إن كنت حبيبي ساعدني كي أرحل عنك أو كنت طبيبي ساعدني كي أشفى منك لو أني أعرف أن الحب خطير جداً ما أحببت لو أني أعرف أن البحر عميق جداً ما أبحرت لو أني أعرف خاتمتي ما كنت ابتدأت اشتقت إليك فعلمني أن لا أشتاق علمني كيف أقص جذور هواك من الأعماق علمني كيف تموت الدمعة في الأحداق علمني كيف يموت الحب وتنتحر الأشواق من صور لي الدنيا كقصيدة شعر وزرت جراحك في صدري وأخذت الصبر إن كنت أعز عليك فخذ بيدي فأنا مفتون من رأسي لحد قدمي
(نوران لجاسم -نزار قباني) للحظات رمشت وهي لا تستوعب هذا الجنون. تحاول دفعه فلا تستطيع. لا تفهم لماذا أتى. هل عرف يا تُرى؟ هل أخبره والده كل الحقيقة؟
تمنت ألا يكون قد فعل. فكرت بدون تركيز ثم أغمضت عينيها وهي تستسلم لشوقها له. كم حلمت به. تمنت أن يأتي إليها لتعانقه فقط. انسابت الدموع من عينيها وهي تحاوط ظهره بذراعيها. لقد افتقدته. عرفت أنها لم تعرف الحب من قلبه ولن تعرفه بعده. فسيف هو الرجل المناسب. هو رجلها. رجلها الذي لن تسمح لأي أحد أن يؤذيه. وعندما اقتحمت تلك الفكرة عقلها وجدت نفسها تفتح عينيها بصدمة. رباه ماذا تفعل؟ كيف تضيع كل جهودها بتلك الطريقة الغبية؟
هل تريد لمعاذ أن يؤذي حبيبها؟ هل هي بهذا الغباء؟ رفعت يديها وهي تدفعه عنها بقوة. أبعد شفتيه عن خاصتها ولكنه لم يبتعد عنها بل حاصر خصرها وهو يقربها منه. بينما ابتعدت بوجهها عنه وهي تقول بلهث: "إيه اللي انت بتعمله ده؟ امشي من هنا يالا... امشي! "لا! " قالها بكل هدوء. لتعبس وهي تقول: "يعني إيه لا؟ أنا بقولك روح. أنا مش عايزاك. روح. هو مش عافية. إحنا اتطلقنا خلاص. انت رميت عليا يمين الطلاق. أنا دلوقتي مش بحللك."
ثم نظرت إلى ذراعيه اللذين يحاوطانها وحاولت التحرر منهما وهي تقول بضيق: "شيل إيديك عني. اللي بتعمله ده ميصحش. أنا مش مراتك عشان تعمل كده! "أنا رديتك! " قالها ببساطة وهو يجذبها أكثر ويقبل خدها. توسعت عيناها برعب وهي تضربه على ذراعيها ليفلتها وهي تقول بإختناق: "رديت مين؟ هي لعبة؟ إحنا اتطلقنا. وأنا مش موافقة على ده." "للأسف مفيش في إيديكي حاجة تعمليها. أنا رديتك! نظرت إليه بضيق وقالت: "هخلعك."
"وأنا مش هسمح ليكي حتى تطلعي من البيت." حاولت بغضب أن تبعده عنها. كانت الدموع تنهمر من عينيها وهي تقول بإختناق: "امشي لو سمحت. أنا مش عايزاك. افهم أنا مش عايزاك! كان ينظر إليها بشفقة على حالتها. كم عانت حتى تحميها. عاشت برعب هنا فقط كي لا يؤذيه معاذ. لن ينسى أبداً أن مياس أحبته لتلك الدرجة. "أنا آسف... آسف." قالها فجأة لتتوقف عن محاولتها التحرر وتنظر إليه بحيرة. فيرد:
"آسف ليكي عشان رغم إني وعدتك إني عمرك ما هسيبك اتخليت عنك للمرة التانية." رمشت وهي تشعر بالغباء. كانت حقاً لا تفهم أي شيء. متى تخلى عنها؟ رفع كفه ولمس وجنتها وقال: "اتخليت عنك أول مرة بسبب مشاكل والدي ووالدك. مسألتش عليكي رغم إنك كنتِ قريبة مني. وتاني مرة لما مفهمتكيش وسيبتك تبعدي عني وأنا كان لازم وقتها أمنعك تطلعي من البيت أصلاً. أنا آسف يا مياس إني خذلتك مرتين بس أوعدك مش هتتكرر." "امشي لو سمحت." قالتها وهي تبكي.
ليضع جبينه على جبينها ويقول: "أنا عرفت كل حاجة. مستحيل أسيبك تواجهيه لوحدك. أنا هقتله." ارتعبت وهي تسمع كلماته تلك. رباه تتذكر أن سيف كاد أن يموت مرتين بسببه. لا لا. هي لا يمكنها أن تفعل هذا به. ليس بعد كل هذا. أخيراً وبكل قوتها دفعته وهي تقول بإرتجاف: "امشي. امشي من هنا. أنا مش عايزاك. مش عايزاك. خلي عندك كرامة وامشي. أنا مش هدخلك بيتي." ابتسم لها وقال:
"أنا مش هستسلم يا مياس. هفضل تحت بيتك واقف لحد ما تسمحيلي أدخل. أنا مش هتحرك من هنا. مش هسيبك لوحدك." "هتقعد قد إيه يعني؟ يوم؟ يومين؟ شهر؟ برضه مش هستسلم." لمس وجنتها وقال وعيناه تبرق لها: "هقعد لحد ما تستسلمي وتيجي تحضنيني." ثم استدار وذهب تاركاً إياها تنظر إلى أثره بذهول. رباه. ألن يكف عن جنونه. أغلقت هي الباب بينما تضع كفها على قلبها وتتنفس بإرتجاف.
بعد وقت طويل. كانت الساعة قاربت لمنتصف الليل وكانت هي ما زالت خلف ستار النافذة تنظر إليه. بينما هو واقفاً أمام السيارة يستند عليها. بينما يرفع رأسه وينظر إلى النافذة مبتسماً وكأنه يراها. رباه. معاذ يأتي هنا. ماذا إن رآه هذا المجنون؟ أمسكت هاتفها وهي تتصل به. رن هاتفه في جيبه ليخرجه وهو يبتسم ثم يضعه على أذنه وهو يرفع عينيه للنافذة ويقول: "نعم يا فراشة. اتفضلي."
"امشي يا سيف. أبوس إيديك امشي." قالتها ودموعها تنساب من عينيها. هز رأسه وقال: "مستحيل أمشي ومستحيل أسيبك يا مياس. أنا هفضل هنا لحد ما تقرري تعطفي عليا وتطلعيني. غير كده أنا مش همشي." "يا سيف أبوس إيديك! " قالتها بإختناق وهي ترتجف بقوة. فعبس هو لتكمل: "لو شافك هيقتلك." "هو بيجي هنا؟ " قالها بتحفز. لتهز رأسها وتهمس:
"شوفته تحت التراس مرة. معناه بيحوم هنا كل شوية. لو سمحت يا سيف امشي. لو سمحت عشان خاطري. هو إذاك مرتين. مش هقدر أتحمل لو حصلك حاجة تاني والله هموت. أنا هنا عشان عارفة إنه مش هيقدر يعملي حاجة عشان... "متقوليش عشان بيحبك! " قالها بغيرة. "هو إذاكي برضه؟ لتهز رأسها وهي تمسح دموعها:
"لا مش عشان بيحبني. أنا عارفة إنه عمره ما حبني. بس هو مش مصدق إني بعد ما تشوهت برفضه برضه. هو متقبلش الرفض عشان كده بقا أذيتي هوس ليك. ومقتلي المرة دي فيك يا سيف. فعشان خاطري امشي." هز رأسه وقال: "مش هتواجهيه لوحدك. مش هسمح ده. أنا هواجهه معاكي. مش هسمح ليه يأذيكي." "يالهووي عليك وعلى عنادك. انت بتقول إيه؟ يا سيف أبوس إيديك امشي. امشي عشان خاطري. لو بتحبني فعلاً امشي." هز رأسه بعناد وقال:
"بحبك أكتر من حياتي بس لا. خليه يجي يواجهني. وأنا المرة دي مستعد ليه." تنهد وأكمل: "متحاوليش يا مياس. أنا مش هستسلم ولا همشي. هنواجهه سوا." أطرقت برأسها ودموعها تنساب بقوة بينما القلق ينهش قلبها. "ربنا يستر." همست بها. ليسمعها هو ويقول: "تعالى يا مياس. انزلي احضنيني. وحشتيني أوي."
لم تجعله يعيد طلبه بل ركضت نحو الإسدال الخاص بها ثم أخذت المفاتيح وهي تخرج من المنزل. نزلت الدرج بسرعة وتوقفت أمام مدخل العمارة وهي تجده أمام سيارته فاتحاً ذراعيه منتظرها كما كان منتظرها دوماً. اندفعت هي نحوه واندفعت بين ذراعيه لتضمه بقوة بينما الدموع تنهمر من عينيها. ضمه أكثر إليه وهو يقبل رأسه بينما لمع بريق الدموع بعينيه وهو يقول: "حبيبتي... حبيبتي... وحشتيني أوي."
تمسكت به وهي تبكي. كانت تعانقه فقط. دون أي كلام. ومن بعيد كان معاذ يقف. يمسك السكين الذي أراد أن يقتل سيف بها منذ أن رآه واقفاً هنا. كان يضغط على حد السكين بقوة حتى انهمرت الدماء من كفه. بينما الدموع تتساقط من عينيه. الغيرة تشتعل بداخله.
وقفت أمام باب غرفته وهي مترددة. ترفع كفيها لتطرق الباب ولكنها تتراجع وتنزل كفها. بينما تزدرد ريقها بصعوبة. تتذكر صدمتها عندما أخبرها شقيقها بقدومه. أخبرها أنه سيأتي مع والدتها وجيلان ليقضيا يومين. لقد حجز مسبقاً في أحد الفنادق لهما. كانت تريد أن تخبر جاسم بهذا لتعرف كيف يريدان أن يخبرا أمجد بقرار طلاقهما. تألم قلبها وهي تستوعب حقيقة أن سوف تتطلق. أنهمرت الدموع بعينيها وهي تهمس: "أنا هعمل إيه دلوقتي؟
إزاي هتطلق منه وأنا أحبه للدرجادي؟ إزاي هقدر أعيش من غيره؟ إزاي هتحمل أشوفه مع غيري؟ ده هيكون الموت بنفسه بالنسبالي! ولكنها مسحت دموعها وهي تهمس لنفسها بغضب: "متبقاش أنانية. أنتِ السبب في ده كله؟
أنتِ اللي غلطتِ. هو معملش حاجة غير إنه حبك. عمل المستحيل عشان يسعدك. استناكي وطلبك وانتِ اللي كسرتِ قلبه. بعد ده كله مستخسرة فيه يكون سعيد. انتِ إنسانة أنانية. عايزاه يبقى مع واحدة زيك. هو يستاهل الأحسن منك بكتير. لازم تساعديه يتخلص منك. هو باين عليه بيحبها وانتِ العائق الوحيد. يمكن لما تساعديه يسامحك في اللي عملتيه وتعيشي حياتك من غير ما تتعذبي بذنبه."
مسحت دموعها بقوة من عينيها وهي تستجمع شجاعتها ثم تطرق الباب بهدوء. "أدخل." أتاها صوته من الداخل. ابتلعت ريقها بصعوبة وهي تدير المقبض وتلج إلى الغرفة بينما قلبها يصرخ داخل صدرها. كان يجلس على فراشه. يطالع هاتفه عندما ولجت هي. رفع عينيه وهو ينظر إليها. كانت ملامحها مرتبكة بينما عيناها ذابلتان. فركت كفيها بتوتر ليعبس ويقول: "فيه حاجة يا نوران؟ "كنت حابة أتكلم معاك شوية."
"تعالي اقعدي." ثم أشار لها لتجلس بجانبه على الفراش. بهدوء اتجهت وجلست بجواره. نظر إليها وهو يعطيها اهتمامه. بينما أطرقت برأسها وبدأ اللون الأحمر للزحف لبشرتها من فرط خجلها عندما أدركت كم هي قريبة منه. ابتلعت ريقها وهي تشيح بعينيها عنه. لا تريد أن تنظر إليه فيخفق قلبها أكثر من هذا. "اتفضلي. كنتِ عايزة تقولي إيه؟ " قالها بهدوء وهو يضع الهاتف الخاص به جانباً.
"أنا كلمت أمجد عشان أقوله عن موضوع الطلاق. بس مقدرتش أقوله عشان... " قالتها بتوتر وهي تنظر لملامح وجهه الواجمة. نظر إليها بضيق وقال: "ليه كلمتيه دلوقتي؟ دي حاجة متتقالش في التليفون. أنا شايف نصبر شوية. أنتِ ملكيش دعوة بالموضوع ده. أنا اللي هقوله في الوقت المناسب." هزت رأسها وهي تقول:
"لا. مش شايفة إننا نستنى أكتر. انت وقفت حياتك بما فيه الكفاية. وبنت الناس اللي مفروض تتجوزها انت اديتها وعد ولازم تتجوزها. حرام تعلقها مدة طويلة عشاني. عيش حياتك يا جاسم. هو أمجد كدا كدا جاي وأنا هكلمه على الطلاق." "نوران بس اسمعيني." لم تتحمل أكثر وانهمرت دموعها وصوتها يختنق وهي تقول:
"أبوس إيديك انت اسمعني. لو سمحت كفاية عذاب لحد كده. أنا غلطت في حقك واستحق الموت. بس ده والله أصعب من الموت. خليني أرتاح بالمر. متدنيش أمل إنك متمسك بيا عشان في النهاية هتسيبني. انت مش هتقدر تسامح ولا تنسى وأنا مش هقدر أفضل معاك أكتر من كده. وأنا... وأنا... أغمضت عينيها وخرج نشيج حار من شفتيها وهي تقول بصوت متقطع: "وأنا...
بحبك. أنا بموت وأنا عارفة مستقبل علاقتنا إيه. انت هتحب وتتجوز وهتسيبني ومش بلومك والله ده حقك. ده انت كمان عملت واجب لما سترتني. بس مش هقدر أتحمل أكتر من كده إني أفضل معاك مدة أكبر لأني وقتها هترجاك حتى لو تخليني على ذمتك بأي شكل. أنهي عذابي وعذابك. وخلينا نتطلق." "نوران! " قالها جاسم بشفقة. لتهز رأسها وهي تقول بنبرة مخنوقة بفعل البكاء:
"لا لو سمحت. أبوس إيديك متقولش أي حاجة. بس نفذ اللي بقولك عليه. خلينا نطلق وأنا متنازلة عن كل حاجة. كل حاجة مش عايزة منك مليم. أنا لو عايزة منك حاجة هعوز بس إنك تسامحني على أي حاجة عملتها وتعرف إني عمري ما كان قصدي أذيك. وبتمنى يكون عقابي ده كافي عشان ربنا يغفرلي اللي عملته. وإني حتى لو متت أدخل الجنة." أشاح بوجهه عنها وهو يشعر بالاختناق وقال:
"طيب. هنكلم أخوكي لما يجي عشان إجراءات الطلاق. متقلقيش. مادام عايزة تتطلقي مني هطلقك."
هزت رأسها وهي تمسح دموعها ثم نهضت وهي تغادر الغرفة كأنها خسرت آخر معاركها والآن ذاهبة لغرفتها لكي تخفي تداوي جروح هزيمتها. بعد أن ذهبت أغمض عينه بقوة وهو يشعر بالضيق. يشعر بالتشتت. رغبته الكبيرة أن يسامحها لأنه حقاً يحبها. مهما أنكر. مهما قاوم. حبها كالإعصار لا يمكن مقاومته. وبين غضبه منها. جرح قلبه. حائر هو بين الغفران والمضي قدماً. ولكن يبدو أنها بيدها قد خطت كلمة النهاية لعلاقتهما. فهي من تصر على الطلاق. زفر بضيق وهو ينهض ليسير في الغرفة. جميع المشاعر تموج بداخله. مشاعر مجنونة نادرة لم يختبرها من قبل. لم يجعله أحد يشعر بتلك المشاعر كما جعلته نوران يشعر. فهل يلغي مشاعره ويتزوج من حورية التي لا يشعر نحوها بأي مشاعر؟
هي ليست أكثر من امرأة مناسبة. تسمع كلامه وستفعل ما يريد دون أي نقاش. جاسم يعرف نفسه. ما إن يتزوجها لن يظلمها. سوف يعطيها جميع حقوقها. ولكن الشيء الوحيد الذي سيفشل في إعطاؤه لها هو قلبه. قلبه الذي بكل أسف لم يستردّه من نوران بعد. آه! قالها بتعب وهو يتسطح على الفراش يضع ذراعه على وجهه. يرغب في أن يرتاح. ألا يفكر. أن يكون سعيداً لمرة واحدة بحياته!
أغلقت باب الغرفة وهي تجلس على الأرض بينما الدموع تنهمر من عينيها. كان صوت بكاؤها مرتفع قليلاً بينما تضع كفها على قلبها. رباه متى سترتاح؟ قلبها يؤلمها بقوة. كانت تضع كفها على عليها وتربت عليه. ترغب في تهدئة آلامه. مسحت دموعها وهي تنهض. هي تعرف ما تفعل. خرجت من الغرفة متجهة إلى الحمام.
بعد قليل كانت قد ارتدت الإسدال. وصلت ركعتين لله ثم أمسكت المصحف الخاص بها. كلما شعرت بالحزن. كلما تألمت أو توجع قلبها كانت تلجأ للقرآن فكان خير دواء لقلبها الجزع. فتحت المصحف وبدأت القراءة والدموع تنهمر من عينيها دون توقف. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم بسم الله الرحمن الرحيم
وَالضُّحَى وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الأُولَى وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى وَوَجَدَكَ ضَالا فَهَدَى وَوَجَدَكَ عَائِلا فَأَغْنَى فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحدِّثْ صدق الله العظيم. أغلقت المصحف وهي تضمه وتبكي.
"يارب اجبر بخاطري يارب. يارب اديني القوة عشان أمشي وأطلع من حياته. يارب أسعده في حياته الجديدة. وخليه يفرحه. جاسم يستاهل السعادة. ويارب اجبر بخاطري أنا." في اليوم التالي.
ارتعشت وهي تمسك كف يوسف. كانت الدموع تنهمر من عينيها. كانت تشعر بالإختناق وهي تقف أمام قبر ابنها معتز. كان يوسف ينظر إليها بشفقة. مهما بدت ماجدة سعيدة. فقلبها ما زال يتألم من أجله. جلست بجوار القبر وهي تخرج مصحفها وتدعو له. ثم بدأت بقراءة القرآن والدموع تنهمر بغزارة من عينيها بينما شققاتها تنفلت من فمها من شفتيها. جلس يوسف بجوارها وهو يمسك مصحفه ويقرأ هو أيضاً. صحيح لا يعرف الفتى ولم يراه من قبل إلا في الصور ولكنه
بالفعل أحبه من حديث والدته عنه. كما أنه أشفق على ماجدة. ففقدان طفلها لابد أنه كان مدمراً بالنسبة لها. الموت ككلمة مخيفة عندما يتعلق الأمر بمن نحب. والأمر مشابه له. فهو لم يكن يهاب الموت إلا بعد دخول ماجدة ومحمد لحياته. وأصبح مرتعباً أن يخسر عائلته. لهذا خاض حروباً من أجلهما حتى انتصر. ولو عاد به الزمن سيخوضها مرة أخرى. سيخوض حروباً حتى النهاية لحماية عائلته الجديدة. عائلته التي يحبها!
انتهت من قراءة القرآن ووضعت المصحف جانباً ثم بدأت بالدعاء. كانت الدموع تنهمر من عينيها دون توقف. "يا حبيبي يا معتز. يا حبيبي يا بني. بعد كل السنين دي مش قادرة أنسى. مش قادرة." قالتها ماجدة وهي تتلمس قبر ابنها. بينما الدموع تنفجر من عينيها. وضع يوسف المصحف جانباً وهو يتلمس كتفها. ولكنها بدت بعالم آخر وهي تبكي بحرقة. تبكيه كأول يوم مات فيه وكأن جرح فراقه لم يبرأ بعد.
"أنا السبب يا بني. أنا السبب يا معتز. أنا اللي بإيدي قتلتك. أنا... "وحدي الله يا ماجدة." قالها يوسف بألم وهو يراها بتلك الحالة. لم تسمعه من الأساس وهي تبكي بقوة. بقوة لدرجة أنه خاف عليها. فقد بدت على حافة الانهيار. "ماجدة كفاية ارجوكِ." قالها بخوف وهو يرى حالتها تلك. ولكنها لم ترد وهي مستمرة في البكاء. جذبه ليضمها برفق وساعدها على النهوض وهو يحتضن جسدها الذي يختض بين ذراعيه. قبل رأسها وهو يقول بلطف:
"خلاص يا حبيبتي كفاية. ادعيله وادعي ربنا يصبرك. هو ملاك في الجنة بإذن الله. هو في مكان أحسن من هنا بكتير." "حاسة إني مكنتش أم كويسة ليه! " قالتها ماجدة ودموعها تنهمر بغزارة. الذنب يحرق قلبها وهي تفكر لو فقط ابتعدت عن حياة لطيف في الوقت المناسب لم يكن ليحدث هذا. لو هربت كان ليكون ابنها على قيد الحياة الآن. نظرت إلى زوجها وهي تقول بنبرة مختنقة:
"لو كنت بعدت مكانش ده حصل. كان معتز كان هيبقى عايش. بس أنا طمعت ودي آخرة طمعي." شدها يوسف إليه وهو يضمها ويقول برقة: "أمر الله ونفذ يا حبيبي. معتز في مكان أحسن دلوقتي. ربنا بيختبر دايماً صبر المؤمن." وضعت كفيها على وجهها وهي تبكي. إنها تتألم كلما تذكرت كيف مات صغيرها. كيف تم قتله بسبب عمل والده. ضميرها دوماً يجلدها. لا يرحمها. "أنا السبب. أنا السبب." قالتها بإختناق وهي تبكي.
نظر إليها يوسف بشفقة. هي كلما تأتي هنا تكون بتلك الحالة اليائسة. كانت دوماً تذهب بمفردها. ولكن اليوم هو أصر أن يأتي معها. فالحالة التي كانت تأتي دوماً بها من عنده لم تكن مطمئنة أبداً. لذلك أتى معها الآن وتوجع قلبه وهو يراها بتلك الحالة. أمسك كفها وهو يمسح دموعها ويقول بهدوء: "خلينا نمشي." في سيارة يوسف. أمسك كفها وقبله بعمق. بينما ما زالت تشهق من البكاء. نظر إليها بلوم وقال: "تفتكري هيكون مبسوط وانتِ بالحالة دي؟
ماجدة ليه محملة نفسك ذنب مش ذنبك. معتز عمره انتهى. أمر الله ونفذ والحمد لله على كل حال واللهم لا اعتراض. فهوني على نفسك شوية يا حبيبي." "الحمد لله. الحمد لله." تمتمت وهي ما زالت تبكي. ليمح دموعه برفق ويقول: "بعدين ليه مشيلة نفسك الليلة كلها؟ ليه حاطة على نفسك الذنب كله؟ أبوه هو اللي كان تاجر مخدرات. ودول كانوا أعداء أبوه. مش أعدائك يعني انتِ ملكيش دعوة. ليه بتحملي نفسك ذنب؟ يعني دول مكنوش أعدائك انتِ." نظرت إليه
وهي تمسح دموعها وقالت: "أنا سكتت على اللي الظلم. كنت عارفة بيعمل إيه وسكتت. لو كنت بعدت... "كان برضه هيحصل كده. أصل ده قدر ومحدش بيهرب من قدره يا حبيبي. وبعدين يعني لو كنتِ بعدتي مكانوش هيأذوه في ابنه. مكانوش هيقدروا يوصلوا له يعني. لا عادي. دول ناس جبارة. اللي حصل محزن جداً. عارف إحساسك كأم صعب. بس متلوميش نفسك على كل حاجة. اعرفي إن اللي حصل مع معتز قضاء وقدر وإن عمره انتهى. اتفقنا."
هزت رأسها والدموع تنهمر من عينيها. ليبتسم وهو يمسح دموعها ويقول: "إيه رأيك بما إننا سيبنا محمد عند جارتك نستغل الفرصة دي ونروح ناكل آيس كريم؟ هزت رأسها موافقة بإبتسامة رائعة. في المساء. في عيادة إبرام. ولجت ماريانا للعيادة وهي تعطي إبرام ابتسامة لطيفة. ولكن فجأة تجهم وجهها وهي تراه. وجدت نفسها تقول بحدة: "ده بيعمل إيه هنا ده؟ ممكن تفهمني يا إبرام؟!
ارتبك جورج وهو ينظر إليها. ولكن رغم الإرتباك والقلق بداخله كان ينظر إليها بإشتياق. رباه. لقد افتقدها كثيراً. حبيبته. لقد عاقبته بقسوة على ما فعله. فانقلبت الآية وأصبح هو من يطاردها الآن. هو من يحبها بقوة الآن. صحيح هي أحبته أولاً ولكن حبه هو كان أقوى. هو الآن متأكد أنه يحبها أكثر مما تحبه. "ماريانا ممكن تهدي." قالها إبرام بلطف. نظرت إليه بصدمة وقالت بإختناق: "أهدى إزاي يا إبرام؟ قول لي دلوقتي إيه اللي جاب ده هنا؟
تنهد إبرام وهو ينظر لجورج المتوتر وابتسم له ليهدئه وهو يقول: "ماريانا. انتِ بتثقي فيا صحيح؟ نظرت إليه ماريانا وكأن كلمته ساحرة حقاً إذ سكنت ملامحها وهي تهز رأسها وتقول: "أيوة يا إبرام بثق فيك جدا."
وكأن تلك الكلمة البسيطة كانت كالخنجر الذي طعن قلب جورج. كان عقاب لم يقوى على تحمله. شعر وكأن تم استبداله. الأمر ليس وكأنه يشك بإبرام. أو يشعر بالغيرة الشديدة منه. الأمر أسوأ من هذا. لقد خسر ثقة ماريانا. حبها. واحترامها. ويالها من خسارة كبيرة. أسوأ خسارة عاشها بحياته. أراد أن يقترب منها. يتوسل إليها أن تسامحه. مستعد أن يفعل أي شيء ليداوي جروح قلبها فقط لتعطيه فرصة.
نظر إليها بألم وهي تعطي اهتمامها لإبرام وكأن ليس لوجوده أي أهمية. "أنا قولتلك يا إبرام أنا بثق فيك. فلو سمحت قولي ده بيعمل إيه هنا؟ أصله لو هو هيقعد أنا همشي." وبالفعل كانت تتجه إلى الباب لتذهب. لن أتحمل أن أبقى معه بمكان واحد. "استنى لو سمحتي يا ماريانا. ممكن تديني فرصة أتكلم؟ قولتي إنك بتثقي فيا. اديني فرصة على الأقل أتكلم." استدارت ونظرت إليه وهي تربع ذراعيها بينما تقول ببرود: "اتفضل اتكلم وقول هو هنا ليه؟
لو جايبنا عشان تصالحنا على بعض انسى! ضحك إبرام وقال: "أنا دكتور نفسي يا ماريانا. مش مصلح اجتماعي. ولا يا ستي مش جايبكم أصالحكم على بعض خالص. الحكاية إن جورج كمان بيتعالج عندي." "طيب وده إيه علاقته بيا؟ ده ميعاد الجلسة بتاعتي. خليه يمشي." تبادل كل من جورج وإبرام النظرات بينهما ثم قال إبرام: "ما هو مينفعش." رفعت حاجبيها وقالت: "وليه مينفعش إن شاء الله؟
"عشان جورج هيتعالج معاكي. انتوا الاتنين في جلسة واحدة. يعني بمعنى جلسة تتكلموا فيها انتوا الاتنين عشان تصلحوا اللي بينكم." "أنا اكتفيت! " قالتها بغضب وهي تخرج من الغرفة. ليخرج إبرام خلفها ويقف بوجهها ويقول: "أنتِ لسه بتحبيه. متنكريش." "لا... " كادت أن تنكر بإرتباك إلا أنه قاطعها وقال: "كدكتورك النفسي لازم تقولي كل الحقيقة يا ماريانا. أنا هنا عشان أساعدك." ابتلعت ريقها وهمست: "حبه بيأذيني." هز رأسه وقال:
"الحب عمره ما كان مؤذي يا ماريانا. تصرفاته هي اللي كانت بتأذيكي. وهو هنا عشان يتخلص من التصرفات دي. وانتِ ساعديه زي ما هو هيساعدك." سكن غضبها ليبتسم ويقول: "انتوا الاتنين غلطتوا يا ماريانا. يمكن مش بنفس الدرجة. بس منقدرش ننكر إن كان فيه غلط مشترك ما بينكم. حاولوا تقعدوا مع بعض. تتكلموا بكل صراحة وتشوفوا إيه اللي وصلكم للمرحلة دي." مسحت دموعها التي انسابت من عينيها ليبتعد قليلاً ويقول: "ها ندخل."
هزت رأسها وهي تستدير عائدة للغرفة. بينما نظر إليها هو براحة ونصر. ربما هذا هو بداية الطريق الذي سيجعلهما يعودان لبعضهما. جلس الاثنان بجانب بعضهما. هي تطرق برأسها بينما يغطي شعرها كامل وجهها. بينما هو ينظر إليها والأشتياق يقتله من الداخل. تمنى في تلك اللحظة أن يعانقها. يعانقها فقط. ولكنها بدت بعيدة كبُعد النجوم. رباه لو تعرف كم يحبها. هو يحبها بطريقة لم يحب أحد بها من قبل.
"ها يا جورج. حابب تبدأ انت." قالها إبرام بلطف. ليقول جورج: "أقول إيه؟ هز إبرام رأسه وقال: "قول أي حاجة تخطر في بالك. اتكلم عن علاقتك بماريانا. إيه اللي بتمثله ليك." نظر جورج لماريانا وقال: "هي حياتي اللي أنا خسرتها بغبائي. لو بتمنى حاجة بتمنى الزمن يرجع بيا والمرة دي هتمسك بيها وعمري ما هخسرها! بعد يومين. "هتخليني أعوم ولا لأ عشان أعمل حسابي وأخد بوكيني معايا ولا هتحبسني في الشاليه؟
" قالتها جيلان وهي ما زالت تشيح وجهها عنه بغضب. لم تسامحه كلياً رغم كل ما فعله. هي لن تنسى أبداً أنه صفعها وكسر كبرياءها. ابتسم بحنان لها ثم قرب وجهه منها وقبلها وهو يقول: "يا باشا خد اللي عايزه. إحنا كده كده في شاليه عاصي الخاص والشاطئ بتاعه خاص متقلقيش. يالا بس عشان منتأخرش. الطريق طويل." "طيب." قالتها بهدوء وهي تستدير لتذهب. ليمسك خصرها ويدغدغها قائلاً: "يا ولد يا تقيل."
استدارت وهي تنظر إليه بصدمة. لم تصدق أن يصدر منه هذا التصرف. "انت إيه اللي عملته ده؟ " قالتها بصدمة. ليعبس ويقول: "عملت إيه؟ ربعت يديها وهي تقول: "أمجد. انت إنسان محترم. متطلعش منك التصرفات دي أبداً! ضحك وقال: "تصرفات إيه يا حبيبتي؟ انتِ مراتي يعني طبيعي أتصرف معاكي بالشكل ده. مفيش بيننا تكلفة أو خجل." هزت كتفها وقال: "بصراحة مش متعودة عليك بالشكل ده." غمز وقال:
"ولا تقلقي. بكرة تتعودي. يالا روحي جهزي كل حاجة. مش عايزين نتأخر." هزت رأسها وهي تستدير مرة أخرى. كاد أن يكرر فعلته مجدداً ويمسك خصرها إلا أنها ركضت خارج غرفته ليضحك هو بقوة. كانت أخيراً قد جهزت كل شيء. واستعدا للسفر. قرر أمجد أن يسافر بسيارته. فهيأ السيارة جيداً. أحضر الشطائر والعصير للطريق. جعل والدته تجلس بالخلف لكي ترتاح جيداً. وجيلان جلست بجواره وهي تمسك هاتفها تلعب أحد الألعاب الإلكترونية (لعبة جنون الطبخ)
. أما أمجد فكان منهمكاً في القيادة وهو يفكر أن تلك فرصة له ليسعد جيلان. يعترف أنه قد قسى عليها في الفترة الأخيرة. جعلها تشعر بالقهر وأن ليس لها أي سند. وهو سوف يغير تلك الفكرة تماماً. سوف يجعلها تقتنع أنه يحبها. وأنه هو عائلتها الوحيدة. وأنه سوف يكون دوماً سنداً لها. لن يؤذيها مجدداً. نظر إليها مجدداً وهو يفكر أنه حقاً يعشقها. بعد ساعات السفر الطويلة كان قد وصلا أخيراً بعدما الليل أسدل ستائره. في البيت الصيفي.
"أنا بجد تعبانة أوي." قالتها جيلان بإرهاق وهي تفرك عينيها. فهي لم تنم جيداً. بينما قالت دلال: "أنا رايحة أنام يا ولاد في أوضتي. وزي ما اتفقنا أنا وأنتِ يا جيلان هنكون في أوضة وأمجد في الأوضة التانية." هزت جيلان رأسها وهي تتثاءب وتقول: "أنا هاكل أنا وأمجد وأجي أنام على طول." هزت دلال رأسها وهي تتجه لغرفتها لتقول جيلان: "مش هتيجي تاكلي يا ماما دلال؟ هزت دلال رأسها وهي تقول بنبرة متعبة:
"أنا مش قادرة أفتح عيني يا أولاد. كلوا انتوا." ثم اختفت بغرفتها. أخذت جيلان حقيبتها وقالت لأمجد: "هاخد أنا شاور سريع وبعدين أطلع بواقي الساندويتشات والعصائر وأضبطها عشان ناكل. ماشي؟ هز هو رأسه وهي يفرك عنقه بتعب. لقد أخذ الطريق وقتاً طويلاً خاصة بعد توقفه في وقت كل صلاة ليصلي هو ومن معه. كان الأمر قد تسير له بمهارة فقد كان هناك استراحتين. ثم مسجدين. وبهذا قد صلوا كل الأوقات. بعد قليل.
كان قد تحممت جيلان وهو أيضاً وجلسا الاثنين أمام التراس بالبيت الصيفي يتناولان الطعام. تنفست جيلان رائحة البحر بسعادة وقالت: "الله. الجو جميل هنا. جميل أوي. المكان هنا يخليك مبسوط بطريقة غريبة." ابتسم أمجد لها وقال بهدوء: "إيه رأيك لما نتجوز نقضي شهر العسل هنا؟ رفعت عينيها وهي تنظر إليه بخجل. فأكمل: "أوعدك بس نتجوز هنيجي هنا تاني. بس المرة الجاية لوحدنا. وفي الشاليه بتاعنا الخاص." في اليوم التالي.
استيقظوا وتناولوا طعام الإفطار ثم اتجهوا إلى منزل جاسم. كانت دلال سعيدة لأنها أخيراً سوف ترى ابنتها. لقد اشتاقت لنوران كثيراً. رغم طول لسانها إلا أنها حقاً تحبها ولم تنكر أن نوران رغم كل شيء هي المفضلة لديها. من دللتها أكثر من أي شخص آخر. أخيراً وصلا للمنزل. خرجوا محملين بالهدايا. السعادة مرسومة على وجوههم.
بعد وقت ليس بالقصير. وبعد عناق المحبة التي نالته نوران من الجميع والتي حاولت هي وجاسم رسم الابتسامة على وجوههم حتى يتناولوا أهلها الطعام. وبعد حصولهم على واجب ضيافتهم بالكامل. جلست نوران على الأريكة أمام أخيها وهي تقول بخفوت: "أمجد. أنا عايزة أتطلق."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!