استيقظت أسيا فوجدت نفسها نائمة على الفراش في غرفة الفندق. جلست تنظر أمامها وهي تتثاءب. وفجأة صرخت بصوت عالٍ: "لا مش معقول يطلع كل اللي حصل ده حلم." نظرت إلى ملابسها بسرعة، لكنها تنفست براحة عندما وجدت أنها ما زالت بملابس الأمس التي خرجت بها. "أوف الحمد لله، كنت مفكرة إنه حلم." وقفت وهي في سعادة بالغة وبدأت في تبديل ملابسها. مر وقت ليس بالطويل، لتظهر علامات الاندهاش والاستغراب على وجهها عندما سمعت صوت طرقات على الباب.
"مين ده اللي جاي دلوقتي؟ والمشكلة إني معرفش حد هنا أساسًا." نظرت في ساعة هاتفها لتجدها لم تتخط الساعة العاشرة صباحًا. تنهدت وذهبت لترى الطارق الذي لا يتوقف عن الطرق على الباب. وقفت خلف الباب وعدلت حجابها وقالت من الداخل: "مين الطارق؟ نظرت قليلاً حتى تسمع الرد، لكنها لم تجد أي صوت وقد توقفت أيضًا صوت الطرقات على الباب. ظنت أنه قد ذهب وكادت أن تعود إلى الداخل، لكن عادت الطرقات من جديد. زفرت بضيق وقامت بفتح الباب بتأفف:
"أوف." لكنها نظرت للواقف بدهشة واستغراب وهي تقول: "أستاذ أيمن.. خير إيه اللي جايب حضرتك لحد هنا في وقت زي ده؟ ظل أيمن في البداية واقفًا مكانه لا يتحدث، فقط ينظر لها من أعلاها إلى أخمص قدميها. ثم نطق بنبرة ماكرة: "إيه مش ناوي تدخليني ولا هنتكلم كده على الباب؟ تعمقت أسيا في النظر إلى وجهه ونبرة صوته، فعلمت أنه رجل ماكر. فقالت بهدوء:
"آسفة يا أستاذ أيمن، بس مش هينفع أدخلك. أنت عارف طبعًا إني بنت وقاعدة لوحدي، وكمان في وقت زي ده معظم الناس في المنطقة دي نايمين." تنحنح أيمن بإحراج وفي داخله بركان من الغضب. "احم.. لا عادي ولا يهمك.. طيب خلاص عن إذنك، وأبقى نتكلم في وقت تاني." تأكدت أسيا من نواياه الماكرة بعد حديثه ذلك. "لا أبدًا، أكيد في حاجة مهمة. في كافتيريا هنا قريبة نقعد فيها ونشرب كوباية قهوة؟ قالت وهي تلعزز على أسنانه بغيظ: "كنت عايز...
وبنبرة حاول جعلها طبيعية ورسم ابتسامة مزيفة على وجهه، قال: "لا خلاص مفيش مشكلة، في وقت تاني. عن إذنك." "إذنك معاك يا أستاذ أيمن يا محترم." كانت تخرج تلك الكلمات منها بسخرية وهي تتكئ على آخر حديثه. ذهب أيمن وهو في داخله بركان يود أن ينفجر بعد أن فشلت خطته. أغلقت أسيا الباب بقوة وزفرت بضيق وهي تقول: "أوف.. ربنا يعكر مزاجك يا أخي زي ما عكرت مزاجي على الصبح كده."
قررت الترفيه عن نفسها، فأخذت هاتفها ووضعت بعض النقود به وقررت الذهاب إلى الكافيه القريب من هنا. كانت جالسة وهي تحتسي قهوتها المفضلة وتستمتع بالنظر إلى الناس من حولها. تنهدت وأغمضت عيناها عندما أتت نسمة هواء باردة. "هل بإمكاني الجلوس معكِ؟ استمعت إلى ذلك الصوت الذي يجعل قلبها يبدأ بالخفقان بسرعة. "أسيا بس بقى تفكير فيه.. أنا أكيد بحلم.. ما هو مش كل مرة هيكون حقيقة." "أسيا.. هل تسمعيني؟
بدأت بفتح عينيها ببطء وهي متوترة. وعندما فتحتها، وجدت تلك العيون التي تأسرها وتجعلها تقع في عشقها من جديد. "إنه هو.. كم أحب عينك التي تأسرني وهي بلون القهوة." ابتسم بحر وقام بالجلوس وهو يقول: "أجل، إنه أنا." احتست القليل من القهوة وسألته باستغراب: "وماذا تفعل هنا الآن؟ ابتسم ابتسامة خطفت قلبي خطف، وهو يقول لي:
"لدي مشهد تمثيلي اليوم بعد الظهيرة، فجئت حتى أتابع العمل في الشركة قبل أن أذهب. وبالصدفة رأيتك جالسة هنا.. وأنتي ماذا تفعلين هنا؟ هزت كتفها وهي تحرك يدها بعشوائية قائلة: "أنا آتي هنا كثيرًا في هذا الوقت حتى أحتسي قهوتي." ابتسم بحر ونظر إلى حجابها الذي يغطي شعرها بالكامل، إلا تلك الخصلة المتمردة من شعرها. "ما هذا؟ إنها رمادية." بدأ بالاقتراب من وجهها تلقائيًا وقرب يده من وجهها.
"فجأة لقيته بيبص عليا وبدأ يقرب مني، وبعدين لقيت إيده بتتمد ناحية وشي. رجعت شوية، بس بعدين لقيته قرب إيده أكتر ودخل خصلات شعري تحت الطرحة. حسيت وقتها برعشة واتوترت من قربه ده.. وبصيت لعينه.. وآه من عينه." "وإذا سألني أحدٌ عن الجمالِ.. فما الجمالُ إلا كوباً من القهوةِ داخلَ عيناكِ." "محسيتش بنفسي إلا وهو بيشاور بإيده قدام عيني. اتوترت وقولتله: طيب عن إذنك أنا همشي." "جارسون."
نادت على الجارسون ودفعت حساب القهوة ومشيت بسرعة وأنا حاسة قلبي هيخرج من مكانه من دقاته العالية. أما عن بحر، فعندما رحلت أسند ظهره للخلف على الكرسي وتنهد وهو ينظر في أثرها ويحتسي القهوة قائلاً: "ماذا ستفعلين بي أكثر من ذلك أيتها الشقية.. لا أعرف ماذا حدث لي منذ أن رأيتك من أول مرة." عاد إلى بروده وغروره عندما وجد الناس من حوله تنظر له. قام ودفع الحساب وارتدى نظارته وذهب بكل غرور.
مر الوقت وها قد جاء موعد المشهد التمثيلي. دخل بكل هيبة ووقار ولم يهتم بتلك النظرات من حوله من الفتيات. اقتربت منه فتاة ترتدي ملابس فاضحة وهي تقول برقة: "أوه بحر، لماذا تأخرت؟ لقد سأل عليك المدير.. لقد اشتقت لك." نظر لها باستحقار: "كلمة أخرى، وأنتي تعرفين ماذا يمكنني أن أفعل." خافت الفتاة وقالت بتلعثم: "حسنًا، حسنًا، سوف أذهب." قالت آخر حديثها وفرت هاربة من أمامه بسرعة.
مر الوقت وانتهى بحر من أداء المشهد التمثيلي، فذهب وأخذ منديلًا وبدأ في إزالة العرق من عليه. فجأة شعر بيدين تحيطان خصره ورأس يوضع على كتفه. تأفف وهو يقول: "أوه ميا، لماذا أتيتِ إلى هنا؟ استدارت له ووقفت قبالة وجهه وبدأت في اللعب في لياقة قميصه وهي تقول برقة بعد أن قبلت وجنته: "لقد اشتقت لك عزيزي.. أنت لم تأتِ منذ فترة كبيرة إلي." أبعدها عنه بضيق وقام بارتداء جاكيت بدلته الرصاصية.
"ميا، ابتعدي عني الآن وعودي من حيث جئتي." نظرت له بغضب وصرخت به بحدة: "بحر! انظر لي، لماذا بدأت تفعل هذا معي؟ أنت لم تكن هكذا من قبل.. قل لي لماذا قل اهتمامك بي؟ استدار ناظرًا لها وعيناه تتطاير منها الشرار. فها أنتِ يا عزيزتي ميا قد جعلتي بركانًا من الغضب ينفجر بكِ. قال بنبرة غاضبة: "ميااا! احذري من حديثك.. وإياكي أن ترفعي صوتك علي مرة أخرى.. أتسمعين؟ ولكنها لم تهتم بحديثه لتقول بصراخ: "لا، لم أسمع!
لماذا أفعالك معي تغيرت؟ ألم تعد تح... "آه... لكنها لم تكمل حديثها ودوت صرخاتها في المكان عندما قام بإمساكها من شعرها واقترب من أذنها هامسًا بها بنبرة مرعبة كصوت فحيح الأفعى: "لقد حذرتك من رفع صوتك علي.. لكن على ما يبدو أنكِ بدأتِ في نسيان نفسك." ابتعد عنها وهو يكمل بصوت عالٍ ساخرًا:
"إذا نسيتي، سوف أذكرك. لقد رأيتك ملقاة في الشوارع وأنتِ في حالة مزرية وملابسك مقطعة وزابلة.. أنا من جعلتكِ ميا هانم.. بدوني لكنتِ فتاة شوارع فقيرة لا قيمة لكِ." ثم ألقاها على الأرض بغضب ونظر لها بتقزز. وأخذ مفاتيح سيارته والتفت حتى يذهب، لكنه تسمر في مكانه وعلامات الصدمة احتلت وجهه عندما رآه يقف أمامه......... كانت أسيا تتحدث مع ليل، ابن خالتها، بسعادة عارمة وهي تحكي لها عن ما حدث معها مع بحر مالك وآثر قلبها.
لتقاطع حديثها ليل وهي تنطق بنبرة هادئة جعلت ابتسامة أسيا تختفي ويتحطم قلبها إلى قطع صغيرة: "أسيا، متنسيش إنك لما ترجعي هتتخطبي لحازم.. افتكري دا كويس." أسيا بنبرة حزينة: "ليه فكرتيني.. كنت فرحانة." لتحزن ليل على ابنة خالتها: "أسيا، أنا آسفة.. بس ده اللي كان لازم يحصل. لازم أفكرك عشان متعلقيش نفسك بيه أكتر.. لازم عشان تبدأي تزحيه من دماغك.. أسيا، ابعدي عنه عشان متتوجعيش." لتضحك أسيا ساخرة:
"هه.. وعلى أساس كده إني مش بتوجع.. على أساس إني مش متعلقة بيه.. ليل، أنا عايزة إنك تفهمي حاجة.. أنا بحبه، لا لا بعشقه كمان.. ده مش إعجاب عشان أقولك مع الوقت مثلاً هنساه وهعرف إني كنت غبية.. لا أبدًا، عشان ده حب مش إعجاب." "يا أسيا، حرام عليكي اللي بتعمليه في نفسك.. انسيه.. حاولي عشان أنتِ عارفة كويس أوي نهاية حبك ليه دي إيه." أسيا بغضب: "ليل، اقفلي دلوقتي مش عايزة أتكلم." ولم تدع لها فرصة للحديث وأغلقت الهاتف معها.
نظرت أمامها بشرود لتبدأ الدموع في التلالؤ في عينيها الرماديتين. لتقول وهي تفكر: "يارب، أنا عندي يقين إنك هتستجيب لدعائي وهتجمعني بيه يارب." لتظل تفكر حتى غلبها النعاس وذهبت في سبات عميق. مرت الأيام وها قد أتى ذلك اليوم المنشود والحزين على البعض. نعم، إنه يوم الجمعة، يوم عقد قران حبيبة.
كانت حبيبة جالسة في غرفتها أمام المرآة تنظر إلى نفسها وهي ترتدي فستانًا من اللون الأزرق الفاتح، يضيق من منطقة الصدر وينزل باتساع قليلاً من عدة طبقات من التول. تركت لشعرها العنان وهي تضع فوقه طوقًا من الورد الأبيض وبه بعض الورد الصغير من اللون الأزرق. لكن وجهها حزين، وقلبها محطم، فها هي ستتزوج من شخص آخر غير حبيبها، شخص لا يوجد بقلبه الرحمة، متزوجها فقط كخادمة لابنته.
تنهدت تنهيدة تحمل بها الكثير. كم تمنت أن يكون هذا اليوم هو زواجها، لكن على معشوقها. ثوانٍ مرت وها قد فتح الباب ودخلت تلك المرأة الطيبة الحنونة بابتسامتها. "بسم الله ما شاء الله، قمر أربعتاشر." اقتربت منها وهي تضع يدها على كتفها وتنظر لها في المرآة، وقد فرت دمعة من عينيها. "قمر يا روحي." لتبكي حبيبة وهي تشعر أن قلبها يتمزق. "كان نفسي يبقى هو يا ماما.. أنا مش بحب حد غيره ولا عايزة حد غيره."
لتقاطعها زوجة خالها واحتضنتها بحنان وهي تربت على ظهرها. "هش، اهدي يا حبيبتي، يمكن حازم مش خير ليكي عشان كده ربنا بعده عنك." لتشد حبيبة من احتضانها وهي تدفن وجهها في رقبتها وما زالت الدموع تنهمر من عينيها. "بس أنا كده بتعذب يا ماما.. مش قادرة أتخيل إني هكون مع حد غيره.. مش قادرة يا ماما." "هش، اهدي يا قلب ماما." لتبعدها عنها بحنان وهي تنظر إلى وجهها قائلة بضحكة لطيفة: "ينفع كده؟
أهو وش القمر ده باظ.. عدلي يلا مكياجك عشان العريس وأهله برا والمأذون جه ومستنينك." لتبتسم حبيبة وتمسح دموعها وبدأت في تعديل مكياجها البسيط والخفيف. لتتحدث بتوتر بعد أن أنهت مكياجها: "م.. ما.. ماما.. هو.. هو يعني حازم فين؟ تنهدت الأم قائلة: "حازم طلع من الصبح ولسه مرجعش لحد دلوقتي، رغم إن النهاردة الجمعة إجازة من الشغل." لتظهر معالم الحزن على وجهها وهي تقول بخزي: "كان نفسي على الأقل يكون موجود وهو اللي ياخدني لبرا."
ربتت عليها بحنان: "معلش يا حبيبتي، تلاقي في مشوار رايح وزمانه جاي.. يلا بقى تعالي نخرج." أومأت لها حبيبة بهدوء وأمسكت يدها لتخرج. جلست حبيبة بجانب ذلك المدعو بعريس الندامة وهي ترتجف. ليتحدث خالد بصوت خشن قاسٍ قائلاً: "يلا يا شيخ، ابدأ بعقد القران." أومأ له الشيخ بابتسامة: "تمام.. بسم الله، توكلنا على الله." جاء الشيخ ليبدأ، لكن قاطعه ذلك الصوت الآتي من خلفهما. "استنى يا شيخ، مفيش جواز."
ليلتفت الجميع إلى الصوت بصدمة و...
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!