انزعج محمود من حديث براء عن نهلة وأنه مازال ينظر إليها إنها زوجة أبيه الراحل، فشعر بالغيرة والقتامة وندم على طرح تلك الفكرة الغبية، ولكنه فعل ذلك لخوفه عليها مما سوف يحدث لاحقا. براء بمرح: يا عم هاتها ومتقلقش والكل هيرحب بيها، ده حتى بانة إتوحشتها كتير جوى. محمود بصدمة: لا كله الا بانة يا براء، خليها تبعد عنها خالص، ده نهلة لسه جسمها معلم فيها عضتها المفترية، ونصحتها كتير تاخد مصل عضة الكلب مش راضية.
زفر براء بضيق مردفا: كلب لما يلهفك، ما اتحسن ملفظك يا سيادة المقدم. ضحك محمود: معلش خنى اللفظ، مش قاصد سورى. براء بتذمر: سورى معاك يا أخينا. المهم دلوك، هروح انا المديرية هنا، واتشاور مع القادة، فى طرق البحث عن الزفت الجطران حمدى ده، وأخد قوة نمشط المنطقة. عقبال ما حضرتك تيجى انت والهانم نهلة، وتشوف شغلك مع اللى ما تسمى. زفر محمود بقلق: والله خايف عقبال ما أوصل يكون حصلها حاجة.
انا هكلم مسالم جوزها حالا ياخد باله منها. فردد براء ساخرا: جصدك تجول الطور اللى مچوزها، أبو قرون صوح! فأجابه محمود بضيق مدافعا عن غيبة الرجل: استغفر الله العظيم، ما تنقى ملافظك يا براء مش كده. وعلى فكرة حرام جدا اللى بتقوله، لأن فعلا هى تابت وهو راجل كويس على فكرة وشاف فيها الحلو اللى محدش شافه وحبها على كده، وفى المقابل هى قدرت ده ودلوقتى عايشة حياة هادية، بس للأسف خروج حمدى، ممكن يهد حياتها،
ربنا يستر ونوصله قبل ما يوصلها. حرك براء شفتيه بلامبالاة وكرر حديثه: حلوة تابت دى. صدقني دي الكلب عمره ما يتعدل. محمود بسخط: مش عارف أقولك ايه صراحة، غير ربنا يهدى نفوسنا. وصراحة الحمد لله أن ربنا سبحانه وتعالى هو اللى بيحاسبنا مش البشر، لأن ربنا أحن وأرحم. زى الأعرابى اللى جه للرسول وسئله من سيحاسب الناس يوم القيامة. فقال له الرسول صلى الله عليه وسلم: الله. فابتسم وقال: نجوت ورب الكعبة.
لإنه عارف ومتأكد إن ربنا أرحم بينا من نفسنا. فحرك براء فمه بإستياء، لأن غضبه من قمر مازال قائما ولن تغفر لها الأيام عنده. وعندما وجده محمود بذلك الجمود، إستطرد بقوله: سلام دلوقتى يا صاحبى، عشان المجادلة معاك ملهاش فايدة. فأغلق براء معه الخط وهو يسب ويلعن فى قمر وتحدث بإنفعال: انا بجه عايزه يوصلها ويخلص عليها عاد، ويعمل اللى مفروض انا كنت عملته، بس لحجونى فى أخر وقت للأسف. اشفقت زاد على براء من إنفعاله الواضح،
فأقتربت منه ووضعت يدها على كتفه مردفة بحنو: حبيبى مش نهدى نفسنا شوى، ومنفكرش غير فى المصلحة العامة، إن فيه واحد خارج على القانون ولزمن ولابد يتمسك عاد قبل ما يفسد فى الأرض من جديد. فوقف براء يرمقها بغضب مردفا: أنتِ كنتِ حاطة ودانك معايا يا زاد ولا إيه؟ وجاية كمان تنصحينى وتعلمينى شغلى. توترت زاد وظهر على وجهها الحرج من كلماته اللاذعة، وحولت التغلب على غضبها منه لإحراجها بهذا الشكل، فاظهرت غير ما تبطن من غضب وابتسمت
ابتسامة باهتة مردفة: طبعا مش چوزى حبيبى وده واچب عليه أوچهه للحق، ومش بس أكده كمان موضوع الست دى فأنا مش هلومك على كلامك فيه، لإنى خابرة أنه من حرجتك على نفسك، بس لو چيت للحق. إحنا قدام ربنا منعرفش مين أحسن من التانى ومنقدرش نحكم على حد. لتتابع بقولها: "رب معصية أورثت ذلا وانكسارا خير من طاعة أورثت عزا واستكبارا" علم براء أنها تقول فعلا الحق، ولكن هذا الحق يخالف هواه الغاضب من قمر فهو لن يسامحها طوال حياته،
لذا تكابر بغضب مردفا: ياريت توفرى نصايحك لنفسك يا زاد. ودى أخر مرة هسمحلك تدخلى فى شغلى، وخليكِ أنتِ فى نفسك واهتمى بولدنا وبس. استمعت زاد لتكرار إهانته لها بصدمة، فلمعت عينيها بالدموع مردفة بأنين: منا خابرة إنى طول عمرى لحالى وفى نفسى، ومليش حق عليك يا ابن الجبالى. ودلوك اللى بينى وبينك هو ولدنا معاذ وبس. وانت أعمل ما بدالك، ما انا خابرة زين إنك جبروت ومش يهمك غير نفسك وبس. هروح أشوف ولدى.
ثم التفتت وأسرعت إلى غرفتها، لتتيح لعينيها البكاء دون أن يراها أحد، فيكفى ما بها من ألم. اليوم أوقن أنني لن أحتمل. اليوم أوقن أن هذا القلب مثقوب ومجروح ومهزوم. وأنّ الصبر كل عض براء على شفتيه بندم وضرب على رأسه معاتبا نفسه بقوله: ايه اللى أنا هببته ده! وفى مين فى زاد، اللى أقسمت بينك وبين نفسك إنك عمرك ما هتأذيها تانى ولو حتى بكلمة، تقوم تعمل فيها أكده!! ده انت مسحت بكرامتها الأرض. أعمل ايه عاد،
مهو كله بسبب سيرة الخاينة دى، ببجا مش طايق نفسى ولا اتحمل حد. انا هنزل شغلى وأشوف الحال، عشان مش متحمل أطلع اتكلم معاها دلوك وأشوف دموعها اللى عتجطع فى جلبى دى. مش وجوه عتاب ولا حديت، بعدين لما أخلص من الهم اللى أنا فيه دلوك. قام محمود بالإتصال على مسالم. مسالم: أهلا يا مرحب بسيادة المقدم، اتوحشناك والله يا راچل. محمود: تسلم يا مسالم، وانت كمان وعشان كده أنا جى أشوفك وأطمن عليكم. شعر مسالم بالقلق نوعا ما فردد بتخوف:
تآنس وتشرف. بس خير إن شاء الله. توقفت الكلمات فى جوف محمود من الخوف تأثير كلمته على مسالم، ثم جاهد فى النطق قائلا: خير ان شاء الله. بس قولى أنت فين دلوقتى؟ مسالم: انا فى الشغل عاد، جول يا سيادة المقدم. عشان شغلتنى وأنا أصلا جلبى أكده عيجولى إن فيه حاچة واعرة جوى چاية. فحدث نفسه محمود: لا حول ولا قوة الا بالله. الراجل قلبه حاسس، وبعدين بقا. بس أعمل إيه لازم يعرف. محمود بآسى: للأسف يا مسالم عندى ليك خبر مش تمام.
فارتجف مسالم وقال بلعثمة: جول يا باشا وربك يسترها. محمود: حمدى هرب من السجن. وانا فى طريقى حاليا للصعيد عشان أتولى البحث عنه أنا وبراء وكمان أوفر حماية لمدام قمر. فصاح مسالم بذعر: حمدى، يا ويلك يا مسالم. قمر، قمر. انا اللى عحمى مرتى ومش عستنى حد يحميها عاد. انا هروح أجعد جارها ومش عسبها أبدا. من لى سواكِ يا قمر فانتِ لى حياة وبعدك الموت سأحميكِ حتى من نفسى. وسأخفيكِ فى عيونى وأغلق عليكِ جفونى.
فانا لا احتاج للرؤية عينى بل يكفينى أن أرى بعينيكى. سارع محمود بقوله لتهدئته: إستنى بس وهدى نفسك مش كده. ومتشغلهاش عشان الخوف مش كويس عليها وممكن لا قدر الله يحصلها حاجة كمان من التوتر. أنت بس خليك جمبها لغاية ما أوصل وبعدين هانوفر لها حماية متقلقش. فدعا مسالم: أستر، أستر يارب. ثم استأذن سريعا من عمله واتجه إلى قمر بقلب خائف يخشى مرارة الفقد بعد اللقاء
تقلبت مرام على فراشها بإرياحية وارتسمت البسمة على وجهها وهى تفتح عينيها على فراشها الوثير مردفة: قومى بقا يا شاهى وبطلى كسل (شاهندة اسمها الذى تعيش به الآن) ثم وجدت هاتفها يرن من قبل رجل أعمال يدعى (فريد الضو) فابتسمت مردفة: ده فريد، صراحة الراجل ده چانتيه خالص وكمان طول بعرض ومز كده يهبل. ثم شردت فى براء وأخرجت تنهيدة حارة وألم مزق قلبها ثم فرت دمعة ساخنة على وجنتيها، فأزالتها بطرف أصابعها وبقهر تكلمت:
رغم كل اللى حصل، تصور يا براء إن قلبى لسه بيحبك، وده اللى فشل فيه اى راجل عرفته أو لسه هعرفه. محدش قدر فيهم ياخد قلبى زيك. بس انت طلعت خاين وكسرت قلبى وقتلت بابا. لتلمع عينيها بالشر مردفة بتصميم: وعشان كده مش هتبرد نار قلبى غير لما أشوفك مذلول قدامى وتتمنى الرحمة ومش تلاقيها، وساعتها أخرج روحك بإيدى وبعدين هبكى على فراقك عشان هتوحشنى يا براء أوى عشان لسه بحبك. ثم أفاقت من شرودها على تكرار رنين الهاتف من فريد.
فقات بحرج: يا لهوى، ده انا نسيت الراجل بيرن وقعدت أفكر فلى ما يسمى فأجابته سريعا بقولها: يا صباح الفل على عيونك يا فيرى. تنهد فريد وأصاب صوتها الرحيم رعشة فى أوصاله ليردد بخفوت: يسعد صباح ست الستات وست الكل وستى أنا كمان، اللى وحشانى جدا ونفسى أشوفها وأشبع من عينيها الحلوين. أطلقت مرام زفيرا حارا قبل أن تجيب: على فكرة انا بكسف من الكلام الحلو ده. ده غير انى ممكن أتعود على كده وتلاقينى بحسبك لو بطلت تقول،
مهو الإهتمام مبيطلبش. فريد: هو انا أقدر، ده انا نفسى تحسى بس، بربع اللى أنا حاسس بيه من ناحيتك يا قمر أنتِ. مرام: قمر ايه بس، ده كان زمان لما كنت بشكل الأصلى، دلوقتى بشكل شاهندة. فريد: لا متقوليش كده، أنتِ كنتِ الأول قمر، ودلوقتى قمرين. ويا ستى المهم الروح وكمان القالب جامد، مشوفتش زيك. فعضت مرام على شفتيها بغيظ وحدثت نفسها: اه يا حقير، كلكم مش بتفكروا غير فى كده وبس. الست عندكم مجرد جسم للمتعة بس.
اه ياما نفسى أرجع لأيام زمان، لما كان كلى حلمى إنى أتجوز واحد أحبه ويحبنى وأخلف منه عيال يلعبوا حواليا. بس للأسف دلوقتى بقيت لعبة فى أيديهم بيتسلوا بيها ورا مراتتهم. فريد: ايه سكتى ليه؟ ولا تكونيش لسه بتفكرى فى طليقك، اللى كان سبب فى كل المشاكل اللى مريتى بيها دى. وهو اللى خلاكى بوش شاهندة مش مرام وبقيتى شخصية تانية خالص. ايه لسه بتحنى ليه يا مرام؟ أحرقت كلماته دماء مرام وتلون وجهها بحمرة الغضب لتقول بإنفعال:
لا مش بحن أبدا. وأكيد مش ناسية ومش هنسى، ومش هرتاح غير لما أشرب من دمه وأقتـ.له بإيدى دى. فريد بضحك: لا منصحكيش تقتليه كده على طول، ده الموت راحة يا قلبى. مرام: عندك حق، بس مش عارفه أعمل ايه عشان يجيلى مذلول وأكمل عليه. فريد: ولى يقولك على المفيد وتشوفيه فعلا مذلول ومحروق دمه ويدمر سمعته وسمعة عيلته، ده غير أن اكيد مراته بعدها هتطلب الطلاق وتسيبه ومش بس كده هيترفد من شغله. فلمعت عين مرام بالفرحة مرددة بعدم تصديق:
بجد. فريد: وانا من إمتى بقول اى كلام وخلاص. مرام: طيب ازاى؟ فريد: لا مينفعش فى التليفون الكلام ده. ده عايز قعدة رواقة كده، عشان نتكلم براحتنا. ولو إن اللى يشوف جمال ويدوق حبك، ينسى العالم كله ويفقد النطق كمان. فضحكت مرام ضحكة مغلفة بالألم بعد أن أصبحت مجرد سلعة وتسليه لهم. مرام: على كده مستنياك يا فرى، متتأخرش عليه. فريد: اتأخر إيه، هتلاقينى قصادك حتى قبل ما تقومى من مكانك. مرام: يا ترى فى دماغه ايه الشيطان ده؟
بس مش مهم، أى حاجة هيقولها هعملها، المهم قلبى المحروق ده يبرد لما أتشفى فى براء وأشوفه مكسور زى ما كسرنى. كان الجميع يحب جابر من أصغرهم إلى أكبرهم لحسن خلقه وتدينه وعطفه على الصغير والكبير. وكان محافظا على الصلوات ويأم العاملين معه فى المصنع عليها. وعندما عاد جاسر إلى ماضيه القذر، أجتمع فى قلبه السواد مرة أخرى وبدئت الضغينة تملىء قلبه من أخيه بسبب حب الناس له،
على العكس منه وكأنه كتب على وجهه عاصٍ مما جعل الناس ينفرون منه ويشتكون من غلظته معهم فى التعامل. لذا قرر أحدهم أن يشتكيه إلى جابر، فذهب إلى مكتبه وطرق الباب، فأذن له جابر بالدخول ورحب به مردفًا: أهلا يا حاج كرم. أتفضل اجعد وجولي تشرب شاي ولا قهوة؟ فجلس الحاج كرم بخجل لترحيب صاحب الشأن به وهو رجل بسيط، كيف يشتكي أخيه بعد ترحيبه به. فصمت الحاج كرم، ولكن تعابير وجهه تظهر أنه يريد التحدث في أمر ما ولكنه غلبه الحياء.
لذا قال جابر: إيه يا راجل يا طيب، ساكت ليه؟ قول يلا اللي كنت عايز تقوله وأنا سمعك متستحيش. أيه عايز سلفة على المرتب عيني عشانك والله. فطالعة الحاج كرم بإندهاش قائلاً: أنا مش عارف أنت كيف كويس جوا كده وراجل حكيم وحنين وبتاع ربنا، وأخوك ربنا يسامحه مش أكده خالص ولسانه أطول منه، ويهين الكبير قبل الصغير ويعاملنا كأننا عبيد عنده. ضيق جابر عينيه واعتلى الغضب وجهه فوقف هادرًا: كيف ده؟ أخويا جاسر يعمل أكده!
فوقف الحاج كرم مرتجفًا خوفًا من غضب جابر مردفًا بهلع: أيه والله يا جابر بيه. هيهزقنا كلنا على الفاضية والمليانة وأنت مش هناك ويخصم من مرتبنا ظلم كمان. شعر جابر أنه قد أخاف الرجل الكبير بانفعاله، فهدأ من روعه قليلاً وأقترب من الرجل ووضع يده على كتفه مردفًا: لو كان عمل أكده كده، أنا هأعتذر بالنيابة عنه وأوعدك يا حاج كرم أنها مش تتكرر تاني. وهصرف ليك أنت وكل راجل اتهان من أخويا واتخصم من مرتبه ظلم تعويض.
فتهللت أسارير الرجل قائلاً: الله يعمر بيتك ويحفظك من كل شر ويزيدك من نعيم الله. ثم استأذن ليخرج، لينادي بعد ذلك جابر على مساعده عوض قائلاً: عوض، تعال عايزك. فأسرع له عوض ملبيًا: خير يا جابر، أمرني يا واد عمي. جابر: الأمر لله، عايزك تجيبلي جاسر من أي داهية هو فيها دلوقتي. عوض: حاضر، أنا لسه لمحته عند المخازن. جابر: ابعتهولي دلوقتي. فخرج عوض وذهب حيث جاسر مردفًا: أخوك عايزك دلوقتي عنده في المكتب فوق يا جاسر.
فزفرت جاسر بضيق: مش شايف إني مشغول يا عديم المفهومية، روح قوله عخلص وأجيله. طالعة عوض بحنق مرددًا بتصميم: لأ هو جاي يقول دلوقتي، فجدامي يا ابن حمدان. ارتبك جاسر من تصميم عوض وحدث نفسه: أيه الدنيا، هو عرف حاجة ولا إيه؟ بس لو عرف كان بلغ عني عشان يخلي مسئوليته خصوصًا أن المخازن بتاعته وهو اللي هيتحاسب عليها لو حد من الحكومة شاف خبر من حد تاني. على العموم أطلع أشوف إيه عاد؟
فذهب معه عوض وبكل خطوة يفكر فيما يريد منه جابر، حتى وصل عنده، ليتفحص وجه أخيه، فوجده لا يبشر بالخير، فارتبك وحاول السيطرة على نفسه بابتسامة باهتة مردفًا: خير يا خويا طلبتني؟ رمقه جابر بغضب قائلاً: كيف يا جاسر تهين الناس اللي بتشتغل عندي من غير سبب، وكمان تخصم ليهم المهالة بدماغك أكده من غير ما تشاورني. هي دي الأمانة اللي أمنتك عليها في غيابي يا جاسر!!
وهنا تنهد جاسر بارتياح بعد أن خشي أنه علم بأمره، فأعاد خصلات شعره للوراء ثم أطلق زفيرًا غاضبًا وتصنع الغضب: مين الراجل المفتري اللي جاي يقول عليا أكده؟ ماهم لله والله دول ناس عايزين يوقعوا بيني وبينك يا جابر يا أخويا متصدقهمش. فطالعه جابر بشك وقام بالنداء على عوض مرة أخرى. جاء عوض سريعًا: نعمين يا واد عمي. جابر:
سمعت بودنك جاسر أخويا، هيهين العمال وشفت بعينك ساعة القبض يخصم من مرتبهم، مع أن الحسابات عندي تمام ومفيش حاجة مكتوبة أنه اتخصم منها. نظر جاسر إلى عوض نظرة تهديد كي لا يتحدث، ولكن عوض وجدها فرصة كي يشهد عليه لأنه يبغض أفعاله وكان ينتظر أن يشتكي العمال في بادئ الأمر أولاً. طالعه عوض بشماتة وأشار إلى جابر: أيوه يا جابر، سمعت وشفت بودي، بس مكنتش قادر أكلم بدال صواحب الشأن مشتكوش. ليصيح جاسر:
لا أكده أنتم شكلكم متفقين عليا، يا ناس اتقوا الله شوية. فرمقه جابر بحدة: إحنا برده يا أخويا، الله يهديك ويصلح حالك، وأنا اللي قولت خلاص بقيت إنسان تاني، لكن للأسف خيبت ظني فيك. رجعت تاني تاكل حرام من دم الغلابة. وعشان أكده يا جاسر، للأسف ملكش شغل عندي تاني، عشان لو وقفت تكمل بالشكل ده، أكده أنا هكون ظالم معاك. وربنا يقدرني وأقدر تعوض الناس اللي أكلت فلوسهم بالحرام دي. فانفعل جاسر وأشار بيده:
يعني هتخرجني من الشغل يا حي، ماشي يا جابر، أنا ماشي وسيبهالك. ثم غادر سريعًا وهو يعد بأن يرد له الصاع صاعين، جزاء لما فعل فعله معه. بكت زاد في غرفتها كثيرًا، ثم فجأة أزالت دموعها مرددة بقسوة: ماشي يا براء، وحياة جابك الجاسوس ده يا أبو عين زايغة، هخلي عيشتك مرار. بجا أنا قولي خليكِ في حالك، ومتعرفش أن حالك هو حالي وهقعد فيه واستربع كمان.
وبس تتجاهليني والله لأسوق عليك العفاريت الزرق، هو أنت فكرني عاد زاد بتاعة زمان ولا إيه، لا خلاص. أنا هاخد حقي بيدي يا آكل ناسك. وعتشوف مني وش تاني خالص وتخليك تمشي تكلم نفسك عاد. بس هعمل أكده من ورا ظهري عشان عجبك يا أبو ظهر حديد. يا طور أنت. ثم سمعت طرقًا على الباب وصوت ملك: زاد أنتِ صاحية، معاذ الصغير عيان وعيبكِ، رضعه عاد وبعدين أخده منك تاني وريحي شوية معلش.
فابتسمت زاد لتلك الحنونة ملك، التي تسعى إلى راحتها وتعتني بطفلها ولن تجد أكثر منها حنانًا وعطفًا على طفلها. فقامت وفتحت الباب بابتسامة رغم حزنها وقالت: تعبتك معايا يا ملوكة والله، هاتيه يا حبيبتي وأنتِ روحي نامي شوية. هو أكيد هيرضع وينام، ولما يصحى هجيبه تلاعبيه، ما أنتم بجيتم أصحاب خلاص. فضحكت ملك: متقوليش أكده، ده ابني، ربنا يحفظه ليكِ ويحميه وتشوفيه عريس. زاد: آمين يا رب، ويرزقك الخير كله يا ملك.
وبقولك لو وعيتِ براء، قوليله ميجيش عندي، عشان ننام أنا وابنه ومش عايزين إزعاج عاد. عشان ده صوته ولا وبابور الجطر. فضحكت ملك مرددة: يا مرك يا ملك وعايزاني أنا أقوله أكده! لا يا ستي يطسني عيار ميراي. ثم غادرت ضاحكة، فأغلقت زاد الباب بالمفتاح مرددة: طيب أنا هعرف عتصرف عاد. مضى الوقت سريعًا ووصل محمود مع نهلة إلى القصر وكانت زهيرة في استقبالهم بعد أن أبلغها براء بالأمر. زهيرة بترحيب:
أهلا وسهلا، أنستوا وشرفتوا، نورتونا والله. محمود: منور بيكِ يا حاجة والله. نهلة ببشاشة وجه: أتوحشتك كتير يا حاجة والله. زهيرة بحب: وأنتِ كمان يا نهلة، تعالي في حضني يا بنتي. فعانقتها زهيرة بحب، ثم ابتعدت مردفة: اتفضلوا اجعدوا استريحوا عقبال ما أنادي على جليلة تطلع شنطكم فوق، وبعدين تطلعوا تستريحوا عاد. محمود: معلش إحنا آسفين على إزعاجكم والله يا حاجة. زهيرة: متقولش أكده، عيب.
أنت كيف براء يا ولدي: تيجي أي وقت، ده بيتك. محمود: الله يعزك يا حاجة. ثم فجأة سمعوا صوت صراخ عالي زلزل كل أركان القصر ليعم الفزع في قلب الجميع. متسائلين من أين هذا الصوت ومن الذي يصرخ ولما؟
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!