انتهى عقد القران بفرحة قلوب اشتاقت سنوات للفرح، وأيضًا بخوف قلوب أخرى عاشت عمرها في غربة وعادت من أجل الأمان. وعن أي أمان تتحدث وهي من ستكون صمام الأمان المزعوم، إذا انفلت منها عاد العداء مرة أخرى. كان هذا أبلغ تشبيه وصلت له زهرة بعد تفكير طويل، أنها صمام الأمان لهذا الصلح، ليس كبش الفداء كما نعتها سلمى. ولكنها ستفعل المستحيل حتى لا يحدث شيء لهذا الصلح، وستجاهد. هل من أجل أبيها؟
أم من أجل تلك الرجفة التي أصابتها حين همس لها سراج وهو يقبل جبينها: "مبروك يا زهرة". ما سر ذلك الشعور الذي اختلج قلبها؟ وعلى عكس ما توقعت، شعرت بالأمان بمجرد أن لمسها. هل سيدوم ذلك الأمان؟ إن ذهبت إلى بيته ستدخل عالمه بعد أسبوع، وتعيش وسط بحر غضبه المطلاطم. وأنها عزمت أمرها، لن تفلت صمام أمان هذا الصلح إلا لو زفرت آخر أنفاسها. أخرجتها جدتها الحنونة من شرودها وهي تقول: "مالك يا زهرة؟ شاردة في إيه يا بنتي؟
أجابتها بكلمة واحدة اختصرت كل تلك المشاعر التي اجتاحت قلبها: "خايفة يا تيته." كلمة واحدة كانت كسـكـ.ـين غرس في قلب حميدة الحنون. لم تستطع منع نفسها من جلب تلك المرتعبة إلى أحضانها. هي تعطيها كل الحق في خوفها ورعبها، هي لا تعلم شيئًا عن عاداتهم. عادت من غربة طويلة لتجد نفسها تحمل عبء ذنب لم تقترفه، ولا حتى أبوها. ولكن حميدة عزمت أن تحمي الصلح وتحمي تلك الصغيرة من أي شيء، لذلك قالت لها مطمئنة:
"زهرة يا بتي، أنا خابرة إنك مغصوبة على الجوازة دي علشان خاطر أبوك." همت زهرة للتحدث، ولكن حميدة أكملت حديثها: "متجوليش حاجة يا بتي، سبيني أكمل. أنا زي أي أم، نفسي أشبع من ولدي قبل ما أقابل وجه كريم، بس كمان يا بنتي، أنتي وأخواتك متقللوش في الغلاوة عن أبوك.
والمثل بيقول: "أعز الولد ولد الولد". يا بتي، عاوزاكي تكوني عارفة ومتأكدة إن لا جدك ولا أنا ولا حتى عمك مهران كان هيرضى بالنسب ده إلا لما نكون مطمنين عليكي وعارفين إن سراج وعمك جاد وحتى نجيه هيعاملوكي زين." وعلى ذكر نجيه، نظرت زهرة لجدتها بأعين مرعبة. علمت جدتها ما يجول في خاطرها، احتضنتها مرة أخرى وهي تمسح على رأسها وتقول:
"نجيه تبان شديدة وقاسية يا بتي، بس والله قلبها أبيض كيف الحليب، وأنا عاذراها في اللي بتعمله. هي أم قبل كل شيء، محروق قلبها على ولدها." ثم أكملت حديثها بمحبة: "وإنتي يا بتي، ما شاء الله عليكي واعية ومتعلمة وحلوة ولك عقل يوزن بلد. تعرفي إزاي تكسبى قلب نجيه وسراج، ومتخافيش يا بنتي، إحنا معاك دايما. وعمرنا ما هنسمح لحد يهينك أو يجرحك، وعمك جاد قبل منينا."
هدأ قلب زهرة بعد حديث جدتها المطمأن لها. نعم، هي يتيمة الأم، ولكن جدتها طمأنت قلبها ودلتها على طريق كسب قلب سراج ونجيه، أنها المعاملة الحسنة.
وعلى عكس ما كانت تغرسة الحاجة حميدة من ود وحب ومعاملة حسنة في حفيدتها، اجتمع ثلاثي الشر على غرس العداء مرة أخرى بين الأخوين. حيث بدأ جو بتنفيذ ما حاكته له دنيا بخطتها الخبيثة للتخريب، الصلح. حيث استدل على من يعاونه في ذلك. وها هي دنيا تصطحبه إلى ذاك المحترف في الإيذاء وضرب الشرف في مقتل، ليصنع صور فاضـ.ـحة لنور وهي مع جو، لكي تدمر علاقة نور بسليم، وتقع فريسة لجو الذي عزم أن يفعل أي شيء لينال تلك الفاكهة المحرمة عليه. إنها الشريفة نور الهلالي. أعطاهم ذلك المصور موعدًا بعد يومين، لكي يتم عمله الدنيء. انصرف جو ودنيا.
قال جو لدنيا: "إنت واثقة إن الراجل ده هيخلصها من غير ما حد يشك إنها متفبركة؟ أجابته دنيا بتأكيد: "إطمني، ده أشطر فوتوشوب في الصعيد كله، وكمان دارس تصوير وبرامج كمبيوتر، يعني محترف. أهم حاجة عنده الفلوس، اديله اللي يطلبه. أنا معنديش مشكلة، أنا اديته خمسين ألف ويجيب الصور، وباخد الباقي." تركت دنيا جو في بيت سعد أبيه، بينما أخذت أمها انتصار لكي تكمل خطتها وذهبت إلى بيت جاد الهلالي. هتفت انتصار بعتاب زائف: "كده يا نجيه؟
أكده سراج ياخد بنت اللي جتل أبوه؟ ده وعدك لينا يا نجيه. طيب وبنتي اللي ربطتيها بجارك السنين دي كلها ذنبها إيه؟ جلست نجيه، بينما ألجمت لسانها كلمات انتصار المسمومة، وعبرات التماسيح التي تزرفها الحرباء دنيا. قالت بقلة حيلة: "وأنا في إيدي إيه يا انتصار؟ أنا لو عليا أولع في كل ولاد سلطان، بس إنتي خابرة جابر شديد ومبيرجعش في كلمة يجولها، وأنا قليلة الحيلة. وكمان سراج ماشي ورا كلام جده، وسلمى مغصوبة على الصلح ده."
ثم أكملت بقهر: "أنا حاسة إن ولدي لسه مجتول النهارده، بعد الصلح ده ما تم، أكده دم ولدي ضاع يا ناس، وأنا واقفة أتفرج. حتى هيجيبوا بنت اللي جتلته تسكن معايا؟ أنا قلبي جايد نار يا ناس." ثم انفجرت نجيه بالبكاء والعويل. لوت انتصار ودنيا شفتيها بابتسامة ساخرة، وهي تقترب من نجيه وتربت على كتفها بزيف وتقول: "خلاص يا عمتي، متعمليش كده في نفسك. حقك عليا." ثم أكملت بفحيح:
"طيب يا عمتي، إحنا هنسكت لبنت جلال الهلالي تيجي تسكن وتبرطع وسطنا؟ سخنت أنفس نجيه من كلمات دنيا المسمومة، بينما استطاعت أن تثير غضبها الأهوج وتثير ذكرى قتل ابنها. هتفت نجيه بغد: "والله لوكيل لأكون مخلية عيشتها معانا هي والجحيم واحد، ويتموت نفسها. يا تفسد الصلح وتجول حاجة برقبتي." ابتسامة منتصرة ارتسمت على وجه انتصار ودنيا، بينما علموا أن نجيه لن تترك هذا الصلح إلا وهي تنهيه.
مر الأسبوع، لا تعلم كيف مر بتلك السرعة، بين تجهيزات جناح العرس لكل عروس في بيت أهل العريس. بينما أصرت نور على أن تزف إلى ذلك المنزل الذي كانت تلعب فيه مع سليم في طفولتها. لم يمانع، ولم يرفض لها طلب. بينما كان هو وفضل من أسعد البشر على وجه الأرض، على عكس سراج وزهرة ورحيم وسلمى. "مش هتشتري لعروستك حاجات وفستان الفرح يا سراج؟ وإنتي يا سلمى، ليه مشترتيش لسلمى حاجات الفرح يا نجيه؟ ولازم العرايس؟ هتفت نجيه بغضب:
"فرح إيه اللي بتحكي عنه يا جاد؟ الفرح! والله لوكيل ما في فرح داخل بيتنا طول ما دم ولدي بينا وبين عيلة أخوك. كفايانا كده عار الصلح اللي راكبنا بسببك." نزلت كلمات نجيه على أذن جاد وكأنها حمم بركانية، بينما توقع من هدوئها أنها رضخت لأمر الصلح، ولكنه لا يعلم بأن نارها كادت أن تهدأ لولا زيارة انتصار وابنتها التي نبشت نيران قلب الأم الذي يحترق على وحيدها. صمت جاد لأنه يعلم أنها أم مكلومة، قلبها على وحيدها.
هتف سراج وهم يتحدثون، بينما قلبت كلمات جدته المحترقة على أبيه كل موازين العقل الذي تحلى بها الأيام الماضية. اقترب من جده بأعين اشتعل بها نار الثأر بها مرة أخرى. هتف لجده بقليل من الغضب وهو يقول: "جدتي معاها حق يا جدي. ما في أفراح هنا ولا أي حاجة. هما ياخدوا سلمى، وأنا آخد بنتهم وخلصنا."
انتشى قلب نجيه بالفرحة بعد كلمات سراج، بينما اعتصر قلب جاد من الحزن على صغيره الذي شب على ثأر طالبه من مظلوم، بينما كان القاتل أقرب ما يكون منهم. اقترب من سراج وهو يقول: "أنا مش قولت لك يا ولدي، أخويا بريء من دم أبوك." هتف سراج بعناد: "اثبت يا جدي." قال جاد بثقة: "قريب قوي يا ولدي، هثبت لك ولك يا نجيه، وهجيب القاتل لك يا نجيه."
جاء اليوم الموعود. كاد قلب فضل أن يقفز من الفرحة. لم يصدق أنه وأخيرًا سيجتمع بمن هواها منذ الصغر، وأرغمه عشقها ألا يعشق سواها. انتظرها أعوام وأعوام، وحرم على قلبه عشقًا سواها. حتى حرقت نيران اشتياقه قلبه مرات ومرات، وها هي اليوم ستكون له. اليوم جهز لها جناحه، وجاء أهلها بجهازها، وجهزوا الجناح بملابسها وأشيائها وعطرها. وأخيرًا نبضت غرفته بالربيع، وأزهرت بعد أن سكنها صقيع الشتاء لسنوات.
طرقات تعالت على باب جاد. فتحت الخادمة الباب. دلفت بعد قليل الحاجة حميدة، التي اتخذت أولى خطواتها لتثبت قواعد الصلح بين العائلتين، وهي تسأل عن نجية. "أمال الحاجة نجيه فين يا بتي؟ "يا حاجة نجيه! " هتفت الخادمة. خرجت نجيه بوجه عابث وهي تقول: "فيه إيه يا بت؟ أجابتها حميدة التي دلفت وخلفها العديد من الرجال والنساء الذين يحملون العديد من الحقائب، وهي تقول بمودة: "إزيك يا خيتي؟
أنا جيت وجبت جهاز عروستنا لجل ما نفرش لها جناحها." نظرت نجيه لها بغضب وهتفت في الخادمة: "وصليهم أوضة سيدك سراج يا سعاد." قالت حميدة بسماحة، بينما تعطي لها العذر: "شكرًا يا خيتي." شعرت نجيه بحرج من سماحة حميدة، التي لم تر منها طوال عمرها إلا الحب والعطاء والاحتواء. فهي كانت نعم الصديقة لها قبل أن يصبح العداء بينهم. قالت بتردد: "البيت بيتك يا حميدة."
تعلم حميدة أن نجيه طيبة القلب، ولكن نار فقدان ولدها هي من تدفعها لأفعالها الظالمة.
وكما تم تجهيز جناح سراج وأشرفت عليه حميدة، على الجانب الآخر أشرفت رقية تجهيز جناح رحيم بكل شيء تخص هذا العرس له ولسلمى. كل شيء يخطر على بالها كذلك نور وأمل. وها هي أخصائية التجميل تضع لمساتها على وجه نور وأمل وزهرة. كما أرسل رحيم أخرى إلى سلمى، الذي بعثها مع جدته حتى لا تردها نجيه. وها هي أيضًا تضع لمساتها الأخيرة على وجه سلمى، التي كانت تشتعل من الغضب من ما فعله رحيم. هل يظنها عروس له؟
لا، لن تكون له حتى وإن قتلت نفسها. انتهى الاحتفال الذي أقيم في بيت سلطان الهلالي، لذلك الفرح الجماعي الذي شهد على نهاية العداء بين العائلتين. دلف فضل إلى غرفته التي سبقته أمل إليها مع عمتها راضية وأخته الودودة رحمه. عندما دخل الغرفة، قامت أمل من مكانها وهي تفرك يدها بتوتر. إنها كأي أنثى تخشى هذا اليوم، حتى وإن كان عمرها تجاوز الثلاثين. اقترب منها كالمغيب، ونظر لها بأعين عاشق، وهو يقول: "مبروك يا أملي."
قالت بصوت خجول: "الله يبارك فيك يا فضل." هتف بلوعة عاشق أضناه عشقه: "يا جلب فضل وعمر فضل وروح فضل." أنهى كلماته بين شفتيها، ليقبلها أول قبلاته لها، وهو يتذوق تلك الشفاه التي طالما انتظرها وطال شوقه لها. ليبدأ معها أولى ليالي عشقه الذي صبر عليه سنوات، وأخيرًا فاز بها. دلف رحيم بخطوات حذرة، لا يعلم ما هو رد فعلها، ولا يعلم ماذا ستفعل. قال لها بصوت أجش: "إزيك يا سلمى." قالت بغضب: "كويسة." اقترب منها وهو يقول بمزح:
"ما أنا عارف إنك كويسة." مد يده، أزال طرحتها من على وجهها، واقترب منها. طبع قبلة على جبينها وهو يقول: "مبروك يا سلمى." ولكن ما فعلته ألجم لسانه، بل آخرسه حين أشهرت تلك السكين في وجهه، وهي تقول: "بعد بعيد عني يا ابن الهلايلة، والله لو فكرت تجرب مني لجتلك." دلف بهيبته الرجولية الخاطفة وجلبابه الصعيدي الذي أهلك قلبها منذ أن رأته. اقترب منها وهو يسألها بوجوم وملامح وجه غاضبة، وكأنها هي من قتل أبيه: "مغيرتيش هدومك ليه؟
نظرت له بأعين ملاها الرعب وهمست: "مش عارفة أغير فين." اقترب منها وقطع الإنشات الفاصلة بينهم، وهو يضغط على يدها ويجذبها إليه بغضب اشتعل في عينيه، بعد أن علم بهويتها وأنها ابنة جلال. وهو يهمس بفحيح: "هتستهبلي عليا يا بنت جلال؟ الأوضة كبيرة والحمام قدامك، إيه مش عارفة؟ عارفة تغيري فين؟ ثم أضاف بسخرية أهانتها وهو قاصد لها: "ولا تكوني مستنية أفتح لك سوستة الفستان؟ أوعي تفكري نفسك عروسة." ثم هدر لها بصوت غاضب:
"إنسي يا زهرة يا بنت جلال، إن يكون بينا حاجة. أنا بيني وبينك دم أبوي بيصرخ في جدك وأبوك."
دلف سليم إلى بيته الذي أعده وجهزه لاستقبال عروسه، الذي أرغم على عشقها ولم يعشق غيرها. دلف وهو يحملها. أنزلها ببطء. مسك وجهها بين يديه. مال على شفتيها، وأخيرًا التقاها بين شفتيه، ليتذوقها بعد أن حلم بتلك القلبو التي أفقدته عقله، وجعلت يداه تتحسس بفارغ صبر سحاب فستانها، وهو كالمغيب الذي ينهل من شهد شفتيها. فاق، وهي لم تعترض على طوفان حبه. فاق من نشوته على تلك الطرقات على باب المنزل وصوت نور تهمس بخجل:
"سليم، الباب بيخبط." ذهب ليفتح الباب وهو يسب ويلعن بصوت خفيض وصل لسمعها. ابتسمت على غضبه. فتح الباب ووجد مظروف مكتوب عليه اسمه. التقطه وهو يفتح ذلك المظروف، وما سمعه عبر الهاتف وما رآه، أشعل نار قلبه. لو خرجت منه لحرقت العالم من حوله.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!