فرحت زاد بالحمل مرة أخرى، لكن للأسف فرحتها لم تكتمل عندما شاهدت براء يضحك لشرطية زميلة له، والأخرى تبادله النظرات والضحكات. لتشهق زاد بفزع: "عملتها تاني يا بصباص يا نسونجي يا خاين يا دون! ولم تشعر بنفسها إلا وقد تقدمت منهم على فجأة وصاحت بصوت عالٍ: "أنا هربيكم أنتم الاتنين! لتنزل بحقيبتها على رأس براء بيد، وباليد الأخرى جذبت شعر تلك الشرطية لتتألم: "آه! إيه يا مجنونة اللي بتعمليه ده؟
زاد بانفعال: "هو انتِ لسه شوفتي جنان؟ أنا هوريكِ الجنان اللي على أصله." لتنقض على ذراعها تنهشها بأنيابها، والأخيرة تصرخ. أما براء، فأسـ.ـرع بالهرب حتى لا تبطش به، وحدث نفسه: "وجعتك مربربة يا براء، واكده زاد هتعمل منك كفتة." ثم استطرد عن زميلته: "معلش بقى يا نشوى، أنتِ جيتيني في الوقت الغلط، وزاد مش هترحمك، والجرى نص الجدعنة." وأخذت نشوى تصرخ حتى جاء زملاؤها لينقذوها من براثن زاد وأبعدوها عنها حتى لا تقضي عليها.
فصاحت نشوى: "احبسوا المجرمة دي في التخشيبة." لتصيح زاد: "أنا بردك اللي أتحبس يا خطافة الرجالة! عايزة تخطفي جوزي وأنا مخلفة منه عيل والتاني جاي في السكة." نشوى: "أنتِ ولية خرفانة، جوزك مين؟ هو أنا أعرفه؟! زاد وهي تصك على أسنانها بغيظ: "جوزي الطور قصدي اللي كان واقف قصادك من شوية، سيادة المحترم براء." فاتسعت عين نشوى مردفة بذهول: "سيادة المقدم براء، متجوز؟! "ومنك أنتِ كمان؟ ده كان لسه بيقولي أرمل." فحركت
زاد رأسها مؤكدة بقولها: "أيوه، ما أنا المرحومة بشحمها ولحمها قدامك أهو، بس بعون الله الليلة هكون أنا الأرملة، عشان هخلص عليه." ***
احتاجت مرام لدخول المرحاض، فتبعها سجينة جديدة. لم تكن تدرك مرام أن تلك السجينة مكلفة من فريد لإنهاء حياتها بسبب خيانتها له وإفشائها عن أسراره. لذا كانت تترصد كل حركاتها. وعندما طلبت دخول المرحاض وفتحت لها الشاويش، استأذنت الأخرى أيضًا لـتتبعها. وكانت تخفي بين طيات ملابسها سلاحًا أبيض لتطعنها به. وبالفعل، ما إن ولجت مرام المرحاض حتى وقفت أمامها سريعًا وقالت بصوت يشبه فحيح الأفعى: "ازيك يا مرام؟
فريد بيه بعتني لكِ هدية هتريحك على الآخر." فاتسعت عين مرام بذهول مرددة بذعر: "فريد؟ لتخرج الأخرى ما في حوزتها سريعًا ثم انقضت عليها تطعنها طعنات متفرقة بشراسة، ومرام تصرخ بين يديها. وأخذت الدماء تنفجر منها حتى بدأت في التراخي وتلاشى صوتها تدريجيًا. ثم أسرعت الأخرى للعودة إلى مكانها كأنها لم تفعل شيئًا. وخرجت لتغمز الشاويش، فضحكت لها وأشارت إلى عنقها: "أي تم الاتفاق عليه."
الشاويش: "يلا في داهية تستاهل عشان تريحي بقى وتريحيني." "وتعالي يلا أدخلك وشوية أسيبها لحد ما تصفي ونضمن إنها خلاص ودعت، وبعدين أبلغ الإدارة." وبمرور الوقت، بلغت بالفعل الإدارة. إنها ولجت للمرحاض لتعلم سبب تأخر السجينة، وجدتها هكذا ولا تعلم من فعل ذلك بها. لتأتي الإسعاف سريعًا لتحملها. فسألتهم بترقب: "ماتت؟! فأخبرها المسعف: "على وشك، ونسبة نجاتها قليلة لأنها فقدت دم كتير قوي."
فابتسمت بمكر وحدثت نفسها: "يلا هبقى أقرأ لها الفاتحة، مع إنها متستاهلش." على جانب آخر، كان جاسر جالسًا في محبسه، يقرأ في كتاب الله ثم شعر بنغصة في قلبه لا يعلم سببها. فاستغفر وحدث نفسه: "خير يا رب، إيه الوجع ده؟! ليسمع بعد ذلك صياح أحد قادة السجن، حيث كان سجن النساء يقابل سجن الرجال. "محتاجين متبرع بالدم لفصيلة نادرة شوية لنزيلة تعرضت للقتل، ولو منقلتش دم حالا هتموت." "الفصيلة هي **." فقام جاسر منتفضًا
ينادي على الشاويش: "أنا نفس الفصيلة، خدوني ليها." فسخر منه الشاويش قائلًا بتهكم: "هو أنت عندك دم بالأساس عشان تتبرع بيه؟ فتشنجت تعابير جاسر قائلًا: "مش وقته ده يا شاويش، افتح أنقذ الست." ففتح له الشاويش وتهكم مجددًا: "تعال يا أخويا، إلهي تفطس أنت كمان وربنا يستر عليها، هتـ.ـنقلها دم نجس."
ليسلمه الشاويش إلى الإدارة التي نقلته سريعًا إلى مستشفى السجن، ومنها إلى غرفة العمليات ليجد من دق لها قلبه وتمنى أن يراها مجددًا، ممدة على السرير بوجه ذابل أزرق، مشرفة على الموت، لا تتحدث ولا يُسمع لها أنفاس، فكانت أشبه بجثة باردة.
فارتجفت جوارحه ووقف بجانبها ينظر لها بانكسار بعد أن تفتت قلبه أشلاء لرؤيتها هكذا، وشعر أنه على وشك فقدانها. فهي آخر أمل له في أن يكون إنسانًا لديه إحساس ويحب ويُحب، وأن هناك شيئًا من السعادة ينتظره في علم الغيب. لذا انحنى وأخذ بيديها يبكي يرجوها: "لا، أرجوكِ متهملنيش، أنتِ لو جرالك حاجة هحس إنّي خلاص ماليش لزوم في الدنيا دي ومفيش حد أعيش عشانه."
فتقدم منه الطبيب وربت على كتفه قائلًا: "ادعيلها لأن حالتها صعبة جدًا للأسف، ويلا اتفضل قوم عشان نسحب منك الدم." فقام جاسر وأمسك بيد الطبيب يقبلها والدموع في عينيه قائلًا: "اسحب براحتك، إن شاء الله تسحب دمي كله بس تعيش، أرجوك يا دكتور." فابتسم الطبيب قائلًا: "قد كده بتحبها؟
والله يا بختها اللي تلاقي راجل يحبها بالشكل ده. بس عشان حبكم ده، يا ريت لو كتب ربنا ليها تعيش وخرجتم من هنا تبدأوا بداية نضيفة عشان مترجعوش هنا تاني." جاسر بيقين: "ده أكيد، أنا وعدت ربنا بكده، بس ربنا يخليهالي."
ثم طلب منه الطبيب النوم على السرير المقابل الموازي لها ليسحب منه الدماء ويوصل بها لتستقبله. وأثناء ذلك، كان يقوم طبيب آخر بتطهير جروحها العميقة تلك وتخيطها، ولكن مؤشرات قلبها كانت تهبط. ورأى جاسر الفزع على وجوههم، فما كان منه إلا أن صرخ بقوله: "ياااارب نجّيها، وأوعدك إني مش هاكل لقمة تاني إلا من حلال." وأعاد قوله بإلحاح: "يااارب، يااارب."
لتصعد مرة أخرى مؤشرات قلبها بين تعجب الأطباء. لـتـنـتـهـي العملية وتُحجز بعد ذلك في غرفة العناية، ويعود جاسر إلى السجن بعد أن وعده الطبيب أن يخبره بأمرها أولًا بأول ليطمئن. ***
بعد عدة عمليات مع طبيب التجميل، لبانة استطاعت أن تعود لهيئتها بنسبة سبعين بالمائة، فحمدت الله على هذا القدر، وتغيرت من داخلها كثيرًا وتقربت من الله عز وجل، وأخذت تعامل الجميع بلطف، وكانت تطلب كثيرًا زيارة غيث لها، فيحمله جاد إليها، وكان يسعد بهذا الأمر في الآونة الأخيرة بعد أن كان يكره هذا الأمر، ولكن من أجل تلك الفتاة ريحانة التي لا يعلم لما يحب أن يلاطفها ويلاعبها ويفرح كثيرًا عندما تبتسم له. حتى أصبحت
الصغيرة تردد اسمه بتلعثم: "داد، داد." أما جابر، فتناسى بانة بمرور الوقت بعد أن عشق سلسبيل وتأكد أن حبه هذه المرة هو الحب الحقيقي فعلاً، ولكن بانة كان حبًا من نوع آخر، وربما لأنها كانت حلمًا تمنى أن يصل إليه. ولكن سلسبيل علمته فنون الحب والعشق، فوقع أسيرًا لها، ونتج عن هذا الحب نبتة صغيرة توشك أن تخرج للنور، وعندما علم أنها فتاة، قرر أن يسميها فاطمة لتكون أم أبيها وقرة عينه.
أما بانة، فكانت عندما يأتي الليل تبكي بين يدي الله لأنها أصبحت وحيدة دون خليل. وتمنت ودعت كثيرًا أن يرزقها الله برجل يعوضها عن مصابها في جابر الذي ضاع من بين يديها. لتتفاجأ باتصال طبيبها المعالج الذي كان في الأربعينات من العمر والفارق بينهما خمسة عشر عامًا.
وجدته يقول: "بانة، من غير لف ودوران، عشان أنا راجل عملي شوية، ويمكن هو ده السبب اللي خلاني أتأخرت في الجواز. بس مش عارف فيه حاجة كده شدتني لكِ، وعارف إن فيه فرق سن بينا، بس زي ما أنتِ شايفة عشان دكتور تجميل مش واضح بقى يا ستي السن. وعشان كده بقولك دغري: تقبلي تجوزيني؟ بس وتعلميني يعني إيه حب، عشان أنا مكنش في قاموسي الكلمة دي أبدًا." ففتحت بانة فمها بدهشة وصدمة ولم تتحدث،
وسألت نفسها: "معقول حد يفكر فيها بعد اللي حصل؟ ثم استطردت: "هو صحيح بقيت أحسن بفضل الله، بس يعني بقيت إنسانة عادية مش جميلة قوي زي زمان." ثم ابتسمت وتابعت: "وجاي بيقول كبير، جاي ده اللي يشوفه يقول أصغر مني، ده غير حلاوته بـنـ اللذيذة. وجاي إيه عايز يتعلم الحب؟ لا، ميجلجش، أنا هغرقه حب." ثم سرحت بخيالها في حياة جديدة وسعيدة معه. وانتظر هو جوابها، وعندما
يئس أن تتكلم قال بثقة: "اعتبر السكوت علامة الرضا، والنهاردة هكلم دكتور باسم وأخطبك منه." فارتجفت بانة لجرأته وخجلت، فأغلقت الخط في وجهه. فضحك هو قائلًا: "من دلوقتي بتكسفي، امال بعد كده هتعملي إيه! *** اتـ.ـفـ.ـقـ.ـت عزة مع باسم منذ أن طلقها أن تربي ريحانة بينهما ويقسم الأسبوع بينهما بالتساوي حتى تتعلق بها ريحانة تدريجيًا وتدرك مع الوقت أنها هي والدتها الحقيقية وليس ملك. فخضع باسم لطلبها بين تذمر ملك.
ملك: "يعني إيه بنتي تبعد عني وتنام بعيد عن حضني؟ فغضب باسم وصاح: "ملك زيادة بقى عاد. ويكفي إني ظلمت عزة وجيت عليها كتير، وبتمنى ربنا يسامحني." فبكت ملك وجلست قائلة
بتلعثم من بين دموعها: "أنا عارفة إن ريحانة من حق عزة، هي أمها صح. بس أنا جوايا نار محدش حاسس بيها يا باسم. كان نفسي قوي إني أجيبها من بطني، بس قدر ربنا. بس لما شفتها وضمتها لصدري وبعد كده رضعتها حسيت إني كأني اللي جبتها وإنها عوض ربنا ليا. وصح غلطانة عشان كنت هخاف عليها بزيادة وعزة كانت بتزعل مني، بس صدقني غصب عني. كنت خايفة تروح مني بعد ما لقيتها. وماشي يا باسم، أنا هتحمل بعدها عشان عزة، وكفاية زي ما قلت ظلم ليها. وربنا يسامحني أنا وانت، والحمد لله إن ربنا عوضها براجل يحبها ويقدرها."
وهنا تغيرت ملامح باسم، فالبرغم أنه لم يحبها، ولكن وجودها مع غيره يثير غيرته، وخصوصًا عندما رأى كيف تحولت ملامحها للأجمل مع أيمن، وكأن السعادة نورًا يضيء الوجه. والحزن يطفيه. فحدث نفسه: "أنا كنت غبي قوي، كيف سبتها تروح من يدي بالسهولة دي؟ دي كانت بتتمنى حتى كلمة حلوة مني، وهتهتم بيه أكتر من ملك، اللي بقت في الفترة الأخيرة تهملني عشان تهتم بريحانة. فعلاً الواحد مش بيحس بالنعمة غير لما تروح منه." ***
أقترب موعد ولادة نهلة، فجفاها النوم من القلق والخوف. أما محمود، فكان بجانبها يغط في نوم عميق. فنظرت له شرزًا قائلة: "عتنام أنت ورايق وأنا هاكل في نفسي، آه ما أنتوا تعملوا العمـ.ـلة واحنا اللي نشرب بسببكم." "كان مالي أنا من الجواز وسنينه؟ فينـ.ـك يا منصوري؟ كنت معاك زي الأخوات وكنت هضحك عليك وأقولك إني سعيدة كيف الفراشة اللي بتطير فوق غيط الكرنب. دلوقت أنا اللي بقيت الكرنبة ذات نفسها." ثم حاولت إيقاظ محمود
فدفعته من كتفه قائلة: "يا محمود، يا محمود." فقال بنعاس دون أن يفتح عينيه: "فيه إيه، بتصحيني ليه؟ سبيني أنام." نهلة بتذكر: "طيب قول لي إنك بتحبني الأول وبعدين نام." ففتح محمود عينيه واعتدل وجلس وقبلها في وجنتيها وأردف بحب: "بحبك يا نهلتي." ثم عاد للنوم واستطرد: "هنام بقى ماشي عشان شغلي الصبح." فصكت نهلة على أسنانها بغيظ مردفة: "أنت مش بتحبني عاد وعتـ.ـخدني على جد عقلي، وتلاقيك مستني أموت وأنا بولد عشان تتجوز، صح؟
فزفر محمود بضيق واعتدل من نومته وحاوط ذراعها بحنو وهمس: "إيه اللي بتقوليه ده!! أنا بحبك وأنتِ متأكدة من كده، وإن شاء الله هتقومي بألف سلامة، متوتريش نفسك وحاولي تنامي." فأبعدت نهلة ذراعه وإجابته: "آه، مش عايزني أموت عشان أربي عيالك وأنت تسرح براحتك وتشوف واحدة تدلعك." فوضع محمود يده على رأسه وهمس: "هي شكل الهرمونات اشتغلت أنا عارف، وشكل الليلة دي مش هتعدي."
فاستطرد بصبر لتهدئ: "لا يا حبيبتي، هاتي بس أنتِ العيال وأنا اللي هربيهم، متقلقيش." نهلة بغيظ: "آه عايز أنت تربيهم عشان يحبوك أكتر مني، ما أنت طول عمرك أناني ومش بتفكر غير في نفسك." فذم محمود شفتيه وقام من التخت وسحب وسادته وقال: "بقولك إيه، أنا هروح أنام بره عشان ورايا شغل ونكلم في الموضوع ده بعدين." فلمعت عين نهلة بالدموع وقالت: "شوفت أهو مش بتحبني يا كداب، عشان لو بتحبني مكنتش سبتني وتنام بره." فوضع محمود
يده على وجهه واستغفر وقال: "لا، كده كتير." *** وقف براء أمام زاد كالفأر المبلول بعد مضي بعض الوقت عن ما حدث في واقعة تلك الضابطة. واشترطت عليه كي تسامحه أن يأخذ إجازة لبعض الوقت ولا يخرج من غرفته أبدًا. فوافق لأنه بالفعل شعر بالخجل من تصرفاته الصبيانية، وظل محبوسًا في غرفته، لا يخرج منها. ولكن مع الوقت شعر بالملل وإجازته التي أخذها مرغمًا بسببها أوشكت على الانتهاء.
فأخذ يرجوها بقوله: "يا حبيبتي، طيب انزل حتى شوية في الجنينة عشان مخنوق حبتين أشـ.ـم شوية هوا." فحركت زاد شفتيها بتهكم مردفة: "تشـ.ـم هوا بردك!! لا، لو مخنوق قوي يعني هبعت باسم يجبلك نفس اصطناعي، لكن مهتخرجش من هنا ومش هتشوف غيري يا ابن الجبالي." فندب براء على حظه قائلًا: "يا مرك يا براء، اتعمل فيك اللي بتعمله من المجرمين، بتـ.ـحـ.ـسـ.ـسـ.ـهم ودلوقتي مرتك حبساك. وأدى آخرة عينيك الزايغة، يكش تحرم بقى."
فصاحت زاد بحدة قائلة: "عتـ.ـرـ.ـطـ.ـم تجول إيه؟ فحرك رأسه نافيًا: "مهـ.ـجولش غير إني بحبك يا زادي." فضحكت زاد وغمزته وقالت: "أنت بتقولي." لتطرق الباب ملك، فتفتح لها زاد. ابتسمت ملك واستأذنت: "زاد، معاذ تحت مع الحاجة وشبطان يروح معايا عند شمس." ثم ضحكت وتابعت: "ابنك شكله هيطلع نمس كبير، وبيحب من دلوقتي ولسه مكملش سنتين." فصكت زاد على أسنانها بغيظ مردفة: "هيطلع لمين يعني؟
أبوه طبعًا. ويا عيني على ريحانة، هيبص لها من دلوقتي، امال لما يكبر هيعمل فيها إيه عاد!! فضحكت ملك وسألتها: "هو أنتِ لسه في دماغك ياخد ريحانة؟ لا يا ستي، هو ميال لشمس بنت قمر أكتر." وهنا وقف براء الذي كان يتابع هذا الحديث الساخر على مضض قائلًا بحدة وتشنج ظهر على ملامح وجهه: "ابني مش هياخد غير بت عمه، هي أولى بيه، لكن متـ.ـاخدنيش يا ملك." "على جثتي لو ياخد بت قمر، وأنتِ خابرة ليه عاد؟ فاخفضت
ملك رأسها بحرج وقالت: "سبحان الله، ربنا أرحم بعباده من البشر وهيقبل التوبة وعباده لأ." وعندما شعرت زاد بحزن ملك، أردفت بحرج: "متزعليش، براء مش قاصده، ودول عيال لسه." "خديه يا حبيبتي يلعب معاهم بس متعوّجوش، وخلي بالك منه عشان بيعض على غفلة." فتغيرت ملامح ملك مردفة: "أيوه، ومتجيش العضة غير في ريحانة، وعتـ.ـخاف منه ومش هتحبه، لكن مهيجربش من شمس واصل." كتمت زاد ضحكتها حتى لا تحزن ملك على ذلك الشقي الصغير،
ثم استطردت: "معلش يا حبيبتي، وأنتِ خلي بالك منها زين. وصوح، بكرة معادها تروح لعزة." ابتـ.ـلـ.ـعـ.ـت ملك غصة في حلقها ثم قالت بحزن: "أيوه، والله بيبكوا يومين صعبين قوي لما تبعد عن عيوني. بس أعمل إيه، هي أمها بردك، وكتر خيرها هتسبهالي." زاد: "وأنتِ مفيش أحن منك يا ملك والله." "وجولي لي صوح، سمعت إنها اتجوزت؟
انفرجت أسارير ملك لتجيبها: "أيوه الحمد لله، كانت صعبة عليا رغم كل حاجة. اتجوزت دكتور بيحبها وحامل كمان منه، ربنا يسعدها." تعجبت زاد من دعائها لها بعد أن كانت غريمتها، ولكنها لم تـ.ـريد أن تلفت نظرها لذلك، وبادرت بالسؤال عن مسالم وحاله الآن. فأجابتها ملك بابتسامة: "لا، مسالم بخير من ساعة ما عيونه وعيت قمر، تقدري تقولي كده، شوفتها ردت فيه الروح من جديد. وكمان يا ستي حملت وعتجيب له ولد كمان، عقبال ما تقومى بالسلامة."
فتحت فمها زاد بتعجب: "حملت ولسه شمس صغيرة، وأنا بقول إني اللي استعجلت. لا كده تمام، أنا وربنا يجومها بالسلامة." ملك: "طيب أفوتك بعافية عشان ألحق أروح وأجي قبل ما ييجي باسم." زاد بابتسامة: "تعودوا بالسلامة إن شاء الله." لتغادر ملك وتغلق زاد الباب وتلتفت لترى الغضب على وجه براء، فسألته: "إيه مالك مكشر ليه عاد؟
فصاح براء بحدة: "بقولك إيه يا زاد، دي آخر مرة توفقي معاذ يروح عندهم. أنا مش رايد الولد يتـ.ـعـ.ـلـ.ـق بالبت دي خالص، أنتِ فاهمة. عشان لو هي آخر بت في الدنيا مش هجوزهاله." فحاولت زاد تهدئته: "طيب ماشي خلاص، متزعلش نفسك. أنت عتاخد على لعب عيال ده ولا إيه." *** عندما ولج جاد بصحبة غيث إلى القصر، وجد ملك تصطحب ريحانة ومعاذ وتستعد للخروج. وعندما رأت ريحانة جاد، تركت يد ملك وأسـ.ـرعت إليه بخطوات
خفيفة مرددة بصوت طفولي: "داد ده." ليمد جاد ذراعه حتى أتت إليه، ثم حملها وضمها بحب قائلًا: "حبيبة داد أنتِ يا ريحانة. بس أنتِ متشيكة كده ورايحة على فين؟ ريحانة: "رايحة عند شمس، ألعب." فابتسم جاد واستطرد: "طيب خلي بالك من نفسك، ولو الواد معاذ ده عضك تاني قول لي، مش هسكت له المرة دي." فأخرج معاذ لسانه له، فانفعل جاد وقال: "عيب والله على اللي ربوك يا طور يا صغير أنت."
فضحكت ملك: "معلش يا جاد، ده لسه صغير، بس أنت ما شاء الله كبرت، أنت في سنة كام دلوقتي؟ جاد: "أنا عندي أربعتاشر سنة وفي تانية إعدادي." ملك: "ما شاء الله ربنا يوفقك." ثم نظرت لغيث وانحنت تقبل يده الصغيرة مردفة: "غيث السكر عامل إيه." ليردف الأخير بطفولة: "أنا كبرت خلاص، مش تقولي سكر، قول لي غيث بس." فضحكت ملك وأجابته: "شكلك هتطلع جد زي أبوك." لتقوم زهيرة بالنداء عليه: "غيث حبيب تيتا، تعالي يا قلبي."
ليسرع الصغير إلى جدته، يحتضنها بحب. ومن ثم إلى بانة في الأعلى ليقضي معها اليوم كما اتفق عليه. *** عندما استعادت مرام وعيها وتحسنت صحتها نوعًا ما، ولج إليها الطبيب وعلى وجهه ابتسامة قائلًا: "حمد الله على سلامتك يا مرام." "وصراحة لو فضلت تذكر ربنا طول عمرك إنه نجاكِ من اللي محاولة القتـ.ـل دي مش هتوفيه، لأنك صراحة كانت نسبة نجاتك واحد في المية." فحاولت مرام التقاط
أنفاسها وتحدثت بخفوت: "الحمد لله يا دكتور، كل ما يصيبنا إلا ما كتب الله لنا." الطبيب: "وفيه واحد كمان عايزك تشكريه جدًا جدًا، لأنه السبب بعد ربنا سبحانه وتعالى إنك تعيشي، ودلوقتي دمه بيجري في دمك، وكان مستعد يضحي بحياته كمان عشان تعيشي أنتِ." إتسعت عين مرام ونظرت بتيه، ولم تصدق ما يقول لأنها أول مرة تعلم أن هناك من يهتم لأمرها حقًا. وظنت لوهلة أنه براء، فابتسمت وقالت: "مين سيادة المقدم براء؟!
فحرك الطبيب رأسه بنفي قائلًا: "لا سيادة المقدم براء، كل اللي عمله لنا عرف اللي حصل إنه اتصل يطمن على حالتك مرة ومتصلش تاني." فتنهدت مرام بحرارة وشعرت بغصة في حلقها واستطردت: "امال مين ده؟ فصاح الطبيب بصوت عالٍ: "دخله يا شاويش." فولج جاسر ملهوفًا لرؤيتها وخطى إليها سريعًا وعانقت عينيه عينيها في حب ولهفة قائلًا: "حمد لله على سلامتك يا ست الكل." فلمعت عين مرام وتسائلت بدهشة: "أنت!!
أنت اللي نقلت لي دمك وكنت خايف عليه للدرجة دي! بس إزاي وانت متعرفنيش ومش شوفتني غير مرة واحدة." فأخرج جاسر تنهيدة حارة
مطولة ثم أجابها بتلقائية: "ما هي المرة دي اللي لخـ.ـفـ.ـت حياتي، وبعد ما كنت ضربتها صارمة وحاسس إني ماليش لزوم في الدنيا دي. شفتك وقلبي دق لك وحسيت بحاجة كده مش خابر معناها، ودعيت أشوفك تاني. وحسيت إن فيه أمل في الدنيا أعيش عشانه، وإن ممكن أعيش بعد ما نخرج من هنا زي أي ناس طبيعية في الحلال ونكون بيت ونجيب عيال يكبروا حوالينا."
فأصاب جسد مرام رعشة وانفجرت في البكاء من حديثه التي طالما بكت من أجل تحقيقه، وكم تمنت أن تكون زوجة عادية لرجل تحبه ويحبها وتنجب منه أطفال. وها هو الآن يتحقق حلمها. نعم، لم تحبه بعد وما زال شيء في القلب لبراء، ولكن ما يقوله لها يذهب العقل ويجعلها تحبه رغماً عنها.
انفطر قلب جاسر وهو يراها تبكي هكذا، فاستطرد بدعابة لكي تبتسم مجددًا: "لا إيه البكاء ده، أحبوش أنا. ولو بتبكي عشان مش عايزة تجوزيني، فخلاص، بس بشرط ترجعيلي المهر، قصدي دمي اللي اديتهولك. ها جولتي إيه! فابتسمت مرام وهمست: "لا، مش عايزة إيه؟ عايزة طبعًا، بس أنت تعرف أنا عملت إيه في حياتي الأول! يمكن لو عرفت تاريخي، تسحب عرضك للجواز وتندم كمان. ده غير إني مريضة بمرض خطير وممكن أموت منه."
جاسر بضحك: "أنتِ محـ.ـسـ.ـسـ.ـني إني جابلتك في النادي. لا يا ستي الكل، إحنا اتجابلنا في السجن، يعني كلنا في الهوا سوا. بس بعون الله هننسى اللي راح ونبدأ من جديد وأنتِ معايا. بعد سنة من دلوقتي بإذن الله، بس عنكتب الكتاب عشان لا مؤاخذة." ثم غمزها: "عشان أبعتلك مراسيل كيف العيال اللي بتـ.ـحـ.ـب." فضحكت مرام ثم أغمضت عينيها بألم: "وتفتكر السرطان هيخليني أعيش عشان أحقق الأحلام دي كلها؟
جاسر: "هتعيشي لغاية ما نجوز عيالنا كمان يا ستي الكل. وسـ.ـرـ.ـطـ.ـان إيه، أنا لسه مكلم الدكتور وجال إنه آخر جلسة المرة الجاية لأنه الحمد لله صغر قوي وهنكمل براشيم لغاية ما تخفي خالص مالص." فقالت بلهفة: "بجد الكلام ده ولا هتقول كده عشان تديني أمل وخلاص؟ جاسر: "أمل وعمر، دول عيالنا إن شاء الله." فضحكت مرام، فصاح جاسر: "يا دين النبي على الضحكة اللي بتنور دنيتي دي. والله هاين عليا أشيلك ونهرب دلوقتي نتجوز." ***
لتمر بعض الأشهر على أبطالنا، استقرت فيها حياتهم واستأنس كل منهم بأنيسه في حب وود. إلا من بعض المشاحنات بين زاد وبراء، ولكنها كانت تنتهي بالصلح كعادتهم. وقد قلت كثيرًا بعد أن وضعت له فتاة جميلة تشبه عمتها بانة، وأطلقوا عليها اسم **ماسة**. ووضعت قمر ولدًا أطلق عليه مسالم اسم **بدر**. كما وضعت عزة بنت أخرى أطلق عليها زوجها اسم **مسك**. قائلًا: "دي مسك الختام بقى يا عزة، وكده عندي تلت بنات وبقيت أبو البنات."
فحدثه عزة بصوت رخيم: "كان نفسي أجيب لك ولد بس النصيب." فقبـ.ـلـ.ـها أيمن من جبهتها بحب وود: "متقوليش كده، ده البنات نعمة من عند ربنا وخير ورزق. وربنا يقدرني ونربيهم أحسن تربية." كما تزوجت بانة من الطبيب المعالج لها، وكانت شخصيته جادة، فلم تستطع أن تفرض عليه آرائها كما كانت تفعل مع جابر، لذا ظلت عمرًا بأكمله تندم على ما فعلت وتفريطها في جابر بتلك السهولة. وقد أنجبت منه ولدًا أطلقوا عليه اسم **حذيفة**.
كما تزوج جاسر ومرام، التي تعافت من السرطان بفضل الله، وبعد مرور سنة رزقهم الله بالفعل تؤم (أمل وعمر) . وكأن الأقدار تكتب مما نتفوه به ونحن لا ندري. لذا علينا أن نتفائل مهما عصفت بنا الريح. ثم مرت السنين بحلوها ومرها على أبطالنا ليكبر أحفاد الجبالي. ***
معاذ بن براء، الذي يدرس في كلية الطب، ينتظر شمس بنت قمر، التي فاقت والدتها جمالًا ربانيًا يسلب العقول، أمام مدرستها حيث إنها في السنة الأخيرة من الثانوية العامة. وعندما رآها تخرج، أعلن قلبه طبول الحرب وتسارعت نبضاته، وكادت عيناه أن تخرج من مقلتيه، وأسرع إليها بلهفة مناديًا: "شمس قلبي وهوى نفسي." وعندما استمعت لصوته، ارتجفت وحاولت الإسراع في مشيتها. ولكنـ.ـه كان أسرع منها ووقف أمامها قائلًا: "بتهربي مني ليه يا شمس؟
وأنا عارف ومتأكد إنك بتحبيني زي ما أنا بحبك؟؟ لتضع شمس يدها في إحدى جنبيها، ثم تمـ.ـاـ.ـلـ.ـت قليلاً وهي تشيح بيدها الأخرى قائلة بحدة: "أنت عايز مني إيه يا ابن براء الجبالي؟ هنعرف ليه في الجزء الرابع بإذن الله 😂 من أحفاد الجبالي. يارب تكون الحلقة الأخيرة نالت رضاكم وألاقي تفاعل يرضيني أنا كمان ويدفعني إني أقدم عمل جديد. فمتنسوووش لايك وكومنت في صفحتي روايات ام فاطمة.
وكمان ياريت لما حد يطلب اسم رواية صعيدي في أي جروب ترشحوا له أولاد الجبالي. دمتم في حفظ الله وأمنه. وتقبل الله صالح أعمالكم ورزقكم من خير الدنيا والآخرة. وأتمنى أن لا تنسوني من صالح دعائكم ❤️ ام فاطمة ❤️ شيماء سعيد
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!