازم دلوقتي تردي عليه، تجوزيني يا نهلة بعد ما تخلصي عدتك من المرحوم اللي صعبان عليكي ده؟ فصمتت نهلة واكتفت بدموع حارقة على وجنتيها.
وكانت زهيرة تشهد الموقف من بعيد وكذلك والدها الذي كان يعلم حقيقة الأمر وتركها لتحدد مصيرها بنفسها دون ضغط عليها، ولكن قلبه يتمنى أن توافق، فلن يجد أبدًا زوجًا مثل محمود لها. محمود بنفاذ صبر: "قولت ردي عليه يا نهلة، وصدقيني أنا مش هنقشك في قرارك لو رفضتي المرة دي، لأن ملوش داعي خلاص وكل شيء واضح." فحدثت نفسها نهلة بإنكسار:
"أنا كمان واضح حبي ليك يا أغلى من عينيه. ده أنا ياما بس تمنيت التراب اللي عتمشي عليه بس يا محمود. بس واضح برده إني هبكي على فراقك العمر كله. واضح كمان إنه انكتب عليّ الحزن والشقا والفرحة ما تلمس قلبي. وواضح إني أدَفن جلبي بعدك مع إنك قدامي وعتتعذب يمكن أكتر منك. وواضح إن الناس مش هيسيبوا حد في حاله وعيستكتروا عليه النعمة لحد ما تروح من يده. كيف أقولك بس إني بحبك وريداك وأظلمك معايا ويوجعني ندمك لو حسيت في يوم إنك اتسرعت والحب راح بعد الجواز. لاااا يبجا من دلوقتي أحسن يا ابن الناس. عشان كده بجولك."
ثم رفعت صوتها بنبرة قاتلة: "أيوه يا محمود أنا مش ريداك، ومش عايزة أجوزك وروح لحالك بجا." فأغمض محمود عينه متألماً وحاول ابتلاع الغصة التي في حلقه ثم فتح عينيه ببطء ليلقي عليها نظرة أخيرة قبل أن يغادر. نظرة كفيلة تميت فيها كل شيء. ثم غادر دون أن ينبس بكلمة كما وعدها، لتلتفت هي إلى والدها وتسرع إليه وتلقي بنفسها في أحضانه تبكي. والد نهلة:
"ليه طيب يا بتي عملتي كده وأنا حاسس إنك ميالة ليه وريداه، وصراحة هو ده عريس يترفض بردك! هو أنا نطول واحد زيه، شباب ومركز عليه قيمة. وفوق ده كله بيحبك وكان بيعتذر عشان توافقي مع إنك يعني." فقاطعته نهلة بقولها الصادم الذي أدمى قلب أبيها وتعجب لسماعه زهيرة وولديها: "‘أيوه يا بوي كيف ما أنت جولت بالظبط إحنا نطول واحد زيه!
عشان كده رفضته وأنا ريداه وجلبي اتعلق بيه. عشان أنا مانفعوش يا بوي، أنا مين عشان أتجوز ضابط ابن ناس ومصراوي كمان. أنا حي الله فلاحة وبعد كده كنت خدامة ويدوبك هفك الخط. واه صوح اتجوزت منصور الجبالي رغم إنه كان كبير البلد وعنديه كتير، لكن كان بردك راجل كبير وأنا صغيرة، فعمره ما كان حيعتذر مني، لكن عياله عملوها وقللوا مني كتير جوي، وقالوا خدامة تتجوز منصور الجبالي واتهنت واتضربت على يد بتهم الله يسامحها وقالوا كمان
اتجوزته عشان الفلوس. وما يعرفوش كانوا إني اتجوزته عشان أخد بتار أختي منه، واهو خلاص سبتلهم الجمل بما حمل وطلعت بالجلابية اللي عليا مش عايزة غير ستر ربنا. فدلوقتي بعد ما ربنا سترني، كيف أفضح نفسي تاني مع ناسه اللي خابرة إنهم هيعملوا معايا كيف ما عمل أولاد الجبالي ويمكن أكتر كمان لأنهم بزيادة متعلمين ومصراوية وأنا مش من طبعهم ولا مكانهم. وهو صغير يعني ممكن بعد الجواز يقل الشوق، فيفوق لنفسه لما يتأثر بكلام اللي حواليه
ويندم اللي أخد واحدة مش من طينه ولا تشرفه قدام الناس وساعتها ممكن يرمينا ويشوف واحدة من طينته تناسبه. وساعتها أنا جلبي هينكسر وهرجع ذليلة مقهورة أكتر من اللي أنا فيه دلوقتي مليون مرة. فعلى إيه العذاب ده كله، حالي دلوقتي أهون شوية. وإذ كان هو حيعذب شوية كده ويعنسيني ويشوف حاله ويمكن يقول الحمد لله إنها جت منها عاد، ده أنا كنت حوجع نفسي في مصيبة. عرفت يا أبوي ليه بجا رفضته رغم إني ريداه."
فتنهد والد نهلة بغصة مريرة: "اااااه يا بتي، ويا عيني عليكي. شايلة المرار من صغرك، بس أدي الله وأدي حكمته، ملناش فيه يا بتي. ومش خابر أقولك إيه، فيي إن ربنا يهونها عليكي ويعوضك عن المرار ده كله." تساقطت دموع نهلة الحارة على وجنتيها ورفعت رأسها للسماء مرددة: "يارب يارب." اخفضت رأسها بإنكسار مردفة: "يلا بينا يا أبوي نعاود عشان خلاص مش قادرة أصلب طولي." نطق براء بصدمة:
"مش معقول البت نهلة دي، فظيعة، مكنتش أتخيل إنها كده وبالعقل ده. تضحي بحبها وواحد زي محمود عشان مجرد إحساس ممكن يكون في خيالها بس. لإن خابر محمود كويس مش ممكن يعمل كده وبدل ما عايزها فعلًا يبقى بيحبها صح ويستحيل يغير رأيه بعد كده. وإذ كان على أهله فهو راجل ويعمل اللي رايده ويقدر يقنعهم." فعارضته زهيرة:
"الزن على الودان أمر من السحر يا ولدي. وأنا ياما جولت لكم إنها بت زينة عشان كده حبيتها وأنتم مكنتش مصدقين وياما كيف ما جالت كسرتوا جلبها وهنتوها. فمش عايزة ده يتكرر تاني خصوصًا مع إنسان بتحبه." باسم: "مش خابر أقول إيه، بس صراحة ربنا يكون في عونها وصعب جوي اللي عملته لأنها كده برده بتعذب نفسها. ياريت ربنا يجمعهم لأن بعد اللي سمعته هي فعلًا تستحق واحد زي محمود يعوضها." ثم انضم لهم جابر مطأطأ الرأس حزينًا على والده.
باسم: "إيه يا أبو نسب، فكها بجا على الأقل أبوك لسه موجود، لكن إحنا كان عندنا اتنين وماتوا." فابتسم باسم رغم حزنه مردفًا: "رحمة الله عليهم وربنا يفك كربك يا بوي ويسامحك." زهيرة: "طيب يلا بينا يا ولاد." فرجعوا جميعًا إلى القصر. ما عدا باسم الذي اتصل به طبيب ملك يبشره أن حالتها قد استقرت وكتب لها على خروج. فانشرح صدر باسم مردفًا بفرح: "ياااه الف حمد وشكر ليك يارب."
ولج جابر إلى بانة في غرفتهم، فأبتسمت لرؤيته وأسرعت بخطاها إليه ولكنها فجأة قبل أن تصل إليه شعرت بدوار وسقطت مغشي عليها. فصرخ جابر: "باااااااااااانة." فإيه اللي حصل لبانة؟ ويا ترى هيحصل إيه تاني لأولاد الجبالي؟ قصتنا لسه فيها كتير فكونوا بالقرب. وياريت حلقة النهاردة اللي أخدت مجهود كبير جدًا مني ودمعت عيني فيها بجد وأنا بكتبها تكون عجبتكم وتفضلوا فاكرينها وترشحوا الرواية في المنشورات اللي بتطلب روايات صعيدي.
وللحكاية بقية. نختم بدعاء جميل ❤️ "رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ" .. [إبراهيم:
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!