كانت القضية قد أسندت لمحقق تعدى الثلاثين من عمره، مزاجي التفكير ولديه عادات صارمة في أي قضية يتولاها. كان طويل، جسده رياضي، لكن اشتهر بالعزلة والغموض. أسندت له القضية بالأساس لأنها نظيفة ولن يخرج منها بنتيجة. كان رئيسه يدرك ذلك، لكن انتابته في الفترة الأخيرة رغبة بالتخلص منه. "قضية أخرى تضاف لملفه الفاشل"، قال عندما أسندت إليه القضية.
وجدت سحر نفسها لأول مرة تطلب للتحقيق. كان المحقق قد اتصل بها بنفسه. قال إنه يرغب بمقابلتها في مكان عام لتحقيق صوري، وأنه لا يرغب بأن تشوه سمعتها بالذهاب لمركز الشرطة. وافقت سحر بعد أن أخبرته أنها ستعلم زوجها بالمقابلة. قال الضابط وكان هادئًا جدًا وواضح: "لا تخبري زوجك. القضية فتحت من جديد، من المحتمل أن يكون القاتل أي شخص. إنه يرغب بالسرية." توجست سحر. سألت نور إن كان قد تم طلبها للإفادة في مركز الشرطة.
قالت: "لا". حينها ركبها الشك. قالت: "ربما بطريقة ما تم العثور على الرسائل التي كان يرسلها فتحي". لكنها فكرت أن ذلك كان يعني تحقيقًا في مركز الشرطة وليس مجرد إفادة عابرة. كان الضابط ينتظرها في مقهى عام، يرتدي ملابس شخصية أنيقة، وفي فمه لفافة تبغ. رحب بها وطلب منها الجلوس. انتظر حتى تناولت مشروبها. تأملته سحر: ثلاثيني أنيق، شعره خفيف، لكن مظهره محبب للنفس. وضح لها أن تحقيقًا صوريًا وأنها ليست متهمة، مجرد دردشة عادية.
ابتسم المحقق: "أي كلمة أو معلومة قد تفيدنا في التحقيق." صمت حتى اعتقدت سحر أنه نسيها. "تعرفين فتحي؟ " باغتها بالسؤال فجأة. قالت سحر: "إنه جاري، مؤكد أعرفه." طوح المحقق وجهه لخارج المقهى، قال: "شخص قذر استحق تلك الموتة البشعة، لكن علينا رغم كل ذلك أن نجد القاتل، ألا توافقيني الرأي؟ قالت سحر: "أجل." "هل لاحظتِ على فتحي أي اهتمام تجاهك في الفترة الأخيرة؟ قالت سحر: "مطلقًا، لم يحاول التعرض لي، كنا نكتفي بإلقاء التحية."
"غريب"، قال محقق الشرطة، "وفقًا لمعلوماتي، فتحي كان كثير العلاقات النسائية. أنا مندهش." سألت سحر: "لماذا؟ قال المحقق وهو ينفث الدخان: "كيف لسيدة جميلة مثلك أن لا تثير انتباهه؟ أنا لا أغازلك مدام سحر، لكني أقول الحقيقة." "علاقتك مع زوجك جيدة؟ قالت سحر: "لا أرى أي علاقة تخص زوجي بتلك القضية." ابتسم المحقق، قال بانشراح: "زوجان سعيدان يخططان لحياة جميلة. أتفهم ذلك."
صمت المحقق فترة طويلة حتى ظهر على سحر القلق. "يعني فتحي لم يتعرض لك بأي شكل؟ قالت سحر: "لا." قال المحقق: "نعتقد أن التي قامت بقتله فتاة." ثم استدار وطلب شاي. وأردف: "فتاة بمثل عمرك تميل للبدانة وشعرها بني. الطب الشرعي يقول أن فتحي مارس الجنس قبل قتله." "بمعنى أدق، تلك معلومات سرية. قام باغتصاب الفتاة بعد أن وضع لها المخدر." قالت سحر: "ما شأني أنا بكل ذلك؟
أسأل زوجته. أنا لست عشيقة فتحي، أرى أن تلك المقابلة انتهت هنا." قال المحقق: "أعتذر إن كنت أزعجتك. هل يمكنني رؤية هاتفك؟ كانت سحر قد قامت بمسح الرسائل مع علي من هاتفها من مدة طويلة. ألقى المحقق نظرة على هاتف سحر وأعاده إليها. "هل يمكنني الانصراف الآن؟ "بكل تأكيد، كما قلت أنت لستِ متهمة ولا أرى مبررًا لقلقك." قالت سحر مداعبة: "أنا لست قلقة، لكن كما تعلم لدي زوجي، ربما وصل الشقة الآن؟
قال المحقق: "وأنا أرجو أن لا تخبريه بتلك المقابلة من فضلك." "إذا وصلتك أي معلومة، من فضلك لا تترددي بمهاتفتي." ومنحها رقم هاتفه. ودعته سحر. تابعها بنظرة حتى اختفت. كانت قضية نظيفة. المحقق يدرك ذلك، لطالما حل قضايا بمثل ذلك الغموض من تفاصيل بسيطة.
قاد سيارته نحو الشقة التي وقعت فيها الجريمة، كانت مملوكة لفتحي من الباطن. يوم وقوع الحادثة، الحارس لم يكن موجودًا. الجيران بعد التحقيق معهم أكدوا أنهم لم يلاحظوا شيئًا. لا توجد كاميرات.
كان المحقق يطمح أن تقوم إحدى الفتيات بعد موت فتحي بالإبلاغ عن جريمة اغتصاب تمت بحقها. كان متأكدًا أن فتحي قام بتلك القذارة أكثر من مرة، لكنه يدرك أيضًا أن الاعتراف بتلك الجريمة في مجتمع مغلق له تبعات لا يمكن أن تتحملها فتاة عزباء، أو حتى امرأة متزوجة. كان مسرح الجريمة كما هو، الدماء متخثرة في كل مكان. شقة بالطابق الثاني. نظر من الشرفة للبنايات المجاورة، ثم قال: "ممكن."
بعدها، طوال تلك الظهيرة، كان الضابط يحقق مع قاطني تلك البنايات إن أمكن لأحدهم أن يكون قد لاحظ أي شيء تلك الليلة. كان يقف أمام آخر شقة، يسأل نفسه عن جدوى إجراء نفس التحقيق. كان على وشك الرحيل لكنه عدل رأيه. طرق باب الشقة وسمع خطوات تقترب من الداخل. فتحت له الباب امرأة في الأربعينات، بشعرها، تضع على وجهها ماسكًا من الخضروات، ترتدي تي شيرت وبنطال قماش.
اعتذر المحقق، عرفها بنفسه، قال إنه يمكنه أن يعود في وقت لاحق، لكنها سمحت له بالدخول. جلس المحقق بالصالة، أثاث متواضع، شقة ضيقة لكن مرتبة بشكل مذهل. كانت رائحة طبخ تفوح من المطبخ. قال المحقق: "دجاج فرن بالخضروات؟ ابتسمت المرأة، قالت: "لديك حاسة شم مروعة." ابتسم المحقق، قال: "كان أمرًا سهلًا، بقايا الخضروات تلطخ وجهك." ضحكت المرأة وضحك المحقق. كانت مزحة مملة، يدرك ذلك، لكنها أزاحت بعض الجليد بينهم.
قالت: "كما تعلمين، حدثت جريمة قتل في الشقة المقابلة لشقتك، هناك في تلك البناية." تحرك تجاه الشرفة وألقى نظرة على الشقة. كانت رؤية واضحة جدًا لمدخل البناية. قال المحقق: "كنت أتساءل إذا كان بإمكانك مساعدتي؟ قالت المرأة: "أبلغت الشرطة بكل ما أعرفه، لا أعتقد أن لدي معلومات جديدة." جلس المحقق مرة أخرى، أخرج لفافة تبغ ومد واحدة للمرأة بعد أن أشعلها. قالت: "كيف عرفت أني مدخنة؟
"الشقة معبقة بالتبغ، رائحة فمك عندما فتحتي الشقة كانت تفوح بدخان سجائر مريتو." وأشار للمنفض، وأعقاب السجائر. قالت المرأة: "حسنًا، حسنًا، أنت بارع جدًا، لست مثلهم." انتظرت أن يسألها المحقق، لكنه عوضًا عن ذلك قال: "لا يمكنني رؤية وجهك خلف تلك الغابة من الأشجار." "وجهي؟ انتظر لحظة، سأنزع الماسك." "في تلك الليلة التي قتل فيها ذلك الوغد، كنتِ في شقتك؟ قالت المرأة،
وكانت تدعى روجينا: "أعيش بمفردي، كما ترين، أنا سيدة وحيدة، لا أتأخر خارج منزلي، ولا حتى بدعوة." غمز المحقق، هو يرمقها بتركيز. ابتسمت روجينا، قالت: "لا تتوقعي مني أن أخبرك بحياتي الخاصة." "أفهم ذلك." "سيدة روجينا، في الثالث من آذار، منتصف الليل، أين كنتِ؟ "كنت هنا أصنع فنجان قهوة." صمتت روجينا دقيقة، كان المحقق يعجبها، من أجل ذلك قالت: "إذا توصلت للسؤال الصحيح، سأخبره بالحقيقة."
"أنتِ جميلة جدًا"، قال المحقق كأنه رآها للتو، "لا تحتاجين لمسح وجهك، منور." "مغازلة؟ "الحقيقة لا تعد مغازلة، سيدة روجينا." "أتساءل إن كنتِ في الثالث من آذار تجلسين في الشرفة ترتشفين فنجان قهوة بفمك لفافة تبغ، ترمقين الشارع؟ قال: "محتمل." "انتبه المحقق، في الشارع، ألم تلمحي أي شيء غريب؟ قالت: "كان هناك رجل يضع على أذنه هاتف يسير تجاه تلك البناية بسرعة، كان يعرج على قدمه، لا أعلم، بدا في عجالة من أمره."
"صفي لي ذلك الشخص من فضلك." "طويل، رشيق، أنيق، ثلاثيني." "أنتِ تصفينني أنا؟ " قال المحقق وهو يضحك. قتلت روجينا: "أنت شخص أنيق وجذاب، لكن ليس لتلك الدرجة." "كان هناك إشارة للرصيف في الجهة المقابلة حيث توجد شجرة فاسك ديل ضخمة." "قبل ذلك، سألها المحقق: لم تمر فتاة شابة بشعر رمادي تميل للبدانة؟ "لم أرَ شيئًا"، قالت روجينا، "أخبرتك ما شاهدته، ليس لدي معلومات أخرى."
قال المحقق: "أنا ممتن لكِ سيدة روجينا. لديك ارتباطات الليلة؟ قالت روجينا: "هل تنوي دعوتي للعشاء مثلًا؟ رمقها المحقق، لديها جسد سايح، بض جميلة، وحيدة، كانت تنتظر كلماته. قال: "ألا تتذكرين أنكِ قابلتِ فتحي في أي مكان هنا؟ قالت: "مرة واحدة ولم نتحدث طويلًا." جلس المحقق مرة أخرى، قال: "أين؟ "كنت أشعر بالملل، قصدت حانة مجاورة، دعاني لكأس، اعتذرت، فأنا لا أشرب منذ مدة." "تركني ورحل." "وكنتِ تعرفينه؟
قالت روجينا: "كنا نلتقي أحيانًا بالشارع، تصادف أكثر من مرة أن وجدته في الحانة." ودعها المحقق، قال: "للأسف لا يوجد لدي وقت الليلة." لكنه مد لها هاتفه: "لست كل ليالي مشغولة." بطريقة نحو الحانة، كان المحقق يمتلك وقتًا طويلًا قبل أن تفتح أبوابها. ورد اتصال من زميل له من التحقيقات، قال: "تقدمت بفتاة بشكوى. تم اغتصابها ليلة مقتل فتحي." أدار المحقق السيارة وقصد العنوان الذي دونه في دفتره.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!