الفصل 12 | من 63 فصل

رواية اسرت قلبه الفصل الثاني عشر 12 - بقلم سوليية نصار

المشاهدات
33
كلمة
5,735
وقت القراءة
29 د
التقدم في الرواية 19%
حجم الخط: 18

ده آخرة إني أسيب ابني معاكي يا هانم. الواد كان هيموت وحضرتك كنتي بتتسرمحي! صرخ لطيف بها بينما هي تجلس بجوار ابنها الصغير الراقد بالمشفى. منظره هذا يجعل قلبها يخفق بألم. انسابت الدموع من عينيها وشهقت يخفوت وكلامها ينخر قلبها فيؤلمها أكثر. قالت بصوت منخفض:

خلاص يا لطيف ابوس ايديك خلاص. أنا كمان بموت من القهر على ابني. بعدين أنا مكنتش بتسرمح، أنا بشتغل وادرس عشان أقدر أعيش ابني كويس. عشان يطلع ميبصش للي زيه، مش عايزة أحرمه من اللي أنا اتحرمت منه. نظر إليها بقسوة وهدر: أنا كنت معيش ابني في مستوى كويس ومعيشك انتِ كمان، بس انتِ اتبترتي على النعمة. -انت عايز أعشّي ابني على فلوس حرام؟

فلوس انت بتاخدها على حساب قهر كل أم على ابنها، على حساب تدمير كل عيلة. فلوس تجارة المخدرات دي أنا لو هموت من الجوع أنا وابني مش هاخدها أبداً. ابتسم بشر وقال: تمام، خلي ابنك يموت من الجوع أو من إهمالك. واسمعيني كويس، أنا هعمل كل اللي أقدر عليه عشان آخد ابني ووقتها مش هخليكي تشوفيه أبداً. رفعت رأسها ونظرت إليه وقالت: أنا عايزاك تعمل كده عشان بالأدلة اللي معايا أرميك في السجن طول حياتك. وإن كنت ناسي أفكرك!

كانت تنظر إليه بقوة. قوتها تلك جعلته يعقد حاجبيه بقوة. لم يتخيل أبداً أن تكون هي بتلك القوة. أن تجرؤ على تهديده هو!

كان حقاً مصدوم. ولكنها تلك الأدلة التي معها هي من تجعلها تهدده الآن بثقة. وللأسف الشديد لا يعرف أين وضعتها، ولكنه متأكد أنها أعطتها لشخص ما. وإن حدث وإذاها سوف ينكشف كل شيء وهو لا يريد هذا. هو من الأساس لا يريد أن يؤذيها. هي لا تصدقه، ولكنه حقاً يحبها. هو مغرم بها. لا يمكنه محو ذكرياتهما من عقله. صحيح أن زواجهما كان مدبر، ولكنه أحبها منذ أول لحظة رآها. أحب خجلها المميز، ابتسامتها الرائعة. وقع في غرامها وتزوجها. ثم عاش معها أجمل أيام حياته حتى أنجبت له. ولكن ما حدث بعد ذلك دمر حياتهما. فكر بهذا ثم أغمض عينيه بتعب.

ثم فتح عينيه مرة أخرى وقال بقوة: أقسم بالله لو أهملتي ابني مرة تانية لأخده منك وتحبسيني، متحبسنيش دي متهمنيش، فاهمة ولا لا! ثم تركها وغادر لتفرك وجهها بتوتر. كان وجهها متقلص من الألم. الخوف أن ينفذ هو تهديده، لا يمكنها أن تخسر ابنها. هو كل ما تمتلكه. ألا يكفي أنها خسرت من قبله. فكرت ببؤس والدموع تنفجر من عينيها.

طرقة بسيطة على الباب جعلتها تنتفض بخفوت. نظرت لتجد جارتها تتقدم نحوها وهي ناكسة رأسها في الأرض. كانت لا تعرف ماذا ستقول. هي من أهملت في الصغير حتى حدث ما حدث ولن تسامح نفسها أبداً. -أهلاً بيكي يا أم مصطفى. انسابت دموعها وهي تقترب من ماجدة وهي تقول: سامحيني يا ماجدة. أنا آسفة. أنا أهملت ابنك. لولا أني سهيت شوية مكانش هيقع من على السلالم. أبوس إيديكي سامحيني! ابتسمت ماجدة بسماح وقالت:

محصلش حاجة يا أم مصطفى خلاص، الحمد لله الدكتور طمنا عليه. الحمد لله على كل حال. كتر خيرك. مسحت والدة مصطفى ميسر دموعها وقالت: أنا برضه السبب يا ماجدة. ده كان أمانتي وأنا اللي أهملت. أنا عمري ما هسامح نفسي أبداً. أبداً. ربتت ماجدة على كتفها وصمتت. لم تكن قادرة على مواستها. هي أيضاً كانت حزينة. بسبب كل كل يحدث لها! ... -تتجوز مين؟ انت أهبل ولا إيه اللي الخرافات اللي بتقولها دي؟ هو أنا لعبة بينك وبين والدك؟

لا أنسى الكلام الفاضي ده. أنا مستحيل أوافق على الهبل اللي بتقولوه ده. والبيت ده مش هقعد فيه ثانية واحدة! صرخت بها مياس والدموع تلسع عينيها. ماذا يظنان هما؟ ها هي لعبة بين أيديهما. كيف يجرؤان على معاملتها بتلك الطريقة؟ هل أصبحت دمية بيد عائلة الحسيني.

نظر سيف إلى غضبها وهو يشعر بالقهر. لا يعرف كيف خرجت من فمه تلك الكلمة. هو أراد أن يكسر نوال. أراد أن ينتقم بها. أن يحرق قلبها كما هي أحرقت قلبه. وأسكت ضميره الذي أخبره أنه يستغل مياس. رأي مياس تذهب بغضب إلى غرفتها لينظر إلى والدها فيقول: إيه حصل اللي قولته ولا إيه؟ ظهرت حقيقة التانية صح؟ نظر سيف إلى والده بجمود وقد أطفأ بريق الدموع غضبه الشديد. نظر جلال إلى ابنه وقد أشفق عليه واقترب منه وهو يقول: مالك يا سيف؟

-أنت كان عندك حق يا بابا. أنا إنسان فاشل في اختياراتي. من هنا ورايح انت اللي هتمشي حياتي. من ناحيتي أنا موافق على مياس ومستعد أتجوزها من بكرة لو عايز! ... -والدتك كلمتني إنك بترفض أي حد من غير ما تشوفيه أصلاً يا جيلان، ممكن أعرف إيه المشكلة؟ قالها أمجد وهو ينظر للأرض. لا يعرف لماذا تصر زوجة عمه على إقحامه في هذا الأمر. ماذا تريد من كل هذا؟

الموضوع محرج أن يتكلم معها في تلك النقطة خاصة وأنه يشعر بانجذابها له. نعم هو يعلم ولم ينكر الأمر. يعلم منذ البداية. شجارها معه لم يكن سوى غطاء لتخفي مشاعرها الواضحة أمامه. عينيها التي تلمع له تجعله يختنق. لأنه لا يستطيع أن يبادلها تلك المشاعر. رباه أنها صغيرة للغاية. ما زالت في سنتها الأولى في الجامعة وهو كاد أن يبلغ الثلاثين! بماذا تفكر تلك الفتاة.

رفعت جيلان عينيها وهي تنظر إلى والدتها بلوم وانكسار. لقد فهمت ما تريد والدتها فعله. أنها تريد أن تجعلها ترى بنفسها أن أمجد لا يهتم بها. أنه بسهولة سيدفعها نحو الزواج بسهولة. هي تعلم أنه لا يهتم بها قيد أنملة ولكن ما سيفعله سوف يحطم قلبها. أن يدفعها الشخص الذي تحبه أكثر من أي شيء نحو الزواج بنفسه هذا الأمر يقتلها من الداخل. لسعت الدموع عينيها وهي ترفع رأسها وتنظر لوالدتها ثم قالت بصوت مرتجف:

دي حياتي أنا يا شيخ أمجد واظن إنك ملكش أي دخل بيها. -جيلان عيب! نهرتها والدتها ثم أكملت: فعلاً مشوفتيش تربية. نظرت إلى والدتها بقهر وقالت: ليه بتدخليه في حياتنا ليه؟ أنا حرة أتزوج متزوجش، هو عشان بابا مات يبقى هو ولي أمري! شعر أمجد بالغضب. أنه لا يشعر بهذا الغضب الشديد أبداً ولكنها حقاً تخرجه عن طوره. لا يرغب أبداً بتحطيم قلبها ولكنها مصرة على التمسك بوهم.

كان غضبه يتفاقم ولكنه سيطر على نفسه وهو ينظر إليها بدون رضا. كانت هي ترفع رأسه تناظره بتحدي. بينما طبقة رقيقة من الدموع تتكون بعينيها كان يشعر بحزنها. بغضبها. يعلم ما تعانيه ولكن يجب أن تعرف حقيقة أنه حتى لو لم يكن خاطب لم يكن لينظر إليها. الموضوع بالنسبة إليه غريب. هو يعتبرها كـ نوران مستحيل أن ينظر إليها بطريقة أخرى. هذا سيكون شاذ للغاية. أنه يراها كشقيقته الصغيرة. تنهد ليسيطر على غضبه وقال:

لا طبعاً مش ولي أمرك يا جيلان بس انتِ أختي الصغيرة وأمرك يهمني. رأي الجرح في عينيها. هو قصد أن يخبرها أنها كشقيقته الصغرى كي لا تبني أي أحلام بشأنه. نعم هذا يجرحها ولكن أن ينتهي الأمر الآن هذا أفضل. لا يمكنها أن تبني أحلاماً بشأنه. ليس تلك الزوجة التي يطمح إليها. هو يريد امرأة مسئولة وليس طفلة مدللة كجيلان! وأدت جيلان الجرح بعينيها ورفعت ذقنها وهي تجيبه بتحدي:

لا متخافش عليا. أنا أكيد هتجوز بس بعد ما أخلص دراستي. مش حابة أنشغل بأي حاجة دلوقتي. دراستي هي أولويتي. أخلص بس كلية وبعدين أول عريس مناسب هوافق عليه يا ابن عمي. أكيد متقلقش.

تنهد براحة وهو يهز رأسه ربما انتهى الأمر بخير. ربما مشاعرها تلك نحوه مشاعر إعجاب سوف تتلاشى وحينها سوف تجد الرجل الذي يستحقها الرجل الذي يحبها لذاتها. وحينها سوف تبقى سعيدة. لن يجد ذلك الحزن في عينيها. هو طالما عهدها مدللة. مرحة لا تعرف الحزن وهذا ما يريده أن تكون دوماً. يريد منها أن تكون مليئة بالسعادة والأمل. هذا ما يليق بجيلان. نهض مبتسماً وقال:

أنا شايف أن جيلان عندها وجهة نظر وهي عندها طموح يا مرات عمي. سيبيها تحقق كيانها وبعدين العريس جاي جاي. مش كده؟ هزت رأسها تأكيداً على كلامه وهي تناظره بتحدي. ... في اليوم التالي. -يا ماما أنا بحبه!

قالتها أريام والدموع بعينيها. كانت تنظر إلى والدتها التي تجلس على الأريكة تناظرها بقوة بينما والدها يجلس بجوارها دون أن يستطيع أن يدافع عن ابنته أو عن حقها. لقد تنازل عن هذا الحق منذ زمن. تنازل عن حق أن يكون رجل المنزل وترك زوجته تقوده والنتيجة هو لا يستطيع حتى أن يعارض قرارات زوجته المجحفة بحق ابنتهما.

كانت والدتها تنظر إليها ببرود. تراها منهارة من أجل رجل. كم هي حمقاء. ابنتها الغبية ورثت جانب والدها العاطفي. وهي أكثر من تعرف أن العاطفة تدمر المرء. -ممكن تسكتي! قالتها بصوت قوي ثم أكملت: بطلي عياط ونواح خلاص عصبتيني. على إيه العياط ده كله؟ وعلى مين أصلاً؟

انتِ إزاي تعيطي على راجل أصلاً وواحد مش شاريكي. لو بينتي إنك منهارة بالشكل ده هيجي عليكي. لازم تفهميه إنه آخر همك. وإنه لو منفذش اللي طلبناه يبقى خلاص كل واحد يروح لحاله! شهقت أريام بقوة وهي تشعر أن قلبها يكاد ينخلع من مكانها. أن تتخيل أن تنهي كل ما بينهما بعد ما طلبته يومياً من ربها. لقد دعت كثيراً أن يكون من نصيبها والآن تتخلى عنه بكل بساطة. كيف يمكن أن تفعل هذا؟ مجرد التفكير في الأمر يجعلها تشعر بالرعب.

هزت رأسها وقالت: أمي بتقولي إيه بس. أنا مش عايزة أسيب أمجد. ابتسمت هي بثقة وقالت: وأمجد متمسك بيكي. أنا بشوف ده في عينيه. وعشان هو متمسك بيكي هينفذ اللي هنطلبه منه. أنا بنتي متعش في المكان البيئة ده. ولا تعيش مع أمه وأخواته. لازم تعملي لنفسك شخصية من الأول. مش لازم تخلي جوزك هو اللي يقودك. لازم يبقى العكس. لازم الكلمة تكون هي كلمتك أنتِ.

ابتلعت أريام ريقها وهي تنظر إلى والدها الذي وضع عينيه بالأرض وهو لا يستطيع أن يعارضها أو يتكلم.

انسابت الدموع من عيني أريام وهي ترى والدتها تزرع بها الأفكار المسمومة. لقد أحبت والدها وشفقت عليه وكرهته بنفس الوقت. كرهت ضعفه هذا. لم تشعر أبداً أنه سند لها. كانت تراه دوماً شخصية ضعيفة. تستطيع والدتها أن تجعله طوع أمرها. شخص مثل هذا ما كان سيحميها وربما هذا الذي جعلها تنجذب وتحب أمجد لأن ترى بها القوة التي افتقدتها لدى والدها. ترى أنه رجل يعتمد عليه. رجل تشعر بالأمان في ظل وجوده معها. هي لا تريد أن تجعل أمجد نسخة

من والدها. لا تريد أن تفرض رأيها عليه. هي تريد أمجد كما هو. تريده أن يكون هو الرجل وليس العكس. تريد أن تشعر بالأمان في ظله. لا تريد تحويله أبداً لنسخة ثانية لوالدها. لا تريد لابنتهما في المستقبل أن تشعر مثله الآن. لا تريدها أن تكره والدها وتشفق عليه في ذات الوقت!

-بس أنا مش عايزة أمجد يكون كده يا ماما. أنا مش عايزة كلمتي هي اللي تمشي عليه. مش عايزة أسيطر عليه. أنا عايزة علاقتنا تمشي بشكل طبيعي. مش عايزاه تكون علاقة مشوهة. مش عايزة حد فينا يكون هو الطرف الضعيف. الطرف اللي بينفذ وبس. أنا عايزة حياتنا تبقى فيها مشاركة. محبة ومودة. مش سيطرة واستغلال. أنا مش كده يا ماما وأنتِ عارفة. قلبت والدتها شفتيها بسخرية وقالت:

غبية زي أبوكي يا قلب أمك. هتشوفي بكرة أمجد وأمه وأخواته هيخلوكي خدامة. مش هتمسعي كلامي هتغرقي وأنتِ حرة يا أريام أنا حذرتك. اللي زي أمجد عايز اللي تسيطر عليه مش العكس لأنه هيتعبك وهتشوفي كلامي هو اللي هيكون صح يا بنت بطني. ... -أفندم! قالها بغضب وهو ينظر إليها. كانت تقف أمام الباب وهي ترتعش بقوة. ازدردت ريقها وهي تقول بصوت باهت: ممكن أدخل؟ -تدخلي فين؟

أنا وضحتلك إنك مش هتدخلي أي محاضرة ليا تاني. اتفضلي امشي وتعالي قابليني لو نجحتي في مادتي. توسعت عينيها برعب وهي تنظر إليه. لا تصدق ما يقوله. حاولت أن تتكلم أن تبرر أو تدافع ولكنه اقترب بهدوء وقال: لو سمحتي روحي دلوقتي عايز أكمل محاضرتي مع الناس اللي بتلتزم. يالا برا. انسابت الدموع عينيها وكسا الانكسار ملامحها. بسرعة استدارت ثم ذهبت مسرعة وهي تبكي وتشهق.

زفر وهو يشعر بضيق غريب. هو لا يتعامل بتلك الطريقة مع النساء فماذا به؟ لما تلك هي المرأة الوحيدة التي تثير أعصابه؟ هز رأسه لينفض الأفكار عن عقله ثم أكمل شرحه. ... في مكتبه كان يجلس وهو يشرب كوب الشاي الخاص به بينما بيده بضعة أوراق يطلع عليها. رفع رأسه عندما شعر بأحدهما يدق الباب. ابتسم بلطف وهو يرى ميادة إحدى أفضل طلابه. كانت طالبة حقاً مجتهدة رغم صغر سنها. هي أصغر طالبة تقريباً ولكنها تفوق الجميع.

-إزاي حضرتك يا دكتور؟ -الحمد لله يا ميادة اتفضلي فيه حاجة مفهمتهاش من المحاضرة. ولجت للمكتب وهي تهز رأسها باسمة وتقول: لا طبعاً بس أنا جيت أتكلم معاك في موضوع معين تسمحلي؟ عبس بحيرة ونظر إليها. تُرى ما هو الموضوع التي تريد التحدث عنه؟ نفض حيرته جانباً. -طيب اقعدي واتكلمي.

جلست على المقعد وهي تفرك كفيها بتوتر. تخاف أن تتكلم فيغضب. هي لا تعرف لماذا يعامل ماجدة بتلك الطريقة. لماذا يغضب منها على أبسط الأسباب. يبدو وكأن بينهما ثأر. لولا أنها مقربة قليلاً من ماجدة لشكت أن ماجدة ويوسف يعرفان بعضهما من قبل. -إيه يا بنتي أنتِ جاية تسرحي هنا ولا إيه؟ مش قولتي هتتكلمي؟

قالها يوسف بمزاح ولكن الفضول كان يلمع بعينيه. فركت ميادة كفيها وهي تحاول تجميع الكلمات لكي تتكلم معه. وكما أنها كانت تجمع شجاعتها. بدأت في الكلام بنبرة مرتبكة خافتة: هو حضرتك ليه بتتعامل مع ماجدة بشكل سيء؟ نظر إليها بحيرة فعرفت أنه حتى لا يعرف اسمها فابتسمت ببساطة وقالت: ماجدة اللي هي الست اللي حضرتك طردتها النهاردة من المحاضرة. كسا وجهه البرود وقال: وانتِ بقا المحامية بتاعتها وهي بعتاكي عشان تدافعي عنها؟

ليه معندهاش لسان؟ هزت رأسها بسرعة ونفت وقالت: أبداً والله يا دكتور الموضوع مش كده أبداً. أنا بس عارفة ظروف ماجدة. والله دي إنسانة مكافحة. -الإنسان المكافح بيحضر محاضراته يا ميادة. ميسرحش أثناء المحاضرات ولا يسيب المحاضرات في النص ويمشي من غير سبب. هزت رأسها بالنفي للمرة الثانية وقالت:

يا دكتور والله هي مسابتش المحاضرة من غير سبب. ابنها وقع واتكسرت إيده وفضلت معاه. ماجدة والله الحياة جاية عليها أوي. اتطلقت وطليقها رما الحمل عليها بقت تشتغل وتدرس عشان تحسن من دخلها عشان خاطر متحرمش ابنها من حاجة. عاملة زي اللي بيدور في ساقية ومش بترتاح. والله يا دكتور هي مش مهملة هي بس تعيسة. حياتها مش ليها لابنها. بتعمل المستحيل عشان يكون مبسوط. ياريت حضرتك كمان متجيش عليها أو تسقطها. هي بالعافية جمعت فلوس الدبلومة. هي حبت بس تطور من نفسها. لو سمحت يا دكتور أنا مكنتش هقولك كل ده غير وأنا متأكدة إن حضرتك طيب ومش هتيجي عليها أكتر من كده. آسفة طولت عليك.

أنهت كلامها ثم نهضت وذهبت من أمامه لتتركه غارقاً بأفكاره. ... -اسمها رحيق الراوي من طرف خالتي يا باشا. بت غلبانة كسرت الثلاثين سنة. عايشة مع أخوها ومرات أبوها وبتشتغل مدرسة وإنسانة طيبة مش هيكون ليها طلبات كتير. خالتي وضحت ليها أسباب الجواز إيه وهي موافقة. بس هي منقبة يا باشا عشان كده معرفتش أجيب ليها صورة. ممكن تروح تتقدم وتشوفها هناك. ولو معجبتكش نشوف تاني. تنهد عاصي وقال: الشكل مش مشكلة. انت عارف. تردد هو قليلاً

وقال: بس هي عندها شرط. رفع عاصي حاجبيه وقال: خير إيه شرطها؟ عايزة فلوس يعني؟ -لا يا باشا هي مش عايزة أهلها يعرفوا عن السبب الحقيقي للجواز. ... فتحت الباب ورفعت حاجبيها وهي تراه أمامها. شعرها الأحمر ينسدل على ظهرها وعينيها الزرقاء تبرق بشدة. كانت ماريانا تنظر إلى غريمتها بجمود وقالت: خير؟ ولجت سيلا لمنزلها دون أي دعوى وقالت بسخرية: اوعي تكوني فاكرة إنك كسبتي. جورج هيبقى ليا طول العمر! ابتسمت ماريانا بسخرية وقالت:

أنا مش فاكرة كده. هو بنفسه قالك كده. ودي الحقيقة أنا مراته! -أنتِ مراته صحيح. بس قلبه ملكي أنا. قالتها سيلا بفخر وهي ترجع خصلات شعرها الحمراء النارية للخلف وأكملت وهي ترى اهتزاز جسد ماريانا من شدة الانفعال: جورج لحد دلوقتي مقدرش ينساني رغم اللي أهله عملوه. بس أنا لسه في قلبه. هو فشل ينساني زي ما أنتِ فشلتي تخليه يحبك. بجد بشفق عليكي يا ماريانا أنتِ متستاهليش المعاملة دي.

سيطرت ماريانا على انفعالاتها. رفضت تماماً أن تترك امرأة مثلها تنتصر عليها. لذلك ابتسمت في وجهها بلطف وهي ترفع كفها لها وتقول مشيرة إلى طوق الزفاف الذهبي: أنا مراته وده المهم اللي بيجمعنا أقوى بكتير من أي حاجة وأنتِ ملكيش مكان في حياة جورج. ولو كان هيكون ليكي مكان هتكوني بس عشيقته وهو ده هيكون تمامك. بس كمان للأسف مش هتكوني حتى عشيقة لأن جورج حبيبي ملوش في العك! يالا يا حلوة أطلعي برا بيتي! ... في الليل.

-أنا عايزة أعرف إيه مشكلتك بالظبط. بتتجاهلني ليه؟ هو مش انت بنفسك قولت عايزين نبقى أصحاب ومنخليش بيننا أي توتر عشان خاطر عمر.

قالتها سما بإنفعال بعد أن انفجرت أخيراً بعد عدة أيام من التجاهل التي لا تعرف سببه حقاً. هي حقاً محتارة. ماذا فعلت لتنال منه هذا التجاهل. كان قلبها يعتصر ألماً بينما الدموع تلسع عينيها. اللعنة عليه يجعلها ضعيفة مثيرة للشفقة. فكرت بأسى. بينما هي كانت على حافة الانفجار كان ينظر إليها هو ببرود شديد. يحاول أن يسيطر على مشاعره. تلك المرأة خطيرة أنها تتسلل داخله ببطء مخيف. تمنحه الأمان ولكن بغتة منه تريد أن توقعه. أن تسلب قلبه. وقلبه أبداً لن يكون ملكها. قلبه ملك لـ مريم. لا يجب أن ينساها. لا يجب أن تطأ امرأة أخرى قلبه. ولكن هل هو في مأمن؟

هل سما فشلت في الدخول لقلبه؟ كل تلك الأسئلة كانت تدور بعقله وهو يبحث عنها عن إجابة والجواب الواضح مخيف للغاية. -أمير رد عليا أنا بكلمك. -أنا جبتك هنا عشان تكوني أم لابني مش عشان أكون صاحبك! قالها ببرود شديد لتشحب قليلاً ثم أكمل: كونك تحاولي تسرقي مكان أختك في حياتي ده رخص منك. احمر وجهها بقوة وصرخت به: انت بتقول إيه يا حيوان! ثم رفعت كفها لتضربه ولكنها أمسك كفها وقال: إياكِ تحاولي تعمليها حتى. ثم دفعها لتنفجر الدموع

من عينيها وتقول بإختناق: أنا بكرهك. سامعني وعمري ما هسامحك عشان إهانتك دي. انت إزاي تفكر إني كده. عمري ما فكرت في ده أصلاً أنا عمري ما أخد مكان أختي. -ولا هتاخديه أصلاً. مستحيل تبقي مكانها. حتى لو عملتي إيه مش هتقربي من قلبي.

أخذت تنهت بعنف. دموعها هزمتها. كانت تشعر إنها ضعيفة. هي التي أقسمت إنها لن تظهر ضعفها له. حبها له. الآن كسرت كل وعودها. ودت لو قتلته لأنه عراها أمام نفسها ولكن يجب أن تتمالك نفسها. لن تدعه يربح. لن تدعه يدرك إنه جرحها. مسحت دموعها بقوة ألمت بشرتها الحساسة وقالت:

متقلقش خالص مش عايزة قلبك ولا مهتمة بيه. أنا جوازي منك كان عشان خاطر عمر. عمر وبس. وفي اليوم اللي هيقدر فيه عمر يعتمد على نفسه أنا هتحرر منك وأشوف حياتي مع إنسان غيرك. ضغط على أسنانه بقوة. ذكر رجل أخرى أشعل بقلبه النيران. حاول بقوة أن يمحو آثار الغيرة عن وجهه وقال: أكيد طبعاً حقك. -بالظبط ده هيكون حقي. اغتاظ من نبرة الثقة في صوتها وقال: وكمان حقي إني أشوف حياتي. ابتسمت ساخرة وقالت:

قولتها وهقولها تاني. البنت اللي حاطط عينيك عليها شاور عليها وأنا هجوزهالك من غير تفكير. تنهدت وأكملت: تعاملنا المرة دي هيكون عشان خاطر عمر وبس. متتوقعش مني أي حاجة خالص. ثم انسحبت من أمامه ليجلس هو على الأريكة ويغمض عينيه. ماذا فعل؟ هو أبعدها عنه. خاف من التأثير الكبير التي تحدثه بحياته. خاف من خفقات قلبه التي باتت تدق لها. عينيه التي بدأت تخونه وتنظر إليها. عينيها. شعرها. كل ما بها يأثره. إنها تمثل خطورة على قلبه!

... أغلقت الباب على نفسها وهي تلوذ لفراشها ثم تنفجر بالبكاء. تدفن رأسها في الوسادة. لماذا أحبت شخص مثله. ماذا ظنت هل سيحبها. كم هي بشعة. فكرت في أخذ مكان شقيقتها. لقد حلمت بهذا ولن تنكر. حلمت بحياة معه. حلمت أن يحبها. تلك الحقيقة جعلت ضميرها يؤلمها. لقد طمعت فيما ليس لها! ... في اليوم التالي. -هو ليه القميص الأسود متغسلش؟ قالها أمير بغضب وهو يمسك قميصه الأسود ويخرج به للصالة حيث تمسح سما فم ابنه الصغير

وتبتسم له باتساع وهي تقول: بالهنا والشفا يا بطل. يالا عشان نمشي. خانته عيناه وهو ينظر إليها. كانت ترتدي بنطال أسود وسترة ناعمة باللون الكريمي أسفلها قميص أسود يناسبها كثيراً. حجابها ملفوف بطريقة مميزة. لا تضع مساحيق تجميل سوى ماسكارا ومرطب شفاه. كانت بسيطة ولكن جميلة. لم تنظر إليه رغم تحدثه معها. شعر بالغليان وخرج من الغيمة الوردية التي كانت تلفه وقال: أنا بتكلم ليه القميص الأسود متغسلش؟ ردي يا سما. نظرت إليه وهي

ترفع حاجبيها بدهشة وتقول: أفندم؟ وأنا هغسله ليه؟ هو أنا خدامتك يعني ولا إيه؟ عبس وهو ينظر إليها وقال: إيه؟ إزاي يعني؟ -يعني أنا مش خدامتك. عندك إيد واغسل بنفسك. أنا قولتلك متتوقعش مني أي حاجة. أنا مش مراتك! ألقى القميص أرضاً من الغضب وقال: أنا جوزك يا هانم! ابتسمت ساخرة وتمتمت: مكانش كلامك ده آخر مرة.

ثم لمعت عينيها بألم وهي تتذكر إهانته تلك. لقد قضت اليوم بطولة تبكي. حتى إنها لم تأكل وهو لم يهتم بالسؤال عنها بل أخذ عمر بالخارج وقام بالترفيه عنه جاعلاً إياها تداوي جروحها بنفسها. لن تنسى هذا أبداً. -هو ده تلاكيك يعني؟ عايزة توصلي لإيه؟ هدر بها لتبتسم بلطف وهي تنظر لعمر وتقول له: ممكن تروح أوضتك يا حبيبي وتجيب شنطتك. هز الصغير رأسه بطاعة واتجه إلى غرفته بسلاسة. ربعت ذراعيها واقتربت منه. عينيها تلمع

بقوة وهي تنظر إليه وتقول: أولاً أي خناق بيننا يكون بعيد عن الولد. عشان ميطلعش معقد زي أبوه. اتسعت عينيه بصدمة وقال: انتِ! ولكنها قاطعته وهي تقول: لو سمحت لسه مخلصتش كلامي. ثانياً ده اتفاقنا. انت مش معتبرني مراتك ولا أنا معتبراك جوزي. أنا هنا قبلت بوضعي مربية لعمر وبس. متتوقعش مني إني أخدم جنابك كمان. ممكن تخدم نفسك أو تجيب خدامة. ميهمنيش. أمال رأسه وهو يقول بابتسامة متوحشة: أو ممكن أتجوز تاني! ابتسمت ببساطة وقالت:

وماله ده هيكون أفضل. أهو على الأقل تغيب عندها يومين ولا تلاتة تهوينا شوية. -لا أنا هجيبها تعيش معاكي هنا. اقتربت منه وابتسامتها تتسع وعينيها تلمع بقوة وتقول: وأنا هوضب أوضتكم بنفسي يا عمري. ثم ابتعدت عنه وابتسمت بحنان وهي ترى عمر يقبل نحوها. مدت كفها وقالت: يالا يا روحي. قول باي لبابا. -أنا ممكن أمنعك مش شغلك تعرفي كده؟

قالها فجأة باندفاع. كلماتها أشعلته. لقد ظن إنه هو الرابح في تلك اللحظة ولكنها قلبت اللعبة عليه. أفلتت منها ضحكة فجأة وقالت: لا متقدرش. في اليوم اللي هتمنعني فيه هتلاقيني جايبة المأذون وأهلي عشان نتطلق وأبقى ربي ابنك بمعرفته. أنا مفيش حاجة عندي أهم من شغلي. ثم سحبت عمر وخرجت من المنزل. ليلكم هو الحائط

بقوة وهو يتنفس بعنف: إنها تغضبه. تخرجه عن طوره. هو لا يستطيع أن يتحملها أكثر من هذا. لا يعجبه القرب منها ولا البعد عنها. هو ذات نفسه لا يعرف ماذا يريد. أغمض عينيه وهيئته منذ قليل ترفض نفارقة خياله. رباه إنها تتسلل داخله وإن لم يتصرف سوف يلقي كل ذكرياته مع مريم وسوف تحتله سما. ربما ما تفعله هو الأفضل. يجب أن يتجنبها هو أيضاً. ... في المساء. -اللي بعمله ده غلط. أبوس إيديك يا عادل متخلينيش أعمل كده تاني؟

قالتها نوران على الهاتف وهي تبكي وتشهق ليزفر بضيق ويقول: وايه اللي خلاه غلط بس؟ ما قولت خلاص هتجوزك. بس أنا مبحبش البنت اللي هتجوزها تمنع مني حاجة. مصدعة راسي بشوية صور بعتيهم. لا راضية تيجي معايا الشقة ومش واثقة فيا. بقولك عايز أعرفك كويس ومش هعرفك إلا بالطريقة دي فهمتي! عضت شفتيها وهي تبكي بعنف وقالت: اللي بنعمله ده غلط.

-يووه غلط. غلط. أنتِ مفيش على بوقك غير الكلمة دي. أنا زهقت منك وقرفت. اسمعيني يا بنت انتِ أما تيجي الشقة عندي بكرة أو صورك الحلوة دي هتروح لأخوكي. بهتت وهي تسمع كلمته تلك وقالت بإختناق: أ... أنت بتقول إيه؟

-اللي سمعتيه يا حيلتها. بكرة الاقيكي قدامي في الشقة هنقعد سوا مش هعملك حاجة وعد مني. بس لو مجتيش صورك كلها اللي بعتيها ليا هتوصل لأخوكي. ها قد سقط قناعه. كلام العشق والهيام التي كان يغرقها بها كلها كانت كذبة. العشق في عينيه كان خدعة. حبهما كذبة هي عاشتها وهو حاكها بمهارة. أعتصرت عينيها بقوة والدموع تنفجر من عينيها وقالت بصوت خرج مذهولاً: بتقول إيه يا عادل. انت بتقول إيه؟

انت فاهم اللي بتقوله ده. أنا نوران. حبيبتك. مراتك زي ما بتقول. أنت هتعمل فيا كده. ابتسم ساخراً وهو يضع الهاتف على أذنه الأخرى. يحارب ضحكاته الساخرة التي تكاد تهرب من بين شفتيه ويقول: إيه مراتي؟ انتِ مجنونة. هو أنا مجنون عشان أتزوج واحدة زيك! -واحدة زيي؟ قالتها بصدمة ليرد:

أيوه واحدة زيك. راحت تبعت صورها وهي شبه قالعة ليا. يا حبيبتي أنا لولا إني قررت إنهي اللعبة السخيفة دي دلوقتي كنتِ أنتِ اللي هتترجيني عشان تجيلي الشقة. المهم يا قلبي قدامك حلين أما تجيلي الشقة أو صورك هتكون عند أخوكي الشيخ أمجد. مسكين أمجود شيخ واخته بتتصرف زي بنات الليل. دي هتكون صدمة العمر ليه يا حرام. بس أخته عشان ذكية هتيجي بكرة في الميعاد اللي اتفقنا عليه. ها يا عمري هتيجي؟

لم ينتظر ردها وأغلق الهاتف لتنهار على فراشها وهي تبكي بعنف. لا تصدق ما ورطت نفسها بها. ... في اليوم التالي. فتح عادل الباب لينظر إليها بخبث ويقول: أهلاً بيكي يا عمري. ادخلي. ابتلعت نوران ريقها. تعرف إنها عندما تلج لن تخرج كما هي أبداً. ولكن ربما. ربما عادل يتحلى ببعض الرحمة. هي مستعدة لتقبيل قدمه حتى يتركها وشأنها. فقط ليتركها مستعدة لفعل أي شيء. -ما تدخلي يا عمري. هنفضل واقفين على الباب كتير كده ولا إيه؟

اهتزت بعنف وهو يكلمها بتلك الطريقة. وكأن طريقته اللطيفة اختفت تماماً ما أن قرر أن يكشف عن نواياه نحوها. لسعت الدموع عينيها وهي تلج لمنزله. أغلق الباب خلفها لترتعش بقوة وهي تنظر إليها. الدموع تنفجر من عينيها وهي تقول: أنا جاية أبوس إيديك. ورجليك. ارحمني. امسح الصور والله ما هتشوف وشي تاني. عادل عشان خاطري أنا. -ومين قال إن ليكي عندي خاطر؟ انتِ ولا حاجة بالنسبالي. أغمضت عينيها وهي تبكي بعنف وتقول:

عارفة إني ولا حاجة وعندك حق. وحياة أغلى حاجة عندك اعتقني لوجه الله. -حاضر طبعاً يا عمري. هسيبك طبعاً بس بعد ما تعملي اللي أنا عايزه. ثم أخرج شيئاً من جيبه وقال: خدي من دي يالا. أمسكت العبوة بذهول لتجد أنه حبوب مانع الحمل!

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...