تحميل رواية اسيل بقلم اسماعيل موسي pdf
بقلم اسماعيل موسي
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
قت البريك، أسيل خدت بعضها ونزلت على الجنينة تاكل السندوتشات اللي والدتها أصرت تاخدها معاها الشركة كأنها طالبة في المدرسة. ده أول يوم ليها في الشركة وبتدعي ربنا يعدي على خير. قعدت أسيل على الأريكة في مكان هادي ومنعزل عشان تاكل براحتها ومفيش حد يتريق عليها. قدامها كان فيه شاب شغال في الحديقة، ماسك المقص ومنهمك في عمله. الشاب كان شكله غريب، لابس قبعة جميلة ولابس تي شيرت أبيض داخلي وجسمه كله عرق. أسيل بصدمة: إزاي سامحين للعمال يشتغلوا باللبس ده؟ شركة كبيرة ومحترمة تسمح للبستاني يشتغل بالشكل ده؟ مظهر...
رواية اسيل الفصل الحادي عشر 11 - بقلم اسماعيل موسي
انسحبت أسيل بهدوء، نزلت درجات السلم نحو السيارة التي تنتظرها.
أسيل في نفسها: مش معنى إني مضطرة ومجبرة إني أتخلى عن إنسانيتي وأدبي.
ركبت أسيل العربية.
السائق: عملتي إيه يا مدمازين؟
أسيل: عملت اللي اتفقت عليه مع الهانم.
السائق: أصل مسمعتش هيصة ولا ضجة.
أسيل: هو فيه إيه؟ انت هتعمل محضر؟ سوق من فضلك وملكش دعوة.
وصلت السيارة قصر السويدي ونزلت أسيل من العربية.
السواق من داخل السيارة: روحي، هما منتظرينك.
مشيت أسيل في طريق من الجص وسط الحديقة لحد ما وصلت باب القصر.
فتحت لها ست متوسطة العمر، لكن ملامحها شريرة.
أسيل: أنا أسيل.
الخادمة: وماله يا أختي، ادخلي.
دخلت أسيل القصر مرتبكة ومكسورة، راحت تقعد في المطبخ. لكن الخادمة قالت: الهانم مستنياكي.
كانت شاهندة قاعدة حاطة رجل على رجل لما أسيل وصلت عندها.
شاهندة رفعت حاجبها بتناكة: عملتي إيه؟
أسيل: عملت اللي اتفقنا عليه يا هانم، وأنا مستعدة للشغل.
شاهندة: آها. طلعت سيجارة وولعتها: عملتي اللي اتفقنا عليه كله؟
أسيل: أيوه.
شاهندة وقفت ومشيت بدلال بقدمين حافيتين وقوام طري مهتز.
بصت في أسيل بغضب، نفخت دخان السيجارة: لكن معملتيش ده. رفعت إيدها وضربت أسيل على وشها.
أسيل اتخضت من الصدمة ووقفت ثابتة من غير كلام.
شاهندة: كلامي يتنفذ بالحرف الواحد.
كنتي فاكرة إني مش هعرف إنتي عملتي إيه؟
أنا ليّا عيون في كل مكان، وكل حركة هتعمليها هتوصلني في لحظتها. يلا غوري من وشي واعتبريه دا آخر تحذير.
جاسر نازل من على السلم: لا تروحي فين يا ماما، أنا عايزها.
تعالي هنا يا بت انتي.
أسيل بوجوم قربت من جاسر: انتي هتبقي خدامتي الخاصة هنا. وظيفتك إنك تلبي رغباتي. أكلي، شربي، هدومي.
أوضتي، كل حاجة تخصني. فاهمة يا شاطرة؟
أسيل مش قادرة تتخيل حجم القذارة اللي وقعت فيها. الموقف كله عمل لها ارتباك.
جاسر بصراخ: ردي.
أسيل: ماشي.
جاسر مسكها من رقبتها: ماشي دي تقوليها لأمك في البيت.
هنا تقولي حاضر. فاهم؟
أسيل بعدت إيد جاسر عنها: إيدك دي متلمسنيش تاني. لو لمستني هتلاقي مني رد يزعلك.
جاسر: انتي... انتي بتقولي إيه؟ أنا هحبسك. هرميكي في السجن يا قذرة. يا حيوانة.
شاهندة بصت لجاسر: بالراحة يا جاسر. أسيل لسه جديدة هنا ومتعرفش إزاي تتعامل مع ناس من طبقة عالية.
أسيل كانت واقفة متحفزة وعلى آخرها. كانت بدأت تتخلص من المفاجأة.
شاهندة: خلاص روحي انتي يا أسيل على المطبخ.
بعد رحيل أسيل، جاسر: أنا مش مبسوط يا ماما. إزاي البنت الحقيرة دي تقف قصادي كده؟
أنا عايزها لعبة في إيديا. عايز أكسرها، أذلها.
شاهندة: اصبر يا حبيبي، ورحمة أمي لأخليها تتمنالك الرضا ترضى.
هخليها تركع قدامك، لكن الأول لازم أكشفها كويس. سبلي أنا الموضوع ده.
رعد اتفاجئ باستقالة أسيل لما سأل عنها. مدير شؤون العاملين بلغه إن أسيل استقالت من غير ما تبدي أي أسباب.
رغم قصر مدة تعارفهم، رعد كان متأكد إن فيه سبب لاستقالة أسيل. حاول يتواصل معاها أكتر من مرة، لكن تليفونها كان مغلق.
وسط شكوكه وهو قاعد في مكتبه، وصلت صورة لرعد من تليفون جاسر.
صورة لأسيل في لبس الخدم في مطبخ القصر، وتحتها: سكرتيرتي جبتها خدامة عندي.
رواية اسيل الفصل الثاني عشر 12 - بقلم اسماعيل موسي
تأكد رعد أن أسيل في الصورة. غصب عنه خبط التليفون في الطاولة. ما كانش محتاج تفكير كتير عشان يعرف إن فيه حاجة حصلت أجبرت أسيل تعمل كده. لكن عقله ما قدرش يتخيل المعلومات اللي وصلتله. المخدرات وسجن والدة أسيل، توسط شاهندة لإخراج والدة أسيل من السجن، ثم عمل أسيل خادمة في قصر السويدي.
"ليه يا أسيل ما اتصلتيش بيا؟ ليه خضعتي لابتزاز شاهندة وابنها؟"
"يمكن الحق عليا أنا اللي كان لازم أهتم أكتر وأتواصل مع أسيل."
رعد كان عارف إن دا انتقام جاسر منه، وكان مشفق جداً إن أسيل تتحمل لوحدها نتيجة أفعاله.
"الرجال الحقيقيون يرفضون إن يتحمل شخص آخر نتيجة أفعالهم وقراراتهم، يخرجون عري الصدر ليتلقوا الرصاصة ولا يختبئون مثل الفئران."
ترك رعد المكتب، ركب سيارته وانطلق مبتعداً عن الشركة.
لن يترك أسيل بمفردها داخل جحر الحيات.
فضل ماشي بالعربية لحد ما قرب من قصر السويدي.
ركن العربية وولع سيجارة وهو متكي على الكرسي وبيص على مدخل قصر السويدي.
الساعة التاسعة مساء، خرجت أسيل من قصر السويدي.
سارت على الرصيف تائهه وواجمة. مرت على عربية رعد وهي شارده مش واخده بالها.
تحرك رعد بالسيارة ووقف جنبها. "أسيل؟ أسيل؟"
بصت أسيل للعربية لقيت رعد.
"رعد، اركبي من فضلك."
ركبت أسيل العربية وهي محرجة جداً من رعد ومش عارفة تقول إيه.
"رعد، عايز أعرف اللي حصل يا أسيل من فضلك."
وكأن أسيل كانت منتظرة رعد يكون معاها ويسألها عن أحوالها وعن اللي حصل معاها.
لطالما تمنت خلال حياتها إن تجد ذلك الشخص اللي تستطيع أن تبوح له بمشاكلها وأسرارها دون خجل.
إن تحكي وهي تعلم إنه يستمع ومهتم، إنه يشعر بها، إنه يطمئنها إن كل شيء سيكون بخير حتى لو لن يكون بخير ولا يحمل أي بادرة للخير.
إنسان محطم وبائس ومعزول ذلك اللي لا يمتلك صديق يبوح إليه.
سردت أسيل قصتها دون أن تغفل أي نقطة. الطرد اللي وصل شقتها، الشرطة، السجن، شاهندة والشرط الجزائي.
رعد كان بيسمع وهو شارد، عقله كان راح لبعيد جداً. كان متأثر بكلام أسيل واللي حصل معاها.
"ليه ملجأتيش ليا يا أسيل؟"
أسيل بخجل: "مكنتش عايزة أشغلك بمشاكلي. ثم كنت عايزني أقولك إيه؟ إنّي مضيت على شرط جزائي بمليون جنيه؟"
"أنا ما أملكش المبلغ ده، ومش ممكن أطلبه من حد."
"ومش ممكن أشوف نظرة الشفقة في عيون أي إنسان لأني مش ضعيفة."
احترم رعد مشاعر أسيل. كان لديه حلول كثيرة، آخرها في ذهنه. هذه الإنسانة اللي ينظر إليها لا تبحث عن حلول الآن.
أبتسم رعد.
"ومسكتي إيد جاسر وصرختي فيه؟"
انتبهت أسيل وتفاجأت إن رعد كان مركز في التفاصيل الصغيرة دي. روحها المعنوية ارتفعت وقالت: "طبعاً، وكان ممكن أكسرها له."
"رعد، انتي قوية جداً على كده!"
أسيل: "ده مدح ولا سخرية؟"
رعد: "اللي يبص عليكي ويشوف وشك يا أسيل لا يمكن يقدر يسخر منك ولا يقلل منك."
أسيل بفخر: "متشكرة."
رعد: "طبعاً انتي قدمتي استقالتك في شركتي."
أسيل بخجل: "أيوه."
رعد: "وطبعاً انتي مضيتي على شرط جزائي وتورطتي."
أسيل بحزن أكتر: "أيوه."
رعد: "وطبعاً الشرط الجزائي ده بمليون جنيه؟"
أسيل بفارغ صبر: "أيوه."
رعد: "وطبعاً مش هيفرق معاكي إنك تعزميني على العشا. مية جنيه ولا ميتين مش هيزيدوا الطين بلة."
بصت أسيل على رعد اللي وقف العربية قدام مطعم متواضع.
وفتح باب العربية.
"أنا عزمت نفسي على حسابك يا أسيل."
أسيل: "بلا، هي كده كده خربانة."
ترك رعد أسيل تدفع حساب العشاء اللي كان حريص إنه ما يكونش غالي.
"انتي هترجعي الشركة يا أسيل، أنا مصر على كده."
أسيل: "إزاي بس؟"
رعد: "أنا مش هقدر أستغنى عن سكرتيرتي أكتر من كده. ثم المليون جنيه مبلغ ضخم ومش هتقدري تسدديه من غير شغل."
أسيل: "شغل إيه اللي هكسب منه مليون جنيه؟"
رعد: "انتِ هتشتغلي سكرتيرة الصبح وبعد الظهر هتشتغلي في المبيعات. لو قدرتي تبرمي كام صفقة هيطلعلك منها مبلغ كويس."
"بصي يا ستي، أنا هديكي سقف معين للعروض وانتِ وشطارتك."
"يعني مثلاً صفقة بنص مليون جنيه لو انتي قدرتي تخلصيها على ٦٠٠ ألف يبقى ده مكسبك بالحلال."
"أنا هدفع الشرط الجزائي وهيكون دين عليكي، أعتقد كده اتفاق عادل."
أسيل صمتت وفكرت. "انت شايف كده؟"
رعد: "أيوه."
أسيل مدت إيدها: "توكلنا على الله، لكن بشرط."
"أنا اللي هدفع الشرط الجزائي لشاهندة."
رعد: "موافق."
حملت أسيل النقود في حقيبة جلدية في طريقها لقصر السويدي.
ما دخلتش من باب الخدم، دخلت من الباب الرئيسي وقعدت في الصالة تنتظر شاهندة.
"شاهندة، انتي قاعدة تعملي إيه هنا يا بت انتي؟ غورى على المطبخ."
أسيل: "هو انتي متعرفيش يا شاهندة؟"
شاهندة بغضب: "شاهندة حاف؟ اسمي شاهندة هانم."
أسيل: "لا معلش، مش النهاردة. يمكن في يوم تاني."
"أنا بستقيل من شغلي عندك يا شاهندة."
"اتفضلي الشرط الجزائي." وفتحت الحقيبة الجلدية.
بصت شاهندة على الفلوس بغضب. أسيل بصوت واضح: "فين العقد؟"
شاهندة بغضب وابتسامة صفراء: "وماله، أجيبلك العقد."
الخادمة طلعت بسرعة جابت العقد ونزلت. أسيل قطعت العقد وحطيته في جيبها.
"كده مش ناقص غير حاجة واحدة."
شاهندة: "إيه يا آنسة أسيل؟"
أسيل: "فاضل ده." وصفعت شاهندة على وشها بكل عنف. ثم خرجت بسرعة من القصر ناحية الشارع.
رواية اسيل الفصل الثالث عشر 13 - بقلم اسماعيل موسي
لا اعتبرني شجاعة، لقد ركضت بعد أن تركت القصر. شعرت بالخطر، الأوغاد لا يرحمون، الأوغاد خبيثون. لم أطمئن حتى وضعت قدمي داخل سيارة الأجرة.
كنت فرحانة، سعيدة بنفسي. إنها من المرات القليلة التي أفعل فيها شيئًا أرغب به من كل قلبي.
لماذا لم تدافع شاهندة عن نفسها؟ كنت مستعدة لصراخها.
للخدم عندما يضربونني، وربما يحملونني مثل المقعد ويلقوا بي في الشارع.
عدم تحركها، رد فعلها الباهت أشعرني بالخطر.
هاتفت رعد حبيبي، فارس أحلامي. أفهم أنه حب من طرف واحد لن يجلب سوى المتاعب، لكنني حرة، لكنه يستحق. أعتقد عندما نجد الحب الحقيقي، شخص يستحق حبنا علينا أن ننتهز الفرصة. إذا كانت كل حياتنا مؤلمة، فلماذا نخاف من جرح آخر؟ جرح رغم وجعه قد يجعلنا سعداء لبعض الوقت.
نعم، بعض الوقت، فأنا لا أظن أبدًا أنني سأجد سعادة دائمة طوال حياتي.
سألني رعد:
"ماذا فعلتي؟"
قلت:
"فعلت المطلوب واستخدمت يدي اليمنى."
ضحك رعد:
"يدك قوية؟"
أجل:
"قوية جداً عندما أحتاجها، لكن لا تخف."
رعد:
"أخاف ليه ومن إيه؟"
آه من الرجال، خبثاء جداً، يفهمون ويعرفون، لكنهم لا يتوقفون عن اللف والدوران.
قلت:
"لا شيء، كبّر دماغك."
"سأنتظرك في الشركة"، قالها مديري بنبرة تدفعك للاعتقاد أن الشركة لن تقوم لها قائمة دوني، وأنها قبل وصولي للعمل كانت خاسرة وضائعة.
اشتريت سندوتشات، قنينة ماء، لتر ساقع في طريقي لمكتبي.
كان أول شيء فعلته أن ملأت معدتي واحتسيت مق شاي كبير.
بعد ربع ساعة استدعاني رعد. عرفني على موظف آخر، قال إنه مدير مكتب المبيعات، وأنني سأعمل معه في الفترة المسائية، وأوصى أن أبداً عملي فوراً وأن يسند لي مديري صفقة سهلة كبادرة حسن نية.
وشعرت أن كل شيء مرتب، أن رعد حبيبي دبر كل شيء لنجاحي.
بعد يومين، كنت في شركة الأحمد للمنتجات الغذائية أنتظر مديرها لأعرض عليه صفقتي.
أكثر من ثلاث ساعات رغي ومرواغة، أخذ ورد، ابتسامات خبيثة، تلميحات مستترة عن المكاسب المنتظرة من الصفقة.
أبرمت الصفقة بطلوع الروح. كان ربحي قليلاً، لكنه معقول جداً، 25000 جنيه. مرتب نصف عام في صفقة واحدة.
راح ذهني يعمل بطريقة جد لعينة، وطموحاتي تصعد حدود الضباب. سأختار صفقاتي بعناية في المرة القادمة.
سأعمل على الصفقات الخاسرة أو المردودة.
نعم، هناك بعض الصفقات التي لم تنجح الشركة في إبرامها لعدم وجود عروض، أو فشل الصفقة لتباين السعر.
لقد فاجأت مديري بقراري والذي بدا متحير جداً وسألني أكثر من مرة:
"أنت متأكدة؟"
"أنت متأكدة؟"
"أنت متأكدة؟"
نعم متأكدة. قال مديري:
"هذه الصفقات تحتاج وقت طويل، ربما عام أحياناً."
قلت:
"لا بأس، ليس لدي مشاريع مؤجلة أخرى في حياتي سوى النوم."
كنت أرى رعد قليلاً جداً، ورغم أنني كنت أتمنى رؤيته أكثر من ذلك، لكن كان هناك شيء يمنعني من التقرب منه، وكان أكثرها خطورة ديني الذي تكفل به.
قعدت ليالي طويلة أسهر على ملفات الشركة، ملفات المبيعات الخاسرة المتروكة والمردودة بتركيز كبير جداً.
كان هناك أكثر من صفقة فاشلة، فاشلة لدرجة أن الشركة نفسها لم تحاول العمل فيها. الحاجة الكويسة أن الصفقات هذه كانت خاصة بمعدات، وأحياناً هالك أجهزة، بمعنى أنها غير قابلة للتلف.
"ستبيعين روبابيكيا يا أسيل؟" الصراحة كان هناك أكثر من دافع أني أشتغل في الصفقات هذه، أولها مساعدة رعد، والثاني أن أرباح الصفقات هذه لو نجحت فيها ستكون كبيرة جداً.
درست خطط موظفي المبيعات، الشركات التي عرضت عليها الصفقات، تقريباً معظم شركات السوق.
أكيد أنا مش أشطر منهم عشان أقنع شخص رفض الصفقة قبل كده أنه يقبلها.
وصلت لحائط سد، وقعدت أيام طويلة كل تفكيري في حل للمشكلة الكبيرة من غير أي نتيجة.
في مرة وأنا قاعدة مع والدتي، مر من تحت البيت بياع روبابيكيا، مش عارفة ليه نزلت الشارع أشتري منه. كان معاه حاجات كثيرة ما كانت مفيدة بالنسبة لي.
سألت البياع:
"بتكسب من بيع الحاجات دي؟"
البياع قال:
"الحمد لله، ماشي الحال. أصل ما فيش شخص هيديك سر مهنته."
قلت:
"أنا معتقدش إن فيه ناس ممكن تشتري الحاجات دي."
البياع ضحك:
"أنا أقدر أبيع الحاجات دي للناس اللي اشتريتها منها. المهم إنك تعرف تتعامل وتتخطط. الإقناع يا أستاذة. الشركات اللي بتبيع الحاجات بتحتاجها تاني أصلاً. السبب ممكن إن المعدات دي قديمة ومش موجودة في السوق، أو إن الشركات المنتجة ليها قفلت فمابقاش فيه قطع غيار منها."
شكرت البياع وأخذت اللي اشتريته على الشقة وأنا بفكر هو ممكن ده يحصل.
وأخذت قرار عنتري، أنا هعرض الصفقات دي على الشركات المنافسة لينا في السوق.
رواية اسيل الفصل الرابع عشر 14 - بقلم اسماعيل موسي
شلت ملفاتي وملاحظاتي وبدأت أتردد على الشركات المنافسة لنا في السوق.
البعض كان مهتمًا والبعض الآخر رفض مقابلتي.
لحد ما أقنعت صاحب شركة بجدوى الصفقة وإيه اللي ممكن يحصل لو امتلك قطع جديدة من خط إنتاج أغلق أبوابه.
وكيف يقدر يتحكم في السوق لو حد طلبها منه لأنها مالهاش بديل، وأقنعته إن الصفقة رابحة جدًا على المدى البعيد.
مضينا العقود وأشرفت بنفسي على نقل المعدات في العربيات للشركة المنافسة.
كنت فرحانة جدًا إني قدرت أساعد رعد وأتخلص من بضاعة مركونة في المخازن بقالها كتير.
دخلت على رعد المكتب مرفوعة الرأس بإيدي شيك بمبلغ كبير جدًا.
رعد كان مهموم لكن قابلني بطريقة كويسة.
رعد خد الشيك مني وبصلي بنظرة غريبة.
"إنتي عارفة يا أسيل إنك بكده سددتي دينك وأكتر!"
قلت له: "متكبرش الموضوع، أنا معملتش حاجة."
رعد قال: "دا حقك يا أسيل، شكرًا ودينك اتسدد وأكتر كمان."
مكنش مبسوط. قلت له: "هو أنا ممكن أسأل، إنت مالك؟ فيه حاجة حصلت؟"
فتح رعد عينيه اللي بتشبه حبة البروق وسرح شعره الناعم على جبهته. شعره الناعم اللي بعشقه. هندامه المرتدي بغير عناية ويصبح فاتن بداخله.
"أعاني مش مشاكل مالية. خسرت بعض الصفقات."
قلت: "الكل يخسر يا سيد رعد، وإنت معتاد على السوق!"
رمقني رعد بنظرة محكمة وشعرت إن عيونه تتحدث إلي.
"أعني عندما ترى عينين يبتلعانك ويأخذناك داخلهم. الأمر ليس كما يبدو عزيزتي أسيل."
وخرجت الكلمة منه حلوة ولها مذاق الفستق كأنها أغنية محبوبة.
"أشعر بخيانة يا أسيل." ورفع رعد يده بتذمر: "هناك مؤامرة تحاك ضدي. في كل مرة يكون المزاد قريب مني يسحب البساط من تحت قدمي. هناك من يرغب بتدميري مهما كان السبب. كل الصفقات اللي أبرمتها في الفترة الأخيرة ردت إلي."
"تصورى يا أسيل." وشعرت إني قريبة منه. أسمع أنفاسه الساخنة وتعتصرني عضلاته القوية وأسمع دقات قلبه داخل قلبي.
"يدفعون الشرط الجزائي الكبير ويردون الصفقة دون أي شعور بالندم."
قلت: "سيد رعد، تعرف مثلي إنه السويدي وابنه جاسر وزوجته الحرباء شاهندة."
قال: "أجل."
قلت: "إنها الحرب إذاً. لا تستسلم من فضلك."
ابتسم رعد: "الاستسلام كلمة غير موجودة في قاموسي."
ثم دفع إلي ملفات: "ادرسيهها من فضلك، فكري في حلول. أنا أعتمد عليك."
قلت: "ليس عليك أن تقلق، وخلفك أسيل."
كان واضح أن الحوار انتهى، لكن لم تنتابني رغبة في الرحيل.
أجل، كنت متعلقة بأي حركة أو إشارة.
"بهذه المناسبة يا سيد رعد، اسمح لي بدعوتك على العشاء. لا تقلق على حسابي. أعرف أن خسائرك كبيرة ولن أضغط عليك."
"اها." ضحك رعد: "إنت تردين المقلب؟ حسنًا. لماذا عشاء؟"
"غداء الآن. وسأختار الطعام الذي يناسبني. محفظتك ممتلئة. ربما عليك إعادة التفكير."
"محال." قلت: "المطعم سيكون من اختياري، وأقسم لك أن أغلى وجبة داخله لا تتعدى مائة جنيه. الدعوة دعوتي والمطعم سيكون من اختياري. اترك نفسك لي يا سيد رعد."
لم نستقل سيارة رعد. أصررت على التحرك من خلال المواصلات.
ركبنا المترو بطلوع الروح بعد أن تعلقت وعضضت ورفصت الأوغاد في طريقي.
سحبت رعد المشتت خلفي، كان تائه وضائع ينتظر المرور بسلام.
قلت: "اقفز يا رعد. مصر تغيرت."
لم نجد مقاعد لنجلس عليها. وقفنا جوار الباب ورغبت أن أصرخ: "أفسحوا لمديري مقعد. هذا مدير أكبر شركات مصر المحروسة."
كنت أحوطه بيدي كأنني حارسته الشخصية. أعرف أنه غير معتاد على الزحمة، لكن ما باليد حيلة.
هناك مطعم حقير يقبع أسفل كوبري حدائق القبة، أعرفه من أيام الجامعة.
جلسنا على الطاولة واخترت أنا الطعام.
تناولنا طعامنا في هدوء وتسكعنا في الطرقات نلعق الآيس كريم.
أكلنا ذرة، شربنا... بم... تمشينا كحبيبين وسط المارة.
ثم استقلنا تاكسي للعودة للشركة.
رواية اسيل الفصل الخامس عشر 15 - بقلم اسماعيل موسي
ورا كل فرحة حزن مختفي متواري، رابط ينتظرنا. الحزن خبيث ومراوغ، بيعرف طريقه حتى وسط العتمة. الحزن يختار أصحابه بعناية، مثل الدجاج الجائع لا تفلت منه حبة قمح مرمية على الأرض.
تكاد تشعر أن بعض البشر لا يحق لهم السعادة. لقد قضمت فرحتي. بعد ما خلصنا النزهة ووصلنا الشركة، قابلنا خبر صادم.
مخازن الشركة، كل منتجات الشركة في الشهور الماضية، المنتجات المعدة للشحن سرقت.
الخسارة كانت كبيرة، ياريت كانت على كده، كانت هتبقى مقبولة. رعد كان هيتقبل الخسارة ويعيد بناء نفسه. لكن المشكلة كانت في الشرط الجزائي مع كل صفقة، واللي رعد مضطر يدفعه من جيبه الخاص.
سمعنا الخبر على باب الشركة. كان فيه عربيات شرطة وزحمة وهيصة. رعد وضع إيده على دماغه واتسند عليه ووقع على الأرض.
وصلت سيارة الإسعاف كئيبة كأنها سيارة نقل الموتى. خدنا رعد على المستشفى وهناك خضع للفحص في العناية المركزة.
كنت خايفة جداً ومتوقعة الأسوأ. مرعوبة أن رعد يكون أصيب بجلطة أو أي حاجة من اللي بنسمع بيها.
فضلت قاعدة جنب رعد بعد ما كلمت والدتي وشرحت لها الظروف. والدتي جت قعدت معايا.
ما كانش ممكن تسيبني وحدي في المستشفى. والدتي بتعاملني معاملة الأطفال.
رعد كان بيفوق شوية ويرجع يفقد وعيه. المرة الوحيدة اللي قدر يتكلم فيها، طلب مني أغادر المستشفى. "أنت الوحيدة اللي ممكن أعتمد عليها يا أسيل. تابعي التحقيقات واهتمي بالشركة في غيابي. مش عايز شركة بابا تنهار يا أسيل."
"أنا كلمت محامي الشركة وعينتك المديرة لحد ما أرجع."
ما كنتش فرحانة. أنا معرفش حاجة في إدارة الشركات. مهمة صعبة نزلت فوق دماغي.
قلبي كان بيقولي خليكي معاه وعقلي كان بيطلب مني أتولى المسؤولية.
حين الاختيار، حين نضطر أن نختار بين ما يطلبه القلب والعقل، علينا أن نختار العقل دوماً.
روحت على الشركة اللي كلها كانت حزينة. الحديقة، المكاتب، الطاولات، حتى الجدران كانت تسيل بؤس.
بعض الموظفين كان عندهم لامبالاة. كان فاكرين طالما مدير الشركة مش موجود يقدروا يعملوا اللي عايزينه.
كان فيه تسيب خطير واضطريت أبقى عنيفة وأتخذ قرارات تأديبية ترجع الضبط والربط.
دخلت مكتب رعد اللي كنت بتمنى أدخله قبل كده. لقيت الملفات اللي طلب مني أدرسها.
ضابط المباحث وصل المكتب واطلعني على نتيجة التحقيقات المتوقعة إنهم موصلوش لأي حاجة.
معرفش ليه سبت المكتب بعد ما ضابط الشرطة ما مشى ونزلت على مخازن الشركة. اتكلمت مع حراس المخازن. بعضهم كان مصاب لأن اللصوص ضربوهم وقيدوهم وغطوا وشوشهم.
عاينت أبواب المخازن بدقة. ما فيش ولا باب كان مكسور.
تحس إنها كلها اتفتحت بمفتاح. ما فيش أي أثر لعنف.
كمان ما كانش فيه ولا حاجة فاضلة جوه المخازن. تحس إن اللصوص كانوا مطمنين جداً ومش خايفين من أي حاجة.
ولاحظت لفافات تبغ كتيرة مرمية على الأرض.
اللصوص كانوا بيدخنوا بارتياحية. وقعدت أفكر إزاي حد جاي يسرق مكان يكون هادي للدرجة دي؟
جمعت عقب لفافات التبغ في كيس. ما كنتش عارفة الشرطة خدت بصمات ولا لأ.
اتكلمت مع الحراس تاني كل واحد لوحده وقارنت بين أقوالهم.
بعد كده سجلت كل حاجة في دفتر وطلبتهم تاني في مكتبي كل واحد لوحده وواجهته بأقوال زميله اللي كنت بازيفها أحيان وأضيف عليها حاجات.
أو أوجه اتهام لواحد فيهم على لسان واحد تاني. الكل كان بيستنكر ويقسم إنه كذب. إلا واحد فقط كان بيدافع عن نفسه ويتهم الآخرين.
رواية اسيل الفصل السادس عشر 16 - بقلم اسماعيل موسي
قلت للحارس: أنا مصدقاك، واضح جدًا إنك أكتر واحد خايف على الشركة وعندك ولاء لشغلك.
صرفتهم من المكتب. لسه فاكرة كويس أول يوم روحت فيه القصر، شاهندة قالت إن كل حركة كنت بقوم بيها كانت بتوصلها وإن ليها رجالتها في كل مكان. مش عارفة إزاي رعد ما خدش باله وعرف إن فيه جواسيس في الشركة هنا.
كنت محبطة جدًا، تحقيقي الصغير ما جابش فايدة. أنا متأكدة إن السويدي ورا كل حاجة، لكن ما فيش إثبات.
جمعت مديري الشركة وأعلنت بصفتي مديرة الشركة، وبسبب الأوضاع الحالية المتأزمة للشركة، إحنا مضطرين نعمل شراكة مع شركة منافسة. لازم نقبل كده. أنا شايفة إن أنسب شركة لينا هي شركة السهم الذهبي وشركة أولاد مدكور. أنا هقابل مديري الشركات دي وأعرض عليها الشراكة.
أنهيت الاجتماع وكل مدير راح على مكتبه. حملت حقيبتي وخرجت، كان معايا ميعاد مهم جدًا، بدعي ربنا إنه يتم على خير.
قابلت مصطفى الدغيدي صاحب شركة الياس، صديق قديم لرعد، كنت محددة معاه ميعاد. اتكلمت معاه وشرحت له وضع الشركة وعرضت عليه الخطة بتاعتي. الراجل كان متفهم جدًا، خصوصًا إن خطتي مش هتخسره أي حاجة.
خرجت من مكتب مصطفى الدغيدي مبسوطة. أول حرف في خطتي انكتب.
زي ما كنت متوقعة، الأخبار طارت من الشركة لقصر السويدي.
شركة السهم الذهبي وشركة أولاد مدكور رفضوا الشراكة.
لا شيء جديد، الخيانة المتوقعة. لكن بعد أسبوع بالظبط وصل أول خبر مفرح لمكتبي. المزاد رسا على مصطفى الدغيدي، يعني على شركتنا. صفقة ممكن تعوض خسايرنا الكبيرة.
مصطفى الدغيدي وافق يكون واجهة لشركتنا في الشر.
لأن شركتنا بتتحارب من السويدي وشركائه، كان لازم أوجد بديل محدش يشك فيه، شريك محدش يتعمد يرفع الأسعار قصاده ويخسره.
بدأت معدات الشركة تعمل بكل كفاءتها. كان لازم نضاعف عدد ساعات العمل وادي أوفر تايم.
كان لازم نشتغل بسرعة وفي صمت، وده إلى عملته. قدرنا في فترة بسيطة نغطي الصفقات المبرمة ونبعد عن الشرط الجزائي اللي كان هيكلفنا أموال طائلة.
كنت مصرة إننا نكسب أكبر قدر من المزادات حتى لو فرغت خزينة الشركة، لأن ده اللي كان مهم بالنسبة لي في الوقت الحالي.
صحت رعد بدأت تتحسن. كنت بتكلم معاه كتير في التليفون وأزوره لو سمح وقتي. خليت أخبار الصفقات والشغل ليا أنا وما رضتش أشغل دماغه.
كان عندي حلم واحد، رعد يرجع يلاقي الشركة واقفة على رجليها من تاني.
لحظتها هسلمه التركة وأقدم استقالتي بصورة نهائية.
السويدي كان هيتجنن، إزاي الشركة اشتغلت تاني؟ والصفقات دي تمت إزاي؟
السويدي كان عارف إن الشركات اللي روحتها رفضت تتعامل معايا بإيعاز منه.
لكن مصطفى الدغيدي كان بعيد عن عينه. شددت الحراسة على المخازن وقدمت أكتر من بلاغ كاذب للشرطة عن سرقة المخازن من أرقام وهمية. كل يوم والتاني الشرطة كانت بتوصل الشركة وتحقق.
كنت عايزة أي شخص بيفكر يسرق المخازن مرة تانية إن الشرطة موجودة في كل لحظة. ورسى علينا مزاد تاني وتالت.
وبدأت أتنفس. حساباتي كانت بتقول إن الصفقات دي هتغطي الخساير، لكن بهامش ربح بسيط جدًا.
وبدأت عجلة الإنتاج تدور، واللوادر تحمل البضايع من عندنا في مواعيد منتظمة. كل حاجة كانت ماشية كويسة.
لحد ما حصل…
رواية اسيل الفصل السابع عشر 17 - بقلم اسماعيل موسي
كلمني مصطفى الدغيدي وكان منهار، صوته كان تعيس باكي.
"مخازن شركتي اتحرقت يا أستاذة أسيل، كل البضاعة اتحرقت، أكتر من مخزن في وقت واحد، كل البضائع المعدة للتصدير اتحرقت."
مكنتش عارفة أقول إيه، أواسيه ولا ألوم نفسي؟ كنت متأكدة إن كل ده بسببى، أنا اللي ضميت مصطفى الدغيدي لخطتي.
حاولت أهديه.
"المزاد الجاي هيقع عليك إن شاء الله وهتقدر تعوض جزء من خسائرك يا مصطفى بيه، خليك واثق إني هقف جنبك بكل قوتي ومش هتخلى عنك مهما حصل."
"لكن السيولة معايا مش تمام يا أستاذة أسيل، أنا مكنتش عامل حسابي على الخسارة."
"متقلقش يا أستاذ مصطفى، أنا همدك بالسيولة، المهم المزاد يقع عليك."
"رعد يعرف كده؟ موافق يعني؟"
"أنا مديرة الشركة دلوقتي يا أستاذ مصطفى، والقرار قراري."
"أنا متحملة المسئولية كاملة يا مصطفى بيه."
للأسف، المزاد موقعش على شركة مصطفى الدغيدي.
السويدي رفع الأسعار لدرجة عالية جداً ومكنش فيه أي فرصة للمنافسة.
كل ده خلاني أشدد الحراسة على المخازن. مكنش ممكن أطرد الحراس اللي شاكة فيهم، كنت عارفة إنهم بينقلوا الأخبار للسويدي، وكانت خطتي إني أستخدمهم.
فضلت سهرانه أكتر من ليلة مع الموظفين لحد ما قدرنا نخلص الطلبيات قبل ميعادها، وأعلنت إننا هننقل البضاعة يوم الأحد قدام كل الموظفين.
يوم الجمعة اديت كل طاقم الحراسة أجازة واستعنت بناس من بره الشركة، وحملت كل البضاعة بالليل.
الحمد لله البضاعة وصلت أصحابها، رغم كده خليت كل حاجة سر. يوم الأحد اللوادر وصلت في ميعادها، دخلت المخازن وخرجت فاضية، لكن محدش كان يعرف كده.
كنت معتمدة على جواسيس السويدي في شركتي.
وزي ما كنت متوقعة، اللوادر الفاضية تم اعتراضها من قبل ناس ملثمين. كنت مدية خبر للشرطة إن اللوادر سيتم مهاجمتها. خطتي تمت بنجاح وتم القبض على اللصوص.
مفيش ولا واحد منهم اعترف طبعاً على السويدي لأنه كان مستعين بطرف تالت موزع المهام. كمان الشرطة كانت زعلانة لأن اللوادر كانت فاضية، وكان لازم أبلغهم بخطتي.
لكن أنا كنت شاكة إن الشرطة كمان مع السويدي.
أخيراً قدرت أتنفّس. دفعت شرط جزائي للصفقة الأولى ودفعت مرتبات الموظفين المتأخرة.
رعد كان استعاد صحته وروحت أزوره في الشركة. لقيته في غرفة اللياقة والتأهيل بيجري على المشاية.
"إيه يا رعد بيه، أنت استحليت القعدة هنا ولا إيه؟ مش ناوي ترجع الشركة؟"
رعد: "وأرجع ليه؟ الأخبار اللي وصلاني بتقول إن الشركة ماشية زي الفل."
"أنا بفكر يا آنسة أسيل أعينك مديرة الشركة وأقعد في البيت وأستمتع بحياتي."
"تستمتع بحياتي إزاي إن شاء الله يا رعد بيه؟"
"فسح، نزهات، سهرات، أنا من زمان وأنا قافل على نفسي وبصراحة الحادثة الأخيرة خلتني أعرف إن الشغل مش كل حاجة."
رعد: "نعم يا أسيل!"
"أنا تعبت يا رعد، أنا كنت بعد الأيام لحد رجوعك، أنا مليش في شغل العقارب ده."
"عمري ما تخيلت إني أعمل الحاجات اللي عملتها دي."
"صدقيني يا أسيل أنا مش مستعد نفسياً لرجوع الشركة دلوقتي، كملي جميلك ورجعي الشركة على رجليها."
رعد: "لازم تكون عارف إني لو فضلت يوم تاني واحد في الشركة هعمل مصيبة، أنا مش هقدر أصبر ولا أتحمل الظلم ده كتير."
بصلي رعد بتركيز.
"اعملي اللي أنتِ عايزاه يا أسيل، أنا بمنحك ثقتي المطلقة."
"حتى لو خسرت الشركة مش هلومك، وخليكي عارفة إني في ضهرك ووقت ما تحتاجيني هتلاقيني جنبك."
"ليه بتعمل كده يا رعد؟"
رعد بص لبعيد.
"أنا سكت كتير يا أسيل وأعتقد إن الوقت حان عشان نكسر الدنيا."
"طيب ليه أنا؟"
"ليه مش أنت؟"
"لأن غضبي ملوش حدود وليه رواسب من الماضي، مقدرش أتخيل أنا ممكن أعمل إيه."
"لكن أنتِ هتفكري بعقلك، لكن أنا هدمر كل حاجة، هولع الدنيا."
في طريقي للشركة كنت حيرانة، رعد منحني الصلاحيات كلها.
لكن هو متوقع مني إيه؟
مرت أيام وأنا بتابع كل حاجة في الشركة، مكنش منتظر إننا نكسب فلوس، الأهم الطلبيات تتم في ميعادها وأخلص من الورطة دي.
كنت قاعدة في مكتبي شارده ببص على الحديقة وبتذكر أول يوم شوفت فيه رعد وإزاي كنت عصبية جداً.
لقيت واحد من الحراس واقف قدام باب مكتبي، مطلبش يدخل لكن كان واقف حيران. خرجت من المكتب وسلمت عليه وطلبت منه يدخل معايا.
قعدته وطلبتله حاجة يشربها.
"الكلام اللي هقولهولك دلوقتي يا أستاذة أسيل تمنه رقبتي."
قلتله: "متخافش، اتكلم، أنا هسمعك ومهما كان كلامك مش يخرج بره المكتب ده."
الحارس: "المخازن هتتسرق تاني يا أستاذة أسيل، مهما كانت الحراسة اللي عليها هتتسرق، أنا عملت بأصلي وجيت أحذرك."
"هتتسرق إمتى؟"
الحارس بلغني بالمعلومة اللي وصلته.
"المخازن هتتسرق، مش بس كده والشركة نفسها هيتولع فيها."
"ومتفكريش تتصلي بالشرطة، الشرطة مش هتعمل حاجة."
"كل حاجة متظبطة ومترتبة."
حطيت إيدي على صدري من الصدمة. اديت الحارس ده أجازة مرضية.
طلبت منه يروح المستشفى يعمل فحوصات، ومن المستشفى على بيته.
السويدي.
السويدي.
"المرة دي أنا اللي هضرب القلم، إن شاء الله أموت فيها، حتى لو كانت آخر حاجة أعملها في حياتي."
رواية اسيل الفصل الثامن عشر 18 - بقلم اسماعيل موسي
فضيت مخازن الشركة من كل حاجة.
أتأجرت ناس من الصعيد باليومية لأني ما كانش عندي ثقة في أي شخص من الشركة.
رجالة جدعان نقلوا كل حاجة بسرعة ومن غير دوشة.
كنت عارفة السويدي هيهاجم المخازن إمتى.
شددت الحراسة حوالين الشركة.
دفعت فلوس كتير واتأجرت ناس كتير وسلحتهم وخليت الرجالة الصعايدة قريبين مني.
في السر حطيت إيدي في وكر الأفاعي وزيت ناس مشبوهين يهاجموا مخازن شركات السويدي في نفس الوقت اللي هيهاجم فيه شركتي.
طلبت منهم يحرقوا كل حاجة، يحولوا البضايع والمخازن لرماد.
رغم الخطر، أصرت إني أقعد في الشركة، كل حاجة لازم تكون تحت عيني.
لما وصلني خبر مهاجمة مخازن الشركة، طلبت من الحراس ما يدخلوش.
في نفس الوقت، أديت الأمر بحرق كل مخازن السويدي.
فضلت قاعدة على نار لحد ما الفيديوهات وصلتني، النار مولعة في كل مخازن السويدي، نار ضخمة ملهاش آخر.
رجالة السويدي بعد ما حرقوا مخازن شركتي هاجموا الشركة، لكن رجالتي اتصدوا ليهم بإعداد كبيرة أجبرتهم على الهرب.
الصبح كان خبر حرق مخازن السويدي في كل الصحف المصرية، كل مخازن السويدي اتحرقت.
الشرطة كانت في شركتي بتحقق في مخازني اللي اتحرقت في نفس الوقت.
الشرطة كانت بتحاول تربط بين حرق مخازن السويدي وحرق مخازني في نفس اللحظة، ووصلوا إن ده عمل مدبر من أعداء السوق.
كنت مرتاحة جداً لحرق مخازن السويدي، رغم الخسارة اللي لحقت بالشركة من حرق مخازننا.
محدش قدر يعرف إن مخازن شركتي كانت فارغة وكنت ضحية زي السويدي بالظبط.
والقضية اتقيدت ضد مجهول.
اتصلت برعد وبلغته باللي حصل.
السويدي ما كانش هيرتاح غير لما يقضي علينا، كان لازم أتغدى بيه قبل ما يتعشى بينا.
خساير السويدي كانت بالملايين، خبطة قسمت وسطه ونزلت أسهمه في البورصة تحت الأرض.
أصرت على رعد يرجع الشركة لأني كنت محتاجة راحة بعد اللي حصل دا كله.
أسبوع ولا أسبوعين أقضيهم مع والدتي في هدوء بعيد عن الشركة ومشاكلها.
أخدت إجازة من الشغل وكان مر أسبوع على الحادثة.
كنت نايمة ووالدتي بتحضر العشا.
تليفوني رن كتير لكن أنا ما أخدتش بالي.
مش بحب أرد على أرقام غريبة.
اتعشيت مع والدتي وقلت هقرأ شوية وأنام.
وأنا قاعدة على السرير، وصلتني رسالة.
"أنا عارف إنك إنتي اللي حرقتي مخازن السويدي. لو مش عايزة أفضحك، حضري مليون جنيه وقابليني في حديقة الأزهر."
رواية اسيل الفصل التاسع عشر 19 - بقلم اسماعيل موسي
بلعت صباع موز. ما يعرف ولا ميعرفش حيصل إيه يعني؟ كنت بقول كلام مش مصدقاه. نجحت الرسالة اللعينة في تعكير مزاجيتي وإجازتي.
إيه اللي ممكن يحصل؟
فكرت، ليه مكلمش السويدي؟ وكان ممكن ياخد منه فلوس أكتر بكتير من كده.
تقريبًا الشخص ده مش متأكد، معندوش دليل قوي، ودلوقتي بيلعب على أعصابي.
كلمت رعد بلغته بالرسالة. رعد طلب مني مردش على الرسالة خالص، ولا حتى أعبّره.
الحرب بينا وبين السويدي بقت واضحة ومش سر.
وحذرني: "أسيل، متعمليش أي حاجة من غير ما ترجعلي."
قلت لرعد: "طيب ما تيجي نقابله ونخلص الموضوع ده؟"
رعد كان ليه رأي تاني: "المبتذ مش بيشبع، ولم بيضوق الضحية مش بيرحم، وكل يوم بيطلع بقصة جديدة."
طلب مني الرقم وقال إنه هيتصرف.
رغم كده، أعصابي كانت متوترة، وفضلت مستنية رعد يتصل عليا ويقولي عمل إيه.
عدى يومين ووصلتني رسالة تانية: "أنا انتظرتك وإنتي مجتيش. اللي فات كان تهديد، دلوقتي حان وقت التنفيذ. لو مش معاكي فلوس تدفعي فيه طرق تانية للدفع وكله بيوصل للغرض."
الرسالة استفزتني جدًا لدرجة إني مخلتنيش أتحكم في نفسي.
بعت رسالة: "طرق تانية إيه؟ أنا مش ممكن أخون ثقة رعد بيه. اعمل اللي أنت عايزه يا حيوان."
وصلتني رسالة مكتوبة بدقة ومن غير عصبية: "مين ذكر موضوع الخيانة؟ خيانتك لثقة رعد تساوي مليون. ها ها ها. إنتي هتدفعي التمن بنفسك يا أسيل. لو مش معاكي فلوس هتبيعي شرفك؟ هتتجوزي ليلة واحدة مقابل مليون جنيه وكمان الدليل اللي معايا سيتم تدميره. وقبل ما تتعصبي وتشتمي، اعرفي إن حياة رعد متعلقة بردك."
قلبي وقف من الخوف. مجرد ذكر اسم رعد خلى كل أوصالي مش على بعضها. رعد لا.
رعد لسه خارج من المستشفى وأي أزمة آثارها هتكون صعبة عليه.
مين الحيوان ابن الـ... اللي بيعمل كده؟
خرجت غيرت هدومي. لبست بنطال جينز وقميص كم. كوتشي أبيض. فتحت درج المكتب وأخدت منه المسدس اللي اشتريته من أول ما بدأت شغلي مديرة للشركة. كل ده وعيني على التليفون.
قعدت على طرف السرير وكتبت: "أنا عايزة أقابلك حالا."
لحظات ووصلني الرد: "الفلوس جاهزة؟"
كتبت: "مش قلت فيه طرق تانية؟ ولا غيرت رأيك؟"
الرد: "موقف السيدة عائشة بعد ساعة."
نزلت أخدت تاكسي. كان ممكن أسامح في ابتزازي عن طريق الفلوس، لكن توصل لشرفي؟ لازم أشوف كل الـ... اللي عقله صورله إني إنسانة مش شريفة.
حطيت دماغي على زجاج الشباك. بهدي نفسي لأن كل حركة ليها تمنها.
وصلت موقف السيدة عائشة. نزلت من التاكسي ودفعت الأجرة ووقفت في مكاني.
بعد دقيقة: "امشي في خط مستقيم لنهاية الشارع هتلاقيني مستنيكي!"
بدون تردد مشيت في الشارع لحد آخره. كان فيه تفرع وشوفت شخص بيلوح بإيده من الناحية التانية.
رواية اسيل الفصل العشرون 20 - بقلم اسماعيل موسي
لا الأيام ستعود ولا اللحظات ستعود، حتى إذا كانت هي نفسها، المواقف، فإن المشاعر لا تكون كسابقتها أبداً.
عبرت الشارع، عيني في وسط رأسي تدور، بتأمل الوغد الواقف على الناحية الأخرى من الشارع.
حتة عيل ملوش أي لازمة، كان واضح إنه بيدخن مخدرات. أنفه، عيونه، أصابعه المعتادة على لف البفره، أظافره القذرة.
160 سم من القبح واللامبالاة كانت واقفة قدامي.
"عايز إيه؟" سألته.
"فين الشنطة يا حلوة؟"
زرعت إصبعي في صدره بقوة.
"احفظ لسانك يلا، كلامك ده احتفظ بيه لأغنياتك."
"أنا مش جاية هنا عشان أتفاوض معاك، أنا جايه أعرف إزاي عقلك المسوس فكر إنك ممكن تبعتلي رسالة تقل فيها أدبك عليا."
"هتعمل إيه يعني يا بطل؟"
ضحكت، رفعت إيدي ونزلتها لحد خصري.
"تعالى معايا هناك وهعرفك هعمل إيه."
"إنتي فاكرة إني خايف منك، في جيبي سلاح أبيض." حط إيده عليه. "أنا ممكن أشرحك."
مشيت لقدام وشاورتله.
"تعالى."
مشي ورايا بلا مبالاة، كان واضح إنه منتشي.
وقفت تحت جدار بيت هادي.
"مين اللي وزك عليا، إنت شغال مع مين؟"
"أنا شغال مع نفسي، محدش بيحرّكني، لو كان يهمك بصي هناك."
بصيت، شفت شاب تاني بيراقبنا من بعيد.
"إنتو عصابة بقا؟"
"سميها زي ما تسميها يا حلوة."
"أنا مش حلوتك يلا، كأني هخرج." التليفون حطيت إيدي تحت القميص وخرجت المسدس صوبته على قلبه. "أنا هقتلك، لكن قبل ما أقتلك عايزة أشوف الدليل اللي بتبتزني بيه؟"
ابتسم بوقاحة.
"ابعدي المسدس ليعورك طيب، بالراحة على نفسك يا أستاذة، شكلك بتتفرجي على أفلام أجنبي كتير."
زقيته قدامي ورا باب البيت، وضعت كاتم الصوت على المسدس، وشاورت على قدمه.
"يمين ولا شمال؟"
"بتقولي إيه يا بت؟"
"تبقى اليمين يا حلو." أطلقت رصاصة على ركبة رجله اليمين.
رصاصة مكنش يتوقعها.
اترمى على الأرض وقبل ما يصرخ ويستوعب الصدمة ضربته على فكه ضربة قوية خلته يلمس الأرض.
وطيت ناحيته.
"إيه رأيك في الفيلم الأجنبي ده؟"
"مجنونة!" صرخ الشاب. "إنتي مجنونة!"
"انطق يا ده قبل ما أفرغ المسدس في معدتكم. مين بعتك ورايا؟"
"السويدي، السويدي، ابعدي المسدس عني."
"آها، لو قدرت تمشي على رجلك تاني، ابقى بلّغ السويدي إن أسيل مش للبيع."
"للبيع هاخدك لنفسي!"
استدرت بسرعة مصوبة المسدس على الصوت اللي ظهر فجأة.
كان هو، واقف قدامي بكرشه وبدلته الأنيقة كريهة المظهر. في بقه سيجار كولي فاخر، حواليه خمس حراس مسلحين.
"توهتوا ورايا." تحرك السويدي ومشي ناحية عربيته، أول ما ركب السواق اتحرك على طول.
حاوطني الحراس بينهم وجروني على العربية.