وقف كالمغيب، واو كمن تقف على رأسه الطير. هل ما سمعه منها صحيح؟ نعم، سبق وأن قالت له تلك الكلمة: "طلقني". ولكنها كانت تقولها بغضب، وهو يعطي لها كل الحق. أما الآن، لمس في صوتها نبرة الكره والنفور منه. اقترب منها وهو يقول بصوت حزين يملؤه الخذلان من أفعاله معها سابقاً: "نور، أنا بحبك ومقدرش أعيش من غيرك." قالت له بكره: "وأنت قتلت حبك في قلبي، واستحالة نرجع تاني."
اقترب منها وهو يقبض على يدها بقوة آلمتها، وهو يقول بغضب اشتعل في عينيه من نظرتها الكارهة له: "واللي بتطلبيه مني من رابع المستحيلات. عمري ما هطلقك يا نور، ولا هبعد عنك. أنا البلاء اللي ربنا ابتلاك بيه." نفضت يدها من يده وهي تصرخ في وجهه: "وأنا استحالة أكمل معاك يا سليم." قال بغضب حارق: "وأنا استحالة أبعد عنك. ويوم ما أبعد، اعرفي إني مت." تركها وترك الغرفة وكل البيت وانصرف بغضب، وخطواته تكاد تخترق الأرض التي تطأها.
وكلمتها تكاد تصم أذنه: "أنا بكرهك يا سليم." تلك الكلمة التي نطقت بها وهو يغادر، وكم كانت قاسية على قلبه، حادة مثل نصل سكين غرس في قلبه ولا يستطيع نزعه.
جلست طوال الليل، لم تستوعب تلك الكلمات التي نطق بها أمس وتركها وانصرف دون أن يعود. ولكنها حسمت أمرها. لن تستسلم أو تدعه لذاك الضعف الذي سيطر عليه بعد أن علم هوية قاتل أبيه. وكما دعمته وصبرت عليه حين كانت هي بنت القاتل، لن تتخلى عنه أو تتركه. هو يتخبط في تلك الصدمة الجديدة، فأقرب شخص له هو من خدعه وقتل أبيه وأذاقه هو وإخوته مرارة اليتم. خرجت في الصباح تبحث عنه. وصلت إلى بيت جده جاد. هرولت إليها الخادمة وهي تقول:
"ست زهره، حمد الله على السلامة." قالت زهره بطيبة وتساؤل: "مال فين جدي جاد وبسمة والحاجة نجيه؟ أجابتها الخادمة: "عند الحاج سلطان من بدري يا ست زهره." وتساءلت زهره: "وسراج معاهم؟ قالت الخادمة: "لأ، سراج بيه في أوضته لسه شيفاه من شوية وأنا بروق الأوضة."
تركتها زهره وذهبت إلى غرفة سراج. دلفت إلى الغرفة، وجدتها غارقة في الظلام. فتحت ستائر الغرفة بلامبالاة منها، وكأنها ترسل له رسالة أفعال لا أقوال. أزعجه نور الشمس الذي ملأ الغرفة. وضع يده على وجهه وهو يقول بغضب، ظناً منه أن من فعلت ذلك هي بسمة أخته: "بسمة، اقفلي الستاير واخرجي من الأوضة، عاوز أنام." قالت زهره بغضب: "جالك نوم يا سراج وأنت سايبني لوحدي في المضيفة وسط الأراضي كده؟ مخفتش عليا؟
انتبهت كل حواسه إلى صوتها. انتفض من نومه يزيل باقي النوم عن عينيه، لا يصدق أنها جاءت خلفه بعد ظنه أنها ستذهب إلى بيت أبيها بعد حديثه معها بالأمس. قال بلهفة: "زهره، إيه اللي جابك هنا؟ قالت بغضب: "جيت بيتي، ورا جوزي." ثم نظرت له بعينين ملؤهما العتاب وهي تسأله: "هو مش من حقي أجي بيتي، ولا إيه يا سراج؟ خانته لسانه وخفقان قلبه لها، وقال بتسرع منه: "من حقك كل حاجة يا زهره." ثم تدارك كلماته وقال لها بجدية وحزن:
"زهره، افهميني. أنا مش هينفع أكمل معاك." صرخت في وجهه بغضب من كلماته: "سراج، أنا مراتك، وعمر اللي حصل ما هيغير حاجة." قال لها بقهر: "وأنا لازم آخد بتار أبويا. يعني يا قاتل يا مقتول. وفي الحالتين أنتِ خسرانة. قاتل هتتسجن اللي باقي من عمري... مقتول." وضعت يدها على فمه ولم تتركه يكمل كلماته، بينما لمعت تلك الدموع في عينيها وقالت بلهفة: "بعيد الشر عنك يا سراج." أبعد يديها بجدية وقال: "دي الحقيقة يا زهره." قالت له بتصميم:
"وأنا مش هسيبك يا سراج. هتزهقي؟ أبداً، عمري ما ده يحصل. مش هتتحملي عصبيتي؟ جربني." انقطعت كل حججه وكل سبله معها، ويبدو أنها دخلت في تحدٍ آخر بعد أن ربحت الأول. إنه تحدي كيف تفوز بقلبه وتحميه من خطر الثأر. نظر لها بتوتر وهي واقفة أمامه. لا ينكر أنه سعد من تصميم تلك العنيدة ومن تمسكها به. قال لها بصوت متحشرج: "تحبي نروح نفطر مع عمي جلال ونطمن عليه؟ أمسكت يده وقالت بجرأة:
"لأ، أحب ننام شوية. أنا منمتش من امبارح، ونبقى نروح نطمن عليه أول ما نصحى." جذبت يده وهو مشى خلفها كالمغيب أو المسلوب الإرادة. جلست على الفراش وجلس بجوارها. تمددت في طرف الفراش وهو أيضاً تمدد بجوارها، ومشاعر عديدة ضربت قلوبهم. هي سعادة وتحدٍ لما هو آت، وهو فرحة تخنقها خوفه من تلك المشاعر التي تمكنت منه. لقد عشقها. أرغمته تلك الزهرة أن يعشق شذاها.
كان كالمغيب وهو يرتوي من شهد شفتيها ظمآن، وأخيراً وجد منبع الماء. استجمعت قوتها وهي تدفعه عنها بكل ضعف، وأسقطته من غيمته الوردية حين هتفت بصوت حزين ضعيف: "رحيم، طلقني."
لحظة اتخذها حتى يستوعب ما نطقت به تلك البلهاء. ابتعد عنها ببطء إلى طرف الفراش وهو يفكر بتمعن فيما نطقته، بينما أخيراً فهم مغزى كلماتها. أن صدق حدثه، فهي تقول هذا الكلام حفاظاً على كرامتها، ظناً منها أنه سينتقم منها بعد أن ظهرت براءة عائلته من دم أبيها. اقترب منها وهو يهمس أمام وجهها ببسمة صافية وهو يمسك خصلة من شعرها الفاحم الذي عشقه عندما رآه أول مرة: "تحبي بكرة نخرج فين؟ هل هذا إجابة سؤاله؟
لا، لم يكن هذا ما أرادته منه. قالت بغضب: "رحيم، أنت مسمعتش أنا بقولك إيه؟ قال بجدية: "سمعت ومش عاوز أسمع الكلام الفارغ ده تاني. أنتِ مراتي وأنا اتجوزتك بكل إرادتي، ومفيش قوة في الكون هتبعدك عني أو هبعد عنك لأي سبب." هتفت بغضب: "رحيم، أنا... وقبل أن تكمل حديثها، انقض على شفتيها يرتوي من شهدها. وبعد فترة ابتعد عنها وهو يهمس بعشق: "أنا بحبك يا سلمى."
كان اعترافه كالقنبلة التي انفجرت، ولكنها ليست مدمرة، بل أهلكت قلبها بالسعادة والفرح. ومرة أخرى التقت شفتيها في قبلة أودع فيها كل عشقه الذي أجبرته عليه ليكون المتيم بتلك القصيرة التي أرغمته، وهو رحيم الهلالي، على عشقها. وكانت له، ولأول مرة، بإرادتها. وقف بقلب يكاد يقفز من مكانه ليقتحم ذلك الباب الذي أوصدته أمه ومعها الطبيبة للاطمئنان عليها حين غابت عن الوعي. وألف سؤال وسؤال يعصفون برأسه. ماذا حدث لها؟ ماذا ألم بها؟
كانت بخير، هكذا حدث نفسه. إلى أن تعالت تلك الزغاريد من الداخل. فتحت راضية باب الغرفة وهي تقول بعينين ملأتها دموع الفرحة: "ألف مبروك يا ولدي، يتربى في عزك وعز أبوك يا فضل." وقف كالمغيب من ما نطقته أمه وما سمعه. هل حقاً سيصبح أب؟ هل يكون عوض الله بهذا الجمال إذا رضينا وصبرنا؟ دلف إليها وهو يقترب منها بهدوء وبطء، وهو ينظر إليها بعينين عشقها وأرغمته أن يبقى في انتظارها. وهو يقول بفرحة وصوت متحشرج من الفرحة:
"مبروك يا أملي." "الله يبارك فيك يا فضل." "فرحان يا فضل؟ "فرحان إيه يا يا أملي؟ أنا الدنيا دي بحالها مش سايعاني من الفرحة." "بجد يا فضل؟ "بجد يا عيون فضل." ثم قام من جوارها. مسكت يده وهي تقول: "على فين يا فضل؟ "هصلي ركعتين حمد وشكر لربنا على كرمه علينا يا أمل."
مرت الأيام ثقيلة على سراج وسليم. سراج يبحث عن جو وسعد ولن يمل أو يمل. وسليم لم يترك طريقاً إلا ومشى فيه لكي يعود إلى قلب نور، ولكنها قفلت كل السبل أمامه. وأيضاً أيام جو وسعد، الذي هتف بغل: "بعدين يا جو، إحنا هنفضل في الحبس ده كتير؟ قال جو بمكر: "اصبر يا سعد باشا، أنا مستني أما الحكاية تهدى علشان أكلم دنيا." صاح سعد بغضب: "اصبر، اصبر إيه؟ أنت مش عارف حاجة؟
زمان عمتي نجيه قالبة الدنيا عليا وسراج مش هيهدى إلا أما يقتلني. وبعدين، هي الزفت دي هتفيدنا في إيه؟ قال جو ببرود: "أهي زفتة دي هي اللي هتنجينا من الورطة دي." سأله سعد بحيرة: "إزاي؟ قال جو بمكره: "تنقل لنا كل تحركات العائلتين، واستنى اللحظة المناسبة واضرب ضربتي." ابتسم سعد بشر وسعادة شيطانية وقال: "أنا عاوز الضربة دي تبقى في مقتل، علشان الهلالية متقومش لهم قومة بعدها." "هيحصل يا كبير."
جلس الجميع حول طاولة الغداء. جلس سليم بجوار نور، وجلس رحيم بجوار سلمى. بينما كانت الأجواء مشتعلة بين سليم ونور، ولم يلاحظ أحد بتلك النظرات المشتعلة بين الاثنين إلا الجد سلطان ذو الخبرة الواسعة. قالت نور بهدوء عكس الغضب المشتعل داخلها: "لو سمحت يا جدو، عايزة منك طلب." "أؤمريني يا قمر الهلالية." قالت بتهذيب: "العفو يا جدو، هو طلب صغير." "خير يا حبيبتي؟
"عايزة أنزل اشتغل مع رحيم في الشركة. بصراحة، أنا مش واخده على القعدة دي، والحمد لله بابا صحته اتحسنت." ما أن أنهت كلماتها إلا وثار ذلك البركان، وصاح بغضب: "نور، فوقي لنفسك! شركة إيه اللي تشتغلي فيها؟ مفيش الكلام ده." قالت بعناد: "ومين اللي قال كدا؟ هدر بغضب: "الطرطور اللي سيادتك متجوزاه." قالت بتحدي: "أنا مش مستنية إذنك يا سليم." "نووووووووووور."
وهنا فاض الكيل من الجد سلطان والكل يشاهد تلك المشادة الكلامية بين نور وسليم، إلى أن هدر سلطان بغضب: "وبعدين إنت وهى نازلين خناق وعراك ولا أكأن لكم كبير." نظر بغضب إليهم وقال بأمر: "اسبقوني على المكتب ومش عاوز أسمع نفس حد فيكم." وجدها تمشي ويعلو ثغرها ابتسامة وهي تتحدث في الهاتف أمام بيتها، حين ذهب لكي يطمئن على زهره، ولا يعلم أن كان يذهب للاطمئنان على زهره أم يتخذها حجة لكي يراها ويتحدث معها. اقترب منها وسألها بغضب:
"بتكلمي مين وبتضحكي معاه كدا؟ نظرت له بتعجب من سؤاله وقالت: "وأنت مالك بكلم مين ولا مبكلمش مين؟ اقترب منها وقال من بين أسنانه: "مالي ونص. أنا ابن عمك وحقي أسألك." هتفت ببرود اصطنعته حتى تزيد اشتعاله، بينما قلبها يتراقص فرحاً من حالته الغيورة التي لم يدركها بعد: "بجد؟ الحمد لله يا خواجة إنك افتكرت إني بنت عمك، مش بنت الراجل اللي اتهمنا أبوك بقتله." اقترب منها وقال بفحيح أخافها:
"لأ، عارف إنك بنت عمي، وأنا هربيك من أول وجديد يا بسمة علشان لسانك الطويل ده." قالت بشجاعة زائفة: "أنا متربية غصب عنك." "كنتي بتكلمي مين؟ " سألها بغضب. لم تجد أمامها إلا أن تعترف له بالحقيقة بعد أن أرعبتها نظرته: "دادي دادي، سلمى خارجة مع رحيم راحة الملاهي، وأنا كنت بقول لها يا بختك." اقترب منها وسألها بهدوء عكس قبل قليل: "عايزة تروحي الملاهي؟ قالت بإندفاع: "يا ريت." قال لها: "هستأذن جدي جاد وسراج ونحصل رحيم وسلمى."
هتفت بفرحة: "بجد؟ أجابها بوله: "جد الجد يا قمر." "مين اللي هيقول فيه إيه بينكم؟ قالت نور بإندفاع: "أنا هقول لك على كل حاجة يا جدو." هتف برجاء: "نور... نظرت له، بينما خانتها تلك الرجفة التي تملكت من قلبها الخائن، الذي وبرغم كل ما فعله، ما زال مرغماً على عشقه. قالت بضعف: "أنا هقولك يا جدو، بس وإحنا لوحدنا. اطلع بره يا سليم، أنا هتكلم أنا وحفيدتي وبس." أنار هاتفها برقم غريب. قالت بلا مبالاة: "ألو." هتف بشر:
"وحشتيني يا دنيا، ها صرفتي المليون دولار ولا لسه؟ قالت برعب: "چو." "برافو عليك يا قمر."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!