جلس في ذلك المطعم بإيطاليا ينظر في ساعته بانتظار ذلك الشخص الذي سيحضر له عنوان جلال الهلالي بعد قليل. دلف إلى المطعم شخص يبدو أنه تخطى الخامسة والثلاثين من عمره أو قارب على الأربعين، ولكنه توجس خيفة منه، لولا أن خاله سعد راشد هو من أتى معه لظنه أحد رجال المافيا الأوروبية. انتصب سراج في وقفته حتى يرحب بهم. احتضنه خاله سعد بحفاوة وقدم له ذلك الشخص. "سراج الهلالي." "وده چوه." صافح سراج چوه وهتف يحدثه بالإنجليزية:
"Welcome Jo." وللمفاجأة تحدث چوه باللغة العربية وأيضا اللهجة المصرية وكأنه ولد وتربى في ضواحي مصر. "أهلاً مستر سراج، نورت روما." اندهش سراج وتحدث بتعجب: "انت مصري؟ ابتسم چوه بسماجة وهو يقول: "أنا مصري على إيطالي يا مستر سراج، أبويا مصري وماميتو إيطالية." لم يهتم سراج بما يثرثر به چوه من كلمات، ولا حتى انتبه لشحوب وجه سعد راشد بعد كلمات چوه. هتف سراج مقاطعاً چوه بلباقة:
"والله دي حاجة كويسة مستر چوه، كدا هيكون التعامل بينا أسهل." أومأ چوه بتفهم، بينما هتف سعد حتى ينهي تلك الجلسة والتي كانت ثقيلة عليه، ولكن لم ينتبه سراج إلى ذلك، فكل ما كان يريده هو معرفة أين يختبئ جلال الهلالي. "ها يا چوه، ياترى عندك اللي أنا عاوزه؟ تلاعب چوه بكلماته مع سراج ليرى وقعها على سعد.
أجاب چوه بتمهل كي يزيد من توتر سعد راشد، ويلاحظ سراج هذا التوتر على خاله سعد، يصل إلى مبتغاه خوفًا، سؤال سراج عن سر معرفة چوه بسعد، ولكن سراج كل ما يعنيه هو معرفة مكان جلال الهلالي. تحدث چوه وقال:
"أنا من كام شهر كنت في باريس في شغل ليا مع شركة هناك، فيه شراكة جديدة بين شركتنا هنا والشركة دي، وبالصدفة قابلت هناك الـ HR المسؤولة عن الموارد البشرية وكانت مصرية، وبعد كام شهر اسمها لفت نظر مستر سعد وهو بيمضي على أوراق هنا في فرع الشركة اللي أنا مسؤول عنها في روما، سألني عنها وقولت كل اللي أنا أعرفه عنها." هتف سراج بفرحة: "يعني هي وأهلها هنا في روما؟ أجابه چوه بنفي:
"لأ مستر سراج، هي وأهلها في باريس، ومعايا عنوانها، بكرة الصبح بالقطر تكون عندهم." فرح سراج لهذا الخبر وكأنه ملك الأرض ومن عليها، سينتهي غدًا كل شيء، سيُقتل جلال الهلالي ويعود إلى جدته بعدها مرفوع الرأس. أخذ عنوان جلال من چوه. وبعد قليل شكر خاله سعد على تلك المعلومات التي وفرها له لكي يأخذ بثأر أبيه من جلال الهلالي. انصرف جلال وترك چوه وسعد على موعد غدًا مع سعد راشد ليذهب معه إلى باريس ليكون بجانبه وهو يأخذ بثأر أبيه.
نظر سعد لـ چوه بغضب وهتف فيه بحدة: "إيه الكلام اللي قولته ده يا چوه؟ قصدك إيه؟ أنا مش متفق معاك إنك هتقول لسراج إنك عرفت مكان نور إزاي وبس، ليه كتر الكلام؟ أبويا مصري وأمي إيطالية، قصدك إيه؟ هتف چوه بغضب بينما جحظت عيناه دليلًا على شدة غضبه: "قصدي إنه يعرف إني ابنك، ما أنا مش هعيش عمري هنا في روما وأنا ليا أهل في مصر، إنت لازم تعرف الناس اللي في مصر إني ابنك." ضحك سعد بسخرية وهو يقول: "وده من امتى؟
ما طول عمرك مش فارق معاك إنت ابن مين ولا مصري ولا إيطالي، ولا سنيورة نور قلبت كيانك." هنا وضع سعد يده على سبب إلحاحه على أبيه لكي يظهر شخصيته ويعرفه على أهله. نظر چوه إلى أبيه ولوي شفتيه في ابتسامة ساخرة ومال عليه وهو يهمس في أذنه: "إنت تعرف كل أهلك في الصعيد إن عندك ولد وتوفي بوعدك ليا، أنا اللي عرفت مكان مسيو جلال، اقتله، اعمل اللي عاوزة فيه، أهم حاجة نور تكون ملكي في الآخر." ضحك سعد بصخب وهتف ساخرًا من ابنه:
"وه وه يا بووي، واضح إن البنت جامدة ومش سهلة." غضب چوه من كلام أبيه الساخر وهتف فيه بخبث: "أنا أعمل أي حاجة علشان أوصل لنور." ثم همس لأبيه بفيحيح: "أصل أنا طالع لأبويا حتى. القتل ممكن أقتل علشان آخد اللي أنا عاوزه، ولا إيه رأيك يا بابي؟ نطقها چوه بتهكم وهو ينظر في عيني أبيه بتحدٍ وأيضًا تهديد، نظرة حملت في طياتها أنه ممكن أن ينجب من صلبه من يكون أول أعدائه إذا لم يطعه.
حمل سعد كل متعلقاته ونظر لابنه وهم أن ينصرف، وقبل أن ينصرف قال لـ چوه متوعدًا: "أنا دراعي ميتلويش يا چوه." جلس چوه يتذكر أول يوم رأى فيه صاحبة الموج الأزرق المتدفق في عينيها، وكيف عثر عليها حينما أخبره أبيه بأن جلال الهلالي الذي يبحث عنه منذ عشرين عامًا موجود في باريس.
قلب چوه باريس رأسًا على عقب إلى أن عرف أن جلال الهلالي لديه ابن يعمل في إحدى الشركات التي يتعامل معها چوه، سافر إلى فرنسا لكي يأتي بعنوان جلال الهلالي لأبيه مقابل أن يكتب أبيه له شركة روما له بيع وشراء، وافق سعد راشد على كل شروط چوه. وصل چوه إلى نور وعنوان أبيها.
وأيضًا تودد لها واستغل حبها لكل من هو مصري وحنينها لمصر، أخبرها أنه مصري، وقويت بينهم علاقة الصداقة، كانت صداقة بريئة من وجهة نظر نور، بينما چوه أراد أن يقيم معها علاقة محرمة.
وعندما صدمته نور برفضها له وأن تعاليم دينها وأخلاقها تنهيها عن تلك العلاقات الفاسدة، لم يجد أمامه إلا أبيه يخبره بمكان عائلة جلال الهلالي، يقضي أبيه أو سراج على جلال الهلالي ويكون هو البطل الذي يقف بجانب نور وعائلتها ويظهر هو البطل حتى يحصل على ما يريد.
دلف إلى بيته ومراجل عقله تعمل، يتذكر كل شيء وكيف بدأه، هو والآن يهدد من لم يحسب حساب مجيئه أو حساب حياته، أنه زرعته الشيطانية ألا وهي ابنته چوه، ولكن مهلًا، لينهي أولًا أمر جلال الهلالي ليتم انتقامه من عائلة الهلالي ويفيق إلى چوه. فلاش باك... قبل ثلاثين عامًا. صرخ بغل في أبيه: "كيف كيف ده حصل يا بوي؟
أنا طلبتها من عمي زهران ألف مرة وهو كل مرة يلاوع معايا في الحديث ويقولي ربك ييسر، يجوم مرة واحدة يديها لولد الهلالي، أنا هقتله وهقتل ولد الهلالي وهخدها غصب عن عينها." صاح فيه بغضب: "وما تمسك حالك أمال يا سعد؟ عمك زهران خلاص كتب كتاب بنته على واد الهلالي. وبعدين تعالى هنا، أنا مش قولتلك قبل سابج، خلص موال المساخيط ده ولا عجبتك الجعدة في بلاد الخواجات؟ تلعثم سعد في الحديث وتلجلج صوته:
"ما هو يا بوي الخواجة عمال يماطل معايا." ابتسم إبراهيم بسخرية: "الخواجة هو اللي بيماطل ولا أخت الخواجة اللي داير معاها، أديلك خمس سنين على كيفك، لاه ومن بجاحتك عاوز تتجوز بنت عمك؟ صرخ بغل: "وماتتجوزهاش ليه؟ ناقص إيه أنا عن جابر ولد الهلالي؟ "ناقص تربية وسمعة زينة يا ابن عمري. عرفت عمك زهران فضل ولد الهلالي ليه." تحدث سعد من بين أسنانه: "بكرة...
الله وكيل لندم عمي وكل واحد حرمني من فرحة، وأخلي الأرض الخضرة بين عمي وعيلة الهلالي أرض بور يروها بالحق والكره اللي هزرعه بيناتهم." تزوج جابر الهلالي، فرحة زهران ابنة عمته راضية، أقيت الأفراح سبعة أيام وليالي، لم يكن زفاف جابر فقط، كان زفاف جلال وجابر. جلال تزوج نبيلة المحمدي، أم نور، أحبها أيضًا منذ أن كانت تدرس معه الحقوق في جامعة الإسكندرية.
لم يمانع أبيه في زواجه بل رحب به. اتفق جلال وجابر أن يقيما يوم زفافهما في يوم واحد. جلال كان صديق جابر الصدوق، ليس ابن عمه فقط، إنما صديق طفولته رفيق دربه، أسسا معًا شركة الهلالي للاستيراد والتصدير، وكانت تلك الشركة ذراعًا وعمودًا آخر يقوي شوكة وهيبة عائلة الهلالي في البلد والبلاد المجاورة. كان سعد راشد صديقهم الثالث، كان جابر وجلال وسعد ثلاثة أصدقاء مثل الإخوة، أو كما صور لهم.
كان سعد يغار دائمًا من جابر ويحقد عليه وعلى عمته نجية، دائمًا ما يراها في خير لا تستحق أن تحيا فيه ودلال من عائلة الهلالي لها، بينما هو وأمه يعيشون في فقر وذل من أبيه، إلى أن عرف أبيه طريق تجارة الآثار وعرف كيف يستخرجها وجعل سعد ذراعه اليمين، وبعد سنوات قليلة ظهرت علامة الثراء على إبراهيم راشد وولده سعد، وبدأ سعد يحلم بفرحه ابنة عمه زهران، بكرية عمه وجميلته، وبالفعل تقدم لخطبتها، إلا أن زهران لم يعطيها له بسبب خوفه من ثراء أخيه المفاجئ وأيضًا طبع سعد القاسي وأخلاقه الغير سوية، فضل زهران جابر ليكون زوجًا لابنته يخاف الله فيها ويحافظ عليها. كان جابر طيب القلب وحيد أبويه، يمتلك شركته هو وجلال ومن أكبر عائلات البلدة.
وها هو اليوم يزف جلال وجابر، كلا منهم إلى حبه الأول، كان زفاف أسطورة، ظل سبعة أيام وليالي، لم يبخل سلطان أو جاد بأي شيء، الذبائح والعطايا لأهل البلد. تزوج جلال من نبيلة. وتزوج جابر من ابنة عمته راضية وأيضًا خاله زهران.
وها هي السنوات تمر، رزق جابر بسراج، ومن أسماه سراج هو جلال، وأيضًا رزق مهران بثاني أبنائه وهو رحيم، ولكن جلال لم ينجب، وهذا ما كان ينغص الحياة على سلطان ومهران وأيضًا جابر، حيث كانت نظرة الحزن في أعين جلال وشوقه للأطفال ظاهرة.
وتمر السنوات، يمضي خمسة أعوام، يكبر سليم ويكون الأخ الأكبر لرحيم وأيضًا سراج، وها هو يوم العوض، اليوم الذي انتظره جلال الهلالي، حين صدح صوت بكاء نور وهي تولد في أكبر مشافي الصعيد، كان معه أبيه وأخيه وأمه وأيضًا سليم الذي أصر أن يرى مولود عمه ويكون أول من يحمله. فتحت نور عينيها وكان سليم يحملها. هتف سليم بفرحة: "النونو فتح يا جدتي."
حملت حميدة نور من سليم، لكنها بكت وأخذها مرة أخرى منها ليبدأ إرغام سليم الهلالي على عشق نور الهلالي. كبرت نور مع سليم وسراج ورحيم، ولكن كان سليم الأقرب لها، أصبح عمر سليم اثنا عشر عامًا، بينما سراج ورحيم تسعة أعوام ونور خمسة أعوام. رزق جلال بعد نور بعامين بزهرة وفريد، ورزق جابر بعد سراج بسلمى، وها هي فرحة تحمل المولود الثالث لجابر.
عشرة أعوام مضت على زفاف جابر وجلال، تجارتهم وشركتهم تكبر ويكبر معها حقد وغِل سعد راشد لعائلة الهلالي، إلى أن أتت له الفرصة للانتقام. تعرضت شركة جلال وجابر لضائقة مالية بسبب تلك الشحنة التي مُنعت من دخول الأسواق المحلية بسبب عدم ملائمتها للمعايير الصحية.
وبالطبع كان سعد راشد صاحب البلاغ عن الشحنة، حينما علم أن جابر وجلال وضعوا بها كل ما يمتلكون، خسر جلال وجابر معظم رأس مالهم في تلك الشحنة، عرض عليهم سعد أن يدخل كشريك ثالث معهم حتى يستورد شحنة جديدة يعوض بها خسارتهم. وافق جلال ورحب بالفكرة، أما جابر رفض وبشدة لمعرفته مصدر أموال ابن خاله وأنها أموال مشبوهة. تشاجر جلال وجابر بسبب تلك الشراكة. هتف جلال بغضب: "فيه إيه يا جابر؟
لو دخلنا سعد معانا شريك ينقذ الموقف المالي، إنت عارف إن التجار مش هيرحمونا لو عرفوا إن الصفقة اتحجزت في المينا." احتدمت نظرة جابر بينما هتف هو الآخر بغضب: "لأ يا جلال، إلا سعد ابن خالي، أي حد إلا هو، إنت عارف إن فلوسه مشبوهة وأنا مش موافق، لو هخسر آخر مليم." سمع ذلك الشجار سعد وهو واقف على باب مكتب جلال، زاد حقد سعد على جابر وجاءت له فرصة من ذهب ليوقع بين الأصدقاء، توعد لجابر وأيضًا جلال.
حرض التجار على شركة جلال وجابر، نشر عنهم إشاعات عن سوء معاملة شركتهم حتى انهارت شركة جلال وجابر. زادت الخلافات بين جلال وجابر. تدخل مهران لإنقاذ أخويه، استطاع أن يفرج عن الشحنة، ولكنها لم تُبع بسبب تحريض سعد للتجار، بدأت الشركة في الانهيار. علم جابر من أحد التجار أن سعد راشد هو من أخبرهم أن شحنتهم الغذائية منتهية الصلاحية، إذًا سعده هو سبب ما حدث.
بعد أن دمر سعد كل شيء، حرض أحد رجال سلطان بعد أن اشتراه بالمال على أن يسرق سلاح جلال، وبالفعل سرق الغفير عثمان سلاحه، ولسوء حظ سعد أن الغفير لم يجد سلاح جلال، سرق بدلاً عنه سلاح سلطان لكي لا تضيع عليه أموال سعد راشد. دلف جابر إلى سعد في بيته وهو يصرخ بغضب: "سعد سعد." خرج سعد له بكل ثقة وغرور. أطبق جابر على مقدمة ملابس سعد وهو يصرخ بغضب: "آه يا خسيس يا واطي، عملنالك إيه علشان تأذينا كده؟ نفض سعد يد جابر
ببرود وهو يضحك بسخرية: "أهلاً ولد الهلالي، أنا كنت مستنيك." لكمه جابر في وجهه بغضب وأنهال عليه بسباب لاذع. وفجأة أشهر سعد السلاح في وجه جابر. انقبض جابر وتراجع للخلف وهو يهتف بخوف: "وه، كأنك هتقتلني يا سعد." ضحك سعد ضحكة ملتوية وهو يقترب من جابر ويقول: "براو عليك يا جابر، أنا هقتلك. وكنت مستنيك لجل ما توجع زي الفار في المصيدة. وكل اللي عملته ده علشان أقتلك." صرخ جابر بخوف: "تقتلني ليه؟ هنا تخلى سعد
عن وجهه البارد وهتف بغضب: "علشان أنت أخذت مني كل حاجة. أنت ابن الحسب والنسب اللي عمي فضلك عليا وادالك فرحة وحرمني منها ليه؟ أحسن مني في إيه؟ تراجع جابر للخلف بينما لمح الشيطان يتراقص في عين سعد ابن خاله، وهو يهتف له برجاء: "وهون عليك تقتلني يا سعد. ويتيتم عيالي وفرحة مرتي." ضحك سعد بصخب وكأنه شيطان يحدثه: "متتجلقش عليهم، هتجوزها وأربي العيال." ومع آخر كلمة له انطلقت الرصاصة واستقرت في قلب جابر.
حمل جثة جابر هو وعثمان وبمساعدة عثمان دخل إلى قصر سلطان، وضع جثة جابر في بهو القصر وأخفى سلاح سلطان بجانب الجثة. في نفس الوقت كان سلطان وجلال في القاهرة يحاولون حل مشكلة البضاعة والتجار، استطاع سلطان أن يقنع شركاء أبنائه بأنهم تعرضوا لمكيدة وأن البضاعة لا يوجد بها أي عطب. خرج جلال مع أبيه وهو يظفر بفرح: "أخيرًا يا بوي، أخيرًا المشكلة اتحلت."
وقبل أن ينهي الكلمة، أتاه اتصال مهران الذي وجد ابن عمه جابر صريعًا في بهو قصرهم عند عودته إلى البيت بعد منتصف الليل. "الحقنا يا بوي، جابر اتقتل." بعد أن وضع سعد جثة جابر في بيت سلطان وقبل أن يكتشف أحد أن جابر قُتل، ذهب إلى عمته نجية وأخبرها أن جابر وجلال على خلاف وأن جلال هدد جابر بالقتل لأنه سبب خسارة شركتهم. لم تصدقه نجية. هتفت نجية بقلب مرعوب على وحيدها: "بتجول إيه يا سعد يا ولدي؟ ميتا حصل الكلام ده؟
أجابها سعد بجهل: "النهاردة يا عمتي." انخلع قلب نجية على وحيدها وهي تهاتفه ولابجيب. ما هي إلا ساعات قليلة وعلم القاصي والداني أن جابر الهلالي وجد مقتولًا في بيت عمه. نزل الخبر على أذن فرحة ونجية وكأنه أصم أذنهم من هول الفاجعة. هرولت نجية بقلب محترق في كل خطوة تخطوها تكذب أذنها وما تسمعه، هل قُتل وحيدها؟ هل ذهب دون وداعها؟ نزلت فرحة درجات سلم بيتها بخطى متعثرة، وفي وسط الدرجات طاحت قدمها في الهواء وهي تصرخ باسم حبيبها.
"جـااااااااابر." هرولت إليها الخادمة لتحملها، وجدتها أسفل الدرج، جسدها يفترش الأرض غارقة في الدماء. وكأنها ليلة الحزن والفراق. جلست رقيه بجانب راضية لا تعلم على من تواسيها، على ابنتها التي تلد بعد تلك السقطة، أم على زوج ابنتها وابن شقيقها المقتول؟ أم على أخويها اللذين أصبحا أعداء بعد أن وجد جابر قتيلًا في بيت سلطان، والأدهى بسلاح سلطان؟ خرج الطبيب بعد قليل وهو يطأطأ رأسه بأسى. "البقاء لله، الأم تعيشوا أنتم والجنين."
ناول الطفلة إلى رقيه زوجة مهران. وراضية ظلت على جلستها، لقد فقدت فلذة كبدها وابن أخيها في يوم واحد. مرت الأيام على تلك العائلة التي تبدل حالها بين ليلة وضحاها من الحب إلى الكره، من المودة والرحمة إلى العداء والثأر، وصدق سعد حين توعد أن تصبح الأرض الخضراء بين الإخوة صحراء يرويها دم. خرج سلطان وجلال من تهمة قتل جابر لعدم كفاية الأدلة. بعد أن أثبت محامي سلطان أن سلطان وجلال لم يكونا في البلد وقت وقوع الجريمة.
خرج جلال وسلطان من النيابة وتوجهوا إلى بيت جاد، وقبل أن يدلفوه، اعترضتهم نجية. صرخت بقلب أم مكلومة على وحيدها: "إنت رايح فين يا قاتل القتلة؟ قتلت ولدي لجل خاطر ابنك وجاي لحد هنا صح؟ تقتل القتيل وتمشي في جنازته." ثم أكملت بقلب يحترق على وحيدها وهي تصرخ: "من النهاردة اللي بينا دم، دم ولدي بيصرخ في يدك ويد ولدك، وهقتله بيدي." جذبها جاد وهي مازالت تصرخ: "على الرواشد، تارنا عند جلال ابن سلطان الهلالي، اجتلوه وطفوا ناري."
أدخلها جاد إلى البيت وعاد إلى أخيه وهو يهتف فيه بقلب يحترق على ابنه ولا يريد لبحر الدماء أن يبتلع كل أبنائهم. "أخفِ جلال من البلد لحد ما يسويها المولى يا خوي، بدل ما أقتله أنا." هم سلطان للحديث ولكن مات الكلام بين الأخوة، كما مات الود، ومات الحب، والأخوة تعاني من ويلات شيطان يخنقها بيده يسمى سعد راشد.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!