الفصل 49 | من 107 فصل

رواية اولاد الجبالي الفصل التاسع والأربعون 49 - بقلم شيماء سعيد

المشاهدات
19
كلمة
3,167
وقت القراءة
16 د
التقدم في الرواية 46%
حجم الخط: 18

ابتعدت صباح عن إلهام بالفعل ولكنها أخذت تسبها بأبشع الشتائم، بل لم يسلم محفوظ أيضًا من لسانها الحاد ولكنه أكتفى بالنظر إليها بعتاب، ثم حاوط إلهام بحنو وحملها بحب إلى غرفتهم فدفنت رأسها في عنقه بخجل. ليضعها بعد ذلك على الفراش وأخذ يطالعها لبعض الوقت دون حديث وهي تطالعه بترقب وتنتظر أن يحدثها بحديث يطيب قلبها المكلوم. لتجده تحدث أخيرًا بقوله: بصي يا بت عمي، أنا سكت على حبك من جلبي ووعد مني أحميكي من أمي.

لكن صدقيني مش قادر، أشوف شايفك رغم إني أشتهيكي بس كل ما أحاول أقرب منيكي، بيلا صورة منصور قدامي وتوقف بين وبينك. فبكت إلهام بمرارة وأخذت تضرب نفسها مرددة: ياريت ني موت قبل ما يعمل فيه أكده، ويحرق جلبي وجلبك يا محفوظ. فوقف محفوظ والشر يتطاير من عينيه مردفًا: وانا مش هسكت يا بت عمي عن اللي حصل ده، وهاخد بتارك منيه. وأوعدك هخليكي تشربي من دمه كمان. بس لغاية ما يجي اليوم ده، عنعيش كيف الأخوات. فصرخت إلهام:

لاااااااا عيكتلوك يا محفوظ حتى قبل ما توصل ليه. محفوظ: معتخافيش هوصله وعيكتله بس هستنى اللحظة المناسبة. إلهام ببكاء: حتى لو كتلته، عيحبسوك يا محفوظ وكيف هعيش من غيرك. محفوظ بثبات: ع تعيشي مرفوعة الرأس يا إلهام و تع تستنيني لما أخرج حتى لو خمسين سنة ولما أطلع هعمل ليكي فرح من أول وجديد. لتمر الأيام بالفعل ويعلم محفوظ ما حدث لمنصور وما ينتظره من عقاب في يوم المحكمة.

لذا أصر أن يحضر بنفسه بعد أن عزم الأمر على قتله أمام الناس مهما كانت عاقبة ذلك حتى لو قتلوه بعدها. فالأهم عنده هو الإنتقام لشرفه. ليأتي بالفعل هذا اليوم الذي انتظره الجميع بشغف ليروا نهاية هذا الظالم الجبار، لأن وعد الله حق ولكل ظالم نهاية ومن قتل يقتل ولو بعد حين. إصطف جميع الحضور في المحكمة منتظرين بدء المحاكمة ورؤية المتهمين. رأت نهلة زهيرة فوجدت نفسها تقف وتخطو إليها حتى وقفت أمامها مبتسمة مردفة:

كيفك يا ست زهيرة؟ طالعتها زهيرة بلهفة ووقفت عند رؤيتها وضمتها لصدرها بحنو هامسة: نهلة وحشتيني يا بتي، أنتِ اللي كيفك، ومجتيش ليه الجصر عاد تشوفي حالك؟ ابتعدت نهلة مردفة بحب: أتوحشتك الجنة يا ست زهيرة، وانا بخير طول ما أنتِ بخير. ثم ضحكت بوجع مرددة: جسر إيه وحال إيه يا ست زهيرة! خلاص كل واحد رجع لأصله وانا كيف ما قولتلك أنا مكنتش عايزة عشان الفلوس وأعيش مرتاحة، أنتِ عارفة أنا اتجوزته ليه

والحمد لله إنها وصلت لكده وجيه اليوم أخيرًا اللي نتشفى فيه أنا وأنتِ ومعيزاش حاجة أكتر من أكده. طالعتها براء بتعجب من حديثها وحدث نفسه: غريبة جوا البت دي، بس على إكده ليه حق فعلاً محمود يعجب بيها، لأنها حالة نادرة بين البنات اليومين دول وجلبها طيب كيف زاد. ثم أعلن حاجب المحكمة ببدء الجلسة فدق قلوب الحضور وأخذوا يسلطون أعينهم بترقب على قفص المتهمين لرؤية ذلك الرجل الذي أوهمهم لسنوات طويلة أنه منصور الجبالي.

ليزج بهم بالفعل في القفص واحد تلو الآخر، فعلت صيحات الحضور عند رؤيتهم. فغضب القاضي وطلب الصمت حتى لا يضطر بالزج بهم خارج القاعة، فلاذوا بالصمت جميعًا. حاولت قمر الإبتعاد عنهم في القفص بقدر الإمكان خوفًا من بطش حمدي الذي كان يرمقها بنظراته الحارقة، فتنتفض خوفًا. وكادت أن يقف قلبها عندما رأته يشير إلى عنقه ويحرك يديه عليه (أي سيذبحها) فالتفتت تهمس لنفسها: يارب نجيني منه، ده هو السبب المجرم ده في كل اللي أنا فيه دلوقتي.

يارب عدي اليوم ده على خير. ثم أشاحت بوجهها عنه، لتصدم برؤية عيني براء التي تحمل العتاب واللوم والإزدراء والغضب حتى تلونت بالحمرة. فبكت قمر وتوسلت بعينيها إليها كأنها تقول: سامحيني سامحيني يا براء. ثم أغمضت عينيها حتى لا ترى أحدًا وأطبقت على شفتيها بحزن وندم. كما حاول براء عدم النظر إليها مجددًا حتى لا تثير أعصابه وحدث نفسه: ياااه يا قمر، ياما عيون زاد بكت بسبب واحدة زيك متسواش وانا كنت مغفل ومش عارف حاجة.

ياريت ربنا يديني العمر عشان أعوضها عن كل لحظة حزن عشتها بسبب حبي الوهمي لقمر. أما حمدي فكان يحترق بداخله وعيونه تلمع بالشر: كله بسببك يا قمر، كنا عايشين وعنشتغل ومحدش يدري بينا. وكنت هكون دراع حمدان اليمين والدنيا كانت بدأت تضحكلي بعد الفقر والضنك اللي كنت فيه. تيجي أنتِ يا قمر في لحظة واحدة تضيعي ده كله وتهدي كل أحلامي اللي بقالي سنين بحلمها، في إني يكون لي مال وجاه، ماشي يا قمر،

مش سيبك وأهي كده موتة وكده موتة بس مش هرتاح غير لما أطلع روحك بإيدي الأول. وقف منصور في القفص وعلى وجه الوهن والضعف حتى أن قدميه لم تكن تحمله وأخذ يترنح بجسده والعسكري يوبخه بقول: أجف عدل يا متهم. ليحاول مجددًا التماسك ثم أخذت تدور عينيه بين الحضور وكأنه يتلهف لرؤية نهلة ولكن تصادم برؤية زهيرة في بادي الأمر، ورأى في عينيها الكره والشماتة به، فأغمض عينيه متألمًا. خابر يا زهيرة إنك عارفة تشمتي فيه،

وعذرك ما أنتِ معشتيش اللي أنا عشته ولا حسيتي بالوجع اللي حسيته من وأنا جد إكده. آه محدش حس بيه ولا حبني طول عمري غير نهلة. ثم أخرجه من شروده صوت جابر وهو متعلقًا بالقفص يبكي وهو يلمس يد أبيه حمدان مردفًا: ليه بس يا بويا عملت أكده، ليه؟ ياما قولتلك الحرام آخره وحش، وهينهش في الجسم كيف ما هينهش النار في الحطب، وإيه أخرتها. تنهد حمدان وكأن النار تخرج من جوفه مردفًا بندم: ياريت ني كنت سمعت كلامك يا ولدي،

بس خلاص سهم القدر نفذ وكنت رايد أنتقم لأمك الله يرحمها. فبكى جابر: ياريت ني ما قولتلك اللي حصل، كنت عيل ومش فاهم حاجة، مكنتش عارف إنك هتعمل أكده. حمدان: وانا من ساعتها منمتش ولا ليلة مرتاح وكنت فاكر إن أكده هقدر أجيب حقها بس كنت بضحك على نفسي وضيعتها أكتر واكتر. سامحني يا ولدي وادعيلي بالرحمة وادعيلي ربنا يسامحني، يمكن ربنا يستجيب منك أنت عشان أنت جلبك أبيض وطول عمره طاهر. فحدث نفسه منصور بآسى: يا بختك يا حمدان،

عندك اللي يحبك ويترحم عليك، لكن أنا اتحرمت من كل حاجة حتى الرحمة، ياما كان نفسي أكمل مع البت نهلة واجيب منها قطعة عيل بس منهم الله الرمم حتى دي مهنونيش عليها، طول عمري محروم من كل حاجة. ثم أخذت عينيه تدور مرة أخرى لعله يراها فتطيب نفسه المشتاقة إليها متسائلًا: أنتِ فين بس يا بت نهلة، نفسي حتى أطلعلك لآخر مرة قبل ما أموت. ليتفاجأ منصور بمن تقف أمامه بكل جبروت وعينيها تنذر بغضب جحيمي مردفة بهمس: كيفك يا منصوري؟

لتطلق عيون منصور قلوب حمراء إمتلئت بها قاعة المحكمة حتى كادت تخرج منها أيضًا، وعلت دقات قلب منصور حتى سمعها من بجواره واضطربت جرواحه وهمس باسمها: نهلة، نهلة.. أنتِ قدامي صح يا بت ولا بحلم؟ نهلة بسخرية: تحب أقرصك يا منصوري، عشان تتأكد إني وجعة جصادك يا راجل! منصور بهيام عاشق: إقرصيني يا بت، ده أنا أتوحشتك جوا جوا.. ياااه أخيرًا شوفتك، كنت حاسس إنهم عيموتوني مرتين لو مش شوفتكيش يا جلب منصور.

ياااه بتمنى أغمض عيني وأفتحها وألاقي إن كل اللي أنا فيه ده حلم يا بت. وأننا في أوضتنا أنا وأنتِ وتع تسمعيني كلامك الحلو ده يا بت. يلا سمعيني أي كلمة حلوة عشان خاطر حتى حلاوة الروح، وادعيلي يا بت لما يموتوني، عشان عارف إني محدش حبني خالص غيرك يا نهلة. لتحتقن الدماء في عروق نهلة مردفة بغل: أسمعك الرعد في ودانك يا منصور. وهو أنا عايزة يا حزين مش عشان أحبك بالعكس أنا أكتر واحدة هكرهك في الخلق دول كلهم. ثم تابعت بشماتة:

وجاي إيه بيقول أدعيله، لا ده أنا هدعي عليك يا منصور ربنا يحرقك في نار جهنم، بحق اللي عملته في ناهد الطاهرة أختي فاكرها يا منصور؟ ناهد اللي دنستها بعفنتك وكتلتها ورميتها للكلاب اللي شبهك. ليتجمد منصور في مكانه وجحظت عينيه وجاهد لإخراج كلماته بصعوبة: نااااااهد، يعني أنتِ كنتِ عارفة وضحكتي عليا عشان أتجوزك. فضحكت نهلة: أيوه وكنت عاحتفلك اللي يموت رجولتك في اللبن عشان متلمس مني شعرة يا منصوري. ليثور منصور ويعلو صوته:

اااااه يا فاجرة، حتى أنتِ طلعتي معتحبنيش يا نهلة. ليحاول بعد ذلك مد يده من القفص ليخنقها وبالفعل استطاع ولف يده حول رقبتها، لتجحظ عين نهلة بعد أن نفذ الهواء من رئتيها وكادت أن تموت. ولا تدخل محمود في اللحظة المناسبة قبل أن تزهق روحها لأنه كان يراقبها وعينيه لم تفارقها ولو للحظة واحدة. ليلفت إليه نظر كل من في القاعة وهو يهجم عليه ويوبخه ويزيل يديه عنها.

ليتدخل الحرس في إنهاء هذا التداخل ويصيح القاضي مرة أخرى في الحضور بالهدوء مع تعنيف منصور بقوله: مش مكفيك كل تاريخك الدموي يا ممدوح وبدل ما تنهيه بتوبة لعل الله يغفر لك، عايز تنهيه بقتل روح تانية. فردد منصور بقهر: اللي كنت عموتها دي هي روحي مش روحها يا باشا، ثم أخذ يبكي بانهايار. وجلست نهلة بجانب والدها مرة أخرى وجلس بجانبها محمود وعينيه لا تفارقها وقلبه ينتفض كلما رآها تأخذ أنفاسها بصعوبة. محمود:

مش هينفع كده يا نهلة، قومي نروح لدكتور أو على الأقل نخرج بره عشان تقدري تاخدي نفسك. فترفض نهلة: لا أنا مش هرتاح غير لما أسمع الحكم عليه بنفسي. ليبدأ بالفعل القصاص. فتحدث القاضي: بعد مناقشة الأدلة تم إثبات كل الإدعاءات على المتهم الأول ممدوح الجبالي الذي تحكم به الشيطان بالكلية وجعله أداة ينفذ به كل ما يريد في صورة إنسان ألغى عقله وخسر دينه وبالتالي أخرته وزي ما هياخد العقاب دلوقتي اللي يستحقه في الدنيا،

لسه برده هيوقف قدام الملك الجبار في الأخرة عشان يحاسبه حساب عسير. ثم أصدر الحكم: بالإعدام شنقًا. ثم المتهم الثاني حمدان الجبالي.. بالأشغال الشاقة المؤبدة. (لأن قتل مراته بعد ما كانت هي عايزة تقتله ويعتبر دفاع عن النفس والسجن عشان جرايمه التانية) المتهم الثالث.. حمدي بالسجن ١٥ سنة. وهكذا بقية الأفراد كل واحد على جزاء عمله. ليصرخ منصور بهيستريا: ع تعدموني وماله، ما أنا كده كده كنت ميت من زمان جوا،

ومكنش حد حاسس بيه حتى أبويا وأمي كنت بالنسبة لهم عار وعايزين يخلصوا مني، و عمره ما حد منهم طبطب عليا ولا قالي كلمة حلوة وكنت دايمًا أشوف الكره في عيونهم ودايمًا أمي كانت تقول.. ياريت ني ما جبتك وجبت منصور بس. والكل كان يبعد عني، حتى مكنش حد يحب يلعب معايا، فكنت لوحدي، يمكن الكلاب كانت أرحم منكم عليا. أنتم كلكم السبب في اللي أنا فيه دلوقتي، أنتم اللي وصلتوني لكده، أنتم المجرمين، أنتم مفروض اللي تموتوا كلكم.

لأن محدش خد بإيدي وعلمني الصح من الغلط. إعدموني وربنا اللي عتجازف عليه ده عيحاسبني، لا أنا هرحله وهشتكيله منكوا وألي عملتوه فيا. وعي كون رحيم بيا عشان خابر انا اتظلمت كيف منيكم. ليبكي كل من في القاعة في البكاء لحاله وضعفه إلا زهيرة ونهلة وايضا هذا الذي ظهر فجأة امام منصور شاهرا سلاحه الذي كان يخفيه. محفوظ بعين تطلق شرار الشر...

ـ انا اللى هوصلك حالا لربنا يا منصور بيدى قبل حبل المشنقة عشان أغسل عارى وان شاء الله يكتلونى بعدها. بس أريح نفسى وأريح إلهام اللى غدرت بيها وضحكت عليا وجوزتهالي بعد ما جنيت عليها وضيعت فرحة السنين عشان مزاجك العكر. لتنطلق منه رصاصة إلى قلب منصور، فيسقط ميتا. ليصدق (من قتل يقتل ولو بعد عين) ليبدأ الصخب يعم قاعة المحكمة ووجد براء وباسم أنفسهم بدون شعور يسرعوا إلى قفص الاتهام مرددين.. ـ أبوى أبوى.

وكأنهم تناسوا للحظة أنه ليس بوالدهم ولكن هنا غلبت الرحمة على العقل. وعندما علموا بوفاته، انهمرت دموعهم بغصة مريرة وكأنهم فقدوا أبيهم للمرة الثانية. فقامت زهيرة بحزن وتقدمت إليهم وربتت على ظهورهم بحنان مردفة... ـ مفيش أصعب من أن نفس تموت أكده ومنكرش صعب عليه رغم كل اللى عمله لكن مفيش في يدنا غير أننا ندعيله لعلى وعسى ربنا يخفف عنه العذاب. فردد براء وباسم... ـ الله يرحمه. ثم التفتوا إلى أمهم ليغادروا.

ولكن فوجيئوا بصراخ مرة أخرى. ليلتفتوا مجددا، ليجدوا قمر قد أفترشت الأرض والدماء تسيل من صدرها بعد أن طعنها حمدى الذي كان يخبيء سكينا صغيرا في جوربه على حين غفلة في هذا الصخب الذي حدث بعد مقتل منصور والقبض على محفوظ. فشهق براء.. ـ قمر. وهم أن يتقدم منها ولكن فوجيء بمن جاء على نحو السرعة ووقف يصرخ أمامها...

ـ قمر، لااااا، فوقى يا قمر.. انا مستنتكيش السنين دي كلها عشان في الاخر تموتي وتهمليني بعد ما قولت هانت خلاص وهيتحقق حلم السنين وعتكوني ليا في الحلال، بعد كل الحب اللى حبتهولك وأنتِ مش دريانة. مسالم... ـ جومي يا قمر، جومي شوفي مين اللى حبك من جوّه. حبك عشان أنتِ قمر لنفسك مش عشان أنتِ حلوة وبس وخابر انك من جوّه مش وحشة بس مستنية حد ياخد بيدك ويطلع الحاجة الحلوة اللى فيكي يا قمري. فأغمض براء عينيه مرددا...

ـ صوح هو ده الحب الحقيقي، وده اللى اكتشفته مع زاد لكن قمر كان حب وهمي بشكلها الخارجي الحلو بس. ثم تدخل باسم بقوله... ـ انا دكتور، خلوني أدخل لها بسرعة عشان أعرف لسه فيها نبض وعايشة ولا لا قدر الله ماتت. فلو فيها بإذن الله نبض أحاول أخفف من النزيف ونطلب الإسعاف بسرعة. ففتحوا له القفص وانحنى إليها بجذعه ليرى أنها مازالت على قيد الحياة، فصرخ... ـ إسعاف لسه فيها نفس.

ثم خلع عنه سترته في محاولة منه للضغط على الجرح للمساعدة في عدم تدفق الدم نوعا ما. أما حمدى فقام العساكر بضربه حتى كسروا عظامه وأخذ يتأوه من الألم ثم قاموا بحبسه في زنزانة بمفرده. ثم جاءت الإسعاف سريعا لنقل قمر إلى مستشفى السجن، وقام بمرافقتها مسالم بحكم عمله كأمين للشرطة. ليحاول الأطباء نجدتها ثم نقلها إلى الرعاية الطبية، حتى تستقر حالتها الصحية.

خرجت نهلة من قاعة المحكمة منكسرة حزينة على كل ما حدث أمامها فبرغم دافع الإنتقام الذي كان يروادها دوما نحو منصور، ولكن ألمها نهايته، فرددت في نفسها... ـ الله يرحمه ظلموه وظلم نفسه. ثم وجدت من يهمس بجانبها... ـ نهلة. فتوقفت لتجد محمود يظهر على وجه البشاشة... ـ نهلة، ايه نقول ألف مبروك واخيرا تحقق اللى كان نفسك فيه وبقيتي أرملة. فابتسمت بمرارة... ـ نفسى فيه؟ ـ اااااه يا وجع جلبي، على إنسان راح لربنا بكل المعاصي دي كلها.

فاندهش محمود وأصاب قلبه الغيرة فحدثها بغيظ... ـ ايه صعبان عليكي ابن الجبالي يا نهلة! تكونيش حبتيه وانا معرفش. فصمتت نهلة ولم تجبه، فثار محمود وانفعل بقوله... ـ لاااا انتِ زودتيها أوي يا نهلة، كل ده ليه عشان عارفة وحاسة كويس بلي في قلبي ناحيتك، فعايزة تجنيني صح؟ لكن لكل شيء حد ولازم دلوقتي تردي عليه، تجوزيني يا نهلة بعد ما تخلص عدتك من المرحوم اللى صعبان عليكي ده؟ فصمتت نهلة واكتفت بدموع حارقة على وجنتيها.

وكانت زهيرة تشهد الموقف من بعيد وكذلك والدها الذي كان يعلم حقيقة الأمر وتركها لتحدد مصيرها بنفسها دون ضغط عليها ولكن قلبه يتمنى أن توافق فلن يجد ابدا زوج مثل محمود لها. محمود بنفاذ صبر... ـ قولت ردي عليه يا نهلة، وصدقيني انا مش هنقشك في قرارك لو رفضتي المرة دي، لأن ملوش داعي خلاص وكل شيء واضح. فحدثت نفسها نهلة بإنكسار... ـ انا كمان واضح حبي ليك يا أغلى من عينيه.

ده انا ياما بس تمنيت التراب اللى عتمشي عليه بس يا محمود. بس واضح برده إني عِبكي على فراقك العمر كلها. واضح كمان إنه انكتب عليه الحزن والشقا والفرحة ما تلمس قلبي. وواضح اني أدفن جلبي بعدك مع انك جدامي وعتعذب يمكن اكتر منك. وواضح أن الناس معتسبش حد في حاله وعيستكتروا عليه النعمة لغاية ما تروح من يده. كيف أجوزك بس اني بحبك وريداك وأظلمك معايا ويوجعني ندمك لو حسيت في يوم انك أتسرعت والحب راح بعد الجواز.

لاااا يبقى من دلوك أحسن يا ابن الناس. عشان كده بجوزك ثم رفعت صوتها بنبرة قاتلة... ـ ايوه يا محمود انا مش ريداك، ومش عايزة أجوزك وروح لحالك بقى. فأغمض محمود عينه متألما وحاول أبتلاع الغصة التي في حلقه ثم فتح عينيه ببطء ليلقى عليها نظرة أخيرة قبل أن يغادر. نظرة كفيلة تميت فيها كل شيء. ثم غادر دون أن ينبس بكلمة كما وعدها، لتلفت هي إلى والدها وتسرع إليه وتلقى بنفسها في أحضانه تبكي. والد نهلة...

ـ ليه طيب يا بتي عملتي أكده وانا حاسس إنك ميالة ليه وريداك، وصراحة هو ده عريس يترفض بردك! هو انا نطول واحد زيه، شباب ومركز عليه قيمة. وفوق ده كله عيحبك وكان عيتذلل عشان توافقي مع انك يعني. فقاطعته نهلة بقولها الصادم الذي أدمى قلب أبيها وتعجب لسماعه زهيرة وولديها... ـ ايوه يا بوي كيف ما أنت جوزت بالظبط إحنا نطول واحد زيه! عشان إكده رفضته وانا ريداك وجلبي أتعلق بيه.

عشان أنا معنفعهوش يا أبوي، انا مين عشان أتجوز ظابط ابن ناس ومصراوي كمان. انا حيالله فلاحة وبعد أكده كنت خدامة ويدوبك هفك الخط. واه صوح اتجوزت منصور الجبالي رغم أنه كان كبير البلد وعنديه كتير، لكن كان بردك راجل كبير وانا صغيرة فعمره ما كان عيستعر مني، لكن عياله عملوها وقالوا مني كتير جوا، وجالوا خدامة تتجوز منصور الجبالي واتهنت وضربت على يد بتهم الله يسامحها وجالوا كمان اتجوزته عشان الفلوس.

وميعرفوش كانوا اني اتجوزته عشان أخد بتاعت أختي منه، واهو خلاص سبتلهم الجمل بما حمل وطلعت بالجلابية اللي عليا مش عايزة غير ستر ربنا. فدلوك بعد ما ربنا سترني، كيف أفضح نفسي تاني مع ناسه اللي عارفة أنهم هيعملوا معايا كيف ما عمل أولاد الجبالي ويمكن اكتر كمان لأنهم بزيادة متعلمين ومصراوية وانا مش من طبعهم ولا مكانهم.

وهو صغير يعني ممكن بعد الجواز يقل الشوق، فيفوق لنفسه لما يتأثر بكلام اللي حواليه ويندم اللي أخد وحدة مش من توبه ولا تشرفه جدام الناس وساعتها ممكن يرمينا ويشوف واحدة من طينته تناسبه. وساعتها انا جلبي عينكسر وهرجع ذليلة مقهورة اكتر من اللي انا فيه دلوقتي مليون مرة. فعلى ايه العذاب ده كله، حالي دلوقتي أهون شوي.

وإذ كان هو عيتعذب شوي أكده وعينساني ويشوف حاله ويمكن يقول الحمد لله انها اتفضلت منها عاد، ده انا كنت عوجع نفسي في مصيبة. عرفت يا أبوي ليه بقى رفضته رغم اني ريداك. فتنهد والد نهلة بغصة مريرة... ـ ااااااه يا بتي، ويا عيني عليكي. شايلة المرار من صغرك، بس أدي الله وأدي حكمته، ملناش فيه يا بتي. ومش عارف أقولك ايه، فيي أن ربنا يهونها عليكي ويعوضك عن المرار ده كله.

تساقطت دموع نهلة الحارة على وجنتيها ورفعت راسها للسماء مرددة... ـ يارب يارب. ثم أخفضت رأسها بإنكسار مردفة... ـ يلا بينا يا أبوي نعوذ عشان خلاص مش قادرة أصبر طولي. نطق براء بصدمة... ـ مش معقول البت نهلة دي، فظيعة، مكنتش اتخيل أنها أكده وبالعقل ده. تضحي بحبها وواحد زي محمود عشان مجرد إحساس ممكن يكون في خيالها بس لأني عارف محمود كويس مش ممكن يعمل أكده وبدل عايزها فعلا يبقى بيحبها صوح ويستحيل يغير رأيه بعد أكده.

وإذ كان على أهله فهو راجل ويعمل اللي رايده ويقدر يقنعهم. فعارضته زهيرة... ـ الزن على الودان أمر من السحر يا ولدي. وانا ياما قولتلكم أنها بت زينة عشان أكده حبها وانتم مكنتش مصدقين وياما كيف ما قالوا كسروا جلبها وهنوها. فمش عايزة ده يتكرر تاني خصوصا مع إنسان عتحبه. باسم... ـ مش عارف أقول ايه، بس صراحة ربنا يكون في عونها وصعب جوا اللي عملته لأنها أكده برده بتعذب نفسها.

ياريت ربنا يجمعهم لأن بعد اللي سمعته هي فعلا تستحق واحد زي محمود يعوضها. ثم انضم لهم جابر مطأطأ الرأس حزين على والده. باسم... ـ ايه يا أبو نسيب، فكها بقى على الأقل أبوك لسه موجود لكن احنا كان عندنا اتنين وماتوا. فابتسم جابر رغم حزنه مردفا... ـ رحمة الله عليهم وربنا يفك كربك يا بوي ويسامحك. زهيرة... ـ طيب يلا بينا يا ولاد. فرجعوا جميعا إلى القصر.

ماعدا باسم الذي اتصل به طبيب ملك يبشره أن حالتها قد استقرت وكتب لها على خروج. فانشرح صدر باسم مردفا بفرح... ـ يااااه ألف حمد وشكر ليك يارب. ولج جابر إلى بانة في غرفتهم، فابتسمت لرؤيته وأسرعت بخطاها إليه ولكنها فجأة قبل أن تصل إليه شعرت بدوار وسقطت مغشي عليها. فصرخ جابر... ـ بااااااااااااانة.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...