تحميل رواية «اوصيك بقلبي عشقا» PDF
بقلم مريم محمد
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
“كان ثمن الهجرة منكِ غربةٌ و مذلّة ؛ و كأنّي أسير حرب مُهان، الآن و قد عدتُ إلى وطني.. لا آبه إن تشردت أو تسوّلت.. أو حتى أُعتُقلت!” مراد أبو المجد تلبّدت السماء بالغيوم فجأة، في غضون دقائق منذ أن ألقى بزوجته التي طلّقها بقصر عائلتها الفاخر، كان الطقس مُكفهّر مثل مزاجه، بل مثله هو تمامًا. انطلق بسيارته البوجاتي السوداء لا يلوي على أيّ وجهة، هبّ نسيم البحر المنعش وبدأت تسقط قطرات المطر الأولى، أغلق سقف السيارة و حلّ الظلام التام بولوجه إلى ذلك النفق المعتم الطويل. لتتكالب عليه الذكريات دفعةً واحد...
رواية اوصيك بقلبي عشقا الفصل الحادي والعشرون 21 - بقلم مريم محمد
كان نافذ الصبر بالفعل، بينما تدفع “مايا” مفتاح الشقة بالقفل، طفق ينفخ و يتململ بعصبيةٍ، فتمتمت “مايا” بارتباكٍ و هي تسرع في حركاتها :-
حاضر و الله بفتحه. إهدي شوية يا مالك !
محاولة أخرى و نجحت، فمد أخيها يده و أزاحها من طريقه بعنفٍ لدرجة إنها تأوّهت، شق “مالك” طريقه مباشرةً إلى الحمام، فتح صندوق الإسعافات المعلق أعلى حوض المياه، تناول بعنض المناديل المُبللة و أخذ يمسح شفته المقطوعة من الدماء …
-وريني كده ! .. هتفت “مايا” من ورائه و هي تضع يدها على كتفه
لكن عضلاته تشنّج تحت لمستها و لم يستجيب لها، لم تقبل بهذا و استدارت حوله حتى تمكنت من الوقوف أمامه، أمسكت بوجهه بيديها و تفحصّته و الجزع يفترش مُحيّاها، لا يوجد سوى بعض الكدمات، لكن فمه ينزف بشدة …
-يا خبر. بؤك محتاج خياطة يا مالك ! .. قالتها “مايا” عابسة بوهنٍ شديد
-ماما لو شافتك كده هاتتخض. ماينفعش توريها نفسك خالص …
زفر “مالك” بغضبٍ و هو يدفع يديها بعيدًا عنه، ولّى متوجهًا إلى غرفته فتبعته أخته، لكنه لم يعطها الفرصة لتلج معه، أغلق الباب بوجهها بالمفتاح، ثم مشى نحو خزانته، فتحها مجتذبًا أحد الادراج، عبث داخله للحظاتٍ، حتى إلتقط انبوبًا ضئيلًا، أخذخ و وقف امام المرآة، بعد أن نظف جرح شفته بالمنديل و المطهر الذي كواه بشدة، فتح الأنبوب و ضغط بسبابته و ابهامه ليملأ الجرح بمادة الصمغ القوي السريع، بمجرد أن أغلق به الجرح حتى إلتئم في الحال و لم يُعد ينزف ؛
أغلق الخزانة بعنفٍ حين فرغ، و أخذ يطوف بأرجاء الغرفة على غير هدى و هو يتذكر كل شيء، كل المشاهد و الأصوات تتداخل و تتشابك برأسه الآن، رفع يداه ممسكًا بمؤخرة عنقه بشدة و ذلك المشهد من أوّله لا ينفك يضربه بقوةٍ …
كان في الطريق إليها و قد اصطحب أخته إمتثالًا لآوامر “أدهم”.. لم يتبقَ على الوصول عند بيتها سوى ثلث ساعة تقريبًا، فأستلّ هاتفه و أجرى إتصالًا بها …
-أيوة يا حبيبتي. جهزتي و لا لسا !؟
-أنا بلبس يا مالك خمس دقايق و هابقى جاهزة. انت قدامك أد إيه ؟
-لأ أنا قربت عليكي خلاص
-أنا مش هتأخر. هاخلص بسرعة
-خدي راحتك يا إيمان ماتستعجليش. أنا مستنيكي
-تمام. باي !
تركها هي لتغلق الخط من عندها و ألقى بالهاتف أمامه فوق لائحة لقيادة، لم تمر لحظات إلا و سمع أخته تتذمر، حانت منه نظرةً إليها، ليجدها تتأفف و هي تدس هاتفها بحقيبتها مغمغمة :-
إيه القرف ده بس. موبايلي فصل شحن و نسيت الباور بنك.. امشي إزاي أنا دلوقتي !؟؟
مالك بسخرية :
هو المشي ماينفعش منغير موبايل. فعلاً يعني.. للدرجة دي !
ابتسمت له بالتواءٍ قائلة :-
يا ظريف. خطيبي بيكلمني كل شوية. أقوله إيه لما يلاقي موبايلي مقفول ؟
اخشوشن صوت “مالك” و هو يرد عليها :-
قوليلي كنت مع أخويا. يقدر يتكلم أصلًا !!
لوّحت “مايا” بكفها في حركة تنم عن سأمٍ، ثم ما لبثت أن خطفت هاتفه و هي تقول :-
وريني موبايلك ده. على الأقل نسمع أغاني عليه بدل الملل …
هز “مالك” رأسه بيأسٍ و ركّز على الطريق أمامه، لكن “مايا” جذبت إنتباهه و هي تهتف بتعجبٍ :-
الله ! انت نسيت تقفل الخط. موبايلك لسا فاتح مكالمة مع إيمان
عبس “مالك” و هو يأخذ منها الهاتف قائلًا :-
معقول. إيمان شكلها نسيت الخط مفتوح …
و وضع الهاتف على أذنه مرهفًا السمع، فإذا به يميّز بعد عدة محاولات.. صوت “سلاف” تجري حوارًا حادًا مع زوجته… حادٌ.. بل صادمٌ للغاية !!!
إيمان :
إنتي مالكيش حق تظني فيا السوء بالذات و إنتي ماتعرفيش حاجة يا سلاف
سلاف :
إيه إللي ماعرفوش يا ست إيمان. إنتي بعضمة لسانك حكيتي لي عن علاقتك القديمة بمرادك. اعترفتي إنك بتحبيه بس الأكيد ماكنتيش شجاعة كفاية تعترفي بذنبك و تقولي إنك غلطتي معاه !؟
إيمان :
إنتي مش فاهمة حاجة !
سلاف :
فهميني ! لو مش فاهمة فهميني. و اقنعيني إزاي أكدب عنيا إللي شافتك معاه في سريرك يا إيمان. إنتي و هو منغير هدوووم.. اقنعيني إن إللي شوفته ده وهم مثلًا….. إنتي يا إيمان ؟ إنتي تعملي كده.. دي كانت آخر حاجة ممكن تخطر على بالي. لأ دي كانت مستحيل تيجي قدام عنيا أصلًا. ليه كده. إنتي خلتيني بعد ما كنت حطاكي في مكانة عالية و شايفاكي زي الملايكة.. مابقتش قادرة أبص في وشك. بقيت قرفانة منـك !!!!
إيمان :
ماحصلش حاجة ! و الله يوم ما شوفتينا ماحصلش حاجة بيني و بينه. و أنا اساسًا اتفاجئت بيه. ماكنتش عارفة إنه جاي. هو عرف إني لوحدي عشان جه و كان بيقنعني أسيب مالك عشان نتجوز أنا و هو. و لما رفضت هددني و جرني على الأوضة غصب عني. إنتي جيتي في الوقت الغلط.. ماكنش هايعمل حاجة. كان بيخوفني بس عشان أغيّر قراري. و الله دي الحقيقة !!!
سلاف :
الراجل إللي يتجرأ على واحدة بالشكل ده إستحالة مايكونش قرّب منها كفاية. تقدري تنكري إن ماحصلش بينك و بينه أي قرب. تقدري تقسمي بالله إنه مالمسكيش يا إيمان !؟؟؟
انتظر و هو على وشك أن يفقد عقله، يريدها أن تنكر ما تتهمها زوجة أخيها، يريدها أن تنفيه نفيًا قاطع… لكنها لم تفعل.. بل لم يسمع صوتها بعد ذلك أبدًا !!!!
-مالك !
انتزعه صوت أخته من استغراقه المميت، رفع الهاتف عن أذنه و لم ينظر إليها …
-مافيش حاجة !! .. رد “مالك” باقتضابٍ مريب
فنظرت له “مايا” بشكٍ، لكنها لم تصر عليه، و لاحظت تاليًا أنه قد أزاد من سرعة السيارة، بقيت إلى جواره صامتة و قد نسيت أمر الترفيهات بالأغاني تمامًا
كانت تشعر أن هناك أمرٌ جلل.. و قد صدق حدسها و وصل ليرى بالدليل الدامغ
أرملة أخيه، و زوجته هو الآن، في أحضان حبيبها !!!!!
خرج “مالك” من الذكرى محتقن الوجه بشدة، و كأن الدخان سيأتي من أذنيه، كان يقبض بيديه على حافة سريره، أحسّ أن واجهة الخشب سوف تنكسر في قبضتيه لو ضغط أكثر …
تراجع فجأةً و هو يُطلق السِباب بصوتٍ مكتومٍ و يتوّعد بينما ينظر لإنعكاسه الشيطاني بالمرآة :-
مش هاسيبك يا إيمان.. و رب سيف. أقسم بالله ما هاسيبك !!!
مشيت أمه في إثره خطوةً بخطوة و هي تحدثه بلا إجابةٍ منه، هكذا وصولًا إلى غرفته، وقف أمام الشرفة المفتوحة موليًا لها ظهره، لا يريدها أن تقرأ مشاعره التي لم تنفك تستوضحه عنها، و حتى هذه اللحظة لم تتوقف …
-انت مش هاتعرف تهرب مني تاني ! .. صاحت “رباب” بتحفظٍ به لمحة غضبٍ
أمسكت بذراعه الصلب و جذبته بقوةٍ :-
بصلي يا مراد و كلّمني. بقولك بصلي أنا عاوزة أفهم !!
كان مستحيلًا أن تجعله يلتفت رغم إرادته، لكنه طاوع رغبتها و سمح لحركة يدها أن تديره ناحيتها، رفع وجهه أخيرًا و نظر إليها تلك النظرة التي تكون فيها عينيه في كسرةٍ مع حاجبيه جبينه، رموشه الطويلة مُسبلة قليلًا ؛شعرت و كأنه عاد صبيًا للتو، تلك النظرة التي لم تكن بقادرة على مقاومتها، تعني أنه في أصدق لحظاته و أكثرها حقيقةً …
-أنا بحب إيمان يا ماما ! .. اعترف “مراد” بهدوءٍ و ثبات
حدقت فيه “رباب” بغرابةٍ بادئ الأمر
لم تستطع إبتلاع كلماته، رفعت حاجبها و كأنها تتساءل إذا كانت قد سمعها بشكلٍ صحيح …
-انت بتقول إيه. إيمان.. إيمان بنت خالتك أمينة !؟؟
أومأ برأسه مرةً واحدة، ليتحوّل تعبيرها من الذهول إلى الغضب :-
مش ممكن. انت أكيد بتهرج. إيمان.. إيمان دي متجوزة دلوقتي !!!
رد عليها بخشونةٍ :-
و قبل ما تتجوز خالص كنت بحبها. ماما.. بقولك بحب إيمان. إيمان أول حب في حياتي. و عايزها. أنا عايزها يا ماما و لازم تساعديني !
رباب مشدوهةٍ :
أساعدك ! انت بتقول إيه أصلًا. يابني انت من شهر فات كنت مطلق و في حالة نفسية وحشة. مش كنت بتحب هالة و عاوز ترجعها !؟؟؟
مراد باستياءٍ حانق :-
خلاص من فضلك يا ماما. ماتجبيش سيرتها. أنا مش بتكلم عن هالة دلوقتي !!
-ليه ؟ عشان لسا بتحبها هي و مشاعرك لسا متلخبطة !
-لأ مش عشان كده !!! .. صاح بفجاجةٍ
كان كتفيه يرتعشان الآن من شدة الإنفعال، أصر على كلامه و هو يستطرد بغلظةٍ :-
أنا بحب إيمان. من و احنا عيال كنا بنحب بعض. جوازي من هالة كان جواز تقليدي. ماكنش مبني على أي مشاعر بنت كانت مناسبة ليا ماديًا و اجتماعيًا اتجوزتها.. العلاقة كانت باردة. ماحبتنيش. و أنا كمان اكتشفت إن عمري ما حبيت غير إيمان !
هزت رأسها غير مصدقة، و قالت بلهجة أكثر لطفًا و هي تتقرب إليه :-
مراد يا حبيبي. أكيد ده مش حب.. بس لنفرض إنك بتحبها. و هي دلوقتي ست متجوزة. و قبلها أرملة و أم لطفلة.. دي حياة صعبة و مسؤولية تقيلة عليك. انت عندك استعداد تدخل في المشاكل دي كلها ؟ فكر في خالتك. أدهم. فكر فينا كلنا.. أنا مش فاهمة. انت عاوز تعمل إيه يعني أو طالب مني أساعدك إزاي !!؟
أغمض “مراد” عينيه مطلقًا زفرةً طويلة، ثم نظر لها ثانيةً و قال بجفاءٍ :-
و لا حاجة. مش عايز مساعدتك خلاص.. أنا هاعرف أتصرف كويس !
و أنتزع نفسه من بين يديها، حاولت استبقائه بشتّى الطرق، لكنه لم ينصت و غادر المنزل كله، لا يعرف وجهةٍ يذهب إليها …
حانت ساعة العشاء.. “أدهم” يترأس المائدة، أمه تجلس على يمينه، و زوجته تجلس على شماله و صغارها يتراصون بجوارها
أما “إيمان” فجلست بجوار أمها، تضع طفلتها “لمى” بحضنها، تحاول طوال الوقت حبس الدموع بعينيها بينما تلهي نفسها باطعام الصغيرة، و لم تغفل للحظة نظرات “سلاف” لها، نظرات كلها لا تنم سوى عن الإحتقار و الإشمئزاز
لقد تعرّضت للآذى كثيرًا اليوم، تفتت فؤادها بشكلٍ مُهين، اليوم تعرّت و شعرت بتهديدٍ كاد يقتلها حقًا …
طوال العشاء تجنّب “أدهم” الحديث عمَّا جرى ظهر اليوم، آثر فقط تبادل المزاح مع الصغار و مناقشة أمه حول أصناف الطعام الشهيّة، كانت نيّته أن يجالس أخته فيما بعد و يتحدث إليها، ذلك إن وجد حالتها تسمح الليلة بإثارة أيّ حديث
لا زال يدرسها.. و لو لم يبدي ذلك مباشرةً …
-الباب يا عمتو ! .. قالتها “سلاف” و هي تقوم لتبحث عن نقابها
ربت “أدهم” على مرفق والدته قائلًا :-
خليكي يا أمي أنا قايم أفتح ..
و قام “أدهم” ماسحًا يديه بمنديلٍ من القماش، ثم توّجه نحو باب الشقة، مد يده و فتحه على الفور… كانت ملامحه عادية.. حتى رآى أمامه “مالك” !!
تصلّب “أدهم” تمامًا، وقف مكانه يحدق بزوج أخته فقط، أصابعه تمسك بمقبض الباب بقوةٍ، كلّما تذكر كلمات “مراد” و أن ذاك الأخير أراد حقًا أن يؤذي “إيمان” و يمد يده إليها بسوءٍ، كانت النيران تستعر بداخله، يحجّم نفسه بصعوبةٍ حتى لا يتهور عليه …
-مساء الخير يا أدهم ! .. قالها “مالك” مبتسمًا بوداعةٍ
كان يضع اللاصق الطبّي أسفل حاجبه الآن، و قد بدّل ثيابه الرسمية بأخرى رياضية مريحة …
-إيمان موجودة !؟
تكلّم “أدهم” بجمودٍ فظ :-
هاتروح فين يعني. طبعًا موجودة.. خير يا مالك عايز إيه ؟
مالك بلطفٍ :
إذا سمحت يعني. ممكن أدخل أشوفها !؟
-ليـه ؟ عشان تمد إيدك عليها تاني ؟؟
-أنا عايز أعتذرلها. من فضلك يا أدهم.. اسمح لي بس أقعد معاها خمس دقايق. أرجوك !
إنها زوجته، و إذا أرادها فله ذلك بكل تأكيد، لا يحق لـ”أدهم” منعها عنه، لذلك، تنحى جانبًا و سمح له بالدخول أخيرًا …
دلف “مالك” مبتسمًا بود :-
متشكر !
رافقه “أدهم” إلى الشرفة، جعله ينتظر هناك، ثم عاد إلى حجرة الطعام ثانيةً …
-إيمان ! .. هتف “أدهم” مناديًا على أخته برفقٍ
تطلعت “إيمان” إليه و هي تناول طفلتها كأس العصير خاصتها، رمقها الأخير بتعاطفٍ و قال :-
مالك هنا.. عاوز يشوفك !
شحب لون “إيمان” فورًا، فطمأنها أخيها بثقةٍ :-
لو مش عايزة تقابليه هاخليه يمشي …
ابتلعت ريقها بصعوبةٍ، و قالت بصوت أ :-
لأ.. هاشوفه !!
رغم أن صوتًا بداخلها توسلها ألا تفعل.. لكنها قمعته… و قامت متجهة إلى حيث يجلس بانتظارها !
رواية اوصيك بقلبي عشقا الفصل الثاني والعشرون 22 - بقلم مريم محمد
“لا أتقبّل أنّي أفقدك !”
مراد
جلست “إيمان” على الكرسي أمام “مالك”.. ما زالت ترتدي حجابها من الرأس حتى أخمص القدمين. مرّ الوقت وهي تتوتر فقط ولا تنظر إليه. لولا أن الطقس المسائي منعش هنا في الشرفة والليل هادئ وصافٍ، ربما كل هذا ساعدها ولو قليلًا.
“هاتفضلي ساكتة كتير؟” قالها “مالك” مادًا جسمه عبر الطاولة الفاصلة بينه وبين زوجته.
كانت تعابيره أكثر رِقة عمّا كانت ظهر اليوم، كذلك لهجته كانت لطيفة جدًا. أضفى عليها نبرات الاعتذار وهو يستأنف محاولًا القبض على نظراتها المنكسة.
“إيمان. أنا بقالي كتير بعتذر لك.. بصي أنا حتى مش بطالبك بتفسير. عاوزك بس تعذريني. وتسامحيني أرجوكي!”
بصعوبة كبيرة ولكن تحت إجبارها لنفسها، رفعت رأسها لتنظر إليه. حدقت بعينيه بشجاعةٍ متزعزعة وهي تقول مداعبة بنبرة المتهم:
“انت ما ادتنيش فرصة أفهمك أصلًا. والله الموقف مش زي ما شوفته مـ آ…”
“قلت لك مش بطالبك بتفسير يا إيمان!” قاطعها بحزم. “أنا جاي أعتذر لك وأقولك حقك عليا. أكيد أنا غلطان. المفروض مهما حصل وشفت عمري ما أفكر فيكي بسوء. أنا أكتر حد يعرفك واتربيت معاكي. إيمان إنتي أنقى واحدة شوفتها في حياتي. إنتي نضيفة جدًا لدرجة إني أخاف أوسخك بأيّ شكل…”
أجفلت حين قام فجأة من مكانه. رفرفت بأجفانها وهي تراه يقترب منها، ثم يجثو فوق ركبته أمامها ويمسك بيديها. خفضت رأسها لتلاقي نظراته المتضرعة، بينما يقول:
“إنتي مش عارفة قيمة نفسك يا إيمان. محدش إدالك قيمتك. جايز عشان كده حبيتك بالسرعة دي وقلبت معايا بغيرة. طبعًا عمري ما أطيق أشوف حد يقرب منك. عايزك ليا أنا وبس. والله أنا بتمنى أعوضك عن كل حاجة وحشة حصلت لك. وأمسح كل الحزن إللي جواكي وأحوّله فرح وسعادة…”
ودت كثيرًا أن تصدق ما قاله، إن ما وصفه الآن هو بالضبط ما تتوق إليه، ولكن ليس منه أو من غيره. إنما هو رجلٌ وحيد تريده بكل جوارحها. هو “مراد” الذي تخضع له كل ذرة بكيانها وتهتف باسمه وتنتمي إليه فقط. فقط “مراد”! لعنة عشقه التي تلاحقها ما دامت حية وربما حتى بعد مماتها!!!
كتمت شهقة عندما سحبها من يدها بغتةً لتقف. شدّها بقوة نحو زاوية الشرفة المعتمة خلف الشباك تمامًا، حاصرها هناك وقد اصطدم صدره الصلب بصدرها الطري المتماسك.
“مالك!” تمتمت “إيمان” بارتباك شديد.
لكنها لم تفلح في تكوين جملة أخرى، ليفاجئها وهو يجذب وجهها بكفيه نحو وجهه. أخذها في قبلة ناعمة، بالكاد فمه يمس فمها مسًّا خفيفًا وقد راعى القطع في شفته الذي تسبب له فيه غريمه ظهر اليوم.
أخيرًا وجدت الإرادة بنفسها وهي تحاول إبعاده عنها وتتلمص منه مغمغمة:
“ما يصحش كده يا مالك. من فضلك.. ماما وأدهم. ولمى كمان ممكن تيجي في أي لحظة. مــالك!!”
جمد فجأة ضدها، وأحست بجسده يتصلب ويزداد حرارة. والأدهى حين نظرت بوجهه ولاحظت إلتماع عينيه بنظرة ضارية. ارتجف قلبها بشدة لا تعرف لماذا تشعر بهذه الخطورة كلها إزائه. بينما تمكن أخيرًا من ضبط نفسه واستعادة هدوئه.
تنفس بعمق وفك حجابها قليلًا وأطلق أنفاسه الحارة في عنقها، محاولًا بذلك استمالة عواطفها، ولكن عبثًا. هذا الباب تحديدًا ليس له سوى نسخة مفتاح واحدة، تلك بحوزة رجل واحد. هذا الرجل هو “مراد”!
“مش قادر أصدق إنك بقيتي مراتي ومش عارف إزاي أقرب منك زي ما بتمنى!”
كان همسه حارًا، عزز نزعة الخوف بصدرها، خوفٌ غريب مجهول المصدر.
ضغط بشفته على جانب فمها متمتمًا:
“لما أمشي هتقولي لأدهم إننا هانعمل مشوار إنهاردة بكرة. وأنا هاجيلك بكرة في نفس المعاد الضهر. هانكون لوحدنا. مش هاجيب مايا معايا. هاخدك ونروح أي مكان نبقى فيه لوحدنا!”
تحفزت بين ذراعيه الآن وهي تقول من فورها بجمود:
“إيه إللي بتقوله ده. انت قصدك إيه يعني؟ إللي بتفكر فيه ده مش آ ا…”
“إهدي يا إيمان!” قاطعها للمرة الثانية.
ثم سعى لإقناعها ضاغطًا عليها ما استطاع بحيلته الماكرة:
“أنا مش قصدي إللي فهمتيه. كل إللي أنا عايزه بس أحس إنك بتاعتي أنا. نفسي مثلًا أضمك في حضني براحتي. منغير رقابة. أقولك كلام نفسي تسمعيه مني. عايز اتأكد إنك ليا أنا. ماحسش بأي تهديد زي ما حسيت إنهاردة. أنا عارف إنه شعور وهمي. لكن أنا محتاج أمحيه خالص. ومنغير ما أضايقك. صدقيني. وخلّيكي واثقة فيا شوية. إنتي مراتي يا إيمان. محدش ممكن يخاف عليكي ويحميكي زيي!”
أفكارها لا تنسجم مع كلماته، جسدها لا يستسيغ أيّ من لمساته. إنه غريب، إنه مقيت للقرف!!!
“مامي!”
أعاد نداء “لمى” القريب الأوضاع إلى نصابها، وأطلق “مالك” سراحها. أخذت تعدل ثيابها مسرعة وهي تخرج من وراء الشباك. في نفس اللحظة ظهرت صغيرتها على أعتاب الشرفة. وقفت “إيمان” أمامها مادة يدها لتربت على رأسها.
“نعم يا لمى عاوزة إيه يا حبيبتي؟” تساءلت “إيمان” وهي تداري احمرارها بكفها قدر المستطاع.
عقست “لمى” حاجبيها قائلة بصوتها الطفولي:
“خالو أدهم مش عاوز يلعب معايا!”
مسّدت “إيمان” على خدها بلطف:
“حبيبتي أكيد خالو تعبان وعاوز يستريح. هو لسا برا؟”
هزت الصغيرة رأسها:
“لأ. هو خالتو سلاف طلعوا وأخدوا آدم ونور. سابو عبده لتيتة بس.”
“طيب يا حبيبتي شفتي إنه طالع يستريح إزاي!؟”
لوت “لمى” فمها باستياء:
“بس أنا بحب ألعب معاه. وخالو بيحكي لي حدوتة كل يوم. إنهاردة مش هايحكي لي!”
وأغرورقت عيناها بالدموع، حتى إنهمرت بالفعل وأفلتت شهقات بكاءٍ من بين شفاهها. سارعت “إيمان” باحتضانها وهي تقول:
“لأ يا حبيبتي. لأ ماتعيطيش عشان خاطر مامي. طيب مش أنا بحكي لك حواديت حلوة بتعجبك!؟”
“أنا عاوزة خالو!”
نهنهت “لمى” ببكاء حار وصوتها مكتومٌ في صدر أمها.
تدخل “مالك” في هذه اللحظة جاذبًا الصغيرة إليه:
“خلاص يا لولي ماتزعليش. تحبي أستنى أنا معاكي ونلعب للصبح أو نعمل إللي إنتي عاوزاه لحد ما تنامي؟”
قاومت “لمى” يديّ عمها مغمغمة:
“أنا عاوزة خالو أدهم. عاوزة خالـووو…”
ضمتها “إيمان” إلى صدرها ثانيةً قائلة:
“طيب خلاص يا لمى. خلاص يا روحي هاعملك إللي إنتي عاوزاه. ماتعيطيش بقى عشان خاطري!”
في جهةٍ أخرى، يتنهد “مالك” بسأمٍ وهو يقول:
“إيمان أنا ماشي طيب. هاكلمك لما أروح…”
أدارت “إيمان” رأسها ونظرت إليه، وكأنها تمتن لأنه قال ذلك. أومأت له:
“تمام. هاستنى تليفونك. مع السلامة.”
لكنه لم يقبل بوداعٍ كهذا. مد يده ومرر كفّه على ظهرها مِمّا تسبب لها بقشعريرةٍ قوية. كل عصب ينطق بالنفور من لمسته. حتى قبض على ذراعها، شدّها مراعيًا عدم لفت انتباه الصغيرة. غسلت أنفاسه الساخنة أذنها وهو يهمس لها:
“أوعديني ماتفكريش في حاجة طول الليل غيري. وإوعك تفكري تخلعي من معادنا بكرة. هازعل منك أوي. ماشي يا إيمي!”
وسرق قبلةً خاطفة من خدها.
“باي يا لولي يا حبّي!” قبّل ابنة أخيه مودعًا.
“أشوفك بكرة بقى. وليكي عندي مفاجأة كبيرة هاتعجبك. بس تسمعي كلام مامي إتفقنا؟”
لم ترد عليه الصغيرة واكتفت بالصمت وهي تلوذ بأحضان أمها.
مرّ “مالك” متجاوزًا “لمى” ومن وراء ظهرها بعث بقبلة في الهواء لأمها أتبعها بغمزة، ثم اختفى. اختفى ولكنه ترك أثره يزلزل تلك المسكينة ذعرًا.
*****
استيقظ اليوم متأخرًا على غير عادته مؤخرًا، فقد قضى الليل كله ساهرًا على أعماله الهامة التي هو بصدد نقلها جميعًا إلى هنا بلده الأم. حيث قرر سواء ظفر بـ”إيمان” أو لا فإنه جاد بشأن الاستقرار هنا. لن يهاجر مجددًا، لقد اكتفى من الغربة وسنوات التيه. آن أوان التنعم بحياته الحقيقية، واعتناق شخصيته الأصلية، ليست تلك المصطنعة التي اكتسبها جراء فجراته وغدراته. هو ليس هذا الرجل السيئ تمامًا، وسيبذل وسعه ليثبت عكس ذلك.
أفاق على صوت التنبيه الذي استبعده لقرابة الساعتين حتى الآن. مد ذراعه ليسكته فوق الطاولة المحاذية لفراشه. تغلّب على كسله بسرعة وقام فورًا إلى الحمام الملحق بغرفتهم.
مشى عاري الجزع إلى هناك، وخرج بعد فترةٍ وجيزة مرتجيًا مئزر الاستحمام. كان قد توضأ بالفعل، ففتح خزانته واستخرج كنزة وسروالًا من الجين. ارتدى ملابسه وذهب إلى سجادة الصلاة بمنتصف الغرفة ليؤدي فريضة الظهر المتأخرة عليه.
انتهى تمامًا مع ارتفاع نغمة هاتفه معلنة عن مكالمة واردة إليه. قام عن السجادة وتوجه نحو الهاتف المضاء بين أغطية فراشه.
ألقى نظرة على هوية المتصل، عبس عندما تبيّن أنه رقمٌ مجهول، لكنه رد في الأخير بصوتٍ به نبرة مستوضحة.
“آلو!”
لم يأتِ أيّ رد في الحال. لكن ما هي إلا ثوانٍ وتسرّب عبر السماعة صوت نحيبٍ تعرّف عليه فورًا. قبل حتى أن يتأكد صاح:
“إيمـان!؟” “إيمان. رقم مين ده. إنتي فين يا إيمان!؟”
أصابه الهلع بشدة حين تعلّى صوت بكائها الآن، ثم صوتها هي وكأنه مكتومًا:
“مراد.. أنا.. باين. لأ. مش باين.. أنا بموت يا مراد!”
فقد عقله كليًا وهو يصرخ بالهاتف:
“إنتـي فيـــن!؟”
لم ينتظر ليسمع الإجابة حالًا، قفز يجمع حاجياته، سلسلة مفاتيحه وبعض المتعلقات الأخرى، ثم انطلق خارج الغرفة صافعًا الباب خلفه.
كان يتنفس بعنفٍ وهو يهبط الدرج، سامعًا نداءات والديه من حيث يجلسان هناك بالمطبخ المفتوح، لكنه تجاهل كل شيء، خاصةً عندما استمع لصوت رجولي يخاطب “إيمان” على الطرف الآخر. إلا أنه لم يلتقط الكلمات بدقة، إنما أتاه صوتها هي:
“مراد!”
وصل الآن بمرآب السيارات. فتح سيارته وأستقل بها مسرعًا وهو يجاوبها بصوته الواهن المتألم:
“أنا معاكي يا حبيبتي. أنا جاي لك. بس قوليلي إنتي فين؟؟”
تأهب بتركيزٍ ليسمع ما أراده وهو يشغل محرك السيارة استعدادًا للانطلاق. لكن ما حدث هو العكس تمامًا. استمع إلى كلماتٍ جمدت الدماء بعروقه:
“ماتخليش. مالك يقول.. يقول حاجة لأدهم. عشان خاطري. مراد.. ماتخليش أدهم. يعرف حاجة!!!”
وبعدها لم يسمع منها أيّ شيء آخر. صعد قلبه إلى حلقه الآن، وكأنه يشق طريقه للخروج. يدرك قلبه من خلال كل ما سمعه من تلك المكالمة الهاتفية أن حبيبته في خطر. إن قلبه يحارب بفوضى، يقاتل ليركض لها. لا يلوم قلبه. لا يلومه إن انفجر بصدره في هذه اللحظة. إن لم يذهب إليها. لكن أين هي “إيمان”؟
أين هي حبيبته؟
امرأة حياته وحبه الوحيد!
“إيمــان!” ردد بهمسٍ مصدوم.
ربما أنه قد فقد عقله بالفعل.
*****
قبل ذلك بخمس ساعاتٍ!
“كنت سأضيع أخيرًا بين آلاف النجوم وملايين المجرّات؛ حتى لاحت عينيك بينهم.. وأنا ألومك لهذا فعلًا!”
إيمان
اقتنع أخاها بسهولة عندما أخبرته برغبتها في الذهاب مع “مالك”. سمح لها قبل ذهابه إلى العمل مع تأكيدها الكاذب بأن “مايا” سترافقهما.
أنهت “إيمان” الفطور لصغيرتها ولم ترحل إلا حين فرغت من إطعامها جيدًا. أوصت أمها عليها مرةً أخيرة، ثم نزلت لتقابل “مالك” أمام البناية، حيث وجدته بانتظارها داخل سيارته.
“وحشتيني!” قالها “مالك” مبتهجًا لرؤيتها وقد قبض على كفّها بقوة سببت لها مشاعر التوتر.
حاولت “إيمان” سحب يدها من قبضته، فبدوره لم يضايقها كثيرًا وأفلتها، لترد عليه وتعبير التحفز على وجهها:
“وحشتك بالسرعة دي. ماعداش يوم بحاله وكنت لسا معاك إمبارح!”
مالك بنعومةٍ مريبة:
“إنتي بتوحشيني علطول يا قلبي. لو تعرفي بس بتوحشيني أد إيه هاتعذريني.”
سحبت “إيمان” نفسًا مرتعشًا وهي تسأله:
“طيب إحنا هانعمل إيه دلوقتي بقى!؟”
جاوبها بسؤالٍ وقد حلّ تعبيرٌ جاد على ملامحه:
“قوليلي الأول قولتي لأدهم إللي إتفقنا عليه؟”
أومأت.
“أيوة. لو كان عرف إني ماشية معاك لوحدي ماكنش رضي ينزلني. هو متفق معاك على كده. مافيش خلوة غير بعد الفرح!”
انبلجت نصف ابتسامة على وجهه، ولم يرد عليها بعد ذلك. أدار رأسه لينظر إلى الطريق، ثم شغّل المحرك وانطلق.
*****
بعد ساعة تقريبًا، بلغا تخوم المدينة تقريبًا. لا تستطيع “إيمان” التعرف على المناطق حولها، لكنها أيضًا لا ترى سوى الرمال والبيوت النائية. ثم لاح أمامها أثر تعرفه جيدًا. لم تزره قط، لكنها تعرفه حتمًا.
سقّارة!
هرم سقّارة!!!
ماذا قد يفعلا هنا بحق الجحيم!؟
“هو إحنا رايحين فين يا مالك؟” تساءلت “إيمان” ولا يمكن إخفاء نبرة القلق في صوته.
لا يمكن أن تحجم مشاعرها السلبية أكثر بعد الآن. انتظرت ردّه، لكنه لا يتكلم، ولمحت فكّه يشتد بقساوةٍ ساهمت في تفاقم وضعها.
لم تجد صوتها أصلًا لتسأله مرةً أخرى. ما هي إلا دقيقة وانحرف بالسيارة ليلج عبر بوابةٍ ضخمة إلى ممر حجري محفوف بالمزروعات. في آخره باحة تتوسطها مسقاة كبيرة تنساب منها جداول الماء بخريرٍ مريحٍ للأعصاب. ثم في الواجهة تمامًا ذلك البيت المكون من طابقٍ واحد.
ما إن صفط سيارته بالباحة حتى برز فجأة رجلٌ غريب، طويل القامة، ربما طوله ما بين الـ 180 حتى الـ 190. يرتدي ملابس عصرية مؤلفة من جينز وقميص أزرق محلول الأزرار تقريبًا، وشعره الطويل قد جمعه في ربطة على شكل ذيل حصان.
انكمشت “إيمان” على نفسها عندما رأته يخفض نظارة الشمس بإصبعه لينظر إليها مباشرةً. وارتعدت فرائصها بعنفٍ حين صاح “مالك” بغتةً وهو يترجل من السيارة:
“المعلم رامز. واحشني يسطـا!”
وهرول إليه ليأخذه في حضنٍ رجولي لم يستغرق ثانية. أمسكه المدعو “رامز” من كتفه وقال مبتسمًا:
“لا يا شيخ. ولما تاخد غرضك من رامز تبقى خلصت خلصت حاجتي من جارتي ويبقى وشك ولا القمر صح؟”
قهقه “مالك” قائلاً:
“إيه يا عم جو أمي وخالتك ده. ماتكبرش الحوارات كده. إحنا مانستغناش عنك يا كبير.”
هز “رامز” رأسه وأخذ ينقل بصره بين صديقه ومرافقته بالسيارة، وتمتم:
“هي دي بقى مراتك؟ مش كان بدري عليك يابني. ده انت لسا صغير مش حِمل جواز وواحدة ست تشيبك قبل الأوان.”
ابتسم “مالك” وقال غامزًا:
“لأ ماتقلقش. صاحبك جامد ومسيطِر. إللي قدامك دي ماتقدرش ترفض لي طلب وخاتم صباعي.”
رفع الأخير حاجبه.
“لأ ما هو باين.. بتقول كاتب كتابك بس وعرفِت تجيبها هنا وكرنا. بقيت معلم ياض!”
أزهاه الإطراء كثيرًا، ليتنهد “رامز” رابتًا على كتفه:
“بص. عيش حياتك. المزرعة كلها تحت أمرك. بس مش عايز أي نوش فاهمني؟”
“عيب عليك يسطا هي أول مرة!”
“أمين…”
ومد يده خلسةً إلى جيب سرواله الخلفي، ليسلمه قنينة دواء صغيرة قائلًا بصوتٍ خفيض:
“امسك الأمانة. تعبت لحد ما جبتها لك في الوقت القصير ده.”
إلتمعت أعين “مالك” بشيء هو أبلغ من الشر وهو يقول:
“تسلم الأيادي…”
رفع “رامز” سبابته منذرًا إياه:
“بس خلّي بالك. هو نص قرص كفاية أوي. المادة دي شديدة. مش كل الحريم بيحبوا ياخدوها كمان. إللي في إيدك ده بيسمّوه Date Rape Drug (عقار الإغتصاب) لا بيخلّيها على حامي ولا بارد. لو مش عايز تتفضح بيها أو يحصل الأسوأ ماتنساش كلامي!”
مالك بأريحية تامة:
“قولنا ماتقلقش بقى. مش تلميذ أنا يا رامز.”
“ماشي يا عم.. أطير أنا بقى عشان عندي مصلحة…”
وتصافحا مرةً أخيرة. ثم انطلق “رامز” مغادرًا على دراجته النارية.
من مكانه، أشار “مالك” لزوجته بيده فقط لتحضر إليه. أطاعته “إيمان” وهي تقدم رجل وتؤخر أخرى. وقفت أمامه الآن وعيناها ملآى بالأسئلة، لكنه لم يسمح لها بطرح أيّ منها، ليس بعد. أشار لها برأسه أن تتقدمه لداخل البيت، كان يقبض على ذراعها كالكماشة.
بالكاد بقيت هادئة حتى دخلا إحدى الغرف. رأت بها أجواء شاعرية بحتة، فرش من القواني، ستائر بيضاء، سرير ضخم في صدر الغرفة، وهناك بالوسط طاولة مستطيلة فوقها ما لذ وطاب من الطعام والشراب.
“ممكن تفهمني بقى!!” هتفت “إيمان” بشجاعة واهية. “إيه المكان إللي إحنا فيه ده؟ وجايبني هنا ليه!؟”
دارت نظراته المريبة عليها وهو يقول بلهجة جوفاء:
“مالك بس يا حبيبتي. إيه التحقيقات دي كلها. مش قايلك هانقضي وقت لطيف سوا. هانتغدا وهافرجك المزرعة وبعدين أروحك.”
نظرت حولها من جديد، ثم استقرت عينيها بعينيه ثانيةً وهي تقول بشك:
“و الغدا ماينفعش غير في أوضة نوم زي دي!؟”
ابتسم “مالك” وقال:
“إنتي قلوقة أوي. عارفة. إحنا نبدأ بالعصير الأول عشان تروّقي دمك…”
وتوجه نحو طاولة الغداء. لم ترى منه سوى ظهره بينما تسمعه يعب العصير في كأسين، ثم عاد لها مجددًا، ناولها كأسها بابتسامة وديعة:
“اشربي يا قلبي. اشربي وأرمي كل حاجة ورا ضهرك. أنا خدامك إنهاردة. أحلامك كلها أوامر!”
متأثرة بتشجيعه لها، أخذت الكأس منه وبدأت ترتشف، ولكن شعور الريبة لا يزال يدق أجراس الإنذار بداخلها، وكأنها رادار الآن يلتقط الخطر الوشيك. لكن شخصها الجبان لا يصدق كالعادة. لا يصدق حتى تقع الكارثة!!!
“اشربيه كله!” قالها “مالك” دافعًا بيده الكأس لفمها بتصميم.
وبرر فعلته فورًا بشكل احترافي:
“وشك أصفر يا حبيبتي. إنتي شكلك مش بتتغذى كويس اليومين دول. اشربيه كله عشان خاطري…”
شهقت “إيمان” بقوة ما إن بعد يده عن فمها أخيرًا، سعلت قليلًا، بينما لمحت ابتسامة خبيثة على جانب فمه. لم يحاول إخفائها الآن وشاهدته وهو يتجرع كأسه دفعة واحدة، ثم يلقيه من يده على الأرض.
استلّ هاتفه وقنينةٍ ضئيلة الحجم ورمى بهما تجاه الفراش. رفع يديه وحلّ أمام عينيها أزرار قميصه. في غضون ثوانٍ ألقاه بجانب الكأس عند قدميه وبقى عاري الجزع. علت مستويات الأدرينالين بشرايينه.
ولكن عجبًا!
جسدها لا يتخذ أيّ ردة فعل.
تقف هكذا بلا حراك.
عقلها يسيطر عليه الدوار والحيرة.
وكأنها بالون هيليوم.
في أي لحظة سيطير!!!
“قوليلي بقى إتعرّيتي مع كام واحد قبل أخويا؟” قالها “مالك” بفجاجة زلزلتها داخليًا.
قبل أن يمد يديه إليها وينتزع ملابسها القطعة تلو الأخرى بسرعة ومهارة وبلا أدنى مقاومة منها.
“و مع كام واحد بعده بردو.. غير حبيب القلب ابن خالتك؟?”
جحظت عيناها، وكم أرادت أن ترد عنها كل ما يفعله، تصرخ من داخلها لكن لا يخرج من فمها سوى العويل والبكاء الحار!!!
كانت لتسقط في هذه المرحلة، مع إتيان العقار مفعوله شيئًا فشيئًا، لكنه تلقّفها بأحضانه وقد صارت عارية تمامًا بين ذراعيه.
“هوب هوب هوب!” تمتم وهو يحملها بسهولةٍ إلى الفراش.
“مسكتك يا مُزتي ماتخافيش.”
ضبطها على الوسادة وتراجع ليخلع حذاءه وبقية ثيابه، ثم أمسك بربلتيّ قدمها وباعد بين ساقيها ليستقر فوقها مغمغمًا بشهوانية:
“أقولك سر.. أنا من زمان كانت بتجيلي أحلام عنك. ماكنتش متخيل إنها ممكن تتحقق. واكتشفت من قريب إن طول عمري نفسي أعمل كده!”
يرتعش فكها ويزداد الاحتقان بوجهها وعينيها، ترتعب مما يحدث معها وينبض قلبها اللعين بعنفٍ في صدرها، تشعر بمزيدٍ من الاسترخاء وبضعفٍ في عضلاتها، بينما يستطرد مغتصبها بصوته الكريه أمام شفتيها مباشرةً:
“أنا بشكرك إنك ادتيني سبب عشان أطلّع مالك الحقيقي إللي جوايا. صعب عليا جدًا استمتع بحياتي على طريقتك. بس من هنا ورايح كله على طريقتي أنا يا.. يا مزّتي!”
أصبعه يزيل دمعة تجري على وجنتها، يده الأخرى تندس تحت ركبتها ويلف ساقها الرخو حوله ليمنح نفسه تمكنًا أكثر.
لا ينتظر ثانية أخرى، يفاجئها، يقضي على البقايا الصالحة منها التي خلّفها أخيه، يدمّرها الآن، بينما لا تحسّ سوى بأنها تنزلق عن نفسها أبعد وأبعد مع كل غزوٍ منه. وكأنها تُسحق.
لا تنبس بأيّ صوت رغم الألم.
لا يسعها أيّ حركة سوى ذرف الدموع.
وربما شهيقٍ محموم يتسرّب منها الآن، لا تصدق بأنها تشعر في هذه اللحظة بذلك. لا يمكن أن يداهمها هذا الشعور وهي بين ذراعيه.
ولماذا بحق الجحيم!
من أين تهاجم الإثارة بهذه الضراوة؟
إنها أشياء عجيبة تحدث لها، مؤثرات شيطانية تجعلها تتلوى وتزوم كالممسوسة. خالت بأن هذا سينتهي بموتها، كان كثيفًا ومميتًا وفي زيادة مرعبة.
لكن لم يحدث شيء.
لم يحدث أيّ شيء.
وها هو يتنفّس أنفاسًا ثقيلة على عنقها، ثم يتوقف عن الحركة وبعد ثوانٍ يتنهد وينفصل عنها تمامًا. وكأنه يضبط ساعته عليها.
بدأ مفعول هذا الشيء في الزوال أخيرًا، بدأت في استعادة السيطرة على جسمها. اختبرت هذا في تحريك ساقها ويدها، نجحت، لكنها لم تحاول أبدًا ستر عريها.
“الحمام على إيدك اليمين!” هتف “مالك” بجلافةٍ وهو يقذف بوجهها ملابسها.
وقف عند حافة السرير ليرتدي بنطاله وقميصه وهو يقول:
“جهزي نفسك عشان نمشي. لسا ورايا مشاغل أهم منك. يلا قـومي…”
غادرت “إيمان” الفراش ساحبة في يديها ملابسها، سارت مثل الزومبي وصولًا إلى دورة المياه بأقصى الغرفة، مخلّفة ورائها مغتصبها يدنو من طاولة الطعام ليتغذى بعد أن استهلك قواه معها.
أغلقت الباب ورائها وأوصدته بالمفتاح الداخلي. استندت إلى الجدار المقابل و تركت ملابسها تسقط من يديها، ليبرز ما أخفته أسفلها.
لعله لم يلاحظها وهي تستلّ قنينة العقار من جواره خلسةً، لكنها أخذتها بدون تفكيرٍ، كما تجرأت وقامت بسرقة هاتفه، بعد أن جرّدها من كافة أشياؤها، والأهم.. بعد أن منحها أعلى أوسمة الدمار… والعار!!!
وما يحرقها أكثر أنه أعلمها جيدًا سبب تدميره لها، لم يخفي شيء، قاله هكذا ليضاعف العذاب أكثر. لم تعد تتحمل، هناك سلاحان بيدها؛ الهاتف، العقار.
أيهما تختار!؟
إذا اختارت الهاتف فماذا عساها تفعل به بحق الجحيم.. بمن تتصل؟
بأخيها ليتحقق أبشع كابوسٍ في حياتها ويدري بكل شيء؟ أم تتصل بـ”سلاف” التي لم ترى منها عونًا قط؟ أم تتصل بأمها وتكون سببًا في مكروهٍ قد يحدث لها إن علمت.. بل إنها بلا شك سوف تعلم… حتمًا الليلة سيُذاع الخبر.
عليها الاعتراف.
لقد انتهى.
كل شيء انتهى.
تلوّى وجهها فجأة حين داهمها ذلك الإحساس المقيت مجددًا، تلملمت مكانها وهي تئن وتبكي من الخزي وليس من أيّ شيء آخر مم ادّعى. كانت الدموع تنهمر من عينيها عزيزةً ولا يمكن إيقافها أو السيطرة عليها.
وللمرة الثانية تتصرّف بلا تفكيرٍ أو تعقّل. وضعت الهاتف جانبًا وأمسكت بالقنينة الصغيرة وأفرغت الحبوب الصغيرة كلها في كفّها، ثم دفعت بهم داخل فمها دفعةً واحدة. انحنت صوب حوض المياه وابتعلتهم بجرعتين من الماء، ثم سمحت لساقيها بالتداعي أخيرًا بجوار حوض الاستحمام.
لم تكن تتوقّع أن يأتي مفعول هذا الشيء بسرعةٍ هكذا. الآن الأعراض تتزايد، تشعر بسخونةٍ كالجحيم في سائر جسدها. ولكن حدث النقيض المجنون أسرع، أحسّت ببرودةٍ مفاجئة، وفجأة وكأن قواها تخور. لا تعرف لماذا ساورها الندم في لحظةٍ ما.
حين أرادت أن تقف ولم تقدر، حتى دموعها توقفت من تلقائها. شعرت بخفقات قلبها تتباطأ بوتيرةٍ مرعبة، تتصبب عرقًا مثلجًا. لم يكن هناك وقت للتفكير.
شحذت ما تبقّى لها من إرادة وقوى. رفعت يدها بصعوبةٍ لتأخذ الهاتف المسنود فوق رأسها تمامًا على حوض الاستحمام. فتحته وكانت تعرف جيدًا بمن سوف تتصل.
لم تتردد لحظة وهي تنقر بإبهامها المرتجف والبقية الباقية من حركاتها المعدودة. وضعت رقم “مراد” الذي حفظته كاسمها في وقتٍ قصير، ثم رفعت الهاتف لتسنده بين كتفها وأذنها.
“آلو!”
جاء صوته حائرًا مستوضحًا، ردة فعل طبيعية على رقمٍ مجهول. ما إن سمعت هي صوته حتى تسرّب من بين شفاهها نحيبٌ مرير.
“إيمان!؟” صوته أعلى بكثيرٍ الآن. “إيمان. رقم مين ده. إنتي فين يا إيمان!؟”
همسًا بالكاد يُسمع.
“أنا.. باين. لأ. مش باين.. أنا بموت يا مراد!”
“إنتي فـين!؟” كرر سؤاله وبإمكانها سماع الذعر بصوته.
بإمكانها أيضًا سماعه وهو يقفز واقفًا ويتحرّك قليلًا، قبل أن يصفع بابًا ما وتخترق أنفاسه العنيفة جرّاء الركض سماعة الهاتف.
“إيمــان!” صاح “مراد”.
عصرت جفنيها بشدةٍ، تزامنًا مع قرع “مالك” لباب الحمام الآن بقوة وهو يهتف من الخارج:
“كل ده بتعملي إيـه. إنجزي يا قلبي هنتأخر. يلا و ماتقلقيش.. هانيجي هنا تاني وعد. أنا عارف إنك حبيتي الموضوع.. يــلا بقـى عشان زهقت!”
بدأ الوعي ينفذ منها وهي تتشبث بالهاتف بأقصى ما تستطيع حتى لا ينزلق عن كتفها.
“مراد!” نطقت بلهثٍ مضنٍ.
رد “مراد” والألم يمزّق نبراته:
“أنا معاكي يا حبيبتي. ماتخافيش. أنا جاي لك. بس قوليلي إنتي فيـن؟؟”
بدلًا من إعطائه الجواب الذي ينشده، ناشدته هي بكل ذرة حيّة في كيانها، آخر طلب في حياتها تتمنى الحصول عليه:
“ماتخليش. مالك يقول.. يقول حاجة لأدهم. عشان خاطري. يا مراد… ماتخليش أدهم. يعرف حاجة!!!”
وابتلعها الظلام فجأة، هكذا تاركة ورائها أسئلة لا تهتم لمعرفة جوابها. لا تهتم من أين اكتشف “مالك” سرّها مع “مراد”. لم يعد أيّ شيء يهم.
انتهى كل شيء الآن.. لينتهي فقط!
رواية اوصيك بقلبي عشقا الفصل الثالث والعشرون 23 - بقلم مريم محمد
بلغ غضبه الذروة و هو يقف أمام باب الحمام كل تلك المدة يقرع و هي لا ترد.
بما أنه يعرفها جيدًا يثق بأنها تصدر شخصيتها الهشّة الجبانة الآن، تصنع دراما البؤس خاصتها التي أقامت لها طوال حياتها القصيرة مع أخيه الراحل.
نفذ صبره ظانًا بها كل هذا، لا يفكر في أمرٌ آخر، فرفع يده يضرب الباب بقوةٍ و هو يصيح:
- هانفضل كده كتير.. لآخر مرة بقولك افتحي يا إيمان. افتحي و إلا هاكسر الباب و لو دخلت لك بالشكل مش هايحصل طيب… مش هاتفتحي يعني !؟؟
لم يسألها ثانيةَ، تراجع خطوة للخلف، ثم بمنتهى العنف ركل الباب ركلةٍ واحدة، فانكسر القفل.
دلف إليها و الشرر يتطاير من عينيه.. لكنه بهت و توقفت أعضاؤه قاطبةً لوهلةٍ حين اصطدم برؤيتها على هذا المنظر.
لا تزال عارية.. في يديها هاتفه.. هاتفه لقد سرقته.
و أيضًا ما هذه.. قنينة العقار اللعينة !!!
ماذا فعلت في نفسها بحق الجحيم !!؟؟؟؟
و بمن اتصلت المجنونة ؟؟؟؟؟؟؟؟
- إيمــان !!!!
صرخ “مالك” مذعورًا و هو يندفع نحوها.
جثى بجوارها و أمسك بها و اخذ يهزها بقوة.
- إيمان. عملتي إيه في نفسك. عملتـي إيه !!
و جاءته الإجابة لحظة تدحرجت قنينة العقار الفارغة أمامه فوق الرخام.
جحظت عيناه و شحب كليًا و هو يهمس مرتعبًا:
- يا نهار اسود !!
لم يفكر مرتين، لكنه قبل أن يمسك الهاتف ارتعد حين دق فجـأة.
التقطه بيدٍ مرتعشة و نظر إلى الشاشة المضاء.
المُعرّف الآلي أطلعه فورًا على هوية الرقم غير المسجل.
- مراد محمود !!!
تمتم “مالك” مصعوقًا.
تلقائيًا رأى أمامه الرجل الذي قهره و جعله لا يساوي شيء.
بقدر غضبه أحسّ بالخوف.
خوفه دفعه ألا يرد عليه مطلقًا، و انتظر حتى انقطعت المكالمة ليطلب صديقه في الحال.
ما إن رد عليه الأخير صاح فيه بهلعٍ عبر الهاتف:
- راااااامـز إلحقني يا رااامـز !!!!
في غضون دقائق وصل “رامز”.
كان “مالك” قد ستر جسد زوجته و لم يتزحزح من جوارها.
هب واقفًا لدى رؤيته لصاحبه و هتف برجفةٍ في جسده و صوته:
- إلحقني يا رامز. أخدت الحبوب كلها. جسمها متلج و مابتنطق خالص !
تصرّف “رامز” بهدوءٍ و هو ينحني ليختبر نبض “إيمان”.
حيث وضع إصبعه فوق شريانها السُباتي للحظاتٍ.
- مراتك دي لازم تتنقل المستشفى حالًا !
قرر “رامز” بصرامةٍ و اعتدل ليواجهه ثانيةً:
- بدون دخول في تفاصيل. أنا قلت لك مش عايز نوش عندي يا مالك. خدها من هنا و امشي.
رد “مالك” بارتباكٍ شديد:
- أخدها إزاي بس و هي كده. و لو روحت بيها أي مستشفى هاتفضح و لو جرالها حاجة هاروح في داهية يا رامز !!
رامز بغلظةٍ:
- و أنا مش مافيا يا حبيب أخوك. انت أخرك هنا كانت ساعة إنبساط. لكن بلاوي و جرايم ماتلاقيش !
صمّ نظر صوب “إيمان” مستطردًا:
- و وقتك بينفد. لو استنيت عليها أكتر من كده هاتروح فيها و انت كمان هاتروح في داهية بجد !!!
تراجع “مالك” عدة خطوات، جفل و أمسك بيداه مؤخرة رقبته بإحكامٍ.
بقى على هذا الوضع حتى دق هاتفه مجددًا.
انتفض و هو يحدق فيه حيث هو فوق الأرض.
نظر له “رامز” مستفهمًا، فأخبره “مالك” بصوتٍ مهزوز:
- ده. ده.. ابن خالة إيمان. و. عشيقها. إيمان اتصلت بيه من تليفوني قبل ما اكسر عليها الباب !
انقطع الإتصال مع إتمام “مالك” سرد الحدث.
لكن لم تمر دقيقة أخرى و دق الهاتف مرةً أخرى.
حينها لم يتردد “رامز”.
التقط الهاتف أمام عجز “مالك” الكامل و فتح الخط.
*****
كان يقود كالمجنون حتى و هو لا يعرف أين عليه أن يذهب.
لا يزال يجهل مكانها، محمّر العينين، محتقن الملامح.
كان يلهج بأنفاسه العنيفة و هو يُكرر كلماتها بأذنيها و يتخيّلها عندما أخبرته بأنها تموت.
لا يمكن.
“إيمان”
لا يمكن أن يحدث هذا !!!
أمسك هاتفه بعصبيةٍ و حاول الإتصال مجددًا بالرقم الذي اتصلت به من خلاله، لكنه لا يرد.
لا يرد أبدًا.
و لا يستطيع أن يفعل أي شيء.
لا يستطيع حتى أن يهاتف “أدهم”.
ماذا يقول له !؟؟
بأيّ صفة يتجرأ و يتخطّى الحدود معه من جديد !!!!
اللعنة اللعنة اللعنة …
- آاااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااه !
شقّت صرخته المقهورة جنابات السيارة و هو يضرب المقود بيديه المدمرتين مرارًا.
إزداد وجهه احمرارًا و طفرت الدموع من عينيه.
كان قاب قوسين أو أدنى من أن يفقد عقله على الأخير، فأمسك هاتفه و حاول الإتصال مرةً أخرى.
هذه المرة إنفتح الخط و رد عليه صوت رجولي حاد:
- لو عاوز تلحقها هاتيجي على العنوان إللي هاقوله لك منغير شوشرة. ماعندهاش وقت كتير !!
- هـي فيــــن ؟؟؟؟
صاح “مراد” بضراوةٍ مستوحشة.
أملى عليه الرجل عنوان مزرعةٍ تقع في مربع سقّارة بالجيزة.
إنطلق “مراد” في وقتٍ قياسي متفاديًا عشرات الحوادث، هكذا وصولًا إلى العنوان الذي تلقّاه على هاتفه.
صطف سيارته أمام بوابة المزعة المفتوحة.
سحب في يده قطعة حديد يضعها دائمًا بالسيارة تحسبًا لأي طارئ.
ترجل “مراد” دون أن يغلق حتى باب سيارته، ركض بسرعة إلى الداخل.
كان باب البيت مفتوح بدوره.
اهتدى “مراد” بضوء الردهة على يساره، أفضت به إلى الغرفة ذات الباب الموارب.
اقتحمها مناديًا بأعلى صوته:
- إيـمــــــان.. إيـمــــــــــــان …
- من هنا يا باشا !
أتى الصوت من أقصى الغرفة.
شق “مراد” طريقه نحو المصدر من فوره، أحكم قبضته حول الحديدة بيده و دفع الباب بهجومٍ مخيف.
أول من قابل بوجهه كان المدعو “رامز” يختبئ خلفه “مالك”.
- مراد أبو المجد !؟؟
قالها “رامز” مشدوهًا و هو يحدق بـ”مراد”.
كذلك “مراد” ذُهل حين رآه و ردد:
- رامز الأمير !!؟
إنها صداقة قديمة، من الأيام الخوالي، جمعت بينه و بين صديق عمره “عثمان البحيري”.
كانوا مثلث صداقة مُحكم طوال فترة الدراسة الجامعية و سنوات العربدة و الفسوق قضوها كلها سويًا.
كيف آلت “إيمان” إلى طريقه بحق اللعنة ؟؟؟؟؟؟
- بنت بتعمل عندك إيه يا رامز !؟؟
خرج السؤال من بين أسنان “مراد” بحشرجةٍ ضارية.
هز “رامز” رأسه مجفلًا:
- أنا مش مجمع أي حاجة يا مراد. ماعرفش إيه الحوارات إللي معاك و لا فاهم أي حاجة أقسم لك. انت عارفني كويس ماليش الجو ده و انت بالذات.. انت صاحبي !
مراد بحدةٍ مخيفة:
- إيمان فين يا رامز ؟؟؟
تنحّى الأخير جانبًا و هو يُزيح “مالك” الذي وقف يتابع ما يجري بتوجسٍ و رعب، ليرى “مراد” حبيبته.. ابنة خالته… “إيمان” على تلك الشاكلة.
كانت أمامه كالموتى فعلًا و قد خشى أن تكون حقًا كذلك.
تجاهل كل شيء، تلاشى أيّ تعبيرٍ آخر غير الجزع عن وجهه، أسرع ناحيتها هاتفًا بتلهفٍ:
- إيمـان.. إيمــان ردي عليـا. فيكي إيـه. حصلك إيــه ؟؟؟؟
كانت بين أحضانه الآن، جسدها بارد كالثلج، و فمها منفرج لا ينم عن أيّ مجرى للتنفس.
مِمّا دب فيه الذعر و جعله يصرخ كالوحش و هو يدير وجهه نحو الرجلين من خلفه:
- عملتوا فيها إيـه يا رامز ؟؟؟؟
عبس “رامز” و يملأ فمه بأغلظ الآيمان:
- و عزة الله ما لمستها. مالك فهمني انها مراته و انها جاية هنا بمزاجها. طلب مني أجيب له GHB و قلت له نص قرص كفاية عليها. مشيت و سيبتهم لاقيته بيكلمني بعدها بساعتين تقريبًا و بيقولي بلعت الأقراص كلها.. بص يا مراد أنا قلت لك مش فاهم إيه إللي بيحصل بس لو دي تهمك لازم تلحقها بسرعة. إللي بلعته ده مخاطره انت عارفها و يمكن أسوأ !
و كأن تلك الكلمات تمامًا هي ما دفعته أسرع.
قام من ركوعه حاملًا إيّاها على ذراعيه، استدار عازمًا الخروج.
لكن قبل ذلك وقف هنيهةً أمام “مالك” قائلًا بتوّعد:
- تصحى إيمان و أطمن عليها.. بعدها لو الموت نفسه فوق راسك. مش هاتنوله قبل ما أصفي حسابي معاك !!!
لم ينتظر “مراد” ليقرأ ردة فعله على كلماته، لم يكن مهتمًا، لم يكن هناك تركيزًا سوى عليها فقط.
أخذها مسرعًا إلى سيارته.
وضعها بالمقعد الخلفي و هو يمسّد على خدّها الشاحب متمتمًا بأنينٍ متألم:
- كل ده بسببي. كل ده بسببي.. ياريتني ما كنت رجعت. ياريتني ما كنت حبيتك يا إيمان !
تراجع بغتةً مغلقًا عليها باب السيارة بقوةٍ، استقل أمام المقود مجددًا، و قاد رأسًا إلى مشفى المدينة الخصوصي !
رواية اوصيك بقلبي عشقا الفصل الرابع والعشرون 24 - بقلم مريم محمد
بحلول ساعة المغرب، عاد "أدهم" من العمل كعادة كل يومٍ، ما لم يتطلب وجوده ضروريًا بالمشفى التي شارك فيها. ومثل المعتاد أيضًا، ولج عند شقة أمه أولًا، ليجد أولاده وابنة أخته في انتظاره، أما "سلاف" و "أمينة" فبالتأكيد في المطبخ تعدّان العشاء.
زقزق الأطفال فور رؤيته، وتقافز التوائم عليه، فركع نفسه ليمكّنهم من نفسه ويضمهم ثلاثتهم ضاحكًا:
"حبايبي الأبطال. فرساني التلاتة.. انتوا كمان وحشتوني أوي."
وحتّمت منه نظرة صوب "لمى" التي وقفت بعيدًا، تشيح بوجهها عنه وتعقد ذراعيها أمام صدرها. عبس "أدهم" مناديًا عليها:
"لمى.. ما جيتيش تسلمي عليا وتبوسيني ليه زي كل يوم؟"
لكنها لم ترد عليه، فكرر ندائه باستغرابٍ مدهوش:
"لمى.. إنتي سامعاني!؟"
لا رد أيضًا... فقام تاركًا أولاده ليمضي نحوها. وقف أمامها وأمسك بكتفها بضغطة خفيفة وهو يقول بصوتٍ أجش:
"أنا بكلمك يا لمى. مش بتردي عليا!؟"
ثم أمرها بحزمٍ:
"بصيلي."
أطاعت "لمى" وتطلعت إليه ببطءٍ. ركّزت عيناها الواسعتين كعيون الغزال، مثل أمها، على عينيّ خالها الحادتين. ما إن التقت نظراتهما حتى لانت نظراته ومسح على شعرها الناعم متمتمًا:
"بقى مش بتردي عليا يا لمى.. إنتي زعلانة مني يعني؟"
أومأت برأسها وهي تقلب شفتها السفلى بحزنٍ جمّ.
تنهد "أدهم" وانحنى ليحملها على ذراعه، مشى خطوتين وجلس فوق مقعدٍ قريب، أجلاها على حضنه وقال بلطفٍ وهو يربت على ظهرها:
"قوليلي بقى زعلانة ليه حبيبة خالها؟"
التلمعت عيناها وهي تفتح فاها الصغير لتقول بصوتها الطفولي الحلو:
"عشان انت إمبارح طلعت وسبتني من غير ما تحكيلي حدوتة زي ما بتعمل كل يوم."
همهم وهو يخاطبها بأسلوبه المقنع:
"أمم.. طيب مش أنا قلت لك إمبارح إني تعبان طول اليوم ومحتاج أستريح وأنام عشان شغلي؟"
أومأت ثانيةً، فابتسم مكملاً:
"يبقى تزعلي مني عشان كده. إنتي تحبي خالو يبقى تعبان!؟"
هزت رأسها أن لا وقالت بتأثرٍ تشوبه نبرة بكاء:
"أنا زعلت عشان مش بقيت أعرف أنام كويس غير لما تحكيلي الحدوتة وتحضني لحد ما أنام. مامي مش بتعرف تعمل كده وبتفضل تعيط طول الليل وأنا بكون صاحية زعلانة لحد ما هي تنام."
زم شفتيه بتعاطفٍ على الصغيرة وأسفٍ على أمها، لكنه بدد ذلك التعبير فورًا وقال بنعومةٍ:
"حبيبتي إنتي بنت شاطرة وكبيرة. صح مابقتيش صغيرة. يعني زي ما ماما بتاخد بالها منك إنتي كمان تاخدي بالك من ماما.. وأنا كلي ليكي يا قلبي. أوعدك كل يوم أحكيلك حدوتة إلا مثلًا لو وقع مننا يوم كنت فيه تعبان زي إمبارح.. تمام؟"
أومأت له مرةً أخرى.
"يعني خلاص صالحتيني!؟"
ابتسمت ودنت لتقبّله على لحيته الكثّة، ففاجأها وهو يظهر من جيب سترته مغلف الحلوى المفضل لها. شهقت من الإثارة، فقدمه لها غامزًا:
"عشان تعرفي إني كده كده كنت جاي أصالحك. مقدرش على زعل حبيبة قلبي."
أخذته "لمى" من يده وصاحت وهي تحتضنه بشدة:
"خـالو حبيبي. بحبك بحبك بحبك أد الدنياااااااا."
علّق "أدهم" مستاءً:
"الدنيا هاتخلص في يوم من الأيام يا لمى. كده ممكن حبك ليا يخلص!؟"
تراجعت لتنظر إليه. فكرت قليلًا وقالت بابتسامة متألقة:
"أيوة خلاص. بحبك أد الجنة!"
أعجبه ما قالت.
"صح كده. هو ده الكلام. حبيبتي!"
ثم سألها بمرونةٍ:
"ماما رجعت إمتى؟"
جاوبته الصغيرة بهزة كتف:
"لسا مارجعتش."
قطب "أدهم" مرددًا:
"معقول. كل ده برا."
ما كاد يتمم جملته إلا وجاءت "سلاف" مسرعة من الداخل وفي يدها هاتف "أمينة".
"أدهـم!!!" هتفت "سلاف" شاحبة الوجه.
خفق قلب "أدهم" بين أضلعه بقوةٍ لمرآها هكذا وهب واقفًا وهو يسألها بقلقٍ:
"في إيه يا سلاف!؟"
ردت "سلاف" بالكاد ولا تزال تحت تأثير الصدمة:
"سيبت عمتو أمينة بتلبس. جات لها مكالمة. حد بيقول إيمان نقلوها المستشفى في حالة خطر!!!"
***
جلس محطمًا أمام قسم الطوارئ. ساهم النظرات، حواسه مفتوحة، لكنه لا يسمع شيئًا ولا يرى شيئًا. فقط لحظات وصوله بها إلى هنا والأحداث التي تلت ذلك هي كل ما يُعاد أمام ناظريه.
***
عندما اقتحم المشفى وهي على ذراعيه وقد تساقط حجابها خلال هرولته المضطربة بها.
"دكتور. عايز دكتور. دكتـوووور!!!"
ظل يصيح وقد اجتمع حوله طاقم التمريض، وسرعان ما شق طبيبٌ شاب الجمع نحو مصدر الغوغاء هاتفًا:
"إيـه إللي بيحصل هنا!؟"
وقعت عيناه على الحالة التي يحملها "مراد" وأخذ يرمقها، بينما يطالبه "مراد" منفعلًا:
"مش شايفين الإنسانة إللي على إيدي؟ حد يشوفهـااااا!!!!"
أعطى الطبيب الشاب أوامره:
"هاتوا التروللي بسرعة وخدوها على الطوارئ."
أحضر الممرض السرير النقّال مسرعًا، فوضعها "مراد" فوقه. دفعها طاقم التمريض تجاه الطوارئ باسراعٍ يتبعها "مراد" حتى أُغلق الباب بوجهه. ظل بالخارج يروح ويجيء أمام الغرفة في عصبيةٍ.
إلى أن خرج الطبيب سارع نحوه متسائلًا:
"دكتور. طمنّي إيمان فاقت!؟"
الطبيب بحدةٍ:
"فاقت إيه يا أستاذ. دي دخلت في كوما. أنا محتاج أعرف وحالًا إيه إللي حصل!!"
لم يتسع "مراد" الخبر وتدلّى فكه من الصدمة. ألح الطبيب بصلابةٍ:
"لازم أعرف الأسباب عشان نكسب وقت. الفحص المبدئي مبيّن إنها اتعرضت لاعتداء. حصل إيـه كمـان؟"
قسر "مراد" نفسه على الخروج من الحالة التي استبدت به، وجاوب الطبيب بصعوبةٍ:
"حاولت تنتحر. بلعت أقراص GHB!"
احتقنت أعين الطبيب وهو يسأله مزمجرًا:
"حضرتك تقرب لها إيه؟"
رد "مراد" بأحرفٍ متثاقلة:
"تبقى بنت. بنت خالتي."
"-انت إللي عملت فيها كده؟" كان يشير لأمر الاعتداء.
فتح فاهه لينفي في الحال، ولكن جملتها رنت بأذنيه: "ماتخليش مالك يقول حاجة. ماتخليش أدهم يعرف حاجة!"
غصّ النفي كله بحلقه ولم يتكلم، فازداد غضب الطبيب وهو يخبره:
"كده كده الشرطة بتحضر في أي حادثة. وفي عسكري هنا على باب المستشفى مش بيمشي. هاندي له خبر والقسم هايبعت ظابط يفتح محضر. عن إذنك!"
وتركه عائدًا إلى غرفة الطوارئ حيث "إيمان".
***
"-مـراد!؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟"
أفاق "مراد" من استغراقه على صوت ابن خالته. هو الوحيد الذي انتزعه صوته الدوامة السحيقة.
رفع رأسه تجاه الصوت، ليرى "أدهم" مقبلًا عليه عبر الرواق الطويل في إثره خالته. كلاهما يملأ أعينهم الذعر وعلامات الاستفهام.
"إيه إللي حصل!؟" تساءل "أدهم" وهو يلهث بأنفاسٍ عنيفة ما إن وصل أمامه.
قام "مراد" واقفًا ليواجههم، وتسابقت "أمينة" بالتساؤلات عقب ابنها:
"في أي يا مرااااد بنتي فيـن؟"
وجّه "أدهم" السؤال البديهي في الحال:
"انت بتعمل إيه هنا أساسًا؟" ونظر لأمه: "إيمان مش المفروض مع مالك!!"
نظرت "أمينة" بدورها إلى "مراد" منتظرة جواب سؤال ابنها منه هو، ولكنّه لم يرد. وقف عاجزًا تمامًا.
يحدق فيهم فقط، وتعابيره كلها خالية من أيّ مشاعر.
"مـا تـرررررردددددددددد!!!!" صرخ "أدهم" فيه: "إنطــق و قـولي أختـــي فيـــن. حصلـها إيــه؟"
"هدوء من فضلكوا!"
أتى الصوت الرجولي الصارم من خلفهم فجأة.
التفت الجميع إليه، ونظر "أدهم" ليرى امامه ضابط يرتدي الملكي. قبل أن ينبس أيّ منهم بكلمة، تكلم الضابط الثلاثيني بشدة:
"حضرتكوا أكيد أهل المجني عليها."
"المجني عليها!؟" قاطعته "أمينة" نائحة: "بنتـي جرالها إيه ياناس. بنتي فين. أختك فين يا أدهم؟"
رد الضابط بحزمٍ:
"إهدي يا مدام من فضلك. احنا واقفين في مستشفى وفي مرضى نحترم ده لو سمحتوا."
"أختي فين وحصلها إيه يافندم؟" سأله "أدهم" مباشرةً.
تنهد الضابط، ثم قال مشيرًا بذقنه:
"أختك جوا بيسعفوها يا أستاذ. جات لنا إخبارية بوصولها في حادث فجينا وفتحنا محضر وتم الاستجواب. ناقص أقوالها هي لما تتجاوز الخطر وتفوق إن شاء الله."
تماسك "أدهم" وهو يواصل أسئلته:
"حادث إيه بالظبط!؟"
صمت الأخير هنيهةً مدركًا جيدًا نتائج ما سيقوله عليهم، لكنه قال وهو ينقل نظراته بين الأخ وابن الخالة في الخلف:
"الفحص بيّن إن أختك اتعرّضت للإغتصاب. وتناولت أو حد أجبرها تاخد حبوب على جدول المخدرات. الكميّة إللي بلعتها كبيرة. دخلت في غيبوبة ووظائف الكلى عطلت تمامًا. الدكاترة بيعملوا إللي عليهم."
كان هذا كثيرًا ليستوعبوه، بينما كادت "أمينة" أن تنهار لولا ذراع "أدهم" الذي ساندها فورًا. ذلك لم يمنعه من طرح السؤال الأخير والأهم حتى يكون متأكدًا مئة بالمئة:
"مين إللي عملها؟"
حدق الضابط للحظات في "مراد" الذي بدا باردًا، غير واعيًا، وقبل أن يجاوب أشار لفردين من العساكر خلفه ليحضرا تحسبًا:
"الأستاذ ده جابها على هنا. بسؤاله تحديدصا النقطة دي عليه.. مأنكرش!"
قبل أن يتمكن أيّ أحد من ملاحظة أيّ شيء، وصلت قبضة "أدهم" إلى فم "مراد".
تعثر للخلف، لكن "أدهم" لحق به فورًا، أمسكه من ياقته ولكمه على أنفه بقوةٍ. لم يفعل "مراد" أيّ شيء، لأنه بطريقةٍ ما يشعر بالذنب، بطريقةٍ ما يلقي باللوم كله على نفسه.
ترك ابن خالته يظن هذا فيه كليًا، وحتى لو أراد أن يزهق روحه فلن يدافع عن نفسه.
"سيبـــوووووووني. محـدش يمسكنـي!!!!!" صاح "أدهم" بضراوةٍ في اثنين من العساكر الأشدّاء.
لو كانا أقل سعة في البدن لما تمكنا من تخليص "مراد" منه مطلقًا، قاطع المقعد المعدني سقوط "مراد". بينما يصرخ "أدهم" محاولًا الإفلات وعينيه صوب "مراد" تلتمعان بوحشيةٍ:
"مع إيمـان. عملـت كده في أختــــي. يا كلـب. يا خايــن. مش هاسيبك. مش هاسيبـك يـا مـرااااااااااااااااد!!!!!"
اندفع عسكر ثالث نحو "مراد" يمسك به، يمنعه على فرض لو أراد رد الصاع لابن خالته الهائج، لكنه بقى هادئًا. إن يفعل في أيّ شيء فهو يستحق ذلك، ولا يسعه الآن إلا المثول أمامه هكذا، يتلقى كلماتٍ ونعوت تغرس بروحه كنصالٍ حادة. لو يقتله لكان أهون!
رواية اوصيك بقلبي عشقا الفصل الخامس والعشرون 25 - بقلم مريم محمد
أمي؛ أنا لستُ مسخًا، أنا لمى… طفلتك !
إكتئاب ما بعد الولادة … لم يكن عارض نفسي شائع كما يحدث مع أغلب النساء حول العالم، بل كان له سبب، سبب قوي. تتذكر أنها كرهت طفلتها كثيرًا لما ولدتها، لكنها أجبرت على التظاهر بعكس ذلك، عانت وحدها، خاصةً لإدراكها كيف أتت صغيرته تلك الليلة التي زرعها والدها برحمها، لا يمكن نسيانها، بعد محاولات طبيعية فاشلة للإنجاب.. نجحت هذه المحاولة الشنعاء !!!
مجددًا أراد أن يجبرها على القيام بأمورٍ لا ترضي الله، تنافي الفطرة و تسحق الكرامة الإنسانية، فجهرت بالرفض و هي تصرخ بوجهه:
لأ يا سيف. مش هانعيده تاني. قلت لك لأ. و انت وعدتني إنك مش هاتعمل كده تاني !!
رد عليها باسلوبه الفجّ:
أنا مايتقاليش أعمل إيه و ماعملش إيه. إللي أنا عايزه بس هو إللي هايحصل.. ماتنسيش نفسك يا حبيبتي إنتي تشكري ربك و تبوسي إيدك وش و ضهر إنك مراتي و إني صابر عليكي و إلا ماكنتيش هاتلاقي راااجل يعبّرك !
ضغطت على عينيها بشدة، استعدت لسماع كلماتٍ أخرى منه على وشك أن تقتلها تمامًا فقط أن تقول هذا:
انت صح. أنا ماستهلكش. النعمة إللي أنا فيها دي كتير عليا.. طلّقني يا سيف و شوف لك واحدة أشرف مني تتجوزها. طلّقني و ريح نفسك و ريحيني !
تصاعدت الدماء إلى وجهه و هو يغمم بينما جسمه كله يرتجف من الغضب:
عايزاني أطلّقك عشان تمشي على مزاجك صح ؟ عشان تاخدي إللي مش لاقياه معايا من كل راجل تشوفيه برا …
و صرخت متألمة حين نالت أول صفعة من يده، ثم الثانية هكذا وصولًا إلى غرفة النوم، تبكي و تتلقّى الإهانة و الضرب بينما يصيح فيها:
طول ما أنا عايش مش هاتشوفي الراحة و لا هاتدوقي السعادة يا إيمان. كل يوم في حياتك هايبقى ألعن من إللي قبله. و هاتفضلي طول عمرك مجبرة تعيشي معايا و تمثلي إنك أسعد زوجة. هاتختاري جحيمي و هاترضي بيه غصب عنك و إلا كله هايعرف وساختك. و أولهم أخوكي.. سامعة. أدهم هايعرف كل حاجة !!!
لطالما كان هذا أكبر مخاوفها حقًا أن يعلم أخوها بالذات.
أدركت أنه محق، و فجأة فقدت مقاومتها و استسلمت له، لم يكن بحاجة ليقيّد معصميها بحزامه الآن، لم يكن بحاجة لإخضاعها بهذه القسوة كلها، لقد رضخت طواعية.
لم يعزز هذا شيئًا سوى الألم لديها، بينما كان يتفنن بإقامة طقوس مجونه و فسوقه عليها، حقق ما أرادو.
بكت هي. بكت، بكت كثيرًا حتى إنها تاذت هذه المرة و نزفت أنحاء مختلفة بجسمها، كانت الذكرى الأشد سوءًا على الإطلاق.
فعل ما فعله، ثم تقمّص دور الحمل الوديع، بعد استنزفها بالكامل، أخذ يتودد إليها و يعتذر عمّا بدر منه، ثم و كأنه يسند شجرةً آيلة للسقوط بقشّة، منحها في الأخير الشكل الطبيعي للعلاقة.
و بنهاية الليلة استقرت طفلتها بداخلها …
في اليوم التالي سافر إلى والده من أجل العمل، تركها في عهدة أمها و أخيها، حتى أنه شرط ألا تعيش وحدها بشقتهما بحجة خوفه عليها، لم يعود إلا بعد شهران، عندما زفت إليه أمه خبر حمل زوجته.
كاد يطير من السعادة، لم تره “إيمان” أكثر محبةً و لطف هكذا من قبل، و ربما أملت أن يستمر الوضع، لكنه لم يحدث.. فسرعان ما إنقلب عليها من جديد مثل عادته.. تارةً عنيفٌ و سادي، و تارةٌ أخرى وديعٌ و حنون.
لم يكن لديه وسط، كان إما أسود جدًا، أو أبيض جدًا.
و بين هذا و ذاك فقدت “إيمان” نفسها و ضاعت متخيّلة ألا هناك مهرب …
_____
كانت تشعر و كأنها نامت لسنواتٍ طويلة.. و ها هي قد استيقظت للتو !
لحظة … إنها حيّة !!؟؟؟
لماذا بحق الجحيم ؟؟؟
لماذا بعد أن ظنّت بأنه الخلاص… تعود مجددًا !!!!
موصولةً بالأجهزة، و أنابيب الأكسجين بفتحتين أنفها، أحسّت بهبوطٍ حاد في قواها، لم تتحرّك بسهولة كذلك فتحت عينيها بصعوبةٍ بينما يخرج صوتها عبارةً عن همهمة …
إيمـان !
سمعت صوت أمها فوق رأسها، ثم ميّزت لمستها على وجهها و شعرها، أزاحت جفناها بجهدٍ و رأت خيالاتٍ بادئ الأمر حتى صفت الرؤية تدريجيًا و وضح وجه أمها أمام عينيها:
صاحت “أمينة” بتلهفٍ بينما الدموع تفيض من عينيها:
حبيبتي يابنتي. حمدلله على سلامتك. أنا كنت بموت يا إيمان. من خوفي عليكي.. ربنا رحم قلبي. يارب يطمني عليكي يابنتي ماشوفش فيكي سوء تاني يا إيمان !!
كانت مصابة بالجفاف لدرجة أنها بدأت تبكي دون ذرف دمعةٍ واحدة، ضمتها أمها إلى صدرها مواسية:
بس. بس يا حبيبتي. اسم الله عليكي.. ماتخافيش أنا امك هنا. جمبك. محدش يقدر يئذيكي طول مانتي في حضني. أنا طول الليل كنت جمبك. ماسبتكيش لحظة !
لم تستوعب “إيمان” إنها غابت عن الوعي ليلةً كاملة، أو لعلها أكثر من ليلة.. لا تدري …
آ. أ أد هم ! ..
تأتأت “إيمان” بمشقة.
ردت عليها “أمينة” في الحال:
بنتك هاتتجنن عليكي. أخوكي راح يجيبها. زمانه على وصول يا حبيبتي اطمني …
و نزحت دموعها بظاهر كفّها قائلة:
أنا هاروح أدي خبر للدكتور إنك فوقتي. لازم تخرجي من العناية دي. لازم تخرجي من المستشفى دي كلها في أقرب فرصة.. بيتك أولى بيكي يابنتي !
*****
كان يجلس بالمخفر الآن، في قفص الإحتجاز و الأغلال بيديه، لا يدرك أن فمه متوّرم و ينزف ببطٍ جرّاء لكمات ابن خالته، لا زال في نفس الحالة الواجمة التي كان عليها بالمشفى …
تسيطر عليه فكرة فقدانها.. يفكر كيف يمكنه العيش بدونها !؟
بعد ضلّ بعدها لسنواتٍ و عاد ليكتشف بأنها أرضه و قراره خريطته، وجهته، بوصلته، منارته… إنها امرأة حياته كلها و حبّه الوحيد.
لاسيكون أكبر عقابٌ له.
لن يتحمله و لن يقوَ على عيش أيّ حياة !!!
مـرااااد !
التقطت أذنيه نداء والدتها الهلوع، ردة فعله كلها عبارة عن لامبالاة، لم يعير مطلق شيء إهتمام، بينما والديه يقتحمان المخفر معهما المحامي …
ركضت أمه إليه مباشرةً و الفزع يعلو وجهها:
مراد. إللي حصل ده حقيقي ؟؟؟ ررردددد عليا يا مـراد صحيح إللي خالتك أمينة قالته ده !!؟؟؟؟
لم تحصل منه على أيّ ردٍ، و لم ترى من وجهه شيء سوى أمارات الخواء، فكتمت فمها بكفّيها قبل أن تطلق صراخ الصدمة، ما لبث زوجها أن لحق بها تاركًا المحامي يلج أولًا إلى ملازم القسم؛
أحاط بكتفيّ زوجته و هو يتطلّع إلى إبنه بغضبٍ مستطير و يهتف من بين أسنانه:
عملت إيـه يالا. هه. فضتحتنا.. إزاي تعمل كده. كنت بتفكر إزاااي يا حيـوااان. دي بنت خالتـك !!!!
كان “محمود” قد ترك زوجته الآن و اندفع نحو القفص الحديدي محاولًا الوصول لإبنه عبثًا، أتى عسكري ليضع حدًا لتلك المشادّة صائحًا بصرامة:
ماينفعش كده يا أستاذ. انت مفكر نفسك فين. ابعد عن القفص لو سمحت !
تراجع “محمود” بزوجته مذعنًا للآوامر، في نفس اللحظة يظهر “رامز الأمير” برفقته شخصية معروفة بالمخفر، رجلٌ ضخم أسمر البشرة أعطى أمره للعساكر ليفتحوا القفص حتى يلج “رامز” إلى صديقه …
مراد إيه إللي حصل ده !؟ .. قالها “رامز” بصوته الأجش ما إن صار بداخل القفص مع صاحبه.
أغلق العسكري عليهما، ليقوم “مراد” واقفًا في مواجهته، نظر مباشرةً في عينيه و قال بقتامةٍ:
رامز.. بعد كل الوقت ده. ماتخيلتش نتقابل تاني في ظروف زي دي !
تنهد “رامز” بعمقٍ متهملًا في ردة فعله و قال:
أنا حلفت لك. ماعنديش أي فكرة عن كل إللي حصل.. جرى إيه يا مراد. احنا معرفة إمبارح. ده انت صاحبي ياض. صاحبـي !!
عبس “مراد” قائلًا بلهجةٍ ضبابية:
و عشان انت صاحبي. أنا كلمتك.. قولي يا رامز كنت غلط لما كلمتك !؟
رامز بقوة تنم عن قسوة:
رامز الأمير بيعرف يقف جمب أصحابه كويس و انت عارف يا مراد.. أنا رقبتي ليك.
أومأ له و قد لاح شبح ابتسامة على ثغره، دنى منه قليلًا ليسأله:
الواد إللي اسمه مالك ده. وقع في سكتك إزاي ؟
جاوبه “رامز” على الفور:
أخوه كان بيسهر مع شلّتنا من زمان. اتعرفت على سيف بعد ما سافرت انت علطول. ماكنش صاحبي أوي بس كان بيجي عندي و كنت بجيب له drug pills من إللي بنوزعها في سهراتنا بس لاقيته دخل في سكة أكبر و غوّط أوي ف قطعت معاه. لحد ما عرفت بعد فترة إنه مات أوفردوز و روحت أعزّي فيه و شفت مالك. من هنا بدأت صحوبيتنا. هو بان جدع و بصراحة ماعرفش اتخدعت فيه إزاي.. فهمني بقى انت إيه الحكاية !!؟
كان “مراد” يصوّغ جيدًا القصة التي سردها صديقه للتو.. بينما الأخير لا يزال بانتظار ردّه …
مشيّته من عندك ؟ .. سأله “مراد” محدقًا بعينيه من جديد.
أومأ “رامز”: مشي بعد ما مشيت انت علطول.
تعرف تجيبه تاني ؟
سهلة. عايزه فين ؟
رد “مراد” ساهمًا و كأنما يرى لقطةً من المستقبل أمام عينيه:
في نفس المكان. عندك.. تجيبه و ماتسبهوش غير لما أطلع و أجي لك !
رغم إنه لم يكن واثقًا ما إذا كان سيخرج من هنا …
*****
تم نقلها بالفعل إلى غرفة مخصصة، بعد التأكد من إفاقتها التامة و الإطمئنان على مؤشراتها الحيوية، بعد قضاء أكثر من ثماني عشر ساعة بالعناية الفائقة.. تلقّى “أدهم” البشرى من أمه عبر الهاتف بينما كان يقود في طريقه إلى المشفى.
كانت إبنة أخته تجلس في الكرسي بجواره، و قد كفّت عن البكاء بصعوبة بعد أن شرح لها “أدهم” على قدر استيعابها سبب تواجد أمها بالمشفى، دون الخوض في أيّ تفاصيل، نجح في ترويض خوفها على أمها و وعدها أن كل شيء بخير.
من جهة أخرى عقله هو لم يكف عن التفكير، كذا لم يكف عن محاولة التواصل مع زوج أخته.. “مالك”… لكن ذاك الأخير لا يرد أبدًا على إتصالاته !
أين هو يا ترى ؟
إن البارحة كلها لغزًا، لن يفك هذا اللغز سوى واحدٌ من ثلاثة.. “إيمان” أو “مالك”… أو “مراد” !!!
على أيّة حال لن يثقل على أخته الآن، لتتحسن حالتها أولًا، ثم لكل حادثٍ حديث، و لن يترك ثأرها أبدًا مهما كلفه الأمر …
السلام عليكم ! .. قالها “أدهم” و هو يلج إلى الغرفة الخاصة بأخته.
تركت “لمى” يده و ركضت نحو السرير الذي تركض فوقه “إيمان” …
كان “أدهم” يحمل في يده الأخرى حقيبة صغيرة بداخلها بعض الملابس لـ”إيمان” بعثت “أمينة” في طلبها من زوجة إبنها، رتبتها “سلاف” بنفسها و أرسلتها مع زوجها، مضت “أمينة” نحو ابنها و أخذتها منه متمتمة:
تسلم إيدك يا حبيبي. هات عنك.
مـامــي ! .. هتفت “لمى” بشوقٍ و لهفة على أمها.
كانت تقفز محاولة الصعود إلى جوارها، حتى جاء خالها و رفعها على ذراعه لتجلس على حافة السرير بجانب أمها، ثم تراجع للوراء مانحًا إيّاهما بعض المساحة.
في هذه الأثناء كانت “إيمان” ترمق إبنتها بغرابة، كانت تراها بعينٍ أخرى، و كأنها تنظر إليها لأول مرة.. لا تعرف لماذا خافت بغتةً !
سلامتك يا مامي ! .. تمتمت الصغيرة بصوتها الموسيقي الحلو.
طوّقت عنق أمها بذراعيها القصيرين و احتضنتها بقوةٍ، ثم ارتدّت لتنظر إليها ثانيةً و هي تقول بتلك الإبتسامة الموروثة:
بعد الشر عليكي …
إنقبض قلب “إيمان” و هي تحملق فيها، لا يسعها إلا رؤية “سيف”.. “سيف” قام من الأموات الآن و يتجسّد أمامها… حتى أن رائحة الطفلة و كأنها رائحته هو تمامًا تنبعث من خلال شعرها و ثيابها و كل شبرٍ منها.
و كأن قنبلة خوف انفجرت بداخلها، شحذت “إيمان” قواها لتدفع بإبنتها من حضنها، لدرجة أن حركته المفاجئة أذتها أولًا و انتزعت الأنابيب التي تحيط برسغيها.
سقطت “لمى” فوق الأرض بقسوةٍ و صدمت رأسها …
آاااااه ! .. تأوّهت “لمى” متألمةٍ و شعرت بالصدمة من تصرّف أمه.
بينما يندفع “أدهم” نحوها مسرعًا و هو يصيح:
إيـــه يا إيمــان. لمــى قومـي يا حبيبتي على مهلك !!!
و تطلّع إلى أخته بغضبٍ، كانت “أمينة” قد تركت ما بيدها و أسرعت إلى إبنتها، أحاطت بكتفيها هاتفة:
إيمان. مالك يابنتي حصل إيـه !؟؟
إهتاجت “إيمان” و هي تنظر إلى صغيرتها بين أحضان خالها و صرخت بهسترية:
خدوها من هنا. ابعدوها عنـي. مش عايـزة أشوفهـا مش عايزااااهـااااااااااااااااا …
ازدادت صدمة الصغيرة و هي ترى أمها تشير إليها و تقول ذلك، انهمرت دموعها غريزيًا و لم يفلح تربيت “أدهم” عليها و لا أيّ من مواسته في تهدئتها …
بــس اسكتـي. إنتي في وعـيك !! .. صاح “أدهم” فيها غاضبًا.
لكنها لم تصمت، و لم تهدأ أبدًا، و كأن شيطانًا تلبّسها …
خدها من هنـا. مشيّها. دي مش بنتي. دي بنت سيـف. بنته هـو مش بنتـــي خدهـااااااااااااا …
بدأ صوت بكاء الصغيرة يملأ الغرفة، و ناحت من بين عويلها و هي تكافح ذراعيّ خالها لتحاول العودة لأحضان أمها:
خدوهـا من هنـا. أنا بكرهـها. بكرهـها و بكره اليوم إللي جت فيه. خدوا بنت سيف من هنا مش عـايزاهــاااااااااااا …
كان هذا كارثيًا على الطفلة أن تسمعه، حتى أن “أدهم” وضع كفّيه على أذنيها لكي لا تسمع ما تقوله أمها، ثم ما لبث أن قام و أخذها بالفعل إلى الخارج.
ظل يحتضنها و يهدهد لها ماشيًا بها في الرواق:
إششش. خلاص يا حبيبتي. ماتعيطيش.. حقك عليا أنا. قوليلي في حاجة بتوجعك !؟
و جلس فوق أحد الكراسي المعدنية و أجلسها فوق قدمه، أخذ يتفحّص رأسها متمتمَا:
إتعوّرتي و لا حاجة !؟
لكنها تقريبًا لم تكن تسمعه، فغير بكائها الذي غطى على صوته بأذنها، كانت كلمات أمها تتردد على مسامعها مرارًا و تكرارًا.. هذه الطفلة الصغيرة المسكينة.
اليوم عرفت ما هي الصدمة !
رواية اوصيك بقلبي عشقا الفصل السادس والعشرون 26 - بقلم مريم محمد
ربما تحسّنت حالتها الصحية، لكن حالتها النفسية لا تزال من سيئ إلى أسوأ، مع ذلك لم يمتنع "أدهم" أكثر عن طرح أسئلته العاجلة عليها، كان بحاجة أن يعرف ما صار معها مهما كانت العواقب.. كان سيخاطر بأيّ شيء.
حتى حصل على ما أراد في الأخير، اعترفت "إيمان" بكل شيء، فقط حين أخبرها "أدهم" بأن "مراد" موقوف بالمخفر، وأن هو المتهم باختطافها والاعتداء عليها.
عندما سمعت كل هذا خرجت عن صمتها وخجلها وكل خزيها؛ قالت له الحقيقة، وأن "مالك" زوجها هو الذي فعل كل الجرائر التي ذكرها. لم يرف لها جفن وهي تخبره بكل شيء جرى وقد انشغل قلبها فقط بما قصّه عليها.. "مراد"! لقد عرف مكانها.. لقد أتى لينقذها وزوجها الآن هارب، لا أحد يعرف بمكانه.
"مراد" … إنه.. بطلها!!!
لاحقاً تطلب الأمر لتسكين روعها وآلامها حقنة مهدئة، خاصةً وإنها لا تزال عدائية تجاه ابنتها، لا تتقبلها أبدًا مهما تحدثوا إليها. لو أخبرها أحد بأن هذا اليوم آتٍ وأنها سوف تكرهها إلى هذا الحد لم تكن لتصدق، لكنه حدث…
لا تعرف كم مرّ عليها من الوقت نائمة، ولكن في تقديرها فقد مرّ الكثير، ربما يوم أو يومين، أو حتى شهر. كان الزمن بطيئًا بالنسبة لها وهي خاضعة هكذا للنوم الإجباري، بعد أن ترك الطبيب المنتدب للطب النفس ملاحظة بألا يزورها أحد من عائلتها لفترة محددة.
أرادت أن تشكره على هذا، رغم شعورها بالوحدة والوحشة. لم تشعر إنها بحاجة لأمها أو أخيها أو حتى ابنتها.. بل الحقيقة كانت تحتاجه هو! مرضها وشفائها في آن، روحها المنقسمة منها لا تكتمل إلا بوجوده، حبها الوحيد، الشيء الذي ربما تموت لأجله، عشقها الأناني، لا يمكنها أن تبرأ منه حتى وإن أرادت. إن جذوره ممتدة بأعماقها، إن اقتلعتها خرجت روحها…
ظنت أنه ربما كابوس يراودها مثل كل مرة، في السابق كان زوجها الراحل بطل كل تلك الكوابيس، ومؤخرًا أخيه، لا تدري أيّهما سيزورها الليلة!
لكن للعجب… تشعر بأنها ليست نائمة، تعرف ذلك. ورغم إحساسها بالخطر إلا إنها ظلت متجمدة، لا ترى ولا تتحرك، فقط تستمع لتلك الخطوات تقترب منها… وفجأة!
انتشرت صعقة كهربائية من معدتها إلى كافة أعضاؤها وشرايينها، ذلك لإدراكها بأن ما من أحد غيره، هو.. "مراد"… هذا ليس حلمًا.. ولا يوجد رجل معها الآن سواه.
لأنها تشعر به كشعورها بالحياة، ولأن لا أحد آخر يستطيع أن يجعل جسمها يتفاعل مثل الآن غيره هو، وحتى دون أن يلمسها…
تغمض عينيها بشدة وتترقب بينما دقات قلبها تتسارع وعضلاتها تتصلب أكثر… إنها مرعبة، حائرة، بائسة!!!
شهقت "إيمان" دون أن تفتح عينيها في اللحظة التي لمست كفّه جبينها وشعرها، جاشت مشاعرها من مجرد لمسته، أرادت أن تنفجر، أن تصرخ وتعلم أن صرختها ستكون أطنانًا من الحسرة والحزن…
"إيماني!"
لا يُصدق ما يمكن أن يفعله بقلبها سماع صوتٍ تمنت كثيرًا أن تسمعه… نطق بكلمة واحدة، إلا أنه بتلك الكلمة أذاب قلبها وأعاد قولبته من جديد.
يهمس "مراد" مرة أخرى مقابل شفتيها مباشرةً:
"أنا عارف إنك صاحية وسمعاني. أنا خدت لك حقك. وأدهم مش هايعرف حاجة. خلاص. ماعادش حد يقدر يأذيكي من إنهاردة.. عدّي من هنا لتلات شهور. هاتجوزك. هاعمل لك أحلى فرح. كل حاجة هانعملها من أول وجديد سوا كأنها أول مرة. مش هاتشوفي في إللي باقي من عمرك غير السعادة. السعادة وبس.. يا إيماني!"
_____
قبل اثنى عشر ساعة…
نجح "رامز الأمير" بعلاقاته وبعض نفوذه بالحصول على أمر إفراج عن صديقه مقابل كفالة مالية، ليخرج "مراد" معه متجهين رأسًا إلى مزرعة "الأمير"… حيث يتحفظ "رامز" على "مالك" كما أوصاه صديقه.
خلف الواجهة الخضراء، هناك عند اسطبل الخيل، المبنى المخصص لتجهيز الجياد، كان "مالك" يجلس مجلل بالأغلال وقد وقف فوق رأسه فردان من الحراسة. بدا أنه لم يلمسه أحد.. حتى الآن!!
"رامز!".. صاح "مالك" ما إن رأى الرجل الوحيد الذي يعرفه. لم يخف هلعه والتوتر الشديد الذي ألمّ به، ما كاد يستطرد شيئًا آخر إلا وصُدم برؤية "مراد" وهو يظهر فجأة من وراء صديقه، مظهره القاتم المفزع يوحي كما لو أنه قبّاض الأرواح حرفيًا…
في المقابل، سخّن الغضب كل عضلة بجسم "مراد" وهو يرى غريمه، ذاك الفتى الذي قيمته بالكاد تساوي صفرًا، أخذ منه حبيبته ولم يكتفِ بهذا، دمّرها. هذا الولد المريض على شاكلة أخيه تسبب بتعاسة "إيمان" وأذاقها أمرّ كؤوس الذل والمهانة وقد تخطى الأمر حدود الكتمان!!!
رفع "مراد" عينيه الغضب يسري بكثافة بشرايينه، لم تنفصل نظراتيهما عن بعض بينما ينطلق نحوه الآن، كان على استعداد تام لضربه، المرة السابقة أنقذه "أدهم" من بين يديه، لكنه اليوم لن يجد من يخلّصه…
"فكّوه!".. قالها "مراد" محتدًا وهو يحدق مباشرة بعينيه. أراد أن يكون العراك بينهما متكافئًا، وبالفعل امتثل الرجلين لأمره وفكّا القيود عن "مالك"…
"أقف ياض!".. هتف "مراد" وهو يخلع ساعة يده الثمينة والخاتم ذو حجر العقيق الأسود الضخم ببنصره. سلّمهما لصديقه وبقى في انتظار الأخير…
ازدرد "مالك" ريقه بصعوبة وهو يرنو إلى "مراد" مضيقًا عينيه، فرك معصميه مدركًا أن لا مهرب من هنا قبل أن يتغلب أحدهما على الآخر، رغم ثقته بأنه كفّته لن تكون هي الراجحة، لكنه كان مجبورًا! ومدفوعًا بالحقد المختزن بدواخله تجاهه، وثب "مالك" واقفًا وهو يجمع قبضته ويرجعها للخلف ليصوّبها بكل قوته إلى وجه "مراد"…
صدّ "مراد" الضربة بكفّه وأطبق على قبضة "مالك" بقبضته الفولاذية، أمسك "مالك" تأوهًا وحاول تسديد لكمة أخرى بقبضته الثانية، صدّها "مراد" من جديد وصار يعتقل الإثنتين. جاءت ردة فعله التالية مباغتة وهو يتجذبه لينطحه برأسه في جبهته مباشرةً، كانت ضربة كفيلة لتفقده وعيه، لولا أنه استمر في تكييل المزيد إليه، سقط "مالك" فوق القش من شدة الضربات التي يتلقاها، لم يجعله "مراد" يلتقط أنفاسه، أمسكه من ثيابه ورماه في الأرجاء.
كان الدم يطفر من وجه "مالك" بالكامل، ما دفع "رامز" للتدخل وهو بالكاد يلمس كتف صديقه:
"مراد. إهدا يا راجل مش كده…"
"ماتلمسنيش يا راامـز!".. صاح "مراد" مهتاجًا. تراجع "رامز" مذعنًا ولكنه بقى متأهبًا لأيّ تهور يُقدم عليه الثور الهائج الذي أمامه…
ما زال "مراد" متشبثًا بـ"مالك" ولم يُحرره، ضرب رأسه على لوح معدني بالقرب.
يلهث "مراد" وقد غطى العرق صدره وظهره ورئتاه تتوسلان للهواء، لكنه لم يحرم نفسه من الإجهاز عليه بالقاضية، فسددها إليه بركبته أسفل حزام خصره تمامًا… تلك الضربة التي امتصت أنفاسه وأفغرت فاهه دون أن يسحب أو يزفر نفسًا واحدًا، تلوّن وجهه بالأزرق والأصفر وهو يضع يديه فوق ذكورته، تركه "مراد" أخيرًا ليسقط فوق التراب والحصى، استدار عنه شادًا عضلاته المنقبضة وساحبًا إلى رئتيه بعض الهواء عبر فمه.
شد "مراد" المقعد الخشبي الوحيد ليجلس أمام "مالك" الذي لا يزال على وضعيته فوق الأرض، شمر عن ساعديه وفك زر آخر من أزرار قميصه، ثم مد يديه ليمسكه من تلابيبه ويرفعه نحوه قليلًا…
"لااااا فوق لي كده ده إحنا لسا بنسخّن!".. غمغم "مراد" بغلظة من بين لهاثه.
"مش عامل فيها دكر ياض. هه. بُـص لـــي. أنا مافيش إغراء ليا الساعة دي أد إني أدفنك حي الليلة…"
تطلع "مالك" إليه وهو يبصق دمًا من فمه، ارتسمت ابتسامة مزدرية على ثغر "مراد" وهو يستطرد:
"انت ماختش في إيدي غلوة يالا. رايح تعمل راجل على واحدة ست!؟"
أخذ الأخير يسعل قليلًا، ثم التقط أنفاسه ليقول بصعوبة:
"أنا عارف كل حاجة. عارف إللي بينك وبين إيمان.. عارف إنها كانت مقرطسة أخوها وأخويا وبتنام معاك!"
لم تؤثر فيه أقوال غريمه، فقد كان يتوقع مسبقًا علمه بالأمر، مضى يقول بسخرية منه:
"مقرطسة أخوها دي مالكش فيها. أما بالنسبة لأخوك. مش يمكن كان يعرف إنها نامت معايا وشادد بلاستر على بؤه. عمرك ما فكرت فيها؟"
حملق "مالك" فيه غير مصدقًا، فأردف "مراد" بتبجح:
"أيوة إيمان نامت معايا. وأخوك عرف من قبل ما يتجوزها وقبلها على نفسه. انت بقى عشان ماستحملتش يا دكر مفكر إنك ممكن تنتقم لرجولتك المعدومة انت وأخوك؟"
كانت الصدمة أشد الآن على "مالك".. معرفته بأن أخيه كان يعلم ذلك السر وتقبّله!!! عقله لم يستوعبها…
"ده انا هافضحها وهافضحك!".. غمغم "مالك" ودماء الغضب محتقنة بوجهه.
وكزه "مراد" بقبضته في كتفه، فكتم أنينًا متألمًا بينما يستمع إلى صوته الصلب:
"أنا عايزك تفكر تقرب ناحيتها تاني بس. ساعتها هامحيك. هاشيلك من على وش الدنيا كلها. وأنا أقدر أعمل كده بسهولة وأنا بشرب فنجان قهوتي. وبردو مش هاتعرف تضرها طول ما أنا عايش وبتنفس.."
رمقه "مالك" بنظرات حاقدة مغلولة وهو يقول مزمجرًا:
"انت عايز مني إيه. جايبني هنا ليه!؟"
تماوجت على شفتيه ابتسامة شيطانية وهو يهتف دون أن يحيد ناظريه عنه:
"رامــز!"
جاء "رامز" من خلفه حاملًا في يده ظرف ورقي، راقب "مالك" بتوجس ما يفعله "مراد".. بينما يستل "مراد" أول ورقة مستطيلة الشكل وهو يتمتم بأريحية:
"طبعًا الشيك ده مألوف ليك. كنت ماضي على بياض لرامز عشان يمول ورشة السيارات بتاعتك. بس إللي ماكنتش تعرفه جنابك إن رامز الأمير ده صاحبي. شقيق عمري. يعني مايعزش عليا حاجة.. الشيك ده يا أبو الرجال قيمته 50 مليون. لو تعرف تسدده هاتجيب سيرة إيمان لأي حد تعرفه أو ماتعرفوش…"
أخذ "مالك" يجفل مصدومًا، ليظهر له "مراد" المادة الثانية، ذلك القرص المدمج، لوّح به أمام عينيه قائلًا:
"والفلاشة دي. مش عايز أقولك عليها إيه. رامز قالي كلمة سر.. شقة المعادي!"
غارت ملامح "مالك" من شدة الغضب، نظر نحو "رامز" شزرًا فاستقبل الأخير نظراته بمنتهى البرود مظهرًا ولاءه الكامل لصديقه…
أطلق "مراد" ضحكة مجلجلة وهو يقول مسلمًا الظرف لـ"رامز" ثانيةً:
"آه يا نمس. صاحب مزاج ياض ومريض زي أخوك.. إيه المتعة لما تعلق كاميرا وتوثق الماتشات مش فاهم!؟"
تنهد مكملًا:
"ما علينا. أنا مش هانصب لك محكمة. دي حريتك الشخصية. إلا…"
وصمت وقد تلاشى أي مظهر من مظاهر المرح عن وجهه، مد جسمه للأمام وأمسك بياقة الأخير، قربه نحوه أكثر ليسمع صوته الأقرب للهمس:
"لحظة ما هاخرج من هنا. لو شوفتك صدفة قصادي في أي مكان. هادمر لك مستقبلك. هاقضي على حياتك كلها وهاكون حريص شخصيًا إن مايبقاش ليك لقمة عيش في البلد دي أو في أي مكان براها. قيس على كده إيمان. ورقة طلقها توصلها قبل ما ينقضي الأسبوع ده. ولو نطقت بس اسمها بينك وبين نفسك. ماتلومش حد غيرك.. فهمت كويس!؟"
_____
انفتح جفناها الآن…
لم تصدق ما أخبرها به، وأنه فعل من أجلها كل ذلك، لم تتوقع حتى في أحلامها أن تحصل على دعم كهذا وحماية لا يمكن أن يمنحها إياها سواه هو!
منذ عودته لم تخطط أبدًا لاسترداده، لم تتخيل أنه سيعترف بحبها مرة ثانية ويريدها زوجة، كيف جرى كل هذا ليفضي لتلك النتيجة؟
إنه مصمم، يريدها حقًا، ولن يتراجع عن هذا.. وإن من دواعي سرورها حتى في أحلك حقبات عمرها حزن وكآبة… هي أيضًا تريده.
لا يمكنها المضي قدمًا بدونه، إنه الوحيد الذي يفهم عليها، الوحيد الذي يملك مقاليدها وكأنه الذي ربّاها وعلّمها.
لا يمكنها التظاهر بالرفض مجددًا.
وتبًا للجميع إنها تريده.. تريده.. تريده هو لا غيره!!!
"إيمان!".. همس "مراد" باسمها وهو يحتضن كفيها ويرفعهما لفمه.
رفرفت بأجفانها والدموع عالقة بهما، راقبته وهو يزداد انفعالًا في قبلاته على يديها وكلماته التي ينطق بها بصدق لم تعهده من قبل:
"أنا بحبك. مايهمنيش حد. عايزك.. مافيش حاجة محتاج لها في حياتي أد ما أنا محتاج لك. حاسس إن عقلي هايطير منغيرك. بحبك. إيمان!"
لم يستطع إضافة كلمة أخرى.
إذ انفتح باب الغرفة وظهر "أدهم"…
تطلعت "إيمان" نحوه دون أن تفزع هذه المرة، دون حتى أن تحاول سحب يديها من بين يديّ "مراد".. لقد وصلت لنهاية الطريق وسئمت آلامها وعذابها كله.
هذه المرة كان "مراد" هو من تركها، قام متجهًا نحو أخيها وهو يقول بتأثر العالم:
"أدهم. لو سمحت آ…"
قاطعه "أدهم" بإشارة من يده، ودعاه ليخرج أمامه، فعل "مراد" ما طلب منه، وقف بالخارج قبالة "أدهم" وخلف باب غرفة "إيمان" المغلق.
نظر إليه بمزيج من الخجل والرجاء وقال:
"ليه ماقولتش الحقيقة!؟".. سأله "أدهم" مباشرة.
لم يكن غاضبًا كالمرة السابقة، وفورًا فهم "مراد" قصده.. صمت بينما يتابع "أدهم":
"ليه ماقولتش إن جوزها إللي عمل كده. محتاج أفهم وجهة نظرك!"
لم ينطق "مراد" سوى:
"أنا بحبها. بحب إيمان. وأخاف أقولك إن رأيك أو رأي أي حد مابقاش يفرق معايا. أنا مش هاسيب حد يزعلها تاني. مش هاتعيش كده تاني.. ومش هاسمح بده وأعمل إللي تعمله مش هارجع عن كلمة واحدة قلتها!!"
علت ابتسامة "أدهم" تدريجيًا، ثم قال بصوته الهادئ الرخيم:
"انت ماكنتش محتاج تقول أكتر من كده. عشان أسلّمك أختي وقلبي مرتاح. بعد ما هي بنفسها حكت لي وعرفّت إللي مالك عمله. هو كمان راح القسم والمحضر إللي ضدك سقط.. الظروف كلها كانت ضدك إمبارح. إنهاردة كلها في صفك وإيمان اتطلقت!"
سحب "مراد" نفسًا عميقًا، لا يستوعب مباركة "أدهم" وكلماته المتضامنة بهذه السهولة، بعد وجهه الآخر الذي رآه قبل يوم واحد…
"حتى لو عاوز مش هقدر أبعدكوا عن بعض!".. قالها "أدهم" ولا يزال محتفظًا بابتسامته.
ولم يستطع إخفاء نبرة الحزن في صوته وهو يستطرد:
"أختي لما فكرت إنها في آخر لحظاتها. اختارت تكلمك انت مش أنا.. والمفاجأة إنك طلعت قد الثقة إللي حطتها فيك. جوزها غدر بيها. وانت حاميتها!"
عبس "مراد" ولوهلة لم يطيق كل حسن الظن هذا، فهو لم يكن ملاكًا كما يصفه "أدهم".. أراده يكفّ عن قول ذلك.
ليباغته "أدهم" وهو يجتذبه من كتفيه ويحتضنه متمتمًا بامتنان:
"أنا موافق. طبعًا موافق.. اتجوزها. خدها. فرحها.. إيمان ماتستاهلش غير كده. أختي تستاهل تفرح يا مراد. أنا موافق. موافق!"
رواية اوصيك بقلبي عشقا الفصل السابع والعشرون 27 - بقلم مريم محمد
دخل إلى غرفته مبعثر الهيئة، عابسًا، تبدو عليه آثار ست ساعاتٍ من السفر ذهابًا وإيابًا من القاهرة إلى الإسكندرية.
ارتمى فوق سريره متنهدًا.
بينما أمه التي كانت في إثره منذ عودته إلى المنزل، اتكأت هناك على باب الغرفة وقالت بعدم رضا:
- استفدت إيه؟ قولي يابني. أنا مابقتش فهماك يا مراد!
زفر "مراد" مطولًا والتقط هاتفه واستلقى على سريره ليتظاهر بأن أمه ليست هنا.
لكن أمه مشت تجاهه مستطردة بشيءٍ من الانفعال يزداد كلما تذكرت الأخبار التي وصلتها:
- فريال تكلمني وتعاتب عليك بالشكل ده. رايح فرح طليقتك تزعق وتتخانق. انت مين. هه. انت مش مراد ابني. انت ساعة بتحب هالة وساعة عايز إيمان. انت أنهي فيهم. ما ترد!
رفع "مراد" يده ليفرك عينيه بإرهاقٍ بيّن، ورغم التعب الذي يشعر به تطلع نحو أمه وجاوبها بهدوءٍ:
- أنا ماروحتش الفرح أزعق وأتخانق عشان هالة. أنا روحت عشان صاحبي. عثمان!
قطبت.
- مش فاهمة!
صمت لوهلةٍ ساهمًا بنظراته، ثم قال بحزنٍ لا يخلو من الندم:
- أنا أكتر حاجة ندمان عليها دلوقتي هي جوازي من هالة. ياريتني ما كنت شوفتها حتى. علاقتي بعثمان باظت بسببها. ده صاحبي. أقرب حد ليا. في عز أزماتي ومشاكلي كنت بروح له هو حتى لو بعيد عنه. بسببها خسرته. لما قريت خبر جواز هالة ماكنتش شايف قصادي غير عثمان. ولما روحت كانت حجة. غضبي كله طلع أول ما شوفته. وزاد لما اتأكدت إننا ماينفعش نبقى صحاب تاني. بس ماينفعش. أنا مش متخيل حياتي الجاية من غير صاحبي. من غير عثمان!
أذهلها رد ابنها، إلى حدٍ ما، تبخر غضبها منه، وحلّ مكانه تعاطفٌ كبير.
ينهض "مراد" من سريره مباشرًا، خلع ملابسه وهو يقول بتعبٍ:
- أنا محتاج أنام شوية بس. لازم أروح إيمان فايق. إنهاردة هقدم لها الشبكة. ماتنسيش تبلغي بابا!
لم تخفِ تذمرها وهي ترد عليه:
- أبوك. من إمتى بتحط أبوك في الحسبان. انت عارف إنه واخد منك من يوم ما اتحبست وقبلت تشيل تهمة مش بتاعتك!
رأت علائم الضجر تتجلّى على قسماته، فكفت عن مضايقته وهي تلملم من حوله قميصه وكنزته وتطويهم له قائلة:
- طيب خلاص. ريح شوية. تحب أصحيك!
أومأ لها وهو يرتمي فوق الفراش على وجهه.
- أيوة. كمان ساعتين بالظبط. ماتنسيش يا أمي!
لم يستغرق منه الأمر طويلًا، ما هي إلا لحظاتٍ أُخر. وغط في نومٍ عميق.
ابتسمت "رباب" وهي تتأمله بحبٍ واعجاب، لا تستطيع أن تنكر سعادتها به، هذا الفتى، صغيرها "مراد". لطالما كان رمزًا للطيش والاستهتار بحياته وحياة الآخرين.
الآن قد نضج!
بالكاد تصدق ما تراه!
انحنت "رباب" صوبه ممسدة على شعره بحنان، وضغطت شفتيها على جانب جبهته في قبلةٍ طويلة، ثم تراجعت عنه ووضعت ملابسه بالخزانة، أطفأت الضوء في طريقها وانصرفت أخيرًا مغلقة عليه باب غرفته.
هكذا لينعم بالراحة والهدوء أكثر وقت ممكن.
لم تظن أبدًا أن نفس الحالة العاتية من الغضب والغلّ سوف تواتيها مجددًا!
لكنه يحدث الآن، إنها غاضبة، حاقدة إلى أقصى حد، وهي تستمع إلى كلمات ابنها وعيناها تقدحان شررًا.
- طلّقها! قالها "مالك" واجمًا وآثار الضرب والكدمات الزرقاء بادية على وجهه وعنقه.
صاحت "راجية" بجامع نفسها:
- طلّقها. إزاي يعمل كده. إزززززاي وليــــه. مافكرتش في بنت أخوك مافكرتش فيــــا!
هب "مالك" واقفًا أمام مقعدها المتحرك وهو يهتف بعنفٍ:
- انتي عارفة ليه. عارفة طلّقها لي. كل الأسباب إللي سمعتيها مش كافية. كان مطلوب مني أعمل إيه. أخسر مستقبلي ولا أموت عشان خاطر واحدة ×××××× زي دي. أيوة ابنك كان متجوز ×××××× و ×××× عليها. كان عارف كل حاجة. ورضي عشان كان بيحبها. لكن أنا أرضى ليه. وفوق كل ده اتهانت واتمسح بكرامتي الأرض!
احتقن وجهها بالدماء وهي تغمغم من نواصيها بحرارةٍ:
- بنت الـ×××. بنت الـ×××. مش هاسيبها. هاسيبها. بنت أخوك. بنت سيف. ابني سيف.
لوّح "مالك" بكفه نافذ الصبر:
- ابنك الله يرحمه. ومراته دي تنسيها لو مش عايزة تخسري ابنك التاني. علاقتنا اتقطعت بيها هي وبنتها سمعاني يا أمي. اعتبري سيف لا اتجوز ولا خلّف!
واستدار مولّيًا عنها خارج الشقة كلها.
تركها تتآكل من شدة الغيظ، وطفى على السطح كل القبح الذي طمرته بداخلها منذ وفاة ابنها، أطلقت لسانها بعبارات الوعيد:
- مش هاسيبك يا إيمان. هاخد حق ابني منك. هاخلي حياتك جحيم. وعد مني. مش هاتشوفي يوم هنا من بعده!
الدموع، الدموع، الدموع. لا يمكنها إيقافها!
لا زالت الصغيرة تبكي، على حالها منذ يومان، لم يفلح أحد في إسكات الحزن عنها، حتى خالها، كان له تأثير طفيف عليها، حيث جعلها تهدأ، ولكنها لم تكف عن البكاء.
كانت تريد أمها، ولكن أمها لا تريدها، ظلت "إيمان" بمعزلٍ عن الجميع، لا تبارح غرفتها، توصدها بالمفتاح ولا يرق قلبها طرفة عين على صغيرتها التي تقف وراء بابها تطرق عليها وهي تبكي وتستجدي عطفها.
كدأب كل يوم، يعود "أدهم" من العمل يحضر لها الحلوى، يتناول الغداء ثم يجلس معها، يحاول أن يروّح عنها ويسعدها بشتى الطرق، لكنها لا تستجيب، حتى فقد الأمل بالفعل وكان يخشى أن تخرب نفسية الطفلة ولا تستطيع تجاوز أزمة والدتها طوال عمرها.
يدق جرس الباب، فيقوم "أدهم" حاملًا "لمى" على ذراعه وهو يهتف لتسمعه كلًا من أمه وزوجته:
- أمي مراد وصل. ادخلي شوفي إيمان!
مشى "أدهم" ليفتح الباب الأمامي، وبالفعل كان "مراد". وصل في موعده.
- على فكرة أنا واقف هنا بقالي ربع ساعة! قالها "مراد" مبتسمًا ببساطة.
- بس ماحبتش أدخل قبل ميعاد.
رفع "أدهم" حاجبيه مؤنبًا إياه:
- انت بتهزر. على أساس سيادتك غريب يعني!
حافظ "مراد" على ابتسامته وهو يذكره قائلًا:
- أنا مش ناسي إني خونت ثقتك قبل كده. اعترافي بحبي لإيمان كان خيانة بالنسبة لك. من يومها وأنا لوحدي بعتبر نفسي غريب يا أدهم!
رمقه "أدهم" بنظرة معاتبة ولطيفة في آنٍ، ثم أمسكه من رسغه وأمره بصرامةٍ:
- ادخل يا مراد!
انصاع "مراد" إليه، ودلف إلى الداخل، ساقه "أدهم" إلى غرفة المعيشة بين الأطفال وألعابهم والتلفاز الذي يعرض الرسوم المتحركة، ذلك إثباتٍ له إنه فردًا من العائلة، لا ينقصه سوى أن يتزوج "إيمان" ليكتمل الأمر.
جلس "مراد" مداعبًا الأطفال، وأولى جل اهتمامه بالصغيرة "لمى". مد يديه صوبها قائلًا:
- لولي القمر. ازيك يا حبيبتي. مش هاتيجي تسلمي عليا وتديني بوسة؟
أطلق "أدهم" سراحها وحثها بلطفٍ:
- روحي يا حبيبتي!
ترددت الصغيرة بالبادئ متشبثة بحضن خالها، كانت ترمق "مراد" بكراهية واضحة، لكنها أذعنت في الأخير ونزلت عن قدم "أدهم" ومشيت صوب الأخير ببطءٍ.
تلقّفها "مراد" محتضنًا إياها بعفوية، ثم رفعها ليجلسها فوق قدمه وهو يمسح على شعرها اللولبيّ الناعم.
- بوسة بقى! تمتم "مراد" مشيرًا بسبابته إلى خده.
لتنظر الصغيرة نحو خالها نظرة كمن يطلب الإذن، فأومأ "أدهم" سامحًا لها وهو يقول:
- بوسيه يا لمى. مراد بقى زي باباكي. من هنا ورايح ممكن تقوليله بابا لو حبيتي!
أول من جفل لهذا التصريح كان "مراد" نفسه، كلمات "أدهم" خلقت بداخله شعورًا لأول مرة يختبره، لكنه. شعورٌ جميل!
- يعني هو ده مراد إللي مامي بتحبه؟ وجهت "لمى" سؤالها لخالها.
بُهت "أدهم" ولم يستطع إجابتها للحظاتٍ، لتستطرد وهي تعبس بغضبٍ وتدمع من جديد:
- ده مراد إللي مامي كل يوم بتعيط عشانه. ومش عاوزة تشوفني عشانه. أنا مش هاقوله بابي. ده مش بابي. أنا بكرهه. بكرهه. بكرهه.
وانفجرت باكية وهي تقفز من على قدم "مراد". أطلقت ساقيها راكضة للداخل بينما ينادي خالها عليها واللوعة في صوته كبيرة:
- لـــمى. لـــمى!
ولكنها لم تتوقف، واختفت بإحدى الغرف، أتت "سلاف" على إثر الصياح والصراخ متسائلة:
- في إيه يا أدهم!
كانت تضع نقابها الآن، أقلقها تعبير زوجها الجازع بينما يخبرها:
- لمى. مش عارف أتصرف معاها إزاي. من فضلك يا سلاف ادخلي شوفيها فين وحاولي تهديها.
أومأت "سلاف": حاضر. داخلة أهو حالًا.
ذهبت إلى الصغيرة في الحال، ليتنهد "أدهم" هازًا رأسه بيأسٍ وهو يقول بخفوتٍ:
- الله يسامحك يا إيمان. الله يسامحك يا أختي.
ثم رفع رأسه لينظر إلى "مراد". لم يكن أقل توترًا، زيادةً عليه شعر بالخجل والحرج الشديد.
تنحنح "أدهم" وهو يمد يده رابتًا على قدم الأخير.
وقال:
- مراد. ماتزعلش من لمى. هي بس متأثرة بحالة أمها النفسية. وبعدين دي لسا طفلة!
أشاح "مراد" بنظراته للأمام وهو يقول متصنعًا ابتسامة:
- مافيش حاجة يا أدهم. معقول هازعل من لمى. دي بقت بنتي زي ما قلت. ربنا يقدرني وأكون ليها الأب إللي تتمناه.
رد "أدهم" له الابتسامة قائلًا:
- أنا واثق إنك هاتكون نعم الأب ليها!
غيّر "مراد" مجرى الحديث متطلعًا إليه مرةً أخرى:
- ورقة الطلاق وصلت؟
- المحامي قال الإجراءات كلها خلصت انهاردة. يومين كمان وهاتوصل إن شاء الله.
- انت قابلت إللي اسمه مالك ده؟
قست نظرات "أدهم" وهو يجاوبه بغلظةٍ:
- لأ. هو نفسه بيتلاشاني. بصراحة كده أحسن عشان مش ضامن نفسي لو شفته قصادي. ممكن أرتكب جريمة!
ابتسم "مراد" بخفةٍ مرددًا بعقله: "ماتقلقش. أنا قمت بالواجب وزيادة!"
- تعالي يا إيمان! هتف "أدهم" فجأةً.
لينظر "مراد" حيث وجّه الأخير نظراته.
أخيرًا، ظهرت "إيمان" إلى جانب والدتها، متشحة بعباءةٍ سوداء، وججها أبيض شاحب في الحجاب الداكن، تنظر للأرض ولا تتكلم.
اقتربت فقط انصياعًا لكلمة أخيها، جلست في الكرسي المجاور له وجلست "أمينة" في الأريكة الصغيرة وحدها.
- مراد جاي يقدم لك هدية! قالها "أدهم" مخاطبًا أخته، وتابع ناقلًا ناظريه بينها وبين ابن خالته:
- مش هاعتبرها هدية خطوبة لأن الخطبة في فترة العدة محرّمة. لكن هو صمم يهاديكي والهدية مقبولة. و لا مش حابة!
مرّت لحظاتٍ طويلة من الصمت، ثم رفعت "إيمان" رأسها ونظرت مباشرةً في عينيّ "مراد". توقفت أنفاسه لبرهةٍ وهو يحدق في عينيّ المها خاصتها.
كانت تبرق الآن، الشيء الوحيد الذي يتوهج في ملامحها الشاحبة، أسرته حتى في بؤسها وكآبتها، واستطاع أن يرى تأثيره السريع عليها في تخضيب وجنتيها بالحمرة الطفيفة الآتية.
أدرك بأن الأمل لا زال معه، وأن بإمكانه مساعدتها، لأنها لا تزال تريده ربما أكثر مما يريده هو.
- حابة!
خرجت الموافقة من فمها جافة، فزحفت يد "مراد" على الفور وأستلّ من جيب سترته علبة مخملية مستطيلة الحجم، نظر إلى "أدهم" يطلب الإذن:
- تسمح لي أقدمها لها!
حذره "أدهم": حافظ على المسافة!
ابتسم "مراد" بامتنانٍ، قام ومشى صوب "إيمان". توقف على بعد قدم وركع أمامها على ركبة واحدة، ثم فتح العلبة أمام عينيها الامعتين، لتبرز إليها سلسلة من البلاتين الخالص، بدلّاية مرصعّة بالألماس تتوسطها ما يشبه الفقّعة.
كانت جميلة ومثالية كفايةً حتى أوضح "مراد" لها مشيرًا بسبابته لتلك الفقّعة:
- دي عدسة صغيرة، لو بصيتي جوّاها هتشوفي الجملة دي. بصي كده!
تلقائيًا رفعت بصرها إليه مبهورة، رفرفت بأجفانها بينما يبتسم لها برومانسية محركًا شفتيه لتقرأ ما يهمس به بلا صوت:
- بحبك!
ولأول مرة منذ فترةٍ طويلة جدًا
ابتسمت "إيمان"!
وأثرت سعادتها اللحظية على الجميع، أصابت عدوى الابتسام كلًا من أخيها وأمها، وتنهد "أدهم" براحةٍ ممنيًا نفسه بمستقبل مشرقٍ وهانئ للجميع.
يوم الزفاف!
رواية اوصيك بقلبي عشقا الفصل الثامن والعشرون 28 - بقلم مريم محمد
“سأعطي أيّ شيء ؛ مقابل أن أراكِ تبتسمين !”
مراديوم الزفـاف …
أخيرًا إنقضت شهور العدة، بعد عناء و عذاب استمر لسنواتٍ طويلة… كل شيء مثالي اليوم، رغم أن الزفاف سيُقام هنا، بمنزل العروس، كان هذا شرطها الوحيد، أن تخرج من بيت أبيها كما خرجت منه أول مرة، أرادت أن تمحي الذكرى الأولى بالثانية، مع إن “مراد” رغب كثيرًا أن يصنع لها عرسًا فخمًا و عرض عليها اقتراحاتٍ عدّة ؛إذا أحبّت أن يُقام بأبرز فنادق المدينة، أو على الشاطئ، أو حتى خارج البلاد.
كان سيفعل أيّ شيء تطلبه، لذا أذعن لإرادتها في الأخير و وافق أن يكون عرسهما بمنزلها …لكنه أيضًا أصر أن تعيش ليلتها على أكمل وجه، و أن تترسّخ بذهنا أجمل اللحظات، الليلة ستكون ليلة الأحلام لحبيبته، ليلة عمرها الحقيقية.
ما مضى بعمرها لم يكن سوى حلمٍ سيئ.. و الليلة ستنال مرادها !
*****
إنه هنا منذ البارحة، بعد إنتهاء ليلة “الحنّاء”.. عرض “أدهم” عليه أن يمكثا معًا بشقته بينما “سلاف” و الأولاد سيقضوا الليل بشقة أمه.
وافق “مراد” برحابة صدر، و استيقظ في الصباح مليئًا بالنشاط و السعادة، في تمام الثامنة صباحًا، كان هو و “أدهم” قد فرغا من تناول الفطور، و تأهبا للذهاب إلى بيت الأزياء ليحضرا بذلة العريس، ثم بعدها إلى صالون الرجال ليتجهّزا سويًا …
-أنا مش ممكن أدخل أشوف إيمان !؟
تساءل “مراد” و هو يقف بجوار “أدهم” داخل المصعد.
نظر له “أدهم” معلّقًا باستنكارٍ:
-واضح إن عندك مشكلة في تقدير الأوضاع. حضرتك ناسي إنك لسا ماكتبتش عليها.. بأيّ صفة تشوفها ؟
تأفف “مراد”:
-يا أدهم مش معقول كده. الدنيا كلها عارفة إن الليلة دي فرحنا أنا و إيمان. يعني في نظر الكل إحنا في حكم المتجوزين بتقفّلها عليا ليـه !؟؟
أدهم بحدة:
-و جايز بردو يحصل أيّ ظرف و لا قدر الله الجواز يتلغي. يبقى نشيل وزر و خلاص !!
رفع “مراد” حاجبه متعجبًا:
-وزر إيه. هو أنا بقولك أبوسها. ده أنا بقولك اشوفها بس !
عبس “أدهم” مبديًا غضبه و قال بخشونةٍ:
-إتلم يا مراد. خلي يومك معايا يعدي على خير و ماتعكش كل حاجة على أخرتها كده ..
ثم أوقف المصعد بطابق والدته، دفع الباب و خطى للأمام و هو يُملي عليه بحزمٍ:
-استناني تحت. هادخل أطمن عليهم بسرعة و نازل لك !
و أغلق الباب من بعده …
زفر “مراد” بضيقٍ و ضغط زر المصعد مستأنفًا هبوطه للأسفل، خرج من البناية متلفتًا حوله، يرى العمالة لا يزالوا هنا، لم ينصرفوا إلى بيوتهم منذ ليلة أمس، قائمين على تحضير أروع التصميمات لأجل العرس، من النظرة الأولى أطمئن بأن ما أراده هو ما سيكون تمامًا، فقد كلّف الكثير لإحضار أكثر محترفي هذه المهنة ليجعلوا من حديقة هذا البيت العادية قطعة من الجنّة !
ابتسم “مراد” بغتةً، و لا شعوريًا جرت يده لتستلّ هاتفه من جيب سترته، أجرى الإتصال بها فورًا.. قرر إنه إن لم يتلقّى ردًا عند الدقة الثالثة فسيغلق لأنها غالبًا ستكون نائمة الآن.
و هو لا يريد أن ينتزعها من غفوتها حتى تأخذ كفايتها من الراحة.. فاليوم طويل و لم يبدأ بعد …
-آلو !
ردّت.
عند الثالثة تمامًا.
تراقصت البسمة على ثغر “مراد” و هو يتذوّق صوتها بسمعه مجددًا، كان مزيج من التوتر و اللهفة، مثل لهفته عليها، إنه بالكاد يطيق صبرًا ليجتمعا وحدهما، فمهما وصف لا يستطيع أن يشرح معاناته طوال ثلاثة أشهر و يومان و هو يراها أمامه و لا يمكنه حتى أن يمسّها …
-إيماني !
قالها “مراد” بلهجةٍ هامسة.
لترد “إيمان” كدأبها مؤخرًا و كأنها كلمة السر بينهما:
-مرادي !
اتسعت إبتسامته فبانت بصوته و هو يرد عليها:
-عروستي صاحية بدري ليه ؟ مش قولنا تنامي كويس.. اليوم لسا طويل يا حبيبتي.
-ماتقلقش أنا نمت بدري إمبارح. لكن غصب عني. نومي كان متقطع.. ف زهقت من نص ساعة و قلت خلاص هقوم بقى !
-قلقانة من إيه يا إيمان ؟
سألها “مراد” و قد تلاشت ابتسامته.
كان يملؤه التعاطف تجاهها الآن و هو يسمع تجاوبه بلهجةٍ مرتعشة:
-كوابيس.. كوابيس طول الليل يا مراد !!
تجعّد جبينه الغضّ و هو يطلق نهدة عميقة من صدره، ثم قال بلطفٍ:
-أوعدك. من الليلة دي. مش هاتشوفي الكوابيس دي تاني أبدًا.. أحط بس إيدي عليكي. و محدش له عندنا حاجة بعد كتب الكتاب. هاتبقي بتاعتي أنا. أنا بس !
سمعها تتنفس بسرعة، فهمهم مبتسمًا و استطرد:
-إنهاردة في جدول مفاجآت عشانك. طبعًا مش هقولك عليهم كلهم.. لكن ممكن ألمّح عن آخر مفاجأة ..
صمتت في انتظاره، فأضاف بحماسةٍ مراعيًا عنصر التشويق عليها:
-بعد الفرح. منغير ما نقول لأي حد. هاخدك زي ما انتي بالفستان.. هانهرب. محدش هايعرف لنا طريق لحد ما نظهر بمزاجنا !
استشف من تموّجات أنفاسها أن الفكرة بالفعل أثارتها، هنا يكمن جنون العشق بينهما، هنا حيث التهوّر، الشغف.. و أحيانًا الخطر …
-قولي إن الفكرة عجبتك !
تمتم “مراد” مغمضًا عينيه و هو يتخيّلها حقًا أمامه، بل و يلمسها بالفعل بكلماته …
ردت “إيمان” متأثرة بكل أفكاره النشطة:
-عجبتني. بس.. هانروح فين ؟
فتح عيناه الآن قائلًا بمكرٍ:
-لأ. ماتحاوليش.. مش هاقولك.
عكس توقعاته، و قالت و قد عاود التوتر نبرات صوتها من جديد:
-طيب. بس عشان خاطري.. ماتتأخرش عليا. تعالى بسرعة.
عبس مرةً أخرى و هو يسألها بجمودٍ:
-مالك يا إيمان. انتي كنتي كويسة طول الفترة إللي فاتت.. هاتخليني أندم ليه إني سرعت جوازنا ؟ انتي كان لازمك علاج فعلًا زي ما أدهم قال !
ردت بجفافٍ:
-يعني أنا مجنونة يا مراد !؟
-ماقولتش كده. بس انتي أكدتيلي دلوقتي إنك كنتي بتمثلي عليا إنك بقيتي كويسة. انتي لسا ماتجاوزتيش إللي حصل. و الدليل كان قصاد عيني طول الوقت.
-و الله ! إيه هو الدليل بقى !؟؟
-لمـى !!
قالها كأنما يسدد إليها ضربةٍ موجعة.
-مش قادرة تتقبّليها لحد إنهاردة. علاقتك بيها ادّمرت يا إيمان. دي بنتك !!!
أجفل عندما أصاب سمعه شهيق منتحبٍ لها، لم يتبعه شيء آخر، فعلم بأنها تكتم صوت بكائها و هي لا تزال معه على الخط …
-إيمان !
دعاها بلهجةٍ متشنجة.
-خلاص يا إيمان. خلاص حقك عليا. كان لازم اختار كلامي. خاصةً في يوم زي ده.. أنا آسف !
لم يصله أيّ رد منها، فكرر بقلقٍ:
-إيمان. انتي كويسة. إيمـان !!!؟
-معاك !
نطقت أخيرًا بصوتٍ أبحت.
نفس الصعداء، و قال بصوت أكثر لطفًا:
-أنا آسف يا حبيبتي. شوفتي مش لوحدك إللي قلقانة و متوترة. أنا كمان زيك لدرجة مش عارف بقول إيه !
كان يصطنع الآن ليلملم ما بعثره بنفسيتها …
-و لا يهمك. أنا هاحل كل ده. انتي بس قومي روّقي مزاجك كويس. و استعدي.. ساعات قليلة جدًا و هانكون سوا !
*****
مع حلول الثالثة عصرًا …
بدأ الإحتفال تقريبًا، بتوافد أعداد أكثر فأكثر من العائلة و الأصدقاء، امتلأت ساحتيّ الرجال و النساء، و كانا يقف كلًا من “مراد” و “أدهم” عند الفاصل بين الطرفان، يمدوا يد المصافحة للضيوف، كلٌ منهما أنيقٌ، و بالأخص “مراد” الذي ازدان بحلّة سوداء كلاسيكية، و قميص ناصع البياض أسفلها، و ربطة عنق قاتمة بخطوطٍ بيضاء.
وجه حليقٌ و قد برزت ملامحه و حدوده الحادة، فمه الدقيق، أنفه المستقيم، غمازة ذقنه العميقة جدًا، كل هذا يتألق مع لمعة عينيه الرماديتان.. أما قصّة شعره البسيطة فكانت المتمّمة لكل هذا البهاء و الجاذبية الكبيرة التي يتمتع بها.
كان محط الأنظار بمرور الوقت، الرجال و النساء على حد سواء، لا يصدقون بأن “إيمان” المطلقة لمرتان، و الأم لطفلة، واتتها تلك الفرصة المذهلة للإرتباط برجلٍ مثل “مراد أبو المجد” !!
إنه منحة، هدية، لا تشوبه شائبة.. كان السؤال الذي يتبادر إلى ذهن الجميع …
أسحرته ؟ أم ما الذي قد يدفع رجلٌ مثله للزواج من “إيمان” ؟
بل و تبدو عليه السعادة !!!!
كانت أعين النساء أقواسٌ تطلق سهام الغيّرة و الحسد …
-إيمان قدامها كتير يا أدهم ؟
تساءل “مراد” و هو يميل صوب أذن “أدهم”.
-أطلع شوف إيه مأخرها. الفوتوجرافر وصل من بدري و كمان المأذون لسا داخل !
دنى “أدهم” قليلًا منه و قال:
-لسا قافل مع سلاف من خمس دقايق. خلاص مافضلش كتير. دلوقتي تلاقيها نزلت ..
و بالفعل، لم ينهي “أدهم” جملته، إلا و أُعلن عن ظهور العروس من جهة النساء بالزغاريد التي تعالت و ملأت المنطقة كلها ؛
إندفعت دفقات من الحماسة بشرايين “مراد” و هو يلتفت ورائه، ليمسك “أدهم” بكتفه منبهًا:
-إيه عينك رايحة فين. ده مكان ستات !
يرزت نصف ابتسامة على فم “مراد” و هو يخبره بتباهٍ:
-لأ يا حبيبي انت تنسالي خالص حوار ستات و رجالة ده. أنا مش داخل عليهم الحمام. أنا داخل لمراتيا.
اقتبس “أدهم” نفس الابتسامة و هو يرد عليه:
-لسا مابقتش مراتك يا حلو !
رفع “مراد” حاجبه و هو يومئ برأسه، ثم أشار لإبن خالته تجاه سرادق الرجال قائلًا:
-تمام يا دكتور أدهم. اتفضل بقى معايا.. عشان نكتب الكتاب. العروسة نزلت و المأذون حاضر !!
_____
بإطلالة ساحرة، و بفضل واحدة من أشهر مصممي الأزياء العرب، ظهرت “إيمان” و هي تهبط الدرج بفستانها الملكي الذي لا يقيّده حجاب، إنها العروس الأولى بهذا البيت التي تظهر بالزفاف دون حجاب، حتى وسط النساء فقط لن ينظر إليها الرجال مطلقًا.
لم تكن رغبتها، إنما رغبة “مراد”.. الذي أصر أن تعيش ليلة استثنائية لا تُنسى.
بين كلًا من “سلاف” و “عائشة”… نزلت “إيمان” الدرج ممسكة بتنورة الكشكش لفستانها الثلجي الطويل، أكمامه منسدلة إلى جانب طرحة مطرّزة بالاكسسوارات الفضيّة اللامعة، بالإضافة إلى مكياج دمج بين لوني الزهري الفاتح و الأبيض الشفاف مِمّ جعله يبدو كسنمائي.
و تسريحة شعرها الرقيقة، لم تكن أبدًا متكلّفة، كان شعرها الفاحم الغزير ينساب حاكيًا عن طوله المبهر.
كانت “إيمان” الآن هي الثانية بعد “مراد” محطًا للأنظار، لدرجة أن أمها حملت المبخرة و ذهبت نحوها مباشرةً تطوف حولها و هي تردد بعض آيات القرآن الكريم مخافةً عليها من الحسد …
تلقّفتها النساء فور وصولها إلى ساحتهم الخاصة، و خالتها “رباب” التي بدت ممتعضة قليلًا، جاملتها بابتسامة رقيقة و عانقتها لفترةٍ وجيزة، ثم قدّمت لها جدة “مراد” لأبيه:
-ماما نزلي يا إيمان. تبقى جدة مراد والدة محمود جوزي !
نظرت “إيمان” إلى السيدة الهرِمة، كانت تجلس منكمشة فوق كرسي متحرّك، ربما يُقدر عمرها بالنظر إليها إلى الستون نحو السبعون، ابتسمت لها “إيمان” رغم التوتر الذي يجيش بأعماقها و أطرافها الباردة.
سلّمت عليها بدفٍ و موّدة:
-إزي حضرتك !؟
رمقتها العجوز بنظرةٍ فاحصة مبهمةٍ و هي تقول آمرة:
-قوليلي ماما نازلي !
أجفلت “إيمان” و أطاعت أمرها تلقائيًا:
-ماما نازلي !!
و لم تتسنّى لها فرصة أخرى، ارتعدت فرائصها باللحظة التالية، عندما صدح صوت المأذون عبر المكبرات يفتتح عقد القران ببعض الوعظ وذكر أفضال الزواج و التعفف به.. ذات السيناريو الذي خاضته لمرتان من قبل …
جلست “إيمان” بالركن المخصص لها، فوق منصّة صغيرة، هنا على كرسي وثير أبيض اللون مثل فستانها تمامًا، بقيت ساكنة مكانها، تضم يديها في عصبيةٍ مطرقة الرأس، تعلم أن جميع العيون مصوّبة ناحيتها، و في نفس الوقت تستمع إلى ما يجري بالجهة الأخرى …
حتى حانت اللحظة المرتقبة، و سمعت المأذون يرسل في طلبها إلى المنطقة المحايدة لتدلي بموافقتها على الزواج، و كأنها تفعل ذلك للمرة الأولى !
يخفق قلبها بسرعةٍ مجنونة، حين جاءت “سلاف” مبتسمة لها تلك الابتسامة الصافية، بعد تسوية ما بينهما، رأت “سلاف” أن ما من داعي للخصومة، و أن تقبل الأمر الواقع هو الحل الأصلح للجميع، فشقيقة زوجها ستتزوج اليوم.
من هي لتعارض ؟
من هي لتخرب هذا الجمع الذي قدّره الله ؟
ربما فقط إنها وصلت في الوقت الخاطئ.. ما كان ينبغي أن تعود إلى المنزل مبكرًا هذا اليوم… ما كان ينبغي أن تسمع أو ترى شيئًا لا يخصّها !!!
-يلا يا إيمان !
هتفت “سلاف” و هي تلقي على رأس العروس بطرحة أخرى لإخفاء شعرها.
نظرت “إيمان” إلى يدها الممدودة، ثم لها هي.. لم تجعلها تطلب مرةً أخرى.
أودعت يدها بيد الأخيرة، و قامت معها، سارت إلى جانبها بينما ينضممن بقيّة النساء خلفهما ليشهدن بقيّة إتمام العقد …
وقف “مراد” هناك، طويل، ناضجٌ و مثير جدًا، يتألّق بابتسامته الواثقة التي تعبّر أحيانًا عن غروره الفطري، خفق صدرها بالنبضات، بينما قفلت عيناه على عينيها، لتسقط بعدها على ثوبها الأبيض، استطاعت أن تقرأ في نظراته كم هي رائعة، و اكتسبت منه ثقةً كبيرة بنفسها.
جلس “مراد” بمجرد أن جلست هي لا يفصل بينهما سوى “أدهم” و المأذون.
شرع الشيخ المسن بإنهاء هذا الجزء الأخير من العقد، بوضع يديّ كلًا من “أدهم” و “مراد” أسفل المنديل، و ترديد كلاهما العهود و المواثيق.. تفاجأت “إيمان” في اللحظة التي أعلنهما المأذون زوجين و أوجلتها الهتافات نفسها و كأنها تسمعها لأول مرة الآن:
-بارك الله لكما. و بارك عليكما. و جمع بينكما في خير …
لم تفيق من كل هذه المفاجآت، إلا و جاء “مراد” كأنما يلحق بها قبل أن تهرب أو تتلاشى من أمامه، رأت ابتسامة النصر تجلل وجهه، بينما يمسك بيده ليوقفها أمامه، مال نحوها ليقبّل خدّها قبلة طويلة و عميقة، ثم عانقها بقوةٍ أمام عينيّ أخيه.
لا زالت لا تستوعب كل هذا، و خافت كثيرًا لولا إنها بين ذراعيه تشعر ببعض الأمان …
-تقدر تتكلم دلوقتي يا دكتور أدهم !؟
صاح “مراد” مبالغًا في اقترابه و لمسه لزوجته و هو يضع عينيه بعينيّ أخيه.
لا يزال “أدهم” جالسًا محله و هو يرد عليه بغيظٍ غير مباشر:
-حقك يا سيدي. لأ طبعًا.. مقدرش أتكلم !
تعالت القهقهات من حوله.
سارعوا بالإنتقال للخطوة الثانية قبل غروب الشمس، بالركن المخصص لإلتقاط الصور، ذهبا الزوجين برفقة المصوّرة الشابة، خلعت “إيمان” الحجاب أمامها بحرية، بينما راحت ترشدهما للوضيعات المُثلى، إلتقطت صور كثيرة لهما معًا، و للعائلة أيضًا معهما، ثم أتمّ “مراد” جلسة التصوير بلقطةٍ خاصة.
أدار زوجته مسندًا ظهرها على صدره، و تحرّك لليمين قليلًا متجذبًا رأسها بعينيه ليحقق الإتصال البصري بينهما، طوّق خصرها و بطنها بيده اليمنى، و دس يده الأخرى بجيبه، ثم تفاجأت “إيمان” مجددًا عندما دنى برأسه بغتةً مقبلًا ثغرها قبلة سطحية، و لكنها كانت كفيلة بتجميدها مثل صنم.
أعجبت المصوّرة كثيرًا باللقطة، و أثنت عليها و هي تعلن انتهاء جلسة التصوير:
-أكتر لقطة توب هي الأخيرة دي. مبروك يا عروسة. يومين إن شاء الله و الصور كلها تكون جاهزة !
شكرها “مراد” بينما تلوذ زوجته بأحضانه من أيّ عين تترصدّها، و لكنها بقيا وحدهما تمامًا بمجرد خروج الأخيرة من ركن التصوير ؛
مسّد “مراد” على رأس زوجته متمتمًا:
-إيمان.. بسرعة من فضلك قبل ما نخرج. هاعمل قصاد الناس دول كلهم حاجة غير قانونية !!
تطلعت إليه في الحال عابسة، لا تفهم ماذا يعني..
و لم يكلّف نفسه عناء الشرح.
أمسك وجهها بين راحتيّ يديه، و مرةً أخرى، بعد ثلاثة عشر عامًا، تتقابل شفاههما ، يستنشق “مراد” نفسًا عميقًا و هو يضغط شفتيه على شفتيها بقوةٍ و كأنه يتنفسها، يقبلها برفقٍ قدر استطاعته، و باعدت هي من تلقائها بين شفتيها لتسمح له بالتعمّق أكثر، و يفعل هو ذلك، يستمتع بمذاق فمها الحلو و رطوبته الدافئة، لتزلق طرف لسانها بفمه في إندماجٍ أعمى.
إنها فعليًا القبلة الأولى الحقيقية لهما.
هو أكثر خبرة، هي أكثر حاجة و لهفة.
ابتسم “مراد” و هو يكسر القبلة أخيرًا.. يزرع قُبل قصيرة حول أطراف شفتيها مراعيًا إبقاء عينيه بعينيها نصف المفتوحتين الآن …
-كانت فكرة مش مظبوطة !
تمتم “مراد” بصوتٍ خافت مقابل شفتيه.
نظرت له باستغرابٍ، فاستطرد:
-كان لازم أصبر لما نكون في بيتنا. كده مش هاعرف أفكر في أي حاجة غيرك طول السهرة.. لسا قادرة تأثري عليا بالشكل ده و أكتر يا إيمان !!
-أخوكي شكله بيستعجلنا. شكله خايف يدخل علينا أحسن يتصدم مثلًا !
-مراد !
غمغمت “إيمان” مؤنبة.
مراد مبتسمًا:
-خلاص. هانرجع لهم …
و فرك ظاهر أنامله على خدّها برفقٍ و هو يضيف:
-شوية مفاجئتك هاتوصل كمان. مش عايزك تفكري خالص.. عيشي اللحظة و إنسي كل حاجة. ده يومنا يا إيمان. و قصاد العالم كله. بنتجوز أنا و انتي !
رواية اوصيك بقلبي عشقا الفصل التاسع والعشرون 29 - بقلم مريم محمد
بدأ الليل يُلقي بظلاله على بيت آل عمران.
في جهة الرجال، جميعهم حول مراد. قسم من أصدقاء أدهم وآخر من أفراد العائلة. كان مراد وحيدًا هنارغم تجمّع كل هؤلاء من حوله، لكنه شعر بوحدة كبيرة. حتى صديقه رامز، الذي جمعتهما الصدفة مؤخرًا بعد طول غياب، لم يأتِ بعد.
لم يسمح مع ذلك لأي مشاعر سلبية أن تُفسد عليه ليلته، ابتسم متحديًا الظروف وشرع ينسجم مع الصحبة ويتفاعل معهم كما لو أنه يعرفهم جيدًا.
إلى أن أحسّ بتلك القبضة التي اجتذبته للخلف بخفة.
استدار على الفور، لكنه جمد مصدومًا فجأة، وهو يرى أمام عينيه صديق عمره. عثمان البحيري!!!
إنه هو بذاته، بشحمه ولحمه، يقف قبالته متأنقًا مبتسمًا.
"بتتجوز تاني من ورايا!؟" نطق عثمان بصوت أجش متظاهرًا بالحنق.
"لو ماكنش الدكتور أدهم عزمني مش عايز أقولك كنت هاعمل فيك إيه."
ورقت نظرته بغتةً وهو يضيف بصدق: "واحشني. واحشني يالا!"
كانت هذه آخر نقطة تماسك لديه، وانهار الجليد الذي أحاط بقلبه في طرفة عين. ألقى بذراعيه حول صديقه واجتذبه معانقًا إياه بقوة، أمام أعين الجميع. عبّر الصديقان عن شوقهما بشكل يثير السعادة والإنبهار. رابطة الأخوّة بينهما تجلت بشدة، ولم يعد هنا أي عداء أو أثر للخلافات، لم يعد هناك سوى الصداقة. حب لا مشروط.
أضفى حضور عثمان البهجة والسرور على أجواء الزفاف، ولاحظ الجميع التحسّن الكبير في مزاج العريس. كانت لمعة عينيه ما ينقصه حقًا، والفضل يرجع لصديقه في ذلك.
جلسا يتبادلان النكات والمرح، الرجال ينصتون ولا يستطيعون التوقف عن الضحك.
"الباشا الكبير وصل. ابن الزوات هنا يا جدعان. عثمان البحيري بنفسه."
تطلع كلًا من مراد وعثمان إلى صديقهما، علت الدهشة وجه عثمان، بينما يهتف مراد باستياء: "كل ده عشان معاليك تشرّف؟ ده إللي جاي من اسكندرية سبقك يا رامز بيه!"
يقف عثمان الآن وهو يبتسم أكثر متمتمًا: "رامز الأمير!"
يرد رامز الابتسامة محاكيًا النظرة الثعلبية بعين صديقه: "عثمان البحيري!"
تضاحكا فجأة، وكأنها شيفرة بينهما، ثم اندفعا تجاه بعضهما في عناق رجولي دام للحظات. ثم تباعداه وهما يتصافحا بحرارة.
"4 سنين ماتفكرش تيجي عندي ياض!؟" قالها عثمان معاتبًا.
ليرد رامز بنصف ابتسامته الشهيرة: "أديك انت إللي جيت لي برجليك. اعمل حسابك مانتاش راجع ألا بعد شهر مثلًا. هاعيّشك هنا أيام ماتنسهاش. نعيد أمجاد زمان!"
قهقه عثمان معلقًا: "لأ ياخويا خلاص. ولّى الزمن ده. أنا معايا واحدة توّبتني!"
عبس رامز مدهوشًا: "اتجوزت؟"
أومأ له: "ما انت لو بتسأل كنت عرفت وكنت عزمتك. حتى رقمك إللي معايا مش بيفتح خالص!" ثم سأله باهتمام: "قولّي صحيح انت كنت فين طول السنين دي وبتعمل إيه!؟"
تنهد الأخير قائلًا: "لأ الحكاوي دي عايزة قاعدة من بتوع زمان ماينفعش في ليلة مفترجة زي دي!" وألقى نظرة مداعبة على مراد.
ليقوم هو أيضًا ويقف إلى جوارهما، ولكنّه غير متجاوبًا معهما، ينظر بهاتفه ويعبث فيه مشغولًا.
"أنا آسف يا سادة!" قالها مراد بصوت حاد. "مضطر أسيبكوا شوية بس. خمسة كده عند العروسة وراجع تاني. لكن طبعًا وأنا ضامن إنكوا مش هاتزهقوا."
نظرا إليه باستغراب، ليبتسم وهو يشير لهما برأسه تجاه بوابة المنزل: "الليلة مش هاتخلص قبل ما تفرح العروسة. وأنا هاسيب لك الدكتور أدهم يا عثمان. انت أدرى بيه أكتر رامز لسا ما يعرفوش!"
تبع عثمان مؤشرات صديقه وهو يومئ قائلًا بمرح: "ماتقلقش. روح فرّح عروستك. وسيب لي الشيخ أدهم.. أنا هاتصرّف معاه!!!"
*****
لقرابة الساعتين لم تتحرك إيمان من مكانها، كانت محط الأنظار، متوترة، مهزوزة، وربما تشعر بالخواء. يفترض أن يكون هذا أجمل أيام حياتها. فقد بلغت مرادها! حققت أمنيتها الغالية وتزوجت بحبيبها. هل هناك سبب أدعى للسعادة غير هذا؟ ولكنها لا تزال.. ولسببٍ ما.. واجمة!
ارتعدت فرائصها بغتةً عندما فاجأها بلمسة قوية. رفعت وجهها واشتبكت عيناها بعينيه بينما يطمئنها فورًا: "ده أنا يا حبيبتي. أنا!!"
بدأت تسترخي قليلًا، وقد انتبهت لتركيز النساء كلهن عليهما، فزحفت يدها متشبثة بيده تستمد منه بعض القوة لمواجهة نوبات الهلع غير المبررة تلك.
"جاهزة للمفاجآت!؟" سألها مراد مبتسمًا بحماسة.
قطبت معاودة النظر إليه، فلم يمهلها فرصة للشرح. التفت خلفه ولا يزال ممسكًا بيدها، وضع الهاتف فوق أذنه وفاه بكلمة واحدة: "دلوقتي!"
شد زوجته لتقف إلى جواره، بينما يوّلي وجهها صوب الستار الفاصل بين سرادق الرجال والنساء. يرتفع الستار شيئًا فشيء، ليكشف عن حائل زجاجي شفاف، كشف عن الجهة الأخرى بالكامل.
سمع مراد شهقتها ولاحظ ارتعاشتها وهي تحاول التحرك لتستتر خلفه بفستانها ورأسها المكشوف. شدد يديه حول كتفيها هامسًا لها: "ماتقلقيش خالص. الإزاز معتم. انتي تشوفي إللي على الناحية التانية. مستحيل حد هناك يشوفك!"
شرح لها بإيجاز وهي تواصل النظر عبر الزجاج الخاص الذي أحضره من أجلها. ولكن لماذا؟
جاء الجواب في الحال، لحظة ظهور ذاك المطرب الشهير، أعقبه صوت الدي جي يبث ألحان الغنوة الصيفية الأشهر.
طوّق مراد خصرها ومد يده داعيًا لمراقصتها، ولكنها انشغلت للحظات برؤية شقيقها يجادل أحد الرجال حول ما يجري حديثًا وقد بدا عليه الغضب، لكن الرجل الذي معه احتوى غضبه تقريبًا، فاطمأنت والتفتت نحو زوجه.
تنفست بعمق وهي تودع يدها بكفه الدافئ، سلّمت نفسها إليه كليًا، ليسحبها إلى منتصف الساحة، وأمام أعين الأقارب نساءً وفتيات، اشتعلت نظرات الحسد بينما وهو يراقصها ويتباطل بها بمرونة.
ظل المطرب يتنقل بين أغانيه لمدة زمنية قصيرة، إلى أن حلت مكانه تلك الأخيرة، المفضلة لزوجته بغنوتها الأشهر على الإطلاق. هذه المرة دخلت المطربة المعتزلة إلى سرادق النساء وهي تفتتح غنوتها بصوتها المميز.
أدارت إيمان رأسها لتنظر إلى زوجها بذهول، تكاد لا تصدق نفسها. لا يزال يتذكر، أبرز ذكريات مراهقتهما، تلك الحقبة التي عشقته فيها حد الجنون وكان هو أيضًا متيمًا بها. تلك الغنوة.. كانا يستمعا لها سويًا باستمرار. لا يزال يتذكر!
ابتسم مراد وهو يمضي بها مشجعًا جموح شبابها الذي أجبرت على وأده من بعد هجره لها. لم تحتاج أن تُسأل مرتين، ولأول مرة الليلة تضحك من قلبها وهي تطلق مواهبها الدفينة وتجعل الجميع يرون الجانب الآخر من شخصيتها وأنوثتها التي لم يرها أحد غيره.. مراد.
بوجه مورد وأعين لامعة، ترقص إيمان مع مراد وتتغنج بنعومة ساحرة وهي تشارك المطربة الغناء.
أعادت المطربة أداء الغنوة مرارًا، وربما مع الإعادة الرابعة وسط فورة حماس العروس. لم تلتقط أنفاسها بعد، إلا وأطلق مراد المفاجأة التالية.
بدأ إطلاق الألعاب النارية بكثافة أحالت سماء البيت ظهرًا. لخمس دقائق متواصلة جميع الرؤوس تنظر للسماء، حتى هدأت قليلًا وظهرت تلك المروحية، تدور ذهابًا وإيابًا بلواء يرفرف بمؤخرتها يحمل اسم "إيمان" محاطًا بملصقات رومانسية. وآخر شيء راحت بتلات الزهور الحمراء تتساقط فوق رأسي الزوجين، بينما يقف مراد مقابل إيمان والبسمة تعلو شفتيه الدقيقتين.
ينظر بعمق داخل عينيها المبهورتين، يرفع كفه محتضنًا جانب وجهها وهو يعلنها أمامها أصدق ما سمعتها أبدًا: "إيماني.. أنا بحبك!"
*****
يمرر أنامله في شعرها، رأسها يستند على قدمه وهو يقود سيارته لأكثر من ثلث ساعة. انتهى الزفاف أخيرًا ورحلت معه تاركة بيت أبيها، بعد أن ودعت الجميع، عدا ابنته. لم تود الفتاة في الأصل توديع أمها، فقط كانت تلوذ بأحضان خالها طوال السهرة، وأحيانًا تلهو مع أقرانها من الأطفال.
لم تكن تفكر إيمان فيها الآن، لم تكن تفكر في أي شيء، كان ذهنها فارغًا، ضبابيًا يمكن!
تصحو إيمان فجأة، عندما تكتشف بأنه يصطف سيارته بساحة أحد أبرز فنادق المدينة. في الحقيقة إنه ذات الفندق الذي أشارت له ذات مرة في مراهقتها وهو كان معها آنذاك، وكم أخبرته وقتها عن رغبتها الشديدة في قضاء ليلة زفافهما به. كان حلمًا طواه الزمن. لكن ها هو الليلة يحققه لها في ليلة زفافهما. أيتوجب أن تشعر كم هذا مثالي!؟
بعد أن انتهى مراد من إجراءات الدخول، كان جناحهما محجوزًا بالفعل، لم يحضرا معهما أي حقائب، فصعدا بمفردهما إلى طابق النخبة. يفتح مراد الباب بالبطاقة التي معه، دعاها للدخول أولًا. لبّت دعوته دون تردد. مدت وولجت إلى الجناح الخاص، كان كبيرًا، مجهزًا على أكمل وجه لعروسين، حيث البالونات الهيليوم موزعة بإتقان حول الفراش، وفي السقيفة، الأرض مفروشة بأوراق الزهور، الشرفة العريضة مغطاة بستائر بيضاء شفافة، والصالون المقابل مزين بحاويات الشموع المعطرة. كلها أجواء تبعث على… الحب!
انتفضت إيمان عندما سمعت صوت إغلاق الباب. استدارت ناظرة إلى زوجها، برزت الابتسامة على طرف فمه وهو يمشي تجاهها ببطء متمتمًا: "كان يوم متعب. بس تعرفي.. ده أحلى تعب تعبته في حياتي. ودي أحلى ليلة في عمري كله…"
توقف على بُعد خطوتين منها، وتابع وهو يرمي سترته بعيدًا ويحل ربطة عنقه: "حاسس إني خلصت Game صعب. عديت مراحل كتير أوي عشان أوصل لك.. ماكنتش متخيل إني هاكون ملهوف عليكي أوي كده. يعني انتي فهماني. حصل قبل كده بينا.. بس إحساسي دلوقتي أقوى بكتير من أول مرة. من أي مرة يا إيمان. وعارف إن انتي كمان زيي… صح؟"
كانت تنظر إليه وتستمع إليه جيدًا… لكنها لا تعرف ماذا دهاها فجأة!
كتفاها يبدآن في الارتعاش، يسوء الوضع أكثر عندما تهاجمها تلك النوبة المباغتة، فلا تستطيع احتواء التنهيدات التي خرجت على شكل سلسلة من الانفعالات القوية.
أجفل مراد وهو يراقبها متسائلًا بتوجس: "إيمان. إنتي كويسة؟"
لم تعطِ ردًا. لم تتمكن. وكأنها نسيت الكلام. انبعث من بين شفتيها أنين متألم، واجتذبت قطرات الدم الناقرة فوق الأرض أنظار مراد الذي حدق مذعورًا إلى يديها.
"يا مجنونة.. عوّرتي نفسك!!" صاح بها وهو ينتزع يديها بالقوة. نظر مذهولًا إلى كفيها حيث غرزت أظافرها باللحم عميقًا حتى أدمت نفسها. نظر تاليًا إلى وجهها والكحل الممزوج بدموعها والذي خرّب زينته. لم يكاد يفتح فمه مرة أخرى ليوجه لها كلمة، لتنتفض عليه فجأة ممسكة بخناقه صارخة وهي تضربه بشدة على صدره: "أنا بكرهك.. بكرهك.. بكرهك… يا ندل يا حيوان بكرهــــــــك!!!"
كانت قبضتاها النازفتين قد لطختا قميصه ناصع البياض. حاول أن يسيطر على حالتها الهستيرية المباغتة بما وسعه من قوة وقد فاجأته بذاءتها. لكنها لم تهدأ بل وتجاهلت ثقل ثوب زفافها واستدارت خلفها نحو منضدة الزينة لتقذفه بما تقع عليه يدها أيّما كان. شتم مراد وهو يشدها ليشُلّ حركتها، ثم طوّقها بذراعيه وهو يهمس متوسلًا: "إهدي يا إيمان. إهدي أرجوكي!"
كانت قواها قد خارت بالفعل، ولم تبدِ أي مقاومة بعد الآن، إنما راحت تنتحب على صدره بحرقة، بينما هو يحاول امتصاص حزنها قدر استطاعته. فأخذها وأجلسها على الفراش، فوق الورود تمامًا، ثم جثا فوق ركبتيه أمامها.
ما زال ممسكًا بيدها، فرفعت هي اليد الأخرى ومررت أصابعها في شعره الكثيف، وهي ترنو إليها بنظرات مشوشة. التحم أمامها الماضي بالحاضر، واستيقظت من جديد أحاسيس قديمة، أطلقت بداخلها طوفانًا من الذكريات الحميمية بينهما، والتي كانت خطيئتها، ذنب لبثت تكفر عنه سنوات طويلة.
لم تتحمل كل هذا الضغط فانفجرت ثانيةً ناظرة لأعلى، كأنما تخاطب السماء وهي تشد قبضتها على شعره بقوة لم تؤلمه بقدر ما صدمه حديثها التالي: "ياااااااااااااااارب.. يارب ده مراد. ده مراد إللي أنا عاصيتك فيه. وندمت يا ربي. ندمت ووقفت على بابك سنين تغفرلي وتسـامحني.. رجعته ليا يارب… رجعته ليا تاني بس ماتكنش لسا غضبان عليا. لو لسا غضبان عليا خد مني كل حاجة. أنا راضية. خدني أنا عندك.. بس تسامحني… يارب سامحني!"
ملأ الجزع تعابير وجهه وهو يرفع يديه ليفك أصابعها المشتبكة بشعره بصعوبة. كانا كفّاها ملطخين بالدماء حتى الآن، فجاءت ردة فعله تلقائيًا وهو يفتح أزرار قميصه ويخلعه منظفًا به جرحها ليرى مدى سوئه. لحسن الحظ لم يكن سيئًا جدًا والنزيف توقف تمامًا.
تنهد مراد وهو يمسح بكفه على رأسها، ينزع عنها الطرحة برفق، ويحرر شعرها وفي نفس الوقت يمسح دموعها وهو يقول بأقصى ما لديه من لطف متأثر: "حبيبتي. انسي. انسي أي حاجة ممكن تتعبك الليلة دي.. أنا هنا جمبك!"
هزت رأسها بعصبية محاولة القيام من أمامه، لكنه أبقاها بالقوة، شدها من خصرها وأجبرها على الرقود بحيث تموضع فوقها مكبلًا حركتها دون أي احتكاك يشعرها بالخوف.
تغرز أظافرها الحادة بجلد كتفه وظهره، لا يصدر عنه سوى تأوه وهو يبذل ما بوسعه ليحتوي ذعرها. ترتجف بين ذراعيه وتغص بالبكاء دون صوت وعيناها الجاحظتان معلقتان بعينيه الضبابيتين بلمحات من الوداعة.
فوجل قلبها أكثر وحفرت أظافرها بجلده أعمق حتى أدمته، تذمر مراد وهو يئن ويعبس متألمًا، ورغم ذلك لم يتخل عنها أو يتركها، شدد ذراعيه حولها وهو يستطرد ضاربًا على جوارحها بشدة: "بصيلي. أنا مش سيف. ولا مالك.. أنا مراد… أنا حبيبك!!"
لعلها بدأت تتراجع قليلًا.. وبدأ الخوف بالانحسار فجأة كما هاجم فجأة. لم يفعل مراد شيء، لم يفعل لها أي شيء، إنما تحرك بحذر حتى أتى إلى جوارها، أدار جسمها مقابله وضمه إليه. استغرقها الأمر لحظات للتكيف معه وأصبحت الآن ملفوفة حوله بذراعيها وساقيها. هدأت نوعًا ما، وبقيت رأسها مدفونة في رقبته وكأنها تنام. ليس وكأنها.. إنها بالفعل ما لبثت أن غطت بالنوم، وكان هذا فعلًا كافيًا بالنسبة إليه، يريدها أن تنعم بالسكينة فقط!
رواية اوصيك بقلبي عشقا الفصل الثلاثون 30 - بقلم مريم محمد
“هل أبتعد ؟.. لا أبتعد ؛ تحبينني… و أنا أعشقكِ!”_ مراد
ناما حتى فترة بعد الظهر، و قد حرص “مراد” أن يضع إشارة عدم الإزعاج خارج باب الجناح، لذلك فإنها استيقظت على راحتها.. رغم أنه هو مستيقظًا منذ ساعة، لكنه لم يتحرّك خشية أن يقلقها أو ما شابه.
هي متعبة لدرجة إنها لم تتقلّب و لو لمرةٍ واحدة خلال الليل !
كان يومًا مرهق جدًا، و لكنها تشعر بتحسّن كبير، و تقر بأنها لم تذق راحة في حياتها مثل ليلة أمس، حتى نومها كان هانئًا… هل يرجع الفضل لهذا له !؟
استعادت كامل وعيها و هي تحس جيدًا به، إنه يرقد مقابلها، ذراعه تحت رأسها و الأخرى تحيط بخصرها، تستطيع أن تشعر بصدره الدافئ أسفل خدّها، و بقلبه النابض بثباتٍ قرب أذنها …
- صباح الفل ! .. يتمتم لها بصوتٍ أقرب للهمس.
اضطربت “إيمان” قليلًا عندما اكتشفت بأنه مستيقظ بالفعل، لاحظ هذا على الفور فأخذ يُربّت على كتفها بحنانٍ قائلًا:
- إيه كل النوم ده يا إيمي. تعرفي بقالنا كام ساعة في السرير على نفس الوضع من ليلة إمبارح ؟.. 14 ساعة !!
أطلقت زفيرًا مرتعشًا و حاولت التمطّي، لوهلةٍ أعاقتها ذراعاه، فابتعد عنها بالقدر الكافي شادًا عضلات جسمه بدوره، إنه و لا شك بحاجة لحمامٍ دافئ …
- مش متخيّل إني نمت بالجزمة ! .. علّق “مراد” و ابتسامةٍ مرحة في صوته.
لم تكن “إيمان” أفضل حالًا منه، فهي الأخرى نامت في ثوب زفافها !
قام “مراد” جالسًا على حافة الفراش، فرقع فقرات رقبته، ثم انحنى ليخلع حذاؤه الزوج تلو الآخر، و استدار نحوها ثانيةً …
كانت تحدق بالسقف و تمرر أصابعها في شعرها المنتشر فوق الوسادة، بينما يسألها “مراد” عابسًا:
- انتي مش بتردي عليا ليه يا إيمان ؟
لم تعطه جواب فورًا، إنما قالت بعد لحظاتٍ بصوتٍ رائق:
- أنا عاوزة أخد دش سخن !
انبلجت البسمة على طرف فمه و هو يقول:
- كأنك بتقري أفكاري. ناخده مع بعض بقى إيه رأيك ؟
رمقته بنظرةٍ جانبية، ثم اجتهدت و هي تقوم من الفراش تجر الثوب الثقيل قائلة:
- تعالى ساعدني.. مش هاعرف أخلع الفستان لوحدي.
و قد كان حقًا من دواعي سروره، ابتسم أكثر و هو يقف على قدميه في الحال و يتجه نحوها:
- أكيد يا حبيبتي. جاي معاكي !
مشى ورائها وصولًا لقاعة الحمام المترفة، وقفت “إيمان” بالمنتصف و أولت له ظهرها ممسكة بحاشية ثوبها، سحب “مراد” نفسًا عميقًا، ثم رفع يديه و تولّت أصابعه فك أربطة الفستان المعقّدة، استغرق هذا منه سبع دقائق تقريبًا.
صدرت عنه زفرة راحة بعد المجهود الذي بذله، ثم قال و هو يحاول نزع الكتفين ليسقط كله عنها:
- أخيرًا. أنا مش عارف فساتينكوا بتبقى بالتعقيد ده كله ليه. الراجل مننا بينط في بدلته و خلصت على كده !
لاحظ “مراد” بأنها لا تسمح له بنزع الفستان، فردد مستغربًا:
- حصل إيه يا حبيبتي. فكّيته صح ؟
- أيوة فكّيته.. شكرًا. ممكن تخرج دلوقتي لحد ما أخلص …
رفع “مراد” حاجبيه مدركًا مقصدها، استوقفه تصرفها قليلًا، ثم تنهد و هو يستدير ليقف أمامها، إتخذ وجهه تعبيرًا جادًا و هو يتحدّث إليها ممسكًا بكتفيها:
- أنا عارف إن كل ده كان غلط. و أكبر غلط عملته إني تممت الجواز قبل ما تتعالجي.. معلش. لسا ممكن أصلح الغلطة دي. بعد ما نرجع من السفر هانتابع مع دكتورة. أنا هساعدك تخرجي من إللي انتي فيه يا إيمان !
تجهم وجهها و هي ترد عليه بحدةٍ:
- انت مفكرني مجنونة يا مراد !؟؟
هز رأسه و هو يمسك وجهها بكلتا يداه الآن، جاوبها بنبرة استجداء:
- مش قصدي كده يا إيمان. صدقيني. أنا حاولت أساعدك بس مقدرتش. و كنت متصوّر لو طاوعتك و سرعت جوازنا ده ممكن يخفف عنك و ترجعي لنفسك واحدة واحدة.. بس للأسف. انتي لسا مش متزنة. رغم كل إللي بعمله. و ده حقك. ده مش عيب صدقيني.. إللي مريتي بيه مش سهل. حطي بس ثقتك فيا. أنا هاعمل المستحيل عشان أرجع لك إيمان. إيمان إللي عرفتها من 13 سنة و أكتر. أنا حبيت البنت دي. و عايزها ترجع تاني !
أغرورقت عيناها بالدموع و هي تستمع إلى كلماته، كرهت نظرة الصدق البادية في عينيه، ما دفعا إلى أن تُسقط كتفيّ الفستان، فإذا به ينزلق بالكامل كاشفًا عن جسمها، فقط قطعتين من الملابس الداخلية ذات نسيج الدانتيل هي كل ما يسترها، مع ذلك بقى “مراد” محدقًا إلى وجهها فقط …
رفعت “إيمان” كفّيها بدورها و وضعتهما فوق يديه مغمغمة بأنفاسٍ مخنوقة:
- البنت دي لسا موجودة. لو مش موجودة ماكنتش هاعيش متعذّبة كل العذاب ده. البنت دي كل يوم بتصحى في الليل. من يوم ما سبتني و هي مش بتبطل توبة و استغفار و دايمًا حاسة بالذنب لسا عليها بسبب إنها فشلت تنساك. أو تكرهك. كانت بتدعي كل يوم و كل ساعة إنها تتصلح و انك تتصلح و ترجع ليها تاني. قبل ما تشوفك كانت بتدعي إن الشخص إللي يدق له قلبها. إللي تبصله عنيها. إللي مشاعرها كلها تتحرك عشانه يكون من نصيبها و محدش غيره يدخل حياتها.. و انت مش بس أخدت كل ده. انت أخدتني أنا شخصيًا يا مراد. و بعدها سبتني.. سبتني و جه غيرك إللي دوّقني الذل و المهانة. أنا استنيتك كتير يا مراد. ماجتش ليه. ليه !!؟؟؟
اقترب “مراد” أكثر قبل أن تزداد حالتها سوءًا، لف ذراعيه حولها، و ضم وجهها إلى صدره مبررًا بصوتٍ يمزقه الندم:
- كنت صغير. كنت طايش.. ماكنتش مفكر إن هاييجي يوم و أشوفك تاني… فوق كل ده.. ماكنتش حاسس إني حبيتك أوي للدرجة دي. زي ما أكون متخدر طول السنين إللي بعدتها عنك. مافيش واحدة في العالم ده كله ليها تأثير عليا زيك. مافيش واحدة حبتني غيرك. و لا أنا حبيتك غيرك يا إيمان.. عرفت قبلك و بعدك. لكن انتي… انتي حبي الأول. و الأخير !
لا زالت تبكي على صدره، و لا تعرف إلى أيّ مدى هو صادق، لكن حتى لو كان نادمًا، هل سيغير ندمه أيّ شيء !؟
يتعيّن أن يكون نادمًا.. فإن الندم أقل ما يمكن إظهاره ليكفّ عن جريرته بحقها …
- ممكن تخرج لحد ما أخلص بس ! .. تمتمت “إيمان” بصعوبة دون أن تحاول إبعاده عنها.
في الحقيقة لا تريده أن يبتعد، عقلها يأمرها بأن تبعده، لكن قلبها و جسمها يصرخان بتوسل ليبقى !!!
لحظة أخرى و نفذ رغبتها، ابتعد للخلف قائلًا بهدوء:
- حاضر. هاخرج أطلب الفطار على ما تخلّصي …
و أضاف قبل أن يمضي ليتجاوزها:
- بس ماتطوّليش. انتي نمتي منغير عشا و لسا مافطرتيش. ماينفعش تجهدي نفسك أوي !
و خرج …
بقيت وحيدة الآن، لكنها تشعر بالأمان، لأنها تدرك بأنه هنا معها، على بعد عشرة أقدام.. الشخص الوحيد الذي يعطي معنى لحياتها صار معها من الآن و إلى الأبد …
*****
عصر الجمعة.
عطلة زوجها الوحيدة بالاسبوع، عادةً ما يبدأها بالذهاب من بكرة الصباح إلى صالة الرياضة ثم يعود إلى البيت قبل موعد الصلاة، كرهت أن تقضي النهار بالبيت لأول مرة منذ وقتٍ طويل، باشرت تقطيع الفاكهة لصنع مرطبّات و عصائر لأولادها و والده.
لكن ذلك على العكس أيضًا لم يُشكل أيّ إلهاء.
كانت غاضبة جدًا، و لا يمكنها إلا أن تشعر بالغيّرة !
أجل.. سلاف” تغير !!!
لديها أسرة و زوج يحبها و تحبه، و لكن حياتها تعاني من الرتابة الشديدة مؤخرًا، ما حدث الأمس هو ما يحدث اليوم ما سيحدث غدًا.
ملل و الملل فقط.
بينما هي الزوجة المطيعة المتعقلة تخوض حياة كهذه، تنال شقيقة زوجها الطائشة كل ما تمنته، الرجل الذي أحبته و اقترفت معه المحرّمات، زفاف الأحلام و هي الأرملة و المطلقة و الأم لطفلة …
كيف يحدث هذا معها ؟
كيف يمكنها أن تحظى بكل ذلك في ظروفٍ مثل ظروفها !؟
كيف !؟؟؟؟
ألا يكفي أنها تحمل عنها وزر خطيئتها في إخفاء ما رأته من فسوق و فجور سواء عن عمتها أو زوجها !!
لقد نال منها المرض بسبب كتمان ذلك السر اللعين، إلى متى عليها أن تكتمه و تتحمل سخافات الجميع !؟؟
- اتفضل ! .. قالتها “سلاف” باقتضابٍ و هي تضع أمام زوجها كأس العصي.
استرعت نبرتها انتباه “أدهم” الذي سلخ ناظريه عن شاشة التلفاز التي تعرض مباراة شيّقة.
تطلع إلى زوجته فوجدها تشيح عنه متعمّدة و هي تهتم بصغارها و تقدّم لهم كؤوسهم المغطاة …
- سلاف ! .. هتف “أدهم” بصوته اللطيف يتجذب إنتباهه.
لكنها ترد دون أن تنظر إليه:
- نعم ؟
رفع حاجبه و هو يسألها بغرابةٍ:
- مالك يا سلاف !؟
ردت عليه بنفس اللهجة الجافة:
- و لا حاجة !
و حملت الصنينة الفارغة عائدة أدراجها إلى المطبخ …
يترك “أدهم” المباراة و يلحق بها مناديًا:
- سلاف !
لكنها لا تتوقف، تصغي إليه، و تتجاهله …
- انتي فعلًا سامعاني و مش بتردي !؟؟ .. صاح “أدهم” من بين أسنانه و هو يقبض على معصمها محاصرًا إيّاها بمنتصف الرواق.
كان يبذل أقصى جهد حتى لا يستمع الصغار إلى صوته العالِ …
- أدهم. بجد مش قادرة لك. ابعد عني دلوقتي !!
الفتور في نظرتها، و العصبية في عمق صوتها أثارتا حفيظته، فأخذ يهزّ يدها بقوةٍ مغمغمًا:
- في إيه يا سلاف. مالك !؟؟
إنفعلت بغتةً و هي تسحب يدها من قبضته بكل قوتها:
- مافيش حاجة. بطلب منك تسيبني بس. مش طايقة حاجة !!
و تركته ماضية داخل المطبخ، ليبقى هو مكانه للحظاتٍ يفكر، يراجع نفسه.. هل أخطأ ؟
ما هو موطن خطؤه معها تحديدًا ؟
إنها تبدو غاضبة حتى قبل ان يحاول التحدث إليها.. و لكن مِمّ هي غاضبة !؟؟
لم يبقى “أدهم” ليفكر في هذا أكثر، دلف ورائها إلى المطبخ، فرآها تقف عند الحوض تجلي بعض الصحون و يبدو من حركة يديها العصبية و الكدر الشديد، تلك الحالة نادرًا ما تصل إليها، و غالبًا يكون السبب حقًا كبير و ليس تافهًا مثل الذي تخترعه أحيانًا لتتدلل عليه !!!
- أنا آسف ! .. تمتم “أدهم” و هو يأتي من خلفها ملامسًا كتفها بلطفٍ.
سمعها تتنهّد بحرارةٍ، فأكمل بنفس الطريقة دون أن يجازف بالاقتراب اكثر حتى لا يزعجها:
- انفعلت عليكي و عاملتك بقسوة. ماكنتش أقصد يا حبيبتي.. بس تصرفاتك فاجئتني. ناديتك و ماردتيش عليا. و حسيتك مضايقة. قوليلي مالك. انتي عارفة إني مش بحب أشوفك مضايقة !
لم تتغيّر لهجتها، بل ازدادت حدة و هي ترتعش تحت لمسة يده من فرط العصبية:
- قلت لك مافيش حاجة. ليه مش عايز تفهم. ليه مش عايز تسيبني في حالي !!؟؟؟
و استدارت صوبه متقدة العينين، كان يرمقها بخيبة أملٍ و حزن بَيّن، أراد جزء صغير بداخلها أن تكفّ عن الغضب و النقمة عليه فقط حتى لا يظل ذلك التعبير على وجهه، لكنها لم تتحكم بنفسها، فقدت تلك الصلاحية تمامًا الآن …
اهتاجت الأنفاس بصدرها و هي تفتح فاها ليخرج الكلام دون سيطرة مرةً أخرى:
- خلاص مابقتش حتى قادر تحترم إرادتي. و لا عايز تديني مساحتي. مطلوب مني أفضل مضغوطة طول عمري !؟؟
قطب جبينه بشدة و هي يرد عليها بغلظةٍ:
- تقصدي أي نوع من الضغط يا مدام ؟ أنا ماظنش بجهدك بطلباتي أبدًا. أنا أصلًا طول أيام الأسبوع برا البيت و مساحتك إللي بتتكلمي عنها دي أكتر حاجة موفرهالك بسبب ظروف شغلي. كده مش ناقص غير تشتكي من خدمة ولادك. بس حتى دول لو تعبتي و كلّيتي بيهم عنك خالص و اعتبريهم مش ملزومين منك. من دلوقتي ممكن أمي تتكفّل بخدمتهم و ممكن أجيب واحدة تساعدها كمان في غياب إيمان. و لا إنك تضايقي نفسك و تتعصبي علينا كده. مش مستاهلة !!
و كأن كلامه ما ينقصها لتهبط نفسيتها للقاع، كان بيدها طبقٍ مسطّح، هوّت به بعنفٍ صوب الأرض لينكسر في الحال محدثًا جلبة كبيرة، بينما تصرخ في وجهه و تصدمه أكثر:
- محدش حاسس بيـا.. انت كمان و لا بقيت تحس …
و أضافت و هي تلهج بصعوبةٍ و الدموع تتساقط من عينيها:
- أنا شايلة فوق طاقتي !
لم تكن لديه فرصة للرد، و لا هي لإضافة شيء آخر، شحبت فجأة و أزرقّت شفتاها، داهمتها نوبة الربو التي قطعتها لأشهر، هذه المرة اعنف و أشد.
تسعل و تشهق و كأنها بالنزع الأخير، يتلاشى غضب “أدهم” منها كليًا في هذه اللحظة، يسارع غليها يلحق بها قبل ان تنهار فوق ركبتيها، يسندها بين ذراعيه و يهزّها هاتفًا بقلقٍ شديد:
- سلاف. إهدي يا حبيبتي. إهدي و خدي نفس …
حملها باللحظة التالية، و هرول بها إلى غرفة النوم، وضعها فوق الفراش و إنقلب يفتش بدرج الطاولة المحاذية، حتى جاء بقنينة الدواء، عاد إليها و أمسك رأسها بزاوية بين صدره و كتفه، وضع فوّهة القنينة بفمها، ثم ضغط الرأس ثلاثًا كما أشار الطبيب، لينتشر البخاخ عبر القصبة الهوائية وصولًا إلى الرئتين.
و لعلها احتاجت لدقيقتين إلى ان تعافت من النوبة القاسية.
جلست هادئة بين ذراعيه، و هو بدوره لم يثير أيّ نقاش، بل بقى يضمها هكذا و يمسح على رأسها بحنانٍ.. حتى تطلّعت إليه.
و بأعينٍ دامعة، مد كفّها لتداعب لحيته، تبسّم لها ببساطةٍ و لم يتكلم، فقالت هي الجملة التي لم يتوقعها الآن قط:
- أنا عايزاك.. دلوقتي !
أجفل “أدهم” بوضوح، كان غريبًا على اذنيه طلبها، إنها في الحقيقة لم تطلبه بلسانها طوال سنين الزواج، أراد أن يظن أيّ شيء آخر غير الذي فهمه.
لكن نظرتها تؤكده !!!
تنحنح “أدهم” مبددًا ارتباكه و هو يتعاطى مع الأمر بحيادية قائلًا:
- لو كنتي صبرتي شوية بس منغير كل إللي حصل من عشر دقايق كنت انا إللي طلبت منك ! .. و مسّد على خدها مستطردًا:
- بس انتي شكلك مرهق. ممكن ترتاحي شوية بس !
واصلت التحديق إلى عينيه بقوةٍ و هي تكرر:
- دلوقتي يا أدهم !!
حاول أن يجاريها بشكلٍ طبيعي حتى يفهم ما بها بالتدريج، فقال مذعنًا لرغبتها:
- حاضر.. هاخد الولاد طيب و أنزلهم عند ماما. و جاي لك علطول !
هزت رأسها موافقة.
أفلتها برفقٍ و مضى خارجًا من الغرفة و عقله لا يكف عن تحليل تصرفاتها …
*****
فرغت من حمامها بعد قضاء ساعة بالداخل، لمّا عادت إلى الغرفة، وجدت الستائر مفتوحة و ضوء النهار مبهرًا، كان “مراد” يقف بمحاذاة الشرفة العريضة يتحدث في هاتفه، لا يزال عاري الجزع و لا يرتدي سوى سروال البذلة.
ما إن شعر بوجودها حتى أنهى المكالمة، و استدار ناحيتها مبتسمًا، بينما كانت تحدق الآن إلى كومة العلب هناك بجوار الخزانة الضخمة، كلها تحمل علامات الماركات العالمية الفاخرة.. كريستيان ديور، فيكتوريا سيكرت، إيف سان لوران، جيمي تشو …
- أخيرًا خلصتي ! .. هتف “مراد” مقبلًا عليها.
توقف على بُعد خطوةٍ منها، بينما تسأله مشيرة إلى الأغراض الكثيرة:
- إيه كل الحاجات دي ؟
جاوبها “مراد” و هو يحك مؤخرة رأسه:
- دي هدوم عشاني انا و انتي. طلبتهم أون لاين. انتي ناسية إننا جينا على هنا منغير شنطة هدوم. مش معقول هاننزل من هنا بلبس الفرح ! .. و استطرد مطمئنًا إيّاها:
- ماتقلقيش انا اخترت لك هدوم تناسب الحجاب. كلها فساتين واسعة و مانستش الإيشاربات طبعًا. هاننزل من هنا على بيتنا نحضر شنطة صغيرة ليا و ليكي. و بالليل هانكون في المطار إن شاء الله.
- هانروح فين !؟
حقًا كان الفضول يطل من عينيها، فابتسم هازًا رأسه و هو يقول:
- لا لا يا قطة مش هاتوقعيني. مش هاتعرفي أي حاجة دلوقتي. قلت لك عندك جدول مفاجآت.. مش قلت ؟
زمت شفتيها مذعنة، فمد يده ممسكًا ذقنها بين سبابته و إبهامه قائلًا:
- الفطار هناك في التراث. غيري هدومك و اقعدي افطري ماتستننيش أنا شربت القهوة و خلاص هاخد شاور بسرعة بس !
همّ “مراد” بالإسراع للحمام، لكن زوجته قبض على رسغه و استوقفته، أدار وجهه لها و هو يرمقها بتساؤلًا، فبدا عليها القليل من الحرج و التردد.
اقتربت منه كثيرًا حد اللصوق، و رفعت ذراعيه لتشبكهما حول عنقه وتشب قليلًا، وسط إجفاله ريبته، لم يحاول مقاطعتها عن أيّ شيء تفعله، فتحت فاها متمتمة على إستحياءٍ:
- ممكن تبتسم !؟
عبس مستغربًا من طلبها، لكن فك العبوس بسرعة و فعل ما طلبت، رسم ابتسامة بسيطة على ثغره، فقالت:
- أكتر يا مراد. ابتسامة أكبر !
ابتسم باتساعٍ أكثر و هو يتساءل بداخله عشرات الأسئلة، يخشى لو أنها فقدت عقلها اخيرًا، لكنّه تفاجأ حين دنت منه مقبّلة جانبيّ وجهه و الحفرة العميقة بذقنه …
أسبلت عيناها في خجلٍ من شدة تحديقه فيها، ليسألها الآن بصوتٍ هادئ:
- ممكن أعرف بس كان إيه ده. و لو مافيش سبب It’s Okay مش مهم !
تنهدت بعمقٍ و جاوبته متحاشية النظر بعينيه:
- من زمان. من أول مرة شوفتك بتضحك. كانت جوايا أمنية شايلها لليوم ده. انت فاهم يعني عشان حرام أعمل كده و احنا مافيش صلة بينا.. انت عندك غمازات حلوة أوي. دي الحاجة الوحيدة إللي كنت مش بقدر أغض بصري عنها. دلوقتي مابقاش حرام حتى أفكر في كده بس …
كلماتها غير المرتبة فهمها جيدًا، و جللت وجهه ابتسامته الأكثر جاذبية الآن و هو يحاوط خصرها ذراعيه ضامًا إيّاها أشد و هو يهمس:
- و أنا من دلوقتي عندي كل الوقت إللي أعرفك فيه التفاصيل إللي بعشقها فيكي.. في وشك. شعرك.. جسمك !
المنحرف !!!
إن يده زحفت بالفعل للأسفل مغطية مؤخرتها …
إتسعت عيناها من المفاجأة و تسرّب اللهيث من بين شفاهها، فتوجس على الفور و خاف ان يكون اثار الذعر فيها من جديد، رفع يده في الحال و قال:
- تمام. قلت عندي وقت. مش لازم يكون إنهاردة أو حتى بكرة.. ماتخافيش يا حبيبتي. أنا مش هاعمل غير إللي تعوزيه و بس. إتفقنا ؟
و حاول الفكاك منها برفقٍ، لكنها تشبثت به أكثر، فوقف حائرًا !!!
ازدردت “إيمان” ريقها بتوترٍ قائلة:
- خليك معايا.. أنا عندي ذكريات كتير وحشة. مابعرفش أنام بسببها. أول مرة أنام لحظة ما أغمض عيني إمبارح و أنا في حضنك.. من فضلك خليك معايا. ماتسبنيش !
تأثر بشدة لإقرارها و كره نفسه لأنه تسبب بتعاستها لسنواتٍ طويلة، في نفس الوقت دعوتها الصريحة المباغتة لا تقاوم حقًا، خاصةً و هي تتمسك به بهذه الطريقة و ترمقه بتلك النظرة …
دقق النظر بشفتيها الورديتين و هو يرطّب شفته السفلى بطرف لسانه ثم يقول:
- أنا بس خايف عليكي. ممكن يكون ده مش في مصلحتك دلوقتي. على الأقل لما نزور الدكتورة و آ …
- ماتقولّيش دكاترة دلوقتي !! .. قاطعته منفعلة، و أردفت بصوتٍ أهدأ:
- من فضلك. مش عايزاهم ياخدوا الجزء ده مني. عايزة أنساهم.. من فضلك يا مراد !
لم يكن واثقًا على أيّة حال، يخشى ألا تكون تعني ذلك حقًا، لكن أمام إصرارها لا يملك حجة …
استعمل الحيلة الأخيرة لأجل أن يمنحها فرصة لتراجع نفسها، فأشار إلى التراث قائلًا:
- طيب و الفطار !؟
أطل الآسى من عينيها و هي تناشده بيأسٍ:
- مش عايزة فطار دلوقتي. مش عايزة …
بعد كل هذه الاستغاثات، الانتظار هو الشيء الوحيد الذي لن يعطيه لها.. أما رأسه فجأة مانحًا ثغرها تلك القبلة العميقة المدوّخة؛
جرت يديه الآن على جسمها بجرآة، القطعة الوحيدة التي ترتديها هي روب الاستحمام، و لكنه لا يشعر بضرورة خلعها الآن …
- خليكي فاكرة كويس ! .. همس “مراد” بين قبلاته:
- كل إللي فات كان مجرد حلم وحش. انتي من أول يوم ليا أنا. محدش يقدر ياخد مني حبيبتي. لو من قبل. و لو بعدين !
و صرخت فجأة عندما دفعها و هو لا يزال يطوقها فوق الفراش، تركها تسقط وحدها و بقى واقفًا أمامها للحظات يعطي نفسه رؤية كاملة و جيدة لجسمها، بينما هي هناك تنظر له بتوقٍ، باعدت بين ركبتيها و قوّست ظهره.
رحبت به مجاهرة كل الجهر …
فتمتم “مراد” شيئًا لم تسمعه و دنى منها فورًا، ولّد الاحتكاك شراراتٍ و اليراعات بمعدتها طارتٍ في سربٍ إلى رأسها، إستحال عقلها الصاخب إلى ضبابٍ في لحظة، لم تعد تفكر، لم تعد ترهب هذا الأمر البتّة.
كان مختلفًا، و كأنها تحررت، راحت تعبر عن نفسها و مشاعرها الجامحة دون قيودٍ بين ذراعيه، لا تخشى شيئًا، لا تخجل، و كأنها تولد من جديد مع كل لمسة من يديه …
*****
لم يفلح معها شيء.. حتى بعد أن نفذ كل طلباتها و طاوعها في كل رغباته.
لا زالت بائسة، تنأى بنفسها داخل الحمام لوقتٍ طويل، بينما ينتظرها بالخارج، شعر بحركتها وسط الرواق، فقام يتفقدها بغرفة النوم.
وجدها بالفعل تجلس فوق الأريكة المقابلة للسرير، لا يزال الفراش مبعثرًا، و لكنها تبدو غير مهتمة، تبدو هادئة، واجمة، شعرها الأشقر أكثر قتامة الآن، يقطر منه الماء و تتشرّبه المنشفة حول جسمها.
يمشي “أدهم” صوبها، يجلس إلى جانبها مثيرًا حديث بينهما:
- سلاف. أنا لغاية اللحظة دي بسايسك و مهاودك في كل حاجة. لأني حاسك مش مظبوطة. و للأسف مقدرتش اعرف السبب بردو.. لو سمحتي ممكن تتكلمي و تقوليلي مالك !!؟
بقي بانتظار ردّها باصغاءٍ، لتدير رأسها تجاهه، تنظر في عينيه و تقول بثباتٍ تُحسد عليه:
- أنا عايزة أطلّق يا أدهم !