كان المعلم صابر يسهر في حاناته كل ليلة ولا يستيقظ إلا عندما ينتصف النهار، ويترك رياسة الوكالة لأحد أتباعه يدعى مراد بخيت. كان شخصًا خبيثًا ولئيمًا يفرق بين العمال ويستدرج ضعاف النفوس لمصلحته الخاصة. كان عليه أن يتخلص من هند، فهو لا يمكنه التلاعب بالحسابات وهذه الفتاة تراجعها كل ليلة.
كان حتى تلك اللحظة لا يعلم أحد لماذا استبقى المعلم صابر هند في مكانها محاسبة الوكالة بعد أن أظهر العداء لها وكان يوجه لها الاتهامات والسباب في كل فرصة تسنح له. لكنه لم يفكر في طردها أبداً. حتى أن فتحية، بعد مرض الحج دهشان، استفردت به في إحدى الليالي الحميمية وسألته: "مش عارفة ليه يا معلم، سايب البت دي في الوكالة لحد دلوقتي؟ هرش المعلم صابر كرشه الذي تمدد من شرب البوظة والخمر. "إنها فتاة لعينة، لكنها أمينة."
وكأن ذلك لا يرضيه، يقول مرغماً: "الحسابات ماشية زي الفل. عبد العليم نفسه كانت تسقط منه أشياء، لكن تلك الفتاة عقلها نادر ولا أريد أن أخسرها. مش كفاية اللي بخسره في الحانات. إنها تصفعني بالحقيقة ولا تخاف أن تصرخ في وجهي: 'توقف، الوكالة هتضيع'." كان المعلم صابر يحتاج ذلك الصوت المنير في حياته المظلمة ولا يمكنه التخلي عنه. فهو رغم فساده وحماقته، يثق في رأي والده للحج دهشان.
لكن إبليس البشر لم يتركوه في حاله. والزن على الودان أقوى من العقل. وكان المعلم صابر وصل لمرحلة اعتقد فيها قدرته على إدارة الوكالة بمفرده. فتخلى عن هند وأرجعها للعمل كبائعة للأقمشة، وترك الحسابات لمراد بخيت.
وكان من الصعب على هند أن توفق بين عملها ودراستها. فقام بطردها من الوكالة كلها. وكان انقشاعها من الوكالة فتح عليها باب الجحيم. خرجت من تحت حماية الحج دهشان، وبات الكل ينظر إليها كفتاة هاربة من أهلها. والكل يأكلها بنظراته، فالقاذورات تسكن عقول الرجال.
وكانت هند تستيقظ بعد الفجر وتقطع معظم الطريق سيراً على الأقدام حتى تصل إلى جامعتها. وكانت حتى تلك اللحظة لا أحد يعرف عنها شيء. لكن أنوثتها التي نبتت فجأة جعلتها ملحوظة ومحط عيون متطفلة كثيرة. في تلك الأيام، كان العثور على عمل صعب للغاية، خاصة وظيفة محترمة. وظلت هند تنفق من مدخراتها حتى نفذت، رغم اقتصادها للحد الأدنى. وكان عليها أن ترتدي زي خادمة وتعمل داخل البيوت نظير لقمة عيشها، مخفية حقيقتها المرة.
وكانت في كل بيت تدخله تتوقع أن يتعرف عليها شخص من قريتها ويوشي بها عند أهلها. وتضع يدها على قلبها حتى تغادر. لكن كل ذلك لم يكن كافياً لمصاريف الجامعة، فالجامعة في تلك الأيام كان لا يدخلها إلا أولاد الذوات. توقفت عن حضور معظم المحاضرات. وبنهاية العام الدراسي الثالث، أيقنت أن حياتها التعليمية قد انتهت وأن حلمها تبخر مثل غيره من الأشياء.
لقد تمكنت من احتمال الوحدة والعزلة وفراق الوالدة والأهل. لكن الجوع كافر لا يرحم. وهي مجرد فتاة وحيدة ومنكسرة. تركت الغرفة التي تسكنها وارتحلت لأخرى لتعيش رفقة الدجاج والجرذان في غرفة غير آدمية. ربما كان بمقدورها تحمل كل ذلك. لكن النظرات التي تنهشها والتي تحولت لتحرشات سمعية لم يمكنها احتماله.
بطردها من الوكالة، توقفت عن زيارة الحج دهشان، حيث كانت تمارس معه العلاج الطبيعي لتساعده على الشفاء. وكان الرجل لاحظ تأخرها وانقطاعها عن زيارته. لكنه لا يعرف القراءة ولا الكتابة ولا يستطيع التحدث. وكان حال الوكالة لا يرضي عدو ولا حبيب. مراد بخيت تلاعب بالحسابات وسرق نقود كثيرة. والمعلم صابر غارق في سكره وضياعه.
حتى استيقظ يوم على طبل وزمر. مثله مثل أي رجل في الحارة، طلع ناحية الصوان المنصوب. كان المعلم مراد بخيت أنشأ وكالته الخاصة بالأقمشة. وقع قلب المعلم صابر في قدمه. ركض على الوكالة وطلب الدفاتر وتبين ما كان يتوقعه. الوكالة أفلس ولا يوجد حل لإنقاذها. سرعان ما انتشر الخبر في الحارة، الوكالة ستعرض للبيع. لكن المعلم مراد بخيت أقسم أنه سوف يشتريها ولن يسمح لرجل آخر يأخذ وكالة المعلم صابر.
وكان الرجل بحث عن هند حتى عثر عليها وعرض عليها توظيفها في الوكالة لتدون الحسابات وتراجعها. لكن هند رفضت، فقد كانت نظرات الرجل تشي بدوافعه الآثمة. حينها أقسم المعلم مراد أن يعرف أصلها وفصلها، من أي قرية وكيف هربت. أقسم أن يجعلها تركض نحوه وتقبل قدميه.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!