علمت ملك من خلال وسائل الاتصال الجماعي عن ما حدث لقمر واختفائها. ففزعت وبكت بمرارة: أختي حبيبتي، يا عيني عليكي. يا ترى أنتِ فين دلوك يا قلبي؟ استر يا رب، ليكون المجرم ده عمل فيها حاجة وهي حبلى. استرها يا رب معاها دي غلبانة جوي. يا رب طمن قلبي عليها. يا ترى فينك يا حبيبتي؟ آه يا قلبي اللي مش عارف يلاقيها منين ولا منين؟ من عزة ولا دلوك قمر؟ ميتة هشوف الفرح وأحس بيه. تناولت نهلة من يد بانة زجاجة العطر كما تظن،
وشكرتها بامتنان: متشكرة جوي على الهدية الحلوة دي. قالت نهلة: لا شكر على إيه، إحنا أخوات عاد، كيف ما قلت. يلا رشي على وشك ورقبتك وجتتك أكده، وقوليلي إيه الأخبار، عجبتك؟ قالت نهلة: حاضر هجربها وأقولك رأيي. فنظرت لها بانة بغل وحقد، وانتظرت اللحظة التي تصرخ بها من الألم ويتشوه وجهها وجسدها لتشفي غليلها منها، ويبتعد عنها زوجها كما فعل جابر معها.
وعندما قامت نهلة بنزع الغطاء ورفعها مقابل وجهها لتنثر العطر، فجأة ولج محمود قائلًا بروح مرحة كعادته: سيربرايز، مفاجأة حلوة جيت بدري أهو عشان الحلو ما يزعلش. فتهلل وجهها فرحًا برؤيته وصاحت: محمود! ولم تشعر بالزجاجة التي في يديها فسقطت منها لتتناثر محتوياتها على وجه وجسد بانة التي كانت تقف أمامها. لتصرخ بانة من الألم: اااااااه! فتفزع نهلة وتتجمد في مكانها ثم طالعت محمود بهلع الذي أسرع إليها وصاح بفزع: إزاي ده حصل؟
لتبكي نهلة بهيستيرية: مش خابرة يا محمود، دي جت ومعاها الإزازة اللي وقعت على أنها إزازة ريحة هدية ليه، ولما شوفتك وقعت مني من غير ما أقصد واللي حصل. فظهرت الصدمة على وجه محمود: دي بالشكل ده، مية نار. دي كانت عايزة تشوهك، بس سبحان الله تيجي فيها هي. ده انتقام من ربنا ليها للأسف. ليصدق قوله تعالى: (ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله)
لتزداد بانة في صرخاتها التي هزت جميع أركان القصر، ليبدأ الجميع في التجمع حول مصدر الصوت الذي يأتي من غرفة نهلة. قال محمود مشيرًا إلى بانة بتوتر: ليه كده بس يا بنت الأصول تعملي كده، ودلوقتي يلا بسرعة بينا لأقرب مستشفى عشان نلحق المصيبة دي في أولها. لتصرخ بانة: أنا هوديكم في داهية، مراتك شوهتني ومش هسكت غير لما تاخد إعدام. فبرقت نهلة بصدمة: أناااا! لتستطرد باتهام:
أنتِ إيه يا بانة شيطانة، بعد كل اللي حصلك ده، وبردك عتكدبي، ده بدل ما توبي إلى الله وتستغفري. فأشار محمود إلى نهلة: مش وقته الكلام ده، دلوقتي لازم نروح المستشفى حالًا. يلا بينا يا مدام بانة. لتأتي زهيرة في المقدمة لتجد أمامها ابنتها في هذا الحال المزري مشوهة الوجه والجسم وتصرخ. فلم تتحمل الصدمة فصرخت: بنتي! ثم أُغشي عليها. ليترك محمود بانة تصرخ ويسرع إلى زهيرة هو ونهلة.
ثم أتى باسم وملك وأيضًا زاد وعزة رغم الآلام التي تحيط بهم. وحتى الخدم. ليأخذهم الصدمة جميعًا فيما حدث، وتعالت أصواتهم بالبكاء. لينظر باسم إلى محمود نظرة حارقة متهمة قائلًا: حصل إزاي ده يا سيادة المقدم؟ لتصرخ بانة: مراته نهلة هي السبب عشان بتكرهني. لتتابع بألم: شوهتني يا أخوي، أنا عايزة حقي منها. فغلت الدماء في عروق باسم وتلون وجهه بحمرة الغضب وسارع إلى محمود ليمسكه من عنقه بشراسة.
عملتها مراتك يا محمود، وأقسم بالله لولا أنها واحدة ست أنا كنت دفنتها هِنا. بس مش هقدر غير إنك دلوك تاخدها وتغوروا في أي مصيبة، وأنا مش هسكت أبدًا على اللي عملته وهوديها في ستين داهية. ثم نزع يده ليغلق محمود عينيه بألم لتلك المهانة التي تعرض لها هو وزوجته ظلم، ولولا المصيبة التي ألمت بهم، لكان له رد آخر على تلك المعاملة وهو من هو. لكنه آثر الصمت حتى تتضح الحقيقة، وأمر نهلة بتحضير ملابسهم للمغادرة فورًا.
وأشار باسم إلى عزة وملك وزاد بالاعتناء بوالدته حتى عودته من المستشفى مع بانة التي اصطحبها بعد ذلك لتلقي العلاج المناسب. لم تكف نهلة عن البكاء بجانب محمود في السيارة أثناء عودتهم إلى القاهرة ليعودوا إلى منزلهم مجددًا، ثم بعد ذلك يعود هو لحاله للصعيد لمزاولة عمله مرة أخرى. قالت نهلة بنحيب: صدقني يا محمود، هي اللي جابت الإزازة وفي لحظة سبحان الله أنا اللي كنت هاكون مكانها، لولا ربنا بعتك ليه ووقعت من إيدي وجت عليها.
فتنهد محمود بألم من أجلها ثم ضمها بيد واليد الأخرى يقود بها وهمس بحب: كفاية بقى يا نهلة، أنا مش مستحمل دموعك دي. قالت نهلة: خايفة جوي يا محمود، أتاخد ظلم تاني، أنا مصدقت بالعافية أنسى اللي حصل وأعيش من جديد. فضحك محمود: بتقولي خايفة، أنتِ عبيطة ولا إيه! ولا أنتِ ناسية أنتِ متجوزة مين! أجاب محمود:
ما تخافيش طول ما أنا عايش يا نهلة، وأنتِ مش محتاجة تقولي صدقيني لإني عارف ومتأكد أن هي المجرمة عشان بتكرهك وبتغير منك من زمان وأهي خدت جزائها. قالت نهلة: ربنا يهديلها نفسها، بس هتعمل إيه لو قدمت بلاغ يا محمود، أنتِ مش هتخالف القانون عشان خاطري. قال محمود: لا مش هخالف القانون. ثم أبعدها عنه قليلًا، ليخرج هاتفه. ثم ناولها إياه قائلًا بمكر: افتحي الفيديوهات.
فضَيَّقت نهلة عينيها باستغراب وفعلت ما أمرها به، لتجد فيديو للقصر ويظهر به بانة وهي تمشي تتلفت حول نفسها ثم ولجت للمطبخ وتناولت منه زجاجة ماء النار وعادت إلى غرفتها وغابت لدقائق ثم خرجت متجهة نحو غرفة نهلة. فشهقت نهلة مردفة: كيف صورت جبت الفيديو ده يا محمود؟ فضحك محمود: مش قولتلك أنتِ ناسية جوزك بيشتغل إيه. أنا قبل ما أخرج من القصر، نقلت الذاكرة بتاعة كاميرا المراقبة على موبايلي.
وبكده يا ستي كده هتكون هي المدانة وتتحبس كمان. توقع محمود من نهلة بعد أن قدم لها دليل برائتها أن تفرح وتشكره، ولكنه وجد العكس أنها تبكي. فطالعها باندهاش وقال بمرح: هتعيطي ليه تاني يا بحر السعادة وترعة المفهومية، يا قدري ونصيبي. قالت نهلة: يعني اتشوهت وهتتحبس كمان يا محمود، لا أرجوك ما توصلش الفيديو ده النيابة، وكفاية اللي هي فيه. لمس محمود يدها ورفعها لفمه مردفًا بحب:
آه من طيبة قلبك دي اللي مخلياني كل يوم بحبك أكتر لغاية ما قربت أمشي في الشوارع وأصرخ باسمك وأقول بحبك يا نهلة. فضحكت نهلة وأجابته: وأنا كمان بعشقك مش بحبك بس يا حودة. فتوقف محمود بالسيارة وأطال النظر إليها بحب ورغبة، فسألته: وقفت ليه يا محمود وبتبص لي كده ليه؟ محمود وقد تعالت ضربات قلبه: وقفت عشان حودة خلاص مش هيتحمل يصبر لغاية ما نوصل القاهرة وأمه تكتم على نفسه.
فبقولك إيه يا قمر أنتِ، أنا هحجز لينا فندق نبيت فيه الليلة دي وبكرة نكمل طريقنا. فأخفضت نهلة رأسها بخجل وهمست: وبعدين معاك بقى بتكسف يا حودة. فصاح محمود: فاضل لك واحدة حودة تانية كمان ومش هتلاقيني قدامك هسيح يا قلب حودة. فضحكت نهلة بدلال، فصاح مرة أخرى: يا رب صبرني عقبال بس ما نستر في الفندق.
بس استنى لازم أبعت الفيديو ده للدكتور باسم، عشان يعرف مين هي نهلة حرم سيادة المقدم محمود، ويعرف أخته على حقيقتها، ويندم على اللي عمله معايا ومش هنساه أبدًا ليه ولا يمكن أسامحه. ربتت نهلة على كتفه بحنو مرددة: معلش يا حبيبي، هو غصبًا عنه من زعله على أخته. فزفر محمود بضيق: ولو صدقيني خلاص قفلت منه. ثم قام بإرسال الفيديو إلى باسم مع كلمة "تشكر يا ابن الأصول".
وصل الفيديو إلى باسم أثناء تواجده في المستشفى مع بانة التي أدخلوها إلى غرفة الطوارئ سريعًا. جحظت عين باسم وهو يرى بانة وما تفعله وشعر بغصة مريرة اجتاحت جسده ثم همس بحزن: لا حول ولا قوة إلا بالله. ليه بس يا بنت أبوي عملتي أكده في نفسك؟ جد أكده الحقد والغيرة عملوا فيكِ أكده؟ أقول إيه دلوك للراجل عشان يسامحني بعد ما مديت يدي عليه وطردته هو ومراته. استغفر الله العظيم وأتوب إليه، ربنا يسامحك يا بانة. ليبعث له رسالة:
مش عارف صراحة أراضيك كيف، بس أنا محجوج لك ومفيش كلام يقدر يوصف لك إحساسي دلوك، بس عايزك تحط نفسك مكاني لو شفت أختك قدامك أكده. أثرت رسالة باسم في محمود فرد عليه: عارف يا باسم وحاسس بيك عشان كده، خلاص حصل خير. قام جابر بتوصيل سلسبيل إلى منزلها بعد العقد وجلسوا جميعًا بصحبة الصغيرين جاد وعمران. ثم غمز جاد بعمران قائلًا: بقولك إيه يا صاحبي تعال جوه نلعب سوا دومينو شوية قبل ما أمشي. قال عمران:
والله فكرة، تعال تعال دي لعبة حلوة جوي ما يتزهقش منها. فدلفوا للداخل سويًا وتركوا جابر وسلسبيل التي كانت في قمة توترها وخجلها وأخذت تفرك في أصابعها. لاحظ جابر توترها فحمحم بحرج ثم قال: اهدئي يا بنت الناس أنا مش هاكلك. فازداد خجل سلسبيل وجاهدت لتخرج كلماتها العالقة في عنقها: أنا خابرة إنك زينة الرجال كلها يا جابر بيه، عشان كده باكون مطمنة في وجودك.
لامست كلماتها الوتر الحساس لديه لأنه كان دومًا يشعر بالنقص بجانب بانة، لتأتي هي وتشعره برجولته فابتسم قائلًا: وأنا هاكون قد كلمتك دي يا سلسبيل طول عمري. تنهدت سلسبيل بقلق ولمعت عينيها بالدموع وسألته: أنا خابرة ده بس اللي خايفة منه هو إنك اتغصبت على جوازي وما كنتش في بالك أصلًا يا جابر بيه. فأسرع جابر بقوله: هو فيه واحدة تقول لجوزها يا جابر بيه.
وإيه اتغصبت دي، هو أنا حرمة ولا إيه، ده حتى الحرمة ما بتتغصبش دلوك على الجواز. ابتسمت سلسبيل بأمل قائلة: يعني أنت بخاطرك قبلت الجوازة دي، مش عشان بس سمعتي وأكده. تنهد جابر بحرارة قبل أن يحدثها: بصي يا سلسبيل، أنا صح اتجوزتك عشان أرفع من قيمتك بين الناس لكن ده ما يمنعش إنك بنت أصول وملتزمة وألف من يتمنى تكوني مراته.
رفعت سلسبيل عينيها عليه ودق قلبها بشدة فكم كان يؤثرها هيئته الرجولية تلك ووجهه الذي يشع نورًا وابتسامته العذبة التي لم تفشل مرة في إسعادها. كم تحبه حقًا وتعشقه بكل ما فيه، لذا سألته على حياء: يعني فيه أمل تحبني كيف ما أنا؟ ثم صمتت لخجلها. فابتسم جابر لخجلها وأجابها بود: أنا دلوك جوزك يا سلسبيل، يعني مش عيب أبدًا تقولي مشاعرك ليه وده حقك كمان على فكرة من غير حرج. أما أنا مش فسيبِ قلبي للوقت شوية معلش.
ثم شعر بحرارة تسري في جسده عندما تذكر بانة ثم تابع بحزن: عشان أنا قلبي مكسور يا سلسبيل فغصب عني معلش وياريت تستحمليني لغاية ما قلبي يطيب. شعرت سلسبيل بوخز في قلبها لرؤيته هكذا فأشفقت على حاله وحالها لأنها تدرك جيدًا معنى الحب وكسرة القلب ولاحظت يده المرتعشة وهو يتحدث، لتجد نفسها بدون شعور تضم يده بين راحتيها وتنظر له بعشق وهمست: أنت قلت إنك دلوقتي جوزي وما ستحيش صح؟
فأومأ له برأسه حرجًا من لمستها التي جعلت جوارحه تنتفض. لتستطرد: جابر أنا باحبك جوي، ومش مصدقة صح إني بقيت مراتك وعشان ربنا كرمني بالدعوة اللي كنت باتمناها ليل ونهار، أنا هاستحمل وهاستناك إن شاء الله العمر كله يا غالي. بس المهم في الآخر تحس بيه وتحبني كيف ما بحبك يا قلب سلسبيل. لتستطرد قائلة بحب: _بس زي ما أنا هستحمل أنت كمان تحاول وتساعدني تنسى الألم اللي عدى وتفتح قلبك وحدة وحدة، اوعدني يا قلب سلسبيل.
ابتلع جابر لعابه وطالعها بامتنان لتحمله ولم ينكر أن كلماتها أثرت فيه وأشعرته أنه رجل مرغوب فيه لذا وعدها بقوله: _وعد مني أحاول يا سلسبيل. _ودلوك هاقوم أعاود المصنع عشان نلحق ننام قبل ما نبدأ يوم جديد. _وإن شاء الله بردك هادور على حتة أرض، نعمل عليها دوار كبير كده شبه الفيلا عشان يساع عمران وجاد لما يكبروا ويجوزوا. _ولما يخلص بإذن الله نحدد الفرح. فلمعت عين سلسبيل بالفرحة مردفة: _بجد يا جابر هتعمل لي فرح! جابر مؤكدًا:
_طبعًا يا سلسبيل، لازم ست البنات يتعملها أحلى فرح. ليتركها بعد ذلك في حلمها الجميل الذي تجسد على أرض الواقع بمنحة ربانية. ******* راقب براء فريد لعدة أيام لعله يصل إلى مكان مرام، لينتقم منها على طريقته لما فعلت معه. وراقبه براء متخفيًا بعد أن لَوّن بشرته فظهر على أنه رجل أسود وارتدى على رأسه قبعة ولم ينزع نظارته السوداء من على عينيه، حتى لا يتعرف عليه فريد إن شعر بتتبعه له أو وجد مرام معه.
حتى وجده في أحد المرات ينتظر بسيارته تحت أحد الأبنية ويتحدث مع أحدهم عبر الهاتف. _مرمر حبيبتي أنا وصلت تحت ومستنيكي، خلصتي ولا أطلع أنا؟ ثم أتبع بخبث: _أشرف على تجهيزك بنفسي، وأطمن إن كل حاجة تمام. فضحكت مرام: _كده مش هننزل يا فيري، وأنا خلاص مليت من البيت وعايزة أغير جو في أي مكان وأوعدك لو انبسطت هنرجع نقضي ليلة لطيفة مع بعض. فزفر فريد بحرارة: _متقلقيش يا حب، هابسطك إزاي وأنتِ مش بستاني. فقهقهت مرام:
_أتعديت من حسن شاكوش يا فيري. فريد: _أعمل إيه بس جننتيني بحبك يا مرامي ومبقتش أقدر أبعد عنك. فشعرت مرام بغصة في حلقها فهو لا يحبها كمرام ولكن يحبها كما يحب رجل أي امرأة تقع في طريقه. وهي تعلم ذلك جيدًا ولا تستطيع إيقافه أو حتى إقناعه على الزواج منها، فما عساها أن تفعل بعد أن أصبحت وحيدة في تلك الحياة ودمية يحركونها كيف يشاؤون. مرام بقهر: _ماشي يا حب، ثواني وأكون عندك.
لتنظر في المرآة نظرة أخيرة إلى هيئتها الساحرة حيث ارتدت فستانًا قصيرًا من اللون الأسود وأسدلت شعرها الطويل على ظهرها ووضعت لمسات بسيطة من الزينة على وجهها ثم نثرت عطرها الفواح، لتحمل حقيبتها وتتجه حيث فريد. وعندما وصلت لسيارته أشارت له بيديها، فنزل سريعًا من سيارته ولمس يديها ورفعها إليه قائلًا: _ماي برنسيس. ثم فتح لها الباب حتى جلست في المقعد المجاور له. كل هذا تحت أنظار براء الذي انقبض قلبه لرؤيتها وحدث نفسه:
_مين الست دي؟ _شكلها مش مريح أبدًا، لازم أتحرى عنها هي كمان؟ _بس كده الليلة كمان انضربت ومش هأعرف أوصل لمرام. _متى بس أوصلها وأخلص من الكابوس ده؟ ******* تحدث جابر مع أخيه الصغير جاد. _باقول لك إيه يا جاد، أنا عايز أروح أزور أبوي وجاسر في السجن تيجي معايا؟ انشرح قلب جاد وأجابه: _أيوه أنا نفسي أشوف أبوي قوي، متتصورش وحشني قد إيه!
_بس جاسر لأ مش عايز أشوف خلقته واصل بعد اللي عمله معايا وطرده لي من بيت أبوي في نص الليالي. _وكمان اللي عمله معاك يا جابر، كيف تنساه وعايز كمان تشوفه، أنت غريب قوي، مفروض تقاطعه العمر كله. فابتسم جابر: _أنا سامحته يا جاد، خابر ليه؟ جاد: _ليه يا أخوي؟ جابر:
_لنفسي مش لنفسه، عشان أنا عايز أكون كيف اللي بشره رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجنة وسيدنا عبد الله بن عمر غار منه وقال لازم أروح معاه وأشوف بيعمل إيه عشان يبشر بالجنة، فراح وقعد معاه ثلاث أيام، مش لقاه بيعمل حاجة أكتر من الفروض وحياته عادية جدًا، فقال في نفسه ده أنا أجتهد في العبادة عنه. _فلما استغرب كده، قال أنا هابشره بكلام سيدنا محمد، يمكن بيعمل حاجة في الخفا وأنا معرفهاش بس أتفاجئ بيه بيقول:
_أنه مش بينام ليلة واحدة إلا وهو مسامح كل الناس حتى اللي ظلمه وأساء إليه وأنه الموضوع ده بيعتبره صدقة عنه لإنه مش بيملك المال. _بينام ومفيش في قلبه أي كره أو ضغينة وده اللي خلاه يبشر بالجنة. لتنهمر دموع جابر وتابع: _وأنا نفسي أكون كيفه كده، ربنا يكرمني بالجنة. فابتسم جاد وأسرع لأخيه يحتضنه بحب قائلًا: _أنت جميل قوي يا جابر بجد، وأنا نفسي أكون زيك في كل حاجة هتعملها. _وعشان كده أنا كمان مسامحه وها روح معاك. جابر:
_ربنا يحفظك يا حبيب أخوك. _وكمان أنا هاقوم له محامي عشان يخفف عنه الحكم وهاشوف كمان لو يقدر يطلعه بكفالة عقبال ما يتحكم عليه. _وربنا يصلح له الحال ويتوب وينتظم ويرجع إنسان تاني خالص. جاد: _يا ريت بس يطلق الحية اللي متجوزها دي، لأن طالما هي معاه عمره ما هينصلح حاله أبدًا. **********
أنهك مسالم البحث يوميًا عن قمر دون فائدة حتى ذبل جسده من قلة الطعام وتغيرت هيئته بعد أن نبتت ذقنه وتجعد وجهه من شدة الحزن والبكاء وكأنه أصبح شيخ عجوز وليس شابًا في مقتبل العمر. كما اتسخت ملابسه من نوم الشارع، فأصبح كرجل متشرد من الذين نراهم في شوارعنا للأسف دون مأوى. آه من الحزن الذي يغير ملامحنا ويدينا عمر ثاني فوق عمرنا.
وآه لسّه عايشين وبنتحرك وممكن كمان نضحك بس الضحكة مش من القلب ومن غير روح ووجع ملازم قلبك وروحك مكسورة والتنهيدة بتطلع من صدرك كأنها نار ومش بتحرق حد غيرك لأن محدش بيحس بوجع حد. جلس مسالم على أحد الأرصفة كعادته عندما يشعر بالتعب، لإنه أقسم ألا يعود إلى منزله حتى تعود معه قمر، فليس للحياة معنى دون قمر. مسالم بحزن دفين وعين لا تفتر عن الدموع: _أنتِ فين يا حبيبتي، فينك يا قمر؟
_أنا تعبت من غيرك قوي، متى أكحل عيني بشوفتك متى.. ثم افترش الرصيف لعله يريح جسده قليلًا وأعطى وجهه للحائط وظهره للطريق. وحاول النوم قليلًا ولكن لم تمر لحظات حتى وقف رجلين أمام محل يقدم عصير القصب بجانبه واستمع لحديثهم. رضوان: _والله بقى لنا كتير متقبلناش يا واد يا زرارة، وحشتني قعدتك. زرارة: _وأنت كمان يا ريس والله، بس بردك بعد الغياب ده كله، تعزمني على عصير قصب، أنت توبت عن الكيف ولا إيه! فضحك رضوان:
_مش قوي يعني، بس أنا أحب قوي عصير القصب ومنين لما أشوفه قصادي لازم أبربع كده شوبين ثلاثة. زرارة بضحك: _وماله نربع معاك وبعدين نروح نربع في الغرزة تبعنا. رضوان: _وماله ماشي، بس قل لي إيه أخبار حمدي دلوك، والبت إياها عملتوا فيها إيه؟ فارتبك زرارة ووضع يده على فم رضوان قائلًا: _وطي صوتك يا راجل حد يسمعنا نروح في داهية. رضوان: _فنظر رضوان حواليه، فلم يجد أحد سوى رجل متشرد يوليهم ظهره ونائم.
_خضتني يا راجل، مفيش حد، غير الراجل الأهبل ده ونايم. زرارة: _بردك الحيطان ليها ودان. رضوان: _طيب وشوشني. لتنتبه حواس ذلك الذي كان يحاول النوم ولكن هيهات فلا نوم إلا لمرتاح البال. وعندما سمع اسم حمدي انتفضت كل جوارحه ولكنه حاول السيطرة على نفسه حتى لا يفتضح أمره ويعلم المزيد عنه وعن مكانه وعن قمر؟
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!