تحميل رواية «اوصيك بقلبي عشقا» PDF
بقلم مريم محمد
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
“كان ثمن الهجرة منكِ غربةٌ و مذلّة ؛ و كأنّي أسير حرب مُهان، الآن و قد عدتُ إلى وطني.. لا آبه إن تشردت أو تسوّلت.. أو حتى أُعتُقلت!” مراد أبو المجد تلبّدت السماء بالغيوم فجأة، في غضون دقائق منذ أن ألقى بزوجته التي طلّقها بقصر عائلتها الفاخر، كان الطقس مُكفهّر مثل مزاجه، بل مثله هو تمامًا. انطلق بسيارته البوجاتي السوداء لا يلوي على أيّ وجهة، هبّ نسيم البحر المنعش وبدأت تسقط قطرات المطر الأولى، أغلق سقف السيارة و حلّ الظلام التام بولوجه إلى ذلك النفق المعتم الطويل. لتتكالب عليه الذكريات دفعةً واحد...
رواية اوصيك بقلبي عشقا الفصل الحادي والأربعون 41 - بقلم مريم محمد
شيء واحد تأكدت منه وكان وقعه عليها مؤلمًا مميتًا بقدر ما كان كارثيًا، وهو أن كل ما مضى، عودة "مراد".. زواجها من "مالك".. ثم خطبتها لـ"مراد" بعد طلاقها وزواجها منه مباشرةً بعد انتهاء العدة.. زفاف الأحلام.. شهر العسل.. كل الحب والغراميات التي تاقت لعيشها برفقته… كانت محض أوهام، حلم وانتهى!!!
كانت ستفقد عقلها فعلًا لهذه الحقيقة الملموسة، ها هي تقف أمام زوجها الحقيقي، تقف أمام "سيف" الذي حسبته ميتًا، إنه حيٌ يرزق أمامها، تعسًا لها ولحظها!!!!
"أكيد بتنامي وتقومي تحلمي باليوم ده!"
شحب جسمها تمامًا وهي تسمعه يقول ذلك بنبرةٍ جمدت الدماء بعروقها، وتراجعت للخلف غريزيًا حين بدأ بالاقتراب منها كالنمر المفترس وهو يقول بصوتٍ كالفحيح:
"بتحلمي باليوم اللي تخلصي مني فيه. مش كده؟ بس أنا مش هاسيبك إلا لما أخلص عليكي خالص يا إيمان.. عارفة إن البيت فاضي علينا إنهاردة. ومالاقتش أحسن من دي فرصة عشان أوفي بوعدي ليكي. فاكرة لما قلت لك إنك أرخص حتى من إني أعزم أقل راجل في شلتي عليكي؟"
في الواقع نعم! إنها تذكر ذلك جيدًا، لقد قال لها ذلك على سبيل الإهانة والمذلة التي يكيلها لها منذ صارت زوجة له، وكانت تفزع من مجرد التهديد بهذا ولا يمكنها أن تستوعب إنه قد يفعل بها ذلك…
حملقت فيه وهي لا تعي نواياه الخبيثة، ولكن ترعبها نظراته الشيطانية وتضربها في الصميم، بينما يستطرد مبتسمًا بقذارة:
"أنا فكرت ولاقيت إنك تستاهلي. بجد. أصلي مش هالاقي هدية قيّمة زيك أقدمها لرجالة مهمين في شغلي وحياتي عمومًا.. انتي إنهاردة نجمة الحفلة. عاوزك تشرّفيني!"
عبست بعدم فهمٍ، فاستدار ليفتح باب الغرفة، ويظهر على الفور مجموعة من الرجال ذوي أجسام ضخمة، لم ترَ في ضخامتهم طوال حياتها، وجوههم مسوّدة، تكوينهم الجسماني عجيب، مرعب، الصدمة جعلتها لا تولي تركيزها كله في أشكالهم، بل في الكارثة الجديدة المحيقة بها…
"اتفضلوا يا رجالة!" هتف "سيف" داعيًا رفقته للدخول.
فتوافد داخل الغرفة عدد ثمانية أفراد تقريبًا، بالكاد صحت "إيمان" من صدمتها وتحركت متقافزة بالمساحة الآمنة التي تفصلها عن أولئك الذئاب، تحاول إيجاد شيء تستر به نفسها، جسمها الذي يغطيه قميصها الرقيق، رأسها العاري.
ولكن لا شيء، لا شيء إطلاقًا، فتلقائيًا رسخت بمكانها وهي تصرخ مستغيثة بزوجها:
"ســـــيف. إيه اللي بتعمله.. طلّعهم برا. طلّعهم يا سيف!!!"
ندت عنه ابتسامة إبليسية وهو يقول بلهجةٍ متضخمة لا تشبه البتة صوته المألوف:
"دول مش طالعين من هنا. إلا لما تسلميهم نفسك. زي ما عملتي قبل ما تتجوزيني مع ابن خالتك.. هاياخدوكي بالذوق أو حتى بالعافية!"
وبهذا المرسوم المفجع الذي تردد صداه في جنبات الغرفة، سار إليها الرجال تباعًا، وقد فشلت بالهرب منهم مع أول خطوة فكرت أن تتخذها بعيدًا عنهم، دفعها أحدهم صوب الفراش بعنفٍ أنتزع من صرخةٍ مدوية، ولكن ذلك لم يردع الذئاب عنها، تكالبوا عليها جميعهم في مشهدٍ لحيواناتٍ برية تنقض على غزالة.
أمام زوجها تجري عملية اغتصابها، تتعرى تمامًا وتغتصب بالفعل وهي تصرخ وتبكي وتناديه حتى كادت أحبالها الصوتية تتمزق:
"ســـــيـــــــــف.. ســـــيـــــــــف…"
ولكن عبثًا.
دون أي جدوى.
كان عليها أن تعاني هذه المرة من أبشع واقعة خشيتها على الإطلاق.
وما من منقذ لها…
*****
حاملًا في يده عمل السوء، حساء الشر، عاد "مراد" إلى المشفى ليجد "أدهم" قد انضم لخالته. الاثنان بداخل الغرفة الخاصة التي نقلت لها زوجته، زوجته الراقدة فوق السرير الطبي، غائبة عن الوعي، تبدو وكأنها نائمة، لا حول لها ولا قوة.
ولكن من انكماش جفنيها، يستطيع تخمين سجايا العذاب التي تعيشها داخل رأسها، ما أعظم معاناتها، تلك الفتاة والصبيّة والمرأة الناضجة، كم تعذبتِ بحياتك يا "إيمان"…
"مراد!" هتفت "أمينة" من حيث تقف عند رأس ابنتها.
التفت "أدهم" نحو ابن خالته وزوج أخته، كانت حالته مزرية كما يرى، أشعث الرأس، ذقنه نامية، الهالات السوداء تحيط بعينيه، كان ضائعًا…
"كنت فين يا باشا؟"
بدت لهجة "أدهم" هجومية بالرغم من ملاحظته حالة "مراد".. بينما الأخير لم يكن يملك أي طاقة تخوله الخوض في مجادلات… أقبل صوب سرير زوجته.. ألقى نظرة مطولة عليها وهاله ما رآه في ملامح وجهها!
كأنما تنازع وحوش، كأن الفزع يفتك بها فتكًا، وكما لو أنه كان بحاجة لدفعة تحسم له قراره… أفاق مرةً أخرى على صوت "أدهم" الغاضب:
"انت ليه بتتصرف من دماغك. وإيه اللي وداك عند عمتي؟ أمي عرفت كل حاجة من لمى. ليه ما استنتش لما أجي ونتصرف سوا. بص لي هنا وقولي عملت إيه!؟"
لم يقاومه "مراد" وهو يقبض على ذراعه ليديره تجاهه، صدم "أدهم" الآن لمرأى تعبير الأخير، كان باردًا كالموتى، بشرته شاحبة، وكأنه بالفعل مقبلٌ على فخٍ مميت…
"إيمان لوحدها يا أدهم!" نطق "مراد" أخيرًا بصوتٍ لا حياة فيه:
"إيمان بعد ده كله. ماتستاهلش تتساب لوحدها.. لازم أكون معاها!"
عبس "أدهم" متسائلًا بدهشة:
"انت بتقول إيه!؟"
نظر له بقوةٍ وكرر بهدوء كأنه يوصيه:
"أنا لازم أكون مع إيمان.. وانت. انت كمان مش هاتسيبها. أوعى تسيبها يا أدهم."
تمتم "أدهم" مجفلًا:
"طيب اهدى. اهدى يا مراد. انت أعصابك آ…"
قاطعه "مراد" بحزمٍ:
"أنا خارج أعمل تليفون. ماتتحركش من جمبها. سامعني؟ هاتعمل كل اللي في وسعك لحد ما تخرجها من اللي هي فيه."
وأشاح عنه ملقيًا نظرة أخيرة عليها، كأنه يودعها، ثم منح خالته وابنها ابتسامة باهتة ما هي إلا اعتذارٍ صامت عن كل خطأ اقترفه بحقهما، عن الخيانة وطعن شرف العائلة كلها…
لم يفهم كلاهما طبيعة نظراته على وجه الدقة، بينما يخرج أمامهما بمنتهى الهدوء، قالت "أمينة" بلهجةٍ قلقة:
"وبعدين يا أدهم. قولي هانتصرف إزاي. أختك بتضيع مننا!!"
يكز "أدهم" على أسنانه ولا يزال يحدق في إثر "مراد".. استدار محدقًا في أمه وهو يقول بغلظةٍ:
"مافيش فايدة. عمتي راجية هي زي ما هي. الشر بيجري في جسمها بدل الدم!"
أمينة بنفاذ صبرٍ:
"أنا مش في عمتك دلوقتي. ياكش تولع. أنا في بنتي. هانسيب أختك كده يا أدهم؟"
فتح فاهه مجددًا ليرد عليها، لكنه لم يكاد يفعل، إذ اقتحمت الممرضة الغرفة فجأة صائحة:
"دكتور أدهم. الأستاذ اللي لسا خارج من عندكوا لاقيناه واقع برا. مش عارفين ماله ولا عارفين نفوّقه!!!"
*****
المشهد يتبدّل من حوله، لقد كان منذ لحظات برواق المشفى بعد أن خرج م غرفته زوجته ليحتسي من تلك القنينة، بمجرد أن رفعها عن فمه، وجد نفسه هنا!
في مكانٍ يعرفه جيدًا، شقة فاخرة، نوافذها توضح بأن البناء عبارة عن ناطحة سحاب، العلو الشاهق، البخار المائي المحيط بالمساحة المربعة.. إن لم يكن في مخطئ وهو حتمًا لا.. فهو الآن قد انتقل بطريقةٍ ما إلى شقة الزوجية التي شاركته العيش بها "هالة البحيري".. طليقته.
إذن.. هل هذا بالفعل أكبر مخاوفه!؟ أن يلتقي بها من جديد!!
"مراد!"
وذاك الذي لم يحسب له حسابًا.
لا يمكن أن تكون الدجالة على حق.
من أين عرفت؟ أنّى لها أن تعرف أن لقاء كهذا كفيلٌ بزعزعة تماسكه!؟؟؟
اللعنة!
إنه حتى لم يرها بعد، إنما فقط سمع صوتها منبعثٌ من ورائه، تلك التي كان يعشقها يومًا ما، الفتاة التي اختارها وتزوجها وخطط لقضاء حياته معها.. "هالة".. إنه معه الآن.. معه…
"حبيبي!" همس حميمي بأنفاس ساخنة ملاصق لأذنه.
ليكتشف بأنها صارت تحتضنه من الخلف، الآن، تضمه بذراعيها، تناجيه بصوتها الأنثوي أرق من النسمات:
"وحشتني أوي. يااااه. وحشتني يا مراد. أنا مش مصدقة.. انت رجعت لي تاني يا حبيبي. أنا وانت بقينا مع بعض. مراد.. حبيبي مراد!"
صوتها وحده، يعبث بعقله كمفعول الخمر ينسيه واقعه والهدف الذي خاض من أجله تلك المغامرة الخطيرة، لوهلةٍ صدق بأنه معها بالفعل، وكأن هذا كله ليس وهمًا، ارتفعت يداه ممسكًا بذراعيها المحيطان بجزعه، رفعهما عنه ليتمكن من الاستدارة إليها، وعُلقت أنفاسه بصدره لحظة وقع بصره عليها!!!
تبًا له!
تبًا!
إنها هي، يُقسم إنها هي، هي نفسها "هالة" وكما يحب أن يراها تمامًا، جميلة، فاتنة، مبتسمة، تبادله العشق بأشدّ مما يبادلها وقد تجلى هذا في نظراتها الوالهة به وهي ترنو إليه هكذا بطريقة لم يعهدها من قبل…
"أخيرًا رجعت لي يا حبيبي!" همست له "هالة" باغواءٍ دومًا ما فلح معها.
شملها "مراد" بنظراتٍ مبهورة، حائرًا بين مشاعره، قبل عام تقريبًا كان يتوق للعودة لها، كاد يفقد عقله عندما طلقها وصارت محرمةً عليه، وها هي الآن بين يديه، تبدي له حبها، فهل يرفض!؟
هذه الزوبعة المتفاقمة بعينيه قرأها الكائن الذي يواجهه، لتبزغ ابتسامةٍ ماكة على شفتيّ "هالة" المزعومة، تقرب وجهها إلى وجهه متمتمة برقةٍ متناهية:
"أنا مش هاسيبك من إنهاردة. أنا ما صدقت ترجع لي. هانفضل مع بعض للأبد.. بحبك يا مراد…"
وشبّت قليلًا لتقبّله على فمه، فمبجرد أن مست شفاهها شفته السفلى ارتفعت يده وقبض على عنقها بقوةٍ، برزت عينيّ "هالة" بصدمة وهي تقول بصعوبةٍ لضغطه على أوردتها وحنجرتها:
"مراد. انت بتعمل إيه. شيل إيدك. انت بتخنقني!!"
اخشوشن صوت "مراد" وهو يرمقها بوحشيةٍ:
"إنتي مش هالة!!!"
وفجأة تلاشى ذعر الأخيرة.. لتحل ذات الابتسامة الشيطانية مكانه وهي تنظر إليه بخبثٍ الآن وتقول:
"كان أحسن لك تتعامل معايا عادي. كده بوّظت اللعبة. شوف ممكن تستحمل تقضي معايا أيامك الجاية إزاي!"
ابتسم "مراد" باستخفافٍ وهو يرد:
"وانت أو انتي مفكرة إني هفضل هنا كتير؟ أنا خارج من هنا قريب أوي."
يخرج الصوت الشبيه بصوت "هالة" عاديًا وكأنه لا يدّعي الاختناق:
"وريني شطارتك!"
استفزه التحدّي الذي تلقّاه من ذاك أيًا من يكون، فاحتدمت الدماء بعروقه وهو يستوجبها بخشونة:
"إيمـان فيـن؟؟؟"
واصلت الأخيرة مضايقته قائلة:
"فتشني يمكن تلاقيها…"
تقلّصت عضلات فكّه بغضبٍ ثائر، ومع ذلك بقيّ هادئًا، لترفع "هالة" المزعومة يدها مزيحة قبضته عن عنقها بسهولةٍ وهي تقول بصوتٍ مغناج:
"انت مش خايف مني. وده واضح جدًا.. مش مشكلة. إيه رأيك نعمل اتفاق. أنا ممكن أخلّي حياتك معايا هنا جنة. انت مش كان نفسك ترجع لهالة؟ هالة أهيه بين إيديك. يلا اعترف. اعترف إنك مانستهاش. وإن أكبر خوف في حياتك إنها تظهر تاني وانت خلاص اتجوزت إيمان. اعترف إن الفكرة عمرها ما راحت من بالك. لو هالة ندمت عليك ورجعت. ممكن تسيب إيمان عشانها.. قول إنك بتحب هالة وإيمان كانت مجرد وسيلة تنسيك حبك. قـول!!"
تغالظت لهجتها بالكلمات الأخيرة، وتسمرّت نظراتها الحمراء على عينيه الرماديتين، ظل تعبيره واجمًا، لم يرد بشيء، فطفى ما يشبه الغيظ على سلوك ذلك الكائن، لتقول نسخة "هالة" بانفعالٍ وقد انتفخ شعر رأسها وحاجبيها مثل قطةٍ في طور الهياج:
"ماتحاولش تقاومني. لازم تستسلم. انت مش هاتلاقي إيمان. ومش هاتعرف تخرج من هنـا!!!"
__________
سلسلة العذاب لا تنتهي.
ولا تعرف كم لبثت من أيامٍ دون أن تعي أو تكتشف حقيقة المؤامرة، كل ما تعرفه إنها مستعبدة، تصدق ما يحدث لها، نجحت الخطة وتوهمت بأنها تعيش الاعتداءات لأيامٍ، كم يوم مرّ عليها وزوجها يحضر لها الرجال ليغتصبوها أمام عينيه؟
لقد تدمرت حقًا.
لا سيما حين صوّب نحوها كاميرا ليسجل لحظات خزيها وهي عارية بين يديّ الرجال ويخبرها:
"كنتي مفكرة إني ممكن أختفي بسهولة من حياتك. كل اللي بيحصل ده هايوصل لإيد أدهم أخوكي. هايشوفك على حقيقتك. هايشوفك زي ما أنا شايفك من أول يوم اتجوزتك.. مومس!"
بقليل من الجهد، كانت لتدرك الخدعة التي تمارس عليها، ولكن ما يحدث بدا حقيقيًا، حسيًا، إنها تشعر وكأنه يحدث بالفعل، وقد استنزفت كل طاقتها في البكاء والمقاومة، لم تصمد، لم تنجح محاولة واحدة لردع الشر عنها.
ولا تعرف كيف تبدل المشهد من حولها، من شدة الكمد لم تهتم بالتغييرات التي طرأت، وجدت نفسها فجأة بهذا المكان، مكبلة من يديها إلى عامودٍ خرساني، تماثل أمامها كلًا من "سيف" و"أدهم"… "أدهم"!!!!
لقد جاء.
لقد أخبره.. ها قد تحقق أبشع كوابيسها… شقيقها يقف أمامها.. علم بكل شيء.. يواجهها والغضب يعتمل بنظراته ونبرات صوته التي شابهت صوت أبيها إلى حدٍ كبير:
"انتي تعملي كده. انتي تقعي في الذنب ده. أختي أنا.. أختي أنا تزني. أختي اللي ربّيتها. اللي اتعلمت من أبونا الشيخ صلاح عمران واللي علّمتها بنفسي.. انتي توسّخي اسم عيلتنا. تحطي راسنا كلنا في الوحل. انتي يا إيمـان!!؟؟؟"
تفلت الشهقات من بين شفاهها الآن وهي تنطق باكية بضعفٍ كمن يهذي:
"ماكنش قصدي. كل حاجة حصلت غصب عني. أنا حبيت مراد. وسيف غدر بيا.. أنا خلاص مش عايزة أعيش. مش عايزة. أرجوك ريّحني يا ادهم. ريّحني من العذاب. مش قادرة أتحمله. أرجوك…"
رد عليها أخوها بقساوة اقتنعت باسحقاقها:
"إحنا اللي هانرتاح منك. أكيد.. بس مش قبل ما أبري ذمتي قدام أمك. أمي لازم تعرف بنتها عملت إيه!!"
هزت "إيمان" رأسها ترجوه وترجوه، تتوسله:
"لأ. عشان خاطري. لأ يا ادهم."
ولكنه ابتسم ببرودٍ غير مباليًا، أشار لها برأسه للأمام، فتبعت إشارته، لترى عبر واجهة زجاجية، والدتها تقف أمام رجل، تجادله وهي تتساءل بذعرٍ واضح عنهما: "ولادي فيــــن؟"
راقبت "إيمان" بقلبٍ واجف ما يجري بالخارج وكأنها تراه عن قرب، من جميع الجهات…
"بنتك يا حجة أمينة ارتكبت كبيرة من الكبائر. الزنا.. وهي بنفسها اعترفت بخطيئتها. وبموافقتها بردو هتنال جزائها. لاجل ما تطهر منه في الدنيا. بدل ما يخلص منها في الآخرة. وانتِ عارفة الفرق بينهم إيه!"
جحظت عينيّ "أمينة" وهي تسأله لآخر مرة لتتأكد من شكّها:
"تطهر منه إزاي!؟"
جاوبها الأخير مكشرًا بقتامةٍ:
"حسب اعترافاتها فعلته قبل الزواج. يعني تقع عليها نصف العقوبة.. أي الجلد. بنتك يا حجة هاتُجلد مائة جلدة. واللي هاينفذ الحد فيها ابنك. الدكتور أدهم!"
وهنا فقدت "أمينة" صوابها فورًا صارخة:
"لأااااااااااااااااااااااااااا. لأاااااااااا. أدهــــــــــــــــــــــــــــــــــــــم. أدهــــــــــــــــــــــــــــم!!!!"
على الطرف الآخر تنهار "إيمان" بدورها وهي تعاود النظر إلى أخيها، وكان عزاؤها الوحيد بأنها مسألة وقتٍ، هي واثقة من إنها النهاية.
كل شيء سينتهي.
يبقى القليل.
القليل فقط…
___________
لم يزده ثورانها هذا إلا إصرارًا على هدفه، وثقة بأنه قادرًا على الخروج من هنا، رغم كل المؤشرات التي تؤكد عدم إمكانية ذلك، فهذه الشقة بلا أبواب أو نوافذ مفتوحة.
إنه حبيس.
كيف سيخرج!؟
بدأت نسخة "هالة" المزعومة تستعيد قناع الخبث الواثق وهي ترى حيرة "مراد" تتزايد، وقالت كأنما انتصرت بالفعل:
"مافيش قدامك غير الاستسلام. طاوعني.. وأنا هاعيشك الباقي كله مبسوط ومرتاح!"
ما لم تعرفه أن صمته لم ينم عن حيرة، بل كان يدرس كلامها، ولا يعرف ما الذي ربط بين الأبواب وكلمة السر بعقله، لقد قفزت هكذا بخاطره تدلّه على المخرج الوحيد.
كلمة السر.
درس من دروس زوجته، كلما ضيّعت شيئًا، كلما أرادت شيئًا، لا تردد سوى جملة واحدة.. وهي ما صاح بها ملء فمه وهو يصوّب نظراته القوية لعينّي خصمه:
"الله أكبر!!!"
يجفل للحظة حين يختلّ كل شيء من حوله، وكأن العالم يتهاوى، بينما المجسم الذي اتخذ شكل طليقته وكأنه بناء من رمال آيل للسقوط، ابتعدت عنه في الحال وقد ارتسم الرعب على وجهها الشيطاني…
ابتسم "مراد" بانتصارٍ من حقه هو الآن، فقالت الأخيرة بلهجتها الغليظة الحقيقية:
"حتى لو عرفت تخرج. مش هاتقدر تخرجها. لازم هي اللي تقرر!"
وصدر صوت أقفال في هذه اللحظة، لينظر "مراد" ويرى بوابتين مجاورتين بالجدار أمامه، وسمع صوتها من ورائه تقول قبل أن تختفي:
"قدامك باب يخرجك من هنا. وباب يوديك لإيمان. عندك فرصة واحدة بس عشان تخرج. لو روحت لها وماخرجتش. هاتفضلوا هنا للأبد!!!"
___________
أمامه سريران بالغرفة، بعد أن كان سريرًا واحد، صارت أخته وزوجها في نفس الحال، غائبان عن الوعي لنفس الأسباب المجهولة، هذه "إيمان" وهذا "مراد".. كيف يصنع الآن؟
"دكتور أدهم!"
التفت "أدهم" نحو زميله الذي اقتحم الغرفة في هذه اللحظة ممسكًا بتقريره الطبي:
"نتيجة التحاليل طلعت. العقار المتبقي مع زوج أختك بيحتوي على نسبة عالٍ من مخدر إكستاسي."
أخذ أدهم الأوراق من بين يديه وتفحصها عابسًا، قامت أمه من مكانها تقف إلى جواره وهي تكف عن البكاء الصامت بصعوبة، تصيخ السمع فقط لتطمئن، بينما يدمدم "أدهم":
"دي حبوب هلوسة!"
أومأ زميله قائلًا:
"بالظبط. نسبته كبيرة جدًا. وكمان في مكونات تانية معظمها أعشاب وحمض نووي. مركبات معقدة بس مش هي السبب الرئيسي في فقدان الوعي. السبب الرئيسي للأسف غير محدد لغاية دلوقتي."
زم "أدهم" شفتيه وهو يومئ متفهمًا وقال:
"تمام يا دكتور. متشكر. هما على كل حال هايفضلوا تحت الملاحظة. وبأمر الله الليلة دي هايناموا في بيتهم. مش هنا!"
يصرف "أدهم" زميله أولًا، ثم يستأذن من والدته لبضع دقائق، وعندما عاد طلب منها أن تنتظر قليلًا بالخارج فأطاعته.
ليتوجه نحو الطاولة الوحيدة بالغرفة ويصب كأسًا من الماء، يضيف له كمية وفيرة من الملح ويغطّي فوّهته بكفّه وهو يحرك شفتيه بقراءة بعض الآيات القرآنية والأدعية.
ينتهي بعد دقائق، ثم يمضي صوب أخته، يدس يده أسفل عنقها ويرفعها عن الوسادة ليتمكن من دفع الكأس إلى حافة فمها…
"بسم الله!" يردد "أدهم" بحزمٍ واثقًا مما يفعله.
ليترك شقيقته وينتقل إلى "مراد".. يفعل معه المثل.
ثم يقف بين الاثنان ولا يزال يمسك كأس المياه، اتسم وجهه بتعبيرٍ صارمٍ وهو يخاطب كليهما وكأنهما يسمعانه:
"مراد وإيمان. انتوا سامعينّي. انتوا كويسين. إللي فيكوا ده مش حاجة. انتوا متخدّرين. وعيكوا في إيديكوا. انتوا اللي تقدروا تصحوا بنفسكوا. محدش فيكوا يصدق الخدعة دي. أي دجل أو خرافة مالهاش أصل ولا معنى.. أنا عارف إنكوا سامعينّي.. بأكدها تاني. دي خدعة. ماتصدقوهاش!!"
__________
كانت تستعد لأول ضربة من السوط، ولا تعرف كيف جاء "مراد".. لم يكن هذا ما تريده.
لكنه أتى، شعرت بذراعيه تحيطان بها، وسمعت صوته يخترق أذنيها:
"إيمـــان. فتّحي عنيكي. بصيلي. إيمان. ده مش حقيقي. إللي شوفتيه كله مش حقيقي. إيمــان…"
لكنها لم تنصت له.
لم تصدقه.
لم تسمع سوى صوت أخيها، ولم تصدق إلا ما قاله، عندما انبعث صوته من مكانٍ ما، يخبرها بأنها خدعة، كل هذا محض خداع، أوهام لا أساس لها.
إنفتح جفناها في هذه اللحظة، لتصطدم برؤية "مراد".. يطلّ عليها ممسكًا وجهها بكلتا يديه، القلق ملء عينيه…
"مراد!" نطقت بصوتٍ يقطر ألمًا.
طمأنها "مراد" مآزرًا:
"ماتخافيش. أنا هنا جمبك. مش هاسيبك أبدًا. بس ساعديني يا إيمان.. سمعتي أدهم. ركزي في كلامه. أنا مش هاخرج من هنا إلا بيكي!"
بدأ العالم المصطنع يتهاوى من حولهما بالفعل، كلما صدقت ما قاله أخيها، كلما استمعت أكثر إلى "مراد".. أغمضت عينيها مطلقة صرخة من أعمق أعماقها لكي لا تترك شيئًا بداخلها وهي تتحرر من كل هواجسها وكوابيسها…
*****
يصب "أدهم" ما تبقّى من كأس المياه في راحة يده، لينثرها فوق وجهيّ "مراد" و"إيمان" بالتساوي وهو يردد بصوتٍ مسموع:
"أعوذ بالله وقدرته من شرّ ما أجد وأحاذر.
أذهب البأس رب الناس، واشف أنت الشافي لا شفاء إلا شفاؤك شفاءً لا يغادر سقمًا.
أعوذ بكلمات الله التامّة من كلّ شيطانٍ وهامّةٍ وكلّ عينٍ لامةٍ.
أعوذ بكلمات الله التامّات من شرّ ما خلق.
اللهم صلِ على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميدٌ مجيدٌ، اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميدٌ مجيد.
بسم الله الرحمن الرحيم.. لَوْ أَنزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُّتَصَدِّعًا مِّنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاء الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ.
بسم الله الرحمن الرحيم.. قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآَنًا عَجَبًا يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآَمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا*وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلَا وَلَدًاب.
بسم الله الرحمن الرحيم.. «وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلاَّ خَسارًا».
بسم الله الرحمن الرحيم.. قَالُوا يَا مُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى قَالَ بَلْ أَلْقُوا فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى قُلْنَا لا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الأَعْلَى وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى …"
لم يتوقف لسانه عن ترديد الآيات، بل أزاد وهو يرى بوادر عودة كليهما إلى الوعي… ثم جاءت صحوة "مراد" أولًا.
إذ انتفض من السرير فاتحًا عينيه على مصراعيهما وهو يسعل بحدة، قفز من مكانه تجاه النافذة القريبة، ليفرغ معدته على الفور…
اتجه "أدهم" نحو أخته الآن مناديًا إياها بحزمٍ:
"إيمان. فوقي. اصحي يا إيمان. انت سامعاني.. أنا أدهم. إيمان!!"
تمتمت "إيمان" بصعوبةٍ ومن تحت وطأة الغصة شديدة المرارة بحلقها:
"أدهم!"
لم تفتح عيناها بعد، وقد استشف "أدهم" رغبتها بالتقيؤ هي الأخرى، فحملها على الفور من السرير إلى المرحاض الملحق بالغرفة، ما لبث أن تبعهما "مراد" مرنحًا، في نفس اللحظة التي ولجت فيها "أمينة" مذهولة وفرحة في آنٍ.
هتفت من وراء ظهريّ "مراد" و"أدهم":
"إيمان. بنتي.. يا حبيبتي يابنتي. يا حبيبتي…"
*****
ملأ الصياح المعترض البيت القذر للدجالة الملعونة…
ركلت المرجل المشتعل وهي تحتج على الأخبار التي وصلت إليها، ولا ينفك لسانها يردد بغيظٍ شديد:
"لأ. لأ يا راجية.. يا غبية. حسابي معاكي بعدين. انتي كنتي هاتضيعيني أنا. ماقولتليش إنه قادر كده. ماقولتليش إنه عارف.. عارف بيعمل إيه… أنا مقدرتش عليه. بس أنا هقدر عليكي انتي. أصبري عليا يا راجية!!!"
*****
"غسيل معوي!" قالها الطبيب الشاب مدهوشًا.
ابتسم له "أدهم" ببساطةٍ وقال:
"المركبات اللي دخلت جسمهم كانت عن طريق أكل أو شرب. فكرت أعمل محاولة والحمدلله نجحت."
آيده الطبيب قائلًا:
"كنا هانعمل كده بالفعل بس لما يفوقوا. الفكرة إنهم فقدوا الوعي بطريقة غريبة. لو استنيت شوية كنا عملنا غسيل المعدة على أي حال عشان نلحقهم بس. كويس إنها ماطلعتش حالة تسمم."
زم "أدهم" شفتيه وهو يومئ متفهمًا وقال:
"تمام يا دكتور. متشكر. هما على كل حال هايفضلوا تحت الملاحظة. وبأمر الله الليلة دي هايناموا في بيتهم. مش هنا!"
يصرف "أدهم" زميله أولًا، ثم يستأذن من والدته لبضع دقائق، وعندما عاد طلب منها أن تنتظر قليلًا بالخارج فأطاعته.
ليتوجه نحو الطاولة الوحيدة بالغرفة ويصب كأسًا من الماء، يضيف له كمية وفيرة من الملح ويغطّي فوّهته بكفّه وهو يحرك شفتيه بقراءة بعض الآيات القرآنية والأدعية.
ينتهي بعد دقائق، ثم يمضي صوب أخته، يدس يده أسفل عنقها ويرفعها عن الوسادة ليتمكن من دفع الكأس إلى حافة فمها…
"بسم الله!" يردد "أدهم" بحزمٍ واثقًا مما يفعله.
ليترك شقيقته وينتقل إلى "مراد".. يفعل معه المثل.
ثم يقف بين الاثنان ولا يزال يمسك كأس المياه، اتسم وجهه بتعبيرٍ صارمٍ وهو يخاطب كليهما وكأنهما يسمعانه:
"مراد وإيمان. انتوا سامعينّي. انتوا كويسين. إللي فيكوا ده مش حاجة. انتوا متخدّرين. وعيكوا في إيديكوا. انتوا اللي تقدروا تصحوا بنفسكوا. محدش فيكوا يصدق الخدعة دي. أي دجل أو خرافة مالهاش أصل ولا معنى.. أنا عارف إنكوا سامعينّي.. بأكدها تاني. دي خدعة. ماتصدقوهاش!!"
__________
كانت تستعد لأول ضربة من السوط، ولا تعرف كيف جاء "مراد".. لم يكن هذا ما تريده.
لكنه أتى، شعرت بذراعيه تحيطان بها، وسمعت صوته يخترق أذنيها:
"إيمـــان. فتّحي عنيكي. بصيلي. إيمان. ده مش حقيقي. إللي شوفتيه كله مش حقيقي. إيمــان…"
لكنها لم تنصت له.
لم تصدقه.
لم تسمع سوى صوت أخيها، ولم تصدق إلا ما قاله، عندما انبعث صوته من مكانٍ ما، يخبرها بأنها خدعة، كل هذا محض خداع، أوهام لا أساس لها.
إنفتح جفناها في هذه اللحظة، لتصطدم برؤية "مراد".. يطلّ عليها ممسكًا وجهها بكلتا يديه، القلق ملء عينيه…
"مراد!" نطقت بصوتٍ يقطر ألمًا.
طمأنها "مراد" مآزرًا:
"ماتخافيش. أنا هنا جمبك. مش هاسيبك أبدًا. بس ساعديني يا إيمان.. سمعتي أدهم. ركزي في كلامه. أنا مش هاخرج من هنا إلا بيكي!"
بدأ العالم المصطنع يتهاوى من حولهما بالفعل، كلما صدقت ما قاله أخيها، كلما استمعت أكثر إلى "مراد".. أغمضت عينيها مطلقة صرخة من أعمق أعماقها لكي لا تترك شيئًا بداخلها وهي تتحرر من كل هواجسها وكوابيسها…
*****
يصب "أدهم" ما تبقّى من كأس المياه في راحة يده، لينثرها فوق وجهيّ "مراد" و"إيمان" بالتساوي وهو يردد بصوتٍ مسموع:
"أعوذ بالله وقدرته من شرّ ما أجد وأحاذر.
أذهب البأس رب الناس، واشف أنت الشافي لا شفاء إلا شفاؤك شفاءً لا يغادر سقمًا.
أعوذ بكلمات الله التامّة من كلّ شيطانٍ وهامّةٍ وكلّ عينٍ لامةٍ.
أعوذ بكلمات الله التامّات من شرّ ما خلق.
اللهم صلِ على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميدٌ مجيدٌ، اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميدٌ مجيد.
بسم الله الرحمن الرحيم.. لَوْ أَنزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُّتَصَدِّعًا مِّنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاء الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ.
بسم الله الرحمن الرحيم.. قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآَنًا عَجَبًا يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآَمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا*وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلَا وَلَدًاب.
بسم الله الرحمن الرحيم.. «وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلاَّ خَسارًا».
بسم الله الرحمن الرحيم.. قَالُوا يَا مُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى قَالَ بَلْ أَلْقُوا فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى قُلْنَا لا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الأَعْلَى وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى …"
لم يتوقف لسانه عن ترديد الآيات، بل أزاد وهو يرى بوادر عودة كليهما إلى الوعي… ثم جاءت صحوة "مراد" أولًا.
إذ انتفض من السرير فاتحًا عينيه على مصراعيهما وهو يسعل بحدة، قفز من مكانه تجاه النافذة القريبة، ليفرغ معدته على الفور…
اتجه "أدهم" نحو أخته الآن مناديًا إياها بحزمٍ:
"إيمان. فوقي. اصحي يا إيمان. انت سامعاني.. أنا أدهم. إيمان!!"
تمتمت "إيمان" بصعوبةٍ ومن تحت وطأة الغصة شديدة المرارة بحلقها:
"أدهم!"
لم تفتح عيناها بعد، وقد استشف "أدهم" رغبتها بالتقيؤ هي الأخرى، فحملها على الفور من السرير إلى المرحاض الملحق بالغرفة، ما لبث أن تبعهما "مراد" مرنحًا، في نفس اللحظة التي ولجت فيها "أمينة" مذهولة وفرحة في آنٍ.
هتفت من وراء ظهريّ "مراد" و"أدهم":
"إيمان. بنتي.. يا حبيبتي يابنتي. يا حبيبتي…"
*****
ملأ الصياح المعترض البيت القذر للدجالة الملعونة…
ركلت المرجل المشتعل وهي تحتج على الأخبار التي وصلت إليها، ولا ينفك لسانها يردد بغيظٍ شديد:
"لأ. لأ يا راجية.. يا غبية. حسابي معاكي بعدين. انتي كنتي هاتضيعيني أنا. ماقولتليش إنه قادر كده. ماقولتليش إنه عارف.. عارف بيعمل إيه… أنا مقدرتش عليه. بس أنا هقدر عليكي انتي. أصبري عليا يا راجية!!!"
*****
"غسيل معوي!" قالها الطبيب الشاب مدهوشًا.
ابتسم له "أدهم" ببساطةٍ وقال:
"المركبات اللي دخلت جسمهم كانت عن طريق أكل أو شرب. فكرت أعمل محاولة والحمدلله نجحت."
آيده الطبيب قائلًا:
"كنا هانعمل كده بالفعل بس لما يفوقوا. الفكرة إنهم فقدوا الوعي بطريقة غريبة. لو استنيت شوية كنا عملنا غسيل المعدة على أي حال عشان نلحقهم بس. كويس إنها ماطلعتش حالة تسمم."
زم "أدهم" شفتيه وهو يومئ متفهمًا وقال:
"تمام يا دكتور. متشكر. هما على كل حال هايفضلوا تحت الملاحظة. وبأمر الله الليلة دي هايناموا في بيتهم. مش هنا!"
يصرف "أدهم" زميله أولًا، ثم يستأذن من والدته لبضع دقائق، وعندما عاد طلب منها أن تنتظر قليلًا بالخارج فأطاعته.
ليتوجه نحو الطاولة الوحيدة بالغرفة ويصب كأسًا من الماء، يضيف له كمية وفيرة من الملح ويغطّي فوّهته بكفّه وهو يحرك شفتيه بقراءة بعض الآيات القرآنية والأدعية.
ينتهي بعد دقائق، ثم يمضي صوب أخته، يدس يده أسفل عنقها ويرفعها عن الوسادة ليتمكن من دفع الكأس إلى حافة فمها…
"بسم الله!" يردد "أدهم" بحزمٍ واثقًا مما يفعله.
ليترك شقيقته وينتقل إلى "مراد".. يفعل معه المثل.
ثم يقف بين الاثنان ولا يزال يمسك كأس المياه، اتسم وجهه بتعبيرٍ صارمٍ وهو يخاطب كليهما وكأنهما يسمعانه:
"مراد وإيمان. انتوا سامعينّي. انتوا كويسين. إللي فيكوا ده مش حاجة. انتوا متخدّرين. وعيكوا في إيديكوا. انتوا اللي تقدروا تصحوا بنفسكوا. محدش فيكوا يصدق الخدعة دي. أي دجل أو خرافة مالهاش أصل ولا معنى.. أنا عارف إنكوا سامعينّي.. بأكدها تاني. دي خدعة. ماتصدقوهاش!!"
__________
كانت تستعد لأول ضربة من السوط، ولا تعرف كيف جاء "مراد".. لم يكن هذا ما تريده.
لكنه أتى، شعرت بذراعيه تحيطان بها، وسمعت صوته يخترق أذنيها:
"إيمـــان. فتّحي عنيكي. بصيلي. إيمان. ده مش حقيقي. إللي شوفتيه كله مش حقيقي. إيمــان…"
لكنها لم تنصت له.
لم تصدقه.
لم تسمع سوى صوت أخيها، ولم تصدق إلا ما قاله، عندما انبعث صوته من مكانٍ ما، يخبرها بأنها خدعة، كل هذا محض خداع، أوهام لا أساس لها.
إنفتح جفناها في هذه اللحظة، لتصطدم برؤية "مراد".. يطلّ عليها ممسكًا وجهها بكلتا يديه، القلق ملء عينيه…
"مراد!" نطقت بصوتٍ يقطر ألمًا.
طمأنها "مراد" مآزرًا:
"ماتخافيش. أنا هنا جمبك. مش هاسيبك أبدًا. بس ساعديني يا إيمان.. سمعتي أدهم. ركزي في كلامه. أنا مش هاخرج من هنا إلا بيكي!"
بدأ العالم المصطنع يتهاوى من حولهما بالفعل، كلما صدقت ما قاله أخيها، كلما استمعت أكثر إلى "مراد".. أغمضت عينيها مطلقة صرخة من أعمق أعماقها لكي لا تترك شيئًا بداخلها وهي تتحرر من كل هواجسها وكوابيسها…
*****
يصب "أدهم" ما تبقّى من كأس المياه في راحة يده، لينثرها فوق وجهيّ "مراد" و"إيمان" بالتساوي وهو يردد بصوتٍ مسموع:
"أعوذ بالله وقدرته من شرّ ما أجد وأحاذر.
أذهب البأس رب الناس، واشف أنت الشافي لا شفاء إلا شفاؤك شفاءً لا يغادر سقمًا.
أعوذ بكلمات الله التامّة من كلّ شيطانٍ وهامّةٍ وكلّ عينٍ لامةٍ.
أعوذ بكلمات الله التامّات من شرّ ما خلق.
اللهم صلِ على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميدٌ مجيدٌ، اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميدٌ مجيد.
بسم الله الرحمن الرحيم.. لَوْ أَنزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُّتَصَدِّعًا مِّنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاء الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ.
بسم الله الرحمن الرحيم.. قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآَنًا عَجَبًا يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآَمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا*وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلَا وَلَدًاب.
بسم الله الرحمن الرحيم.. «وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلاَّ خَسارًا».
بسم الله الرحمن الرحيم.. قَالُوا يَا مُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى قَالَ بَلْ أَلْقُوا فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى قُلْنَا لا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الأَعْلَى وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى …"
لم يتوقف لسانه عن ترديد الآيات، بل أزاد وهو يرى بوادر عودة كليهما إلى الوعي… ثم جاءت صحوة "مراد" أولًا.
إذ انتفض من السرير فاتحًا عينيه على مصراعيهما وهو يسعل بحدة، قفز من مكانه تجاه النافذة القريبة، ليفرغ معدته على الفور…
اتجه "أدهم" نحو أخته الآن مناديًا إياها بحزمٍ:
"إيمان. فوقي. اصحي يا إيمان. انت سامعاني.. أنا أدهم. إيمان!!"
تمتمت "إيمان" بصعوبةٍ ومن تحت وطأة الغصة شديدة المرارة بحلقها:
"أدهم!"
لم تفتح عيناها بعد، وقد استشف "أدهم" رغبتها بالتقيؤ هي الأخرى، فحملها على الفور من السرير إلى المرحاض الملحق بالغرفة، ما لبث أن تبعهما "مراد" مرنحًا، في نفس اللحظة التي ولجت فيها "أمينة" مذهولة وفرحة في آنٍ.
هتفت من وراء ظهريّ "مراد" و"أدهم":
"إيمان. بنتي.. يا حبيبتي يابنتي. يا حبيبتي…"
*****
ملأ الصياح المعترض البيت القذر للدجالة الملعونة…
ركلت المرجل المشتعل وهي تحتج على الأخبار التي وصلت إليها، ولا ينفك لسانها يردد بغيظٍ شديد:
"لأ. لأ يا راجية.. يا غبية. حسابي معاكي بعدين. انتي كنتي هاتضيعيني أنا. ماقولتليش إنه قادر كده. ماقولتليش إنه عارف.. عارف بيعمل إيه… أنا مقدرتش عليه. بس أنا هقدر عليكي انتي. أصبري عليا يا راجية!!!"
*****
"غسيل معوي!" قالها الطبيب الشاب مدهوشًا.
ابتسم له "أدهم" ببساطةٍ وقال:
"المركبات اللي دخلت جسمهم كانت عن طريق أكل أو شرب. فكرت أعمل محاولة والحمدلله نجحت."
آيده الطبيب قائلًا:
"كنا هانعمل كده بالفعل بس لما يفوقوا. الفكرة إنهم فقدوا الوعي بطريقة غريبة. لو استنيت شوية كنا عملنا غسيل المعدة على أي حال عشان نلحقهم بس. كويس إنها ماطلعتش حالة تسمم."
زم "أدهم" شفتيه وهو يومئ متفهمًا وقال:
"تمام يا دكتور. متشكر. هما على كل حال هايفضلوا تحت الملاحظة. وبأمر الله الليلة دي هايناموا في بيتهم. مش هنا!"
يصرف "أدهم" زميله أولًا، ثم يستأذن من والدته لبضع دقائق، وعندما عاد طلب منها أن تنتظر قليلًا بالخارج فأطاعته.
ليتوجه نحو الطاولة الوحيدة بالغرفة ويصب كأسًا من الماء، يضيف له كمية وفيرة من الملح ويغطّي فوّهته بكفّه وهو يحرك شفتيه بقراءة بعض الآيات القرآنية والأدعية.
ينتهي بعد دقائق، ثم يمضي صوب أخته، يدس يده أسفل عنقها ويرفعها عن الوسادة ليتمكن من دفع الكأس إلى حافة فمها…
"بسم الله!" يردد "أدهم" بحزمٍ واثقًا مما يفعله.
ليترك شقيقته وينتقل إلى "مراد".. يفعل معه المثل.
ثم يقف بين الاثنان ولا يزال يمسك كأس المياه، اتسم وجهه بتعبيرٍ صارمٍ وهو يخاطب كليهما وكأنهما يسمعانه:
"مراد وإيمان. انتوا سامعينّي. انتوا كويسين. إللي فيكوا ده مش حاجة. انتوا متخدّرين. وعيكوا في إيديكوا. انتوا اللي تقدروا تصحوا بنفسكوا. محدش فيكوا يصدق الخدعة دي. أي دجل أو خرافة مالهاش أصل ولا معنى.. أنا عارف إنكوا سامعينّي.. بأكدها تاني. دي خدعة. ماتصدقوهاش!!"
__________
كانت تستعد لأول ضربة من السوط، ولا تعرف كيف جاء "مراد".. لم يكن هذا ما تريده.
لكنه أتى، شعرت بذراعيه تحيطان بها، وسمعت صوته يخترق أذنيها:
"إيمـــان. فتّحي عنيكي. بصيلي. إيمان. ده مش حقيقي. إللي شوفتيه كله مش حقيقي. إيمــان…"
لكنها لم تنصت له.
لم تصدقه.
لم تسمع سوى صوت أخيها، ولم تصدق إلا ما قاله، عندما انبعث صوته من مكانٍ ما، يخبرها بأنها خدعة، كل هذا محض خداع، أوهام لا أساس لها.
إنفتح جفناها في هذه اللحظة، لتصطدم برؤية "مراد".. يطلّ عليها ممسكًا وجهها بكلتا يديه، القلق ملء عينيه…
"مراد!" نطقت بصوتٍ يقطر ألمًا.
طمأنها "مراد" مآزرًا:
"ماتخافيش. أنا هنا جمبك. مش هاسيبك أبدًا. بس ساعديني يا إيمان.. سمعتي أدهم. ركزي في كلامه. أنا مش هاخرج من هنا إلا بيكي!"
بدأ العالم المصطنع يتهاوى من حولهما بالفعل، كلما صدقت ما قاله أخيها، كلما استمعت أكثر إلى "مراد".. أغمضت عينيها مطلقة صرخة من أعمق أعماقها لكي لا تترك شيئًا بداخلها وهي تتحرر من كل هواجسها وكوابيسها…
*****
يصب "أدهم" ما تبقّى من كأس المياه في راحة يده، لينثرها فوق وجهيّ "مراد" و"إيمان" بالتساوي وهو يردد بصوتٍ مسموع:
"أعوذ بالله وقدرته من شرّ ما أجد وأحاذر.
أذهب البأس رب الناس، واشف أنت الشافي لا شفاء إلا شفاؤك شفاءً لا يغادر سقمًا.
أعوذ بكلمات الله التامّة من كلّ شيطانٍ وهامّةٍ وكلّ عينٍ لامةٍ.
أعوذ بكلمات الله التامّات من شرّ ما خلق.
اللهم صلِ على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميدٌ مجيدٌ، اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميدٌ مجيد.
بسم الله الرحمن الرحيم.. لَوْ أَنزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُّتَصَدِّعًا مِّنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاء الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ.
بسم الله الرحمن الرحيم.. قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآَنًا عَجَبًا يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآَمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا*وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلَا وَلَدًاب.
بسم الله الرحمن الرحيم.. «وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلاَّ خَسارًا».
بسم الله الرحمن الرحيم.. قَالُوا يَا مُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى قَالَ بَلْ أَلْقُوا فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى قُلْنَا لا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الأَعْلَى وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى …"
لم يتوقف لسانه عن ترديد الآيات، بل أزاد وهو يرى بوادر عودة كليهما إلى الوعي… ثم جاءت صحوة "مراد" أولًا.
إذ انتفض من السرير فاتحًا عينيه على مصراعيهما وهو يسعل بحدة، قفز من مكانه تجاه النافذة القريبة، ليفرغ معدته على الفور…
اتجه "أدهم" نحو أخته الآن مناديًا إياها بحزمٍ:
"إيمان. فوقي. اصحي يا إيمان. انت سامعاني.. أنا أدهم. إيمان!!"
تمتمت "إيمان" بصعوبةٍ ومن تحت وطأة الغصة شديدة المرارة بحلقها:
"أدهم!"
لم تفتح عيناها بعد، وقد استشف "أدهم" رغبتها بالتقيؤ هي الأخرى، فحملها على الفور من السرير إلى المرحاض الملحق بالغرفة، ما لبث أن تبعهما "مراد" مرنحًا، في نفس اللحظة التي ولجت فيها "أمينة" مذهولة وفرحة في آنٍ.
هتفت من وراء ظهريّ "مراد" و"أدهم":
"إيمان. بنتي.. يا حبيبتي يابنتي. يا حبيبتي…"
*****
ملأ الصياح المعترض البيت القذر للدجالة الملعونة…
ركلت المرجل المشتعل وهي تحتج على الأخبار التي وصلت إليها، ولا ينفك لسانها يردد بغيظٍ شديد:
"لأ. لأ يا راجية.. يا غبية. حسابي معاكي بعدين. انتي كنتي هاتضيعيني أنا. ماقولتليش إنه قادر كده. ماقولتليش إنه عارف.. عارف بيعمل إيه… أنا مقدرتش عليه. بس أنا هقدر عليكي انتي. أصبري عليا يا راجية!!!"
*****
"غسيل معوي!" قالها الطبيب الشاب مدهوشًا.
ابتسم له "أدهم" ببساطةٍ وقال:
"المركبات اللي دخلت جسمهم كانت عن طريق أكل أو شرب. فكرت أعمل محاولة والحمدلله نجحت."
آيده الطبيب قائلًا:
"كنا هانعمل كده بالفعل بس لما يفوقوا. الفكرة إنهم فقدوا الوعي بطريقة غريبة. لو استنيت شوية كنا عملنا غسيل المعدة على أي حال عشان نلحقهم بس. كويس إنها ماطلعتش حالة تسمم."
زم "أدهم" شفتيه وهو يومئ متفهمًا وقال:
"تمام يا دكتور. متشكر. هما على كل حال هايفضلوا تحت الملاحظة. وبأمر الله الليلة دي هايناموا في بيتهم. مش هنا!"
يصرف "أدهم" زميله أولًا، ثم يستأذن من والدته لبضع دقائق، وعندما عاد طلب منها أن تنتظر قليلًا بالخارج فأطاعته.
ليتوجه نحو الطاولة الوحيدة بالغرفة ويصب كأسًا من الماء، يضيف له كمية وفيرة من الملح ويغطّي فوّهته بكفّه وهو يحرك شفتيه بقراءة بعض الآيات القرآنية والأدعية.
ينتهي بعد دقائق، ثم يمضي صوب أخته، يدس يده أسفل عنقها ويرفعها عن الوسادة ليتمكن من دفع الكأس إلى حافة فمها…
"بسم الله!" يردد "أدهم" بحزمٍ واثقًا مما يفعله.
ليترك شقيقته وينتقل إلى "مراد".. يفعل معه المثل.
ثم يقف بين الاثنان ولا يزال يمسك كأس المياه، اتسم وجهه بتعبيرٍ صارمٍ وهو يخاطب كليهما وكأنهما يسمعانه:
"مراد وإيمان. انتوا سامعينّي. انتوا كويسين. إللي فيكوا ده مش حاجة. انتوا متخدّرين. وعيكوا في إيديكوا. انتوا اللي تقدروا تصحوا بنفسكوا. محدش فيكوا يصدق الخدعة دي. أي دجل أو خرافة مالهاش أصل ولا معنى.. أنا عارف إنكوا سامعينّي.. بأكدها تاني. دي خدعة. ماتصدقوهاش!!"
__________
كانت تستعد لأول ضربة من السوط، ولا تعرف كيف جاء "مراد".. لم يكن هذا ما تريده.
لكنه أتى، شعرت بذراعيه تحيطان بها، وسمعت صوته يخترق أذنيها:
"إيمـــان. فتّحي عنيكي. بصيلي. إيمان. ده مش حقيقي. إللي شوفتيه كله مش حقيقي. إيمــان…"
لكنها لم تنصت له.
لم تصدقه.
لم تسمع سوى صوت أخيها، ولم تصدق إلا ما قاله، عندما انبعث صوته من مكانٍ ما، يخبرها بأنها خدعة، كل هذا محض خداع، أوهام لا أساس لها.
إنفتح جفناها في هذه اللحظة، لتصطدم برؤية "مراد".. يطلّ عليها ممسكًا وجهها بكلتا يديه، القلق ملء عينيه…
"مراد!" نطقت بصوتٍ يقطر ألمًا.
طمأنها "مراد" مآزرًا:
"ماتخافيش. أنا هنا جمبك. مش هاسيبك أبدًا. بس ساعديني يا إيمان.. سمعتي أدهم. ركزي في كلامه. أنا مش هاخرج من هنا إلا بيكي!"
بدأ العالم المصطنع يتهاوى من حولهما بالفعل، كلما صدقت ما قاله أخيها، كلما استمعت أكثر إلى "مراد".. أغمضت عينيها مطلقة صرخة من أعمق أعماقها لكي لا تترك شيئًا بداخلها وهي تتحرر من كل هواجسها وكوابيسها…
*****
يصب "أدهم" ما تبقّى من كأس المياه في راحة يده، لينثرها فوق وجهيّ "مراد" و"إيمان" بالتساوي وهو يردد بصوتٍ مسموع:
"أعوذ بالله وقدرته من شرّ ما أجد وأحاذر.
أذهب البأس رب الناس، واشف أنت الشافي لا شفاء إلا شفاؤك شفاءً لا يغادر سقمًا.
أعوذ بكلمات الله التامّة من كلّ شيطانٍ وهامّةٍ وكلّ عينٍ لامةٍ.
أعوذ بكلمات الله التامّات من شرّ ما خلق.
اللهم صلِ على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميدٌ مجيدٌ، اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميدٌ مجيد.
بسم الله الرحمن الرحيم.. لَوْ أَنزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُّتَصَدِّعًا مِّنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاء الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ.
بسم الله الرحمن الرحيم.. قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآَنًا عَجَبًا يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآَمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا*وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلَا وَلَدًاب.
بسم الله الرحمن الرحيم.. «وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ ما هُ
رواية اوصيك بقلبي عشقا الفصل الثاني والأربعون 42 - بقلم مريم محمد
يوم واحد فقط متبقّي على سفرها.
لقد جمعت كل أغراضها، ودّعت كل أحبائها، وقضت أيامًا لا تُنسى من الأُنس والألفة الدافئة برفقة عائلته.
لم يعد هناك خصومة مع أحد، تصالحت مع الجميع حتى الذين آذوها، لقد صفحت عنهم مقابل السعادة الغامرة التي رُزقت بها مؤخرًا.
ولكن طبعًا مسألة غفرانها لا تعني لزوجها شيء، إذ أن ما يقرره هو ما يحدث دائمًا سواء شاءت أم أبت.
لطالما عرفت تلك الحقيقة، وأمنت بأنها لن تفلح بتغييرها، وقد كفت بالفعل عن المحاولة.
إنها تترك له زمام نفسها، وتثق به ثقة عمياء. ألم يُثبت لها ولاءه حقًا وأنه جديرٌ بقلبها؟
تراقصت ابتسامة "إيمان" تلقائيًا عندما كسر صفير الإعجاب المنبعث من زوجها صمت الغرفة المطبق.
إستدارت نحوه من حيث تقف أمام المرآة تتمم زينتها إستعدادًا للظهور بحفل الزفاف المرتقب لصديق زوجها المقرّب، "عثمان البحيري".
وإن كان خبرًا أثار دهشتها، فهو متزوج بالفعل ولديه ولدان.
ماذا قد يدفعه لتجديد العرس؟
اكتفى "مراد" بإخبارها أن صديقه لم يقيم زفافًا لائقًا لزوجته عندما عقد عليها، ذلك لأن والده توفى بالفترة التي تعرّف فيها "عثمان" على زوجته "سمر" وأحبّها.
لم تكن الفرصة سانحة له بإقامة أيّ مظهر من مظاهر الفرح، فتزوجا بتجمعٍ عائلي بسيط دون أيّ صخب.
ولم يذكر "مراد" لها نهائيًا ولو لمحة عن زواجهما العرفي والفضيحة التي تلته.
"بفكر حقيقي أجي أشيل الإشارب عن راسك وأبوظ الروج الأحمر اللي على شفايفك ده ونفكس للفرح!"
ازدادت ابتسامة "إيمان" اتساعًا وهي تستمع إلى غزل زوجها الصريح، بينما تعلّقت نظراتها بجسده الذي يستره سوى منشفة صغيرة أحاطت بوركيه العضليين.
رغمًا عنها تداعت ابتسامتها بضعفٍ استطاع استشفافه وهو يراها تركز عينيها على صدره البرونزي والمكسو بالشعيرات القاتمة التي علقت بها قطرات المياه على إثر استحمامه.
ابتسم "مراد" بدوره وهو يستطرد بمكرٍ بينما يجفف شعره المبلل بمنشفة أخرى في يده.
"لو مش واثق إن عثمان هايقتلني إذا ماحضرتش كنت لاغيت كل حاجة وقضينا ليلتنا الأخيرة هنا لوحدنا. بعيد عن الكل!"
تحاول "إيمان" تشتيتت عقلها عن التفكير الحميمي به، لترد وهي تلوح ناحيته بكفّها.
"يعني انت مخلّينا نسافر الإسكندرية ونقضي آخر يوم لينا في مصر هنا في فندق مخصوص عشان تحضر فرح صاحبك وفي الآخر مش عايز تحضر؟ أنا لو منه أخنقك بصراحة!"
قهقه بانتعاشٍ وهو يمضي صوبها، ألقى المنشفة من يده ومد ذراعه يجتذبها إليه من خصرها.
حبست أنفاسها مرة واحدة وهي تصطدم بصدره الصلب، بينما بقول مغمغمًا.
"ماتبقيش متلهفة أوي كده على الحضور. قصر البحيري الليلة دي مش بس هايستقبل نخبة المجتمع. ده هايكون في ستات من إللي يتشافوا في الإعلانات. وأنا عارفك من زمان ومجرب غيرتك.. أخاف تخنقيني فعلًا هناك لو واحدة منهم سلمت عليا!"
واستغرق في ضحكه من جديد، ليتلاشى مرحها هي الآن وتقول بجمود.
"أنا طبعًا بغير عليك. بغير عليك حتى من هدومك.. لكن ولا واحدة تفرق معايا. غير.. غير هالة!"
"هالة!" تمتم وقد خبت ضحكته واختفت ابتسامته تمامًا.
قطب قائلًا باستغراب.
"انتي عايزة تقوليلي إنك قلقانة من ظهور هالة قصادك. وممكن تغيري منها!؟"
صمتت "إيمان" وظل فمها مطبقًا بتوتر.
يزفر "مراد" مطوّلًا ويفرك جانب وجهه بيده الحرّة مستطردًا.
"غيرتك منها مالهاش أي معنى يا إيمان. بغض النظر عن إن هالة مابقتش في حساباتي أصلًا ولا ممكن ألتفت ليها بأي شكل. ماتنسيش إنها ست متجوزة دلوقتي وعندها طفل."
كأنه تفوّه ما تاقت لمناقشته فيه، فسألته على الفور.
"صحيح قولّي يا مراد. انت وهي قضيتوا فترة متجوزين. ليه ماخلفتش منها؟"
هز كتفيه وجاوب ببساطة.
"الهانم طبعًا تربية قصور ومدللة جدًا. لما اتجوزنا أنا كنت حابب أوي نخلّف بسرعة. لكن هي رفضت عشان تحافظ على شكل جسمها. قالت لي بعد سنتين أو تلاتة ممكن نجيب أول طفل. بس طبعًا مع عشرتي ليها عرفت إنها مش هاتنفذ كلمة من وعدها."
"بس هي خلّفت لما اتجوزت بعدك!"
"وده يثبت إنها ماحبتنيش!" قالها "مراد" بابتسامة متصالحة.
لم يبدي أيّ انزعاج من أفكاره التي يطرحها والتي صارت حقيقة منذ مدة للجميع.
"أيًّا كان مين إللي اتجوزته هالة البحيري فهي حبته. مش عشان قبلت تخلّف منه بس. دي كمان اتنازلت عن حياة القصور وسافرت معاه يبنوا حياتهم سوا."
رفعت "إيمان" حاجبها معلّقة بحدة.
"ده انت متابع أخبارها بقى. وعرفـت إنها سافرت!!"
عاودت الضحكة تتغلغل طبقات صوته العميقة وهو يرد عليها متفكهًا.
"والله ولا متابع ولا حاجة. أنا عرفت من عثمان لما جه يحضر فرحنا. لأنها هي كانت السبب إننا قاطعنا بعض أنا وهو ف قدملي ملخص عن أحوالها وإنه ما صدق خلص من مسؤوليتها لما جوّزها لأخو مراته. عثمان ندمان لحد إنهاردة إنه سابني اتجوزها. هي آه بنت عمه. لكن أنا وهو بالنسبة لبعض أخوات. وهو كرهها جدًا طول فترة خصامنا."
أومأت بعينيها وإلتزمت الصمت مرةً أخرى، فحنى رأسه ليلامس رأس أنفها بأنفه وهمس.
"هاتشوفي بعنيكي الليلة دي. إن عيني مش هاتشوف واحدة غيرك. أنا كلي ليكي يا إيمان.. انتي و بس!"
همسه هذا كاد يُخدر حواسها، فرفعت يدها باسطة كفها فوق موضع قلبه تمامًا، تدفعه بعيدًا عنها بقوتها الضئيلة التي لم تزحزحه قيد أنملة، إنما هو من أفلتها طواعيةً وهو يسمعها تقول من بين أنفاسها المخطوفة.
"ماتحاولش تغريني. ماتبقاش شيطان ورانا مشوار لازم نقضيه!"
وتركته متوّجهة صوب السرير حيث علبة الحذاء الجديد مقفلة فوقه.
ضحك "مراد" بانطلاقٍ ومشى نحو الخزانة، فتحها ليأخذ بذلته الرمادية الفاخرة، وقد اختارتها "إيمان" تماشيًا مع لون عينيه.
بينما أختارت هي ثوب للسهرة محتشم، بلون التوت، ونسّقت مع حجابًا أسود.
وأخيرًا ها هي تفتح علبة المستطيلة ليبرز هيكل الحذاء ذي الكعب العالِ، مكشوف بخيوط سباغتي رفيعة مرصّعة بالجواهر المتلألئة.
جلست على حافة السرير العريض لترتديه في كلتا رجليها وهي تستمع لصوت "مراد".
"أدهم وسلاف جايين في الطريق وجايبين معاهم لمى. أنا لسا مكلمهم من شوية وبيتحركوا."
تطلّعت "إيمان" إليه معقّبة.
"لسا بيتحركوا دول كده قدامهم كتير. مش هايلحقوا السهرة من أولها!"
"وهو المطلوب. انتي عارفة أخوكي مش بيحب الاختلاط بالطبقة المتحررة. وفي نفس الوقت بيلبي دعوة عثمان. فقال يجي متأخر عشان يبارك علطول ويمشي."
"حاجة متوقعة جدًا من أدهم!" ثم قالت ولمحة حزن بعينيها.
"كويس إني هاشوف سلاف على الأقل. كفاية مش هكون موجودة ساعة ولادتها.. حبيبتي مرعوبة من يوم ما الدكتورة قالت إنها حامل في توأم."
"آه بس أدهم مبسوط. خصوصًا لما عرف إن التوأم ولد وبنت. كان نفسه في البنت أوي.. ربنا يحفظهم له."
"يارب."
أتمّ "مراد" ارتداء ملابسه في مدةٍ وجيزة، وقف أمام المرآة يصفف شعره بعنايةٍ ويضع على ذقنه الحليقة "الكولونيا" الثمينة التي لطالما جذبت أنوف النساء إليه.
ثم اكتفى بنثر القليل من العطر فوق كتفيه وعلى رسغيه.
ارتدى ساعة معصمه الباهظة وبقي يرمق نفسه بالمرآة وهو يعدل هندامه ويضبط ياقتيّ قميصه الأسود.
لاحظ السكون الذي خيّم منذ دقائق، فاستدار نحو زوجته هاتفًا.
"جهزتي يا حبيبي؟"
ولكن الصمت.
لم ترد عليه، فعبس مندفعًا ناحيتها على الفور.
"إيمان!"
انتزعها نداؤه من شرودها، فرفعت وجهها تحدق بوجهه المطل عليها متسائلة.
"نعم يا مراد!؟"
هبط بجسمه ليجلس بجوارها على طرف السرير، زحفت يده إلى يدها الملقاة بحجرها، قبض عليها بكفّه الكبير يبث الدفء فيها وهو يقول.
"روحتي مني فين؟"
تنهدت بعمقٍ وجاوبته بابتسامة منهكة.
"أنا معاك!"
رمقها بنظرةٍ كما لو أنها لم تنطلي عليه، وقال.
"أنا احساسي ممكن يخونّي في أي حاجة. بس مش ممكن أغلط باحساسي بيكي.. قوليلي مالك؟"
واصلت النظر بعينيه لبرهةٍ، ثم صارحته بصوتٍ مكتوم.
"إنهاردة ماما قالت لي خبر زعلّني. وغصب عني. مش قادرة ماربطوش بيك!!"
سألها عابسًا: "إيه هو الخبر!؟"
"انت ليك يد في فسخ خطوبة مايا؟ ماما قالت لي خطيبها راح لها شغلها في الجامعة وقطع علاقته بيها قصاد الناس كلها. كانت فضيحة لدرجة إن ماما عرفت من برا. الناس مالهاش سيرة غير إللي حصل لمايا.. من فضلك يا مراد قول إنك ماعملتش حاجة!"
بقي صامتًا ولم يرد، وجهه الخالِ من التعابير افقدها صوابها وهي تستنطقه بعصبية.
"مراااد. رد عليا!!!"
"كنتي متوقعة مني إيه يا إيمان!؟" رد أخيرًا بهدوء.
ولكن هدوء صدمها، فقست ملامحه وهو يتابع بخشونة.
"آه. أنا وصلت لخطيبها وأثبت له إن أمها إللي هي عمتك ست لا عندها ضمير ولا دين. حكيت له كل حاجة عملتها فيكي وفي أخوكي أدهم من قبلك وإللي ممكن تعمله فيه لو اتجوز بنتها. آه أنا إللي نصحته يفسخ الخطوبة في أسرع وقت."
فرغت فاها مرددة.
"ليه كده. طيب ومايا ذنبها إيه؟ انت مش بتعمل غير إللي في راسك. حتى لما أتسببت في سجن مالك هناك في دبي. ماقولتش ولا أخدت رأي حد!!"
هز كتفيه غير مباليًا وقال.
"أنا مافتريتش عليه. هو إللي بيغش في شغله. يستاهل عقابه!" ثم أضاف بوحشيةٍ مفاجئة.
"وبعدين انتي بتدافعي عنه؟؟"
هسّت من بين أنفاسها بغضب.
"أنا مش بدافع عن حد. أنا بس مش عايزة أبقى زيهم. مع عايزة أتسبب في أذية حد."
مراد بصرامةٍ عنيفة.
"انتي حرّة في نفسك. مش عايزة تئذي براحتك. لكن أنا مابعرفش أسامح إللي يئذيني. وإللي آذاكي كأنه آذاني بالظبط ومش هاسامح!!!!"
بدأ هجومها عليه ينحسر تدريجيًا، بينما لم يخف ولو قليلًا تأجج وجهه بالحمرة الخطرة وإلتهاب الرماد في عينيه المتسعتين بشراسةٍ.
لم تجد ما تقوله، فقامت من أمامه يتبعها بعينيه.
أمسك برسغها يستوقفها بخشونة.
"راحة فين؟"
"جاية!" تمتمت بصوت بالكاد سمعه.
وراقبها وهي تمضي نحو الخزانة، تستلّ حقيبة يدها المتوسطة وتسحب منها شيئًا لم يراه.
عادت إليه الآن ووقفت قبالته وهو لا يزال جالسًا، تطلّع إليها وهي ترمقه بعينين ملؤهما الدموع، ثم تقول قبل أن تظهر ذلك الشريط الطبّي أمام عينيه.
"أنا ماكنتش بخلّف بسهولة. ومش عارفة إزاي حملت في لمى وأنا كنت محتاجة أتعالج.. ما اتعالجتش. ولحد ما اتجوزتك ما اتعالجتش.. وحصل تاني. ومش عارفة إزاي بسهولة كده. ده فعلًا رزق ومكتوب مهما كانت الظروف. لآخر لحظة ماكنتش مصدقة. لحد ما أكدتلي دكتورة سلاف!"
كان يحدق الآن لما بين يديها، مشدوهًا، مصدومًا، وما لبث أن عاود النظر إليها ثانيةً، واستطاع أن يتكلم وهو لا يصدق ما يحدث.
"انتي حامل!؟؟؟"
أغرورقت عيناها بالدموع حتى ساحت فوق خدّها وهي تومئ له مرتان مغمغمة بصعوبة.
"أيوة. أيوة يا مراد. أنا حامل.. ومش قادرة أصدق إن أحلامي كلها اتحققت كده. أنا حامل منك انت. هاجيب طفل منك انت!!"
انتقلت الدموع إلى عينيه هو الآن، لتفلت أنفاسه المحبوسة من صدره وهو يهب واقفًا ليأخذها في عناقٍ محموم.
هي تبكي، هو يدمع ويقبّلها، يقبّلها لفترةٍ طويلة، حتى بدأ فمها يؤلمها، بقدر ما يتألم قلبها، ولكن قلبها لا يتألم من العذاب هذه المرة، إنه يتألم لأنه لم يشعر قط بهذه السعادة، هذا الشبع.
حرر شفتيها من بين شفتيه أخيرًا وأسند جبينها إلى جبينه، همس بأنفاسٍ متلاحقة مغمضًا عينيه.
"أنا عمري ما كنت مهووس بالأطفال. لكن دي كانت أمنيتي.. أنا هابقى أب. هابقى أب!"
ظل يكررها وكأنه لا يزال غير متأكدًا، لتؤكدها له "إيمان" محيطة وجهه بكفّيها الناعمين.
"هاتبقى أب يا مراد.. هاتبقى أب يا حبيبي!!"
ابتعد عنها قليلًا لكي يتمكن من النظر إليها و عاتبها بلوعة.
"ليه ماقولتليش أول ما عرفتي؟"
ابتسمت له بشجنٍ قائلة.
"كنت بفكر إزاي أعملها لك مفاجأة. وماكنتش ناوية أقولك الليلة دي كمان.. بس اضطريت عشان عايزاك توعدني!"
هز رأسه وهو يخبرها بعاطفةٍ جيّاشة.
"قولي. قولي عايزة إيه. أطلبي مني إللي انتي عايزاه!!"
هدأت وهي تسحب نفسًا عميقًا إلى رئتيها، ثم تقول بجدية.
"إحنا قررنا نبدأ حياة جديدة. قررنا سوا إننا هانرمي كل الماضي ورا ضهرنا ونعيش مستقبلنا زي ما احنا عايزين.. أرجوك. لازم تنسى فكرة الإنتقام. تشيلها من راسك. وكفاية إللي عملته. فكر في أدهم وسمعته. فكر في بنتي.. احنا هنسافر ونبعد بس أدهم هايفضل موجود هنا. ولمى مسيرها ترجع.. أرجوك يا مراد. أوعدني!"
ولو أن انتقامه هكذا سيبقى ناقصًا، فما زالت "راجية" على قائمته، وقد احتار كيف يعاقبها.
ولكن ما تلقّاه من أخبارٍ سعيدة الليلة كان كفيلًا بقلب خططه رأسًا على عقب.
فلم يمنع نفسه من تقديم وعده لها بثقة.
"أوعدك يا إيمان.. أوعدك…"
وأمال رأسه من جديد ناويًا تقبّيلها، فحال كفّها بين شفاههما وهي تقول برقةٍ مرحة.
"لأ. كفاية كده بقى. بالشكل ده مش هاننزل من هنا الليلة دي. ممكن لما نرجع!"
وضحكت بدلال.
ابتسم بمكرٍ وقال وحماسته تشتعل منذ الآن.
"انتي كده إدّبستي خلاص. مش هقبل أيّ أعذار لما نرجع."
أحاطت عنقه بذراعيه هامسة بكل ما يعتمل بداخلها من شوقٍ لا يفنى ولا يبلى إليه.
"أنا إللي مش هقبل إنك تبعد عني لحظة واحدة.. مش هاسمح لك!"