الفصل 50 | من 63 فصل

رواية اسرت قلبه الفصل الخمسون 50 - بقلم سوليية نصار

المشاهدات
44
كلمة
5,331
وقت القراءة
27 د
التقدم في الرواية 79%
حجم الخط: 18

عقلي يخبرني أنك محق.. أنه يجب أن تعيش حياتك من جديد، تحب من جديد... ولكن ماذا أفعل بقلبي... قلبي يتمزق وأنا أتخيل أن هناك من ستأتي لحياتك قريبًا.... تنشر تأثيرها عليك وتطردني من قلبك وحياتك إلى الأبد! نوران لجاسم: -أنت عايز تتجوزها؟! قالتها بأنفاس مسحوبة، شعرت أنها سوف تختنق فجأة. -أيوه. وهكذا خرجت الإجابة من فمه، مختصرة، جافة وقاتلة.

أطرقت برأسها أرضًا وقد انهمرت الدموع من عينيها، بينما تفرك كفيها بشدة. لم تختبر هذا الألم من قبل. ولكن هل يحق لها الاعتراض؟ والإجابة واضحة كوضوح الشمس. لا، ليس لديها الحق بالاعتراض. لهذا رفعت وجهها وهي تمسح وجهها من الدموع وقالت: -أكيد ده حقك يا جاسم. اتجوزها من بكرة لو عايز. -هي مش عايزة تدخل على ضرة.

همس بها والتوتر يغزو ملامحه، كان يشعر بالذنب وهو ينظر إلى معالم الانهيار على وجهها. توجع قلبه من أجلها، وهو يفكر في التراجع عن قراره. وبالفعل كاد يتكلم إلا أنها قالت بهدوء: -خلاص يبقى نتطلق وأنا هتصرف مع عيلتي. صحيح معداش شهرين على جوازنا بس برضه متشيلش هم، أنا اللي هتصرف. كتر خيرك انت سترتني وأنا عمري ما هنسى المعروف ده أبدًا. -مفيش داعي، هي ممكن تستنى أنا... قاطعته وهي تهز رأسها بينما دموعها

لا تكف عن الإنهمار وتقول: -لا يا جاسم متوقفش حياتك عشان خاطري لو سمحت. اتجوز، عيش حياتك. أنت اتعذبت كتير في حاجة ملكش ذنب فيها. أهلي أنا هتصرف معاهم. أنا هكلم أمجد وأقول أنا اللي طلبت الطلاق وهنخلص الموضوع بسرعة. وانت.. انت... كانت تتكلم بسرعة وهي تشعر أن أنفاسها تضيق وكأنها سوف تفقد الوعي. الألم في قلبها كان فوق احتمالها. تشعر أنها على صفيح من النار، تحترق دون رحمة. -نوران!

نظر إليها جاسم بشفقة وهو يردد اسمها. كان يريد أن يتراجع فعليًا وهو يرى حالتها. إلا أنها نهضت وهي تقول مبتسمة بوجع: -أنت لازم تتجوزها يا جاسم. لازم تعيش حياتك. تعوض اللي فاتك مع واحدة حلوة ومحترمة، مش زيي أنا. قالتها جملتها الأخيرة بنبرة منكسرة، ثم أكملت وهي تمسح دموعها: -أنا هكلم أمجد هو هينهي الموضوع. متقلقش مش هيحصل أي مشاكل. أنا هتصرف. -مش لازم. ولكنها هزت رأسها بعنف ونشيج حار يخرج من بين شفتيها

بينما تكمل بكلمات متقطعة: -ل.. لا. انت لازم تعيش حياتك، كفاية كده. أنا آذيتك كتير. رغم إنك معملتش حاجة إلا إنك سترتني في وقت أنا كان ممكن أُقتل من أهلي بسبب اللي عملته. أنا عمري ما هنسى معروفك ليا ومش هكون أنانية وهقولك متتجوزش دلوقتي. انت مفرحتش ولازم تفرح يا جاسم، لأنك انت معملتش أي غلط. روح كلمها وامشوا في الإجراءات. بلغها إن خلاص مفيش مانع أبدًا للجواز. ثم كادت أن تتجاوزه إلا أنها شعرت بالدوار وكادت أن تسقط. إلا

أنه امسكها وهو يقول بقلق: -نوران فيه إيه؟ سيطرت على نفسها ووقفت وهي تقول بصوت خافت: -مفيش حاجة، أنا كويسة. ثم خطت نحو غرفتها وهي تتماسك حتى لا تسقط أرضًا، بينما دموعها تنهمر من وجهها. ماذا ظنت؟ إنها ستبقى زوجته طوال حياتها؟ ذلك بسببها، بسبب خطيئتها لتدفع الثمن الآن. جلست على فراشها وهي تتنفس بعنف. دموعها تتساقط تباعًا. تمسك مفرش السرير بعنف وهي تحاول ألا تصرخ قهر. كيف تقنع قلبها أن جاسم ليس لها؟

جاسم لن يغفر وهو محق. لقد ارتكبت في حقه جريمة بشعة. العقل يتفهم، ولكن قلبها لا يفهم. قلبها فقط يتألم. رفعت كفيها المرتعشين وبدأت بمسح دموعها بقوة. رفعت عينيها وهي تشعر بقدومه. كان ينظر إليها وشعور الذنب يظلل عينيه. هي لا تستحق شفقته ولا شعوره النبيل هذا. أرادت أن تخبره أن عليه ألا يشعر بالذنب وأن من البداية للنهاية هي المخطئة. هي التي تنازلت حتى خسرت كل شيء. -أنتِ كويسة يا نوران؟

قالها باهتمام. اهتمامه يقتلها. تعرف أنها بعد أيام سوف تُحرم منه للأبد. هزت رأسها وهي تحاول رسم بسمة على شفتيها المرتعشة بينما تقول: -أنا كويسة يا جاسم. متقلقش. -مش باين. قالها بهدوء والحزن يغزوه. لتهز رأسها بيأس وتقول: -هبقى كويسة. متقلقش. ثم تسطحت على الفراش وهي تقول بنبرة مخنوقة: -معلش أنا بس هرتاح شوية. هنام شوية. ممكن؟ هز رأسه وقال: -أكيد طبعًا. ارتاحي.

أغمضت عينيها وبدت وكأنها بالفعل غرقت بالنوم، ليتنهد وهو يخرج من الغرفة. قلبه يتألم من أجلها. لقد بدت منهارة أكثر من أي وقت. -بالله عريس. قالتها والدة حورية وعينيها تلمع بسعادة. تشعر أنها بحلم رائع. ابنتها بعد سنوات من رفض كل ما تقدم لها حتى بدأت في الدخول في عامها الثلاثين، أخيرًا قررت أن تتزوج. احمر وجه حورية بخجل وهزت رأسها: -أيوه يا ماما عريس. نهضت والدتها واحتضنتها وهي تقول بينما الدموع تتصاعد بعينيها:

-يا نهار أبيض. الحمدلله يارب. الحمدلله سمعت دعائي. هتتجوزي أخيرًا يا حورية. أخيرًا هفرح بيكي. قبلت رأس ابنتها وهي تقول: -أنا كنت مستنية اللحظة دي من زمان يا حورية. ده أنا حسيت إني هموت يا بنتي قبل ما تتجوزي. هزت حورية رأسها وهي تقبل كف والدتها وتقول: -بعيد الشر عليكي يا ماما متقوليش كده. ثم أخذت تمسح الدموع التي انسابت من عينيها وقالت بصوت مختنق بفعل الانفعال: -أنا أهو هفرحك أخيرًا. قبلت هي كفها وجهًا وظهرًا وقالت:

-الحمدلله يا بنتي. كان نفسي أبوكي يبقى عايش ويشوف اللحظة دي. بس الحمدلله على كل حال. انسابت الدموع من عيني حورية وهي تقول بصوت خافت: -وأنا كمان كان نفسي يبقى معايا. بس الحمدلله ربنا يرحمه. جلست والدتها وأمسكت كفها وهي تشد عليه وتقول بلهفة: -قوليلي بقا مين ابن المحظوظة اللي أمه دعياله بالهنا. اسمه مين. هو زميلك صح؟ أنا كنت حاسة بيكي والله الأيام اللي فاتت. أطرقت برأسها خجلًا وهي تقول اسمه بحب كأنها

تتذوق كل حرف من حروفه: -جاسم. يبقى دكتور زميلي في المستشفى. ابتسمت والدتها وهي تقول: -عايز يتقدم؟ هزت رأسها مرة أخرى ثم أكملت: -بس هو مش هينفع يتجوزني دلوقتي يعني. عبست والدتها وقالت: -يعني قصدك إيه؟ تنهدت حورية وهي تتذكر ما حدث منذ قليل. بقلب خافق انتظرت الرد على رسالته. فجأة انتفضت مكانها وهي تمسك هاتفها وترى الرسالة التي أتتها على تطبيق الواتس آب بلهفة. فجأة عبست وهي تقرأ رسالته:

-أظن إني وضحت إن ممنوع التواصل لحد ما يبقى فيه شيء رسمي بيننا. جو إنك تبعتيلي رسايل على الواتس ده ممنوع. مبحبش البنات اللي بتتصرف بالطريقة دي. بيشوف إنهم معندهمش حياء. أنا مش عايز أغير فكرتي عنك يا آنسة حورية بعد إذنك. فعشان كده متبعتيش حاجة. اللي هتعمليه دلوقتي لإن مبحبش أعمل حاجة في السر إنك هتقولي لوالدتك إني هاجي وأتقدم بس بعد ما أطلق مراتي. الموضوع ممكن ياخد فترة. بس ضروري تقولي لوالدتك كل حاجة. ولحد ما أضبط أموري وأطلق مراتي ياريت متتواصليش معايا وأنا هعملك بلوك من عندي عشان أسهل عليكي الأمور.

وبالفعل وجدت أن صورته الرائعة قد اختفت. لقد قام بحظرها. عادت من شرودها ووالدتها تتكلم وتقول: -ما تنطقي يا حورية وقولي ليه مش هينفع دلوقتي. فركت هي كفيها وقالت: -هو بس مستني يضبظ أموره مع مراته ويطلقها عشان نتجوز. توسعت عيني والدتها بصدمة وقالت: -بتقولي إيه؟ -بقولك الحقيقة يا ماما. جاسم متجوز. هو بس يطلق مراته هيتجوزني! تبخرت سعادة والدتها للحظات وهي تنظر إلى ابنتها. تبحث عن أي أثر للمزاح فلا تجد.

-بنتي انتِ بتقولي إيه؟ قالتها بوجه شاحب. ملامح أم انكسرت فرحتها. لتفرك حورية كفيها بتوتر وتقول: -اللي سمعتيه يا ماما. جاسم متجوز. -متجوز يا حورية هتتجوزي واحد متجوز. هو ده آخرك. ده اللي بتطمحى ليه؟ -يا ماما ممكن تسمعيني بس. قالتها حورية بإختناق ثم أكملت: -أنا بحب جاسم. نهضت والدتها بغضب وهي تصرخ بها: -بتحبي إيه. ده راجل متجوز. أنتِ عايزة تدخلي بيت وتخربيه؟ أنتِ معندكيش عقل؟ ده أنتِ حتى دكتورة. -يا ماما بحبه!

قالتها بيأس ثم أكملت: -كان حلمي في الكلية حبيته أكتر من حياتي. بس هو مكنش بيبص في وشي حتى. مهما حاولت أعمل مكنش شايفني. حتى لما اشتغلت معاه مشافنيش. لحد ما عرض عليا الجواز. حسيت أحلامي بتتحقق. تخيلي تحلمي بالمستحيل وتلاقيه بيتحقق بعد كده. أنا مقدرش أرفض. كأني كده بقتل نفسي بالحيا. بدمر حلمي! -حلمك وسعادتك على حساب واحدة تاني. هي دي تربيتي. قالتها والدتها بحزم لترد وهي تبرر تهرب من جرمها:

-هيطلقها يا ماما. أنا أصلًا مطلبتش منه كده. هو قالي بينهم مشاكل مش متفاهمين. ونظرات اللوم في عيني والدتها لا تهدأ بينما تقول: -البيت اللي بيتبني على تعاسة واحدة ست مبيعمرش يا حورية. والأم تهاجم من جديد. تحاول إيقاظ ضمير ابنتها من ثباته، ولكن الحلم المستحيل يتحقق وحورية لم تكن ترى إلا حلمها ولتذهب أي عواقب أخرى إلى الجحيم. -أما جاسم أو مفيش. مش هدخل أي راجل حياتي غيره.

والابنة العاشقة تسدل الستار أخيرًا بكلماتها وتضع كلمة النهاية لهذا الحوار المنهك! -براحتك يا بنت بطني. بس عايزاكي تعرفي وأنتِ بتحققي حلمك المستحيل. إنك مكنتيش الاختيار الأول. ويا خوفي متكونيش اختيار أصلاً! ابتلعت حورية ريقها وهي تحاول التماسك وتقول: -أنا اختياره المرة دي أنا متأكدة. شبح ابتسامة احتلت ملامح والدتها رغم الحزن بعينيها وهي تقول:

-نفسي يا بنتي والله. بس للأسف اللي أنتِ بتعمليه ده غلط. وأنا عارفة إيه آخرتها. آخرتها كسرة قلبك. حرقة روحك. أنتِ اللي هتخسري نفسك بعدين يا حورية. ويا خوفي تفوقي بعد فوات الأوان. هزت رأسها وهي ترفض استقبال أي كلمة تخبرها أنها مخطئة. فقط لتعيش حلمها بسعادة. -إيه اللي أنت بتعمله ده؟ قالتها ماجدة وهي لا تستطيع السيطرة على ضحكاتها ليوسف الذي بجواره محمد وكان يقوم بطلاء الغرفة. نظر إليها يوسف وابتسم قائلًا:

-دي أوضة فاضية قولت استغلها وألونها عشان البنوتة اللي هنجيبها إن شاء الله. ضحكت بقوة وهي تقول: -أنا مش حامل لسه يا يوسف إيه اللي بتعمله ده. -يا ستي نتفائل خير. قالها مبتسمًا. لتهز رأسها وهي تنظر إليه بحب. لقد أعطاها الكثير من السعادة وهو يستحق أن تحقق له كل ما يريده.

فجأة بهتت السعادة داخلها قليلاً وهي تنظر إلى ابنها المسكين. ذلك الذي لم ينعم بحنان الأب ولا حمايته. والآن وجد يوسف الذي أعطاه كل شيء. عامله أفضل من والده الحقيقي. أعطاه الحب والحنان والحماية. إنها ترى ابنها سعيد للمرة الأولى. ولكن السؤال الذي كان يقف كالشوكة بحلقها كان هل سيعامل يوسف ابنها بتلك الطريقة لو أنجب منها طفل آخر. يبدو أنه متحمس كثيرًا بشأن إنجاب طفلة. يخاف أن بسبب حماسه هذا يهمل محمد ابنها. ليس من العدل أن يحصل ابنها على كل هذا الحب والاهتمام ثم بعدها يُهمل. سوف ينكسر قلبه.

كان القلق ظاهرًا بقوة على ملامح وجهها الشاردة بشكل جعل يوسف يعبس قليلاً وهو يفكر ما الذي يقلقها مجددًا. وضع الفرشاة في إناء الطلاء وهو يمسح كفه ويقول لمحمد: -هناخد بريك يا بطل. -معلش يا ماجدة ممكن تعمليلنا ساندويتش صغير أنا ومحمد. أخرجت ماجد من شرودها ورسمت ابتسامة باهتة على شفتيها وهي تقول: -حاضر من عيوني. بادلها يوسف ثم تجاوزها ليغسل كفه.

بعد قليل. كانت ماجدة قد أعدت شطائر للجميع. جلس ابنها يأكل وهو يشاهد إحدى برامج الأطفال. بينما مدت كفها ليوسف بالشطيرة وهي تقول بلطف: -اتفضل يا حبيبي. نظر إليها مبتسمًا ثم أمسك الشطيرة بيد وجذبها إليه باليد الأخرى حتى سقطت على قدمه. احمر وجهها بخجل وهي تقول بإحراج: -يوسف الولد. -متقلقيش هو مش باصص علينا أصلاً. قالها مبتسمًا. ثم نظر إليه بجدية وهو يقول:

-مالك يا حبيبي. حاسك مش كويسة. وشك بهت فجأة. يا ترى إيه اللي شاغل عقلك. هزت رأسها وكادت أن تنكر إلا أنه رد بهدوء وقال: -يالا يا حبيبي قولي إيه المشكلة. أنتِ عارفة إنك متقدريش تكدبي عليا. ابتسمت وهي تنظر إليه وقالت: -إزاي بتفهمني بالشكل ده؟ -عشان نسبة الذكاء عندي عالية. يالا قولي متضايقة ليه؟ ضحكت وقالت: -ياربي على التواضع. ثم تنهدت وهي تفرك كفيها. احمر وجهها من الإحراج وهي تقول: -أنا مش عارفة أبدأ من فين.

-من النقطة اللي أنتِ عايزاها. قوليلي إيه اللي شاغل عقلك يا ماجدة؟ تنهدت وهي تقول بتردد: -أنا بحبك يا يوسف. ونفسي أحققلك اللي انت عايزه. بس موضوع إني أحمل تاني صعب عليا. القصة مش قصة إني كبيرة بس أنا خايفة محمد يتظلم. نظر إليها دون فهم لتكمل: -إحنا من أول ما اتجوزنا وانت بتعامل محمد زي ابنك دي شهادة حق مني. حاجة مقدرش أنكرها. بس خايفة لو حصل وجبنا طفل تاني انت تنسى محمد. ده مش عدل بعد ما داق حنان الأب يتحرم منه.

نظر إليها بلوم وقال: -هو أنا كده برضه يا ماجدة. إيه اللي عملته أوحى ليكي إني ظالم؟ هزت رأسها مسرعة وقالت: -لا أبداً والله عمرك ما كنت ظالم. أنا بس بقول. أغمضت عينيها وقالت بصوت خافت: -مهما كان محمد مش ابنك. -ليه مش ابني يا ماجدة؟

هو عشان مش من دمي يبقى مش ابني. يعلم ربنا من وقت ما اسمك اتكتب على اسمي وأنا خلاص محمد بقى ابني. هو حسسني بالأبوة اللي كنت مفتقدها. أنا كان نفسي أبقى أب من زمان ومحمد اللي حقق الحلم ده. بس أنا كمان من ضمن أحلامي إن يكون عندي بنت ومتقلقيش عمري أبداً ما أفرق بينهم! ابتسمت له ليقبل رأسها ويقول: -أوعي في يوم تشكي فيا تاني مفهوم؟ هزت رأسها والدموع محتجزة بعينيها ثم عانقته وهي تتمتم: -أنا آسفة يا حبيبي. -سيف.

قالها والده بصوت مرتجف. كان يشعر بالتوتر يغزوه والنيران تتصاعد بعيني ابنه. -سيف! اقترب سيف منه كان يشعر بالخيانة وهو ينظر إلى والده. -ممكن تتكلم دلوقتي وتقولي الحقيقة. أتكلم يا بابا لأني مش ههدى إلا لما أعرفها. اللي فهمته ده صح؟ أنت... اختنقت نبرته وهو ينظر إليه بصدمة كأنه ينظر إلى شخص غريب. ليس هذا هو والده. -سيف ابني أنا عملت كده عشانك. بدأ جلال بالتبرير وهو يشعر بالخجل.

-عشاني. عشاني. أنت قتلتني. وهي كمان. أنا قاعد هنا بموت بفكر إيه اللي خلى مياس تسيبني وعقلي هيشت مني. بفكر وبفكر. أنت شايفني متدمر وساكت!!! مش هقدر إلا لما تقولي كل حاجة. أنا فهمت إنك عارف مياس بعدت ليه. ممكن بقا تقولي إيه السبب. إيه السبب اللي يخليها تشوفني بموت وتمشي!!! رفع والده كفه بإستسلام وقال: -هقولك كل حاجة. بس اهدى. أبوس إيديك يا بني أهدى. يمكن لما تسمع تعرف أنا عملت كده ليه!

جلس سيف وهو ينظر إلى والده ينتظر ما سيقوله بفارغ الصبر. هو انتظر هذا. انتظر أن يعرف الحقيقة. يعرف لماذا تركته مياس. أخيرًا سوف يجد حل لهذا اللغز! ربع يديه وقال: -أنا مستني أسمعك وأفهم انت عملت إيه لمصلحتي. أصلك إنك تبعدني عنها ده ميتحطش في بند مصلحتي بأي شكل من الأشكال! أغمض جلال الحسيني عينيه وهو يجمع كلماته. لا مفر الآن ولا سبيل للكذب يجب أن يخبر ابنه الحقيقة كاملة. دون أي كذب!

بدأ جلال بالتحدث. أخبره كل شيء عن معاذ كيف أنه السبب في تشوه مياس. وأنه دمر حياتها. وكيف أنه حاول قتله مرتين. أخبره أنه من أخبر مياس بشأنه لذلك هي فضلت الابتعاد. فهي لا يمكنها أبدًا أن تتسبب في إنهاء حياة من أحبت! بعد أن انتهى بالكامل من كل شيء. نهض سيف. عينيه متسعة. يتنفس بعنف بينما حريق هائل بداخله. كان يشعر بالغضب من والده. غضب شديد لا يستطيع أن يتحكم به. فجأة أمسك الحاسوب من على مكتب والده وقام بكسره على الأرض.

أغمض جلال عينيه وهو ينتظر انفجار أكبر من هذا. هو يعرف ابنه حين يغضب. أخذ سيف يسير في المكتب ذهابًا وإيابًا وهو يشد شعره بقوة. الدموع محتجزة بعينيه وهو يتخيل كم الرعب الذي عاشته مياس. -أنت... أنت إزاي كده. إزاي... إزاي تتخلى عنها للمرة التانية؟ إزاي ترميها وتخليها تواجه مصيرها هناك وهي لوحدها!!! -كنت خايف عليك! قالها بيأس والدموع بعينيه. كان يشعر بالخجل مما فعله ليصرخ باستخفاف: -طيب وهي تولع يعني!

إحنا اتخلينا عنها للمرة التانية. المرة الأولى آذاها وشوهها. المرة دي مفكرتش هيعمل فيها إيه؟

جلس على المقعد وهو يشعر بالإنهاك. انسابت دموعه وهو يشعر بثقل على قلبه. لقد تخلى عنها المرة الأولى. لم يكلف نفسه ويسأل عنها. أخرجها من حياته كأنها لم تكن صديقته يومًا. لم تكن قريبة يومًا. لقد تخلى عنها مرة. وللمرة الثانية تخلى عنها حتى لو لم يكن يعلم. ما كان عليه أن يتركها بمفردها. كان عليه أن يذهب خلفها. كان عليه أن يعرف أن مياس لن تفعل هذا أبدًا به. كان يجب أن يعرف أنها أحبته. -إحنا ظلمناها مرتين.

نظر إليه والده وملامحه تحمل الخجل ليهز سيف رأسه ويقول: -ده صحيح للأسف. صحيح. أنا وأنت ظلمناها مرتين. اتخلينا عنها مرتين. خلينا ها تواجه واحد سايكو زي ده مرتين. تخيل أنت عشان تحميني سايبها هناك معاه. تخيل قهرتي ومراتي. الست اللي محبتش قدها لوحدها هناك بتعيش الرعب عشان حضرتك بس خايف على ابنك. أنا لا هقدر أسماحك ولا هسامح نفسي. ثم نهض وأكمل: -بس أنا مش هكمل ظلم فيها. مش هعمل كده تاني. -رايح فين؟ سأله

والده بوجه مبهوت ليرد: -رايح لها. يا بابا أنا مش هسيبها أبدًا. أنا هفضل جنب مياس. هحميها من أي حاجة تأذيها. عمري ما هفلت إيديها مرة تانية أبدًا. -سيف متعملش كده يا بني. استنى. معاذ مهما كان مش هيأذي مياس عشان بيحبها بس انت... ضرب على المكتب بعنف وصرخ: -متقولش إنه بيحبها. متقولش إنه مش هيأذيها. هو سبق وآذاها. شوهها. كسرها وشوه نفسيتها. هو الأذية تعريفها إيه بالنسبالك؟

أنت خايف من الصعلوك ده. خايف يأذيني. بس لا أنا المرة دي اللي هقتله. متتخيلش قد إيه كان نفسي أعرف مين اللي عمل كده في مياس عشان أقتله وأخد حقها منه!!! -يا جيلان أنا حتى شغلي مروحتهوش عشان خاطرك. قاعد جنبك من امبارح هنا وأنتِ حتى رافضة تبصي عليا.

قالها أمجد وهو ينظر إليها. كانت تشيح بوجهها عنه، ترفض أن تنظر إليه وهذا ما جعله يتألم. نظر لوجهها جيدًا كانت كانت بقعة حمراء بسبب ضربه لها. تألم قلبه مجددًا. هو أبدًا أبدًا لن يفعل هذا بها مجددًا. مد كفه وأمسك ذقنها ثم أدارها إليه. كانت الدموع تنهمر من عينيها دون توقف. هاله الأمر وأصبح يمسح دموعها برفق شديد وهو يتمتم: -أنا آسف. آسف. شهقت مطالبة للهواء وهي تقول بأسى شديد: -أنا بالنسبالك ولا حاجة. أنت عمرك ما حبتني!

-متقوليش كده أنا محبتش غيرك. والله بحبك يا جيلان ومعرفش غضبي إزاي اتحكم فيا. أطرقت بوجهها ودموعها تنهمر مرة أخرى ثم قالت بلوم: -أنت مكنتش هتعامل أريام أبدًا بالشكل ده. بالعكس كنت هتحترمها. لكن أنا.. أنا عشان مليش حد فمش مهم. قربها منه وهو يعانق وجهها بينما يهز رأسه بقوة ويقول:

-لا لا خالص ده مش صح يا جيلان. إياكي تقولي إن ملكيش حد. أنا عيلتك. وماما كمان وإخواتي. أنتِ مش لوحدك. أنا عارف إني غلطان واستاهل أي حاجة تقوليها. بس متقوليش إن ملكيش حد. أوعدك مهما حصل مش همد إيدي عليكي تاني. أنا آسف يا جيلان. آسف. ثم بدأ يقبل رأسها بينما الدموع تنهمر من عينيها. مسح دموعها برفق وقال: -أنا هعوضك عن ده كله وعد.

كانت تنظر إليه. نظراتها تظللها عدم الثقة وهذا أوجع قلبه. ولكن الخطأ الذي اقترفه بحقها كبير. مسح دموعها مجددًا وقال: -إيه رأيك نروح الغردقة عند نوران وجاسم ونغير جو؟

كانت تضحك بقوة من قلبها وهي تنظر إلى زوجها من التراس وهو يلعب مع ابنته. كان يحملها وهو يدور بها بينما فتح النافورة التي بالحديقة لتغرقهما بالمياه وضحكاتهما تتعالى. كانت سعيدة للغاية وهي ترى عاصي بمنظور آخر. أب حنون يحاول أن يسعد ابنته. يفعل المستحيل من أجل أن يسعد ابنته ويسعدها. هي الآن أسعد امرأة على وجه الأرض. لا يعكر صفو سعادتها إلا معاناة نوران. هي قلقة عليه. تتذكر أن آخر مرة كلمتها بالأمس وأخبرتها أن كل شيء على ما يرام. ولكن لا صوت شقيقتها كان مختنق. مستحيل أن يكون كل شيء على ما يرام. شقيقتها تعاني وهي تعرف.

أغمضت عينيها وهي تدعو الله داخلها أن تكون نوران بخير. أن تسعد بحياتها. وأن يتقبل الله توبتها ويجعل قلب جاسم يرق ويسامحها ويكمل حياته معها. هي تعرف أن نوران تحب جاسم كما هو يحبها. ربما فرصة أخرى سوف تكون مناسبة لهم. فجأة رن هاتفها لتبتسم وهي ترى أن المتصلة هي نوران. لقد كانت تفكر بها وها هي تتصل. فتحت الهاتف وهي تقول بلطف: -بنت حلال مصفي. كنت لسه هتصل بيكي.

عبست رحيق وهي تسمع أنفاس ثقيلة من الناحية الأخرى. لشخص بدا أنه يعاني. تجمعت الدموع بعينيها وهي تقول بقلق: -نوران! أخذت نوران تتنفس بعنف. لقد استيقظت أخيرًا. لم تنم كثيرًا. ربما بضع دقائق أو نصف ساعة. استيقظت ولم تجده بالمنزل. وقتها شعرت وكأن شيئًا ما يخنقها. وكأن العالم لم يعد يرحب بها. شعرت رحيق بالقلق عليها وهي تردد اسمها مرة أخرى. فجأة شهقت بعنف وهي تنفجر بالبكاء. تألم قلب رحيق من أجل شقيقتها وهي تقول:

-بس يا حبيبتي بس. -رحيق. رحيق أنا بموت. مش قادرة أتنفس. كانت تقولها بكلمات متقطعة وهي تشعر بشيء ثقيل يقبع على قلبها. نهضت رحيق بتوتر وهي تقول: -قوليلي فيه إيه. حصل إيه يا نوران. أنا هاجي و... -خلاص هنتطلق. قالتها نوران بصوت منهار ثم أكملت: -خلاص هيتجوز واحدة تانية. بهتت رحيق بينما أكملت نوران:

-عارفة إني مش من حقي أضايق يا نوران. بس أعمل إيه في قلبي. قلبي مكسور من أول ما قالي الخبر. حاسة إن الدنيا بتلف بيا. الأرض مش ثابتة خالص. -هاجيلك. قالتها بخفوت لتهز نوران رأسها وتقول: -لا لا مفيش داعي أنا خلاص موضوعي انتهى. صمتت قليلاً وهي تنتحب. صوت بكائها كان يمزق قلب رحيق. -رحيق ممكن طلب. قالتها من بين شهقاتها. -أكيد يا حبيبتي. قالتها بسرعة لترد هي:

-ممكن تدعيلي. ادعيلي إن ربنا يجبر بخاطري وإن يطبطب على قلبي. أنا عارفة إني أستحق أي حاجة وحشة تحصلي. بس العقاب المرة دي صعب. قلبي مش قادر يتقبله رغم إن عقلي شايف إني أستاهله. بس أنا فعلاً قلبي واجعني. واجعني أوووي. انهمرت الدموع من عيني رحيق. كانت تتألم من أجل نوران وقالت: -متزعليش. بكرة ربنا هيعوضك وهتشوفي.

-أنا مش عايزة غير إن قلبي يبطل يوجعني. عايزة الخنقة دي تروح. ادعيلي إن ربنا يديني القوة أبعد عنه عشان هو كمان من حقه يشوف حياته. تنهدت وقالت منهية حديثها: -أنا هكلم أمجد دلوقتي عشان ننهي الموضوع. -نوران استني. هزت نوران رأسها والدموع تنهمر من عينيها دون توقف وقالت: -لا يا رحيق. كفاية كده. هو لازم يعيش حياته. إيه ذنبه؟

من البداية مكانتش مضطر يستحمل بس هو استحمل وسترني. وأنا دلوقتي لازم أردله الجميل بأني أطلع بسرعة من حياته عشان يشوف غيري. -أنا مش عارفة أقول إيه. قالتها رحيق بآسى لترد نوران بإبتسامة وسط ملامحها الحزينة وتقول: -متقوليش ادعيلي وبس. سلام. ثم أغلقت الهاتف. تنهدت نوران بتوتر وهي تمسح دموعها. كانت عينيها تؤلمها بسبب شدة البكاء. أخرجت رقم شقيقها وهي تقرر الاتصال به. وضعت الهاتف على أذنها وهي تنتظر أن يرد.

لحظات وأتاه صوته وهو يقول: -حبيبتي وحشتيني. ابتسمت بحزن وكادت أن ترد عليه فقال: -بنت حلال مصفي حقيقي كنت دلوقتي لسه هكلمك عشان أقولك إننا بعد يومين جايين عندك!!!

في المساء. العالم توقف من حوله منذ غادرت حياته. حتى عمله تركه مرة أخرى. فقط يجلس على الأرض أمام صورةما وهو يتلمسها بينما الدموع تنهمر من عينيه. كيف يفعل هذا بها. بعد أن عادت وبدأت في العلاج أعادها لنقطة الصفر بسبب غيرته وفقدانه السيطرة على نفسه. لقد غادرت وغادر كل شيء جميل معها. شهق مطالباً للهواء وهي يشعر أن العالم يضيق به. أراد أن يذهب إليها ويتوسل إليها أن تعود. لا الحياة من دونها ليس لها أي فائدة. ليس لها لون. ولكن عرف أن تلك المرة خسرها للأبد.

انتفض قليلاً ورنين جرس المنزل يخترق أفكاره. نهض وهو يشعر أنه سوف يسقط في أي لحظة وكأن الأرض تهتز من تحته. فتح الباب ليرى أمامه إبرام الذي ابتسم بلطفه المعتاد وقال: -هتخليني أدخل ولا هتضربني؟ أفسح له جورج الطريق ليدخل. بعد قليل. كان جورج كان قد أحضر له كوبًا من القهوة. كان إبرام ينظر حوله لحالة المنزل البائسة ليقول جورج بخجل:

-مش قادر والله أرتب البيت. هو عامة وجودنا من غير ست في البيت قادر يحول البيت لكارثة. أنا لو نانسي سابت البيت يومين بيبقى زريبة حرفيًا. ابتسم جورج بحزن وقال: -من أول ما مشيت ماريانا وأنا حاسس إن الحياة واقفة. حاسس إني موت. ارتشف إبرام من قهوته وقال: -وأنت خلاص استسلمت؟ رفع عينيه لإبرام. كان اليأس يسكن بهما وقال: -هي بطلت تحبني! -وأنت صدقت كلامها! -مش كلامها بس أفعالها. قالها جورج بيأس ليرد إبرام:

-ماريانا اتصدمت صدمة كبيرة يا جورج. هي متلخبطة حاليًا. بتحاول تحمي نفسها. وأول حاجة حابة تعملها إنها تحمي نفسها من حبك. لكن الأكيد إنها لسه بتحبك. وأنت مش لازم تستسلم بكل سهولة كده. خليك وراها لحد ما ترجع. اقف جنب مراتك في علاجها. حسسها إنها مش لوحدها. واعذرني يا جورج حتى أنت محتاج علاج نفسي. ابتسم جورج وهو ينظر إليه وقال: -إيه يا دكتور هبقى مريضك التاني ولا إيه؟ ابتسم إبرام بتسلية وقال:

-معنديش مانع وصدقني هعملك discount محترم. ثم انفجرا بالضحك هما الاثنان. تجمد جسدها بالكامل وهي ترى من على الباب. فتحت الباب وهي تردد بصدمة وشوق: -سيف. لم يتحمل هو وجذبها إليه ليقبلها!

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...