وبعد مرور الخمس شهور... كنت نايمة على السرير ورافعا راسي وببص للسقف وأنا بفكر. فجأة حطيت إيدي على عيني وبدأت أعيط. خلاص الخمس شهور عدوا وهطلق. هو ليه الحياة قاسية علينا كدا؟ ليه الحاجات اللي بنحبها مبتحصلش؟ ليه أنا اتخلقت وأنا أصلا مفيش حد بيحبني؟ فضلت أعيط كدا فترة، وبعدين مسحت دموعي واستغفرت على الكلام اللي قولته. قمت غسلت وشي وبدأت أحضر الأكل، لأنه زمانه على وصول.
وبالفعل بدأت بإعداد الطعام، ليمر الوقت وقد أنهت كل شيء. لتسمع صوت الباب وهو يفتح، لتعلم أنه عاد من عمله. خرجت من المطبخ لتنظر له وترى علامات التعب على وجهه، ويحني كتفاه قليلا. ابتسمت بحب قائلة: "حازم.. حمد لله على سلامتك.. أكيد تعبان وجعان، ادخل خد دش وغير هدومك لحد لما أحط الأكل على السفرة." رفع وجهه ونظر لها باستغراب مردفا: "حبيبه انتي كويسة؟ انتي سخنة؟ طيب نروح للدكتور." ضحكت حبيبه بخفة: "لا أنا كويسة."
كتفيه مردفا بحيرة ودهشة: "أصل غريبة، أول مرة أجي ألاقيكم مهتمين كدا وبرا أوضتك.. كنت دايما برجع ألاقيكم في الأوضة والأكل محطوط على السفرة." تحولت معالم وجهها إلى الحزن عندما تذكرت أن غدا موعد طلاقها، لتردف بسخرية: "أهو تغير قبل النهاية." دخلت سريعا إلى المطبخ ولم تترك له فرصة للحديث. ومع إشراقة الشمس وانبعاث ضوئها في كل مكان، لتعلن عن بداية يوم جديد. "حبيبه.. تعالي عايز أتكلم معاكي شوية."
خرجت حبيبه من غرفتها لتجلس جانبه وتردف قائلة وهي تنظر له بوجهها الباهت والهالات السوداء أسفل عينيها التي تشير إلى أنها لم تنعم تلك الليلة بالراحة: "نعم؟ في حاجة؟ ظل صامتا وهو لا يعرف ماذا يقول أو بما يبدأ حديثه، لياخذ نفسا عميقا. "حبيبه انتي عارفة إن النهاردة المفروض هنطلق." أتنهدت وبصت لعيونه: "وأنت عايز تطلقني؟ توتر حازم من سؤالها ومسح على وجهه بكف يده مردفا:
"حبيبه إحنا متفقين من خمس شهور إننا هنطلق بعد مرور الوقت ده." كنت عايزة أعيط وأقول له: متسبنيش أنا بحبك.. بس حاولت أبين قدامه إني هادية ومفيش حاجة. "أظن سؤالي واضح يا حازم، أنت عايز تطلقني؟ ظل صامتا وهو لا يعرف ماذا يقول، هل يقول لها إنه لا يستطيع الاستغناء عنها أم يبتعد عنها حتى لا يدمر حياتها؟ ففرق السن بينهم كبير. "حبيبه أنا... لقيته قال الكلمتين دول وبعدين سكت. ضحكت حبيبه مردفة بسخرية: "آه تمام، إجابتك وصلت."
كاد حازم أن يتحدث لكنه صمت عندما وجدها... وقفت حبيبه وهي تردف ببرود: "عن إذنك هروح أحضر شنطتي." لتهم بالذهاب لكنها عادت مرة أخرى تقف أمامه قائلة: "معلش مش هقدر أروح معاك عند المأذون، روح أنت واعمل كل اللي مطلوب لطلاقنا وأنا رايحة عند ماما وخالوا." لم تدع له فرصة للحديث لتركض إلى غرفتها سريعا، مغلقة الباب عليها. أسند حازم ظهره للخلف وأغمض عينيه واضعا يده على عينيه، وهو لا يحتمل فكرة طلاقهم وبعدها عنه.
كانت جالسة في أحضان زوجة خالها وهي تنظر أمامها بشرود. رفعت نظرها لتري جدها وحازم يدخلون من باب الشقة. لتقف سريعا وتذهب لهم ركضا لتمسك يد جدها مردفة بلهفة وصوت منخفض: "جدو هو مطلقنيش صح؟ قولي إن ده حلم وإني لسه مراته وهو اتخلى عن فكرة الطلاق، صح يا جدو؟ اخفض الجد رأسه وهو حزين على ما حدث معهم، ليقول بحزن: "لا.. للأسف يا حبيبه حازم طلقك."
تركت يده وابتعدت عنه قليلا، ناظرة له بدقة وهي تحاول استيعاب ما قاله. ثواني مرت لتترك نفسها لذلك الغمام الأسود الذي يراودها، ووقعت مغشيا عليها. ذهب حازم سريعا ورفع رأسها ووضعها على قدمه وهو يحاول إفاقتها قائلا بلهفة: "حبيبه.. حبوبتي فوقي.. مالك يا روحي.. حبيبههه فوقي لا." ظل يضرب وجنتها بخفة في محاولته إفاقتها، لكن باتت محاولاته بالفشل. صرخت به والدته وهي تردف بخوف عليها: "حازم قوم بسرعة هي كدا مش هتفوق."
لكن حازم كان في عالم آخر، فقط ينظر لها وعلى وجهه تظهر علامات الخوف بوضوح. كان يشعر أن قلبه سقط مع سقوطها. فاق من شروده عندما وجد يدا توضع على كتفه، لينظر خلفه فيجد جده ينظر له بحنان قائلا: "قوم يا ابني، قعدتك جنبها كدا ملهاش فايدة. هي بس تلاقيها أغمي عليها من الصدمة."
ابتسم له بلطف ونظر لها وهو يمسح دموعه التي انهمرت من مقلتيه. ليقف ويحملها بين يديه ويدخلها غرفتها ويغطيها بالغطاء جيدا. جلس بجانبها وهو ينظر لها ويقبل جبينها بين الحين والآخر. كان خالد يقف وهو يستشيط من الغضب بسبب دلال وخوف ابنه عليها، ليصرخ به بحدة: "حازم إيه؟ أنت ناسى إنك طلقتها وقعدتك جنبها كدا متنفعش." رمقه بغضب، ليقوس شفتيه ساخرا: "ودا على أساس إني مكنتش بحضنها قبل الجواز."
استشاط خالد من الغضب وكاد أن يرد عليه، لكنه صمت عندما تحدث والده بصرامة: "خالد.. مش عايز أسمع صوت، واعمل احترام لوقفتي." ذهبت زوجة خالد إلى الجد قائلة بحنان: "متتعبش نفسك يا حاج وتعالى ارتاح." ربط الجد على كتفها بحنان وهو يبتسم لها، ليوجه حديثه إلى خالد: "خالد يلا تعالي اطلع معايا." "بابا م... كاد أن يعترض على حديثه، لكن قاطعه الجد بنبرة صارمة: "أنا قولت أي، على برا ومش عايز اعتراض."
زفر خالد بضيق ونظر لحبيبه نظرة أخيرة وخرج من الغرفة. خرج الجميع من الغرفة، تاركين حازم الذي يجلس بجانبها والقلق لم يفارقه حتى يطمئن عليها. "أسياااا.. لااا." كانت ليل واقفة كالصنم تنظر لأسيا بصدمة وهي غير قادرة على الحركة من صدمتها. جاءت الأم سريعا ركضا إلى الغرفة لتصرخ بفزع: "أسيااا.. لااا لا يا بنتي بلاش تعملي في نفسك كدا." لتبدأ الدموع تنهمر من عينيها والقلق ينهش قلبها خوفا على ابنتها. لتبدأ بالاقتراب
منها بحذر وهي تقول: "أسيا حبيبه ماما.. بلاش توجعي قلبي عليكي." كانت أسيا تمسك بقطعة زجاج وتضعها على شريان يدها، أخذتها من مرآة التسريحة بعد أن قامت بكسرها، وهي تهز رأسها والدموع متلألئة في عينيها الرمادية. صرخت الأم بليل قائلة: "ليل متقفيش كدا، اعملي حاجة." هزت رأسها وهي تنظر أمامها بصدمة لما يحدث. لِتخرج من صدمتها وهي تقول بتوسل لأسيا: "أسيا حرام عليكي متعمليش في نفسك كدا." لتبدأ في البكاء وهي تكمل:
"أنا مش هقدر على فراقك.. أسيا متسبنيش.. أيهون عليكي يا أسيا؟ يا أسيا سيبي اللي في إيدك يا بنتي.. عايزة تموتي كافرة." كانت تلك الكلمات تخرج من والدتها التي تصرخ بها بغضب. لتتحدث ليل بلهفة وهي تبدأ بتذكيرها ببعض اللحظات التي قضوها معًا: "أسيا فاكرة لما كنت جايبة بيتزا وشوكولاتة وقاعدة في حضن خالتوا بناكل أنا وهي." لِتضحك ضحكة بسيطة وهي تكمل:
"ههه وقتها أنت جيتي ونطيتي عليا عشان أنتِ بتغيري على مامتك مني وكمان بتحبي البيتزا." لِتمسك شعرها بطرف يدها وهي تنظر لها وتضحك: "هههههه ويومها أنتِ مسكتي شعري وبوظتيه وقطعتيه." لتصمت قليلا حتى ترى ردة فعلها، لتري أن أسيا بدأت ترخي قطعة الزجاج من على يدها، لتكمل بلهفة:
"طيب فاكرة يا أسيا يوم لما خالتوا كانت نايمة وقومنا أنا وأنتِ في نص الليل عشان نعمل أكل وبهدلنا المطبخ.. ووقتها غطا الحلة وقع ومسكتش إلا لما صحي خالتوا من النوم.. ويومها خالتوا فضلت تجري ورانا بسبب كركبة المطبخ." بدأت أسيا تتذكر كل ذكرياتهم معًا، لتترك قطعة الزجاج من يدها وتجلس أرضا وهي تضرب وجنتها بكفيها الاثنين وهي تبكي: "آه يارب ليه بيحصل فيا كدا."
اقتربت منها والدتها بسرعة وأخذتها في أحضانها وهي تربت على ظهرها قائلة بحنان والدموع تزرف من عينيها ألمًا على ابنتها: "هش.. أهدي يا أسيا.. حقك عليا أنا آسفة.. بصي ارفضي العريس بس بالله عليكي يا بنتي متعمليش في نفسك كدا." ظلوا على وضعهم بعض الوقت وهم يبكون، وليل تبكي على حالهم. ثواني وشعرت الأم بثقل رأس أسيا على صدرها، لتبعدها عنها قليلا وهي تقول بقلق: "أسيا بنتي.. أسيا حبيبتي فوقي.. أسياا."
"ليل تعالي ساعديني بسرعة نحطها على السرير ونرن على دكتور.. لييلل." كانت تصرخ بها وهي قلقة على ابنتها. في أمريكا تحديدا في ولاية واشنطن. كان يجلس على البار وهو يحتسي الخمور ولا يعي لشيء من حوله. فجأة شعر بيد توضع على كتفه، ليلتفت للخلف وترتسم ابتسامة على وجهه ليقول بحب: "أسيا.. أنتِ هنا." اقتربت منه ولفت يدها حول رقبته وهي تقول برقة: "نعم.. إنه أنا حبيبي.. أسيا.. اشتقت لك."
ابتسم لها ووضع يده على خصرها مقربا إياها منه أكثر وهو ينظر لعيناها باستغراب. وفجأة ابتعد عنها بسرعة كمن لدغته أفعى، عندما استمع إلى ذلك الصوت. "ميا.. ابتعدي عن بحر أيتها العينة." ولم يكن ذلك الصوت إلا صوت صديقه دانيل الغاضب الذي يقترب منهم. عقد بحر حاجبيه وهو ينظر له وفي يده ممسك بزجاجة خمر. "دانيل.. لماذا أتيت إلى هنا؟ اقترب دانيل منه وأمسك الزجاجة وألقاها أرضا بغضب وهو يصرخ به:
"بحرر.. أفق مما أنت فيه.. كل ما تفعله خاطئ." لكن بحر لم يهتم لحديثه ونادى النادل بسكر: "أنت أعطني زجاجة أخرى." لكن فجأة سحبه دانيل من يده إلى المرحاض وسكب في وجهه الماء وهو يصرخ به بغضب: "أفق بحر." ليشير له بإصبع السبابة على الباب وهو يقول: "سأخرج.. وأنت خمس دقائق وتلحق بي.. أريدك في موضوع هام." تركه ورحل. نظر بحر في أثره وهو يحاول استيعاب ما يحدث، ليغسل وجهه ويخرج خلفه. وقف أمامه وهو يردف بنبرة باردة
وهو عاقد ذراعيه أمام صدره: "ماذا جرى؟ وما هو موضوعك الهام؟ تنفس دانيل بسرعة وهو يحاول التحكم في غضبه ليردف بهدوء: "القي بجملته التي جعلت بحر ينظر له بصدمة.. و"
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!