كان المعلم بخيت يقطع الطريق مرتديًا جلبابه الفضفاض، عباءته بنية، وطرق بعصاه الأرض يوزع الابتسامات على أهل الحارة الذين يرمقونه بوجل. إنه يعذرهم لأنهم أغبياء لا يملكون أدنى رؤية. بالأمس القريب كان واحدًا منهم، لكنه الآن من أكبر أعيان الحارة، يرتقي عربة الكارو، ويحرص على صلاة العصر في مسجد الحسين ويتضرع. وكل من ينظر إليه لا يشكك في نزاهته. إنه يوزع العطيات والهبات على الفقراء أمام وكالة الأقمشة ويقول: "هذا من فضل ربي".
وكان المعلم صابر هائمًا على وجهه. ضياع الوكالة أفقده عقله، يسعر في الحانات ويشرب البوظة حتى يسكر، يتشاجر مع الناس فيضرب ويضرب. ما عادت له قيمة بعد أن فقد الوكالة. يصرخ أن من الأعيان والمال لا يغير ذلك، لكنه يدرك أنه انتهى، وأنه دون والده لا شيء. والده الذي قضى عليه بجحوده. وكان الحج دهشان قد رق قلبه على ابنه ويأخذه في حضنه كل ليلة ويدعو له بالصلاح. وصابر رغم
سكره يقبل يده وقدمه ويهمس: "سامحني يا حج، سامح ابنك العاق الذي أضاع حق أخواته البنات". كانوا لا يجدون ما يأكلونه والجيران يمنحونهم بقايا طعامهم. وبعد أسابيع، استطاع الحج دهشان أن يتحدث وطلب من ابنه أن يتطهر ويغتسل ويرجع إلى الله. توضأ صابر، صلى وبكى. كان يشعر بالضياع. بعد أن أنهى صلاته قال لوالده: "أنا لا أستحق أن أكون ابنك، ضيعت كل شيء. سوف أرحل ولن أعود مرة أخرى".
همس الحج دهشان: "إحنا اللي بنعمل الفلوس يا صابر. الفلوس مش بتعمل رجالة، وأنا ربيتك تكون راجل". لكن صابر كان قد اتخذ قراره. نزل درجات السلم يحمل نبوته وقصد وكالة المعلم مراد بخيت. كان مصممًا أن يدفع ثمن أفعاله. وكان مراد بخيت يجلس بين أعوانه، العمال الذين كانوا يعملون تحت أمرته منذ أسابيع قليلة. وراح صابر يحطم المقاعد ويهجم على رجال مراد بخيت كالوحش. مراد بخيت كان تحت حماية الفتوة، وعيون الفتوة في كل مكان.
حضر الفتوة وسط رجاله وصرخ: "انت يا كلب؟ نسيت نفسك يا صابر ولا إيه؟ حمل صابر نبوته: "خلص الكلام يا برعوم. النبوت هو اللي هيحكم. الحكم للنبوت، أنا أتحدّاك". احتشد الناس. صابر يتحدى فتوة الحارة المعلم برعوم. حتى هند نفسها كانت تشاهد ما يحدث. وراحت العيال تصرخ وتصفق: "صابر دهشان يتحدى المعلم برعوم". تدافع الرجلان وتلاقت النبابيت. حماس صابر أمام خبرة برعوم ووحشيته.
وكاد صابر أن يلمس برعوم، لكن الرجل بكل رشاقة تفادى الضربة في اللحظة الأخيرة وهجم على صابر وطرحه أرضًا. ثم أوسعه ضربًا بالنبوت والناس تصرخ: "المعلم برعوم اصمله عليه، اصمله عليه". ربط صابر في حمار وجر داخل شوارع الحارة والخلق تشاهده بشماتة، فلم يكن له في قلوبهم أي حب. والأطفال تصرخ وتهيص وتزغرد. ثم ربط في ظهر الحمار أمام الحانة حتى تبول الحمار فوق رأسه.
ولم ينقذه من قبضة برعوم إلا شيخ الزاوية. وكان حكم برعوم الفتوة أن يترك صابر وأهله الحارة. وحكم الفتوة لا مرد له. هجم رجال المعلم برعوم على منزل الحج دهشان والبنات تصرخ وألقوا كل شيء في الشارع، حتى الرجل المريض لم يرحموه. ترك الحج دهشان الحارة والعار فوق رأسه، واستولى الفتوة برعوم على منزله. كان مشهدًا مهيبًا والناس تقف صفين تودع الرجل الشهم، ولم يتجرأ أي إنسان لمد يد العون.
وكان المعلم مراد بخيت توصل لأحد الصعايدة المقيمين في الحارة المجاورة وطلب منه أن يعرف أصل وفصل تلك الفتاة هند التي هربت من بلدها. وكان الرجل غادر الصعيد من زمن طويل بعد أن ارتكب جريمة قتل، هربًا من الثأر عندما كانت هند مجرد طفلة صغيرة. لكنه تعرف عليها. ابنة عبد العظيم.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!