جلست بنات عائلة الهلالي حول نور في حديقة قصر سلطان الهلالي يهنئونها بحملها. بعد قليل، تغير وجه بسمة إلى الغضب والحزن حين لمحت فريد يدخل من باب الحديقة وهو يضحك بصخب مع تلك الفتاة التي رأتها معه قبل أيام وهي ذاهبة إلى جامعتها. سألتها سلمى بحنان وهي تنظر إلى ما تنظر إليه أختها: "مالك يا بسمة وشك اتغير ليه؟ ثم صمتت عندما وجدت فريد مقبل عليهم ويصطحب معه تلك الفتاة. علمت إجابة سؤالها دون أن تتفوه بسمة بأي كلمة.
قال فريد بمرح: "صباح الخير يا جميلات عيلة الهلالي." هتفت زهرة ونور بمحبة: "أهلاً يا حبيبي." قال فريد: "شوفوا أنا جبت مين معايا." نظرت زهرة ونور إلى فريد، لم ينتبهوا أول الأمر إلى من كانت بصحبته. هتفت زهرة بفرحة: "جاكي مش معقول انتي هنا في الصعيد! انتفضت زهرة من مكانها تحتضن جاكلين بمحبة وترحاب، كعادتها محبة مرحبة بالجميع. بينما نظرت لها نور ببرود وقالت لها بلا مبالاة: "أهلاً." وكزتها زهرة وهي تقول لها بعتاب:
"إيه قلة الذوق دي يا نور، سلمي كويس على جاكي." همست نور من بين أسنانها بينما كان فريد يعرف جاكلين على باقي العائلة: "إنتي عارفة إني مش بحبها ولا هي كمان بتحبني من وإحنا في فرنسا." قالت زهرة بعتاب: "الكلام ده من زمان يا نور، بلاش قلة ذوق وسلمي عليها كويس، هي عندنا في بيتنا دلوقتي علشان خاطر فريد." اغتصبت نور بسمة على وجهها وهي ترحب بجاكي التي استطاعت بجدارة تمثيل دورها وفرحتها بلقاء نور وزهرة مرة أخرى.
قال فريد بود وهو يعرف جاكلين على سلمى وبسمة: "دي جاكي، May best friend." سلمت عليها سلمى ورحبت بها كعادات أهل الصعيد، بينما كانت بسمة تغلي من الغضب وألف سؤال وسؤال يدور في رأسها. من تكون تلك؟ علاقتها بفريد؟ هل هي مجرد صديقة أم حبيبة؟ لم تستطع العيش دون حبيبها وآتت خلفه. انتشلها فريد حين ناداها باسمها: "بسمة بكلمك." قالت بتلبك: "هه معلش مأخدتش بالي." أكمل هو بمرحه المعتاد: "بقولك دي جاكي، دي صديقة من فرنسا."
قالت بسمة بغضب: "أهلاً وسهلاً، نورتي مصر." ثم وقفت بغضب وانصرفت دون أن تودع أختها. تبعتها زهرة وسلمى. نادتها سلمى وهي تجري خلفها: "بسمة انتي يا بنتي رايحة فين؟ "مروحة بيتنا." قالت زهرة بقلق: "ليه يا بسمة، إحنا هنتغدى هنا النهاردة." أجابتها بسمة بغضب وغيره وهي تنظر إلى حمراء الشعر التي تقف تتحدث مع نور بينما أقبل عليها فريد لكي يسألها لما ستغادر: "لاء، مش هتغدى هنا. كفاية عليكو باربي اللي جابها فريد."
مسكتها زهرة التي لاحظت غيرتها الواضحة وهي تقول بمحبة: "باربي إيه يا هبلة، دي مجرد ضيفة وهتمشي. وبعدين كلهم جايين هنا النهاردة، هتروحي تقعدي لوحدك؟ أومأت لها سلمى توكد على كلام زهرة وهي تقول: "جدك جاد وجدتك نجيه چوه. هقول لهم إيه؟ إنتي عارفة إن سليم عزمنا علشان خاطر نور حامل. قولولي إيه بس اللي مزعلك؟ قالت زهرة بمكر: "مش زعلانة ولا حاجة." وصل فريد وهو يسألها بقلق: "مالك يا بسمة؟ فيه حاجة؟ دفعته بغضب وهي
تدخل إلى القصر وهي تقول: "محدش يقدر يزعلني." وقف متصنمًا من ردة فعلها بينما تساءل ببلاهه: "مالها دي؟ جرت سلمى خلفها. وقفت زهرة بجانب فريد وهي تضحك، بينما شكت أن بسمة تحب فريد ولكنها تأكدت الآن أنها تكن له مشاعر. قالت لفريد: "زعلانة منك علشان جبت جاكي هنا." قال ببلاهه: "وده يزعلها في إيه؟ قالت زهرة بمكر: "مش عارفة، فكر إنت وصالحها." ثم تركته وهو يتساءل ما الذي أغضبها. ***
وقف مطأطأ الرأس أمام مصطفى وهو يستقل عربة الترحيلات التي ستقلّه إلى محافظته بالصعيد حتى ينال عقابه. وأخيرًا سيعاقب على جريمته التي ارتكبها منذ عشرون عامًا. وأخيرًا سيعود الحق لأصحابه. نعم مرت فترة طويلة، ولكن الحق مهما طال سيعود لأهله. قال مصطفى بتشفٍّ: "كنت فاكر إنك هتقدر تهرب تاني يا سعد." أجابه بكسرة فهو علم أنها النهاية ولا بد من العقاب: "ولا فاكر ولا مش فاكر، أنا خلاص يا حضرة الضابط عارف إن دي نهايتي."
ثم نظر له وقال بتشفٍّ: "بس يارب تقدر تقبض على چو." أضاف تلك الكلمات وهو ينظر بشماتة وسخرية من مصطفى الذي فشل في القبض على ابنه. قال مصطفى بثقة بثت الخوف والرعب في أوصال سعد وهو يمسك كتفه: "لاء من الناحية دي متقلقش، كلها أيام وهقبض على حبيب قلبك الي طالع بيه القلعة ويشرف معاك في الزنزانة، يفضل معاك شوية تشبع منه قبل... أشار مصطفى على رقبة سعد وهو يكمل بسخرية: "قبل تنفيذ الإعدام يا قاتل."
تحولت كلمات مصطفى إلى الغضب وهو يدفع ذلك المتبجح الذي يسخر منه لأنه لم يستطع الإمساك بابنه. لا يعلم أن مصطفى يمسك جميع الخيوط في يديه وما هي إلا ساعات وسيقبض عليه. *** بأصبع مترددة طرقت على باب غرفة أختها. جاءها صوتها من الداخل: "ادخلي." دلفت دنيا إلى غرفة أختها آية. قالت آية بود: "أهلاً يا دنيا، تعالي." قالت دنيا بحرج: "عطلك عن حاجة؟ جذبتها آية بمحبة: "حتى يا ستي لو هعطل أنا، عندي أغلى منك."
ملكها الخجل من أفعالها السابقة مع أختها، حتى أختها لم تسلم من أذاها ومن شرها. سألتها آية بمحبة: "خير يا حبيبتي؟ قالت دنيا بتلعثم: "أنا... أنا يعني كنت عاوزة منك خدمة." هتفت آية بمحبة: "خدمة إيه؟ إنتي تؤمرينى يا حبيبتي." "الأمر لله وحده، أنا بس عاوزاك تكلمي سراج يشوف ليا شغل في المصنع أو الشركة عندكم." قالت آية بفرحة: "كدا بس من عنيا، دي الشركة والمصنع هينوروا لو دنيا راشد اشتغلت فيهم." قالت دنيا بخجل من
مودة أختها وطيبتها معها: "شكراً يا آية." قالت آية بمرح: "شكراً إيه يا هبلة، إحنا أخوات ومافيش بينا كدا. إن شاء الله هكلم المهندس إبراهيم يشوف لك شغل في المصنع، هو المسؤول عن المصنع." وقفت لكي تغادر غرفة أختها ولم تصل إلى الباب إلا واستدارت ونادت على آية وعيناها ممتلئة بالدموع وعادت لها وهي تناديها باسمها: "آية." "نعم يا حبيبتي؟ حاجة تانية؟ آه، وما هي إلا لحظة وغمرتها في بين ذراعيها تحتضنها وهي تبكي وتطلب منها السماح:
"سامحيني يا آية، أنا عمري ما كنت لك أخت." تفاجأت آية من فعل أختها وصدمت منه. نعم هي ترى أنها ومن فترة معتزلة الناس وهذا لم يكن طبعها، ولكن نبرة الألم والحزن الذي تتحدث به أكد لها أن دنيا تغيرت. احتضنتها بمحبة صادقة وشعرت من صوتها كم هي نادمة على أفعالها السابقة. قالت لها بحنان: "هوني على نفسك يا حبيبتي، إحنا أخوات وملناش غير بعض وماما ربنا يشفيها وأنا عمري ما زعلت منك، أنا كنت بزعل من طيشك."
ثم ابتعدت عنها وقالت بمرح حتى تغاير لحظة الحزن المسيطرة عليهم: "شكلنا كدا عقلنا، يا ترى إيه السر؟ تخضب وجه دنيا من الخجل، رغم أن آية لم تقصد شيئاً بكلماتها العفوية إلا أنها كما يقولون وضعت يدها على الجرح وضغطت عليه دون إدراك. قالت دنيا بتلعثم: "ها... لا. أبداً... ولا سر ولا... حاجة. أنا تعبت من أنانيتي ومش عاوزة أكون وحشة وتفكيري كله شر." ثم أضافت بأسى: "الشر وحش والظلم أوحش يا آية."
احتضنتها آية مجددًا وهي تقول لها بمحبة بينما أثرت بها كلماتها: "إنتي مش وحشة يا حبيبتي، إنتي بس كان تفكيرك غلط. إنما إنتي أجمل أخت في الدنيا." لم تسعفها الكلمات، بينما وجدت في أختها ملاذها الضائع من الأمان والاحتواء والتفاهم. "كم كنتي غبية يا دنيا." هكذا حدثت نفسها وهي بين أحضان أختها، بينما أخيرًا سمحت لدموع الندم أن تنزل من عينيها لعلها تخمد نار الندم التي تحرق قلبها. ***
جلسوا جميعًا إلى طاولة الطعام الذي ترأسها سلطان الهلالي ليتناولوا طعام الغداء بعد وصول رحيم وسراج وسليم. رحب سلطان بضيفة فريد أشد الترحاب، وبالطبع كان فريد المترجم الرسمي لما تقوله جاكلين، مما زاد غضب بسمة عليه. نظرة له نظرة تكاد تقتله. بينما هو سألها ببلاهه: "أنا زعلتك في حاجة يا بسمة؟ لم تجبه بل جلست إلى الطعام مع الجميع. همس سراج لزهرة: "إيه الجمال ده يا زهرتي." نظرت له بدهشة: "سراج! حد يسمعك؟
طيب وماله، أنا عاوزة الكل يسمع ويعرف إني بموت فيك." كان رحيم يجلس بجوار سراج وسمع بعض كلماته. همس له بمزاح: "خف شوية يا دنجوان، لك بيت تتلموا فيه." قال سراج بجرأة: "واحد وبيحب في مراته، رامي ودنك معانا ليه؟ قال رحيم بمرح وهو ما زال يهمس له: "أنا قلبي عليك لو جدك جاد سمعك هيبقى منظرك إيه وهو بيقولك، اتحشم يا واد." ملك سراج الخوف لحظة ثم نظر لرحيم وقال بغضب: "خليك في سلمى وسمعها كلمتين حلوين، أصلها مركزة معاك."
نظر رحيم بخوف لسلمى التي وجدها منشغلة في الحديث مع بسمة، بينما انفجر سراج في الضحك على شكل رحيم. الذي قال له بإغاظة: "الله الله، دا رحيم باشا بيخاف من المدام." ضحك رحيم على مزحة سراج الذي استمع لها سليم. عندما وجدهم يمزحون غير منتبهين له، انضم سليم إلى مرحهم وهو يمسك بيد نور ويقبلها أمام الجميع، ليعلن عشقه لها أمام الجميع وقال بحب: "كلنا لازم نخاف من المدام وخصوصًا لو كانوا بنات الهلالي."
ضحك الجميع وتبادلوا الأحاديث. فسبحان مغير الأحوال. أعداء الأمس الآن أحبة اليوم، بل أكثر من أحبة، أصبح بينهم العشق الذي أرغم قلوبهم عليه ليقتل العداء ويدفنه في مقبرة الأحزان التي عزموا أن لا يفتحوها مرة أخرى. *** وأخيرًا وبعد أيام وصل سعد إلى مركز بلدهم لانتظار محاكمته على فعلته. وإن طال الزمن. سلمه مصطفى تحت مراقبة مشددة إلى مأمور السجن. قال له وهو يزجه في السجن: "إقامة سعيدة يا سعد باشا." ثم نظر له بتهكم وقال:
"أتمنى الإقامة تعجبك." تركه وانصرف يقابل سراج وسليم ورحيم. قال سراج بغضب: "أنا لازم أقابله." مسكه رحيم وهو يحاول أن يكبح من غضبه: "اهدأ يا سراج، هو خلاص هياخد جزاءه وهيتحكم عليه بالإعدام وربنا هيجيب لك حقك." صاح بغضب: "ده قتل أبويا وضحك عليا عشرين سنة! إنت عارف يعني إيه أعيش عشرين سنة أدافع وأحمي قاتل أبويا؟ لم يستطع رحيم أن يقول له شيئًا، بينما يعطيه الحق في كل كلمة تفوه بها. رتب سليم على كتفه وهو يحاول تهدئة سراج:
"هون على نفسك يا سراج، وسيب ربنا يجيب لك حقك. سعد مش مهم، سعد خلاص أخد جزاءه. المهم رأس الحية چو، إحنا مش عارفين هو فين ولا بيخطط لإيه." وجد سراج في كلمات سليم العقل: "المهم الآن هو چو." ***
دلفت دنيا مع آية إلى شركة سراج الهلالي التي وجدت لها عملًا في شركة الهلالي بفضل المهندس إبراهيم التي كانت تربطه بآية علاقة جيدة، فهي فتاة هادئة تجيد عملها، منظمة، خجولة، استطاعت أن تكسب ثقته بعد تلك الأشهر التي عملت بها بجد معه بعد أن أعطاها سراج فرصة العمل كسكرتيرة له. تركتها أمام مكتبها التي تعمل به مع مجموعة من المهندسين. قالت آية بمرح: "أسيبك أنا بقى يا هندسة، أنا اتأخرت على المهندس إبراهيم وزمانه قالب الدنيا."
قالت دنيا لها وهي تغمز بشقاوة: "هو اللي قالب الدنيا ولا إنتي اللي مش قادرة علىبعاد المهندس؟ تخضب وجه آية بالخجل من تلميح أختها. هتفت بغضب مصطنع وهي تجري من أمامها: "دنيا احترمي نفسك، بلاش الكلام ده." ضحكت دنيا على تلبك أختها وخجلها من تلميحها الذي لاحظته من أول تعامل لها مع المهندس إبراهيم الذي وضح عليه أنه يكن شيئًا لآية في قلبه، فنظرته لها وحديثه معها يتحدث عنه دون أن يتفوه هو بكلمة. ***
وجدها أمامه وهو يفكر فيها. هتف قلبه حين رآها وهي تتحدث مع أختها. نعم هي، ولكن ترى ما الذي أتى بها إلى شركة رحيم الهلالي؟ وسوس شيطانه له: ابعث أن تكون عادت تكلم چو وتنقل الأخبار له. لكنه نفض عنه تلك الفكرة بسرعة، فهو يسمع جميع مكالمات چو وهي لم تحدثه منذ آخر مكالمة بينهم، وهو يعلم بكل تحركات چو، حتى جاكلين يعلم بأمرها. إذن لماذا هي هنا؟ هتف باسمها من خلفها: "دنيا." هي تعرف هذا الصوت، ولكن ما الذي أتى به إلى هنا؟
استدارت له وما زالت آثار بسمتها تعلو وجهها الجميل الجريء. قالت وهي متفاجأة: "مصطفى... ثم تلعثمت في الحديث وقالت بخجل علا قسمات وجهها: "قصدى مصطفى باشا... أهلاً... أهلاً يا فندم." سألها بشك: "بتعملي إيه هنا؟ وصلها شكه بها من نبرة صوته. قالت بجرأة وغضب منه ومنها، هي من وضعت نفسها موضع الشك وأمامها طريق كبير حتى تكسب ثقته:
"أنا هنا بشتغل يا مصطفى بيه، وماتخافش أنا هنا مش بتجسس على حد، ولو عاوز تراقبني أنا معنديش مانع، وبردو لو عاوز تقبض عليا قولتلك قبل كدا أنا مش ههرب من ذنبي." فوجئ بجراتها وشراستها. قال لها بمكر بينما راقت له تلك الشراسة: "وأنا لسه اتكلمت ولا قولت لك حاجة؟ أنا بس مستغرب وجودك هنا." "قولتلك بشتغل هنا." "طيب مفيش فنجان قهوة؟ ثم أضاف بمرح: "ولا إنتي بخيلة ولا الكلام اللي بسمعه عن الصعايدة ده إشاعة ولا إيه؟
تخضب وجهها من الخجل وتلعثمت بخجل وهي تقول: "لاء... لاء طبعًا اتفضل." دلفت إلى غرفتها وهو خلفها. قابلها زميلها في العمل وهو يقول بضحكه بشوش ومرح: "كل ده تأخير يا دنيا؟ أجابت ببسمة خجولة: "معلش اتأخرت شوية مع آية." ناولها ملفًا وهو يقول: "طيب اتفضلي سجلي فواتير المكن الجديد وكملي الميزانية، أصل المهندس سراج طالبها." قالت بسماحة: "حاضر هخلصها النهارده إن شاء الله." ثم نظرت إلى مصطفى وقالت:
"اتفضل يا فندم خمس دقايق والقهوة تكون جاهزة." نظر لها بغضب وهو يسألها: "هو إنتي بتتكلمي كدا عادي مع أي حد؟ سألته ببلاهه: "بتكلم عادي إزاي يعني؟ قال لها بغضب: "يعني شايفك بتضحكي مع زميلك عادي، هو إنتي مش صعيدية ولا إيه؟ وصلت مغزى كلماته إليها. أجابته بثقة ودفاع عن نفسها: "لاء، صعيدية يا باشا وكل كلامي مع زميلي في حدود الأدب وأنا ولا هو تجاوزنا حدودنا." وقتها دلّف الساعي بالقهوة. أشارت له وقالت بحنق: "اتفضل قهوتك."
شعر بالحرج من أفعاله معها، فهو دائمًا سيء الظن بها. قال بحرج: "شكراً." ثم عم الصمت بينهم فترة إلا أن أنهى قهوته وهي اندمجت في عملها. وقف وهو يقول: "شكراً على القهوة." قالت بسماحة: "ده أقل واجب يا مصطفى بـ... قبل أن تكمل الكلمة قال بجرأة مصطفى: "بس... أومأت له بخجل: "ده أقل واجب يا مصطفى." "أنا آسف." كلمة خرجت منه، بينما وجد أن اعتذاره منها أقل شيء يمكن أن يبرر به موقفه. أجابته بخجل:
"أي حد مكانك كان هيعمل كدا، بس صدقني والله أنا بحاول أتغير وأكفر عن ذنبي وعن أخطائي وبحاول أنقي نفسي، وبدأت أنضف حياتي وأشغل نفسي وزي ما إنت شايف أنا هنا بداية جديدة لآية جديدة." قال لها بجدية: "ده أنا متأكد منه." "على فكرة أنا غيرت رقمي ومليش أي اتصال بيني وبين چوه." نظرت له ببلاهه وقالت: "عارف إزاي؟ أجابها بمزاح: "أنا الحكومة، والحكومة مش بيستخبى عنها حاجة." صالحها وهو يودعها وقال ببسمة صافية:
"أشوفك على خير يا دنيا." أومأت له ببسمة وهو يغادر. لا تعلم لماذا تسارعت دقات قلبها حين لمس يدها وهو يصافحها، ولا تعلم لماذا كانت تبرر له أنها أنهت علاقتها بچو، ولكن كل ما تعلمه أنها تريد أن يراها بصورة جميلة. وما الذي يرغمها على التبرير له؟ إنه حكم قلبها الذي أرغمها على التبرير، وأيضًا أرغمها أن تتغير من أجله، من أجله هو.
خرج وهو بقلبه مشاعر كثيرة متضاربة، الغضب الذي سيطر عليه من تعامله الجاف معها، وأيضًا الفرح الذي جعل قلبه يتراقص فرحًا حين بررت له موقفه وأنها تغيرت. هل تغيرت من أجله؟ نهر نفسه على تلك الفكرة، لما تشغل باله وتفكير، ما الذي يرغمه على مراقبتها، حمايتها؟ تساءل، بينما سب نفسه وهو يتذكر معاملته القاسية لها: غبي، غبي يا مصطفى. ***
تناولت هاتفها واتصلت بذلك الرقم الذي سيجعلها تستطيع أن تأخذ ثأرها وتطفئ تلك النيران التي اشتعلت في قلبها أكثر من عشرون عامًا. أجابها المحامي. قالت نجية بجدية: "الو، أيوه يا متر." قال المحامي عابد بود: "أيوه يا حاجة نجية." قالت نجية: "عاوزة منك خدمة يا عابد يا ولدي." "إنتي تؤمريني يا حاجة نجية." "الأمر لله وحده يا ولدي، عاوزاك تجيب ليا تصريح زيارة لسعد ولد أخويا." توجس المحامي خيفة من طلبها. قال بتردد:
"بس الموضوع ده صعب شوية يا حاجة." قالت نجية بمكر: "مفيش حاجة تصعب عليك يا ولدي." ولكي تجعله يطمئن قالت بمكر: "وبعدين يا ولدي هو هيكون في وسط الحكومة يعني مش هعرف أعمل له حاجة." قال عابد بسرعة: "لاء يا حاجة أنا مش قصدي." أجابته نجية بهدوء: "ده بهدوء. هستنى إذن النيابة يا عابد." قال بجدية: "حاضر يا حاجة اديني يومين." قالت بحزم: "لاء يا ولدي، بكرة." "حاضر يا حاجة." *** قال فضل بفرحه:
"الحمد لله يا بوي، سعد اتقبض عليه وكلها أيام ونخلص منها." أجابه زهران بحزن: "والله يا ولدي آخر حاجة أن يكون ولدي أخوي هو اللي قتل ابن أختي." ثم تنهد بأسى وهو يقول: "هقول إيه، طول عمره زرع شيطاني." قالت رحمه بحزن: "لو سمحت يا بوي، أنا عاوزة أزور سعد ويرمى عليا يمين الطلاق." هتف فضل بغضب: "وإنتي عاوزة تشوفيه ليه يا رحمه؟ وإيهمك بأيه يطلقك ولا لاء، هو كدا كدا." قالت رحمه بحزن:
"لاء يا خوي لازم يطلقني قبل ما يموت علشان مايموتش وأنا على ذمته." قالت راضية بينما أشفق قلبها من الحزن على فلذة كبدها: "وإيه فيه يا فضل؟ اعمل لأخيتك اللي هي عاوزاه." قال فضل بطاعة: "حاضر يا أمي، بكرة أروح لعابد المحامي يجيب ليا إذن زيارة وأخدها وأروح يرمي عليها اليمين." قالت رحمه بإمتنان: "ربنا يخليك ليا يا خوي ويفرح قلبك يارب." "ويخليك ليا يا حبيبتي." ***
في الصباح استعدت نجيه لزيارة سعد بعد أن أخبرها عابد بميعاد الزيارة. خبأت سكين صغير حاد في ملابسها وخرجت دون علم من أحد. وصل في نفس الوقت إلى مكتب عابد المحامي فضل الذي أخبره أنه يريد إذن لزيارة سعد ابن عمه وزوج أخته. قال عابد بجدية: "الحاجة نجية طلبت مني نفس طلبك وأنا جبت لها الإذن وزمانها رايحة دلوقتي معاد الزيارة." انتفض فضل من مكانه فقد علم أن عمته ذهبت لقتل سعد. أخرج هاتفه واتصل على أبيه بسرعة: "أيوه يا بوي."
أجابه زهران بلهفة: "خير يا ولدي؟ قال بخوف: "اطلع دلوقتي حالا على القسم اللي فيه سعد، عمتي نجيه رايحة تقتله." نزلت كلمات فضل الذي جرى هو أيضًا على القسم ليلحق بعمته، ولكن أبوه كان الأسرع في الوصول. ولكنها سبقته ودلفت إليه. نظر لها سعد بدهشة: "عمتي نجيه." قالت بحرقة قلب: "أيوه يا قاتل، عمتك نجيه." وقفت أمامه وهتفت فيه بغضب وهي تشهر السكين أمام عينيه: "هجتلك واخد تار ولدي منك يا خسيس."
تراجع للخلف بينما أيقن أنها النهاية لا محالة. ولكن بين لحظة واحدة دخل زهران بلهفة وخوف ومعه الضابط الذي قال بخوف: "لاء يا خيتي متضيعيش نفسك."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!