الفصل 20 | من 63 فصل

رواية اسرت قلبه الفصل العشرون 20 - بقلم سوليية نصار

المشاهدات
43
كلمة
7,506
وقت القراءة
38 د
التقدم في الرواية 32%
حجم الخط: 18

ابتعد عنها فجأة وهو يتنفس بعنف. كانت عيناه متسعتان برعب وكأنه ارتكب جريمة. كانت هي على الفراش، شعرها مبعثر بقوة، شفتيها متورمة وتنظر إليه بتشويش. مدت يدها وهي تبتسم وتقول بعشق: "قرب يا جورج." ولكنه أبعد كفها بقوة وهو يقول: "ابعدي عني." ثم استدار عنها وهو يزرر قميصه. كيف فعل هذا؟ كاد أن يقع في الخطيئة. كاد أن يخون زوجته، يخون وعده لها. كاد أن يقع في الزنا. "جورج…" قالتها سيلا برعب وهي تنهض، بينما تمسك كفه وتقول:

"لا يا جورج متسبنيش… متسبنيش. أنا وأنت لسه بنحب بعض. أنا وأنت لسه عايزين بعض." ولكنه دفعها عنه وهو يصرخ بها بقهر، بينما شعر أن الدموع تحرق عينيه وقال: "اخرسي… اخرسي." ولكنها صرخت به بقوة وقالت: "لا مش هخرس. مش هخرس يا جورج. أنت بتحبني أنا. بتحبني أنا مش هي. واهو انت عرفت أنا هربت ليه منك. حرام عليك متبقاش انت والزمن عليا. أنا مش وحشتك يا جورج. أنت وحشتني اووي." ثم اقتربت منه وكادت أن تقبله، إلا أنه دفعها حتى سقطت

أرضا وهو يلهث بقوة ويقول: "أنتِ واحدة متربتيش. أنا متجوز. حياتي مع مراتي وبس. مش معاكي. سيلا أنتِ هتفضلي هنا لحد ما أسفرك بس بعدين مليش علاقة بيكي. ولو سمحتي متتصليش بيا تاني لاني مش هرد عليكي." ثم تركها وذهب وهو يشعر بالإختناق.

كانت تنظر إلى أثره وهي مصدومة. أزرار منامتها ما زالت مفتوحة بسبب هجومه العاصف. فجأة لاحت على شفتيها المتورمة ابتسامة رائعة. لقد قاومها اليوم، ولكن المرة القادمة سوف يستسلم لها كليا. المرة القادمة لن يقاوم. هو على حافة الهاوية.

أغلقت أزرار منامتها وهي تعدل من وضع شعرها، ثم نهضت متجهة إلى المرآه. نظرت إلى انعكاسها في المرآة وابتسامة رائعة تلتصق بشفتيها. كان قلبها يهدر داخل صدرها وهي تتذكر الطريقة التي قبلها بها، الطريقة التي استسلم لها. كل لحظة بينهما انحفرت في عقلها للابد. تمنت منذ سنوات أن يقبلها بتلك الطريقة، والآن وقد جربت الاقتراب منه، لمسه، لن تسمح أن يكون لغيرها. سوف تستغل حبه لها، وسوف تفوز به. فكل شئ متاح في الحب والحرب.

تراجعت وهي تذهب لهاتفها وتقوم بتفعيل أغنيتهما المفضلة: طول عمري بخاف من الحب وسيرة الحبو ظلم الحب لكل اصحابه طول عمري بخاف من الحب وسيرة الحبو ظلم الحب لكل اصحابه طول عمري بخاف من الحب وسيرة الحبو ظلم الحب لكل اصحابه وأعرف حكايات مليانة آهات وأعرف حكايات مليانة آهات ودموع وأنين والعاشقين ذابوا ما تابوا، ذابوا ما تابوا طول عمري بقول لا أنا قد الشوق وليالي الشوق لا أنا قد الشوق وليالي الشوق ولا قلبي قد عذابه، عذابه

طول عمري بقول لا أنا قد الشوق وليالي الشوق لا أنا قد الشوق وليالي الشوق ولا قلبي قد عذابه، عذابه وقابلتك إنت لقيتك بتغير كل حياتي ما عرفش إزاي حبيتك ما عرفش إزاي يا حياتي وقابلتك إنت لقيتك بتغير كل حياتي ما عرفش إزاي حبيتك ما عرفش إزاي يا حياتي كانت ترقص على كلمات الأغنية وعينيها الزرقاء تسرح في حياتها الجديدة مع جورج. كان يقود سيارته وهو يتنفس بعنف. الدموع تتساقط من عينيه دون توقف. أي خطأ ارتكبه؟

كيف يفعل بنفسه وبزوجته هذا؟ أخرج هاتفه ليرى أن زوجته قد اتصلت به كثيرا. ابت لع ريقه ومسح دموعه وهو يعيد التواصل بها مرة أخرى. "جورج انت فين؟ " كان صوت ماريانا قلقاً وهذا ما جعله يكاد يموت من شعوره بالذنب. لم تكن تشك به أو تدينه، هي فقط كانت قلقة عليه. ابت لع ريقه وهو يقول بهدوء: "معلش يا حبيبتي الشغل في العيادة كان كتير. أنا جاي فورا. سلام."

ثم أنهى المكالمة وهو يكمل قيادة سيارته متجه نحوها. لن يفعل هذا مرة أخرى. لن يخون زوجته مجددا. لن يجرحها مجددا. وصل اخيرا إلى منزله، وولج وهو يبحث عنها بعينيه. سمع صوت من الحمام ليركض نحوه. وجدها متكئة على قاعدة الحمام وهي تتقيأ بعنف. اقترب منها بفزع وهو يربت على شعرها ويقول: "ماريانا حبيبتي فيه ايه؟ رفعت وجهها بإرهاق وهي تسحب محارم ورقية وتمسح فمها وهي تقول: "جرا ايه يا حبيبي انت حتى دكتور. ده طبيعي أنا حامل."

تنهد وهو يضمها إليه بقوة. كان قلبه يهدر بقوة بسبب ما حدث. يشعر بالقرف من نفسه لأنه كان على وشك خيانتها. يشكر الله أنه فاق في آخر لحظة. "تعالي هساعدك تقومي." "مفيش داعي يا حب." ولكنه قاطعها وهو يحملها متجها بها إلى غرفتهما. وضعها على الفراش برفق شديد وهو يقول بلطف: "ارتاحي." "طيب الاكل. انت مأكلتش. معلش مقدرتش استناك أنا هجهزلك الأكل." وكادت بالفعل أن تنهض ولكنه ثبتها مكانها بلطف وهو يقبل رأسها ويقول:

"مفيش داعي يا حبيبي انا مش جعان." ثم كاد أن يذهب. أمسكت كفه وهي تقول بتعب: "رايح فين؟ "رايح اخد شاور. قرفان من نفسي." ثم تركها وذهب دون أن تفهم هي كلامه. نظر إليها مصدوما. لا يصدق ما يسمعه. هل حقا وافقت؟ أطرق برأسه أرضا وهو يحاول أن يخفي مشاعره التي طغت على وجهه. سمع صوت والدته السعيد وقالت: "على بركة الله يبقى نعمل الخطوبة قبل ما الواد يسافر."

كان أمجد يفرك كفيه بتوتر، وهو يشعر بالاختناق. كان يريد أن يذهب مسرعا. لا يعرف ماذا به. يشعر وكأن الأرض تهتز من تحته ولا يعرف ماذا به. لماذا وافقت؟ لماذا؟ كان الصراع داخله قويا عنيفا. يحاول أن يحافظ على عينيه بعيداً عنها. "وأنا معنديش اي مانع. ييجي يتقدم رسمي عشان الكلام يبقى رسمي والبنت تتخطب. هي الحمدلله بيقدملها عرسان كتير بس الاقربون اولى وفادي واحد محترم وانا مش هلاقي احسن منه."

كانت تشير لكلامها إلى أمجد الذي رفض ابنتها. داخلها شعور بالغضب نحوه. كانت تريد أن تجعله يرى أن ابنتها مرغوبة وأنها لن تنتظره. تريد أن تسترد كرامة ابنتها. رغم معرفتها جيدا أن ابنتها من اخطأت عندما اعترفت له ولكنها كانت تحمل غضب نحو أمجد رغم أنه فعل الكثير من اجلهما، ولكن حزنها على ابنتها جعلها تحمل تلك المشاعر نحوه. فهي سرا تمنت أن يتزوج أمجد بإبنتها. في منزل أمجد.

كان يجلس على سجادة الصلاة الخاصة به. بينما يرفع رأسه ويدعو الله أن يهديه. يدعو الله ألا يفعل أي خطأ. ألا يؤذي من يحبوه. أن يتقى الله في خطيبته ولا يجرحها. كان يستعيذ بالله من الشيطان ومن وساوسه. نعم تلك هي وساوس الشيطان. الشيطان يزينه لها لكي يُخطئ ولكنه اقوى منه ولن يسمح لنفسه أن ينجر للخطأ. هو بنفسه سوف يطلب يد جيلان لفادي. هو من سيجمع بينهما. يجب أن يقنع عقله أنها لا يفكر بها بتلك الطريقة وان جيلان هي فقط شقيقته مثل نوران لا اكثر ولا اقل.

مسح على وجهه وهو ينهض وهو يتعوذ مرة أخرى من الشيطان. سوف يخرج ويبلغ فادي لكي يذهب ويتقدم لها. توقف برهة وهو يشعر بشئ يعتصر قلبه بقوة. ماذا به؟ حقا ماذا به؟ تعوذ مرة أخرى من الشيطان وخرج من غرفته. خرج وجد الكل مجتمعين ما عدا نوران التي تحجز نفسها بغرفتها ورحيق التي تعمل في المطبخ. ابتسم وهو يقترب من فادي ويربت على كتفه ويقول ممازحاً: "والله وكبرت وهتخطب." نظر إليه فادي ضاحكا وقال: "ما يلا نروح نتقدم دلوقتي."

ضحك أمجد وقال: "يا واد اصبر شوية متبقاش مدلوق." "بصراحة البنت قمر و…" "بس يا فادي خلاص." قالها أمجد وقد شعر بالغضب فجأة. توتر فادي وهو ينظر إلى والدته وقال: "مينفعش تتكلم بالطريقة دي عنها وهي متحلش ليك. وبعدين غض بصرك عنها. متنساش جيلان تبقى ايه بالنسبالي." ابت لع ريقه بعسر وهو يهمس: "حقك عليا يا أمجد." تدخلت خالة امجد وهي تؤنب ابنها:

"عنده حق يا فادي متتكلمش بالطريقة دي. وبعدين احنا كده هنقعد هنا اسبوع وعلى اخر الاسبوع نتقدملها عشان كمان ونعمل الخطوبة قبل ما تسافر." "ليه اخر الاسبوع. أنا بكرة فاضي يا ماما." ضحكت دلال وأختها أمل عليه وقالت: "الواد هيموت ويتجوزها. يا واد اتقل شوية هتتجوزها متقلقش." كان أمجد يفرك كفيه وهو يشعر بالضيق. لقد ظن أنه سيستطيع السيطرة على نفسه ولكنه فشل تماما. وجد نفسه ينهض ويقول: "عن اذنكم أنا خارج." عبست دلال وقالت:

"رايح فين؟ تنهد وقال: "لابو ليلى طالبني اقرأ ليها شوية." هزت دلال رأسها وقالت: "روح يا بني ربنا يسعدك يارب." خرج من المنزل وهو يسير في الطرقات. مطرقاً برأسه. الأفكار تعصف بعقله. يشعر أنه عاصي. يشعر أنه إنسان سئ لانه لا يستطيع اخراج جيلان من عقله. ماذا يفعل؟

هذا ليس بصواب ابدا. هو رجل خاطب وهي سوف تُخطب قريباً. أن هذا سوف يدمر كل شئ. كما أن فادي هو ابن خالته وبمثابة شقيقه وجاسم هو الذي سيتزوج شقيقته. هل يفهم حتى ما هو مقدم على فعله؟ سوف يدمر الجميع بسبب أفكاره تلك. تلك الوساوس لا تتركه. وقلبه يغلي فيما يُسمي بالغيرة. وقف امام بيت والد ليلى قليلا وقال بخفوت: "يارب ساعدني." ثم طرق الباب. في منزل جيلان.

كانت متسطحة على فراشها. تضع كفها على بطنها وهي تنظر للسطح. عينيها لا تكفان عن ذرف الدموع. أنها عاجزة تماماً عن نسيانه. أنها تحبه. تحبه كالمجنونة. ولكن هو اثبت مرارا أنه لا يفكر بها. لقد احضر لها عريس اليوم. يريد تزويجها بفادي. ماذا تنتظر أكثر من هذا؟ يجب أن تقتنع اخيرا أنه لن يفكر بها. يجب أن تهتم بمستقبلها هي. لذلك هي سوف تتزوج من فادي وتمحي أمجد من حياتها للأبد. أغمضت عينيها وبدا أن القرار الذي اتخذته اراحها قليلا.

في اليوم التالي. "انا بعتذر لحضرتك يا دكتور يوسف." قالتها ماجدة بخجل وهي تقف أمام باب قاعة المحاضرات بينما تضم كتبها إلى جسدها. تبتسم بتعب وهي تنظر إليه وكادت أن تدخل كعادتها إلا أنه قال بنبرة حادة: "اقفي. أنا مسمحتش انك تدخلي."

تجمدت مكانها وهي ترمش بصدمة. ظنت أنه بلحظات يمزح معها. ظلت تتفرس بملامحه وهي تبحث عن أي أثر للمزاح ولكنها لم تجد. بل كان وجهه متقلص من الغضب وعيناه عاصفتين بالغصب. بلعت ريقها وهي تحاول أن تفهم ماذا فعلت ليغضب منها بتلك الطريقة. فهو عادة يعاملها جيدا ويسمح لها أن تدخل المحاضرة حتى لو تأخرت بعد أن أخبرته ميادة بظروفها الخاصة. "انا اسفة يا دكتور يوسف بس انا… أنا …"

"مش مسموح لأي حد أنه يدخل بعدي. ومش عشان عديتهالك كام مرة تسوقي فيها. اتفضلي يالا امشي. ولما تحترميني وتحترمي دراستك وتيجي في ميعادك هبقى ادخلك محاضراتي. اتفضلي امشي يالا." تصاعدت الدموع بعينيها وهي تشعر وكأنه سكب دلو بارد عليها. شعرت للحظات أنها عاجزة عن التنفس. لا تصدق أنه يعاملها بتلك الطريقة مجددا. شعرت وكأن حقا قلبها قد انكسر. لقد رأت لطفه معها. اهتمامه معها… وصعب عليها أن ترى قسوته تلك. يؤلمها.

"انتِ لسه واقفة… يالا روحي." قالها بغضب. كانت النيران تشتعل بعينيه العسليتين. تلك العينين اللتين حملتا لها الاحترام والتقدير والإعجاب يومًا. نعم، هي رأت الإعجاب بعينيه، حتى وإن حاولت أن تنكر فقد رأته. استدارت وهي تختفي من أمامه بينما تكتم دموعها بشق الأنفس. بعد أن ذهبت، تنفس بعنف والنيران تنطفئ بعينيه. منذ ذلك اليوم وهو يشعر بالقهر ولا يرغب في الاعتراف بالسبب.

خرجت من الكلية وهي تمسح الدموع التي تتطرف من عينيها. كانت حقًا حزينة. ماذا كانت تتوقع؟ هو بالطبع لن يهتم بها. ربما عاملها بضع مرات جيدًا لأنه أشفق عليها فقط. هو بالطبع لا يكن لها أي مشاعر سوى الشفقة. تلك الفكرة كانت تؤلم قلبها. يؤلمها كم أنها امرأة مثيرة للشفقة.

فجأة توقفت أمامها وهي ترى زوجها السابق لطيف. كان يستند على سيارته الرينج روفر بينما نظارة سوداء تغطي عينيه. ابتسامة قاسية على فمه بينما تشعر أن عيناه مركزة عليها. ابتعلت ريقها وهي تنظر إليه بينما أخذت تمسح الباقي من دموعها وهي تتجاهله تمامًا لتكمل سيرها كي تستقل إحدى المواصلات العامة. ولكنه اتجه نحوها بسرعة وقال بسخرية: "ايه الدكتور بتاعك اداكي كلمتين في جنابك عشان جيتي متأخرة كالعادة… هزقك زي ما بيهزقك دايما صح."

نظرت إليه بجمود. رغم أنها منكسرة من الداخل، ولكنها استطاعت ارتداء قناع الجمود على وجهها. أخذت تنظر إليه وهي تفكر. كيف أحبت يومًا رجلاً مثله؟ كيف ربما هي مجنونة لتحب رجلاً حقيرًا مثله؟ ولكن أجمل ما حدث في حياتها أنها استطاعت التخلص من حبه سريعًا. "عايز ايه مني؟! " قالتها ببرود.

فخلع نظارته وهو ينظر إليها. عيناه تلتهمانها بعشق. هو عاشق حد النخاع. يعشقها حد الموت. يعلم أنه مجنون ولكنه يقسم أنه سيتخلى عن كل شيء فقط لتعود له، حتى عمله. لقد عرف أن الحياة دونه ليس لها أي طعم. "عايزك… عايزك ترجعيلي!! "مستحيل… نجوم السما أقربلك… أنا مستحيل أرجع لك!! ابتسم ساخرًا وهو يقول: "ليه… ليه؟ عشان الدكتور بتاعك… ايه حبتيه؟ بس هو مستحيل يحبك." شحب وجهها وهي تنظر إليه.

"بجد افتكرتي أنه ممكن يبصلك أو يعجب بيكي؟! " قالها بقسوة. نظرت إليه بصدمة وهي تقول بهمس غاضب: "سامع نفسك بتقول ايه؟ انت اتجننت خلاص." ثم كادت أن تذهب إلا أنه وقف بطريقها وهو يقول بغضب شديد:

"انتِ فاكراني نايم على وداني يا هانم… أنا عارف بمشاعرك ناحيته… أنا عارف كل خطوة من خطواتك… عارف تفكيرك وعارف كل حاجة عنك… بس يا ماجدة قولتها وهقولها دايما… لو مش هترجعيلي يبقى مش هتكوني لغيري أبدا… أنا مستعد أقتلك بس متكونيش لغيري!! نظرت إليه بصدمة بينما كانت عيناه مثبتة عليها وهو يكمل: "لو عايزة تخلصي من الضغط ده ارجعيلي… ارجعي لحياتي أنتِ وابني!!

تراجعت بعنف وهي تسمع كلماته تلك. كان وقع الكلمة صعب عليها. هل يعود الإنسان لجحيمه؟ كيف تعود للذي دمر حياتها؟ هل هي مجنونة لتلك الدرجة؟ كزت على أسنانها وهي تحاول السيطرة على غضبها وقالت بصوت مرتجف: "أنا مستحيل أرجع للي قتل ابني… انت قاتل… قاتل!!! شحب وجهه كالاموات وتراجع كأنها لكمته بوجهه. شعر أن الأرض تميد به. والذنب يتصاعد بداخله. أطفأت دموع عينيه عبثه وغضبه واطرق برأسه وهو يتراجع عنها. لتكمل وهي

تمسح دموعها بقوة وتقول: "عمري ما هسامحك يا لطيف… عمري!!! ثم تركته وذهبت ودموعها لا تنفك عن الانهمار. هي أيضًا لها يد في قتل ابنها ولن تسامح نفسها أبدًا. *** "أنا بجد مش مصدقة إنك خلاص هتسيبينا يا ميس رحيق." قالتها إحدى الطالبات وهي يبدو عليها التأثر.

حاربت تصاعد تلك الدموع الغبية لعينيها. لا تريد أن تبكي كالاطفال هنا. ولكنها حقًا تعلقت بهم كثيرًا. هي من شجعتهم كي يكونوا الأفضل دائمًا. التدريس بالنسبة لها ليس مجرد وظيفة، بل هي الحياة. هي رسالتها في الحياة. ولكنها يجب أن تتخلى عنه، تتخلى عن عملها لكي تتخلص من لقب "عانس" التي باتت تلحق بها. حاولت رسم ابتسامة على وجهها وقالت:

"ايه يا بنات فيه ايه… يعني مفيش مدرسة شاطرة غيري… ده فيه كتير… وبعدين انتوا شاطرين وأي مدرسة هتديكم هتحبكم زي ما أنا بحبكم بالضبط." "بس احنا عايزين حضرتك… بنحب حضرتك." زادت ابتسامتها بينما لمعت عينيها بالدموع وقالت: "وأنا بحبكم والله بس ده نصيب… وبعدين لسه مش همشي دلوقتي… أنا هقضي معاكم الشهر ده كامل… يالا بقا خلينا نبدأ في الدرس… بلاش دلع." ***

كان في مكتبه يراجع بعض الملفات الخاصة بالقضايا العالقة. كان يشعر بعدم التركيز وهو يفكر بها. دارين… زوجته الميتة. تلك التي أحبها أكثر من الحياة كلها. كانت أيضًا تعمل هنا. من أول مرة رآها بها وهو وقع أسيرها. أغمض عينيه وهو يتذكرها. يتذكر عينيها العسلية، شعرها البني الطويل، ابتسامتها الرائعة. لقد وقع أسيرها من اللحظة الأولى. وكان لقاءهم الأول صادمًا له. إذ أنه للمرة الأولى التي يفقد فيها قدرته على التحكم في ذاته.

كان يوم عمل اعتيادي في الشركة. كان يتجه نحو المصعد العام ليستقله كي يذهب إلى مكتبه. ولج للمصعد وكاد أن يضغط على الزر عندما هتفت به فتاة: "لو سمحت استني." توقف أمامه وعيناه الزرقاء تتسعان لرؤية فتاة تشبه الحوريات في جمالها. ولجت نادين بسرعة إلى المصعد وهي ترجع تلهث وتضع كفها على قلبها وتقول بلطف شديد: "شكرا جدا ليك… أنا أصلا متأخرة وشكلي كده مش هتقبل."

شملها عاصي بنظراته. كانت ثيابها عملية من بنطال أسود من الحرير وسترة باللون الكريمي أسفله قميص نسائي أسود أنيق، بينما ترتدي حذاء أسود ذو كعب عالٍ. ببساطتها تلك بدت أجمل امرأة رآها في حياته. ابتسم لها أخيرًا وقال: "أنتِ هتقدمي لوظيفة السكرتيرة صح." هزت رأسها وهي تبتسم له وقالت:

"أيوه… بصراحة دي فرصة حلوة أووي… بس اسمع أن أستاذ عاصي صفوت صعب أووي… بيقولوا عليه مخيف أووي. أنا مرعوبة منه خصوصًا أن هو بنفسه اللي هيعملي الانترفيو… أنا بجد خايفة." "مين قالك كده؟ أخرجت زجاجة صغيرة من البلاستيك مرسوم عليها أحد الرسوم الكرتونية (سكيتش) وارتشفت منها وهي تقول بينما غزا الاحمرار وجنتيها بفعل التوتر:

"أصل قريبتي كانت شغالة هنا آمن… بتقول عليه أنه دمه تقيل ودايما مصدرلهم الوش الخشب… وأنه كمان عصبي… ربنا يستر عليا يارب." ابتسم لها. وقف المصعد ليقول: "ده دورك صح." هزت رأسها وهي تبتسم وخرجت ليخرج هو معها فقالت مبتسمة وهي تمد يديها: "صحيح متعرفناش… أنا دارين السيد وانت." مد كفه وهو يحتوي كفها ويضغط عليه وقال: "وأنا عاصي صفوت المدير اللي مصدرلكم الوش الخشب."

فجأة وقع الملف من يدها وهي تنظر إليه بذهول. ليضحك ويحرر كفها ثم انحنى وأخذ الملف من الأرض واعطاها إياه وهو يقول: "بالتوفيق في المقابلة!! *** عاد من شروده وهو يقبض على كفه. من الوهلة الأولى عشقها. حتى أنه وافق دون تردد أن تعمل كمساعدة له. ساعدها في العمل كثيرًا كي تتطور. أحبها كما لم يحب أحد في حياته ولكن هي… هي طعنته بقسوة. اكتشف أن خلف وجهها البريء شيطانًا دمر حياته. لن يسامح دارين أبدًا، حتى لو كانت ميتة.

تنهد ورحيق تمر بعقله. تلك الفتاة المختلفة تمامًا عن زوجته. هل ستكون حياته معها مختلفة؟ هل سترتاح ابنته أخيرًا معها؟ وهل سيفعل الصواب؟ كل تلك أسئلة كانت تدور بعقله. ***

خرجت رحيق من الفصل الدراسي وهي تتنهد بينما داخلها حزن عميق. إنها لا تريد أن تترك المدرسة. لا تريد ترك عملها. ولكن أيضًا لا يمكنها أن تخسر عاصي الآن. لا يمكن أن تعود لتسمع نفس الكلمات السامة سواء من الغريب أو من شقيقتها نوران. هذا يؤلمها ويحطم قلبها. هي أيضًا إنسانة لديها مشاعر. والإنسان يضحي بشيء لكي ينال شيئًا. وهي لكي تنال لقب زوجة، سوف تتنازل عن عملها.

فجأة وقفت وهي ترى مؤيد يقف أمامها. ارتبكت للحظات وهي ترى الحزن العميق يسيطر على ملامح وجهه. رباه، ألن يكف عن هذه التصرفات؟ ماذا يفعل هو؟ "استاذ مؤيد… ابعد لو سمحت." ولكنه لم يتحرك. لذلك هي من تحركت قليلًا لتذهب من أمامه إلا أنه وقف في طريقها بينما ينظر إليها كأنه مجنون. "حضرتك بتعمل ايه؟! " قالتها رحيق وقد بدأ غضبها يسيطر عليها ليرد هو: "أنا بحبك يا رحيق! ***

تمت خطبتها. لقد أحرقته هذه الكلمة. لقد سمع من أصدقائها أنها تمت خطبتها. الخبر للحظات زلزله. شعر وكأن شيئًا يجثم على قلبه فلا يستطيع التنفس. لماذا يشعر بتلك المشاعر؟ يشعر بالغضب والألم. لقد ظن أنها لن تتزوج أبدًا. اقتنع تمامًا أنها ستعيش في الذنب طوال حياتها ولن تتجرأ من الزواج من آخر. لقد ظن أنها له؟ لماذا ينكر الأمر؟

هي له، له فقط. حتى لو لم يتزوجها لا يمكن لأي أحد أن يلمسها، لاي أحد أن يقترب منها أو يتزوجها. لن يسمح بهذا أبدًا. مسح على وجهه وهو يشعر بالضيق بينما تقترب منه لمياء، حبيبته الجديدة التي ارتبط بها. ابتسمت له وقالت برقة: "واقف بعيد كده ليه؟

تجهم وجهه وهو ينظر إليها. كان يتأمل ملامحها الرائعة. بشرتها السمراء وعينيها السوداء. تلك الرموش الغزيرة والتي تمنح وجهها جمالًا يفوق جمالها. لن ينكر أنه مفتون بها، ولكن أصبح يمل منها في الفترات الأخيرة. هي ليست سهلة المنال وهو. يضيع وقته معها … هي تجره لطريق الزواج وهو لا يريد هذا. "لمياء أنتِ شايفة أي نهاية علاقتنا دي؟! " قالها بهدوء. لتعبس وتقول: "يعني ايه نهاية علاقتنا ايه؟! أكيد هنتجوز … هو ده اللي مفروض يحصل."

هز رأسه وهو يقول: "أنا مش بتاع جواز." نظرت إليه بصدمة ليكمل: "أنا عمري ما هتجوز يا لمياء. لا أنتِ ولا غيرك … حابة نكمل كده ومتكلمنيش في الموضوع ده … يعني اخرنا ارتباط وانك تنفذي اللي أنا عايزه." "انت … انت بتقول ايه؟! " قالتها بصدمة والدموع تتجمع بعينيها. ليقول وهو يهز كتفيه: "اللي سمعتيه. أنا مش بتاع جواز يا لمياء … أنا عمري ما فكرت اتجوزك اصلا … لو حابة نبقى كده أنا معنديش اي مانع."

كانت تنظر إليه وهي مصدومة. لا تصدق ما يقوله. شعرت أن قلبها ينسحق داخل صدرها. لقد شعرت أنه يلعب عليها ولكنها ظنت أنها سوف تستطيع أن توقعه في حبها لكي يتزوجها. ولكنّه الآن ينهي علاقته بها. هذا واضح. هي تفهم ماذا يريد. هو يريد أن ينالها دون زواج. لقد عرفت هذا من البداية ولكن الغبية ظنت أنها سوف توقعه في حبه وتصلحه. ولكن هل يتغير الشيطان؟ لا يمكن للشيطان أن يصبح ملاك!! أخذت الدموع تنساب من عينيها.

ليقول بإنزعاج: "بصي يا لمياء أنا انصحك انك تشوفي اللي يستاهلك … أنا مش بتاع جواز … ومش عايز اديكي امل وبعدين اخدعك … من دلوقتي افضل ننفصل وربنا يوفقك." ثم ابتعد عنها وهو يفكر بتلك التي تتحرر من بين يديه. هو لن يتركها. حتى لو اضطر للزواج بها. لن يتركها وشأنها. في المساء.

"أنا مش عايز الخطوبة تطول يا أمجد. أنا عايز نتجوز في اقرب وقت … أنا شقتي في الغردقة جاهزة من كله … هي بس تجيب هدومها … ولو عايزة تغير اي حاجة في العفش أنا موافق … أنا بعتلها الصور على الواتس اب … كمان لو مش عاجباها الوان الشقة أنا معنديش اي مانع نغيرها." قالها جاسم بجدية.

ليهز أمجد رأسه وقال: "شوفوا انتوا عايزين تعملوا ايه … بس انا عايز الجواز يكون بعد كلية نوران وهي كده كدهي اخر سنة ليها يبقى تستني لما تخلص امتحانات." كانت تسمع الحديث وهي صامتة. تشعر أنها سوف تفقد الوعي. اي زواج؟ كيف تتزوج؟ رباه سوف تكون فضيحتها كبيرة في العائلة. ماذا تفعل. شعرت أن الدموع تلسع عينيها. بينما أخرجها فجأة أمجد من شرودها وجعلها تكتم دموعها بقوة وقال: "ها ايه رايك يا حبيبتي." نظرت إليه

بحيرة وقالت بصوت ضعيف: "رأيي في ايه؟! عبس أمجد وقال: "رأيك في اللي قولناه يا حبيبتي. هنبدأ من دلوقتي نوضب البيت شوفي عايزة تغيري ايه. عشان عايزين الجواز يكون بعد التخرج. ايه رايك؟ تنهدت وهي تطرق برأسها أرضا وتقول: "اعملوا اللي انتوا عايزينه." عبس جاسم وكاد أن يتكلم ولكنها انسحبت بهدوء. رغم أنه حقق حلمه وخطبها الا أنها بعيدة عنه كثيرا. كثيرا!!!

دخلت غرفتها وهي تغلق الباب وتستند بظهرها إلى الباب. أغمضت عينيها والدموع تنهمر من عينيها بقوة. ماذا تفعل؟ إنها تُقاد الي الجحيم بإرادتها. تنظر الى نفسها بينما تذهب بقدميها الي الجحيم. تعلم أن هذا لن يمر على خير. فجأة اتنفضت بقوة وهي تسمع هاتفها يرن. أمسكت الهاتف وهي تمسح دموعها. تجمدت فجأة وهي ترى اسمه يسطع على شاشة الهاتف. خفق قلبها داخل صدرها وهي تشعر وكأن قلبها سوف يخرج من صدرها. لماذا يتصل بها؟ ماذا يريد؟

رباه. هل سوف يهددها مجددا؟ هل سيدمر حياتها مجددا!! هي لا تصدق اي حجيم وقعت به. كادت أن تتجاهل اتصاله ولكنها خافت. لا يمكنها أن تفعل هذا. هي أجبن من أن تفعل هذا. فتحت الهاتف برعب وهي تنتظر ما سيقوله. تكلم هو دون مقدمات وقال: "محتاج اقابلك ضروري. خلينا نتقابل في الكافية بتاعنا بكرة. صدقيني الموضوع لصالحك."

قبل رأس صغيره برفق ودثره جيدا ثم خرج من غرفته لصالة المنزل حيث تجلس. فجأة تجمد مكانه وهو يري فستانها المنزل ذو اللون الازرق قد انحسر عن ساقيها. خانته عيناه وهي تتأملانها بهدوء. رفعت هي عينيها وهي تشعر بوجوده. ثم عبست ونظرت حيث ينظر. احمرت فجأة وهي تجذب الفستان وغطت قدميها جيدا. -ليه بتغطيها. سيبيها عادي أنا مش متضايق." قالها ببراءة.

لتزفر بضيق وهي تنظر إليه. ثم نظرت إلى الرواية التي تقرأها واكملت قراءتها في صمت. اقترب هو منها وجلس بجوارها. كانت هي تحاول التركيز بينما هو بجانبها ولكن عبثاً. كانت تشعر بضربات قلبها تزداد. أغمضت عينيها بإنفعال وقالت بإنفعال: "م…ممكن تبطل تبص عليا!!! ابتسم وقال: "دي عيني وده بيتي ابص في المكان اللي بحبه." نظرت إليه بضيق ليتأملها هو بشغف. تبدو حقا جميلة وهي قريبة منه لتلك الدرجة. أنها تتغلغل بروحه حقاً. زفرت

بضيق وهي تنظر إليه وقالت: "أنت عايز ايه يا أمير. بجد عايز مني ايه. مش عايز تسيبني في حالي ليه. كل ده عشان المذكرة وعشان عرفت اني كنت بحبك. بتعاقبني عشان كده. متقلقش أنا اتعاقبت بما فيه الكفاية. عايزني امشي ونطلق معنديش اي مانع. عايز ايه بالضبط عشان اعمل وتبعد عني. عايزني اموت طيب." كانت الابتسامة ما زالت تزين شفتيه وهو يقول: "أنا عايزك ترقصي معايا." عقدت حاجبيها بدهشة وقالت: "أرقص؟!

نهض وهو يشدها إليه ويقول: "ايوة ترقصي." امسك هاتفه وفعله على اغنية (وبتحلى الدنيا في عيني) ثم جذبها بين ذراعيه. امسك كفها بكفه بينما هي وضعت كفها الآخر على كتفه ووضع هو كفه الآخر على خصرها. ثم بدأ يرقصان معا بإنسجام. كان يردد كلمات الأغنية وهو يراقصها بينما هي تنظر إليه وقلبها يهدر داخل صدرها. كادت أن تتكلم ولكنه قال بخفوت: "متتكلميش وتبوظي سحر اللحظة خلينا كده. أنا مش عايز افكر في حاجة."

هزت رأسها بخفوت ليجذبها قليلا ثم يضمها إليه وهو ما زال يراقصها. كادت أن تموت من فرط السعادة. لا تصدق. هو يضمها إليه. اغمضت عينيها وهي تضمه بشكل أقوى بينما الدموع تطرف منهما. شعرت أنها تطير. حقا تطير. قجأة أطلقت صرخة صغيرة وهو يحملها ويدور بها. تمسكت به جيدا وهي تضحك وتبكي بنفس الوقت. اخيرا ابتعد عنها بينما غزا وجهها الاحمرار بسبب الخجل.

تأمل وجهها بإفتتان وقال: "أنتِ ازاي جميلة كده." ارجع شعرها للخلف ثم عانق وجهها بكفيه واقترب منها وهو يقبلها. قبلته تلك المرة اختلفت عن قبلتهما الاولى. كان يقبلها برفق لدرجة أن الدموع أخذت تنهمر من عينيها بغزارة. ابتعد عنها قليلا. مسح دموعها برفق ثم أمسك كفها وهو يجذبها خلفه برفق. إلى غرفتهما. ثم اجلسها على فراشهما. ابتلتع ريقها وقد فهمت ما سيحدث. فركت كفيها وقالت: "لا. لا يا أمير."

ولكنه قاطعها بقبلة أوقعت جميع حصونها. ما أن أبتعد عنها حتي قالت وهي مغمضة عينيها: "أنا بحبك يا أمير." ابتسم ثم جذبها إليه مجدداً ليجعلها ملكه للمرة الأولى. انهارت هي واعترفت له بحبها مراراً وتكراراً، وقد سقطت مقاومتها للأبد. في اليوم التالي. "حاساه مش معايا… حاساه بعيد أوي عني يا سلوى… أنا حاسة إن عنده مشاعر من ناحية قريبته دي." قالتها هي بقهر وهي تحاول أن تحبس دموعها. نظرت إليها سلوى وهمست: "أنتِ بجد مجنونة صح؟!

بتقولي إيه يا أريام… صاحية على نفسك؟ الراجل وضحلك عشرين مرة إنها زي أخته الصغيرة، وبعدين لو كان بيحبها كان اتقدملها… بس هو اتقدملك أنتِ!! "هو مكانش بيحبها بس هي يا سلوى اللي فضلت تلف لحد ما وقعته!! قالتها أريام بإندفاع. نظرت إليها سلوى بلوم وقالت: "إيه اللي بتقوليه ده؟! ميصحش تتكلمي عنها بالطريقة دي." "لا يصح… أنتِ متعرفيهاش يا سلوى… دي بنت مش سالكة خالص… بنت…" أغمضت عينيها وهي تحاول أن تسيطر على نفسها وقالت:

"استغفر الله العظيم الواحد مش عايز يغلط في حد." ثم فتحت عينيها وقد كانت تشتعلان بالنيران وأكملت: "أنا سمعتها وهي شبه بتعترفله بمشاعرها." "أيوه بس هو مغلطش صح يا أريام؟ أطرقت وهي تهز رأسها وتقول: "هو فعلاً مغلطش مقدرش أنكر… بس هو اتغير من وقت اعترافها… هو…" صمتت وقد ترطبت عينيها بفعل الدموع. تتذكر كيف أصبح متباعداً عنها الفترة الأخيرة. صحيح أنه متباعد دوماً ولكن الأمر زاد بعد ما اعترفت هي.

والأسوأ من هذا أنه منذ أن وافقت على قريبهم هذا وهو في حالة غريبة، دائم الشرود، يشتعل بسرعة بالغضب. حتى في عمله أصبح شخصاً غريباً تماماً. هذا ليس أمجد الذي تعرفه. فكرت بأسى. "أريام…" قالتها سلوى بقلق وهي تجدها صامتة بشكل مريب. مسحت أريام دموعها التي انسابت فجأة وقالت: "أنا ست يا سلوى… بحس إمتى الراجل اللي معايا بيحبني ولا لا… أنا مبقتش أحس بمشاعر أمجد… أمجد فيه حاجة تاني شاغلة باله… أمجد بيحبها… بيحب جيلان." هزت

سلوى رأسها بذهول وقالت: "أنتِ بجد مش معقولة… إيه اللي بتقوليه ده؟ انهمرت دموعها مرة أخرى. لتكمل سلوى: "كلامك ده خطير… عارفة لو سمعك أمجد مش هيحصل كويس… أريام اعقلي كده… أمجد يبقى خطيبك وهو إنسان محترم ومتدين فمستحيل يكون كده… كلنا عارفين أمجد… هو حتى مش بيبصلك بصة كده ولا كده… محاولش بتجاوز معاكي رغم إنك خطيبته ف أكيد هو مش كده!! ابتسمت بمرارة وقالت:

"قلبي مبيكدبش عليا أبداً… أنا حاسة بيه… حاسة بخنقته وغيرته لما هي وافقت على قريبهم لما اتقدملها… أنا حاسة بيه." "ده كلام فاضي… الشيطان بيلعب بيكي… هتدمري حياتك كده." "إيه رأيك أنا هثبتلك إنه بيحبها… أنا هثبتلك." قالها وهي تمسح دموعها بقهر، بينما الغضب يتصاعد داخلها. هزت سلوى رأسها بيأس وهي تفكر أن أريام ستدمر حياتها!! هي لن تهدأ حتى تخرج أمجد عن طوره وهي التي ستندم للنهاية.

"بجد هتندمي يا أريام… بلاش تفتحي الموضوع ده معاه ممكن يقلب بنتيجة عكسية!! صدقي." ولكن أريام قاطعتها بفظاظة وقد أعماها غضبها: "أنتِ بالذات متنصحيش وشوفي خيبتك الأول ممكن… سيبيني في حالي." انحنت عيني سلوى في انكسار وقالت بصوت مختنق: "ع… عندك حق… أنا آسفة… آسفة أوي!! كسا الذنب وجه أريام وهي تمسك كفها وتقول: "أبوس إيديكي سامحيني يا سلوى.. أنا آسفة… معرفش إزاي قولت كده… أنا آسفة بجد."

رغم أن الألم بقلب سلوى كان كبيراً، ولكنها ابتسمت ابتسامة منكسرة وهي تقول: "مفيش مشكلة… ربنا يهدي الحال يا حبيبتي." *** كان جالساً بمكتبه أمامه ملفات متكدسة، بينما هو ينظر للفراغ، يشعر بشيء يجثم على صدره. لا يعرف لماذا هو مقهور لأنها وافقت على هذا الأمر. منذ أن أعطت موافقتها وهو يشعر بالاختناق. استغفر ربه وهو يمسح على وجهه بغضب. ما به؟! هل فقد عقله؟! حقا فيما يفكر هو. لماذا يشعر بكل هذا القهر؟! ما السبب.

نهض من مكتبه وهو يدور في المكتب دون هدف، يمسك رأسه بقوة وهو يشعر بالألم. "يا رب ماذا يحدث معي." أن الشيطان يتلاعب به، يوحيه بأشياء ليست صحيحة. هو ليس من هذا النوع… هو رجل خاطب وسوف يتزوج قريباً. لا يمكنه أن يميل لأخرى… أخرى يعتبرها شقيقته. "استغفر الله العظيم… استغفر الله العظيم." أخذ يتمتم بها وهو يجلس مجدداً على مقعده ثم يدفن رأسه بين يديه. فُتح الباب فجأة لتلج أريام وهي تنظر إليه.

كان صامتاً وهو ينظر إليها، سرعان ما أشاح عينيه عنها ونظر أرضاً. ابتلعت ريقها وقالت: "محتاجة أتكلم معاك ضروري." "مينفعش نأجل." قالها وهو يشعر ما ستقوله. فالجميع لاحظ تصرفاته المريبة بعد موافقة جيلان. لم يكن مستعداً أن يواجه شكوك أريام الآن. يكفي الشعور بالذنب الذي يسيطر عليه. "لا مينفعش نأجل يا أمجد مينفعش… الموضوع ده مهم لينا… لحياتنا لو حابب إنها تستمر." نظر إليها بحيرة بينما شعوره بالقلق يزداد.

ابتلعت ريقها وهي تقول: "أنا عايزة نكتب الكتاب في أقرب وقت!! *** كانت جالسة بغرفته التي أصبح يلازمها بعد الزواج من مياس التي لم تسمح له أن يظل بنفس الغرفة. كان يمسك جيتاره وهو يعزف موسيقى أغنية "أهواك"، بينما يغني بصوته العذب: "أهواك أتمنى لو أنساكم أنسى روحي وياكم إن ضاعت يبقى فداك لو تنساني وأنسى جفاكم أتاريني بنسى جفاكم أشتاق لعذابي معاكم ألقى دموعي فاكراك ارجع تاني لأقاك الدنيا تجيني معاكم رضاها يبقى رضاكم

ساعتها يهون في هواك في هواك طول حرمان ولاقي مشغول وشاغلني بيكم عينيا تيجي في عينيكو كلامهم يبقى عليكو انت تداري وأراعيكو أصحى من الليل أناديكو ابعت روحي تصحيك قوم يا اللي شاغلني بيك جرب ناري" توقف عن العزف ووضع جيتاره جانباً بينما يتلمس شفتيه بشرود. يتذكر تلك القبلة المجنونة ورد فعلها بعدها. يتذكر اللحظة التي عانقها فيها. ضمها إليه بقوة لدرجة أنه شعر أنها أصبحت جزء منه.

لم يتركها تلك الليلة. ظل معها. مهما رفضت. هو سيكون أمانها. وفي اليوم الذي تقرر أنها ستجعل زواجهما حقيقياً، هو سيوافق دون تردد. سيفعل ما تريده. أغمض عينيه وهو يتذكر اليوم التالي لزواجهما. ورد فعلها عندما اكتشفت أنه نام بجوارها!!! فتح عينيه بصعوبة ليرى وجهها أمامه. نائمة بسلام دون نقابها. ظل ينظر إليها وإلى تلك التشوهات الذي تحتل وجهها. أنه لا يشمئز منها كما تتخيل هي. ولا يراها دميمة.

على العكس تماماً هي تمتلك عينين رائعتين. وملامح رغم تشوهها رائعة للغاية. مد كفه وتلمس وجهها برفق. كان قلبه يتألم. يقسم أنه عندما يعرف من فعل هذا بها سوف يقتله دون أي تردد. لسعت الدموع عينيه وهو يشعر بالاختناق. لقد ابتعد عنها. لو كان بحياتها لم يكن ليحدث هذا. اقترب بوجهه منها إلى حد غير مسموح. ثم بدأت شفتيه في تقبيل الحروق على وجهها. كان ينشر قبلاته على صفحة وجهها بينما الدموع تنساب من عينيه.

وبسبب قبلاته المحمومة تلك فتحت هي عينيها بإنزعاج وصُدمت وهي تراه يقبلها بتلك الطريقة. فجأة شهقت وهي تحاول أن تبعده عنها برعب ولكنه لم يبتعد عنها. بدا وكأنه منفصل عن الواقع. لذلك بكل قوتها قامت بدفعه حتى سقط أرضاً. نظر إليها بصدمة لتصرخ به: "أنت اتجننت… إزاي تعمل كده… إزاي!!! نهض وهو يرفع يديها محاولاً تهدئتها: "اهدي… اهدي." طرفَت الدموع من عينيها وهي تركض نحو نقابها وترتديه.

حاول الاقتراب منها وهو يحاول لمس كفها ولكنها ضربته في صدره بقوة وهي تصرخ به: "ابعد… اطلع برا… برا… وإياك تفكر تلمسني تاني!! "مياس محصلش حاجة… انتِ مراتي." قالها وهو يبتلع ريقه بعسر. ولكنها صرخت به حتى شعرت أن أحبالها الصوتية سوف تتمزق: "كان فيه شروط… كان فيه اتفاق بيننا." أطرق برأسه وقال: "أنا آسف… آسف." كان يتمتم بكلمات الاعتذار وهو ينظر إليها. كانت عينيها رطبة بفعل الدموع ولكن الغضب ما زال يشتعل بعينيها.

لا يعلم كيف فعل هذا. لا يعلم كيف فقد السيطرة بتلك الطريقة. "اطلع برا لو سمحت… اطلع برا ومش عايزة م تقرب مني تاني ولا تقرب من أوضتي لو سمحت." اختنق صوتها وطفرت الدموع من عينيها وهي تكمل: "لو سمحت مقتربش مني بالطريقة دي تاني… لو سمحت." أهز رأسه وهو يستل سترته ثم يخرج من غرفتها. اتجه لغرفته ثم جلس على فراشه وهو ينظر إلى الفراغ. أغمض عينيه بتعب وهو يشعر بشيء غريب في قلبه. وفجأة أدرك ما فعله. "يا رب كيف أفعل هذا؟

كيف أفقد سيطرته بتلك الطريقة!!! عاد من شروده وهو يتنهد بتعب. منذ ذلك اليوم وهي تبتعد عنه. ترفض حتى أن تخرج من غرفتها. تأكل في الأعلى. حتى والده تكلم معه ولكنه طلب بكل هدوء من والده ألا يتدخل في هذا الأمر. هو يستطيع أن يتعامل معها جيداً. خرج من غرفته وقرر الاتجاه إلى غرفتها. يجب أن يتحدث معها. وقف أمام غرفتها وهو يتنفس بعمق. كان متوتراً. خائفاً أن تكون رد فعلها عنيفة.

لقد نكث بوعده لها. لمسها رغم أنها وعدها أنه لن يفعل. هو مدرك تماماً أنه مخطئ بحقها. طرق على الباب بخفة وانتظر بصبر إلى أن أتى صوتها الناعم وهي تقول: "ادخلي يا طنط عزيزة." فتح هو الباب وولج ثم أغلقه جيداً وهو يقول بينما يضع كفه داخل جيب بنطاله: "أنا سيف." استدارت بعنف وقد تركت الكتاب الذي تقرأ به وقالت: "أنت… أنت بتعمل إيه هنا… اطلع بره."

"طيب ممكن تهدي… أنا بعيد أهو مش هقرب منك… أنا جاي بس أقولك حاجة وهمشي علطول… ممكن." تنفست عدة مرات بعنف. تتذكر ما فعله. كيف استيقظت على قبلاته. كان يقبلها بكل أريحية. وكأنه لا يشمئز منها أبداً. لماذا لا يكن عمر مثله. "اتفضل." قالت بخفوت. ليرد هو: "إحنا من النهاردة هننام في نفس الأوضة!!

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...