اتصل جلال على محمود يخبره بما حدث مع مسالم وخروجه في تلك الحالة غير الطبيعية، ولم يهتم لندائه. محمود: غريبة دي، بس أكيد فيه حاجة، ممكن تكون مراته تعبانة ولا حاجة. على العموم أنا هتصل بيه، أشوف ماله. فاتصل محمود به، ليرى مسالم اسمه على الشاشة، فحدث نفسه بقهر: "جولت متخفش ومحدش هيقدر يهوب ناحيتها. واهو خدوها مني وأنتم نايمين. مبقتش خلاص محتاجكم وأنا عاخد حقي بيدي."
ولم يجِب مسالم على اتصال محمود، ولكن محمود لم ييئس وكرر الاتصال، مما أثار انفعال مسالم ورد بحدة: نعم يا محمود بيه، عايزين مني إيه؟ خلاص أنا مش محتاجكم وأنا عاخد حق مرتي بيدي، ومحدش هيلومني وإن شاء الله تعدموني بعدها. محمود بصدمة: هو حصل إيه لقمر؟ اتكلم يا مسالم، أنا معرفش حاجة بجد. مسالم بقهر: قمر اتخطفت يا باشا، ومش بس كده، ده ابعتلي صورها مع الكلب. ليبكي مسالم بهيستيرية، وسمع محمود شهقاته التي أحزنت قلبه،
فأشفق عليه وقال: طيب بس أهدى كده وفهمني حصل إزاي وأنت موجود وفريق الحماية منتشر في المنطقة؟ فخرجت كلمات مسالم مبعثرة من بين شهقاته يقص له ما حدث.
فشهق محمود: آه فعلاً موضوع القنبلة ده، طلع فشنك. آآآه يا كلاب، يعني هما اللي عملوا كده عشان يوصلوا لقمر. طيب، صدقني الموضوع مش هيعدي بالساهل كده. ودلوقتي هطلع قوة للبحث، وفي أقرب وقت هترجع قمر بالسلامة. وتعالى أنت عشان تكون متواجد مع القوة، وملوش لزوم تدور لوحدك لأن المجرم ده مش لوحده دلوقتي زي ما حكتلي. ومش هتقدر أنت لوحدك تسيطر عليهم، لأن الكترة بتغلب الشجاعة.
فصرخ مسالم: لا أنا عادور على مرتي بنفسي، ومش هسيب شبر غير لما أدور فيه، ولو كانوا بعون الله مية، أنا جوايا نار تحرقهم كلاتهم. ليغلق بعد ذلك الخط ويسير هائمًا على وجهه لا يدري من أين يبدأ البحث. ليقبض محمود على يده بغضب مردفًا بحدة: غبي يا مسالم، مش هتقدر عليهم أنا عارف، وهتضيع نفسك. وياريت أنا أعرف أوصل للمجرم ده الأول، بس اللي خايف منه أنه يكون قتلها بعد اللي حصل، وكده أقدر أقول على مسالم ربنا يرحمه برحمته.
لتخرج حملة بالفعل وكان محمود على رأسها، ولكن للأسف لم يجدوا له ولا لها أثر. ****** ليمضي ذلك اليوم الحزين ويسرق شمس يوم جديد على أبطالنا. شم به جابر نسيم الحرية من جديد، ولم ينسَ أن يسجد لله شكرًا قبل خروجه من مركز الشرطة. ليخرج ويتفاجأ بوجود أغلب العاملين معه في المصنع، وعلى رأسهم عوض. وما أن رأوه حتى تجمعوا حوله يهنئونه على سلامته. ليغمض جابر عينيه متأثرًا بحب الناس له،
ثم تمتم: الحمد لله الذي منَّ عليه بتلك النعمة. ليحدثه عوض: حمد الله على سلامتك يا واد عمي، كفارة إن شاء الله، ويارب ما تعتب رجلك تاني إهنه. ليحتضنه جابر بحب وهمس: تسلملي يا غالي، كيفك أنت وكيف عيالك؟ ثم ابتعد عنه: وأخبار جاد أخوي إيه؟ أنا جولت أخدته عنديك أكيد. ليشعر جابر بمن يجذبه من قميصه من الخلف مع صوته المحبب لقلبه قائلاً: جابر إخوي حبيبي، أتوحشتك جوي جوي.
فاستدار له جابر بلهفة والابتسامة تعلو وجهه قائلاً: جاد حبيب قلب أخوك. ليلقي جاد بنفسه إليه، فاحتضنه جابر بقوة وحمله بين يديه وأخذ يقبله بحب، ثم تركه قائلاً: طمني عليك كيفك وعملت إيه وأنا مش معاك؟ والله أنا كنت شايل همك جوه بس غصب عني يا أخوي، سامحني. جاد بحزن: ربنا يخليك ليا يا أخوي وما يحرمني منك أبدًا. ده أنا كنت عموت من زعلي عليك، ومكنش فيه حاجة بتهون عليا غير سلسبيل وأخوها عمران، منا كنت قاعد عنديهم اليومين دول.
ثم التفت إليها قائلاً: تعالي سلمي على أخوي يا سلسبيل وجوليله حمد لله على السلامة، وتفرحي بيه ووقفي بكى. أهو طلع وزي الفل ووشه منور. فرمقت سلسبيل جاد بحدة مردفة بخجل: إيه يا جاد اللي عتقوله ده، اسكت، عيب.
ثم افترشت بنظرها الأرض خجلًا بعد أن احمرَّت وجنتاها وتمنت لو أن الأرض انشقت وابتلعتها خوفًا من أن يكون افتضح أمرها أمام جابر، ويعلم أنها تعشقه ولا ترى في الرجال غيره، ويكفيها من الدنيا أن تراه أمامها بخير حتى لو لم يكن لها. طالعها جابر بإعجاب بعد أن رأى وجهها الذي اكتسى بالحمرة من فرط الخجل وحدث نفسه: ما شاء الله، لسه أهو فيه خير في البنات وعيكسفوا. جابر: تشكري يا بنت الأصول على اللي عملتيه مع جاد، ويترد في يوم فرحك.
فامتعض وجه سلسبيل وحدثت نفسها: فرحة إيه بس يا جابر، معدش ينفع طول ما قلبي اتعلق بيك. فكيف أتجوز حد وقلبي مع غيره عاد. وما في حاجة تفرحني غير طلتك دي وابتسامتك وإنك تكون بخير. لتردد قائلة: لا شكر على واجب. لتستطرد بخجل: وحمد لله على سلامتك يا جابر بيه. ودلوك أسيبك عاد، أروح وأنت أكيد محتاج تستريح. ومن بكرة إن شاء الله تنور المصنع ونرجع الشغل كيف الأول وأحسن كمان. فابتسم لها جابر وأجاب: بإذن الله تعالى.
لتلتفت سلسبيل وتسرع في خطاها وكأنها تطير وقلبها يرفرف بسعادة لمجرد أنه ابتسم لها. جاد: طيبة جوي سلسبيل دي يا أخوي، دي مكنتش بتبطل بكى من زعلها عليك لحالها، وقدامي تمسك نفسها وتقولي متزعليش وتوكلني في خشمي. ياريتك كنت اتجوزتها بدل بنت الجبالي دي يا أخوي. فأغمض جابر عينيه بحزنه عندما ذُكر اسم بانة أمامه واستطرد بحزن: النصيب يا أخوي. ثم استطرد بعدم فهم: بس ليه كانت سلسبيل عتبكي عليا عشان اتسجنت ظلم؟ وصعبان عليها أكيد.
جاد: مش خابر، بس الناس كلها عتحبك أهنه، وعز عليهم يشوفوك في محنة. جابر: الحمد لله ربنا فرجها. وعايزك دلوق تروح على قصر الجبالي تجيبلي غيث أشوفه عشان وحشني جوي. فتعجب جاد وتساءل: وليه أنت متروحش تطل عليهم؟ فتنهد جابر بحزن: عشان خلاص يا أخوي معدتش أنا وبانة ننفع لبعض وطلقتها، وكل واحد بجا من سكة خلاص والنصيب بينا انتهى أكده. فهتف جاد بمرح: أحسن حاجة عملتها، وأنا من بكرة أجوزك سلسبيل، إيه رأيك، أروح أخطبهالك؟
فوضع جابر يده على فمه مردفًا بضحك: هُوس ألا حد يسمعك ونجيب للبت الكلام. أنا خلاص زهدت من جنس الحريم كله ومعدتش أفكر في الجواز تاني. أنا بس أتمنى أنت أشوفك عريس وبعدين غيث بإذن الله. ثم بدأ في السلام على كل فرد كان منتظره بحرارة وحب، حتى انتهى ثم ضم أخيه من ظهره بذراعه واتجه إلى مصنعه ليرتاح قليلًا. ****
وصل باسم إلى القسم أخيرًا بعد طول السفر، وذهب حيث مكتب المقدم حسام الذي أصر أن يبقى براء به حتى في غيابه، حتى يأتي إليه باسم ويتم إجراءات خروجه. طرق العسكري الباب واستأذن لدخول باسم، فأذن له حسام، ثم وقف ورحب به قائلاً: أهلاً دكتور باسم. فصافحه باسم بحرارة مردفًا: أهلاً بيك يا سيادة المقدم. ثم التفت بلهفة إلى أخيه الجالس على الأريكة واضعًا يده على رأسه ومائلاً إلى الأمام ومستندًا بذراعيه على فخذه.
فهمس باسم بحنو: براء أخوي. فرفع براء رأسه بانكسار ورأى باسم بهما القهر فانفطر قلبه عليه، فسار إليه سريعًا وانحنى بجسده إليه يضمه باكيًا: أخوي وحبيبي أنت يا براء مهما حوصل. ومتظنش إني ممكن أبعد عنيك أبدًا، أنا صوح هعاتبك لكن عتاب محبة مش أكتر يا أخوي. لكن وقت الشدة عتلاقيني سندك حتى لو كنت غلطان. فبكى براء بمرارة وانكسار وهمس بنحيب: حبيب قلب أخوك يا باسم، مكنتش أتصور يوم أنك تشوفني في الوضع ده.
ثم ابتعد عنه وحدقه بنظراته مستطردًا: بس صدقني وولي خلق الخلق أنا مظلوم ومش أنا اللي أروح بكيفي لغضب ربنا. فأغمض باسم عينيه متألمًا على حال أخيه، ونعم أنه يدرك ذلك ويعلم أن أخلاقهم التي تربوا عليها يستحيل أن تصل بهم لذلك المستنقع. فزفر بضيق وردد: والصور بس يا أخوي، دي أصعب حاجة في الموضوع، كيف حصولت؟ أنت متعرفش حال زاد دلوق عامل إيه؟ دي تصعب على الكافر، لدرجة أني شيعتلها دكتور على القصر عشان يديها مهدئ عشان تبطل صريخ.
فقبض براء على يده بغضب شديد ووقف ووجه حديثه إلى حسام: أنت لازم تشيع تجيب البنت دي، عشان تقول الحقيقة وأسجل كلامها لمرتي قبل ما تروح فيها وأديك سامع كلام أخوي. فأومأ له حسام: ماشي بس زي ما قولت لازم تكون هادي ومتتعرضش ليها بالأذى. فزفر براء بضيق: هحاول بس أعذرني لو اتعصبت يا حسام، أنت شايف البلوة اللي أنا فيها بسببها. ثم ألقى بنفسه على المقعد من ورائه ولمعت عيناه بالدموع مردفًا
بقهر: مش خابر إزاي فيه ناس مؤذية أوي أكده، وليه في لحظة أخسر كل حاجة بسببهم. شغلي وسمعتي ومرتي. ثم لم يتحمل أكثر من ذلك وأجهش بالبكاء، فانفطر قلب باسم واقترب منه يربت على كتفه وقد اجتمعت الدموع في عيونه هو الآخر هامسًا بحزن: بس يا أخوي، مش قادر أتحمل أشوفك أكده بتبكي. ومدام مظلوم فتوكد أن ربنا سبحانه وتعالى مش هيهملك واصل وأكيد هيظهر الحق وكل حاجة ترجع كيف الأول وأحسن.
حرك براء رأسه بأسى مردفًا: كيف يا باسم وأنا خلاص صوري اتحفرت في عيونهم ودماغهم وخلاص عرفوا إني مش ولا بد. باسم: الأيام عتنسى يا أخوي، وياما سمعنا أكتر من أكده وبيعدي والناس عتتلهي في الجديد وينسوا القديم. براء: ممكن لكن اللي عمرها ما عتنسى هي زاد يا باسم، لإني شافت مني كتير جوي. باسم: لا متقلقش زاد قلبها طيب وعتحبك جوي وعتسامح لو عرفت أنه ملعوب مش حقيقة.
ثم أشار إلى حسام: ابعت البت اللي عيجول عليها براء ولما أكيد عتجول الحقيقة، كل شيء عيتعدل بإذن الله. فأومأ حسام برأسه واستدعى العسكري ليأتي بـ نيلى من الحجز. ******** طرقت جليلة الباب لدى بانة واستأذنت للدخول، فأذنت لها بانة. طالعتها بانة بجمود يشوبه النفور وقالت بتعالٍ: عايزة إيه، جولّي وأخلصي؟ حدثت جليلة نفسها: مالها دي على طول أكده روحها في مناخيرها. القصد هقولها عشان نخلص.
جليلة: يا ست بانة، جاد أخو جابر بيه تحت، عايز النبي حرصه غيث عشان أبوه يشوفه عاد في المصنع. فهمست بانة بشوق: جابر طلع. ولكنها عبست سريعًا مرددة: وليه يشوفه إهناك، ييجي إهنه، أنا مش عايزة ولدي يبعد عن عيني ويروح المصنع، ده لسه صغير. ثم حدثت نفسها: أيوه ييجي إهنه وأنا متوكدة لما ييجي ويشوفوني مش عيتحمل وعيشتاق وينسى اللي فات زي ما مرة.
ثم استطردت: روحي جولّي لواد حمدان الصغير، يعود لأخوه ويقوله عايز تشوف ولدك، تعالى القصر، هي مش عتطلعه بره. عتخاف عليه يستهوى. حركت شفتيها جليلة يمينًا ويسارًا مرددة بسخرية: "يستهوى! "ماشي يا ست بانة، هروح أقوله أكده." فخرجت جليلة، أما بانة فابتسمت واتجهت إلى خزينة ملابسها لتنتقي منها عباءتها المفضلة لدى جابر. ثم سارت نحو المرآة تصفف شعرها الحريري بعناية، لتضيف لمسات بسيطة من الزينة لوجهها.
لتنظر نظرة رضا وهي تنثر عطرها الفواكه لنفسها مردفة بإعجاب: "لما تشوف، عتقدر يا جابر تقاوم سحر بانة ولا عتركع وتبوس الأيادي عشان أرضى عنيك وترجع ليه. عشان أنت كنت عتجول ديما إني ملاذك الوحيد وإنك لما بتتعب من هم الدنيا، بتيجي ليه وتستريح عشان هنسيك الدنيا كلها." زفر جاد بضيق عند سماعه حديث جليلة وحدث نفسه:
"هي تماحيك ولا إيه، أنا مش عايزه يخش إهنه تاني ولا يشوف بانة دي، نفسي ينساها ويتجوز سلسبيل. أنا حاسس إنها بتحبه وهي طيبة كيف جابر ولايقين على بعض. مش زي أم قلب قاسي دي." "المهم هروحله وأشوف عيجول إيه عاد؟ سمع جابر صوت أقدام خارج غرفته في المصنع فوقف وابتسم وأخرج صوته: "غوثي قلبي أنا، جيت يا حبيب قلب أبوك." ليجد جاد قد ولج إليه ولا يحمل غيثًا. فدب القلق في قلبه وقال متوترًا: "فين غيث؟ حصوله حاجة ولا كفالله الشر تعبان؟
جاد: "لا زي الفل متخافش، بس الست بانة عتقول عايزة تشوفه. روحه هناك عندهم عشان هو لسه صغير وعتخاف عليه." فأغمض جابر عينيه بألم وحدث نفسه:
"مش قادر يا بانة أشوفك تاني لإني خايف من قلبي يضعف قدامك بعد ما حلف إيمانات الله كلها إنه هينساكِ ويستحيل يرجع يدق ليكِ تاني. كفاية عذاب بقى، كفاية مشوفتش منك إلا كل إهانة لرجولتي وياما صبرت عشان بحبك بس خلاص قلبي فاض بيه يا بانة. ومهما كان في قلبي ناحيتك فانتهى ونعتبر نفسي مريض من حبك وعطلب ربنا يشفيني منك. بس دلوق أعمل إيه والولد وحشني قوي، بس خايف." ليجد الجواب من أخيه الصغير:
"ولو إني محبش تروح عندهم تاني يا أخوي، لأنهم ناس مش شبهك خالص وأنت تستحق ناس تانية وقلب تاني طيب ويحبك كيف قلبك، بس عشان حبيب قلبي غيث. روح يا أخوي، بس مطولش وإياك تحن لحد كسر قلبك لإنك لو حنيت تاني، المرة الجاية هتكون أوعر كتير يا قلب أخوك ومش عتتحملها. فشيل الغشاوة اللي على عينيك وشوف مين عيحبك صوح."
رفع جابر بصره إليه وطالعه بدهشة وتساءل كيف لطفل ما زال في عمر الزهور أن يتكلم بتلك الحكمة ولكنه أدرك أنه لا يتكلم بلسان حاله بل ربما رسالة من الله عز وجل ليثبت قلبه ولا يضعف مرة أخرى. ليجد نفسه يبتسم عن طيب نفس ثم ربت على كتفه بحنو مردفًا بحب: "ربنا يحفظك ليا يا قلب أخوك. ومتجلجش عليا، أنا خلاص اتعلمت الدرس. ولولا إني مش قادر أتحمل مشوفش غيث مكنتش حودت عليهم أبدًا. ودلوق أنا رايح، تحب تيجي معايا." جاد:
"أكيد أحب أشوف غيث بس بلاش أول مرة دي، عشان أكيد ممكن يكون فيها حديث كبار ومينفعش أكون موجود." نظر له جابر مرة أخرى بإعجاب قائلًا: "الله يكملك بعقلك يا أخوي." مسح على رأسه بحنو واستطرد: "هسيبك دلوق وخلي بالك من نفسك عاد." جاد: "متخافش عليا، أنا راجل." فضحك جابر: "أكيد طبعًا يا حبيبي، ربنا يحفظك."
ثم تركه وغادر نحو القصر الذي يمقته ولم يشعر يومًا أنه ينتمي إليه قط وإنما تحمل بقاؤه هناك من أجل حبه لبانة، ولكن الآن سيذهب إليه رغما عنه بعد أن أصبح حبه لبانة كنهر جار، ولكن حل عليها الجفاف فبدأ يتبخر ماؤه رويدًا رويدًا حتى أصبح هو الأرض الجرداء سواء. وبالفعل وصل جابر وفتحت له جليلة واستقبلته بترحيب فهي لم ترى منه غير كل خير وكان يناديها بالخالة ويغدق عليها بالمال.
"أهلاً يا ابني، نورت القصر من تاني. اتفضل ادخل وربنا يهدي سركم يا ابني وتعود المية لمجاريها." فابتسم لها جابر بحزن مرددًا: "خلاص يا خالة المية اتعكرت ومبقتش تنفع. الله يكرمك بس ياريت تجيبيلي غيث عشان وحشني قوي." أومأت جليلة برأسها مرددة: "عيوني يا بيه حاضر وربنا يحفظه ليكم." ثم تحركت نحو السلم ومن ثم إلى غرفة بانة وهي تحدث نفسها:
"خسارة والله جابر ده، بس أقول إيه ربنا يسامحها وهي اللي جبته لنفسها، بس صعبان عليا الواد الصغير." لستأذن للدخول على بانة فأذنت لها ودلفت للداخل، فنهرتها بانة: "هو كل شوية تجي لي ليه يا ولية أنتِ؟ ثم زفرت بضيق: "عايزة إيه المرة دي، خلصي عشان مصدعة." كتمت جليلة غيظها وقالت بهدوء: "مفيش يا ست بانة، كل الموضوع عايزة البيه الصغير، عشان أبوه تحت عايز يشوفه." فوقفت بانة وابتسمت هامسة: "جابر تحت." فحركت جليلة شفتيها
باستياء مرددة في نفسها: "شوف إزاي وشها العكر نور لما عرفت إنه تحت. أمال لزمته إيه الزعل من الأول." لتستطرد: "أيوه يا هانم تحت." بانة: "طيب سمي على الولد وبشويش شيليه ألا يفزع." جليلة: "حاضر يا ست هانم." لتسمي الله جليلة ثم حملت الصغير بعناية، لتتجه به نحو جابر. أما بانة، فأسرعت للمرآة تتأكد من حسنها مرة أخرى وقالت: "قمر يا بانة، والله خسارة فيه الجمال ده كله. بس يلا عشان غيث."
ثم سارت نحو الباب بعد أن أخرجت زفيرًا حارًا، لتتجه نحو جابر بخطوات واثقة مدللة. ********** خرجت أم عطية مع ابنها الشاب عطية للبحث عن الزجاجات الفارغة في الطريق وفي القمامة وبين الزراعات لبيعها في مقابل مبلغ زهيد يكاد لا يكفي متطلباتهم الأساسية. ولكن الحاجة وفقرهم الشديد هو الذي دفع بهم لعمل أي شيء يقتاتوا به. ولا شيء يؤويهم آخر الليل سوى كوخ بسيط على أطراف القرية.
وبينما هما يبحثان عن تلك الزجاجات بين الزراعات سمعوا أنينًا خافتًا فدب الزعر في قلوبهم وتحدث عطية: "عفريت يا أما. عفريت، تعالي نجري بسرعة." "يا ترى صوت مين ده؟ وإيه الحكاية؟ ...
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!