تحميل رواية «اوصيك بقلبي عشقا» PDF
بقلم مريم محمد
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
“كان ثمن الهجرة منكِ غربةٌ و مذلّة ؛ و كأنّي أسير حرب مُهان، الآن و قد عدتُ إلى وطني.. لا آبه إن تشردت أو تسوّلت.. أو حتى أُعتُقلت!” مراد أبو المجد تلبّدت السماء بالغيوم فجأة، في غضون دقائق منذ أن ألقى بزوجته التي طلّقها بقصر عائلتها الفاخر، كان الطقس مُكفهّر مثل مزاجه، بل مثله هو تمامًا. انطلق بسيارته البوجاتي السوداء لا يلوي على أيّ وجهة، هبّ نسيم البحر المنعش وبدأت تسقط قطرات المطر الأولى، أغلق سقف السيارة و حلّ الظلام التام بولوجه إلى ذلك النفق المعتم الطويل. لتتكالب عليه الذكريات دفعةً واحد...
رواية اوصيك بقلبي عشقا الفصل الحادي عشر 11 - بقلم مريم محمد
لما فتحت "إيمان عمران" عينيها، و هي فتاة في الخامسة و العشرين من عمرها، وجدت وسادتها مبللة، إذ قضت الليل تبكي بلا إنقطاعٍ. كانت محمومة تعتريها القشعريرة. قامت بصعوبة من السرير عندما تناهى إلى مسامعها صوت الجلبة خارج غرفتها، و مؤكد بأنها عرفت السبب.
لقد أتى. لقد أتى "سيف" كما وعدها ليطلب يدها للزواج. إنه هنا هو و والديه.
وصلت عند باب غرفتها و ورابته قليلًا، أطلّت برأسها لا لترى، إنما لتسمع بوضوحٍ. و ما لبث أن برز صوت عمتها "راجية" مغتبطًا:
- إيه رأيك يا أمينة بقى في المفاجأة دي.. حسن جوزي نزل من الطيارة عليكوا علطول حتى ماطلعش شقتنا.
ردت "أمينة" بترحيب:
- ألف حمدلله على السلامة يا أستاذ حسن. نوّرت بيتك و مصر كلها.
شكرها الأخير:
- الله يخليكي يا أم أدهم. ده نوركم و الله. و بالأخص نوّارة البيت كله إيمان.. أمال هي فين صحيح ؟
- حالًا أدخل أجيبها لك.
- يا ريت لغاية ما أتكلم أنا و أدهم شوية. إذا عندك وقت يا دكتور !
جاء جواب "أدهم" مهذبًا واثقًا:
- و لو ماعنديش أفضى لك يا عمي.
- حبيبي تسلم.
- اتفضلوا اقعدوا طيب …
في هذه الأثناء ذهبت "أمينة" لغرفة ابنتها، لتجدها تقف بوجهها هكذا. دلفت و أغلقت الباب ورائها و هي تقول مدققة النظر بملامحها الناعسة:
- إيه يا إيمان ده. إنتي لسا قايمة من النوم.. إنتي مش عارفة إن عمتك و جوزها جايين عشانك. مش إنتي إللي قلت لي كده إمبارح !؟؟
جاوبتها "إيمان" بتعبٍ واضح:
- أيوة يا ماما. أنا عارفة إنهم جايين زي ما قلت لك.. بس كنت سهرانة شوية من إمبارح. دلوقتي أدخل أغسل وشي و ألبس و هاطلع لهم.
حثتها "أمينة" بعجالةٍ:
- طيب يلا بسرعة شهّلي. الراجل جاي من سفر علينا تلاقيه تعبان و عاوز يرتاح في بيته.
أومأت لها:
- حاضر حاضر حالًا أهو …
و سحبت منشفتها و مضت مسرعة إلى الحمام، غسلت وجهها و فرشت أسنانها بقوة حتى أدمتها قليلًا، ثم عادت إلى غرفتها و فتحت الخزانة لتخرج الثوب الذي وقع إختيارها عليه سلفًا، و هو نفسه الثوب الذي اشترته من أجل اللحظة التي وعدها بها حبيبها "مراد".. لحظة مجيئه إلى هنا ليطالب بها زوجةً له.
و لكن أين هو ؟ ليس هو الذي جاء.. بل غيره.
لقد جاء رجل لا تحبه، و لا تعرف كيف ستسمح له حتى أن يتقرّب إليها، فماذا عن تبادل الحب !؟ سيكون هذا مؤلمًا، كما هو مؤلم الآن أن تتحضّر و تتزيّن لأجله هو. إنها في كابوس، و لا مجال للخروج منه أبدًا كما يبدو …
وضعت "إيمان" اللمسات الأخيرة على وجهها من مساحيق التجميل الخفيفة، و أخيرًا وقفت أمام المرآة تلقي على نفسها نظرة. و رغم ما كابدته طوال الليلة الماضية حتى مطلع الفجر، إلا إنها بدت… جميلة جدًا !
في ثوبها الوردي الأنيق، فضفاضًا ذي طوق ذهبي يظهر منحنى خصرها المنسّق، و حجابها الرقيق اختارته وشاحًا أبيض شفاف أسفله قماش مزركش غطى شعرها بالكامل، و الآن صارت جاهزة.
و كدأب كل عروسٌ خرجت من غرفتها و هي على قدرٍ من التوتر، ذهبت عند أمها بالمطبخ، و قد كانت "أمينة" قد حضّرت صينية المشروبات و طبق الحلويات المُشكل و الكعك الطازج الذي طلبته في الصباح من أشهر متاجر الحلو.
- إيه يا نور عيني الجمال ده كله ؟ .. قالتها "أمينة" بحبورٍ ما إن رأت إبنتها أمامها.
تركت من يدها كل شيء و اقتربت منها، أحاطت بكتفيها و قالت و عينيها تلتمع بالدموع:
- زي القمر يا إيمان. أمال لما تبقي عروسة إن شاء الله عن قريب هاتبقي إزاي.. قل أعوذ برب الفلق يا حبيبتي.
و عانقتها بقوةٍ، ثم نظرت في وجهها الذي رغم بهائه يحمل مسحة حزن، لكنها غير ملحوظة تمامًا.
- رغم إني كنت مسخسراكي في سيف ابن راجية ! .. قالتها "أمينة" بقليلٌ من الامتعاض.
- كان نفسي ليكي في راجل عليه القيمة أكتر من كده. زي إللي كنتي بترفضيهم دول.. أتاريني ماكنتش أعرف إنك بتحبي سيف و قاعدة عشانها.
اغتصبت "إيمان" ابتسامة متكلفة و قالت:
- أديكي عرفتي يا ماما. أنا بحب سيف و هو بيحبني.. أنا عايزاه !
و قد كانت تكذب حتمًا.
أومأت لها أمها، ثم قالت و هي تحمّلها صينية المشروبات:
- ماتقلقيش يا نن عيني. أنا منايا أفرح بيكي من زمان. و ما صدقت دماغك لانت.. أنا اتكلمت مع أخوكي و قدرت أقنعه. إن شاء الله كله هايتم على خير. أطلعي على مهلك. قدمي الشربات لحماكي الأول و بعدين تقعدي جمب عريسك.. يلا يا حبيبتي.
سحبت "إيمان" نفسًا عميقًا و خرجت أمام أمها على ضيوفهم، كانت يداها ترتعشان و لم تكن تتحكم بهما، لكنها ناضلت وصولًا إلى السيد "حسن" كي لا يسقط منها شيء.
قدمت له مبتسمة، فتناول "حسن" الكأس متمتمًا:
- تسلم إيديكي يا عروستنا. إيه الحلاوة دي كلها يا إيمان ؟ إحلوتي على حلاوتك عن آخر مرة شوفتك !
ردت "إيمان" بخجلٍ:
- ميرسي يا عمي. حمدلله على السلامة.
- الله يسلمك يا حبيبتي. عقبال ما أفرح بيكي في أقرب وقت بأمر الله.
غضت "إيمان" عينيها من شدة خجلها من كلماته، و تنقلت إلى عمتها تقدم لها كأسها.
- هاتي يا حبيبتي ! .. هتفت "راجية" و على وجهها أكبر ابتسامة.
- اسم الله و الحارس الله.. قمر 14 ياناس. عروسة إبني زي القمر.
لم ترد "إيمان" و انتقلت إلى أخيها، أبى "أدهم" أن يأخذ منها بإشارة من يده، فتابعت حتى وصلت أمامه.. أمام "سيف الذي جلس فوق الأريكة الصغيرة وحده.
تطلعت إليه رغمًا عنها، كان حادًا و خطيرًا بقدر ما كان وسيمًا في حلّته السوداء، و لا تعرف لماذا أفزعتها نظرته المظلمة بادئ الأمر، قبل أن يُبددها بابتسامة تكنف شيء من الاستهجان.
مد "سيف" يده و أخذ كأسه قائلًا بصوته الأجش:
- تسلم إيدك !
تحررت "إيمان" من أسر عينيه حين صرف ناظريه عنها، لحظتها فقط تنفست الصعداء و هي تلتفت لتضع الصينية فوق الطاولة، ثم جلست إلى جواره تاركة بينهما مسافة.
كان اضطرابها على أشده، و راحتيها تصببان عرقًا مع السكون المحيط بها، لم يهدئها قليلًا إلا صوت "حسن" الذي طفا على سطح الصمت:
- أدينا بنشرب الشربات و عروستنا قاعدة معانا أهيه يا أدهم.. أنا طلبتها منك لسيف ابني باعتبارك أخوها الكبير و راجل البيت ده كله. قلت لي الرأي رأيها. ف ممكن تسألها قصادنا !؟
تنهد "أدهم" مرفرفًا بجفونه، كان متكدرًا و غير راضيًا من داخله و هو يسأل شقيقته بصوتٍ صلد:
- إيمان.. إيه رأيك في إللي سمعتيه. موافقة تتجوزي سيف و لا لأ ؟
كان "سيف" يجلس باردًا كالثلج و مسترخيًا للغاية و هو ينظر صوبها بجانبه متسليًا بارتباكها الظاهر، فهو يعلم يقينًا جوابها. و قبل أن تنطقه، و مع ذلك فقد أطربته كلماتها التالية:
- أنا موافقة أتجوز سيف يا أدهم !
أصابت خيبة الأمل "أدهم" و افترشت محيّاه، لكن لحسن حظ العروسين طغى عليها هتاف "حسن" الجذل:
- على بركة الله. و مبروك علينا كلنا.. يبقى إن شاء الله كتب الكتاب و الفرح مع بعض آخر الشهر ده. أنا عارف إن سلوكم هنا مش بتوافقوا على الخطوبة. و كله جاهز. و لا إيه يا ست أمينة ؟
ردت "أمينة" و دموع الفرح تترقرق بعينيها:
- يا أستاذ حسن كفاية مجيتك. إحنا نجهزها و نوصلها لحد عندك إللي تقول عليه طبعًا انت في مقام أبوها.
- يعلم ربنا كلهم ولادي. و إيمان بالذات تاخد عيني من جوا. بإذن الله انا متكفل بكل حاجة عايزها بالهدمة إللي عليها و بس, و كمان هاعمل لها فرح ماتعملش زيه و الشبكة إللي تختارها إن شالله تكلفني ثروة. إللي هي عايزاه كله هايحصل !
و هنا انطلقت الزغاريد المجلجلة من فم "راجية" أعقبتها "أمينة" هي الأخرى، ليستغل "سيف" الموقف و يميل صوب عروسه قليلًا هامسًا بصوت لا يسمعه سواها:
- مبروك يا حبيبتي !
رمقته "إيمان" بطرف عينها و قالت:
- الله يبارك فيك.
علت زاوية فمه بابتسامةٍ شريرة و هو يستطرد بكلماتٍ جمدت الدماء بعروقها:
- أوعدك إنك هاتشوفي معايا إللي عمرك ما شوفتيه.. هفاجئك. و هاتعرفي أنا أد إيه بحبك و بعشقك !
كانت كلماته لطيفة كما يبدو، لكنها لم تشعر بها على هذا النحو أبدًا.. خافت، و لم يخبو خوفها منذ تلك الليلة أبدًا.
لما فتحت "إيمان عمران" عينيها، و هي امرأة في الثانية و الثلاثين من عمرها، وجدت أمها توقظها بلطماتٍ خفيفة على وجنتيها الملتهبتين.
- إيمان. إنتي نمتي تاني يا حبيبتي.. إنتي تعبانة أوي و لا إيه ؟ أتصل بالدكتور !؟
أجبرت "إيمان" نفسها على الصحوة و نظرت لأمها بتركيزٍ مضنٍ، ثم قالت مصارعة لهجة النعاس و هي تعتدل في فراشها:
- أنا كويسة يا ماما.. ماتقلقيش. بس راسي تقيلة إنهاردة. عادي يعني مستكترة عليا أريح يوم في السرير ؟
مسحت "أمينة" على شعرها قائلة بتعاطفٍ:
- لأ يا حبيبتي. ريّحي زي ما تحبي.. أنا بس بقلق عليكي. و اليومين دول بالأخص أحوالك مش عجباني !
صدق حدس الأمالتي شعرت بحالة الأكتئاب المسيطرة على إبنتها.
ابتسمت "إيمان" بصعوبة و قالت محاولة طمئنة أمها:
- أنا كويسة يا ماما !
هزت "أمينة" رأسها غير مصدقة ادعائها، لكنها لم تسهب فيه أكثر و قالت لها بترددٍ:
- في خبر مهم من ناحية عمتك راجية.. تحبي تسمعيه دلوقتي و لا بعدين !؟
عبست متسائلة في الحال:
- خير يا ماما. قولي ؟
تنهدت "أمينة" حائرة كيف تصوغ ذلك، إلا إنها حاولت:
- مالك ابن عمتك !
حثتها:
- ماله يا أمي إتكلمي !؟؟
إمتد الصمت دقيقة كاملة.. ثم سألتها "إيمان" ثانيةً مشككة في سمعها:
- إيه !!!؟
كررت "أمينة" مشفقة على صدمتها:
- مالك عايز يتجوزك يا إيمان !
رواية اوصيك بقلبي عشقا الفصل الثاني عشر 12 - بقلم مريم محمد
“لقد وقعت في فخكِ ؛ و هذا ما كنتِ تسعي إليه.. ادركتُ أخيرًا أن أهم شيء هو الحب… و لكن بعد فوات الأوان !”
_ مراد
حانت ساعة العشاء و اليوم الدعوة عند السيدة “أمينة”… لم يتكلم “أدهم” عندما لم يجد شقيقته “إيمان” على المائدة.. لم يكن يود أن يُكرر كلامه كثيرًا في هذا الموضوع المحسوم سلفًا، لذلك انتظر حتى فرغوا من تناول الطعام و انتقلوا إلى غرفة المعيشة.
صنعت “سلاف” القهوة و جاءت لتجلس بجوار زوجها، قدمت له فنجانه مبتسمة، فشكرها عابسًا:
- تسلم إيدك يا حبيبتي.
سلاف برقة:
- بالهنا يا حبيبي.
ارتشف “أدهم” القليل من القهوة السادة خاصته، ثم تطلع إلى أمه قائلًا:
- بلغتي إيمان بالخبر إللي قلته لك يا ماما؟
أومأت “أمينة” و الحزن يبدو عميقًا بعينيها:
- أيوة يابني قلت لها.
- و كان إيه ردها!؟
- ماردتش أصلًا يا أدهم. يا حبة عيني اتصدمت!
.. ثم قالت بانفعالٍ:
- أنا مش مستوعبة أصلًا هو جنس عمتك ده إيـه. مش كفاية إللي شوفناه كلنا منهم. إزاي خطر لها كده.. عايزة بنتي الكبيرة تتجوز إبنها إللي لسا مخلص تعليمه و بياخد المصروف منها. دي إتجننت!!!
كفّ “أدهم” حديثها بصرامةٍ:
- أمي. إسمعيني.. المشكلة هنا مش فرق السن و لا في مالك شخصيًا. بالعكس مالك أخلاقه ممتازة و كمان مابقاش الشاب المراهق بتاع زمان. دلوقت راجل و مسؤول من يوم وفاة أخوه كلنا عارفين إنه إتبدل للأحسن. أنا طبعًا كنت هاوافق على مالك في حالة واحدة بس.
تساءلت “أمينة” بين الاستنكار و الفضول:
- إيه هي بقى!؟
جاوبها “أدهم” ببغضٍ لم يفلح بكظمه:
- لو كانت أمه مش عمتي راجية.. رغم إني سامحتها في إللي عملته فيا و شغل الدجل و السحر. لكن هي تابت و ربنا بيقبل التوبة من عباده مهما كانت ذنوبهم. مش معقول أنا هافضل شايل و خاصةً إنها عمتي و في صلة رحم… لكن كل ده بردو كوم. و مشاعري إللي جوايا و إللي مش بإيدي أتحكم فيها كوم تاني.. أنا مش هاسمح لها تدخل حياتنا زي الأول. مستحيل!
أيدته “أمينة” في هذه:
- طبعًا يا حبيبي و أنا من رأيك. أنا بس اتصدمت زي عملة أختك بالظبط. ماتخيلتش أبدًا أفكار عمتك تستفحل في الشر لكده و الواحد كان مفكر إن ربنا هداها بعد موت إبنها إللي كان روحها فيه.. لكن الظاهر مافيش فايدة. الطبع غلّاب فعلًا.
شرب “أدهم” فنجانه كله بجرعةٍ كبيرة، ثم وضعه فوق الطاولة أمامه هاتفًا بشيء من العصبية:
- أنا ماليش سلطة في الرفض أو القبول و إلا كنت نهيت الموضوع من أول كلمة. من فضلك يا أمي أدخلي ناديلي إيمان تديني كلمتها عشان نخلص من القصة دي خالص ..
- أنا موافقة يا أدهم!!!
جمد المكان و الهواء صار خانقًا للحظاتٍ، قبل أن يلتفت لها الجميع… كان “إيمان” التي نطقت بتلك الجملة!
كانت تقف عند أعتاب غرفة المعيشة، في قمة الثقة و الإتزان. نظرت بعينيّ أخيها الذي نطق أخيرًا بذهولٍ:
- موافقة على إيه يا إيمان!؟
قالتها ملء أسماعهم مرةً أخرى و بحزمٍ:
- موافقة أتجوز مالك ابن عمتي راجية!
*****
صوت موسيقى عذبة أخرجته من كابوسه أولًا، ثم شعاع الشمس الذي اخترق نوافذ الغرفة، فتح عيناه بتثاقلٍ و استقام على مرفقه بمشقّة، مد يده نحو الكومود ليطفئ المنبّه.
أطلق أهة مطولة و هو يفرك وجهه بقوةٍ بكفّه؛ كان يشعر بدوار و رأسه يؤلمه، و كان قلبه يخفق بشدة في صدره كما لو أنه فرغ من المارثون للتو، حتمًا هذا تأثير الكحول التي قضى ليله كله يعاقرها، إنتزع نفسه من الفراش بصعوبة و قام على مهلٍ كي لا يسقط، مشى مترنحًا صوب الحمام الملحق بالغرفة المترفة، فتح صندوق الإسعافات بحثًا عن أيّ مسكن للآلام، و قد كان يبذل جهدًا لإبقاء عينيه مفتوحتين رغم الصداع النصفي الذي كان يعذّبه.
للأسف و بالتأكيد كانت كل العقاقير هنا منتهية الصلاحية، مِمّ أحبطه و جعله أكثر غضبًا و إنفعالًا، رمى بمحتويات الصندوق بعصبية ليتناثر كل شيء تحت قدميه.
و الآن لم يكن أمامه سوى حلًا واحد، قسر نفسه على النزول من غرفته مستندًا إلى الجدار تارة و الدرابزين تارة، و مع أصغر حركة يقوم بها يزداد شعوره بالغثيان، كانت حالته مزرية بحق و لعله يفهم الأسباب… غالبًا ما تكون تلك النتيجة عندما يسوء مزاجه السوداوي، ينعكس عليه فسيولوجيًا بهذا الشكل المثير للشفقة.
و أخيرًا وصل إلى المطبخ عاري الجزع، أسرع بتحضير فنجانًا من القهوة مستخدمًا الأغراض التي اشتراها بالأمس، و ظل بجوار الموقد حتى نضج البُن، صبّه بكأسٍ صغير و لم ينتظر حتى تبرد، تجرعها على مرتين متحملًا سخونتها.
ابتلع ورائها كوب من الماء البارد، ثم أخيرًا بدأ يشعر بنفسه و يسترخي، الصداع في تلاشي، و مزاجه يتحسن شيئًا فشيء …عاد إلى الطابق العلوي و دلف إلى غرفة النوم، تزامنًا مع المكالمة التي دقت هاتفه، سار نحو كومة ملابسه بجوار السرير و أستلّ الهاتف من جيب معطفه، ثم رد فورًا لمّا رأى اسم “أدهم”:
- آلو.. صباح الخير يا أدهم!
جاء رد “أدهم” هازئًا:
- صباح إيه يا مراد باشا. إحنا بقينا الضهر!!
غمغم “مراد” و هو يحكّ ذقنه بطرف أنامله:
- ما أنا نمت متأخر شوية عشان كده ظبط الـAlarm متأخر شوية بردو.
- إمم.. طيب أنا استنيت إمبارح تكلمني زي ما خالتك قالت لي بس ماحصلش. أنا لحد دلوقتي مش فاهم إيه إللي حصل خلّاك تسيب البيت و تمشي.
- مافيش حاجة حصلت طبعًا.
- أومال إيه.. مشيت ليه طيب قبل ما تقول لي على الأقل. حد زعلك يابني؟
نفى “مراد” في الحال:
- لأ يا أدهم. مافيش الكلام ده.. بص أنا هافهمك بس لازم أشوفك.
- انت فين؟
- أنا في بيتنا إللي في الزمالك. لو فاضي دلوقتي عدي عليا نروح نقعد في أيّ حتة و نتكلم. أنا عاوزك في موضوع.
- خلاص ساعة بالكتير و هكون عندك!
*****
دق جرس المنزل و كانت الصغيرة “لمى” أول من استجابت …
طارت من المطبخ حيث كانت تقف مراقبة جدتها و هي تطهو أطايب الأطعمة، تجاهلت نداءات “أمينة” و فتحت الباب، لتصرخ بمرحٍ ما إن رأت عمها و عمتها أمامها يحملان الهدايا و علب من الدمى و الألعاب من أجلها …
- مايـااااااااا و ماااااالـك جم يا تيتة. جم جم!!
ضحك الأخوين و إنحنى “مالك” ليحملها على ذراعه الحر هاتفًا:
- لوووولـي القمر. وحشتيني يا قلبي عاملة إيه؟
عانقته “لمى” بسعادة قائلة:
- الحمدلله. انت كمان وحشتني أوي أووووي.
- يا عفريتة. انتي لسا كنتي معايا من يومين.
- وبردو وحشتني زي ما وحشتك. مش أنا وحشتك!؟
ابتسم مقبّلًا خدها المكتنز بعمقٍ، في جيئة “أمينة” في هذه اللحظة، رحبّت بهما مُهللة بتكلّفٍ:
- يا أهلًا أهلًا.. خطوة عزيزة يا حبايبي. وحشتوني يا ولاد.. إزيك يا مالك يا حبيبي؟
صافحها “مالك” بموّدةٍ قائلًا:
- بخير و الله يا طنط أمينة. انتي إللي وحشتيني أكتر. عاملة إيه؟
- الحمدلله يابني كله فضل و نعمة!
.. ثم توجهت نحو “مايا” و عانقتها و قبّلتها على خديها متمتمة:
- مايا حبيبة قلبي. إيه يا بت الحلاوة دي الله أكبر عليكي.
مايا بابتسامة عذبة:
- طنط أمينة حبيبتي. دي حلاوة عينيكي انتي و الله.
أمينة بغمزة:
- شكل خطيبك واخد باله منك. موّردك كده و زايدك جمال. ياريته كان جه من زمان!
ضحكت “مايا” بخجلٍ:
- كسفتيني يا طنط أمينة ..
- لأ و انتي وشف كسوف يابت!! .. قالها “مالك” ساخرًا.
فوكزته “مايا” بكوعها رامقة إيّاه بنظرةٍ غاضبة.
ضحكت “أمينة” و دعتهما للداخل:
- طيب كفاية كلام على الباب و تعالوا نتناقر زي زمان جوا. ادخلوا يلا.. و انتي يا لمى روحي قولي لماما مالك و مايا وصلوا.
أطاعتها “لمى” متململة على ذراع عمها:
- حاضر يا تيتة!
أنزلها “مالك” برفقٍ و داعب رأسها قبل أن تنطلق جريًا نحو الداخل قاصدة غرفة أمه.
رغم عنه تعقّب إثرها متلهفًا لرؤية طيف “إيمان” بأيّ مكان، لكنه لم يجد شيء، و أخيرًا وجد نفسه منقادًا إلى الصالون إمتثالًا لكلمة زوجة خاله الراحل …
*****
في مقهى شهير بإحدى ضواحي “الزمالك” …
جلس كلًا من “أدهم” و “مراد” إلى طاولة أمام الواجهة الزجاجية التي ملأتها ندوب المطر الذي لا يزال ينهمر بالخارج، أضاف “أدهم” قطعة أخرى من السكر إلى فنجان الشاي خاصته، ثم تطلع إلى ابن خالته الساهم بعيدًا و قال:
- يا عم المتأمل انت.. جايين عشان نشاهد جمال بعض؟
أفاق “مراد” من شروده و نظر إليه، كان كل هذا الوقت يفكر كيف سيفاتحه في هذا الشأن، الأمر الذي تأخر كثيرًا، أخيرًا إتخذ القرار، و أيقن كم هو بحاجة إليها، إلى حبيبته عندما كانت بين ذراعيه قبل يوم، كم كان يتوق لها، و لولا أن هددت بأن تسخى بروحها لما تركها تفلت منه قبل أن ينالها مجددًا؛ رغم ادعاءاته بأنه لم يعد يرغبها، لكنها محض أكاذيب حاول أن يصدقها، إنه يعشق “إيمان” و لعلها ترتيبات القدر ليعيدها إليه من جديد، لقد اقترف جرمًا حين تخلّى عنها مسبقًا، إلا أنه لن يُكرر خطئه، إنها الجانب الناعم، أكثر من أحبّته بصدق و منحته كل شيء و وثقت به، لقد أثبتت ذلك بجدارة… لكنه و للعار لم يثبت لها أيّ شيء سوى حقارته!
- لأ ده انت بتشاهد جمال فعلًا! .. قالها “أدهم” ملوّحًا بكفه أمام عينيّ “مراد” الشاردتين.
- إيه يابني مالك!؟
تنهد “مراد” بعمقٍ و هو ينظر إليه بدقة الآن، و قال بشبه ابتسامة:
- و لا حاجة يا أدهم. أنا تمام.
أدهم بعدم تصديق:
- أيوة باين عليك.. قول الحقيقة يا مراد. ما أنا مش هاسيبك تغرز في الحالة دي أكتر من كده. لازم تقرر خطوتك الجاية بسرعة. لو فضلت كده هاتخسر كتير.
طمأنه:
- ماتقلقش عليا. أنا فعلًا مقرر كل حاجة. و لو بتلمّح لموضوع طليقتي ف أطمن أنا خلاص شيلتها من راسي.
- فعلًا!
- أيوة طبعًا. و عشان تصدق.. أنا صفّيت شغلي في لندن و قررت أستقر هنا. هامسك شغل أبويا في مصر و شوية شوية أوسّعه و كل إهتمامي هايبقى على كده.
- طيب حلو أوي. برافو يا مراد و الله. تصدق أنا دايمًا بكون قلقان عليك من حياتك برا دي. بجد أحسن حاجة فكرت فيها.. و أكيد هنا هاتقدر تحقق أحلامك بردو. ربنا يوفقك و يسدد خطاكم.
مراد بامتنانٍ:
- حبيبي يا أدهم. أنا مش عارف أصلًا أشكرك إزاي على كل إللي عملته معايا من ساعة ما حطيت رجلي هنا.
- عيب يا بابا الكلام ده. انت أخويا يا مراد. مافيش شكر بين الأخوات.. صح؟
- صح!
.. و ابتسم مكملًا بترددٍ:
- و عشان إحنا أخوات يا أدهم.. تسمحلي اتجرأ و أطلب منك حاجة …
- قول يا مراد طبعًا!
تنحنح “مراد” متململًا بمقعده، ثم قال بكلماتٍ غير مرتبة:
- هو. أنا.. كنت بقول يعني إني محتاج أحط نفسي في علاقة أحسن و أصح من السابقة. عشان أقدر أتخطاها تمامًا …
أدهم بدهشةٍ:
- بتفكر تتجوز يعني. عين العقل و الله. أنا بشجعك و مش زي الأراء إللي بتقول تتعافى من الجرح الأول و بعدين تعيش حياتك.. غلط. الانسان بيكون محتاج حد ياخد بإيده و يساعده. و عامةً الراجل مننا مايقدرش يعيش وحيد. ماكنش ربنا خلق حوا لآدم تأنسه و تكون شريكته!
ابتسم “مراد” أكثر و قد منحه “أدهم” بكلامه الثقة ليصارحه:
- معاك حق يا أدهم. إحنا مانقدرش نعيش لوحدنا.
- نفس الكلام ينطبق على الستات كمان. عشان كده أنا دايمًا بزن على إيمان أختي في موضوع الجواز رغم رفضها!
.. و أكمل و قد امتعض وجهه:
- و لو إنها أخيرًا اقتنعت و وافقت تبدأ صفحة جديدة من حياتها. الشخص إللي اختارته مايرضنيش بالمرة.. لكن انا مقدرش أعارضها. و بيني و بينك ما صدقت إن دماغها لانت. إيمان طول عمرها مصدر قلق بالنسبة لي و تملي حامل همّها!
كان “مراد” يستمع إليه مشدوهًا، غير مصدقًا، من الذي يتحدث عنه “أدهم”؟هل يمكن أن يكون عنه هو؟ أم عن غيره!؟؟؟؟
لا يمكن أن يكون رجلٌ غيره.. لا !!!!
- انت بتقول إيه يا أدهم!؟
.. سأله “مراد” شاحبً.
ليبتسم “أدهم” قائلًا:
- آه صحيح. أنا نسيت أقولك.. إيمان أختي هاتجوز بعد إضرابها من ساعة وفاة أبو لمى.
- إيمان هاتجوز!؟
.. ردد “مراد” مصدومً.
لم يلاحظ “أدهم” اضطرابه و أضاف و قد عاوده الكدر:
- أيوة يا سيدي هاتجوز.. هاتجوز عم بنتها لمى. مالك ابن عمتي راجية!
رواية اوصيك بقلبي عشقا الفصل الثالث عشر 13 - بقلم مريم محمد
أدخل ! .. هتفت "إيمان" بصوتٍ ذي نبرات مرتجفة.
لينفتح باب غرفتها بعد لحظة وتطل رأس "مايا" عبر فتحته. ابتسمتا لبعضهما من خلال المرآة.
واستأذنت "مايا" بلباقةٍ:
ممكن أدخل يا إيمي ؟
أومأت لها الأخيرة:
معقول بتستأذني.. ادخلي يا مايا !
دلفت "مايا" وأغلقت خلفها باب الغرفة. توجهت ناحية "إيمان" رأسًا وعانقتها من ظهرها متمتمة:
عاملة إيه !؟
جاوبتها مبتسمة بمسحة حزنٍ:
كويسة !
مايا مشككة:
يا بنت. عيني في عينك كده !!
تنهدت "إيمان" بعمقٍ واستدارت لها. بدا الوهن على قسماتها وهي تخبرها:
إنتي عارفة يا مايا.. أنا لازم أبين كويسة دايمًا. حتى لو مش كده.. سيف الله يرحمه علّمني كويس.
عبست "مايا" قائلة بتعاطفٍ:
إنتي مش مقتنعة بمالك صح ؟ ماتداريش عليا. أنا كمان مش مصدقة. وماكنتش أتخيل حتى أن مالك يفكر في كده.. بس إنتي يا إيمان في إيدك تنهي المهزلة دي !
-مش عايزة أنهي حاجة يا مايا. صحيح كل إللي قلتيه ده.. لكن أنا ماعدتش بفكر في نفسي. أنا نسيت نفسي من زمان أصلًا.
-أومال بتفكري في مين يا إيمان !؟؟ .. غمغمت "مايا" بشيءٍ من العصبية.
لترد "إيمان" بلا ترددٍ:
بنتي يا مايا.. لمى هي إللي لازم تشغل كل تفكيري. ولمى محتاجة أب. مش هاتعيش فترة طفولتها وحتى لما تكبر من غير أب. وأنا مش هالاقي لبنتي أحسن من مالك يقوم بالدور ده.. هو عمها وأحق بتربيتها. وأكتر واحد ممكن يحبها ويرعاها !
*****
صدمة.. قشعريرة… ألم في المعدة.. جبينه يتندى بالعرق الطفيف.
بعد سماعه تلك الأخبار، لم يستطع نطقًا بعدها وظل فقط يحملق بأبن خالته دون أن يحرّك ساكنًا. ليستأنف "أدهم" غير منتبهٍ بما وقع عليه:
أنا كنت متوقع إنها ترفض لما بلّغتها بطلبه. لكن بصراحة ذُهلت وهي بتقولي موافقة.. بس طبعًا مقدرش غير إني أحترم رغبتها. في النهاية هي ست وأكيد محتاجة لراجل في حياتها !
لم يزل على صمته. فقطب "أدهم" مسغربًا وسأله:
مالك يا مراد ؟
أجفل "مراد" منتزعًا نفسه من حالته المريبة. اغتصب ابتسامة لم تصل إلى عيناه وقال:
مافيش يا أدهم. أنا تمام.. بس افتكرت مشوار لازم أعمله دلوقتي …
وبدأ بجمع أغراضه من فوق الطاولة أمام عينيّ "أدهم" المشدوتين:
هو أنا لحقت أقعد معاك. وبعدين انت مش كنت عاوزني !
مراد باقتضابٍ:
أيوة بس الوقت مش هايسعفنا. أنا مضطر أقوم معلش. ممكن أعدي عليك في البيت على بليل لو ممكن.
أدهم مرحبًا:
آه طبعًا ممكن. تعالى مستنيك.
قام "مراد" وسحب سلسلة مفاتيحه في يده قائلًا:
أوكي يا أدهم.. أشوفك بليل !
أدهم بابتسامة:
إن شاء الله.. في رعاية الله.
رد له "مراد" الابتسامة مجاملًا.. ثم مضى مغادرًا المقهى العصري بخطىٍ حثيثة …
*****
حضّرت "إيمان" القهوة التي لطالما أعدّتها لشقيق زوجها الراحل في أوقات الدراسة وحتى بعد أن صار رجلًا مستقلًا. الآن هي تعدّها من أجله ولكن بصفةٍ أخرى، فهو قريبًا سيغدو رجلها.. أجل ذلك الولد الذي درست له في فترة صباه، ونصحت له في أمور العشق بمراهقته، وكانت تعامله كأخٍ مقرّب طيلة سنوات زواجها وحتى بعد أن ترملت.
تحتى هذه اللحظة لا تعرف كيف بات ينظر إليها تلك النظرة !!؟
صحيح أن قبلت به، ولكن حتى ولو كان غيره الذي أتاها لترضى هربًا من ماضيها الذي لا ينفك يلاحقها. كانت لترضى بأيّ رجلٍ مخافةً أن تقع في وحل الآثام من جديد.
لكن.. ماذا عنه هو ؟كيف طاوعته نفسه أن يتقبل مثل هذا.. إنها زوجة أخيه، في مكانة أخته، هل يمكن هذا، هل يمكنه أن يتخيلها بين ذراعيه ؟
بعد أن كانت ملكًا لأخيه.. هذا شيء لا يُصدق!
ولكنها الحقيقة للأسف.. "مالك" يريدها. و هي قبلته وانتهى …
حملت "إيمان" صينية القهوة، وخرجت على مهلٍ مطرقة الرأس. وصلت إلى حجرة المعيشة متماسكة، ولكن الارتباك ما لبث أن اغتالها حين خبت الأصوات فجأة عند ظهورها. رغمًا عنها رفعت وجهها لتشتبك نظراتها بنظراته.
ارتعش بداخلها وهي ترى عيناه تتفحصانها لأول مرة بهذا التدقيق والجرأة. ابتلعت ريقها بتوترٍ وأجبرت نفسها على المضي بنفس الوتيرة المتزنة، وصولًا إلى أمها أولًا …
قدمت إليها شايًا كما تفضل، ثم انتقلت إلى "مايا" وقدمت لها العصير الطازج، وأخيرًا انتهى بها المطاف أمامه…. ليست المرة الأولى التي تقف قبالته هذا الموقف… لكنها المرة الأولى وهي تعلم جيدًا النوايا التي تطل من عينيه الآن. كان لا بد أن تثير تلك القشعريرة التي سرت بأوصالها مشاعر مُحببة… إنما لا.. العينين ليست عينيّ "مراد". النظرات ليست له. تبًا له وتبًا لحظها إذ ما زالت تراه في كل شيء وكأنه مركز الكون وحياتها تتوقف عليه. هي كذلك بالفعل …
-تسلم إيديكي ! .. قالها "مالك" ممتنًا لها وقد تلامست أيديهما عرضيًا.
فأنتفضت "إيمان" وارتجت الصينية بين يديها وانسكب الماء والعصير المخصص لطفلتها. جمدت المسكينة مضطربة أشد الاضطراب، بينما يسارع "مالك" لتفادي الضرر الواقع قدر استطاعته.
-مافيش حاجة. حصل خير. على مهلك ! .. حاول "مالك" أن يُلطف الأجواء ليخفف عنها.
لم تقوَ "إيمان" على النطق، وقد كانت أمها تقف إلى جوارها خلال تلك الأثناء. ربتت على كتفها مرةً ثم قالت وهي تنحني لتجمع ما سقط فوق الأرض:
معلش يا حبيبتي فداكي. خلاص يا مالك يا حبيبي. أنا هالم إللي وقع. قوم يابني عيب ..
لم يصغِ "مالك" لأمرها وأعاد الكؤوس إلى الصينية، ثم نهض مبتسمًا وقال:
عيب إيه يا طنط أمينة. هو أنا غريب يعني !؟
-يا حبيبي مش القصد. طيب ماشي. تسلم إيدك ! .. وحملت الصينية عن ابنتها بالفارغ وأردفت:
أنا بقى عاملة على الغدا مفاجأة هاتعجبك انت وأختك أوي يا مالك.. تعالي معايا يا مايا ولا لسا مش بتدخلي المطبخ ؟
أخذت "مايا" كأسها وقامت على الفور مُرحبة:
لأ يا طنط وده معقول. أنا خلاص بقى معايا كتكوت. ومستوايا في المطبخ بقى عالي أوي ..
وغمزت لها.
ضحكت "أمينة" مجلجلة:
طيب ياختي الماية تكدب الغطّاس. تعالي ورايا ! .. ولكنها التفتت نحو ابنتها أولًا وقالت:
وإنتي يا إيمان روحي انتي ومالك الفراندة عشان تتكلموا براحتكوا. وخلّي معاكوا لمى تلعب حواليكوا على المرجيحة ولا بلعبها جمبك ..
و لم تعطها فرصة الرد، هكذا قامت بتدبيسها وفرّت مع "مايا". لتجد "إيمان" نفسها وجهًا لوجه أمام "مالك" !!!
لم تجرؤ على النظر إليه البتة، هي التي كانت تكيل له المزح والدلال، صار الوضع أكثر غرابة وغير معقولًا الآن …
-إيمان !
أجبرت نفسها على النظر إليه. كان وجهها محتقنًا بشدة، وفي المقابل كان هو أكثر استرخاءً ومرحًا. لا يزال يبتسم لها ابتسامته العذبة الجذابة وهو يستطرد:
مالك يابنتي في إيه. متنشنة ليه من ساعة ما شوفتيني. أنا مش واخد عليكي كده !
ارتعش فكها بشكلٍ طفيف وملحوظ لفت انتباهه وجعله يحدق أكثر إلى فمها المغري وهي تتحدث بتوترٍ:
أنا تمام يا مالك. مافياش حاجة.. ممكن تاخد قهوتك وإحنا داخلين الفراندة !
أومأ لها واستدار ليحمل فنجان قهوته. في نفس اللحظة تصيح هي منادية صغيرتها التي جلست فوق الأريكة وحدها مشغولة بالدمى والهدايا التي جلبها عمها لأجلها:
لمى.. يلا يا قلبي تعالي معايا وهاتي عروستك معاكي.
أذعنت الصغيرة لأمها، قامت مصطحبة معها الدمية الشقراء الجديدة، أخذتها وجلست فوق الأرجوحة وانخرطت في حوارٌ هزلي معها.
جلسا كلًا منهما إلى الطاولة الوحيدة بالشرفة الأنيقة، وعدا عن صوت "لمى" الطفولي الناعم، كان الجو هادئًا، إلا أن "إيمان" لم تشعر بالراحة مطلقًا، خاصةً وهي تشعر بنظراته تكتنفها، ثم تسمع صوته مبغتةً:
أظن طنط أمينة قالت هاتسيبنا على إنفراد عشان نتكلم براحتنا.. بس أنا حاسك غريبة أوي إنهاردة يا إيمان !!
وجهت ناظريها إليه وهو يتحدث امتثالًا لآداب الحديث، ثم قالت وهي تبتسم بخفةٍ:
انت متهيألك يا مالك. أنا كويسة خالص والله.
-فعلًا ؟
-أيوة !
-إمم.. طيب إنتي عارفة أنا جاي ليه إنهاردة !؟
لاحظ على شعاع الظهيرة الشتوية الغائم قسماتها الرقيقة المتعبة، وعينيها العسليتان منطفئتين قليلًا، لكن مع ذلك كانت جميلة كما هي شيمتها، بعيدة عن التكلّف، طبيعية، وهنا يكمن سر جاذبيتها.. منذ أن جاء اليوم وكلما نظر إليها شعر بما يشبه صعقة كهربائية …
-جاي تكلم أدهم وماما ! .. تمتمت "إيمان" بشيءٍ من الارتباك.
راوغ "مالك" قائلًا باسلوبه الماكر:
أكلمهم في إيه ؟ ماتعرفيش !؟؟
تنحنحت "إيمان" وهي تقول بمزيدٍ من الاضطراب:
مالك.. المسألة مش ناقصة إحراج أكتر من كده. أنا عارفة إنك طلبت تتجوزني وأنا موافقة. خلاص بقى من فضلك !
انحسر مرحه فجأة وهو يرد عليها بحدةٍ:
خلاص يعني إيه ؟ إنتي شايفاني إيه قدامك يا إيمان.. أنا مش الولد الصغير ابن إمبارح إللي كنتي تعرفيه. أنا بقيت واحد تاني وإنتي دلوقتي في حكم خطيبتي. مهما كانت الظروف. مهما كانت العوائق بينا من وجهة نظرك ده ماينفيش إني راشد كفاية وراجل أقدر أتحمل قراراتي.. أنا اخترت ارتبط بيكي بارادتي. وإوعك تفكري إن فارق السن ده يديكي أفضلية عليا بأي شكل. جايز مقدرش أثبت لك ده دلوقتي. لكن لحظة ما تبقي مراتي هاتتأكدي مليون في المية من كلامي !!
تلميحاته المبطنة أصابت معدتها بألمٍ حاد. هذا التطور لا يزيد الوضع إلا سوءً. لا يمكنها تحمل الأفكار التي يشير إليها. رغم أنها فرصتها لتنال حياة أكثر آدمية.
لكنها لا تريدها معه. إنه رجل وراشد كما قال، بل ويمتلك من الوسامة ما يميزه عن أخيه الراحل ويجعله متفوقًا عليه. لكن كل هذا لا يحرك فيها شعرة. قلبها لم يكن يومًا ملكًا لأخيه، وحتمًا لن يكون له.
"منك لله يا مراد. مش مسامحاك".. همست بهذه العبارة بينها وبين نفسها وقد فشلت بحبس الدموع التي طفرت من عينيها بغتةً وخانتها جارية على خديها.
تجمّد "مالك" من الصدمة. حين رأى دموعها تبخرت كل مخططاته للسيطرة عليها منذ البادئ. هب واقفًا من فوره، أتى بجوارها ومد لها منديل قائلًا بارتباكٍ كان نصيبه هو هذه المرة:
إيمان. إنتي بتعيطي بجد. ليه ؟ خدي طيب ..
أخذت من المنديل الورقي دون أن تنظر إليه، لكنه كان غير كافٍ لتجفيف مدامعها التي فتحت على الآخر ولم يعد لها سلطانٌ عليها. ولما عجزت أكثر حجبت وجهها بكفّيه وراحت تجهش ببكاءٍ مرير اجتذب نظرات الصغيرة "لمى" نحوها.
من جهة أخرى شعر "مالك" بتأنيب الضمير أكثر وهو يحاول معها مرةً أخرى:
أنا آسف والله. والله مقصدش أزعلك. حقك عليا طيب.. يا إيمان. إهدي عشان أشرح لك. إنتي أهم عندي أنا بالأخص من كل حاجة. مهما حصل أنا مش ممكن أغلط في حقك. أنا جايز أكون فهمتك غلط وقلت كلام زعلك.. أنا آسف تاني !
-ماما !
تناهى صوت "لمى" إلى مسامعها في هذه اللحظة.
غصّت نشيجها في الحال حابسة أنفاسها، ثم كفكفت عينيها في كمّ كنزتها قبل أن تتطلع إليها… كانت الصغيرة تقف إلى جوار عمها، ولكن أقرب إليها.
-نعم يا حبيبتي !؟ .. خاطبتها "إيمان" بلهجةٍ منكسرة.
قلبت "لمى" شفتها السفلى وهي تشير إلى آثار الدموع اللامعة على وجنتيها:
إنتي بتعيطي !
هزت رأسها سلبًا وهي تقول بشبه ابتسامةٍ:
لأ يا روحي. أنا عيني دخل فيها تراب بس. أنا كويسة.. بصي روحي هاتيلي كوباية ماية من عند تيتة بسرعة وتعالي.
-حاضر !
قبّلتها "إيمان" على خدها أولًا، ثم تركتها تركض حيث أمرتها. أخذت تستغل هذا الوقت في غيابها لتكبح كل هذا الجزع والضعف الذي طفى على السطح فجأة.
كان "مالك" لا يزال واقفًا مكانه. رفعت "إيمان" رأسها لتنظر إليه بعينيها اللامعتان.
-أنا مش هاسامح نفسي على إللي عملته فيكي ده ! .. قالها بندمٍ جمّ.
عبست محدقة فيه بغرابةٍ. أجل هي تعلم أن ردة فعلها مبالغٌ بها، على الأقل بالنسبة إليه، لكن ردّه هو أدهشها.. لماذا يشعر بكل هذا الأسى ؟
يتحتّم أن يراها سلبية ورمزًا للكآبة والنكد كما كان يتفنن أخيه بتلقيبها !!
تفاجأت "إيمان" وهي تراه يجثو فوق ركبته باللحظة التالية، ولم تأتِ بحركة عندما قبض على يدها بكفٍ، وبكفّه الأخرى يمسح على رأسها المغطى بالوشاح الزهري.
-أنا بقدّرك جدًا.. إنتي عارفة. مافيش راجل مايتمناش واحدة زيك. إنتي جوهرة نادرة يا إيمان. لسا حلوة وجميلة زي مانتي.. صدقيني. أنا مش زي سيف. أنا عمري ما هاسيئ معاملتك.. أنا هاعوضك عن كل إللي عشتيه معاه. و هاتشوفي …
-مـالك !!!
بدد هتاف "أدهم" هدوء الأجواء بقساوة مفاجئة ودبّ الذعر بقلب "إيمان" !
رواية اوصيك بقلبي عشقا الفصل الرابع عشر 14 - بقلم مريم محمد
خرجتُ أبحث عن العشق و رجعتُ مُمزقًا ؛ الآن أنا بين يديكِ أشلاءً… أرجوكِ.. لا تتركيني !
مراد
على عكس إيمان التي ماتت بجلدها فور ظهور أخيها فجأة و ضبطها متلبسة، تصرّف مالك بمنتهى الهدوء و هو يقوم من ركوعه و إستدار ليلاقي أدهم مبتسمًا.
أدهم ! ازيك يا كبير واحشني جدًا و الله.
اقترب أدهم خطوتين منه و عيناه تقدحان شررًا.
الظاهر إني كنت غلطان في تقديري ليك. انت ماتفرقش حاجة عن أخوك !
قامت إيمان محاولة تلطيف الجوّ.
يا أدهم آ …
اسكتـي إنتـي خـالص !!!
صاح أدهم بغضبٍ مستطير.
فألجم لسان إيمان و جمّدها بمكانها من الرعب. فهي نعم، تخشى أخيها… و ليس فقط تحترمه.
نقل أدهم نظراته المتقدة محدقًا بـ مالك ثانيةً.
انت بتكلم إيمان بالشكل ده ليه يا أدهم ؟
قالها مالك بأريحية لا تخفي احتجاجه.
كلامك معايا أنا. كنت بتقول إني مافرقش حاجة عن سيف صح !؟
كوّر أدهم قبضته مُمسكًا شرّه بصعوبة و هو يقول بخفوتٍ مخيف.
قدامك 3 ثواني عشان تمشي من وشي يا مالك. و إلا …
و إلا إيه يا دكتور ؟ بتهددني !!
لم يتعاطى معه أدهم بكلمةٍ أخرى، هجم عليه شادًا إيّاه من تلابيبه بعنفٍ كبير، لتقفز إيمان فوق مقعدها صارخة.
خلال لحظاتٍ كانت كلًا من أمينة و مايا هنا. كتمت مايا صرخة ملتاعة بكفّيها لمرآى شقيقها في هذا الوضع بين يديّ أدهم. بينما أمينة قد هرعت نحو إبنها في الحال هاتفةً و هي تحاول الحؤول بينه و بين الأخير.
أدهــم.. إيـه إللي بتعمله ده يابني. ماسك في ابن عمتك كده ليه بس. ســيبه بـقى !؟؟
تركه أدهم بصعوبة و هو يلتفت صائحًا بأمه و قد خرج عن شعوره.
أسيـبه طبعًا. مانتي كمان سايبة السايب في السايب يا أمي. أدخل عليهم ألاقي ماسك إيدها و بيحسس عليها. إزااااااي. نـايمة على ودانك !!؟؟؟؟
إلتفتت أمينة نحو مالك ناظرةً إليه بمزيج الحنق و خيبة أمل.
كده يا مالك. كده بردو تخون ثقتي و تسوّد وشي قصاد إبني ؟؟
إوعي بقى كده إنتي لسا هاتعاتبي !
تأوهت أمينة مصدومة حين شعرت بقبضة أدهم تشدّها للوراء كي تبقى بعيدًا، لأول مرة يمد ابنها يده إليها بهذه الطريقة، مِمّ يعني أنه قد بلغ من الغضب عتيًا لم يصل إليه بحياته كلها.
وقف أدهم أمام مالك قريبًا منه إلى حدٍ خطير.
أطلع برا يا مالك.. البيت ده مش هاتدخله تاني أبدًا !
*****
ظل لقرابة الساعتين منطلقًا بسيارته بشوارع المدينة، هائمًا على وجهه، يطوف الأماكن نفسها على غير هدى و هو لا ينقطع عن التفكير بها.
يا لسخرية القدر، لقد قضى ما ينوف عن ثلاثة عشر عامًا هاربًا منها، متنصلًا من مسؤليته عن جريمته بحقها، لم يرد يومًا الزواج منها بعد أن نالها. اليوم و بعد أن حسم قراره أخيرًا، بعد أن أدرك إستحالة حياته بدونها، و أنها شريكته و مكمّلته الحقيقية، حبّه الوحيد و الأبدي. ضاعت منه بمنتهى البساطة… هكذا !!!
يضاعف مراد من السرعة التي يسير بها، بينما تضيق حدقتيه و هو يتخيّل وجهها أمامه، ثم ما لبث أن انضم آخر إليها، رجلٌ لا يعرفه، لكنه هو الذي ينوي سرقتها منه، لا يمكن.. إنها له.. دائمًا كانت له هو.
ضاعت منه مرة، و جاءت صفعة الحياة قاسية حتى يفيق من غفلته، عاد لها و لن يضيّعها مرةً أخرى… لن تضيع إيمان منه !!!!
يتفادى مراد في هذه اللحظة جسد ظهر أمامه فجأة عند منعطفٍ ما، داس مكابح السيارة فورًا، و إذا بها امرأة مبتذلة بثيابٍ فاضحة و زينة صارخة لا تتناسب أبدًا مع أجواء النهار.
ما إن توقف حتى إنفجر فاها بأقذع الألفاظ النابية تسبّه و تلعنه و هي تضرب مقدمة سيارته بقبضتها.
يا أعمى يا ××××× يا ××××××. دي تلاقي أمك إللي جايباهالك. ماشي زي التور يا ×××××× !!!
رغم كل ما قالته و سِبابها و تشيهرها به أمام المارّة، إلا أنه كان له من التسامح أن يرد عليها بوداعةٍ مدهشة.
أنا آسف !
كان البؤس يتماوج على قسماته، بينما الأخيرة تدور حول السيارة و قد لفت نظرها بقوةٍ، سارت إليه كالمسحورة، هبطت تجاهه و طلّت عليه عبر نافذة السيارة، تفرّست بملامحه الوسيمة بجرأة متمتمة و هي تمضغ العلكة بسلوكٍ مشين.
ياختشي عليك و على حلاوة أمك. إيه يا واد القمر ده. انت منين يا معسل انت. أكيد من المنصورة. كلهم ملونين و قشطة زيك كده !
و أطلقت ضحكةٍ رقيعة.
تأفف مراد من الهزل الذي وقع به، لتستطرد السيدة الخليعة و هي تتمايل أمامه بغنجٍ.
طالما بتأفف كده يبقى علاجك عندشي. بقولك إيه هاجي معاك و لاجل طعامتك دي هاخد منك ميتشين 200 جنية في الساعة. و لا أقولك. مش عايزة فلوس خالص كفاية انت.. إيه رأيك !
ضاق مراد ذرعًا منها و لم ينتظر ثانية أخرى، انطلق بسيارته من جديد محددًا وجهته هذه المرة.
*****
الآن بعد أن أفسحت سلاف مجالًا بأخذها الصغيرة لمى بعيدًا ميدان النقاش الحاد بين زوجها و شقيقته و أمه.
ها هو أدهم يقف بمنتصف الصالة، تقف أمامه أمه محاولة تهدئته، بينما تجلس إيمان فوق الكرسي تنتحب بمرارةٍ و هي تستمع إلى صراخه فيها و تقريعه القاسِ.
ماكنتش أتخيّل إني اشوفك في وضع زي ده. و إنك ممكن تسمحي لحد يلمسك بس. إنتي اصلًا مابتسلّميش بالإيد. و ســـيف نفسه إللي كنتي بتموتي فيه ماسمحتيلوش يمسك إيدك لحد يوم الفرح. إزاااي تسيبي حتة العيّل ده يعمل معاكي كده. إنتـي ؟؟ إنتــي يا إيـمان ؟؟؟؟
خلاص بقى يابني !
هتفت أمينة بنزقٍ و قليل من الحزن بسببه.
كفاية إللي عملته يا أدهم. في أختك و في مالك. و حتى فيا أنا.. أمك. هو ده كلام ربنا إللي حافظه و ماشي بيه. تعامل أمك كده !؟؟
لو أنها لم تستفزّه من جديد، جعلت المشهد يتكرر أمام عينيه ثانيةً و يصيح.
ماتخلّنيش أغضب ربنا أكتر من كده و اسكتي يا أمـــي. إنتي كمان جرى لك إيه. فجأة الحدود عندك بقت مباحة. و فاتحة له البيت و أنا مش موجود. معاده ماكنش الساعة دي و لولا رجعت بدري و شوفت إللي حصل كان مر مرور الكرام.. الله يسامحك. الله يسامحك !
و قد كان عصبيًا و يلهج من شدة الغضب و قد احتقن وجهه بالدماء، لدرجة أن أمه خافت عليه كثيرًا، تراجعت عن كل ملامتها عليه و أخذت تربت على صدره الخافق بقوةٍ متوسلةً إيّاه.
طيب خلاص. خلاص يا أدهم حقك عليا. أنا غلطانة يابني.. إهدا يا حبيبي و أنا هاعمل إللي يرضيك. قولي عايز إيه يتعمل و هاعمله.
بذلت أمينة جهدًا أكثر في مراضاته.
إللي تشوفه. لو مش عايز الجوازة دي تتم مش هاتم. بس ماضايقش نفسك كده.
و مش هاتّم أصلًا. أنا الغلطان إني طاوعتكم في لعب العيال ده !!
و هنا هبت إيمان واقفة، ثم قالت و الدموع تجري فوق خديها.
مش انت إللي تقرر يا أدهم.. الجواز هايتم !
حملق أدهم فيها مشدوهًا، لتكمل ماسحة دموعها بكمّها بقوةٍ.
انت كان عندك حق لما كنت بتقول إني لسا صغيرة و محتاجة لراجل في حياتي. و الراجل إللي أنا اختارته هو مالك.. أنا عاوزة مالك.
ارتفعت يداه مبعدًا أمه عن طريقه بحزمٍ، مضى صوب أخته و هو يتساءل عابسًا بشدة.
من إمتى يا إيمان. من إمتى و إنتي متعلّقة بيه كده و سامحة له بالتجاوزات !؟
و علا صوته إلى حد كاد يصمّ الآذان.
لما كنتي بتروحي تزوريهم و تباتي بالأيام هناك.. كان بيحصل إيـه من ورا ضهري !!؟؟؟؟؟؟؟؟
على قدر خوفها منه، تدافع الكلام من فمها بسرعة و تنميق لم تتوقع أيّ منهما.
إنت اتجننت. إيه إللي كان ممكن يحصل يعني.. إنت إزاي توجه لي إتهام زي ده. فوووق يا أدهم و أعرف إنت بتكلم مين. مش معنى إني ست و عندي مشاعر زي أي واحدة أبقى أعمل إللي بتفكر فيه. أنا طول عمري مقفول عليا و محدش شاف خيالي. و لما اتجوزت عشت أسود سنين حياتي رغم إني كنت بحبه. إيـــه. هاتعلق لي المشنقة عشان هفوة مقدرتش أسيطر فيها على مشاعري. إنت فكرني حجر. مابحسش. أنا مابقتش صغيرة و مش من حقك توقفني كده زي التلميذة. أنا إتبدلت في حياتي ما فيه الكفاية. إتبهدلت و مش هاسمح لحد يجي عليا تاني و لا حتى إنت. ســـامع !!!؟؟
و شهقت بعمقٍ مكافحة غصّة البكاء لآخر لحظة، غطت فمها بكفّها و استدارت مهرولة إلى غرفتها قبل أن تنهمر دموع القهر و الضعف من عينيها مرةً أخرى !
رواية اوصيك بقلبي عشقا الفصل الخامس عشر 15 - بقلم مريم محمد
“على قدر حبّي لك ؛ كان انتقامي من نفسي !”_ إيمان
الأيام التالية في البيت، المكان الذي لا تغادره أبدًا و ليس باختيارها، كانوا مثل الأيام التي قضاهم “مراد” هنا منذ عودته خائب الرجاء بعد طلاقه. أوقاتًا مليئة بالدراما.
غرفتها صارت ملجأها الوحيد للابتعاد عن رؤية من بالبيت على حد سواء، فهي عدا طفلتها لم تكن تود أن تلتقي بأحدٍ بالخارج. لعلها تصرفت على هذا النحو لتضغط على أخيها و أمها حتى يُغيّرا قرارهما بشأن إلغاء فكرة زواجها من “مالك”. و مهما كانت الجهود التي بذلتها حقيقية أو مُزيفة، فيبدو بأنها نجحت.
في النهاية رضخ “أدهم” لرغبتها و وافق أن تتخذ كامل الحرية في القرار. و لكن كان شرطه حتى يتراجع عن رفضه المتشدّد، ألا يلتقي الإثنان أبدًا حتى موعد عقد القران، و الذي سيكون غدًا.
لأكثرمن ساعة لا زالت “إيمان” ترقد في سريها وحيدة. بل بالنظر إلى وحيدة، فهي نظريًا و عمليًا وحيدة بالمنزل كله منذ غادرت أمها مع زوجة أخيها آخذين الأطفال كلهم حتى يتلقّوا تطعيماتهم. و أما على الصعيد العاطفي، فهي وحيدة دائمًا.
تنهدت “إيمان” بعمقٍ و هي تتمطّى في فرشتها. أمسكت بهاتفها المستلقي بجوارها فوق الوسادة و تحققت من الوقت، إنها ساعة الظهيرة و قد تأخرت مثل عادتها بالآونة الأخيرة. نفضت عنها هذا الكسل و ألقت الأغطية و قامت.
فتحت خزانتها و إلتقطت قميصًا قصير بلا أكمام منسوج من القطن و بقطعٍ من الدانتيل. حملته معها إلى الحمام، و أخذت هناك دشًا طويلًا للغاية. فرغت و جففت شعرها ثم شدته لأعلى في ذيل فرس. فرشّت أسنانها منتعشة بنكهة النعناع بفمها و حتى أنفها. توضأت، و رغم إنها ليست بمزاجٍ جيد إلا إنها دللت بشرتها قليلًا و قامت بروتينها المهجور منذ مدة. وضعت قناعٍ ورقي على وجهها لدقائق بينما ذهبت للمطبخ لتعدّ فنجان قهوتها. انتظرتها حتى نضجت و عادت بها إلى الحمام. نزعت القناع عن وجهها برفقٍ و ألقته بسلّة المهملات، ثم مررت مرطّب الشفاه فوق شفاهها مرتين.
و الآن… لا تنكر أنها تحسّنت كثيرًا. مزاجها صار أفضل برغم كل شيء.
تجرّعت فنجان قهوتها على مراحلٍ وصولًا إلى غرفتها. كانت تهم بارتداء اسدال الصلاة لتؤدي فريضتها، و لكن استوقفها جرس الباب فجأةً، و أيقنت على الفور بأن أمها و “سلاف” قد عادتا. و رغم علمها بأن “أمينة” تمتلك نسخة من مفتاح المنزل إلا إنها فكرت قطعًا بأنها تطرق عليها بسبب إنشغال كلتيهما بالأطفال الأربعة. لن تتمكن من فتح الباب بنفسها بالطبع. لذلك مضت “إيمان” مسرعة لتفتح باب الشقة.
هكذا دون أدنى ترددٍ، أدارت المقبض و جذبت الباب، و هي في هذا القميص الذي يمنحها سترًا زائفًا. جمدت من الصدمة بادئ الأمر عندما رأته هو ماثلًا أمامها و ليس غيره كما توقّعت. هو “مراد”!
انسحبت الدماء من وجهها و بالكاد أعطى عقلها إشارة لجسدها بأن عليها أن تتحرك، عليها أن تختفي من أمامه الآن. فورًا. فإذا بها فعلًا تستدير خلال لحظة و تنطلق راكضة للداخل تاركة له الباب مفتوحًا، أو لعلها لم تجد وقتًا لإغلاقه. كان كل ما يهمّها في اللحظة الراهنة أن تستر نفسها أولًا. و هذا ما فعلته.
عادت “إيمان” بعد فترةٍ وجيزة من غرفتها و قد ارتدت إسدال الصلاة خاصتها، لتجد “مراد” قد دخل إلى الشقة. ها هو يجلس بغرفة المعيشة فوق الكرسي الوثير، كان مسترخيًا و يضع ساقًا فوق الأخرى، و على حافة فمه علقت لفافة تبغٍ راح يدخنها في هدوءٍ. إلى أن شعر بوجودها.
- مبروك يا عروسة! هتف و مع ذلك لم يتحرّك من مكانه و لم تختلج عضلةٍ من جسده.
- كتب كتابك خلاص بكرة. صح؟
و أدار وجهه نحوها الآن مستطردًا بسخريةٍ لاذعة:
- كتب كتابك على العيّل ده!!
تستغل “إيمان” لحظة الصمت بينهما بعد ما قاله لتنظر إليه مليًا، و لكن بمجرد أن قام واقفًا فجأة و أجفلها، لم تستطع إلا أن تلاحظ ثلاثة أشياء بينما تتوقف رئتاها عن آداء وظيفتاها.
– جسده نقص بعض الوزن رغم أنه لم يكن سمينًا أبدًا في حياته، و أيضًا اكتسب ضخامةٍ في كلا ذراعيه و منكابيه مِمّ يفسر حتمية عودته لهوايته القديمة، و الوسيلة الوحيدة التي يتبّعها للتنفيس عن الضغوط المتراكمة. “ارتياد صالة الألعاب الرياضية”.
– شعره يبدو طويلًا بقليل عن آخر مرة رأته، كان أيضًا كأنه لم يُمشّطه اليوم، و كذا لحيته التي اعتادت عليها نامية مؤخرًا. إنها حليقة الآن.
– يرتدي جينز و كنزة بيضاء احتضنت جزعه بقوة.
آخر شيء أحسّت به و هي تتأمله هكذا، بل كانت متأكدة بأن حرارتها قد إرتفعت، جدًا، فالنموذج الذي تراه هو نفسه الذي يعود لحبيبها بين فترتي المراهقة و الشباب. كان و كأنه قد خرج للتو من الماضي لدرجة أن دوّرًا بدأ يداهمه.
ولا أن انتبهت لإنقطاع الأكسجين عن رئتيها، شهقت بقوةٍ مفاجئة بددتها مسرعة و هي تباغته قائلة باقتضابٍ و متعمّدة تجاهل ما قاله سلفًا:
- مافيش حد هنا في البيت. وجودك مش مرحب بيه يا مراد. إتفضل إمشي لو سمحت!
تظهر أسنانه البيضاء وراء إلتواء ابتسامته المغريّة و هو يرد عليها بتهكمٍ:
- أنا عارف إن مافيش حد في البيت. كلّمت أدهم و عرفت إنه بيدي محاضرة في الجامعة. و إن خالتي و سلاف راحوا يطعموا الولاد. ماجبش سيرتك. ف عرفت إنك لوحدك!
إبتلعت ريقها بصعوبةٍ و هي تحدق فيه، لا يخف عنها الطريقة التي نطق و نظر إليها بها خلال تلك اللحظات. هل ظنّت بالأيام السابقة أن تأثيره عليها قد نضب؟ إنها مخطئة تمامًا. قلبها الذي أخذ نبضه يدوي بجميع جسدها قد فضحها له قبلها هي، لا شيء فيها ينتمي إليها على الإطلاق، بل له هو، هي و هو يعرفان ذلك. لكن، عليها أن تتماسك بحق الله.
- و ده سبب كافي بالنسبة لي! صاحت بعصبيةٍ.
- إللي يخلّيني أقولك امشي. امشي يا مراد و لو تكرّمت ماتورنيش وشك تاني آ…
كم أنها مثيرة للشفقة و تدعو للرثاء. يصل إليها بينما تجفل قبل أن تدرك أنه استلّ من جيب بنطاله علبة صغيرة من القطيفة السوداء. حبست أنفاسها و هي تراه يفتحها ليشع أمام ناظريها بريق خاتمٍ ذي حجرٍ من الماس الثمين.
- تتجوزيني يا إيمان؟
لم تكن متأكدة إذا كان قد قالها حقًا أم لا، لكن رؤية الخاتم تؤكدها. فنظرت إليه، إلى عينيه ذات اللهيب الرمادي الخامد.
- أنا مخطوبة! قالتها و هي ترفع يدها اليمنى لتريه خاتم خطبتها عن كثب.
وأردفت بتشفٍ رغم تكوّن طبقة من الدموع بعينيها:
- و بكرة كتب كتابي. و بعد شهر فرحي. انت نايم و لا إيه يا مراد!?
أغمض عينيه بشدةٍ و هو يعيد غلق العلبة و يضعها بجيبه ثانيةً. نظر إليها بعد برهةٍ و قال شادًا على أسنانه:
- إنتي بتغلطي لتاني مرة غلطة بعمرك. أول مرة القدر أنقذك و عاقبني و رجعت لك. بطريقة ما حاجة جمعتنا و الحياة بتدينا فرصة تانية. ليه بتضيعيها بغباءك. أنا جاي و بقول هاتجوزك يا إيمان. مش ده إللي طول عمرك كنتي بتتمنيه!?
تتجهّم و تنفعل فجأة بكل الآسى و الألم بداخلها:
- فعلًا! بجد. زي ما تكون بتغير فردة جزمة مثلًا. فكرت لما تيجي و تقولي كده هاوافق علطول. فكرت فعلًا إني رخيصة أد كده ومستعدة أقضي حياتي كلها بحبك و مستنياك. أنا مش تحت أمرك. و المرة دي بالذات هاتجوز. لو كان في 100 سبب يخليني أرفض علاقتي بمالك ف بعد ما جيت و سمعت منك الكللام ده بقى عندي سبب واحد يمحي أي فكرة رفض كنت بفكر فيها. أنا هاتجوز مالك يا مراد. و انت أول المعزومين!!!
واستدارت متوجهة صوب باب الشقة هاتفة:
- و دلوقتي من فضلك إمشي. إمشي قبل مـ…
بترت عبارتها بشهقةٍ ملتاعة حين أتى من خلفها بغتةً قبل أن تمتد يدها إلى المقبض، أجبرها أن تلجئ ظهرها للجدار، بينما يضع يديه عند جانبيّ رأسها محاصرًا إيّاها. قسماته الصلبة لا تتغيّر و يُبقى عينيه معلّقتين بعينيها.
- إنتي شكلك مافهمتيش! تمتم بقساوةٍ تشبه ملامحه الآن.
- أنا مش جاي أناقشك و أحاول أقنعك. إنتي هاتسمعي كلامي و هاتنهي المهزلة دي.
كتمت شهقة أخرى عندما لف ذراع في لمح البصر حول خصرها و إلتصق بها بقوةٍ، تنظر إليه بشحوبٍ و قلبها يدق بإسراف، و كأنها مشلولة، تنظر إليه محاولة تدبير ردة فعل، تباعد شفتيها منتظرة أن تأتي كلمات الرفض و الإحتجاج، لكنها لا تأتي.
ابتسم بشرّ لإدراكه مدى ضعفها بين يديه و كسر الصمت بينهما مداعبًا وجنتها بإبهامه:
- إنتي بتاعتي يا إيمان. كنت غبي مرة لما سيبتك لغيري. كنت عيّل و غبي بجد. عقوبتي خدتها لما واحد غيري لمسك. و خلّفتي منه. و فضلتي معاه 3 سنين من عمرك. دلوقتي مش هاسمح لك تكرريها تاني. إللي مهونها عليا إنه مات. لكن واحد تاني يفكر يقرب منك. مش هايحصل يا إيمـان!!!
- و إنت كنت فيـــين! صاحت فيه الآن محاولة الإفلات منه.
- كنت فين من الأول. و كنت فين لما رجعت و لاقتني لسا بحاول معاك؟ هو انت كده طول عمرك. مفكر ان أي حاجة تحت إيدك و تقدر تاخد إللي انت عايزه في أي وقت. ده كان زمان يا مراد. أنا مابقتش إيمان بتاعة زمان.
شدد قبضته حولها بتملكٍ واضح و قال من بين أسنانه:
- إنتي زمان و دلوقتي و في كل وقت ليا يا إيمي. سامعاني كويس. إنتي كلك ليا. ماتقدريش تحبي غيري. ماتعرفيش أصلًا يعني إيه حب غير و إنتي في حضني أنا. تنكري؟
أحسّته يتمادى. في كل شيء، فإلتهب وجهها من شدة الغضب و قد تملكتها الصحوّة و انفجرت منفعلة من بين أسنانها:
- شيل إيدك عني يا مراد. أنا بحذرك. هاصرخ!!!
ابتسم بسخريةٍ و قال بقسوةٍ دون أن يفلتها قيد أنملة:
- حاولي تصرخي كده. ماتقدريش. إنتي ناسية أنا مين؟ أنا مراد. أنا حبيبك!
ردت بنزقٍ عصبي:
- حبك خلاص أنا قتلته. و قلبي مات معاه لما قبلت أكون لراجل تاني. قصدي تالت. أفهم بقى. أنا بقيت بكرهك.
قهقه ملء حنجرته مغلقًا عيناه بشدةٍ، ثم عاود النظر إليها قائلًا باستهجانٍ:
- و بتقولي قلبك مات؟ إزاي بتكرهيني و قلبك ميت. إنتي كدابة. إنتي عمرك ما تنسيني. و لا تقدري تقوليلي لأ!!
- طب لأ يا مراااد! صرخت و هي تثني ركبتها لتسدد ضربة قوية إلى ما بين قدميه.
كتم “مراد” صيحة ألم شديدة و إرتخت قبضته عليها قليلًا، فاستطاعت الفرار، أو هكذا خيّل إليها، قبل أن يهجم عليها من جديد دافعًا بوجهها تجاه الجدار، فأصبح ظهرها لصيقًا بصدره.
تأوهت “إيمان” حين اعتقل يديها خلف ظهرها في يد، و بيده الأخرى قبض على شعرها من أسفل الحجاب و قرّب فمه من أذنها هامسًا بخشونةٍ:
- مش هاتجوزيه يا إيمان. و لو كان تمن ده إني أحرق الكل. لو تمنه حتى إني أخدك بالقوة لو في وسط مين. هاعمل إللي مايخطرش على بالك!!!
صرخت بقهرٍ يشوبه بكاءٍ:
- انت ماتقدرش تعمل أي حاجة. انت أصلًا جبان و هاتفضل طول عمرك جبان و حقير يا مراد!!
غلت دماؤه بشرايينه المتسعة للدفقات الملتهبة تاُثرًا لكلماتها، فسمعته يغمغم متوعدًا:
- إنتي شايفة كده. و شايفة إني مش هقدر عليكي و إنك تقدري تعاقبيني دلوقتي. طيب. أنا بقى هاهدم الأوهام فوق دماغك. أنا و في المكان إللي جمعنا و كنا كيان واحد هفكرك تاني مين هو مراد. مين إللي حبتيه و سلّمتي له نفسك منغير ما تفكري مرتين. و نبقى نشوف لو هاتقدري تبصي لراجل تاني طول حياتك!!!!
لم تفهم ماذا قصد بكلامه بالضبط، إلا حين شعرت به يلف ذراعيه حولها و يرفع قدميها، ثم يحملها و يدور تجاه الرواق الطويل، ما زال يحملها و هي تركله محاولة نزع ذراعيه من فوق بطنها.
- سيبني يا مراد. رايح بيا على فين؟ سيبني هاصرخ. و الله هاصرخ!
و لم تكاد تبرّ بقسمها و إلا و وجدت نفسها بغرفتها، عندما يغلق الباب بقدمه و تراه يوجّهها نحو السرير، سريرها الذي شاركها إيّاه مرةً، تتشنج في هذه اللحظة و تصرخ أخيرًا و لكن صراخًا مكتومًا خشية أن يسمعها أحد.
- إهدي! يهمس بهدوء في أذنها دون أن ينوي تركها.
وفجأة تنام على ظهرها. إنها بلا شكٍ ضعيفة للغاية! لكن في هذا الموقف لم تكن ضعيفة الإرادة، بل العكس، كانت تصارع قبضته بشكلٍ مستميت، إلا إن جسدها كان أضعف ما يكون و هو فقط يُحكم سيطرته عليها.
- مش إنتي بس إللي بتضعفي قدامي! يتمتم و هو يثبت نفسه على يديه و ركبتيه فوقها.
بينما لا تتوقف عن تسديد الضربات له و هو يشد كنزته لأعلى و يخرجها من رأسه، ثم تنتقل أصابعه لتفتح أزرار بنطاله.
إتقدت عيناه بالرغبة المستوحشة و هو يستطرد مبقيًا على إتصالهما البصري:
- أنا كمان مابقدرش أقاومك. زيك بالظبط يا إيمان. أنا بحبك!
كان وجهها محتقنًا تكاد تنفجر أوردتها من ضراوة مقاومتها الواهية، تصرخ من قمة رئتيها و فمها مغلقٌ، تخربش ذراعيه و تدميه بالفعل و لا يثبط أيّ من هذا شيئًا من إصراره. يشده قميصها للأسفل و يخرجه من ساقيها، فتتيح لها فرصة واحدة للفرار، لكنه يحبطها فورًا.
في اللحظة التي يُسقط فيها جسده الصلب فوقها و يموضع نفسه بين ساقيها، تشهق بقوةٍ باكية. إنهما جلد لجلد للمرة الثانية ما عدا آخر قطعتين من ملابسها كانت تتشبث بهما كآخر أملٍ لتوبتها و وفاءً للعهد الذي قطعته أمام ربها بألا تخطئ ثانيةً حتى تُساق إلى القبر.
لكنه على وشك أن يُفسد كل شيء الآن.
وفجأة تصبح مستهلكة بين ذراعيه، تصبح أضعف كلما يشتد عويلها و لا تقدر على مقاومته أكثر و هو يحرّك عينيه ببطء لأعلى و أسفل جسمها:
- دلوقتي لو نسيتي. هفكرك يا إيمان!
رواية اوصيك بقلبي عشقا الفصل السادس عشر 16 - بقلم مريم محمد
“لا أفرط فيكِ ؛ و لا يهون قلبك طرفة عين يا حبيبتي !”
_ مراد
ألا لم تعقد مع نفسها إتفاقًا بأن تنسى كل ما جرى لها على يديه!؟
لقد حبست كل الذكريات المؤلمة معه طوال سنوات رحيله، لكن كونها في هذا الوضع، حقيقة أنها على وشك أن تُغتصب لم تساعدها على حبس أيّ ذكرى أكثر من ذلك.
لتطفو على السطح أبشع واحدة على الإطلاق؛
لا يمكنها أن تنسى تلك الليلة بكل تفاصيلها الموجعة، لا يمكنها أن تنسى إهانتها و إذلالها بأحطّ الطرق و الأساليب.. أبدًا… لا يمكنها أن تنسى!
كانت لا تزال بشهر العسل، كانت عروس، كما الظاهر.. لكن لم يكن أحد يعلم ما يحدث خلف الأبواب المغلقة و ما كان يفعله بها زوجها كل ليلة.
لكن تلك الليلة بالذات لا تقارن بأيّ معاناة خاضتها، الألم النفسي و الجسدي الذي نزل بها كان جسيمًا لدرجة تعذّر عليها تخطّيه حتى الآن، كان ثاني أسبوع من زواجها، و كانت منهكة للغاية جرّاء أيامٍ و ليالي قضتها فقط تلبّي حاجات زوجها و تتلقّى منه التقريع و المهانة، تركها هذا اليوم منذ الصباح و غادر فظنّت بأنها سترتاح أخيرًا و لو لبعض الوقت، لكن تعسًا لحظها، عندما هاتفها زوجها في المساء و أخبرها بأن تتجهز من أجله ليس على موعد عودته سوى نصف ساعة، و قد أخبرها أيضًا ألا تتعب نفسها في تحضير العشاء، لأنه بالفعل أحضره في طريقه.
كل هذا الدلال الذي يبديه لا تشعر بالراحة حياله، و كان قلبها منقبضًا، لكنها لا تقدر إلا أن تنفذ ما طلبه منها، فقامت من السرير تجر ساقيها، فتحت خزانتها بأذرعٍ مخدرة و اختارت بيجامة من الستان الزهري، بدّلت بثوبها القطني المريح و جلست أمام منضدة الزينة، وضعت القليل من الحمرة على خديها و شفاهها، و مررت قلم الكحل بين جفنيها في كلتا العينين، ثم أخذت قنينة العطر و نثرت بحركات آلية كيفما أتفق عند عنقها و صدرها و خلف أذنيها …
تحبس أنفاسها عندما تسمع الجلبة خارج الغرفة تعرف بأنه قد جاء، تحاول أن تفكر في حيلة سريعة ربما تنطلي عليه أو تكسب عطفه فيتركها و شأنها الليلة، لكنها لا تجد أيّ فكرة.. و فجأة يظهر “سيف” عند باب الغرفة.
تراه “إيمان” بالمرآة و هو يتكئ هناك بكتفه إلى إطار الباب، و قد كان يحمل في يديه كيسًا من الورق الموقّع بعلامة أشهر و أرقى متاجر الألبسة النسائية، لم يطيل المكوث مكانه إذ كان فقط يتأملها لبرهةٍ، ثم مشى ناحيتها مبتسمًا لها الإبتسامة المؤذية لمشاعرها، لم تكن تحمل في خباياها سوى الإحتقار الذي لا يستطيع المجاهرة به، ليس لأنها إبنة خاله فقط، بل لأنها صارت زوجته، و قد فات آوان أن يفضح سرها، فالجميع يعلم بأنهما متحابان و أسعد زوجين، و أنه راضٍ عنها أتم الرضا …
-حبيبتي ! .. تمتم و هو يضع يده فوق كتفها.
سرت القشعريرة في كل جزء من جسمها من مجرد لمسته التي لا تزال غير معتادة عليها، بل كل شيء غريب هنا معه، و لا يمكنها أن تستوعب كيف ستتأقلم و هي لا تحمل له أيّ مشاعر !!
رأته يشرع بحل أزرار قميصه و هو يمسّد كتفها قائلًا:
-ماجهزتيش نفسك ليه زي ما قلت لك !؟
نظرة عينيه فقط ترعبها، لولا الإنهاك الذي أثقل مشاعرها قليلًا و هي ترد عليه بتعبٍ واضح:
-مانا جاهزة أهو يا سيف !
رفع حاجبه مستنكرًا:
-جاهزة إزاي. بالبيجامة دي و جاهزة. لأ يا حبيبتي فكك بقى من دولابك ده خالص إللي ماشوفتش فيه حاجة تبل الريق.. بصي أنا جايب لك إيه …
و سحب من الكيس الذي يحمله رداءً نسائيًا فاضحٌ جدًا !!!
حملقت “إيمان” بصدمة و فمها يكاد يصل للأرض، الرداء لا يشبه حتى أكثر ثوب جريئ في خزانتها، من نسيج الشيفون، أسود اللون، قصير جدًا …
-و دول كمان ! .. و سحب من الكيس ما أفزعها أكثر.
أدوات طبّية غريبة و لكن لديها فكرة، و بعض الأشياء الأخرى التي تجهلها، لكنها واثقة.. تلك أغراض لا تُنتسب سوى العاهرات !!!
-لأ يا سيف ! .. نطقت تلقائيًا.
تلاشت ابتسامته و هو يستوضحها محتدًا:
-لأ إيه يا قلبي !؟
تنهدت بتوترٍ و قامت مستديرة نحوه، فركت يديها و هي تحاول إقناعه:
-أنا عارفة إن ليك ذوق معيّن. و انت كمان عارف إني طول الوقت بحاول أرضيك و أعمل إللي تطلبه مني.. بس. كل ده كتير عليا !
و أشارت لما يحمله بيديه …
ألقى “سيف” بالأغراض فوق السرير، مشى تجاهها على مهلٍ قائلًا بهدوء:
-قلت لك مش بتتسمى طلبات يا إيمان. أنا أستاذك. و أفتكر أول درس علمته لك مايتنسيش ..
كان قد وصل أمامها، شدها من خصرها و لف ذراعيه حولها بإحكامٍ بحيث لا يمكن للهواء أن يمرّ بينهما، كانت كعادتها تحبس أنفاسها حين يكون بهذا القرب الشديد جدًا منها.. دائمًا تتأهب لكارثة !!
نظر في عينيها و هو يقول بجمودٍ:
-أول درس.. فكريني كان إيه ؟
أحست بتوقف رئتيها هنيهةً عن العمل و هي تزدرد ريقها بصعوبةٍ، سحبت نفسًا مرتعشًا و هي تجاوبه همسًا:
-الطاعة.. إني أنفذ كل أوامرك بدون نقاش أو تفكير !
بزغت إبتسامةٍ ماكرة على شفتيه الدقيقتين:
-برافو. تنفذي.. و هاتعملي إيه دلوقتي ؟
تكوّنت طبقة من الدموع بعينيها الواسعتان و هي ترد عليه:
-هاغير و ألبس الحاجات إللي جبتها لي !!
-شاطرة يا حبيبتي. كده تعجبيني.. يلا و أنا واقف كده.
-لأ بقى ! .. اعترضت بقوة هذه المرة.
وقف ساكنًا و هو يستمع إليها تتحدث و القهر يفتك بها:
-مش هقدر أعمل كده قصادك. عشان خاطري بقى.. استنى برا !
مرّت لحظاتٍ.. ثم قال بمرونةٍ:
-ماشي.. داخل أخد دش بسرعة و راجع لك. بس في الإنجاز أنا مش مطول.
أومأت له مرة، و تنفست الصعداء ما إن اختفى عن ناظريها، جلست منهكة على طرف السرير، مدت يديها مترددة في أخذ الأغراض، لكنه أمهلها مدةٍ وجيزة.. عليها أن تُسرع …
بعد خمسة دقائق بالضبط، كانت منتهية، و كان هو أيضًا قد حضر إلى الغرفة ثانيةً.
تواجه الآن أمام بعضهما، وقفا متسمّرين، هي بالرداء الفاضح الذي بالكاد يغطي نصفيّ ردفيها، و هو لافًا المنشفة حول وسطه.
كانت خائفة و هي تشعر بقلبها يدق بعنفٍ و لم يحدث شيء بعد، فلا تعلم ما الذي ينوي عليه هذه الليلة.. بينما بدا عليه الحماس الشديد و هو يتفرّسها بعينيه من رأسها حتى أخمص قدميها …
-أووف ! .. يُفترض أن يكون ما تفوّه به إطراء.
و هو كذلك و ما ظهر عليه، إذ كان و كأنه لا يطيق حتى الجو من حوله ليصل إليها، و هذا ما فعله على الفور، مشى ناحيتها و الماء يُقطّر منه …
قبّلها من دون مقدمات، قبلة أجفلتها و آلمتها، قبلة إلتحم فيها جسديّهما لثوانٍ طويلة، قبل أن يدفعها نحو الفراش، لكنها أوقفته فجأة واضعة كفيها على صدره:
-مش قلت هانتعشى سوا الأول !؟؟
كان ما قالته عشوائيًا و سريعًا فقط لتكسب بعض الوقت بعيدًا عنه، لكن لم يلقى هذا أيّ صدى معه، تمتم بخشونةٍ:
-العشا يستنى. إحنا مع بعض للصبح !
و جذبها نحوه بذراع قويّة …
حين اعتلاها، رأت في عينيه نفس النظرات التي لا تحصل إلا عليها منه منذ كشفت له سرّها.. الإحتقار، الغضب، و الكراهية بعد الحب الكبير.
لكنها لا تُكذب احساسها، أحيانًا تشعر بأن حبها لا يزال يسكن قلبه، أحيانًا يظهره لها، أو يفلت منه لا إراديًا، إنما هي واثقة من إن جانبًا منه لا زال يعشقها.. و إلا ما أبقى عليها لحظة واحدة و سترها و كتم عليها عارها !
كان ما يحصل بينهما صعبًا، صعبًا عليها هي، و كانت مضطرة أن تتحمّله بل و تتظاهر بأنه يروق لها، رغم أنه يعلم الحقيقة، لكنه يتظاهر مثلها و يتعمّد إيلامها و إشعارها بالإهانة أكثر …
بينما كانت تدفن رأسها في عنقه و تكتم نفسها لأطول وقتٍ ممكن حتى لا تشم رائحته، تتضرع أن ينتهي الأمر بسرعة، لكنه لا ينتهي.. خاصةً عندما مال برأسه ليهمس في أذنها بأنفاسه اللاهثة… همسًا أرعدها بمكانها و جعلها تصيح باحتجاج و الدموع ملء عينيها:
-لأ. لأ يا سيف.. ده حرام !!
كان من العسير و المستحيل أن تقوم الآن بينما يأسرها بين ذراعيه، عوضًا عن أن كلماتها أججت وجهه و دفعته لفقدان السيطرة على نفسه مجددًا:
-حـراااااام !؟؟؟
إنتي تعرفي الحرام ياست الحسن و العفاف. خلاص بقى جو محترمة و متربية و متقفل عليها ده مابقاش ياكل معايا. ده انتي ××××× يابت. إنتي نسيتي نفسك و لا إيه ؟ ده أنا عامل معاكي الصح. بدل ما تشكريني و تبوسي جزمتي بتقوليلي حـراااام ؟؟؟؟
كانت مصدومة و مشدوهة من كل كلمة يتفوّه بها، كانت تبكي بحرقة، كانت في موقف لا تُحسد عليه و هي تنتقل معه لفصلٍ جديد و عقاب أبشع مِمّا سبق كله.
كل جزء منها يتمنّى لو أنها لم تعشق “مراد”.. الآن الندم و الألم هو كل ما خلّفه لها هذا العشق، لم تعد تشعر بقلبها، لم يعد لديها أمل في الحب، الحب غير موجود، ليس سوى القبح و الغدر ما أحاق بها على أيديّ حبيبها، ثم زوجها.
و الثاني لم يرحمها، و لم يشفق عليها طرفة عينٍ …
تركها “سيف” أخيرًا، بعد أن حقق هدفه السامي و أذلّها هذه المرة مذلّة لن تنساها بقيّة حياتها، حتى و لو كان هذا لمرةً واحدة.
منقلبة على وجهها، مد يده و أزاح الشعر عن جانب وجهها و مرّر أنامله على خدّها المبلل مغمغمًا:
-حبيبتي.. أنا آسف.. أوعدك مش هاعملها تاني !
كانت تذرف الدموع في صمتٍ الآن، عاجزة، مستنزفة.
بدخلها غضبٍ و ثورة بحاجة للطفو، كانت بحاجة ماسّة للصراخ، لكنها أرغمت على السكوت، و أطبقت فاها مستسلمة له مجددًا للنسخة الرقيقة منه التي دائمًا ما تظهر بعد أن يذهب الوحش الضاري الذي كان عليه منذ قليل …
****
-لأ يا سيف. لأ حرام عليك بقى. كفاية كده. كفاية تعمل معايا كل ده كفـااااااااااااااية !
صراخها ملء الغرفة و بلغ سمعيه بشدة، بينما يحاول تهدئتها عبثًا، أمسك بمعصميها و لا يزال مسيطرًا على جسمها المتشنّج، هتف فيها بقوةٍ:
-إيمـان. فوقي يا إيمان.. أنا مراد. مـرااد مش سيف. إيمان !
لم يبدو أنها سمعته جيدًا، كانت و كأنها بغيبوبة و هي على قيد الوعي، و كأنها ترى شخصًا آخر مكانه هو، الأمر الذي أقلقه بشدة و جعله يتقلّب فوقها دون أن يُفلتها، أخذ يهزّها بعنفٍ صائحًا:
-إيمـاااان.. فوقي. ماتخافيش يا حبيبتي. ماتخافيش مش هاعمل لك حاجة. و الله و ماكنتش ناوي أعمل حاجة أصلًا.. أنا بس كنت عايز أثبت لك إني لسا في قلبك. إنك لسا بتحبيني و ماتقدريش تكوني مع حد غيري …
أخيرًا بدأت تستجيب له، و تعود للوقع من جديد، لكن الأسى كان يغمرها حد الإختناق، فانفجرت ببكاءٍ عارم و هي تحاول أن تستر عريها بلا جدوى.
تنهد “مراد” في استياء و قام ليرتدي سرواله الجينز فقط، شد الغطاء فوقها حتى ذقتها، ثم دخل أسفله معها، أمسكها و أدارها لتواجهه بسهولةٍ، لفّ ذراعيه حولها و ضمها إليه بشدة، كانت في الأصل تبكي، و هذا جعلها تبكي أشدّ، كانت غير قادرة على كبح نفسها أكثر، كل شيء يؤلمها، غدره بها، حبها له، زواجها، خطبتها، كل شيء …
راح “مراد” يُقبّلها على وجهها و هو يضم وجهها بكفّيها متمتمًا باعتذاراتٍ لا تنتهي:
-أنا آسف. أنا آسف جدًا.. أنا غلطان. أنا آسف …
*****
ترجلت “سلاف” من سيارتها واضعة الهاتف فوق أذنها:
-أيوة يا أدهم. وصلت البيت خلاص.. لأ أنا هاطلع أجيب شهادة ميلاد لمى من فوق هانزل علطول.. مش عارفة عمتو نسيتها إزاي بس ..
استقلّت المصعد و هي تردف له:
-لأ يا حبيبي تيجي فين بس.. مافيش أي تعب عليا و الله.. حاضر هامشي على مهلي ..
توقفت أمام باب شقة عمتها، دفعت المفتاح بالقفل ضاحكة و هي تسند الهاتف إلى أذنها أكثر:
-ماترجعش تفتح الموضوع ده معايا بالطريقة دي.. أيوة عمرك ما هاتغريني بالخلفة تاني.. خلااااص بقى يا أدهم مش وقته.. أوكي يا حبيبي أنا مستنياك دايمًا.. ترجع لنا بالسلامة.. ماشي.. و أنا كمان بحبك… محمد رسول الله !
و أغلقت معه و هي تلج إلى الشقة رافعة النقاب عن وجهها.
تنهدت مغلقة الباب خلفها، وضعت حقيبتها فوق أحد الكراسي، ثم شقت طريقها للداخل قاصدة غرفة عمتها، حيث نسيت بها شهادة ميلاد “لمى” …
و لكن.. استوقفها شيء فجأة… أمام غرفة “إيمان”.. توقفت لبرهة و هي تلمس الباب بتعاطفٍ.
-حبيبتي يا إيمان !
هزت رأسها في شفقةٍ على حال تلك المسكينة التي تبكي خلف باب غرفتها، كانت حائرة، و هي تستمع إلى نحيبها المرير، هل تلج لتواسيها، أم تتركها ؟
إنها دائمًا ما تبكي، الجميع يعلم إنها تبكي، و الغريب أن لا أحد يهتم، يتركونها في كل أوقات حزنها و بؤسها …
تنهدت “سلاف” و هي ترفع يدها عن مقبض الباب و قد تخلّت هي أيضًا عن مواساتها، لا لشيء سوى عدم إحراجها و زيادة الطين بلّة.. لكنها توقفت فجأة حين تناهى إلى سمعها صوتٍ آخر غير صوت “إيمان” !!!
قرّبت “سلاف” أذنها من الباب و أصاخت السمع، فإذا بالصوت يختلط بصوتها ثانيةً، لم يستغرق الأمر طويلًا حتى تبيّن لها أن هناك رجلٌ معها بالداخل و أن ذلك الصوت له.
جن جنون “سلاف” لهذا الإكتشاف، و ارتمت بجسدها كلّه على الباب و هي تفتحه مقتحمة الغرفة …
-لأ ! .. كانت هذه الكلمة الوحيدة التي تمكنت “سلاف” من قولها بمجرد أن دلفت و رأت تلك البشاعة كلها.
شقيقة زوجها.. و ابن خالتهما.. “إيمان” و “مراد” معًا بالفراش شبه عاريان !!!
-لأاااااااااااااااااااا !!!! .. صرخت “سلاف” مصدومة و أشاحت بوجهها فورًا عنهم.
رغم أن الأخير كان عاري الجزع لا غير، فقط “إيمان” هي التي كانت بوضعٍ فاضحٌ و صادمٌ للغاية !!
في المقابل جمّد الفزع كلًا من “مراد” و “إيمان” و الآن قد إنفصلا عن بعضهما و جلسا شاحبين.
-لأ مستحيل. لأ. لأ مش معقـووول ! .. لا تزال “سلاف” على إنكارها الهستيري.
وقف “مراد”.. أخذ ينتعل حذاءه و كنزته بسرعة، بينما سحبت “إيمان” الغطاء على جسمها و هي تجهش بالبكاء مجددًا مغطية وجهها بكفيها غير قادرة على النظر تجاه زوجة أخيها.
-سلاف. سلاف من فضلك إهدي ! .. قالها “مراد” و هو يمشي نحو “سلاف” محاولًا تهدئتها.
هزت “سلاف” رأسها، شعرت أن الصدمة تتحوّل إلى غضبٍ و هي تستمع إلى ذاك النذل، إلتفتت إليه كإعصارٍ، لم يرها “مراد” غاضبة هكذا من قبل، لم يرها أصلًا في حياته على الطبيعية إلا الآن حين كان النقاب مرفوعًا عن وجهها المتآجج، لم يتسنّى له أيّ وقت ليتأملها أو يتفاجأ بجمالها غير العادي.
ازدرد ريقه بتوترٍ و هو يقول بحرجٍ شديد:
-الوضع مش زي مانتي فاهمة. أقسم لك بالله.. مش زي مانتي فاهمة !
نظرت “سلاف” إليه كما لو أنه أحقر ما رأت عيناها قط، حتى “سيف” بذاته لم يصل إلى تلك الدرجة من الدناءة و الخسّة.. “سيف” الذي حاول الاعتداء عليها و سازمها من قبل.
إنما هذا… هذا يُدنّس شرف أهله.
يخون خالته، ابن خالته.. الرجل الذي وثق فيه كثيرًا !!!
رمقته “سلاف” باشمئزازٍ و غضبٍ شديدين:
-حيـوان !
و لم تستطع البقاء هنا أكثر، استدارت مهرولة إلى الخارج.
أسرع “مراد” يجمع أغراضه بسرعة من حول الفراش، ثم توقف لحظة و جثى على ركبتيه أمام “إيمان”.. أمسك برأسها و طبع قبلة فوق جبهتها مطمئنًا:
-ماتخافيش يا حبيبتي. أنا هاحل الموضوع. مش هاسيبك المرة دي يا إيمان. مافيش مخلوق يقدر يفرّق بينا خلاص. أوعدك !
و نهض لاحقًا بـ”سلاف”.
وجدها تجلس بالصالة و لا تزال كاشفة وجهها، بدت متعبة و كأنها تعب الهواء إلى رئتيها بشق الأنفس، فتح “مراد” فمه ليتحدث، لكن شكلها و شحوبها المفاجئ استوقفه، فبدّل قوله قلقًا:
-سلاف.. إنتي كويسة !؟
رفعت بصرها المستوحش إليه مزمجرة بصعوبةٍ:
-إمشي. إطلع برا.. إمشـــي من هنــا !!!
خفض “مراد” رأسه للحظاتٍ و صمت.. في الحقيقة لم يجد ما يقوله لها و خشى لو أتى شخصٌ آخر الآن فتصير حفلة.
تنهد رامقًا إيّاها بنظرة أسف أخيرة، ثم إلتفت و رحل أخيرًا.
بينما بقيت “سلاف” مكانها، أسندت رأسها إلى ظهر الكرسي الوثير، حاولت أن تنظّم أنفاسها مجددًا، هكذا في هذا الهدوء أمكنها سماع شقيقة زوجها و هي لا تزال تبكي في غرفتها !
رواية اوصيك بقلبي عشقا الفصل السابع عشر 17 - بقلم مريم محمد
"ظننتُ أنّي واهمة ؛ ربما أحلم و لا بد أن أستيقظ.. و لكنّي لم أستيقظ، كان حقيقيًا و قد خربت صورتكِ أمام عينيّ، و هذا… يحطّمني !"
_ سلاف
"لمى" ذراعها حول عنق خالها فور أن فتح باب السيارة الأمامي من جهة أمه و تلقّى منها الصغيرة، بينما توجهت "أمينة" لتفتح الباب الخلفي و تتلقّى بدورها التوأم الثلاثة من المقاعد المعززة …
كان "أدهم" يسرع في خطاه نحو المنزل و التوتر بادٍ على أقل تحركاته، هكذا وصولًا إلى شقة والدته، فتح باب الشقة بنسخته الخاصة من المفتاح، أنزل الصغيرة "لمى" و هو يهتف مناديًا عبر الشقة:
سـلاف.. ســلاف.. سـلاف !
لم يتلقَ ردًا و قد فتش جميع الغرف حتى توقف أمام غرفة أخته، وجدها مغلقة فلم يشأ أن يزعجها، إن كانت زوجته هنا لخرجت عند سماع صوته.
قابل "أدهم" لدى خروجه أمام المصعد، كانت تهم بالخروج بعد الصغار و استوقفته بقلقٍ:
إيه يا أدهم خير يابني !؟
جاوبها "أدهم" متخذًا مكانها داخل المصعد و هو يكبس زر طابقه بسرعة:
مالقتهاش جوا يا أمي. أكيد طلعت فوق أنا طالع لها أهو !
أكدت عليه قبل أن ينغلق المصعد:
إبقى طمني طيب !!
بالكاد رأته يومئ لها برأسه، لحظاتٍ و دفع "أدهم" باب المصعد منطلقًا صوب شقته، اقتحمها في الحال متجهًا رأسًا إلى غرفة النوم، و قد صدق حدسه و وجدها هناك، تستلقي فوق الفراش و لا تزال في عباءتها السوداء، كان التعب واضحًا عليها …
سلاف ! .. صاح "أدهم" هارعًا إليها.
شعرت "سلاف" بالمرتبة تنخفض بجوراها، كانت غاطة بالنوم، أو لعلها غيبوبة قصيرة، عندما فتحت عيناها من جديد رأت وجه زوجها الحبيب يطلّ عليها؛ ابتسمت له بارهاقٍ و هي ترفرف بأجفانها، بينما يحاوطها بين ذراعيه قائلًا بقلقٍ شديد:
إيه يا حبيبتي مالك ؟ حاسة بإيه يا سلاف قوليلي !!؟
و كان يمسك بذقنها بلطفٍ بين سبابته و إبهامه يقلب وجهها يمنة و يسرا ليتفّحصه عن كثبٍ …
أنا كويسة يا أدهم ! .. قالتها "سلاف" بصوتٍ ضعيف عكس إدعاءاتها.
ماتخافش انت قلقان أوي كده ليه ؟
أدهم بصوتٍ أجش:
قلقان ليه ! بعد ما قفلت معاكي و أكدتي إنك راجعة بشهادة ميلاد لمى لماما و فجأة بعدها بشوية تكلميني تاني و تقوليلي مش هاتقدري تنزلي أفهم أنا إيه !!؟
سألته عابسة:
انت ماجتش تاخد شهادة الميلاد و توصلها لعمتو أمينة زي ما قلت لك !؟
رد دون أن يرف له جفن:
لأ طبعًا. التطعيمات تستنى يروحوا بكرة أو بعده.. إنتي كنتي متخيّلة إني ممكن أروح لهم و أسيبك !؟
سلاف بشيء من الإنفعال:
يعني سبتهم هما هناك يا أدهم !!؟
زفر بامتعاضٍ:
إهدي يا سلاف ماسبتش حد. أنا عديت خدتهم في سكتي و جيت على هنا فورًا. أكيد ماكنتش هاجي أخد الشهادة و أروح أستنى معاهم كل ده و أسيبك إنتي هنا لوحدك !
أغمضت عيناها متنهدة و هي تسند رأسها إلى الوسادة بعمقٍ، أخذت تسعل بخفةٍ فجأة، ثم ما برح سعالها أن إزداد حدةً و أخذت تتأرجح مكانها من شدة السعال.. في المقابل يراقبها "أدهم" بتوجسٍ ما لبث أن استحال خوفٍ عليها …
فيكي إيه بس يا سلاف !!؟ .. غمغم "أدهم" بجزعٍ و هو يضم رأسها إلى صدره.
و لا تعلم لماذا كرهت نفسها في تلك اللحظة، لأنها تسبّبت في قلقه و زعزعة استقرارهم جميعًا اليوم.. هي و هو و الأطفال.
ربما ما كان عليها أن تعود إلى المنزل، ربما كان يجب أن تتأكد قبل أن يذهبوا بأن كل ما يلزم لتلقّي التطعيمات جاهزٌ، هي المُلامة.. أيًّا كان ما فعلته شقيقة زوجها مع ابن عمتها يخصّهما وحدهما، لم يكن عليها أن تتواجد في هذا الوقت و تكتشف أمرهما، لم يكن عليها تحمل هذا العبء كله …
يلا قومي هانروح المستشفى ! .. شدّ يدها بحزمٍ أجفلهالو أراد لأقتلعها من الفراش بسهولةٍ، لكنه إنصاع لقبضة يدها التي شددت على كفّه فسكن على الفور منصتًا إليها:
استنى بس يا أدهم. مستشفى إيه. مش مستاهلة.
تململ بغضبٍ:
مش مستاهلة إزاي. انت بقالك فترة تعبانة و صدرك تاعبك. بس إنهاردة زادت أوي الحكاية ! .. ثم هتف بصرامةٍ:
إستحالة أقف اتفرج عليكي. مش هاسمع كلامك المرة دي. يلا قومي بقولك هانروح المستشفى !!
****
Asthma Syndrome !
أعلن الطبيب الخمسيني تشخيص حالة مريضته بعد الكشف الدقيق عليها.
كانا كلا الزوجين يجلسان أمامه، و قد كانت "سلاف" رافعة نقابها لعجزها عن التنفس بشكلٍ طبيعي، لم تكن تفهم ما أدلى به.. و لكنها أيقنت من وجه "أدهم" بأنها علّة غير حميدة على الإطلاق …
انت متأكد يا دكتور !؟ .. تساءل "أدهم" محاولًا إخفاء صدمته قدر المستطاع.
ربو ؟ متأكد !؟؟؟
شحب وجه "سلاف" فوق شحوبه و هي تستمع إلى هذا الخبر يخرج من فم زوجها، جمدت تمامًا و لم تستطع نطقًا.. أحسّ بها "أدهم" و ألقى عليها نظرة.
كما العاجز، كالغريق الذي يتعلّق بقشة مد يده و قبض بقوةٍ على كفّها الملقى بحجرها و هو يعاود النظر إلى الطبيب قائلًا بانفعالٍ:
ممكن تتأكد تاني يا دكتور. ممكن نعمل تحاليل آشعة أي حاجة. إزاي شخّصت بالسرعة دي !!؟
إنبلجت ابتسامة على وجه الطبيب، و قال مهدئًا و هو يخلع نظارته:
بالراحة يا دكتور أدهم. مالك بس أنا لسا ماكملتش كلامي.. أكيد هانعمل تحاليل و أشعة. بس أنا متأكد كمان من إللي بقوله. و في نفس الوقت بطمنكوا. الوضع مش خطير. النوع ده من الربو تافه جدًا. عامل زي الحساسية المزمنة كده. هانحدد له علاج إن شاء الله بعد ما تطلع نتايج التحاليل. ماتقلقش المدام زي الفل و الله.
كان يتنفس بثقلٍ و هو لا يزال يشعر بإعياء الخوف عليها، ازدرد ريقه ضامًا يدها بقبضته أكثر …
أدهم يابني انت بتثق فيا و لا لأ !؟ .. حدثه الطبيب بجدية.
أدهم عابسًا بوهنٍ شديد:
أكيد يا دكتور أمجد !
الطبيب بحزمٍ:
خلاص يبقى تصدقني و ماشوفش وش القلق ده عليك ! .. و حوّل ناظريه نحو "سلاف" مكملًا:
و إنتي يابنتي. ماتخافيش إنتي كويسة.. ممكن اسألك سؤال ؟
بالكاد خرج صوت "سلاف" هامسًا أً:
اتفضل !
إنتي حصلت معاكي حاجة إنهاردة ضايقتك صح ؟
إتسعت حدقتاها و ارتبكت فجأة من تلك المباغتة، بينما بقى "ادهم" هادئًا في انتظار ردها الذي تأخر كثيرًا، بل لم يأتي أصلًا، ليسترخي الطبيب للوراء قليلًا و قد خمن الإجابة، فقال بهدوءٍ:
طيب أيًّا كان يا مدام. إنتي المرض إللي عندك ده مزمن. و مش بيظهر أعراضه غير في حالتين. مواسم الخريف و الربيع. و الحالة التانية ناتجة عن الحالة المزاجية. زي إنك مثلًا تسمعي خبر يضايقك. حد يزعلك كده يعني.. ف كل ده بردو حاجات لا تدعو لأي قلق. مبدئيًا الوقاية. أولها النقاب ده. لازم يتخلع !
نعم ! .. خرج هذا الاعتراض من فاه "أدهم".
فأردف الطبيب ناظرًا إليه بقوةٍ:
مش بمزاجك و لا مزاجها يا دكتور. أي حالة ربو ماينفعش معاها خنقة النفس أبدًا. قولًا واحدًا النقاب لازم يتخلع !
*****
يُقال أن السر إذا خرج عن اثنين فلن يبقى سرًا.. فماذا لو عرفه أربعة ؟
زوجها الراحل و قد توفّى و حمله معه إلى قبره، و لكن إبنة خالها، زوجة أخيها… لقد رأتها بالمجرم بالمشهود.. ضبطتها متلبّسة في ذلك الوضع المخلّيا للخزييا للعار !
كان كل ما أرادته "إيمان" بعد افتضاح أمرها أن تستلقي هكذا و تظل تبكي حتى تخرج روحها، تشعر بالوجع من كل شيء، تشعر بالغضب، تحتقر نفسها أكثر، كل هذا يفوق قدرتها على التحمل، لقد أخطأت و دفعت الثمن.. لكن يبدو بأنه ليس كافيً.
هل يجب عليها أن تموت حتى تجد الراحة و السلام !؟
و إن سخت بروحها فهل من سلام بعد ذلك.. أم عذابٌ آخر و أدهى ينتظرها !!!
إيمان !
ناداها صوت أمها من جديد، و كانت قد تحاملت على نفسها و ارتدت ثيابها بصعوبةٍ، و ها هي تمسح دموعها في الملاءة و تقوم واقفة، مشت بآلية تجاه باب الغرفة و فتحت القفل، ثم جذبت المقبض لتصير وجهًا لوجه أمام "أمينة" …
لسا بتعيطي ؟ .. تمتمت "أمينة" بشفقةٍ واضحة على إبنتها.
وقفت "إيمان" كصخرةٍ جامدة بينما تستطرد "أمينة" بعصبية:
ليه بتعملي في نفسك كده يابنتي ؟ و عشان إيه. لما إنتي كارهة نفسك بالشكل ده بسبب إختيارك ما تقولي لأ. إحنا لسا فيها يا إيمان. أدهم أخوكي عنده حق. مالك ماينفعكيش زي سيف بالظبط. ليه بتجني على نفسك للمرة التانية.
رفعت "إيمان" يدها و نزحت بقايا دموعها بقوةٍ قائلة بصلابة:
عشان ده إللي لازم يحصل. ده إللي لازم يحصل يا ماما.. و هايحصل !
هزت "أمينة" رأسها بعدم تصديقٍ و هي تصيح فيها:
هو إيه إللي هايحصل. إنتي مفكرة إنك كده بتنتقمي لكرامتك منه. مفكرة إنك ممكن تندمي مراد عليكي يعني و تغظيه.. إللي إنتي ماتعرفيهوش إنك بتغيظي نفسك و بس. محدش هايتئذي غيرك يابنتي !!!
أومأت لها موافقة:
أيوة.. عندك حق. عندك حق. كلامك كله صح. صح !
و ظلت تردد الكلمات مرارًا و تكرارًا بطريقة أثارت ريبة "أمينة" و أقلقتها على وضعها العقلي و النفسي …
لكن دخول كلًا من "أدهم" و "سلاف" أنقذ الموقف وجعل الأم و إبنتها تكفّان.. و لكن صمت "إيمان" كان رهبةً و مخافة.
لحظة إلتقاء عينيها بعينيّ "سلاف" تضاربت بداخلها مئات المشاعر، و أبرزها الخجل، و رغم ذلك لم تقدر على إزاحة بصرها عنها قيد أنملة …
خير يا حبيبتي. طمني يا أدهم عملتوا إيه عند الدكتور ! .. استقبلتهما "أمينة" بالتساؤلات متوجهة ناحية "سلاف" فورًا.
احتضنتها بحنانٍ، بينما يخبرها "أدهم" و قد انتقلت له عدوى الإرهاق هو الآن:
الحمدلله يا أمي بخير. الدكتور طمّنا. الهانم طلع عندها مرض مزمن في صدرها و كانت هاملاه.. تعرفي لو ماكنتش أصريت عليها و خدتها للدكتور كانت المضاعفات في المستقبل هاتكون خطيرة لا قدر الله ! .. و وجّه حديثه لزوجته معاتبًا:
الله يسامحك يا سلاف. أنا شخصيًا مش مسامحك.
ماتقدرش يا حبيبي. انت روحك فيا.. تنكر !؟
اعترف "أدهم" و هو يميل مقبلًا خدها:
عشان السبب ده تحديدًا مش مسامحك. عشان روحي فيكي يا سلاف !
ردت له القبلة و هي تهمس بعشقٍ:
حبيبي !
علّقت "أمينة" باستنكارٍ:
هو إيه ده منك ليها. مش ليكوا شقة. عيب كده احنا واقفين.
ضحكا الزوجين معًا، اعتذر "أدهم" من والدته، لتحدق "سلاف" بـ"إيمان" مباشرةً الآن و هي تقول بنبرةٍ ذات مغزى:
إحنا عاوزين أيامنا الجاية كلها تبقى كده. ضحك و سعادة بس.. و خاصةً عندنا فرح بكرة. فرحتنا بإيمان. فرحة ماتتقدرش بشيء !
نظرت "إيمان" لها و لأول مرة تحس نحو تلك المخلوقة بهذا الخوف الرهيب !
رواية اوصيك بقلبي عشقا الفصل الثامن عشر 18 - بقلم مريم محمد
“أنظر ماذا فعلتَ بي ؛ تأمل الدمار الذي حوّلتني إليه.. و كل ما فعلته أنّي أحببتك !”
_ إيمان
كان عذابًا خالصًا، ذلك الوقت الذي تلا إتمام عقد القران، يذكر أنه لم يتحمّل البقاء هناك عند إعلانهما زوج و زوجة، ما إن تأهب المأذون بنطقها حتى حمل هو نفسه و انصرف مسرعًا …
لقد خسرها، مرةً أخرى و إلى الأبد، فقدها، و هذا ما يستحقه و يقرّه من داخله.. أليس هو الذي تركها و أدار لها ظهره ؟
أليس هو الذي أذاقها المهانة حين تزوج من غيرها و عاد إلى هنا ليجد حلًا و كان مستعدًا لفعل المستحيل كي يرد طليقته إلى عصمته ؟
الأمر الذي جعله كالمجنون.. كيف كان بهذا الغباء ؟
ألهذه الدرجة كان أحمق !
حقًا لو لم يحدث بينهما تقاربٌ حميمي ما كان ليُدرك كم أنه يعشقها بالفعل، و أنه بحياته لم ينتمي لغيرها بهذه القوة العارمة !؟
هل ممكن أنه كان سيقضي عمره كلّه واهمًا بأنها لم تكن سوى نزوة.. كم كان عمره عندما علم بأنه يحبّها ؟
تسعة عشر… كم كان عمره عندما راودها عن نفسها و أخضعها إلى رغباته الحيوانية و كأنها دُمية بين أصابعه ؟
عشرون !!!
هل هذا حب مراهقة !؟؟
لا.. بالطبع لا.. لأنه و ببساطة كان حاضرًا، ربما المرة السابقة ما كانت بمثل قوة تلك لأنها لم تكن أمام عينيه، لكنها و اللعنة تزوجت اليوم و في حضوره دون أن يكون قادرًا على منع ذلك، و عندما حاول قوبل بالرفض …
أطلق “مراد”مزيدًا من صيحات الغضب و النقمة على نفسه، غطى مؤخرة رأسه بكفيه و هو يسير جيئة و ذهابًا عبر ردهة منزله الفسيحة مثل مفترسٍ في قفص الإعتقال، شعر إن عقله على وشك أن يُصاب بشللٍ من شدة التفكير ؛
ماذا عليه أن يفعل ؟.. إلى أين يذهب الآن ؟.. يكره أن يعترف بهذه الحقيقة، لكنّه في تلك الساعة تحديدًا بحاجة ماسّة إلى صديقه الوحيد.. إنه يحتاج إليه بشدة… يحتاج إلى “عثمان البحيري” لكنه لا يجسر على اللجوء له !!!
فعلًا كاد أن ينهار، و هو مستعدٌ لذلك تمامًا.. لو لا أنقذه مؤقتًا قرعًا على جرس الباب
استدار بحدةٍ و مضى صوب باب المنزل، لم يكن لديه أدنى فكرة من الذي يمكن أن يزوره الآن، و لم يكن في وارد ايّ توقعات
مد يده و جذب مقبض الباب الضخم بقوةٍ …
جمد أمام المدخل، إنه ينظر أمامه كما لو أنه لا يصدق ما يراه، هل ذكر منذ قليل بأن صديقه “عثمان” هو الشخص الوحيد الذي بإمكانه مساعدته !؟
حسنًا لقد كان حتمًا مخطئًا !
فها هما والديه يقفان أمام عينيه و البسمة ملء وجهيهما يراقبان آثار المفاجأة عليه، لم يكن بحاجة لمزيد من التحفيز، فقد سقط درعه بالفعل خاصةً فور رؤية أمه …
-مراد ! .. تمتمت السيدة “رباب” بشيء من الريبة الآن
جفل “مراد” و تراجع عدة خطوات للخلف و هو ينظر بأعين والديه كمن يستجدي استغاثةٍ، رغم ذلك اجتاحه خجلٌ من أن يراياه على تلك الحال، فاستدار مسرعًا و هو يمسك رأسه بكفيّه بقوةٍ، بقى هكذا يعمل على شهيق و نفخ أنفاسه بثباتٍ كما لو أنه يبذل كل ما في وسعه للتماسك أمام والديه.. لكنه يفشل
و فجأة يشعر بكف أمه يحطّ فوق كتفه، انتفض لوهلةٍ، لكنه ثبت مكانه، مع أن جسمه شرع يرتجف و يهتز بوضوحٍ …
-مراد ! .. كررت “رباب” بصوت أكثر قلقًا
و ما لبث أن انضم لهما زوجها متمتمًا باقتضابٍ متوجس :
-إيه في إيه. مالك يا مراد. رد علينا يابني !؟؟
و فقد صبره، رفع يديه و أدار ابنه من كتفيه ليواجههما، لكنهما صعقا لرؤية وجهه من جديد، وجهه الذي كان عبارة عن إحتقانٍ خالص بالدماء، و عيناه الرماديتين الجميلتين، إنهما الآن شقوق حمراء مغطاة بطبقاتٍ من الدموع الدبقة …
-حبيبي يابني ! .. هتفت “رباب” ملتاعة و هي تلف ذراعيها حوله
أخذت تمسد عليه مجعدة حاجبيها في وهنٍ مثل وهنه تمامًا :
-جرى لك إيه. فيك إيه يا حبيبي رد عليا يا مراد ماتتجننيش !!
امتلأت عيناه بالألم أكثر و هو يُحرر مدامعه أخيرًا، تخلّى عن كل مظهر من مظاهر قوته، الرجل الناضج الصلب حتى و الأناني الذي بقى عليه لسنواتٍ طويلة، إنه ينهار الآن بين ذراعيّ أمه، ألقى بجبهته فوق كتفها و بدأ جسمه في الاهتزاز مجددًا ؛
إنه محطم، إنه يبكي.. و لكن بلا صوت …
*****
إرتعدت بقوةٍ، عندما أُغلِق عليهما بابٍ واحد، كانت توليه ظهرها و هي تفكر بمئات الإحتمالات.. اليوم مجرد عقد قران، لماذا إذن طلب أن ينفرد بها بعض الوقت !؟
ماذا يريد منها !!؟؟؟
الجدير بالذكر بأن المكان الذي تطأ قدميه الآن هو غرفة نومها في بيت والدها الراحل، غرفة نومها التي لم يلج إليها رجلٌ من غير محارمها سوى “مراد”.. حتى زوجها الراحل… طوال سنوات الزواج لم يدخل إلى هنا أبدًا… هذا الأمر يسبب لها توتر كبير !!!
-إيمان ! .. همس من ورائها بالقرب من أذنها تمامًا
تسبب هذا بقشعريرة مُخيفة تسللت إليها، أحسّ بها، و لعله ظن إنها متأثرةً بها كما هو حاله معها.. و لكنها كانت في قرارة نفسها تسخر من الأمر برمته
فهذا الفتى، أو الشاب “مالك” الذي كانت في وقتٍ ما تداعبه و تلاطفه و هو ولدٌ صغير، إنه الآن يحاول أن يُغازلها !!
أوزعت نفسها أجفلت حين تنحنح قليلًا قبل أن يقول بهدوءٍ مرح :
-بصي أنا طبعًا كان نفسي أول مرة نكون مع بعض لوحدنا في مكان مميز. لكن إنتي عارفة أدهم مشدد علينا إزاي و كان شرطه بعد كتب الكتاب مانخرجش من البيت لوحدنا لغاية معاد الفرح.. عشان كده طلبت على الأقل أقعد معاكي شوية في أوضتك !
و ضحك بخفةٍ و أدرف :
-و لو إني كنت موجود لما اتجوز هو و سلاف و شوفتهم بعد كتب الكتاب خارجين لوحدهم.. بس عادي. أنا مش هعارضه في أي حاجة. لأني بحبه و بحترمه جدًا
وسّعت زاويتيّ شفتاها مظهرة إبتسامةٍ مجاملة، ليستطرد و قد توقف عن الإبتسام للحظة و هو يمد يده تجاه رأسها، تذبذبت عندما شعرت براحته الدافئة فوق حجابها الرقيق …
-أنا مش عايز أكون متطلب أوي ! .. تمتم “مالك” محدقًا بعينيها بثباتٍ :
-لكن في حاجات لسا مش قادر أتخطاها. زي.. زي إني مش قادر أحل محل أخويا !
تفاجأت من كلماته لدرجة نست تلك اليد التي لا يزال يضعها فوق رأسها، بينما يتابع “مالك” بتوترٍ متزايد :
-أنا معجب بيكي آه يا إيمان. لكن لسا شايفك مرات أخويا.. أنا عارف إنه خلاص إنتهى. و إن الميت مش بيصحى و إن من حقنا نكمل عادي.. بس عشان أقدر أكمل يا إيمان و أحس إنك بقيتي ليا أنا. لازم تسمحي لي !
تسارع وجيب قلبها لرؤية اللمعة بعينه، تعرف جيدًا إلى ماذا يلمّح، فنطقت غريزيًا محاولة صده بأقصى ما تستطيع من لباقةٍ :
-مالك.. إحنا في حكم المخطوبين. و ماما و أدهم برا !!
علت ابتسامته و هز رأسه قائلًا :
-فهمتيني غلط. أكيد مش هكون عايز حاجة زي دي و أهلنا على بعد مترين.. لو حصل هاتكون فضيحة !!!
تلميحه الأخير جعلها تشعر بالفزع، حاولت إقناع نفسها بأنه لا يقصد معنى آخر حميمي مِمّا قد يحدث بينهما بالمستقبل، إنه يأخذ الأمور بجدية تمامًا !!!!
ماذا كانت تتوقع !؟؟
يزدرد “مالك” ريقه بشيء من الإرتباك و هو ينظر إليها ببطءٍ من فوق لتحت مغمغمًا :
-كل إللي محتاجه بس جزء صغير من حقوقي. منغير ماتتخضي.. بس إنتي طول عمرك كنتي زي مايا بالنسبة لي. مع ذلك كنتي محجوبة عني. يعني مثلًا عمري ما شفتك منغير الطرحة.. ف …
و صمت ممسكًا بمشبك الحجاب بين سبابته و إبهامه، طلب أذنها أولًا :
-تسمحيلي أشيله !؟
مدفوعة بإنعدام الثقة بنفسها و الشعور بأنها قليلة و مُدانة، وجدت نفسها تومئ له بالسماح، فلم يضيع الفرصة و قبل أن تفكر مرةً أخرى، شد المشبك، فأخذ الحجاب يتفكك من تلقائه، حتى إنزلق عن رأسها إلى الأرض، و لم يتبقَ سوى البطانة، تلك كان أمرها سهلًا، سحبها للخلف رويدًا رويدًا كاشفًا عن خصيلات شعرها البنيّة الناعمة
لحظاتٍ و كان رأسها مكشوفًا أمامه، و إذ شعرت من نظراته التي تتفرّسها و كأنها عارية، لم تلحظ شيء آخر، لأن خطوته التالية جاءت على حين غرّة بعد أن تمتم كلمة لم تسمعها جيدًا…قفز قلبها بين ضلعوها حين نزل بفمه و ضغط شفتيه على شفتيها !!!!
جحظت عيناها من الصدمة، بينما يرفع يداه و يجذب وجهها نحو وجهه أكثر، كان قاسٍ، شهواني.. الآن يغطي فمها بفمه بشكلٍ كامل، و بسبب الهبوط الحاد في قدراتها الفسيولوجية و تحكمها المسلوب بنفسها، كانت مجبرة أن تباعد له بين شفتيها مِمّا أتاح له التوغل و التعمق بها
و ربما فهم أن هذه إشارة خضراء ليمضي أبعد، تأوّه على فمها و يلف ذراعه حول خصرها و يدفعها أمامه صوب سريرها، أطلقها و سقطت فوق ظهره، فلحق بها نازلًا بثقله عليها، يضغط جسده بجسدها في كل مكانٍ و يحقق رغبته في الشعور بها أقرب و أكثر بكثير مِمّا خطّط، يرخي قبضته عن عنقها و يده تتخلل شعرها حتى وصل إلى مؤخرة رأسها، كان يظنها مستمتعةً به كما هو مستمتعٌ بها حتى و هو يعلم أن الأمر لا بد أن يتوقف عند هذا الحد و أن تلك هي أقصى نقطة يمكنه بلوغها معها الآن
و لكن كان الإحساس بها رائعًا، لا يُصدق، مذاقها على لسانه جميلًا، كأنها كنايةٍ عن نكهتيّ الموكا و القِرفة –مكوّن حلوتها المفضلة الأساسي _ “سينابون” !
كذا رائحتها الطيّبة و ملمسها الحريري لا يُضاهى، فلم يتعب و يتتبع القبل نحو فكّها و عنقها، يزرع الكثير من القُبل و لا يسعر بالإكتفاء …
صوت أنينها المتألم سلخه عن طموحاته و آماله فجأة، توقف تمامًا و أبعد رأسه عنها ينظر في وجهها، هاله ما شاهده، كان الدماريطل جليًا من عينيها الدامعتين، كان فمها يرتجف و آثار قبلاته واضحةً عليه ؛
سحقًا !
ماذا فعل بها ؟ .. إنه حتمًا وغد.. كيف لم يفكر !؟
مهما طال الوقت، لم يدخل حياتها رجلٌ بعد أخيه، بالتأكيد لن تتقبل الأمر بهذه السرعة، و معه هو بالأخص …
-أنا آسف ! .. تمتم “مالك” معتذرًا دون أن يتحرك من مكانه بين ساقيها
لكنها لا ترد، فينسحب ناهضًا عنها بسرعة، يعدل ثيابه التي تجعدت قليلًا ثم يجلس على طرف الفراش بجوارها، يمسك بها و يجلسها بسهولةٍ و هي مذعنة تمامًا إليه، يراها بهذا الخضوع و البؤس فيكره نفسه كثيرًا …
-إيمان أنا آسف ! .. كرر “مالك” هذه المرة بصدقٍ أكبر
دار ليجثو فوق ركبته أمامها، أمسك بيدها و توسلها قائلًا :
-ردي عليا أرجوكي. أنا ماكنش قصدي أوصلك لكده.. و الله. أنا آسف جدًا. بس مافكرتش إنك لسا مش جاهزة للخطوة دي. أنا ماكنتش ناوي أعمل كده أصلًا. أنا عرفت بنات كتير. بس ماحصلش إني ارتبطت بواحدة مرت بظروفك. سامحيني.. ماعرفتش أتعامل معاكي. إيمان بالله إتكلمي. قولي أي حاجة !!
-حصل خير ! .. نطقت لاهثة و كأنها طفت الآن على سطح بحر هائج الأمواج
زفر مرتاحًا و هو يترك إحدى يديها ليمسح على جانب وجهها :
-صدقيني. إنتي عندي غالية جدًا.. مكانتك خاصة. بكرة لما نعيش سوا هاثبت لك ده. هاعمل كل إللي في وسعي عشان أسعدك يا إيمان. إنتي ماتستاهليش غير السعادة. و أنا هاديها لك. أوعدك !
أومأت له دون أن تنظر إليه، كانت لا تزال تشعر بدوي قلبها المرعب، كانت تخشى لو توقف من شدته و سرعته، إنه عادةً لا يخفق بهذا الجنون سوى لـ”مراد”.. و كانت تلك أسعد لحظاتها فيما مضى، و لكنها الآن تشعر بفخاخ الموت قريبة منها في كل خطوة تخطوها …
-مالك ! .. كان هذا صوت “مايا”
تناهى إليهما من خلف باب الغرفة، فصاح “مالك” من مكانه :
-إيـه يا مايا !؟
-ماما إتصلت. بتستعجلنا. يلا بقى انت عارف إنها لوحدها !
-ماشي جاي.. إسبقيني إنتي
-ما تتأخرش !
و ابتعدت خطواتها عن الغرفة …
عاود “مالك” النظر إلى “إيمان”.. أرملة أخيه و المرأة التي هي زوجته رسميًا الآن ؛
ابتسم لها و قرب يدها من فمه، وضع قبلةً عميقة داخل كفّها دون أن يفقد إتصالهما البصري، ثم قال واعدًا برقة :
-هاتحبيني يا إيمان.. و هاتخلّفي ولادي كلهم. افتكري كلامي كويس !
لم يتسبب هذا الوعد لها إلا بالكرب و القهر الشديد !
“أنتِ الغاية من كل شيء فعلته ؛ لا حياة لي إذا لم تكوني فيها !”
_ مراد
قبل ثماني عشر عام …
إنه آخر يوم له في الرابعة عشر، و قد عقد والديه النيّة أن يهبطا به إلى “مصـر” عند نهاية الفصل الدراسي، فقد أرادا له أن يقضي بقيّة سنوات صباه إلى مراهقته في البيئة التي ينتمي إليها، مسقط رأسه، بين أهله و مجتمعه الشرقي ؛
إذ في اعتقادهم أن وجوده هنا يُشكل خطرًا على أخلاقه والتمسك بنواهي و أوامر عقيدته، و رغم أن قرارهما لم يلقى ترحيبًا منه، إلا أنهما أصرا من أجل حمايته من الفتن المحيطة به.. لكنه دائمًا ما يسبقهما بخطوة !
ما زال أمامه شهران حتى يسافر معهما، و الليلة، و قبل أن تدق الثانية عشر و يبدأ عامه الخامس عشر، ستوفي صديقته بوعدها و ستسمح له بغزوها، ذلك الوعد بمثابة هديته لذكرى ميلاده، و هو بالكاد يطيق صبرًا منذ أيامٍ ليحصل على هديته الثمينة …
استيقظ باكرًا و تحضّر جيدًا على غير العادة و هو يرتدي ثيابه ليذهب إلى مدرسته، نزل إلى الأسفل ليلتقي بوالديه على طاولة الفطور بالمطبخ المفتوح، جلس بعد أن أعطى أمه قبلة الصباح و ألقى على والده التحيّة …
-حفلة عيد ميلادك هاتبدأ الليلة الساعة كام يا مراد !؟ .. تساءل السيد “محمود أبو المجد” بينما يقرأ إحدى الصحف الإخبارية
يتناول “مراد” من أمه سندوشًا و هو يجاوب على أبيه :
-يعني مش متأخر أوي. أنا وعدتك مش هاتخطى قواعد البيت !
و نخر بضيقٍ
رمقه أبيه من جانب عينه مرددًا :
-يكون أحسن لك. و عايز أقولك أنا و أمك رتبنا كل حاجة للضيافة. يعني انت المسؤول قدامي لو اكتشفت وجود أي مواد مش بريئة.. فاهم قصدي !؟
بالطبع كان يُلمح إلى معاقرة الشراب و ما شابه، ذلك ما جعل وجه الصبي يتأجج من الحنق و يهتف من بين أسنانه :
-هي مش حفلة شاي يا بابا. أنا عندي صحاب أكبر مني دول اعمل معاهم إيه أطردهم ؟؟
طوى “محمود” الصحيفة و رد عليه زاجرًا :
-أنا يتقال لي حاضر و بس يا ولد. انت سامع ؟ خلاص مابقاش في تساهل معاك. انت اتجرأت زيادة لما فكرت أعتمد عليك و اسيبك براحتك. نسيت نفسك و ظنيت إنك واحد من أهل البلد دي. لأ اصحى. انت اسمك مراد محمود يوسف أبو المجد. خليك فاكر كويس انت مين !!
-خلاص يا محمود ! .. تدخلت “رباب” و هي تركل قدم زوجها من أسفل الطاولة
و استطردت مجتذبة عينيه بالإجبار عن عينيّ إبنها :
-مراد من إمتى بيعارض كلامك. انت بس عودته على المناقشة.. إهدا عليه شوية يا حبيبي !
و تحوّلت صوب “مراد” متابعة و هي تمسح على شعره الناعم :
-و انت يا قلبي. أكيد واثق إننا بنحبك أكتر من الدنيا دي كلها. احنا بنعمل كل حاجة عشانك أصلًا.. عاوزين مصلحتك و بس
قسر “مراد” نفسه على الإبتسام و قال بهدوء :
-أنا عارف يا ماما. أنا كمان بحبكوا !
أجاد إمتصاص غضب والده ببضعة كلمات مسالمة، و أعتاد دائمًا أن يفعل ما برأسه، طالما إنها حياته فهي ملكًا له هو، بعيدًا عن والديه يستطيع أن يفعل ما يشاء، و هو يعرف جيدًا إنها مسألة وقتٍ و سيحقق مراده في الإستقلال، بضعة أعوام قليلة و سوف يصبح حرًا طليق.. و بمنأى عن هيمنة و سيطرة أبيه، ستكون الدفّة بيديه هو …
-أهلًا بفتى عيد الميلاد !
أطربت العبارة أذنيه.. فقط لأنها خرجت فاهها …
الفتاة التي خلبت عقله تمامًا، و لم يرى في هذه البلاد أجمل منها، كان معجبًا بها إلى حدٍ لعين، و كم كانت صدمته حين اكتشف بأنها تبادله نفس المشاعر، هي بنفسها.. “آبيجيل آدامز” إبنة مديرة المدرسة، الأرملة الشابة “فاليريا آدامز” لا فرق بينها و بين إبنتها في الملامح الجذّابة، و لا تقل “آبيجيل” عنها جمالًا أبدًا، يتشابها في لون العينين الفيروزي، و البشرة الناعمة بلون الخزامى، و الأنف الدقيق و الشفاة الصغيرة المملئة.. الشيء الوحيد المختلف بينهما هو لون شعر “آبيجيل” الناري، و هذا ورثته عن والدها الراحل كما أخبرته ذات مرة
كان “مراد” متيّمًا بها، يحلم بها ليلًا و يهلوس باسمها أحيانًا و هو مستيقظ، كانت شغفه الوحيد منذ رآها العام الماضي، و لأنه صبي خجولٌ جدًا لم يطالها منه سوى النظرات فقط، مِمّا دفعا لإتخاذ الخطوة الأولى، فذهبت له و عرّفته بنفسها، لم يتمالك نفسه من أول مرة و أخبرها أنه معجبٌ بها، و أنه يرى كم هي جميلة و جذّابة.. لتفاجئه بأن لديها نفس الإنطباع عنه أيضًا !
بدأت العلاقة بينهما منذ ذلك الحين، علاقة خفيّة إلى حدٍ ما، أمام الجميع هما مجرد زميلين مقربين، و لكن في خلواتهما هما فقط حبيبان …
-آبي ! .. نطق “مراد” اسمها مبتسمًا باشراق
هنا بساحة المدرسة، بينما يعم الإزدحام بالطلبة من حولهما، عانقها و صافحها بنظراته حرفيًا، كم هي مبهجة للنظر، مثيرة حتى و هي بالكاد تبلغ الخامسة عشر.. لها جسد كالجحيم !!!
-هل أنتَ مشتاقٌ لي. مراد ؟
كانت تمارس عادتها اللعينة في قضم شفتها السفلى من الجانب لتثير جنونه و هي تبتسم بخبثٍ …
ازدرد لعابه و هو يشعر بالسخونة فجأة رغم البرد القارس، اقترب خطوتين لتشعر بأنفاسه الحارة أقرب و هو يهمس لها :
-أكثر مِمَا تتصوّرين.. كنتِ بطلة أحلامي طوال الليل !
ضحكت برقة و قالت بإيماءة :
-هذا يفسر حماستك الواضحة. تنتظر حلول الليل بصبرٍ نافذ حبيبي !؟
اختفت ابتسامته في هذه اللحظة، فعبست بدورها و هي تسأله :
-ما المشكلة ؟ هل قلت شيئًا خاطئ !؟
هز رأسه نفيًا و جاوبها بحزنٍ بَيّن :
-لا. و لكن.. الأمر فقط أن والديّ متشددان بشأن حفل الليلة. و لا أظن أن بمقدورنا فعلها. ستكون المراقبة دقيقة آبي !
رفعت حاجبيها : ألهذا أنت حزين هكذا. أنظرلا أعرف ما هي مشكلة أبواك. لكن أعلم أنني أنا المسؤولة عن تنفيذ وعدي لك.. سنفعلها الليلة يا مراد
حدق فيها غير مصدقًا :
-كيف !!؟
-هل تعلم كم الساعة الآن في بلادك ؟
أجفل …
-تقصدين مصر !؟
-أجل. ألم تولد هناك.. أم ولدت في لندن ؟
-لا ولدت في مصر. ذهبت إلى لندن مع والديّ و أنا في الرابعة فقط !
ابتسمت بجاذبية …
-و لكنك الآن تقيم بالولايات المتحدة. هل يمكن أن تخبرني كم الساعة الآن بمصر ؟
ضيّق عينيه مفكرًا لبضع لحظات بصوتٍ عالِ :
-إنها الثامنة صباحًا بتوقيت واشنطن.. لا بد أن تكون تقريبًا الحادية عشر مساءً بتوقيت القاهرة !
هتفت بمرحٍ : رائع. أرأيت. إنه التوقيت المثالي يا حبيبي !
لا زال لا يفهم ما تقصد، فقلبت عينيها بسأمٍ و اقتربت من أذنه قليلًا لتهمس له :
-من المقرر أن أهنئك بعيد ميلادك بعد أقل من ساعة. لا يُفترض أن ننتظر حفل المساء لنحتفل ! .. و غمزت له
بدأ يستوعب ما تعنيه بكلماتها، لكنه توتر عكس ما توقعت و هو يسألها :
-و لكن. كيف.. و أين آبيجيل !؟؟
جاوبته بجديةٍ تامة :
-مختبر الفيزياء مغلق للصيانة. قابلني هناك فور حلول ساعة الغذاء. سأذهب الآن لدي فصل تاريخ.. إلى اللقاء حبيبي !
و استدارت موّلية تجاه مجموعة من الفتيات، لتتركه هو مبلبل الفكر بعد أن وضعته أمام الأمر الواقع، دق جرس المدرسة معلنًا بداية اليوم الدراسي، و ذهب كلٌ إلى صفّه، و لكن كيف عساه أن يركز على أيّ شيء ؟
فهو بعد قليل سوف يخوض أول و أهم تجربة بحياته كلها.. تنتابه مشاعر عنيفة و جمّة، يخشى أن يخفق، أو يحدث أيّ شيء يُفسد الأمر برمته، إنه صفر من الخبرة في هذا المضمار، لولا تشجيع بعض أصدقائه و دفعهم إيّاه ليجرّب ما كان مهووسًا إلى ذلك الحد للخوض فيه
لا يمكنه التراجع الآن، لا يمكنه تفويت تلك الفرصة خاصةً مع فتاة مثل “آبيجيل”.. اليوم سوف يثبت رجولته معها… اليوم سيكون بالغٌ رسميًا !!
حانت أخيرًا ساعة الغذاء، و اعتذر “مراد” من رفاقه متذرعًا بحجة المرور بالمكتبة لإستعارة بعض الكتب الهامة، لكنه بالطبع توّجه رأسًا إلى مختبر الفيزياء الواقع بالرواق الكبير، قريبًا من حركة سير الطلبة بما يكفي ؛
ولج “مراد” إلى هناك و أغلق الباب خلفه مسرعًا، كان قلبه يدق في صدره بعنف، بادئ الأمر ظن أنها لم تأتي بعد، لكنه تفاجأ بيدها تلمس كتفه من الخلف، لا يمكن أن يُخطئ لمستها قط !
أغمض “مراد” عينيه على دفقاتٍ من المشاعر العارمة جاشت بدواخله، الآن كل مخاوفه تبددت، فهو حقًا لا يريد سوى أن يكون معها، و الآن …
-آبي ! .. استدار مطوّقًا خصرها بذراعيه
بادلته العناق بحرارةٍ أكثر و هي تدفعه نحو آريكة جلدية تكسوها الأتربة، سقط فوق ظهره و اعتلته هي مبتسمة و هي تتحسس جيب سرواله الجينز متمتمة :
-قل لي إنك لم تنسى إحضاره أرجوك. آخر ما أريده هو أن يخيب أملي فيك الآن !
رد لها الإبتسامة و سحب من الجيب الذي تضع يدها عليه ذلك المغلف، برقت عيناها و تخضذبت وجنتاها بحمرةٍ طفيفة بينما يخبرها و هو يبادلها الهيمنة و يضعها مكانه ليكون مكانها :
-تخيّلي أنه بحوزتي منذ ما يربو عن العام !
رمقته بدهشةٍ …
-ألم تقل إنها مرتك الأولى !؟
أومأ لها …
-بلى. و لهذا أعددتُ لها منذ ذلك الحين. منذ رأيتك أول مرة.. عرفت إنكِ ستكوني لي آبي
-حبيبي ! .. و شبكت ذراعيها حول عنقه
لعقت جانب فمه مِمَا أثار جنونه و جعل رأسه تدخن، ليتفوّه بجرأة الآن و هو يتفرّس بملامحها الجميلة :
-الوقت يُداهمنا آبي.. أرجوكِ اخلعي هذا القميص أو سأفقد عقلي !
عضت على شفتها بقوة و هي تغمغم له :
-انت أولًا !
كان بالفعل يشعر بالرطوبة، خلع قميصه من رأسه على الفور، و فعلت مثله و هي تقبله بعمقٍ و لهفة في آنٍ، أتت مداعباته لها ثمارها و أصدرت أصواتًا جعلته يزداد ثقةً بنفسه و يتحمّس للبقيّة.. إنسلخ عنها بصعوبةٍ قبل أن يتم الأمر تمامًا …
-آبيجيل ! .. نطق اسمها لاهثًا بعنف
-هل أنتِ عذراء ؟
توّردت مرةً أخرى من سؤاله، و أجابت بخفوتٍ :
-لا.. هل تكره هذا !؟
هز رأسه و منحها ابتسامةٍ لطيفة :
-لا. مطلقًا.. في الواقع هذا مريح بالنسبة لي. فأنا لا أريد أن أؤذيكِ بأيّ طريقة !
ابتسمت من جديد …
-ألا تريد أن تعرف القصة ؟
– لا يُهم. المهم إنكِ بين ذراعيّ أنا الآن !
تم الأمر بينهما، مع ترافق كليهما، طبعت قبلة على خدّه و همست له :
-عيد ميلاد سعيد مراد !
كانت تلك مرته الأولى.. و الحقيقة أنه لم يكن يكن لأول فتاة أيّ مشاعر حب، كانت بالنسبة له شغف و إعجاب فقط، ما إن نالها صارت من ضمن ذكرياته، و تنقل بعدها بين الكثيرات، وصولًا إلى حبيبته “إيمان”.. أدرك عشقها متأخرًا
متأخرًا جدًا …
*****
كان يتكئ على طاولة الصالون، ممسكًا الحافة بيديه، واضعًا رأسه بين كتفيه، كانت الدموع لا تزال بعينيه يمسك منها ما إستطاع، بينما والديه يجلسا خلفه و لا يقتربا إليه بطلبٍ منه …
-تربيتي كانت مسؤوليتكوا ! .. قالها “مراد” بصوتٍ خشن يداري فيه نبرة البكاء العنيفة
اعتصر عينيه و كفكف كل دموعه بكمّ قميصه، ثم استدار بعينيه الحمراوين يواجه أبويه و يلقي باللائمة عليهما مشيرًا باصبع الإتهام :
-و تربيتي كلها كانت غلط.. أنا بسببكوا عشت ضايع. ماعرفتش حتى نفسي !!!
كانت “رباب” تبكي هناك فقط، ليقف “محمود” في هذه اللحظة و قد نفذ صبره على إبنه، اقترب منه قليلًا و هو يهتف بغضبٍ :
-ما تتكلم عدل ياض انت. مش كفاية مقعدنا قصاك زي العيال الصغيرة. انطق و قول حصل إيه شقلب حالك كده ؟؟؟
احترقت عيناه أكثر و هو يحملق بأبيه طاحنًا أسنانه :
-إللي حصل. إني فتحت عيني على عالم مش بتاعي. إللي حصل. إني اتعلمت الأصول بس. و حتى دي ماعرفتش أطبقها.. عارف ليه يا بابا ؟ عشان أنا طول عمري كنت مسلم بالإسم. انت و ماما اهتميتوا بتعليمي و قدمتوا ليا الحياة إللي يتمناها أي طفل و حتى لحد ما بقيت راجل. بس في المقابل. لو سألتني مش هاتلاقيني حافظ فاتحة الكتاب أصلًا. مش هاتلاقيني عارف أركع ركعة واحدة.. أنا عشت عمري كله مُغيب. بسببكوا خسرت كتير. و دفعت التمن غالي أوي. أوي !!!!
فقط تعبير الصدمة هو كل ما يجلل وجهيّ “رباب” و “محمود”.. وقف “مراد” يطالعهما بمرارةٍ و خيبة أملٍ كبيرة
لم يتحمل الوقوف بينهما أكثر من ذلك، سحب أغراضهو هاتفه، و انطلق خارجًا من المنزل على الفور
*****
إنفض الإحتفال، و ذهب كلٌ إلى سبيله ثانيةً، و لكن “أدهم”.. لا يزال “أدهم” لم يتخطى اعترافات ابن خالته قبل عقد قران أخته مباشرةً
كان في حالة من الذهول و الإنكار، الإنكار أكثر لأن “مراد” ادّعى بأن هناك علاقة حب متبادلة بينه و بين “إيمان”.. هو لا يصدق ذلك، فأخته طوال عمرها كانت فتاة محافظة، خجولة، حتى عندما تزوجت، يذكر بأنها لم تتأقلم بسرعة في حياتها الزوجية، فكيف إذن يأتي و يخبره بهذا الهراء !!؟
حتمًا هناك خطبٌ، لم يفهم جيدًا، و لكن الأمر لن يمر مرور الكرام.. فها هي “إيمان” تجلس أمامه، هو و هي في شقته على حدة، أما زوجته و أمه فمع الأطفال بالأسفل
صنع لنفسه فنجان قهوة لأنه شعر بحاجة ماسّة إليه، و الآن هو واقفٌ أمام أخته بغرفة المعيشة، يحتسي قهوته و ينظر إليها مليًا و يدرسها، بينما تنكس هي رأسها آبية النظر إليه.. أو لعلها… خائفة !!!
-فاكرة يا إيمان لما سيف مات ! .. دمدم “أدهم” بهدوءٍ
و لكنه لم يغفل ارتجافتها لمجرد سماع صوته، أردف رغم ذلك بنفس الأسلوب :
-جيت لك بعدها بفترة عشان استأذنك نعمل فرح عائشة. فاكرة يومها قلتي لي و أنا بلمح لك بس باحتمال إنك ترتبطي من بعده. ثورتي عليا في لحظتها و قلتي لي مش هايحصل. أنا فاكر بالحرف الجملة إللي قلتيها و لسا في وداني.. قلتي. بعد سيف الرجالة خلصوا بالنسبة لي !
ترك فنجان قهوته جانبًا، مشى ناحيتها حتى جلس في كرسي مجاور لها تمامًا، مد جسمه قريبًا منها …
-إيه إللي حصل غيّر رأيك يا إيمان. و إشمعنا قبلتي بمالك و اتجوزتيه بالسرعة دي. على الرغم إن أتقدم لك رجالة كتير بعد سيف. كلهم في نظري أحسن منه و من مالك. ماكنتش أتمنى لك أكتر من أي راجل فيهم… رررردددي عليا يا إيمـان !!!
هكذا فقد السيطرة على نفسه بغتةً و انفعل عليها …
ارتعدت بقوةٍ و ضغطت على عينيها بشدة، لم على استعداد مطلقًا لأيّ استجوابات يريد طرحها، لم تكن لديها أيّ طاقة و هو ما كان واضحًا
لكن “أدهم” لم يُبالي و كرر عليها بحدة أكبر :
-بصيلي و كلميني يا إيمان. مش هاسيبك إلا لما أفهم.. قوليلي إيه علاقتك بمراد !؟؟؟؟
ما خافت منه طوال عمرها قد حدث للتو
ها هو أخيها يعلم بسرها، و لكن إلى مدى تصل معرفته، تتمنى الآن لو تختفي من الوجود بفرقعة اصبعين، لا يمكنها أن تجلس و تتحدث معه عن هذا الشأن.. لا يمكن …
-بقولك بصيـلي !!!
تحت إصراره الشديد، رفعت رأسها و نظرت إليه عبر نظراتها الغائمة، إنه يحدق فيها بتصميم، لم يتراجع أبدًا، إنه مخيف للغاية الآن أكثر من أيّ وقت رأته هكذا من قبل …
-إيه إللي تعرفه يا أدهم !؟ .. تساءلت “إيمان” بشجاعة
ربما كانت حذرة فقط مخافة على أخيها من الصدمة فيها، و ليس خوفًا عليها هي.. الوضع برمته مزري بما يكفي لو يعلم أخيها !
لم يتحرك و لم تتغيّر تعبيراته الصارمة شبرًا واحدًا، لكن فكّه توتر و هو يقول :
-يعني صحيح ؟ صحيح إللي سمعته منه.. كانت بينك و بينه علاقة حب !!؟؟؟
غمرتها بعض الراحة بداخلها و هو يُدلي لها بالذي عرفه من “مراد”.. ما أكد لها بأن الأخير لم بفضح سرهما الأشنع، قامت واقفة فجأة و هي تقول بعصبية :
-الكلام ده كان زمان. كنا عيال يا أدهم.. أيوة كنا بنحب بعض. بس انت عارف الباقي هو مشي و انا اتجوزت. كل حاجة انتهت ف جاي بتحاسبني على إيه دلوقتي !؟؟
هب واقفًا هو الآخر و هو يصيح بغضبٍ :
-بحاسبك على ثقتي فيكي إللي ضايعتيها. متخيلة تفكيري عامل إزاي بعد ما عرفت حاجة زي دي. إنتي كنتي تربية إيدي أنا يا إيمـان. إنتي كنتي أقرب ليا حتى من عائشة. إزاي عملتي كده من ورا ضهري.. إزااااي !!؟؟؟
إنهالت مدامعها في هذه اللحظة و هي ترد عليه منتحبة :
-غصب عني. مش بإيدي. كنت محتاجة له. أنا كنت لسا بنت صغيرة و ماعنديش أي خبرة. و انت كنت بتحافظ عليا دايما و مجنبني أي احتكاك. مراد كان قريب مني.. اتعودت على وجوده جمبي. حبيته يا أدهم. حبيته غصب عني !!
ثار عليها غير مصدقًا :
-و كان فين عقلك.. هه. قوليلي كان فين دينك و خوفك من ربك و إنتي بتعصيه و بتواعدي شاب من ورا أهلك !!؟؟؟
أغمضت عينيها بشدة فور تفوّهه بالكلمة الأخيرة، إنه يشير لنقطة هي أهون ما بالقصة، فماذا لو عرف السر الكبير.. كيف يستطيع تقبّله ؟
السؤال أساسًا هو كيف تبرأ من عشقها الأثيم.. كيف يمكنها أن تنتزع “مراد” من قلبها… إنه يسكنها.. في دماؤها و قلبها و عقلها.. لا ينفك عنها كالمرض الخبيث
و لا جدوى أبدًا من الشفاء، إنها تحبه، لا زالت تحبه و تريده، لا زالت ضعيفة، و تعرف أنه لو أتاها محاولًا فإنها ستسقط في شِباكه عن طيب خاطرٍ و تخسر توبتها و كل المعاناة التي خاضتها …
فجأةً هبطت “إيمان” على ركبتيّها أمام أخيها، قبضت بكفيها على نسيج السجاد السميك أسفلها حتى أقتلعته تقريبًا، كتفاها يبدآن في الإرتعاش بسبب تلك الشهقات التي جاهدت لتكتمها، فأفلتت منها بقوةٍ و أخذت تبكي مثل طفلةٍ
تبكي و تبكي بشكلٍ مثيرٍ للشفقة و هي تهز رأسها متمتمة بحسرة :
-مافيش فايدة.. موّتني. بحبه يا أدهم. موّتني بحبه.. بحبه.. بحبه… بحبه.. بحبه !
أخذت تُعيد الكلمة كما لو أنها اسطوانةٍ مشروخة، لم يكن هناك ما يشير إلى أنها ستتوقف …
بقى “أدهم” عاجزًا بمكانه، مصدومًا من رؤيتها هكذا، لقرابة الدقيقتين و هو في حيرةٍ من أمره.. حتى غلبه فؤاده لدموعها و سماع الألم يكتسح نبراتها
جثى أمامها بدون تفكير، وضع يده عليها، فرك ظهرها و مسّد على شعرها، ضمها إلى صدره بقوةٍ مرددًا بلطف :
-طيب.. طيب خلاص. خلاص يا إيمان… طيب خلاص !
لم يسعه أن يواسيها بكلماتٍ أخرى، فمن جهة لا يزال غاضبًا عليها، و من جهة لا يحتمل أن يراها متألمة إلى هذا الحد.. هو يعرف أن أخته لا تستحق ذلك
أخته “إيمان” لا تستحق أيّ سوء يحيق بها
لا تستحق أبدًا …
*****
وقف على أعتابه
لم يتردد أبدًا في الذهاب إليه
في الواقع أن مجيئه تأخر كثيرًا
لكن الأوان لم يفت بعد …
بكلتا يداه، و لأكثر من ثلث ساعة، لم يتعب “مراد” و هو يدق على أبواب المسجد المغلقة، كانت دموعه تسابقه و هو يتخيّل بأنه هذا باب الرحمة، و قد أغلق بوجهه للأبد، كان في عالمٍ آخر و هو يعقد محادثة بينه و بين السماء، يظن بأن لا أحد يسمعه، و لكنه مخطئ، أكثر من مخطئ، فهو حتمًا يسمع.. و يجيب المضطر
حاشاه أن يرد سائلًا، حاشاه أن يذر عاصيًا يستجدي التوبة، يتوسل الرحمة
حاشاه …
-يارب.. اسمعني. أنا جيت لك.. أنا اتأخرت بس جيت لك.. ماتقفلش الباب في وشي كده.. يارب أنا آسف. أفتح لي.. لو سبتني كده مين ياخد بإيدي.. لو سبتني كده أروح لمين غيرك.. يارب… يارب !
-إيه يا أستاذ في إيه !؟
إلتفت “مراد” إلى الصوت الغريب ورائه، ليجد شابًا في مقتبل العمر، ظهر من العدم أمامه، كان يرمقه بريبة و هو يقف هكذا أمام باب المسجد و حالته يرثى لها …
-من فضلك شوف حد يفتح لي المسجد ! .. قالها “مراد” و صوته مليئ بالألم تمامًا
سأله الشاب : خير يعني. عاوز إيه.. مافيش حد جوا انت عارف الساعة كام دلوقتي ؟
في الحقيقة الساعة تشير إلى الثانية و النصف صباحًا
لكنه لم يهتم، و أصر :
-أرجوك. أنا لازم أدخل.. عايز أصلي !
تعجب الشاب : لا حول و لا قوة إلا بالله. طيب يا أستاذ شكلك محترم يعني. لا مؤاخذة ماعندكش بيت تصلي فيه. لو مصمم ارجع بعد ساعتين على صلاة الفجر !
هز “مراد” رأسه و قد أطلت الدموع من عينيه، اعترف بخزيٍ مميت :
-مابعرفش !
الشاب مستوضحًا : مابتعرفش إيه لا مؤاخذة !؟
مراد بمرارةٍ : مابعرفش أصلي !!
صعق الشاب في الحال، و أخيرًا أدرك معاناة ذلك الرجل، أثقلته الصدمة لبعض الوقت، لكنه تحرك دون تفكيرٍ و أستلّ المفاتيح من جيبه.. فتح له أبواب المسجد و دعاه للدخول
خلع “مراد” حذاؤه و دلف، يقشعر بدنه و يشعر بخشوعٍ فور أن وطأ الجانب الآخر، تبع الشاب إلى دورة المياه، علّمه الأخير كيف يتوضأ، ساعده في كل صغيرة و كبيرة و أخذ يصب له الماء أيضًا.. ثم أخذه و علّمه فاتحة الكتاب
كان الأمر عسيرًا عليه، لكنه الشاب كان صبورًا، و تقدّمه مؤديًا ركعتيّ التوبة أمامه و هو يرفع صوته ليفعل “مراد” مثله.. لم يكن يتخيّل أن بمقدوره أن يذرف هذا الكم من الدموع
لقد بكى كطفلٍ و هو يركع و يسجد و يطلب المغفرة من رب العالمين
الليلة هي ليلة ميلاده الحقيقية …
-أنا مش عارف أشكرك إزاي يا عمر ! .. قالها “مراد” و هو لا يزال يجلس بالمسجد
أمامه الشاب “عمر” يبتسم له بسماحةٍ قائلًا :
-لا شكر على واجب يا أخي.. انت بس تعالى كل يوم !
و ضحك بمرحٍ
ليعده “مراد” …
-هاجي.. إن شاء الله هاجي !
رواية اوصيك بقلبي عشقا الفصل التاسع عشر 19 - بقلم مريم محمد
مر أسبوعان على عقد قرانها، لا تصدق حتى الآن ما حدث، إنها متزوجة للمرة الثانية، و لكنه زواج مع إيقاف التنفيذ.
تبقى أقل من شهرين حتى يمسي حقيقيًا.
فهل هي مستعدة؟
الإجابة هي لا، طبعًا لا.
ولعلها الآن قد أدركت كم كانت غبية حين وافقت على تلك المهزلة، سخافة فاقت الحدود من صنعها هي، مأساة أخرى رسمتها لنفسها، و كما أخبرها أخوها، عليها أن تتحمل نتائج اختيارها.
في النهاية عليها أن تقبل زواجها من "مالك".
عليها أن تكون زوجته و تتصرف على هذا الأساس.
شقيق زوجها الراحل، عم ابنتها، سيحل محل الزوج، ستكون ملكه كليًا و لا يجوز أن تعترض مطلقًا.
"ادخل!" هتفت إيمان وهي تنهي ارتداء حجابها أمام المرآة.
لينفتح الباب قليلًا و تطل سلاف على عتبته مقتضبة:
"عمتو أمينة بتقولك تعالي سلّمي على طنط رباب قبل ما تمشي!"
وكادت تنسحب في هدوءٍ كعادتها مؤخرًا، لتستوقفها إيمان وقد نفذ صبرها من ذلك التعامل السطحي بينهما:
"سلاف.. ادخلي شوية من فضلك. عاوزاكي!"
بقيت الأخيرة مكانها لبضع لحظات، كأنما تفكر، ثم دلفت إليها على مضض.
تجنبت النظر إليها قدر استطاعتها، فالتفتت إيمان ناحيتها، تفحصتها بنظرة خائبة للغاية، ثم فتحت فاها ثانيةً وقالت:
"هو احنا لحد إمتى هانفضل كده؟"
"كده إزاي يعني؟" قالتها سلاف بصلابة ولا تزال لا تنظر إليها.
"سلاف انتي عارفة قصدي كويس. أنا مش فاهمة ليه بتتجنبيني بالشكل ده.. انتي عايزة توصلي لإيه؟"
وهنا تطلعت سلاف إليها، رمقتها بنظرة ذات مغزى وهي تقول:
"أنا لو عايزة أعمل إللي في دماغك يا إيمان كنت عملته من بدري. والبيت ده ماكنش قعد هادي كده.. والأهم خالتك إللي قاعدة برا دي. عمرها ما كانت قدرت تخطي هنا."
لم تتحمل إيمان ظنها السيئ بها أكثر من ذلك، فانفجرت بغتةً:
"انتي مالكيش حق تظني فيا السوء بالذات وإنتي ما تعرفيش حاجة يا سلاف."
سلاف بهجوم:
"إيه إللي ما عرفوش يا ست إيمان. انتي بعضمة لسانك حكيتي لي عن علاقتك القديمة بمرادك. اعترفتي إنك بتحبيه بس الأكيد ما كنتيش شجاعة كفاية تعترفي بذنبك وتقولي إنك غلطتي معاها."
غرغرت عيناها بالدموع وهي تهز رأسها مغمغمة:
"انتي مش فاهمة حاجة!"
"فهميني!" هتفت سلاف بنزق.
"لو مش فاهمة فهميني. واقنعيني إزاي أكذب عنيا إللي شافتك معاه في سريرك يا إيمان. انتي وهو من غير هدوم.. اقنعيني إن إللي شوفته ده وهم مثلًا!!!"
عصت عليها دموعها ولم تعد قادرة على حبسها أكثر، نزلت على خديها بغزارة، بينما تستطرد زوجة أخيها بعدم تصديق:
"انتي يا إيمان؟ انتي تعملي كده.. دي كانت آخر حاجة ممكن تخطر على بالي. لأ دي كانت مستحيل تيجي قدام عنيا أصلًا. ليه كده. انتي خلتيني بعد ما كنت حطاكي في مكانة عالية وشايفاكي زي الملايكة.. مبقتش قادرة أبص في وشك. بقيت قرفانة منك!!!!"
"ماحصلش حاجة!" قالتها إيمان بأنين مخنوق.
"والله يوم ما شوفتينا ماحصلش حاجة بيني وبينه. وأنا أساسًا اتفاجئت بيه. ما كنتش عارفة إنه جاي. هو عرف إني لوحدي عشان جه وكان بيقنعني أسيب مالك عشان نتجوز أنا وهو. ولما رفضت هددني وجرني على الأوضة غصب عني. انتي جيتي في الوقت الغلط.. ماكنش هايعمل حاجة. كان بيخوفني بس عشان أغير قراري. والله دي الحقيقة!!!"
حدقتها سلاف بنظرة غير مقتنعة وقالت:
"الراجل إللي يتجرأ على واحدة بالشكل ده استحالة ما يكونش قرب منها كفاية. تقدري تنكري إن ماحصلش بينك وبينه أي قرب. تقدري تقسمي بالله إنه مالمسكيش يا إيمان!؟"
فتحت فاها لكي تُنكر على الفور وتبرئ نفسها أمام زوجة أخيها، لكن الحروف توقفت على طرف لسانها، لم تستطع نطقًا، لم تستطع دفع التهمة عنها، لأنها صحيحة تمامًا، لقد أخطأت ومارست الرذيلة مع مراد بالفعل.. كيف عساها تنكر هذا إذن… كيف لها تقسم بالله كذبًا!!؟
انهمرت دموع جديدة من عينيها، واصلت السقوط، يغمرها الألم مع تتابع نظرات الخيبة والنفور بعينيّ سلاف وما زالت لا تستطيع الرد بكلمة.
عفتها سلاف من هذا الحرج واستدارت لتخرج وهي تقول بجمود:
"خالتك مستنياكي برا.. ماتتأخريش!"
***
"مش قادرة أصدق إنك هنا من أسبوعين وما فكرتيش تزورني إلا إنهاردة!"
ابتسمت رباب وهي تجاوب شقيقتها مرة أخرى على استحياء لا يخلو من الرقة:
"تاني هقولك يا أمينة. مراد من ساعة ما وصلنا ماكنش مخلينا قاعدين أنا وأبوه. قلت لك حالته كانت غريبة أوي.. والله ما ركزت في حاجة غيره طول الوقت ده وإلا كنت جيت لك في نفس يوم وصولي. ده انتي أختي الوحيدة!"
"وهو عامل إيه دلوقتي؟" صدر السؤال عن أدهم الجالس أمامها في المقعد الوثير.
نظرت رباب إليه وردت بإيماءة:
"الحمد لله بقى أحسن. لسا بنتعامل معاه بحذر لكن مقدرش أتجاهل الجانب المدهش إللي ظهر عليه فجأة."
أدهم باهتمام:
"جانب إيه؟"
"مراد اتغيّر يا أدهم. مابقاش ابني إللي أعرفه. وبصراحة ده تغيير حلو جدًا يعني بدل ما كان متأثر بالتحضر ومهتم بس باللعب والتنطيط هنا وهناك. لأ. مابقاش كده دلوقتي.. أنا قعدت معاه أسبوعين. ماشفتوش فوّت فرض. لأ والجمعتين إللي فاتوا كمان باباه نزل معاه المسجد.. أنا كنت مذهولة. وفي نفس الوقت قلقانة عليه. بس لما شوفته بدأ يتحسن ويهتم بشغله كمان عرفت إن التغيير كان من جواه واطمنت."
ابتسمت لها أدهم بوقار وهو يقول:
"الله يثبته ويتم عليه الهدى. أيًّا كان إللي حصل خير طالما رجع عليه بالنتيجة إللي سمعتها دي!"
وقد كان يعلم جيدًا ماذا حدث مع ابن خالته، لكنه تظاهر بالجهل طبعًا، وآثر الاستماع تاليًا… حتى ظهرت زوجته.
انتبه إليها عندما أحس باضطراب ما نحوها، أولاها نظراته ليراها تستند إلى الجدار بكفيها وقد بدت وكأنها تنازع لالتقاط أنفاسها، هوى قلبه بين قدميه ووثب قائمًا بلحظة، كان بجوارها في ثانية، أمسك برسغها ولف ذراعه الأخرى حولها مغمغمًا بقلق:
"حبيبتي. انتي كويسة!؟"
نظرت سلاف له وهي تحاول تعبئة الهواء إلى رئتيها عبثًا…
"نسيت الـ pump فوق!" أخبرته بصعوبة وعيناها تغرب.
انقبض حاجبيه بجزع وهو يحملها دون انتظار قائلًا:
"طيب إهدي. حاولي تهدي نفسك دقيقة واحدة وها نكون فوق!"
وانطلق أدهم بها خارجًا من الشقة، في أثرهما نظرات كلًا من أمينة ورباب…
"إيه إللي حصل يا أمينة؟" تساءلت رباب بريبة.
تنهدت أمينة قائلة:
"والله لا كان على البال ولا الخاطر. فجأة كده سلاف تتعب والدكتور يقرر لها تعيش على أدوية للربو وبخاخة ماتسيبش شنطة إيدها!"
رباب بشفقة:
"يا ساتر يا رب. لوحدها كده!؟"
هزت أمينة كتفيها…
"هانقول إيه.. الحمد لله على كل حال."
"السلام عليكم!"
نظرت رباب نحو مصدر الصوت، فإذا بها ترى إيمان.. تهللت أساريرها وهي تقوم لتتلقاها بين أحضانها في الحال:
"مش معقول.. إيه ده يا إيمان. انتي بتصغري وبتحلوي. الله أكبر إيه الجمال ده كله يا حبيبة قلبي!"
"إزيك يا خالتي!!" تمتمت إيمان بابتسامة لم تصل إلى عينيها.
رجع رباب بجسمها لتنظر إلى ابنة أختها جيدًا، وقالت:
"الحمد لله يا حبيبتي بخير. انتي إزيك يا عروسة. أنا لسا عارفة من أمك إن كتب كتابك كان في نفس اليوم إللي رجعت فيه.. ياريتني كنت أعرف."
إيمان بلهجة تنكت سخرية خفية:
"ما تضايقيش نفسك يا خالتي. مراد كان هنا وقام بالواجب.. شهد على عقد جواز."
عبست رباب مرددة:
"بجد. الولد ده ما قاليش حاجة خالص.. غريبة بس لما أشوفك يا مراد!"
شعرت إيمان باهتزاز هاتفها داخل حقيبة يدها، فقالت لأمها دون الحاجة لاستكشاف الأمر:
"أمي أنا لازم أنزل. مايا ومالك خلاص وصلوا."
أمينة مبتسمة:
"طيب يا حبيبتي. على مهلك وسلّمي لي عليهم."
أومأت إيمان وخاطبت خالتها مرة أخيرة:
"أنا آسفة يا خالتي مضطرة أنزل. إن شاء الله أشوفك قريب وأقعد معاكي مدة أطول."
عانقتها رباب وقبلتها قائلة:
"يا حبيبتي كفاية إني شفتك. ربنا يسعدك ويهنيكي يا إيمان.. تستاهلي كل خير!"
انسحبت إيمان في هدوء، وهكذا بقيت الشقيقتان على انفراد تام.
"العيال كبروا يا أمينة!" علقت رباب ودموع الحنين ملء عيناها.
وافقتها أمينة بنفس التعبير:
"سنة الحياة يا رباب. لسا إمبارح كانوا صغيرين حوالينا. دلوقتي خلونا أجداد.. عقبال ما تفرحي بعوض مراد وتشيلى صبيانه وبناته يا حبيبتي."
لم تكد ترد عليها، دق هاتفها في هذه اللحظة فابتسمت وهي تلقي نظرة على الشاشة المضاءة.
"جبنا سيرة القط. أهو الباشا بيتصل!"
وفتحت رباب الخط:
"آلو.. إيه يا حبيبي.. لأ خلاص خلصت قعدتي مع خالتك.. انت قريب يعني.. تحت البيت.. طيب ما تطلع يابني سلم على خالتك.. اطلع يا مراد هاتعمل مكسوف أومال لو ماكنتش طبيت عليهم قبلي.. اطلع يابني محدش غيري أنا وخالتك هنا.. يلا بقى ماتزعلهاش منك.. يلا يا حبيبي…"
وأغلقت مبتسمة بشدة وهي تعلن:
"مراد طالع!"
*****
اتخذت المصعد هذه المرة، هي التي لم ترتاده أبدًا مؤخرًا، علقته قليلًا لتختلي بنفسها لبعض الوقت… فقد كان الضغط عليها نفسيًا شديد الوطأة.
من كل الجهات، وكأن العالم يتآمر ضدها من جديد، اليوم ليس يوم حظها مثل سائر أيامها السابقة، ابتداءً من استيقاظها على خبر وصول خالتها، ومحادثتها المخزية مع زوجة أخيها، وصولًا إلى تلك اللحظة التي تجد نفسها مضطرة إلى لعب دورها في مسرحية زواجها الهزلية.
إلى أين هي ذاهبة بحق الله؟
هل حقًا تتخيل بأنها عروسًا لـ"مالك"؟
تعطي نفسها الحق للخروج معه لأجل جمع قطع أثاث منزلهما!!!
كل هذا بدون فائدة.. كل هذا مدعاة للشفقة والسخرية.
ونهاية هذا الأمر، تخيفها، لا تستطيع إلا تصور أكثر السيناريوهات سوءًا.
تنهدت إيمان واستأنفت النزول بالمصعد بعد أن قضت قرابة الخمس دقائق بمفردها، وإن كانت قد كذبت أمام أمها وأدعت بأن مالك وأخته قد أتيا، لم يحضرا بعد.. لكنها كانت بحاجة للإنفراد بنفسها تمامًا قبل أن تراه هو بالذات، لا تريد أن يظهر عليها أي شيء يثير تفكيره عنها مطلقًا.
إنفتح المصعد بالطابق الأرضي، وإلتقت إيمان بآخر شخص فكرت أن تراه في الزمن القريب، اصطدمت مباشرة برؤية مراد.. وإذ بدا كأنما يحاول استدعاء المصعد بلا جدوى!
لحظة أن رآها بدوره تفاجأ مثلها، وقفا الاثنان قبالة بعضهما جامدين، لم تقوَ على تجاهله، مظهره الجديد كليًا استرعى اهتمامها.
كان يرتدي قميصًا رمادي متناسق مع لونه عينيه الحادتين، وسروالًا من الجينز الغامق، كان قميصه بداخل السروال وهذا جديدٌ عليه، يحيط بخصره طوق من الجلد الثمين اللامع، لحيته نمت قليلًا جدًا وشاربه صار بارزًا أكثر، إنه يوحي بالنضج أكثر من أي وقت مضى.. وكأنها لم تراه منذ سنوات رغم إن آخر لقاء كان قبل أسبوعين فقط!!!
"إزيك!"
صوته القوي جرّدها من تخيلاتها بغتة.
كتمت شهقتها حين رأت يده تمتد نحوها، لكنها أدركت الخطأ بنفس اللحظة عندما وجدت كفه يلحق بباب المصعد قبل أن يغلق.. اتخذت خطوتين إلى الخارج على الفور، فترك الباب وأدار جسده قليلًا ناحيتها.
على عكس توقعها لم يبدو غاضبًا منها، بل شاهدت في عينيه سلامٌ غريب لأول مرة، علاوة عليه منحها ابتسامة رقيقة وهو يستطرد مرة أخرى بدعابة:
"مش مصدق.. إيمان نازلة بتواجه العالم لوحدها!"
ردت عليه بشيء من الصلابة:
"خارجة مع مالك."
تلاشت الابتسامة الطفيفة عن محياه وهو يسألها:
"خارجة معاه لوحدك. قصدي أدهم سمح لك!؟"
ابتسمت بسخرية:
"سمح لي! ده جوزي!!"
لاحظت فكه ينقبض عندما أتمت جملتها هكذا، توترت من مواصلة النظر إليه، فهربت بعينيها بعيدًا، بينما بقى محافظًا على ثباته وهو ينفخ نفسًا سريعًا قبل أن يقول بازدراء:
"رغم إنك ممكن ماتصدقيش كلامي.. لكن أنا مبسوط عشانك جدًا يا إيمان. وإنك قدرتي تتخطي الماضي للمرة التانية!"
قامت بالاتصال بالعين معه ثانيةً وردت بحدة:
"قصدي للمرة التالتة."
علت زاوية فمه بنصف ابتسامة:
"أيًّا كان. أنا بدعم قرارك.. أكيد سعادتك مهمة بالنسبة لي يا إيمان. وطالما سعادتك مع مالك ف ده شيء يطمني عليكي. على الأقل شوفته بعينيك."
كان واضحًا استهزاؤه بها وبعلاقتها بشقيق زوجها الراحل، مما أغاظها وجعل الأجيج يعلو بصدرها، تصرفت باندفاع وهي تستجمع نفسها لتذهب من أمامه.
لكنها أطلقت صرخة قصيرة، سرعان ما وأدتها، فقد تبين أن المصعد قد أغلق على طرف ثوبها، وإن قدمها تعثرت وكادت تنكفأ على وجهها، لولا ذراعاه التي امتدتا وأمسكت بها في اللحظة المناسبة.
وكأن العالم توقف تمامًا، بقيا على وضعيتهما، كلًا منهما يحدق بعينيّ الآخر، فقط المشاعر هي المسيطرة الآن.. وهما عاجزين كالعادة.. العجز… آفة حبهما.
الحاجة، الجنون، الإدمان على بعضهما البعض.. ما كان لهما من علاجٍ سوى البقاء معًا.
كم كان من الغباء، كليهما غبي بطريقته، لا يمكن إلا أن يكونا سويًا.
هي له.. هو لها…
"إيـمــــان !!!!"
تفاعل جسدها كله مع هذا النداء الغاضب، كان مميز جدًا، صوت مالك الذي عرفته على مر السنين، اخترق حواسها قاطبةً الآن وبث فيها رعب العالم كله!
رواية اوصيك بقلبي عشقا الفصل العشرون 20 - بقلم مريم محمد
أطلقت “إيمان” أنفاسها المحبوسة بشدة، ارتعدت فرائصها بعنفٍ وأذنيها تعيدان صدى اسمها الذي تفوّه به “مالك” قبل لحظاتٍ، ليست مضطرة لأن تستدير لتراه فهي متأكدة.. اللعنة!
تحرّكت للفكاك من بين ذراعيّ “مراد” الملتفين حول خصرها بإحكامٍ، لكنه ضغط عليها وأبقاها مكانها.
- مراد!!! .. همست بغضبٍ تنذره ليتركها.
سوف يوقعها في مشكلة حتمًا، بل سيفضحها الآن علنًا.
- شيل إيدك عني يا مراد! .. طلبت منه بتوسّل والتوتر يكاد يقتلها.
كانت ترتعش بشكلٍ مزري بين ذراعيه وقد تندّى جبينها عرقًا.
ارتفعت يدها إلى كتفه، والأخرى سندت بها على ساعده محاولة الإبتعاد ثانيةً، لكنه شد ذراعه حولها مرةً أخرى وهو يخاطبها ببرودةٍ متعمدًا رفع صوته ليكون مسموعًا:
- على مهلك يا إيمان. طرف فستانك لسا محشور في الباب. على مهلك!
ثم تراجع وهو يجذبها معه ولا يزال يمسك بها، وأخيرًا سمح لها بالإنزلاق من حضنه، تململت بعصبيةٍ وهي تنسحب بعيدًا عنه وتحمرّ خجلًا تمامًا، بينما يمد يده ليسحب باب المصعد دافعًا بقدمه طرف ثوبها خارجه.
- بس كده! .. قالها “مراد” بمرونةٍ وهو حتى الآن لا يعيّر “مالك” أدنى اهتمام.
كانت نظرات “إيمان” مُركزة على زوجها الآن، ولو أن صفته الجديدة غير مقبولة بالنسبة لها بعد، أُشرب الرعب في قلبها وهي تحدق في وجه “مالك”. سكونه وصمته يثيران الذعر. فأما عيناه المركزتان الآن على المواضع التي كان “مراد” يلمسها من جسد زوجته.. تشعر “إيمان” وكأن نظراته تلك كالرصاص يثقبها ويحرقها.
- مالك! .. بالكاد استطاعت أن تنطق اسمه وقلبها يخفق وجلًا.
شاهدته “إيمان” وهو يدق يطحن فكّه ونظراته كما هي على جسدها، حتى رفع عينيه أخيرًا ونظر إليها، لم يكن “مراد” هو الهدف الآن.. بل هي.
انطلق فجأة وسار نحوها بخطواتٍ نزقة، كلما اقترب منها خطوة كلما ازداد الغصّات بحلقها وصعّبت عليها التنفس، شعرت بدوارٍ طفيف ولم يعد يفصله عنها سوى خطوتين. كان يمد يده مشهرًا عنفًا صريحًا وقد استعدت هي له شاخصة العينين.
ولكن ما لبثت فجأة أن وجدت حائط يقف أمامها.
حائط طوله ستة أقدام.. يتشح بقميصٍ رمادي وتفوح منه رائحة خليط بين الحامض والتفاح الحلو.
مراد!
صنع حائل بينهما الآن ولا يبدو عليه نيّة الابتعاد.
أطلق “مالك” نظرات الشرر إلى عينيّ غريمه قائلاً بغلظة:
- ابعد!
- ابعدني!! .. قالها “مراد” وفي عينيه تحدي واضح.
انتفض فكّ “مالك” وهدرت حشرجة مخيفة من صدره، حاولت “إيمان” درء “مراد” بعيدًا عنها وهي تقول:
- لو سمحت يا مراد إوعى من قدامي. لو سمحت كفاية. كفاية كده!
تجاهلها “مراد” وكأنها لم تتكلم وتابع كلامه إلى الشاب اليافع جدًا أمامه:
- عايز إيمان؟ لازم تعديني أنا الأول!
نفث “مالك” أنفاسه الحارة عبر فتحتيّ أنفه، العنف والغضب يغليان بشرايينه، لم يحتاج أن يفكر مرتين، فهو بالفعل مُثار منذ رآه يضع يديه اللعنتين على ما يخصّه، والأدهى أن الأخيرة أظهرت خضوعًا وانسجام سحق عقله.
- إوعى بقى بقولك!!! .. صرخت “إيمان” منفعلة وهي تدفع “مراد”.
وكأنها شعرت بناقوس الخطر، رغم أن ابعاده كان مستحيلًا، لكنه أذعن لرغبتها، وليت هذا خفف من جموح الأخير. فما إن صارت في متناول “مالك” حتى دفع يده إليها وشدّها بوحشيةٍ من ذراعها، ثم رفع يده الأخرى عاليًا ومتأهبًا ليهوى بها نحوها.
أغمضت “إيمان” عيناها مستعدة لما قرر أن يعاقبها به، فإذا بها تشعر بقبضةٍ أخرى تنتزع قبضة “مالك” عنها بقوة مرعبة.
فتحت عينيها من جديد وحدقت لتجد “مراد” يتدخل للمرة الثانية، ممسكًا قبضة “مالك” التي كانت تهصر ذراعها، وأيضًا يده الحرة قد إلتقطها من الهواء فصار يمسكه من الإثنتين وهو يتراجع به بعيدًا عنها صائحًا بخشونة:
- انت.. بتمد إيدك عليها. وفي وجودي!!!!
تخلّص “مالك” من قبضتيه مغمغمًا من بين أسنانه:
- وعليك انت نفسك. وريني هاتعمل إيه.
استفحل غضب “مراد” واستقبل لكمة “مالك” في قبضة يده، ثم ألقى لكمته هو على وجه الشاب. ارتد “مالك” للخلف مع انطلاق الصراخ من فم “إيمان”.
نظر نحو “مراد” وقد سعّر الحقد كل عضلة في جسمه، قفز نحوه مستعدًا للعراك كليًا وبدافع أكبر الآن، ولكن هيهات، كان فقد بدا مثل موجةٍ عاتية تحاول كسر صخرة!
صد “مراد” لكمة أخرى منه، وأمسك بياقته ورماه في أرجاء المدخل، اصطدمت رأسه “مالك” بالجدار الرخامي، تحسس أسفل حاجبه بعد أن أحس بدفءٍ، فإذا به يرى دماءً تخضّل أنامله.
- يابن الـ××××××! .. سبّه “مالك” بلفظٍ نابٍ.
انفجر بداخله من الغيظ واندفع صوب “مراد” مجددًا، هذه المرة أصابه في وجهه، فشعر “مراد” بالطعم الصادئ للدم بفمه، إلا إنه أيضًا لم يفلته.
- خليك راجل للآخر واتحمل نتيجة إللي قلته وإللي عملته! .. قالها “مراد” مزمجرًا وقد تحوّل وجهه إلى كتلةٍ نارية.
وبغتةً رفع ركبته وضرب “مالك” في منتصف معدته، انحنى “مالك” صارخًا، فثنى “مراد” مرفقيه وضرب به مؤخرة رأسه ليسقط على وجهه فورًا.
في الجهة الأخرى لا يزال صراخ “إيمان” الملتاع يصدح ويملأ المنزل كله، لكن هذا لم يوقف “مراد” ولو شبرًا. مد يديه وأمسك بثياب “مالك” حتى أوقفه قبالته من جديد.
أرجع قبضته ليسدد له لكمة أخرى، لكنه أحسّ بذراعين قويين يمسكان به من الخلف، ثم سمع صوت “أدهم” الحازم:
- إيه إللي بتعمله ده يا بيه يا محترم. انت اتجننت!؟؟؟
لم تمر لحظاتٍ أخرى إلا وانضمت أصوات النساء، ميّز صوت أمه وخالته، لكنه لم يلتفت، بل تشنج أكثر وهو يصيح بغضبٍ عارم:
- سيبني يا أدهم.. بقولك سيبني!!!
تقريبًا كان “أدهم” يوازيه قوةً، مما أضناه قليلًا ودبغ بشرته بالحمرة فقط من الجهد للإبقاء على ابن خالته بمكانه وحماية “مالك” من بطشه.
- مش سايبك! .. هتف “أدهم” بصرامةٍ.
- أقسم بالله لو ماوقفتش التهريج ده حالًا هاتشوف واحد تاني غير أدهم إللي تعرفه. وبعدها لا انت ابن خالتي ولا اعرفك. سـامع؟؟؟؟
كلمات التهديد أتت بنتائجها في الحال، فبدأ جسد “مراد” يرتخي رغمًا عنه، وبدأ يستنشق أنفاسه بعمقٍ ليهدّئ غرائز الشر بدواخله. أرخى “أدهم” يديه عنه عندما ضمن خنوعه.
- مــــالـك. أخويــــا!!!
انطلقت تلك الصرخة من “مايا” التي اقتحمت بوابة المدخل الآن، ركضت من فورها تجاه شقيقها وهي تصرخ ملتاعة:
- أخويا. مالك.. حصل إيــه!!؟
نظرت إلى “أدهم” مطالبة بتفسيرٍ، ثم حانت منها نظرة ناحية “إيمان” التي لاذت بأحضان كلًا من أمها وخالتها، وكأنها تختبئ منهم جميعًا، تتمنى لو يتوقف العالم كله في هذه اللحظة!
تراجع “مراد” خطوة واستدار حتى يتمكن من مواجهة الجميع، ولكن بقيت عيناه بعينيّ “أدهم” وهو يقول:
- الدكر إللي وافقت تجوزه أختك.. كان بيحاول يمد إيده عليها. لولايا كان ضربها فعلًا يا أدهم!
***
- إحنا لحد دلوقت ماتحسبناش على الكلام إللي قلته آخر مرة! .. قالها “أدهم” بلهجةٍ فجّة وهو يقف مواجهًا “مراد” هنا بحديقة المنزل.
كليهما على إنفرادٍ.
بعد أن أمر “مالك” بالرحيل عقب تصريح “مراد” والذي لم ينكره الأخير، توّجه “أدهم” إلى شقيقته واستوضح منها عن الأسباب والملابسات، فأخبرته بإيجازٍ أن “مالك” أساء الفهم و”مراد” وقف ليدافع عنها بهذا الشكل.
أمال “أدهم” رأسه قليلًا وهو يقول مقطبًا:
- انت مفكر نفسك إيه يا مراد. ولا متخيّل مثلًا إن صبري مالوش حدود!؟
نفث “مراد” أنفاثًا قصيرة، ثم قال بعصبيةٍ طفيفة:
- أدهم. من فضلك أنا أساسًا مش ناقص. كل إللي حصل إني حاولت أكون جدير بإيمان بس فشلت. دايمًا كنت بفشل وكالعادة بتصرف بغباء. أيوة أنا غلطان موافقك. بس إيه المطلوب مني يعني!؟
ارتفع حاجب “أدهم”.. وكأنه يتساءل ما إذا كان ذاك “مراد” الذي عرفه طوال عمره.
- انت مشاكلك أكيد مأثرة عليك. تعرف إن ده السبب الوحيد إللي خلّاني عذرتك لما جيت تطلب مني إيمان قبل كتب كتابها بلحظات!؟
رمقه “مراد” بنظراتٍ محتقنة، وتمتم:
- أنا لسا ماتجننتش يا أدهم!!
أدهم منفعلًا:
- لو كده تبقى خيّبت ظنّي فيك. تخليني أندم على كل لحظة وثقت فيك وآمنتك على بيتي وأهلي.. إيمان اتكلمت معايا وشرحت لي شكل العلاقة البريئة كانت ازاي وفهمت إن ده كان طيش مراهقة. لكن لما تيجي وانت رااااجل كده وتقولي بحب أختك الأرملة. الأم… تفتكر ممكن أتصرف معاك إزاي!!؟
بقيا يحدقان ببعضهما للحظاتٍ طويلة، ثم تنهد “مراد” بشدة مغمضًا عينيه، مرر أصابعه خلال شعره وهو يقول بتعبٍ واضح:
- أنا عارف إني غلطان. طول عمري غلط.. بس يا أدهم. صدقني. أنا وإيمان. الفصل الوحيد في حياتي إللي كان حقيقي. كله زيف. مشاعرنا حقيقية يا أدهم وظانا مش خايف وأنا بقولك كده. ليه مش مصدقني. ليه ماوقفتش جمبي. انت بتقدر الحب. انت بتحب سلاف وحبيتها قبل جوازكوا وانت إللي قلت لي كده بنفسك!
أومأ “أدهم” موافقًا على كلامه:
- أيوة حبيت سلاف قبل الجواز. لكن عمري ما صارحتها. عمري ما حاولت أقرب لها غير في إطار شرعي.. عشان بحبها عملت كده. حافظت عليها حتى من نفسي. ولغاية ما كتب عليها وهي كانت مراتي لكن التزمت معاها لحد ما تم جوازنا. الحب والمشاعر مش محصورين في القرب وكسر الحدود يا مراد. الحب إنك تصون إللي بتحبها وتحميها حتى منك. في حب ممكن يعيش العمر كله منغير أيّ نوع من أنواع القرب.
- أنا انسان. ومقدرش أعيش على النمط إللي بتحكي عنه. أنا جيت لك وطلبتها منك وكنت عارف إنها هاتكون سعيدة معايا. يا ريتك انت إللي تكون فهمت انت سلّمتها لمين. واحد مع أول خلاف بهدلها وكان هايمد إيده عليها.
عبس “أدهم” ممعنًا التفكير بكلماته، نظر له ولم يتكلم. فأضاف “مراد” وهو يفرك جانب بارهاقٍ:
- يا ريتك ماتندم ومش تحس بعدين إنك ظلمت أختك للمرة التانية. يا ريت إيمان تعيش سعيدة.. ويا ريتها ماتنكسرش المرة دي, عشان صدقني لو حصل لا انت ولا أنا ولا أي مخلوق هايعرف يعالجها. وأقسم لك على ده يا أدهم!
وبدون أن يضيف كلمة أخرى، رحل وتركه مستغرقًا ببقايا حديثهما… لا يدري.. ولكن لأول مرة يتأثر برأي عكس قناعاته… لأول مرة يخاف أن يقبل الظلم ويكتبه على أقرب المقربين إليه.
شقيقته… “إيمان”!