كتمت انفاسها وهي تنظر إليه بصدمة. هل تحلم يا ترى؟ هل هذا حلم مجنون تحلمه كعادة أحلامها؟ ما إن رأته، هل تهلوس؟ لا يمكن أن يكون هذا صحيحاً. أخذت تتنفس بعنف بينما جسدها بأكمله يرتعش. ضرب من السعادة هز قلبها. شعرت أن قلبها سوف يقفز من مكانه. بالتأكيد أمجد استمع لدقات قلبها. مستحيل ألا يكون سمع هدير قلبها. "آنسة أريام… هتديني رقم والدك ولا لا؟ حضرتك موافقة أتقدملك؟
" سألها عندما وجدها شاردة لم تنبت بحرف. وهذا أقلقه أن يكون كلام صديقه خاطئ. ألا تكون لديها مشاعر له كما هو لديه مشاعر؟ وأن هذا هو وهم… وهم سوف يحطمه. لأن رجل مثله… صعب التعلق بامرأة. وهو لن ينكر قد تعلق بها. ووجد نفسه يفكر بها كثيراً. لذلك قرر أن يتبع الطريق الصحيح. يريد الزواج منها اليوم قبل الغد. هذا ما يريده هو. لا يريد أن ينزلق في الخطأ. هو يريدها فسيتزوجها. هذا هو الأمر.
لم تستطع منع ابتسامتها من الظهور. كانت تشعر أن قلبها ينبض بعنف. رباه… هل هذا حلم جميل كباقي أحلامها؟ هل حقاً يعرض عليها الزواج؟ ارتاح قلبه وهو يرى تورد وجهها. الابتسامة الخجولة على شفتيها… تلك إشارات أنها راغبة. هي تريد الزواج منه. ابتسم وعينيه العسلية لمعت ولكنه وضع عينيه في الأرض وقال: "رقم الوالد ممكن؟ أمسكت ورقة ودونته بسرعة وهي تعطيه إياه ثم تختفي من أمامه بسرعة. ضحك وهو يضع الورقة بجيبه. ثم اتجه إلى صديقه عثمان
وهو يعانقه بقوة ويقول: "عثمان، أخدت رقم والدها وخلاص هتقدملها." ضحك عثمان وهو يربت على ظهره ويقول: "مبروك يا صاحبي." "هيتقدملك!! " صرخت بها سلوى بحماس لتضع أريام كفها على فمها وتقول: "بس اسكتي… اسكتي فضحتيني." أبعدت سلوى كف أريام وقالت: "خلاص هيتقدملك يعني." ابتسمت أريام بسعادة وهي تهز رأسها وتقول: "هو اللي قالي." ضحكت سلوى وهي تعانقها وتقول: "ألف مبروك يا روحي… ألف مبروك… بجد فرحتلك أوووي." ابتسمت أريام وقالت:
"الله يبارك فيكي يا عمري وعقبالك يارب." ابتسمت سلوى ببهوت وقالت: "خلاص أنا أخدت نصيبي الحمدلله وراضية بيه… ربنا يراضيكي يارب… انتِ بنت حلال وتستاهلي." نظرت أريام بحزن إلى صديقتها سلوى. تمنت أن تواسيها ولكنها فشلت كعادتها. فاكتفت بالدعاء لها أن يعوضها الله عن كل لحظة حزن عاشتها. "دلوقتي يا بطل الأهم إزاي هتفتح الموضوع مع أهلك… أكيد هيتصدموا." قالها عثمان وهو يمازح أمجد. فجأة بهتت ابتسامة أمجد وكأنه تذكر شيئاً وقال:
"عثمان أنا كده أناني صح؟ "ليه بتقول كده؟ " قالها عثمان عابساً ليرد هو: "أنا قررت اتجوز وأشوف حياتي… مش كان أولى أطمن على أختي الأول… رحيق لازم تتجوز وبعدين أنا…" "إيه اللي أنت بتقوله ده يا صاحبي… متخيلتش تكون بالتفكير ده. يا أمجد دي قدر وربنا كاتبه… واختك بإذن الله نصيبها موجود وهتشوف هتتجوز قريب بإذن الله. لكن حرام توقف حياتك… انت ادعي ربنا وقول يارب." "بس أنا كده بجرحها." ربت عثمان على كتفه.
"لا بتجرحها ولا حاجة… اختك طيبة وهتتمنالك الخير. انت توكل على الله بس. هو لو عرفت أنك عايز توقف حياتك عشانها هتزعل والله. انت كده هتزعلها مش هتقف جمبها. وبعدين خلاص قلت للبنت إنك هتتقدم حرام عليك تكسر قلبها." تنفس أمجد بعنف وهو يحاول تهدئة ضميره. هو يخاف على مشاعر رحيق. لو أخبرها بهذا الأمر… هل من الممكن أن تحزن؟ رباه هو لا يريد أحزانها. يتمنى من كل قلبه أن تتزوج من يقدرها.
تجمدت للحظات وهي تنظر إليه بصدمة. لا يمكن أن يكون جدي!!! ماذا يقول هذا؟ هل فقد عقله؟ ظلت تنظر إليه للحظات وقالت: "أفندم حضرتك بتقول إيه؟ ارتبك وهو ينظر إليها وقال: "إيه اللي قولته غلط؟ أنا عايز أتقدملك حسب الشرع والأصول… أنا غلطت ولا إيه؟ هزت رأسها وهي تشعر أنها فقدت عقلها. ثم قالت: "أنت عندك كام سنة؟ "خمسة وعشرين سنة." ابتسمت بسخرية وقالت:
"وأنا هكمل التلاتين بعد شهرين… يعني أكبر منك بخمس سنين… أنت إزاي بس فكرت كده." ثم تركته مصدوم. لا يصدق أن المرأة الوحيدة التي أُعجب بها أكبر منه بخمس سنوات. شعر بالإرتباك وكأن جميع الأحلام التي رسمها تدمرت أمامه الآن وهي تلقي الحقيقة في وجهه. خمس سنوات… رباه… هذا كثير!!!
ولجت رحيق ال. غرفة المعلمات قبل الطابور المدرسي وهي تنهت بإنفعال. ولحسن الحظ لم تجد أحد. اقتربت من المنضدة الكبيرة وجلست عليها وهي تشعر بنفسها ترتعش بقوة. رباه… هل ما حدث منذ قليل حقيقي؟ هل عرض عليها الزواج شاب أصغر منها؟ ابتسمت ساخرة وهي تردد: "الراجل من همه هيتجوز قد أمه." ثم أطرقت برأسها وهي تنظر أرضاً.
"صباح الخير يا جميل." قالتها مادونا بإبتسامة سعيدة وهي تلج للغرفة ولكن الابتسامة تلاشت من شفتيها وهي ترى حالة رحيق المتوترة. اقتربت منها وهي تقول: "فيه إيه يا رحيق؟ تنفست رحيق بتوتر وقالت: "لا مفيش حاجة." "مفيش حاجة إيه يا بنتي… باين على وشك التوتر ليه؟ رحيق أنتِ مخبية عليا إيه؟ بجد هزعل منك لو متكلمتيش. يالا انطقي. إيه اللي حصل وخلاكي في الحالة دي." ازدردت رحيق ريقها وقالت: "مش هتصدقي اللي حصل."
"يا بنتي ما تقولي إيه اللي حصل؟ أنا أكيد مش هنجم وأعرف من نفسي يعني. إيه اللي حصل وزلزلك كده؟ فيه حد ضايقك؟ أغمضت رحيق عينيها بتعب وهي تفرك عينيها بينما كفيها يرتعشان بشكل واضح. كيف تخبرها بهذا الهراء؟ من المؤكد أن مادونا سوف تسخر منها الآن. "نظرت إليها مادونا بحيرة وقالت: "يا بنتي ما تنطقي فيه إيه؟ هنقعد طول العمر واحنا باصين لبعض كده." "أنا فيه واحد عايز يطلب إيدي." "مين ده… حد من طرف مس وفاء تاني؟
هزت رحيق رأسها وهي تقول: "لا حد تاني." توسعت عيني مادونا وهي تقترب منها أكثر وتقول بفضول: "مين ها… قولى مين؟ أطرقت برأسها وهي تحاول أن تجمع كلامها. ما زالت تشعر أن جسدها بالكامل يرتعش. "يا بنتي ما تقولي مين بس." "استاذ الفيزياء الجديد." قالتها بسرعة وهي تفرك كفيها بتوتر. ثم أكملت: "وقفني النهاردة وطلب مني رقم حد من عيلتي عشان يتقدملي. أنا اتصدمت." "طيب وكان رد فعلك إيه؟
"رفضت طبعاً يا مادونا. الراجل أصغر مني بخمس سنين… خمس سنين بحالهم!!! "وفيها إيه يعني؟ " قالتها مادونا بإعتراض. لـتتسع عيني رحيق وتقول: "سامعة نفسك بتقولي إيه يا مادونا؟ بقولك أصغر مني بخمس سنين… إزاي بس أتزوجه… لا طبعاً." "هو حرام يا رحيق." "مادام الراجل عايزك على سنة الله ورسوله خلاص. لا حرام ولا عيب." "لا عيب يا مادونا. لو حصل وارتبطت بيه مش هخلص من كلام الناس."
"يا روحي الناس كده كده بتتكلم انتِ مش هتقدري تمنعيهم." "بس كلامهم هيأثر للأسف. هيخلونا تحت ضغط. وأنا الوحيدة اللي هخسر لما يتكسر قلبي تاني. متحاوليش تقنعيني يا مادونا. الموضوع ده مرفوض." فتحت عينيها وهي تجد نفسها بمفردها في الفراش. ظلت لثواني لتستوعب ماذا حدث بالأمس وسرعان ما تخضب وجنتيها باللون الأحمر. شعرت بأن قلبها ينبض بعنف داخل صدرها. هل ما حدث حقيقي؟ هل لمسها جورج بتلك الطريقة؟
غطت وجهها وهي تشعر بالخجل من تدافع الذكريات لعقلها. كانت الذكريات تندفع بقوة لعقلها دون أن تستطيع أيقافها. هزت رأسها وهي تحاول نفس تلك الأفكار عنها ثم بحثت عن ملابسها كي تنهض. خرجت من الغرفة وهي تزرر منامتها الحريرية بينما عينيها تبحث عنه. أخيراً وجدته في المطبخ يعد له كوب قهوة. ابتسمت بسعادة وهي تقترب منه بهدوء. ثم برفق عانقته وهي تحاوط خصره بينما تضع رأسها على ظهره وتقول: "صباح الخير يا حبيبي."
تجمد جسده كلياً بينما هي تطبع قبلة على ظهره. "انت بتعمل إيه؟ " سألته وهي غير مدركة لتجمده بين ذراعيها. "هكون بعمل إيه يعني؟ بعمل قهوة عشان أروح الشغل." نبرته الساخرة دمرت اللحظة التي تعيشها. ابتعدت قليلاً ليستدير هو. نظراته العاطفية اختفت تماماً وحل محلها البرود. كان ينظر إليها ببرود وسخرية. كان مختلف تماماً عن هذا الرجل الذي كان بين ذراعيها أمس. "فيه حاجة يا جورج. أنا عملت حاجة غلط."
"لا معملتيش. اهتميتي بيا وأنا مريض وأنا بشكرك على ده رغم أنك مش ملزمة خالص." "مش ملزمة!!! " قالتها بصدمة ليرد هو ببساطة: "أيوه مش ملزمة ولا حاجة. ده كلامك. مش قولتي إن حياتنا هتبقى منفصلة؟ كل واحد يعتمد على نفسه. بس كتر خيرك يعني مش هنسى جميلك ده طول حياتي." توسعت عينيها وهي تنظر إليه وكأنه فقد عقله. وقالت: "انت بتقول إيه؟ "بقول إيه؟ ده كلامك." تراجعت قليلاً وهي تشعر بالتشويش. ماذا يعني كلامه؟
وماذا يعني ما حدث بالأمس بينهما؟ "مالك مصدومة كده ليه؟ أنا بردد كلامك مش أكتر من كده." "واللي حصل بيننا امبارح؟ " قالتها ببهوت لـيهز كتفيه ببرود ويقول: "غلطة." "غلطة!!! " شايفة اللي حصل امبارح غلطة؟ قالتها بصدمة الدموع تملأ عينيها ولكن بطريقة ما حبستها قهراً. كانت تشعر أنها بكابوس. رباه ماذا يقول؟ هي تحلم بكل تأكيد. كان الشعور بالذنب يكسو وجهه. كان عاجزاً عن التحدث أو التبرير. لا يعرف أين كان عقله.
"ماريانا ممكن أسمعيني." "لا لا متبررش. انت كرر اللي قولته. اللي حصل بيننا امبارح غلطة صح؟ على أساس إني صاحبتك مش مراتك. انت مختل عقلياً مستحيل تكون إنسان طبيعي!!! "ماريانا لو سمحتي." "اخرس بقا!!! " صرخت بها والدموع تنفجر من عينيها ثم أخذت تحطم الأكواب الزجاجية وهي تصرخ بكل انهيار. خاف من ردة فعلها القوية وكأنها أخيراً قررت تنفجر به. غطت أذنها بقوة وهي تصرخ:
"لحد إمتى… لحد إمتى هتموتني وأنا حية. لحد إمتى مصر بتحرق قلبي. أنا عملتلك إيه. بتعاقب ليه؟ "ماريانا أبوس إيديكي اهدي." "اخرس. اياك تتكلم. أنا بكرهك. بكرهك يا جورج. اطلع برا مش عايزة أشوفك. مش عايزة خلاص." ثم سقطت على الأرض وهي تغطي وجهها بكفيها وتبكي كما لم تبكي من قبل. ارتعب وهو يراها في تلك الحالة وجلس بجوارها وحاول لمسها إلا أنها انتفضت وهي تنتحب وتصرخ: "متلمسنيش. اياك تلمسني. انت فاهم. اياك!
كانت تصرخ به وهي تشعر وكأنها سوف تموت. لقد خذلها مجدداً. حطمها مجدداً. لم يتكلم وهو ينظر إليها وهي تموت. كانت مجروحة كجندي خسر أهم معركة بحياته. لقد خسرت مجدداً. في قصة حبهما تلك كانت هي الخاسرة دوماً. هي المحطمة للأبد. نظرت إليه بخيبة أمل وقالت:
"أنا بكرة قلبي عشان حبك. وبكره الحب. بكره الحب اللي مخليني ضعيفة قصادك للدرجة دي. ادفع عمري كله وأبطل أحبك وساعتها مش هتردد لثانية إني أمشي. صدقني يا جورج اليوم ده هيجي. هيجي اليوم اللي هقولك إني بطلت أحبك. هيجي اليوم اللي هقول فيه إني اتحررت منك." في المساء.
وقفت أمام المرآة وهي تسرح شعرها. كانت تنفخ بضيق. لقد فعلت ما قالته نوران لها ولكن لا فائدة. لم تتغير لا نظراته ولا تعامله. كل ما نالته هي نظرة الدهشة التي تلقتها منه عندما ارتدت الخمار. هي الآن تختنق. تشعر أنها منافقة. ترتدي واسع لكي تعجب أمجد. تلك الحقيقة تجعلها تشعر بالإختناق. تلك الحقيقة تثقل ضميرها حقاً. لا يمكنها العيش في صراع أكثر من هذا. صحيح أنها بدأت هذا الطريق من أجل أمجد ولكنه سوف تكمله للنهاية لأنها أحبت
القرب من الله. سواء حصلت على أمجد أم لا هذا هو سيكون نمط حياتها. لا مزيد من الملابس التي لا ترضي الله أو من العطور. أو مستحضرات التجميل. لن تغضب ربها أبداً. وكما أنها سوف تضع النقاط على الحروف اليوم. ستعترف بحقيقة مشاعرها لأمجد. ستخبره أنها تراه أكثر من شقيق. لن تنتظره ليعترف.
انتهت من تمشيط شعرها ثم ارتدت فستانها الكريمي ثم اتبعته بالخمار. ابتسمت وهي تنظر لشكلها دون مساحيق تجميل. إنها جميلة حقاً دون أي شيء. وعينيها الواسعة هي أساس جمالها. خرجت من غرفتها وامسكت حقيبتها وهي تقول: "ماما أنا رايحة أقعد مع نوران شوية."
ابتسمت شربات من التغير الملحوظ لابنتها. جيلان تغيرت كلياً بالفعل. نضجت قليلاً وأصبحت ملابسها محتشمة. حتى أنها توقفت عن وضع مساحيق التجميل. بدأت تهتم بدروسها وصلاتها. لا تعرف كيف تغيرت ابنتها بهذا الشكل. ولكنها حقاً ممتنة للسبب مهما كان. في غرفة نوران.
كانت نوران متسطحة على فراشها تنظر للسقف بينما الدموع تحرق عينيها. ضميرها لا يتوقف عن جلدها. يخبرها كم أنها أمرأة رخيصة لأنها كادت أن تسلم نفسها لهذا الحقير. منذ ما حدث وهي تحبس نفسها بغرفتها. حتى لم تذهب إلى الجامعة. ادعت المرض وقررت أن تنام لتنسى ما حدث. ولكن عادل لا يتركها. كان يتصل بها كالمجنون ولكنها لم ترد. ولن ترد عليه. ولن تسامحه على ما فعله بها. هي تكرهه وتكره نفسها.
تـكورت على نفسها والدموع تنسكب من عينيها دون توقف. فجأة انتفضت وطـرقة خفيفة على الباب. نهضت بسرعة وهي تمسح دموعها وقالت: "اتفضل." ولجت جيلان للغرفة وهي تقول: "مالك يا نوران فيه إيه؟ ابتسمت بشحوب وقالت: "مفيش يا روحي بس أنا تعبانة شوية." نظرت إليها جيلان بقلق وقالت: "طيب تحبي نروح الدكتور؟ هزت نوران رأسها وهي تقول:
"أمي من الصبح بتضغط عليا بس أنا مش عايزة. مجرد إرهاق بس. فكك مني أنا. انتِ إيه الجمال ده. برافو عليكي ماشية في الطريق الصح." ابتسمت جيلان بإيجاز وقالت: "تعرفي… أنا فعلاً دخلت الطريق ده عشان أخوكي وعشان أعجبه. بس بجد دلوقتي أنا حبيت نمط حياتي ده. حبيت أوووي إني قريبة من ربنا. القرب من ربنا يا نوران بيخلينا حاسيين براحة ملهاش زي." ابتسمت نوران وقالت والذنب يثقل ضميرها: "عندك حق."
وكادت أن تتكلم مرة أخرى إلا أنهما انتفضا على صوت زغرودة!!! عبست جيلان وهي تنظر إلى نوران. وسرعان ما نهضا وهما يخرجان. كان أمجد يقف ورحيق تعانقه وهي تبارك له بإبتسامة سعيدة حقيقية. "هو فيه إيه؟ " قالتها نوران بحيرة. لتبتسم والدتها وتقول: "أخيراً أمجد ربنا كرمه. خلاص أخوكي هيتجوز. رايح الأسبوع اللي جاي عشان يتقدم لزميلته في الشغل."
بهتت نوران بينما تراجعت جيلان للخلف وهي تشعر وكأن أحداً ما مزق قلبها. حاربت الدموع كي لا تتسلل من عينيها وقالت بصوت مرتجف وهي تطرق برأسها أسفل: "مبروك يا أمجد ربنا يتمملك بخير." ابتسم لها وقال: "الله يبارك فيكي يا جيلان عقبالك يارب." "كل سنة وانتِ طيبة." قالها أمير بلطف لسما التي تجلس على الأريكة تقرأ إحدى رواياتها الرعب المفضلة. نظرت إليه بحيرة ليرد: "مش النهاردة عيد ميلادك."
"مبححتفلش بعيد ميلادي." قالتها ببرود وهي تكمل قراءة رواياتها. ابتسم وهو يسحب الرواية منها ويقول: "خلاص نحتفل بيه لأول مرة." نهضت وقالت بإنفعال: "انت عايز إيه يا أمير؟ إيه الحنية الغريبة دي." "سما ممكن نتكلم مرة من غير ما نتخانق. مرة واحدة بس. عشان خاطر عمر على الأقل." زفرت بضيق وجلست مكانها وهي تقول: "خير عايز إيه؟
"عايز نبدأ صفحة جديدة أنا وانتِ. من غير تجاوز أو مشاكل مع بعض. أنا عارف إن كنت سخيف أووي معاكي. وأنا بعتذر. وجاي أمد إيدي ليكي عشان نبدأ من جديد." نظرت إليه بتوجس وهي تقول: "انت عايز إيه بالظبط. أصل اللي في دماغك مش هيحصل. جوازنا مش حقيقي." "لا لا مخك راح بعيد. أنا أقصد إننا نبقى أصدقاء بس. يعني بلاش نتخانق ونحافظ على الور بيننا. أنا عمري ما هنسى إنك اهتميتي بإبني. جميلك هشيله فوق راسي طول عمري. عشان
كده أنا بمد إيدي وبقول: خلينا نبقى أصحاب أو أخوات زي ما تحبي. إيه رأيك؟ جربيني مش هتخسري." نظرت إليه بتوجس وهي تصافحه وتقول: "أوك خلينا أخوات. ممكن تجيب الرواية بتاعتي بقا عايزة أخلصها." "طيب مش هنحتفل بعيد ميلادك." "لا الاحتفال الحقيقي إنك تسيبني أقرأ روايتي بسلام." ثم أخذت منه الرواية وبدأت تقرأ وهي تسحب اهتمامها عنه.
"ولا واحدة فيهم تنفع تكون زوجة. ولا واحدة فيهم تنفع تكون أم. أنا عايز زوجة وأم مش عارضة أزياء." صرخ عاصي في المساعد الخاص به ليرتجف الشاب وهو يتلعثم ويقول: "عاصي بيه اديني فرصة تانية. أبوس إيديك. المرة دي هجيب طلبك بالظبط."
لمعت عينيه الزرقاء بغضب وهو ينظر إليه. كان غضبه مخيف. الفترة العصبية التي يمر بها غيرت هذا الرجل اللطيف لذلك الوحش الكاسر. جلس عاصي على مقعده وكفيه يرتعشان بتوتر. كان غاضب. لا الغضب كلمة قليلة مقارنة ما يشعر به. لم يكن غاضب. بل يشتعل. تلك هي الكلمة المناسبة وكأن النيران بداخله لا تهدأ. نيران الخيانة تقتله. لقد عشق حد الموت. ومات بفعل العشق ولن يسمح لهذا الخطأ أن يتكرر. لن يسمح به أبداً. "أكبر منك بخمس سنين؟
لا يا بني كتير أوووي إيه اللي يرميك الرمية دي بس." قالتها متى بصدمة لمؤيد الذي فرك كفيه بتوتر ليقول: "ماما أنا عاوزها." "يا بني انت شفت شكلها؟ هز مؤيد رأسه لترد هي: "يعني ممكن يكون باين عليها السن. اتعلقت بيها إزاي بس. ما البنات كتير يا بني. سيبها لصاحب نصيبها وانت شوف بنت أصغر منك مش واحدة أكبر منك بخمس سنين." "ماما أنا عايزها هي." ضربت منى كف على كف وقالت:
"ما تتكلم يا محمد مع ابنك وعقله أنا مخي هيشت. معرفش بيفكر إزاي." نظر محمد إلى ابنه وقال: "يا بني لو أكبر منك بسنة ماشي. سنتين نتقبلها لكن خمس سنين كتير أوووي. صعب لا انت ولا هي هتكونوا مبسوطين. انت مش هتفهمها ولا هي كمان. فرق السن بينكم كبير." "أنا كل ده ميهمنيش ومش فاهمة. هو حرام إني أتزوج اللي عايزها." "يا بني انت بس مبتبصش لقدام. صدقني الجواز ده محكوم عليه بالفشل." عبس مؤيد وقال: "بتحكموا عليا بالفشل ليه؟
طيب ما تخلوني أتقدم يمكن هي اللي تكون من نصيبي. يمكن أبقى مبسوط. ليه حكمتوا عليا وعليها يا ماما. أنا مش عايز غيرها. ساعدوني. متقفوش في طريقي." هزت والدته رأسها بيأس وهي تنظر إليه. ثم نظرت إلى والده وقالت: "حاول تقنعه انت. أنا مش هتدخل. خلاص." نظر مؤيد إلى والده وقال:
"بابا انت عودتني إن لما أسمع قلبي. وقلبي عايزها. فرق السن ميهمنيش. أنا حاسس إن دي هي اللي هحبها. أنا عايزها. هي مش غيرها. لو عايز واحدة أصغر كنت أخدت أصغر. عادي. بس في لحظة بتقابل شخص قلبك بيقول هو ده. وقلبي بيقولي هي دي." "للاسف يا مؤيد اللي بيفكر بقلبه دايماً خسران. لازم تحكم عقلك. انت وهي مش هتتفقوا. الست بتحب الراجل يكون أكبر منها. كده يا بني هتشوفك عيل."
"انتوا بتحكموا بناء على إيه نفسي أفهم بتحكموا عليها وعليا وعلى حياتنا. هو أنا مليش رأي." "لا ليك بس إحنا أهلك وخايفين على مصلحتك. يا بني افهم. مش هنقدر نشوفك بتدمر حياتك ونسكت كده. الجواز ده محكوم عليه بالفشل. مش بنفكر فيك بس. بنفكر فيها كمان. مش هتتحمل كلام الناس." "طز في الناس. ميهمنيش رأيهم. أنا هتجوزها وخلاص انتهى الموضوع. لو سمحتوا محدش يحاول يقنعني بالعكس. هتقفوا جمبي ولا لا." زفرت منى بضيق من
عناد ابنها ولكن محمد قال: "طيب يا ابني هنروح نتقدملها. بس لازم تعرف إن ده قرارك انت واحنا نصحناك." هز رأسه وقد تشكلت ابتسامة رائعة على شفتيه. لا يصدق. هو يحلم بكل تأكيد. اقترب من والده ووالدته ثم ضمهما بقوة وهو يقول: "شكراً. بجدا شكراً. شكراً أوووي."
ولج لغرفته وهو يكاد يطير من السعادة. لا يصدق متى يأتي الغد كي يخبرها بهذا الخبر الرائع. لقد تيقن أنه يريدها. لا يهم شكلها أو سنها. هو يشعر بإنجذاب غريب نحوها. يريد أن يمر الوقت سريعاً كي يأخذ منها رقم والدها ويتقدم لها. لن يتركها. سيجعل والديه يقتنعان أنه لن يفشل. وأنه جدير بالثقة. سيحمي رحيق من كلام الناس. سيكون حارسها الأول. تسطح على الفراش وهو يغمض عينيه بينما يتخيل وجهها. يا ترى كيف ستبدو؟
يجب أن يعترف أنه لم يرى إلا عينيها فقط ولكن رغم ذلك أضحى يفكر بها دوماً. ربما هي جميلة فاتنة أو متوسطة الجمال. حسناً لا يهتم. المهم أنه يريدها في حياته بأي طريقة. في أحد المقاهي الراقية. "عايزني أتزوج على مزاجه يا نوال. طول عمره كده عايزني أعمل اللي على مزاجه وبس." قالها سيف بغضب ثم أكمل: "لا يهتم بمشاعري ولا بمشاعر مياس. أنا هتجنن يا نوال ليه بيعمل كده." نظرت إليه بحزن ليقول:
"أنا بحبك انتِ يا نوال وهتجوزك. مهما قال ومهما حاول يضغط عليا انتِ هتكوني اختياري الوحيد. أنا هحارب عشانك." كانت تنظر إليه والذنب يثقل ضميرها. تنهدت وقالت: "سيف متحاربش باباك عشان أي حد ولا حتى عشاني. انت فاهم. صدقني مستاهلش ده كله." وقبل أن يفهم قصدها نهضت مسرعة وهي تغادر المقهي. "انتِ مانعاني من ابني." صرخ لطيف بماجدة التي وقفت أمامه بكل قوة وهي تقول:
"ابنك تقدر تشوفه هنا وقدام عيوني. أنا مأمنش إنه يروح معاك في مكان. وده كان شرطي عشان أحفظ سرك فجاي دلوقتي تتكلم ليه؟ توسعت عينيه بغضب وقال: "ماجد متنسيش إن كريم يبقى ابني." "أنا فاكرة كويس. بس أنت اللي نسيت يا لطيف. وخلاص كفاية مش عايزة أقلب في الماضي. تشوف ابنك هنا قدام عيني." "ما انت في معظم الأوقات مش موجودة لا انتِ ولا ابنك." "عشان بشتغل." "وبتحضري دبلومة كمان." رفعت رأسها بقوة وقالت:
"أيوه بحضر دبلومة عشان أقدر أشتغل في مكان كويس وأأمن مستقبل ابني." أغمض لطيف عينيه وقال: "طيب وليه العند يا بنت الناس. ارجعلي وأنا معايا خير كتير مش هتحتاجي تتبهدلي بالشكل ده." "مستحيل أرجعلك لو هموت من الجوع أنا وابني. انسى الموضوع ده يا لطيف. ولو سمحت امشي دلوقتي يالا الوقت اتأخر." ثم دون انتظار أغلقت الباب بوجهه. في اليوم التالي.
انتظرها في بهو المدرسة وهو يرسم ابتسامة رائعة على شفتيه. اليوم سوف يأخذ خطوة رسمية. لن يتراجع أبداً. خفق قلبه داخل صدره بعنف وهو يراها تتقدم. ما إن رأته حتى ارتبكت وأطرقت رأسها في الأرض وكادت أن تتجاوزه لتذهب إلا أنه أوقفها وقال: "آنسة رحيق استني لو سمحتي." تكلمت بإنفعال وقالت: "استاذ مؤيد مينفعش كده. مش كل شوية توقفني. شكلي هيبقى وحش قدام زمايلي والطلبة. أنا بحاول بقدر الإمكان إني مضايقش حضرتك فلو سمحت متضايقنيش."
ابتسم بسماحة وقال: "حقك عليا. أنا بس عايز رقم والدك. عايز أتقدملك." توسعت عينيها بصدمة وقالت بإنفعال: "هو حضرتك مفهمتش اللي قولته ولا إيه؟ يا فندم أنا أكبر منك بخمس سنين. ولسه مصر." ابتسم وهز رأسه وقال: "ده مغيرش رأيي خالص. ما زلت حابب آخد رقم والدك عشان أتقدملك. لو سمحتي."
تجمدت مكانها. أرادت أن تهرب ولكنه بدا جدي للغاية. خافت حقاً أن تفعل ما يطلبه وعندما يراها يبتعد ويهرب كما فعل آخر رجل تقدم لها. تخاف أن تُكسر مجدداً. ابتلعت ريقها وهي تقول: "آسفة حضرتك. أنا أصلاً مش موافقة. حضرتك أصغر مني سناً مش شايفة إن فيه توافق." ثم حاولت أن تذهب إلا أنه وقف في طريقها وقال:
"آنسة رحيق. ليه متدينيش فرصة واحدة بس. خلينا نقعد ووقتها اعرفيني كويس وبعدين ارفضيني براحتك. لكن مترفضنيش كده من غير أي فرصة. حرام. أنا بجد عايز أتقدملك في الحلال ونيتي خير. صحيح ممكن أكون أصغر منك بس ممكن تلاقي تفكيري أنضج. واقعدي معايا وليكي الحق ترفضيني لو لقيتي العكس. بس لو سمحتي اديني فرصة واحدة بس. فرصة بس لو سمحتي."
نظرت إليه وقلبها يعتصر من الألم. الخوف كان يسيطر عليها. خوف الرفض. وخوف أن تضيع تلك الفرصة منها. هي مشتتة. لا تعرف ماذا تفعل. ولكنها قررت أن تخاطر. أسوأ ما سيحدث أنه سيرفضها عندما يراها. وهي اعتادت على الرفض. أصبح انكسار قلبها هو شيء اعتيادي تواجهه كل يوم. "والدي متوفي. هديك رقم أخويا." قالتها بخفوت ثم ذهبت من أمامه ليبتسم بكل سعادة.
"طيب جاية اهو." قالتها بتول بسرعة وهي تتجه نحو باب المنزل. فتحت الباب سريعاً لتتجمد وهي تجد شقيقتها أمامها. "سيلا!!! انتِ رجعتي!!! امسكت الهاتف وهي تنظر إليه بشرود. هو حتى لم يحضر جنازة خالته. هل يعقل أن تتصل به ليساعدها. علاقة مياس بابن خالتها معاذ انقطعت منذ زمن. لأنها رفضت الزواج منه. لذلك ابتعد عنها وسافر وتزوج أيضاً. ولكن رغم هذا لم يتصل بها مرة. لم يحاول مساعدتها. هل مناسب أن تطلب مساعدته الآن؟
كانت حائرة حقاً. أغمضت عينيها وهي تتصل به بالفعل. انتظرت بصبر إلى أن فتح الاتصال وقال بصوت مصدوم: "مياس!!! "معاذ أنا محتاجاك. لو سمحت تعالى خدني من هنا. لو سمحت!!!
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!