الفصل 23 | من 35 فصل

رواية ارغمت على عشقك الفصل الثالث والعشرون 23 - بقلم هيام شطا

المشاهدات
25
كلمة
5,148
وقت القراءة
26 د
التقدم في الرواية 66%
حجم الخط: 18

صرخت وهي تحتضن جسد أبيها بين يديها: -بابا! خرج الضابط مصطفى حين سمع تلك الطلقات النارية مسرعًا. بينما خرج خلفه سليم ورحيم. وحين تبعهم سراج، اعترضه أمين الشرطة وقال بأمر: -آسف يا فندم، التحقيق لسه مخلصش. صرخ سراج فيه بقلق: -أنا معملتش حاجة، أبعد عن طريقي. قال الأمين بجدية: -دي أوامر حضرت الظابط. قال سراج بلهفة: -رحيم، سليم، طمنوني فيه إيه بره.

أومأ له سليم، بينما انطلق رحيم وخلفه سليم. وجدوا زهرة تحتضن جسد أبيها. تجلس بجوارها بصدمة نجيه ومهران يتصل بالإسعاف. بينما انطلق مصطفى والقوات يلاحقون سيارة سعد وجو. *** حمل سليم عمه، وصعد هو ورحيم معه في سيارة الإسعاف التي انطلقت إلى أقرب مشفى، وخلفها عائلة الهلالي. جلست نجيه بوجه شاحب شحوب الموتى. يحاكي خوفها على جلال. مهلاً، هل تخاف على من عاشت عمرها تريد قتله؟

نعم، لقد عاشت عمرها تحمي وتبني في قاتل ولدها، وأول من أراد قتلها هو من قتل ولدها. إنه ذلك الثعبان المسمى بسعد، ياليته سعد وله نصيب من اسمه، أصبح التعيس المطارد. وصلت سيارة الإسعاف إلى المشفى وهي تحمل جسد جلال الهلالي، الذي عاش مظلومًا مطاردًا. وها هو يفدي من ظلمته وأخرجته خارج بلاده وأهله. صرخ سليم في المشفى: -دكتور، بسرعة! وما هي إلا ثوانٍ اجتمع الأطباء حول جسد جلال وبدأوا في عملهم. هرول مهران بقلب ينفطر

على أخيه وهو يقول للطبيب: -أخويا هيعيش يا دكتور. أجاب الطبيب بأمل: -إن شاء الله. -قول يا رب. هتفوا جميعًا، وأولهم نجيه التي خارت كل قواها وجلست على الأرض أمام باب غرفة العمليات التي اختفى خلفها جلال مع الأطباء. -يااااااااااااارب. *** -إجري بسرعة يا چو. صرخ سعد في چو بخوف. قال چو بغضب: -أنا ماشي على أعلى سرعة. فيه إيه؟ دول ورانا ومش عارف أفلت منهم. ورانا فين ما نروح؟ قال سعد بغضب:

-إجري بسرعة، ادخل في الشوارع الجانبية دي. اتصرف يا چو منه. دخل چو إلى تلك الشوارع، لتدخل قوات الشرطة خلفه. ولم يستطع الهروب منهم مهما حاول. صرخ چو بغضب: -العربيات دي مراقبانه وعارفه كل تحركاتنا. ثم نظر إلى أبيه بشك وقال: -شوف هدومك يا سعد بيه، ممكن يكون فيها جهاز تعقب. طب صدمت ملامح سعد وهو يخرج ذلك الجهاز الصغير من جيبه وقال بخوف: -إيه ده يا چو؟ مسكه چو بين يديه وقال بجزع وهو يلقيه خارج السيارة:

-مش عارف ده إيه، ده جهاز تتبع وتصنت. أنت كدا روحت في داهية. قال سعد بغباء: -مين اللي حطه؟ ضحك چو بسخرية: -واضح إن سراج هو اللي عمل كل حاجة، وأنت شربتها بالشفا يا بابا. صرخ سعد وهو يطبق على ملابس چو: -وهنعمل إيه؟ ابتعد چو وهو ما يزال ينطلق بالسيارة: -نهرب الأول منهم، وبعد كدا نشوف هنعمل إيه. *** صرخ مصطفى بغضب عندما فقد أثر چو وسعد حين تخلص سعد من جهاز التتبع الذي وضعه سراج في جيبه. -راحوا فين؟ قال الضابط الآخر:

-واضح كدا يا فندم إنهم اكتشفوا الجهاز واتخلصوا منه. صاح بغضب في القوة التي كانت ترافقه: -اقلبوا إسكندرية لحد ما توصلوا لهم. قال قائد القوة بطاعة: -تمام يا فندم. *** قال چو لسعد بعد أن تأكد من أنه هرب من ملاحقة الشرطة: -هنعمل إيه يا بابا؟ إحنا لازم نتصرف بسرعة. أكيد مش هيسكتوا. أنت كدا انكشفت، وكمان واضح إن عمتك عرفت إنك اللي قتلت ابنها. نظر سعد لچو وقال من بين أسنانه:

-ده كله ميهمنيش، اللي يهمني إن أنا خسرت أكبر شحنة هيروين كنت حاطت فيها كل السيولة اللي معايا. أنا كدا خسرت كل حياتي واللي بقالي سنين بسعى ليه. قال چو بفحيح: -البركة في سراج اللي أنت كنت مفكره عبيط وأنت اللي بتمشيه. أهو اتغدى بيك قبل ما تتعشى بيه. قال سعد بغضب: -موته على إيدي. اقترب چو منه وقال بمكر: -اهدى يا بابا، إحنا كدا كدا هنقتله. بس لازم نخطط لهم يومين الأول، عشان الضربة المرة دي لازم تصيب عيلة الهلالي في مقتل.

أومأ سعد لچو بفرحة، بينما يرى ذلك الشيطان زرعه الشيطاني يخطط له كما أراد. *** صرخ سراج بغضب في مصطفى الذي عاد خالي الوفاض كما يقولون: -يعني إيه يا مصطفى؟ سعد هرب كدا من تهمة المخدرات؟ قال مصطفى بجدية: -اهدى يا سراج، مش هيهرب كتير. إحنا مقفلين كل مداخل ومخارج البلد، يعني كلها كام ساعة ونوصله. قال سراج بيأس: -توصلوه إيه يا مصطفى بيه؟ ده خالي سعد عامل زي المية، طالما هرب يبقى مش هنوصله ولا هيظهر دلوقتي. ثم قال بخوف:

-مش مهم هو دلوقتي. ثم تساءل بترقب: ضرب النار اللي كان بره الصبح ده حد جراله حاجة فيه؟ قال مصطفى بحذر: -أنا كنت جاي أخلي سبيلك عشان كدا. هتف سراج بقلق: -فيه إيه يا مصطفى؟ سليم ورحيم جرالهم حاجة؟ لم يعلم سراج أن كل عائلته كانت بالخارج، جده، جدته، عمه مهران، وأيضًا المضحى دائمًا، جلال. وأخيرًا زهرة. قال مصطفى برجاء: -أنا هقولك على كل حاجة واحنا في طريقنا للمستشفى، بس توعدني إنك تخليك ثابت. قال سراج بغضب ونفاذ صبر:

-فيه إيه يا مصطفى؟ خرج مصطفى مع سراج وهو يقص عليه كل ما حدث، متوجهين إلى المشفى التي مازال جلال يرقد فيها من الثانية عشر ظهرًا، وها هي قاربت على السابعة مساءً، ومازال في غرفة العمليات. يحاول الأطباء إخراج تلك الرصاصة التي استقرت بجانب القلب وأصابت الكل وليس جلال فقط.

جلس سليم ورحيم بجانب زهرة التي لم تكف عن البكاء، بينما جلست نجيه بجوارها، ولأول مرة تحتضنها بين ذراعيها. أخذتها في صدرها تهدئها. لا تعلم إن كانت تهدئها أم تهدأ روعها باحتضان ابنة عدو الأمس ومنقذها اليوم. فعلاً إن الحياة لا تبقى يومًا على حال، بينما ما هو ثابت فيها هو التغير وتقلب الأحوال. ويبقى دوام الحال من المحال. *** صدمت ملامح سراج حين أنهى مصطفى حديثه. -قصدك إيه يا مصطفى؟ يعني إيه خالي سعد هو اللي قتل أبويا؟

قال مصطفى بأسى: -للأسف ده اللي حصل، وبلغني بيه الأمين رشاد اللي كان بيراقب خالك سعد لحساب سليم وجدك. قال بعدم استيعاب: -يعني إيه؟ إحنا... أنا... جدى.. جدتي.. كلنا كنا لعبة في إيد قاتل أبويا. ثم أضاف بقهر: -وأنا كنت ماشي وراه ومغمض عنيا، وهو عدوي. صرخ بضياع: -طيب وعمي جلال ذنبه إيه يتضرب بالنار؟ هو كمان مش كفاية عاش عمره كله مطرود مظلوم من بلده وأهله.

أشفق مصطفى على حال سراج، بينما هو لم يفق من صدمة غدر خاله بيعه في شحنة الهيروين. تتوالى عليه الصدمات، وأقواها حين علم بأنه عاش عمره يطارد بريئًا لحساب من ارتكب الجريمة. ربّت مصطفى على كتف سراج وقال بشفقة: -اهدى يا سراج، وإن شاء الله هنقبض على سعد وهيتحاسب على كل جرائمه. بس المهم دلوقتي نطمن على عمك جلال. قال سراج بقهر: -أنا إزاي هبص في وشه ووش زهرة بعد كدا؟ قال مصطفى بتعقل: -المهم تكون جنبها دلوقتي. قال سراج بتساؤل:

-هي زهرة فين؟ كانوا قد وصلوا إلى المشفى. أشار مصطفى على المشفى وهو يقول: -جوه مع أهلك. ولج مهرولًا يبحث بعينيه على أهله. قابله المهندس إبراهيم الذي جاء مع سليم ورحيم وهو يهتف بفرحة: -حمد الله على السلامة يا باشمهندس. قال سراج بلهفة: -عمي جلال فين، وسليم ورحيم فين؟ قال إبراهيم: -جوه يا باشمهندس. دلف بسرعة يتلفت عليها. قام رحيم بسرعة يحتضنه: -حمد الله على السلامة يا سراج.

انتبه جده ومهران وباقي الموجودون أنه قد حضر. احتضنه جده بلهفة. لم يصدق أنه أمامه وأنه نجى من كيد سعد راشد. -سراج يا ولدي، أنت كويس؟ قال سراج بأسى وهو يرى كل ما كان يعيشه مجرد كذبة أحاكها وأتقن سردها خاله سعد، وهم كانوا مجرد دمى يحركهم في مضمار شره كيفما يشاء: -هكون كويس إزاي يا جدي؟ أخرجه جده من أحضانه، بينما تلقاه عمه مهران في حضنه بحب وهو يقول: -شده وتهون طول ما إحنا مع بعض يا ولدي.

احتضنه سليم بعدهم وهو يربت على ظهره بحنان ومودة. قال سراج بامتنان لهذا الذي وقف بجانبه منذ أن طلب مساعدته، ولولاه بعد الله ما كان اليوم بينهم: -شكرًا يا سليم. أخرجه سليم من أحضانه وهو يقول بجدية: -إحنا إخوات يا سراج، مفيش بينا شكر.

كم شعر بالخزي من أفعاله معهم سابقًا، وأيضًا كم شعر لأول مرة بحلاوة العائلة وقت الشدة. نظر بطرف عينيه إلى المتكومة تبكي في أحضان جدته. اقترب منها، بينما أومأ له سليم ورحيم حتى يحدثها. ابتعدت عنها نجيه، رفعت زهرة عينيها لترى لما ابتعدت عنها نجيه، ووجدته واقفًا أمامها، ولكن عيناه لم تقو للنظر لها. -زهرة، عاملة إيه؟ وقفت لكي تحدثه، لكن قدماها خانتها. لم تقو على حملها. كادت أن تقع لولا يداه القوية التي احتضنت

خصرها وهو يهتف بقلق: -احاسبي يا زهرة، على مهلك. احتضن خصرها وأجلسها وجلس بجوارها. -بابا هيموت ياسراج. وضع يده على فمها وهو يقول: -ششش، بس متقوليش كدا. إن شاء الله عمي جلال هيبقى زي الفل. ربنا هينجيه إن شاء الله عشان خاطرك يا زهرة وعشان خاطر أخواتك. زاد بكاؤها ونحيبها وهي تضع رأسها على صدره، وهو يحتضنها بقلب يتقطع من الحزن على تلك الزهرة التي منذ أن دخلت حياته تذبل كل يوم، وكأنه عقابها، بينما كانت هي حياته. ***

خرج الطبيب وملامح الإرهاق تكلل وجهه. هرول إليه سليم ورحيم وسراج. -عمي عامل إيه يا دكتور؟ قال الطبيب بأمل: -الحمد لله، قدرنا نخرج الرصاصة، وهيفضل في العناية أربعة وعشرين ساعة الجايين دول. ربنا يعديها على خير، بعدها إن شاء الله يبقى عدى مرحلة الخطر. تهلل وجه جاد ومهران وسجدوا لله شكرًا. بينما احتضن سراج زهرة وجدته وهو يحمد الله ويدعوه أن يتم نعمته عليهم وتمر تلك الساعات بخير. قال سليم بجدية:

-يلا يا جدي جاد، أنت وجدتي، وأبوي خدّهم يا رحيم. وسراج خد مراتك في أي أوتيل يرتاحوا لبكرة ييجوا يطمنوا على عمي جلال، وبعدين يروحوا البلد. قالت نجيه: -لا يا ولدي، أنا ممشيش من هنا إلا أما أطمن على جلال. كفاية اللي عمله معايا، أنا طول عمري ظالماه. قالت زهرة برفض: -أنا استحالة أسيب بابا.

على مضض أقنع سراج جدته أن تذهب مع رحيم وجده لكي ترتاح معهم ما تبقى من الليل، على أن يعودوا في الغد. بينما لم يستطع أحد أن يقنع زهرة أن تذهب، بقيت هي وسراج وسليم. بعد قليل، دلف سليم ومعه أكياس بها طعام. ناول زهرة تلك الأكياس وقال لها بود: -خدي يا زهرة، افتحي الأكل ده ناكل. لقمة سراج من امبارح مأكلش، وأنتي كمان. قالت بممانعة: -مش عاوزة أكل يا سليم. أخذ سراج الطعام وقال لها:

-يا سليم، وضع الطعام على تلك المنضدة داخل الغرفة التي حجزها لهم سليم ليبقى بها حتى يطمئنوا على أبيها. أخذ أحد الشطائر ووضعها أمام فمها وقال لها بحب: -كلي يا زهرة عشان عمي جلال أول ما يفوق تقدري تراعي. أخذت منه الطعام. قالت بخجل: -وأنت وسليم؟ قال سليم بمشاكسة لهم وهو يريد أن يغير جو الحزن المخيم عليهم: -هو وسليم هياكلوا، متقلقيش. أنا خلاص مش قادر. قالها وهو يعطي سراج شطيرة. هتفت زهرة بقلق: -سليم، نور؟ قال سليم ببلاهة:

-مالها؟ قالت زهرة بتوتر: -مش عارفة يا ترى بسمة وسلمى قالولها على اللي حصل ولا إيه؟ كانت زهرة تقصد مسألة الثأر. قال سليم بقليل من التوتر والقلق على تلك التي لا يعلم كيف سيراضيها: -اطمني يا زهرة، نور متعرفش حاجة. نور مش في الصعيد، نور هنا في إسكندرية. قالت زهرة بقلق: -في إسكندرية إزاي؟ ومن امتى؟ قال سليم باستغراب: -قالها يومين. ليه فيه حاجة يا سليم؟ نور مالها؟ قال سليم بكذب حتى لا يزيد قلقها على أختها:

-مفيش يا زهرة، كانت عاوزة تزور قبر مامتها وتزور خالها إيهاب. قالت زهرة بعدم اقتناع: -خالي لسه كان عندنا في الفرح، معداش عليه شهر. أكيد فيه حاجة. وقبل أن يجيب سليم الذي تلعثم في الحديث، لا يعلم ماذا يخبرها. قال سراج الذي فطن أنه هناك خطب بين سليم ونور: -خلاص بقى يا زهرة، الصبح سليم يروح يجيب نور، والحمد لله إنها متعرفش حاجة. ثم قال باهتمام وحب ظهر في صوته: -يلا نامي ساعتين عشان خاطري.

تخضب وجهها بالأحمر القاني وهي تنظر لسليم الذي انشغل بهاتفه حتى لا يزيد خجلها. وقال: -أنا هنام ساعتين قدام الباب بره، والصبح إن شاء الله هجيب نور. خرج سليم وبقي سراج وزهرة. قال سراج: -نامي يا زهرة على السرير، وأنا هنام هنا على الكرسي. أومأت بخجل. بعد قليل نظرت له، بينما لم يجد جلسة مريحة على ذلك المقعد الصغير. -سراج؟ همهمات صدرت عنه. -تعالى نام هنا على السرير. سألها ببلاهة: -وأنتي؟ قالت بخجل: -هنام على الطرف التاني.

قال بممانعة وخجل من تصرفاته السابقة معه: -لأ يا زهرة، خليك براحتك. قالت بقليل من الجرأة وهي تجذب يده إلى طرف الفراش: -أنا كده هبقى مرتاحة. اتخذ طرف الفراش ونام عليه، بينما احتل جسده الضخم الجزء الأكبر من الفراش. اتخذت هي بجسدها النحيل ما تبقى من الفراش. وما هي إلا دقائق وانتظمت أنفاسه، وكأنه أخيرًا وجد راحته. ابتسمت هي الأخرى ونامت، ولا أول مرة قريرة العين، وأخيرًا زال هذا الهم وعبء الثأر. ***

نام على ذلك المقعد يعد تلك السويعات. استيقظ في السابعة حين شعر بالحركة تزداد في طرقات المشفى. استيقظ وذهب للاطمئنان على عمه. وجد الطبيب يخرج من غرفته. -عمي عامل إيه دلوقتي يا دكتور؟ قال الطبيب بعملية: -الوضع لحد دلوقتي الحمد لله مستقر. أومأ له وقال بجدية: -سراج في الأوضة اللي جمب دي، لو احتجت حاجة. أنا ساعتين وهرجع تاني. ***

استيقظ وهو يشعر بثقل على يده. نظر حوله، وجد خصلاتها الحريرية الفاحمة تفترش يده، بينما نظر لبشرتها الحليبية ووجهها الجميل وتلك الشفاه التي لم تتحدث معه إلا بالطاعة والحب، رغم العداء ورغم معاملته القاسية لها. تساءل بحيرة: أي فعل خير فعله في حياته حتى يجعل تلك الملاك تقع في طريقه؟ جذب يده بهدوء حتى لا تستيقظ أو تشعر بالخجل من نومتها على يده. نظر لها بوله، بينما أغرته تلك الشفاه المكتظة التي لم تنطق له إلا بكل طاعة ورضا.

اقترب منها وقال في نفسه: لما لا يقبلها؟ اقترب منها كالمغيب، وجلس على عقبيه أمامها، بينما حدث نفسه: قبلة لن تشعر هي بها، ولكنها ستطفئ نار قلبه. ولكنه أبعد عنها بسرعة بعد أن فاق من نشوته حين شعر بها تتململ في نومتها. قامت بفزع وهي تصرخ: -بابا! جرى عليها بلهفة وهو يحتضنها، يهدئها: -متخافيش يا زهرة، بابا بخير. قالت بتلعثم: -كابوس... كابوس بابا. قال لها وهو يمرر يديه على ظهرها بحنان: -متخافيش، بابا بخير. ***

وقف بقلب لهيف ليرى من غرق في عشقها. ولكن ماذا سيقول لها؟ ومن تلك التي اتصلت به لتخبره أن زوجته بريئة؟ طرق باب خالها وانتظر. فتح إيهاب الباب بوجه بشوش. -سليم، حمد الله على السلامة. قال سليم بتهذيب: -الله يسلم حضرتك. -اتفضل يا حبيبي. دلف سليم بعينين تبحث عنها. -بعد إذن حضرتك، نادى نور. قال إيهاب بمحبة: -نور خرجت من شوية يا سليم. سأله سليم باهتمام: -خرجت فين حضرتك؟ قال إيهاب بحزن: -بتزور قبر والدتها. ***

لا يعلم كيف وصل إليها، ولكنّه يراها الآن أمام قبر أمها تجلس وتنتحب، تبكي بحرقة. وكلمة واحدة قالتها جعلت قلبه يتقطع عليها: -ماما وحشتيني قوي يا ماما، نفسي أنام في حضنك. ثم أجهشت بالبكاء. اقترب منها وكاد أن يحدثها، إلا أنها صاحت فيه بغضب عندما علمت بوجوده من رائحة عطره التي سبقته: -جاي ليه يا سليم؟ أنا مش طايقة أشوفك. اقترب منها وقال بنبرة هادئة كي يمتص غضب قلبها: -إزيك يا نور، عاملة إيه؟

-ملكيش دعوة بيا عاملة إيه ومش عاملة إيه. هتفت فيه بغضب. جذبها عنوة عنها رغم مقاومتها المستميتة حتى لا يمسكها. -ابعد عني. قال لها بحب: -مقدرش أموت. قالت بغضب: -موت بعيد عني. نفضت يدها من يده بغضب وانطلقت تخرج من المقبرة. جرى خلفها، وقبل أن تركب سيارة الأجرة، أوقفها وركب بجوارها وقال للسائق: -على مستشفى... لو سمحت. قالت بغضب: -أنا راحة عند خالى. قال لها بهدوء حاول أن يحافظ عليه: -هنروح المستشفى الأول. قالت بغضب:

-لا، أنا مش هروح معاك مكان. قال برجاء: -عشان خاطري يا نور، ده مشوار مهم. *** صاح سلطان بلهفة وقلق وهو يحدث مهران في الهاتف: -جلال جراله إيه يا مهران؟ قال مهران مطمئنًا له: -والله يا بوي، جلال بخير. عمل عملية امبارح والنهاردة هو بخير. وأول ما أوصل المستشفى هطمنك. قال سلطان بقلب لهيف: -أنت فايت أخوك لوحدك يا ولدي؟ -لا يا بوي، اطمن. سراج وسليم ورحيم معاه. اطمن يا بوي، أنا قولت أخبرك بدل ما تزعل وتقول محدش قال لي.

قال سلطان بقلق: -هترجعوا امته يا ولدي؟ قال مهران بجدية: -أول ما نطمن على جلال يا بوي. أنهى سلطان المكالمة وهو لا يعلم بذلك الذي وقف خلفه يستمع إلى تلك المحادثة. -بابا ماله يا جدي؟ التفت سلطان بقلق وهو يقول: -اطمن يا ولدي، أبوك بخير. قال فريد بخوف: -لا يا جدي، بابا جراله حاجة. أنا سمعتك وأنت بتكلم عمي مهران. لمعت الدموع في عين فريد، بينما سأل جده برجاء مرة أخرى: -عشان خاطري قول يا جدي، بابا جراله إيه؟ قال سلطان

بقلة حيلة أمام حفيده: -متخافش يا ولدي، أبوك بخير. هو بس تعب شوية في إسكندرية وهو في المستشفى، وأولاد عمك معاه. هيجيبوه وييجوا لما يطمنوا عليه. قال فريد بعدم اقتناع: -تعبان ولا نجيه جدة سراج عملت فيه حاجة؟ قال سلطان بمهادنة لكي لا يفلت غضب فريد على من في المنزل، وأولهم سلمى وبسمة: -لا لا يا ولدي، وهي نجيه مالها ومال أبوك. صاح بخوف على أبيه وغضب من تلك التي أرادت قتله: -مش هي اللي كانت عاوزة تقتل بابا؟ صاح سلطان بجدية

وغضب على حفيده حتى يصمت: -فريد، أبوك بخير ونجيه ملهاش يد في أي حاجة. أبوك تعب شوية، وأول ما يخف هييجي. *** وقفت تستمع إلى حديث فريد الغاضب لجده عن جدتها. نعم، تعطيه كل الحق في ثورته، بعد أن علمت أن من قتل أباها وغدر به هو من آمنوه على حياتهم، أنه خالها سعد راشد. ماذا تفعل؟ وإلى أين تذهب؟ تراجعت لكي تجلس مع أختها. سألتها سلمى حين لمحت تلك الدموع في عينيها: -مالك يا بسمة؟ بتعيطي ليه؟ قالت بسمة بحزن:

-بعيط على الوهم اللي عشنا فيه عشرين سنة يا سلمى. قالت سلمى بأسى وحزن: -حد كان يصدق إن خالك سعد هو اللي قتل بابا. قالت بسمه بحزن: -أنا مش قادرة أبص في وش حد هنا. قالت سلمى: -ولا أنا. إحنا نروح بيتنا يا بسمة. قالت بسمه بتعقل: -لا يا سلمى، جوزك هيزعل منك، وأنا كمان هستنى جدي وجدتي، وأول ما يرجعوا هرجع معاهم. قالت سلمى بحزن: -جوزي، جوزي إيه بقى؟ أنا بعد اللي حصل مش هقدر أبص في وشه.

وما هي إلا دقائق وتعلت الطرقات المرحة على باب غرفة سلمى. دلفت بعدها أمل بوجهها الصبوح وهي تقول بمحبة: -قمرات الهلايلة، قاعدين لوحدهم ليه؟ يلا يا قمرات، الفطار جاهز. قالت سلمى بحرج: -معلش يا عمتي، خدي بسمة. أنا مشجعانة. قالت أمل بحب وود: -ابدأ، أنتِ عاوزة الحاج سلطان والحاجة حميدة والحاجة راضية يبهدلوني لو منزلتش معاكو. يلا يا قمرات، أنا جعانة وعاوزة أفطر. نزلت بسمة وسلمى برفقة أمل، تهلل وجهها وحميدة،

بينما هتفت رقية بمحبة: -إيه الجمال ده يا مرات ابني؟ أنا النهاردة عملت الفطار، بس الغدا عليك أنتِ وعمتك أمل وست العرايس.

قصدت رقية كل كلمة تقولها، بينما تحاول بود وذكاء أن تجعل بسمة وسلمى تجلس معهم وتمنع عنهم أي تفكير فيما يحدث، فهم أولًا وأخيرًا ضحايا لذلك الثأر الذي فعله بكل خسّة ذلك الخسيس المسمى بخالهم. اندمجت الفتيات في الحديث المرح بين الجدات ورقيه، بينما نظر فريد لبسمة بغضب لا يعلم سببه. أيكون بسبب ما سمعه من جده أم بسبب غضبها الدائم عليه ونظراتها التي تخبره دائمًا: إنك لست منا. ***

بغضب لا يقل عن غضب فريد، دلفت نور إلى المشفى بخطى تحترق من الغضب بعد أن أخبرها سليم أن أباها أصيب بطلق ناري وهو يحمي نجيه. وصلت إلى غرفة أبيها، وجدت نجيه ومهران وسراج وزهرة أمام باب الغرفة. جرت بقلب لهيف وسليم يجري خلفها. رأتها زهرة وهي واقفة تتحدث مع الطبيب الذي خرج من عند أبيها. جرت عليها زهرة وهي تحتضنها بخوف ومحبة. -بابا جراله إيه يا زهرة؟ احتضنتها زهرة بحب وهي تربت على ظهرها بحنان وقالت بحب:

-الحمد لله يا نور، بابا كتب له عمر جديد. نظرت نور بغضب إلى نجيه وقالت بغضب: -ارتاحتي؟ بابا كان هيموت عشان خاطرك. يا رب ترتاحي. هتف مهران في نور بغضب: -نور! قالت نور بحزن: -نور إيه يا عمي؟ مش هي اللي كانت عاوزة تقتل أبويا. قالت زهرة برجاء: -خلاص يا نور، تيته نجيه ملهاش ذنب. صاحت نور بغضب: -هي السبب. قال سليم بهدوء بينما يعطي لها كل الحق في خوفها على أبيها: -خلاص يا نور، الحمد لله عمي جلال بخير. نظرت له وصمتت على مضض.

تساءلت بغضب: -عاوزة أشوف بابا. قالت زهرة بسماحة: -هيتنقل دلوقتي أوضة عادية وهنشوفه.

جلست تنتظر خروج أبيها. نظر لها سراج بتفكير، بينما يرى أمامه أختان نشأتا في نفس البيت بنفس التربية، إلا أنهما تختلفان اختلاف الليل والنهار. فإحداهما هادئة، متسامحة، صافية. والأخرى غاضبة، تشتعل بالغضب، جريئة، لا تخشى في الحق لائم. إنها نور وزهرة. النار والماء، وكل واحدة منهم تملك سلاحًا لا تملكه الأخرى. حمد الله أنها كانت من نصيبه، تلك الهادئة المستكينة. بينما يرى سليم ذلك الفارس الذي سيروض غضب نور.

بعد قليل خرج جلال النائم تحت تأثير المهدئات. جرى خلفه سليم ونور وزهرة وسراج. بعد قليل وقفت نجيه بجوار فراش جلال وقالت بأسف: -حقك عليا يا ولدي. قوم بالسلامة وأعمل فيا اللي يرضيك. قالت نور بغضب: -اللي يرضيه، سيبنا في حالنا. صاح سليم فيها بغضب: -نور! ولا كلمة. أخرستها نظرته الغاضبة. صمتت بكمد. بينما نظرت زهرة بأسف إلى سراج ونجيه. اقتربت منها نجيه وقالت بسماحة ولأول مرة عندها حق اختك يا بنتي، أنا مش زعلانة منها. ثم

أكملت بأسف وهي تحدث مهران: -أنا روحي فدا روح جلال يا مهران. قال مهران بسماحة: -حاش لله يا مرات عمي، جلال معملش غير الواجب. أنتِ زي الحاجة حميدة وفي غلاوتها. قال جاد بسماحة: -تعيش يا ولدي. بعد قليل، أذن جاد وأخذ نجيه. عادوا ليسألوا: هل وصلوا إلى مكان سعد؟ ولكن سعد وچو لم يصل إليهم أحد، وكأنهم ماء وتبخر. عاد مهران وجاد ونجيه إلى الصعيد، بينما بقى رحيم لمتابعة سير القضية مع مصطفى، وبقي سليم وسراج بصحبة زهرة ونور. ***

بعد مرور أسبوع، اقترب فيه سراج كثيرًا من زهرة، بينما تمسكت نور بموقفها وجفائها لسليم، وهو يعطي لها كل الحق، وهو يرى أن ما حدث لعمه رغم أنه يظهر وكأنه شر، إلا أنه يرى فيه خيرًا كبيرًا. إنها تحدثه وتتعامل معه، نعم من أجل أبيها، ولكنها ستعود مع أبيها إلى بيت جده. قال لها بهدوء وهي تجمع أغراض أبيها: -هاتي الشنطة يا نور. قالت بغضب:

-ملكش دعوة بيا. أوعى تفكر أن أنا هرجع معاك. لا، أنا راجعة عشان بابا بس، إنما أول ما بابا هيبقى كويس أنا هطلب الطلاق يا سليم. قال بغضب: -بعينك يا نور. قالت بتحدي: -هنشوف يا سليم. قطع تحديها. -خلصتي يا نور؟ أعطت له الحقيبة وهي تتخطى سليم بغضب: -أيوا خلصت. جلست بجوار أبيها وهي تقول بحنان: -بابا، أنت كويس؟ قال جلال بوهن ومحبة: -كويس يا حبيبتي. يلا روحي اركبي مع جوزك، وأنا مع أختك وجوزها كويس.

جلست زهرة تحتضن أباها الذي مال على صدرها، بينما جلست بجواره. وجلس سراج يقود السيارة. ركبت نور مع سليم والحقائب في سيارة سليم. -اتفضلي يا نور هانم. ولم تتفوه بكلمة. هي أرادت أن تبتعد عنه، ولكن القدر جمعها به مرة أخرى، وكأنها ستظل مرغمة على عشقه وستبقى رغما عنها بجواره. أخرجها صوت هاتفه من شرودها. أجاب على الهاتف بفتور، ولكن اشتعل غضبه بعد أن سمع المحادثة. -الو، أيوا يا باشمهندس. أجاب سليم بجدية: -أيوا يا رشاد.

قال رشاد بجدية: -رقم التليفون اللي طلبت مني أعرفه بتاع واحدة اسمها آيه عثمان راشد، بنت أخت سعد راشد.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...