اصل يا حاج. وقبل أن يكمل حديثه اندفع الحديث من فم الغاضبة خلف أبيها وقالت: سيبه يا بابا، اظاهر إن مفيش حاجة بقت تعجب الشيخ علي عندنا. قال بجراءة: مين قال كده؟ أنا كان عندي مشوار بس هأجله علشان بحب أكل أم منير. نظر سالم لابنته وابن أخيه، وإلى الحرب التي تشتعل بين ابنته وابن أخيه كلما اجتمعوا. انتهى الطعام وجلس علي مع عمه قليلًا. استأذن علي ليخرج. وجدها تجلس في حديقة منزله. نظر لها وتشجع وأخذ الخطوة تجاهها ليسألها:
ممكن أعرف فيه إيه؟ نظرت له وعيناها تطلق عليه سهام الغضب وقالت بصوت بارد عكس نظرتها: مفيش. بعد عينيه عنها وهو يستغفر ويسألها مرة أخرى: فيه إيه يا رحيل؟ أنا زعلتك في حاجة؟ حين سمعته يستغفر ربه ويبعد عينيه عنها، هتفت بغضب: أهو بدأنا. سألها وهو يتعجب: بدأنا في إيه يا بنتي؟ هتفت بحدة: بدأت تستغفر زي ما أكون ذنب قدامك. حاول التحدث ولكن الكلمات وقفت على لسانه. ماذا سيقول؟ أيخبرها أنها فتنته، وأنه مفتون بها حد النخاع؟
تطارده في أحلامه ولا ينعم بالنوم منها. قال بتهتهة: اصل... ماهو... يعني... هتفت بحدة: اصل إيه؟ ما هو إيه؟ هدأ صوته ويستجمع شجاعته وقال بصوت حنون: أنا آسف لو زعلتك من غير قصد. قالت بصراحة تملكتها من اعتذاره العذب: بصراحة أنا زعلانة منك، وانت تعبان كنت عمال تقولي رحيل ابعدي عني. تفاجأ مما قالته. هل سمعت هلوسته بها وهو مريض؟ قال وقد احمر خجلًا وكأنها مسكته بالجرم المشهود: يعني أنا كنت تعبان وبخرف من التعب؟
حد يزعل من واحد تعبان برضه؟ سألته براءة: يعني مكنتش تقصد؟ أجابها بوجه ينطق بالأسف لها ويغرق لاذنه في سمارها الخلاب: أبدًا مقصدتش، وحقك عليا تاني مرة. سألته بفرحة: يعني هشوفك بكرة بعد صلاة الفجر أتمشى معاك زي زمان أنا وعبدالله؟ أجابها بصوت حنون وكأنها ابنته المدللة: خلاص نصلي الفجر بكرة ونتمشى. هتفت بفرحة: الله عليك يا شيخ علي.
وكأنها طفلة صغيرة حين تراه يغمرها بحنانه، هذا الحنان التي حرمت منه بغبائها وتمسكها بما هو لامع بينما تركت الذهب الأصلي خلفها. *** ماذا تفعل؟ الشكوك تنهش عقلها وتتغذى على قلبها. سألت في الشركات التي استوردت معدات طبية في ذلك اليوم. تأكدت بطريقتها الخاصة، رغم السرية التي كانت تفرضها الشركات على تلك الملفات، إلا أنها علمت أنهم أتموا الصفقات وسلموها لأصحابها. لم يتبقى إلا أن تتأكد من شكوكها وتمسك في يدها دليل إدانته.
لن تتسرع، يجب أن تحسب كل خطواتها. إنه بيتها وحياتها، والرجل الذي استأمنته على نفسها. أيعقل أن يكون كل ما فعله عزيز معها ومع عائلتها مجرد تعويض عن ما فعله فيهم؟ ينقصها الدليل فقط، أو أن تواجهه بأفعاله. *** وقف أمامها وهي تصفف شعرها المناسب على كتفها بنعومة، أطلقته ليصل إلى منتصف ظهرها ويحاوط وجهها ليذيدها جمال وفتنة. فكل يوم يفتن بها ويعترف لنفسه ألف مرة أنه أحبها ولا يرى فيها أي نقص. نظرت لشروده
وسألته وهي ترتدي حذائها: إيه اللي واخد عقلك يا حضرة الدكتور؟ اقترب منها وهو يحتضن خصرها من الخلف، يدفن وجهه في عنقها ويستنشق عبيرها المسكر: اللي واخد عقلي وقلبي واقف قدامي زي القمر العالي ومش طايله. رضي غزلها، غرور الأنثى لديها جعل ثقتها في نفسها تزداد، بل تكتمل. ولما لا؟ وهو من عالجها وانتشلها من تلك الهوة السوداء التي كادت تبتلعها وتبتلع أحلامها، بل تقضي عليها.
التفتت له وأحاطت رقبته بذراعيها بحركة جريئة منها لم تحسب عواقبها، أو ما تفعله بيونس. فهو رجل وهي امرأته الجميلة التي تأجج فيه كل مشاعر الرجولة والاشتياق الذي أضناها، وطلب قلبه وجسده. الاقتراب منها، ولكنه يخشى عليها ويخشى ردة فعلها. نعم، هو طبيب نفسي، يحسب كل خطوة للمريضة المغتصبة. ولكن كل حساباته تاهت منه عندما تعلق الأمر بقلبه المشتاق لحبيبته وزوجته. أراد منها ضوء أخضر يعرف بعدها أين سيكمل هو طريقه.
اقترب هو منها عندما احتضنت رقبته بين ذراعيها. لف يديه حول خصرها ليحتضنها بشوق، وهي لم تمنع الدفء الذي غمرها به يونس، ولم تبتعد عنه، بل التصقت به ليزداد شعورها بالأمان بجواره. قبل عنقها وقال بشوق: بحبك أوي يا آسيا. وللمفاجأة، همست هي بخجل: أنا بحبك يا يونس. يا الله! هل يحلم أم أن أميرته الصامتة حل عقدة لسانها لتعبر له عن مكنون قلبها؟ قال بلهفة: بتحبيني يا آسيا؟ أومأت له وقالت بخجل: بموت فيك يا حبيبي.
وما أروعها من لحظة انتظرها يونس كثيرًا. انتظرها عام كامل حتى تشفى، وانتظر أن تبوح بمشاعرها له أشهر كثيرة يتأجج من نار الاشتياق لتلك الجميلة. التقط شفتيها بين شفتيه وهو يحملها ويذهب بها إلى الفراش الذي احتضنها وهو ينام بجوارها. همست بخوف: يونس. قال لها مطمئنًا وهو يبتسم بعذوبة: هاخدك في حضني بس ونام. احتضنته وهي تنام قريرة العين. فما أجمل عوض الله لها وما أروعه. ***
جلست في فراشها تجمع صور أولى مقابلاتها بعزيز. نعم، فهو كان أتى لمقابلة خالها حسين في أمر عمل. ولكن ما هو هذا العمل؟ لابد وأنه أمر تلك الشحنة، فهي في الأساس كان خالها من استوردها باسم المشفى الخاص بهم. إذن فشكوكها في محلها. دخل بعد قليل عزيز وهي شارده في تفكيرها. احتضنها ودفن وجهه في عنقها وقال والشوق يزداد لتلك الفاتنة: وحشتيني. ابتعدت عنه بهدوء ووقفت أمامه وسألته والشكوك تنهش قلبها قبل عقلها: عزيز. قال بوله: عيونه.
استجمعت شجاعتها ونحت قلبها بعيدًا، وسألته: كنت جاي لخالي حسين المستشفى أول يوم شوفتك فيه ليه؟ تأرجحت عيناه واضطربت لحظة. وفي اللحظة الثانية استجمع نفسه وقال بجمود: شغل. سألته بإصرار: شغل إيه اللي بينكم وفين الشغل ده؟ قال بملامح مبهمة: ألغيته.
قال بانفعال بينما تذكر ذلك اليوم، فهو قد ذهب لخالها لإنهاء صفقة الأدوية، بينما الندل ترك الجميع وهرب خارج البلاد ليقع هو في تلك الورطة وحدها. والحمد لله أنه أحرقها وأحرق أي دليل حولها. قولتلي شغل كان بنا ومتمشية نوع الشغل بينك وبين دكتور يا عزيز؟ خالي دكتور وانت راجل أعمال؟ إيه الشغل ده؟ قال وقد شعر باختناق من الحاحها: كان شغل وخلص ومش فاكرة. نظرت في عينيه وقالت بتحذير: يارب يا عزيز يكون كل اللي بفكر فيه غلط.
توجس خيفة من حديثها، بينما بدأ يفهم أنها تشك فيه وتربط الأحداث ببعضها. وسألها: بتفكري في إيه يا دكتورة؟ قالت بثبات: لو عملتها، أكيد عارف بفكر في إيه. قال بتهكم: عملت إيه؟ إحنا هنا في فزورة. صرخت فيه بغضب من تهكمه البارد: عزيز! صاح هو ليعطيها الجواب الصادم: أنا مش بتهدد يا دكتورة، أنا عزيز التهامي. قالت وقد بدت الدموع في عينيها: لو اللي بفكر فيه صح، انسى إننا متجوزين وانسى أي حاجة بينا. ثم اقتربت منه وضغطت بإصبعها
على صدره وقالت بثبات: افتكر بس إني هكون أكبر عدو لك. *** وقف يوسف يستمع إلى شجار عزيز وبلقيس وهو يتشفى في ابن عمه. فأخيرًا جاءت له فرصة للانتقام من عزيز. عزيز الذي احتل مكانته عند أبيه. لمعت عينيه بفكره خبيثة سينفذها وينتقم من عزيز وبلقيس وأيضًا يونس وآسيا. *** بعد يومين من تلك الليلة، لم يحضر عزيز إلى البيت إلا ساعات معدودة، فهو يعد لأكبر عملية في حياته وزوجته التي يعشقها تشك به. قال عزيز للمدعي العام:
شام باشا، عاوزك في موضوع. سأله هشام بقلق: حصل حاجة في العملية يا عزيز؟ قال وهو يطمئنه: محصلش حاجة، كله تمام والتسليم بعد بكرة. سأله هشام بقلق: أما فيه إيه؟ قال والحزن ينهش تعابير وجهه: أسيا تقريبًا عرفت عن صفقة العلاج. سأله هشام باهتمام: اتأكدت من حاجة؟ قال عزيز وقد تمكن اليأس منه: لأ، بس كل شكوكها أكيد. هي هتتأكد منها، دي مراتي وأنا عارفها. طمأنه هشام وقال له:
ركز أنت بس في العملية وسبب موضوع الدكتورة نحلة إن شاء الله بعد العملية. قال عزيز وهو ينصرف: متقلقش يا هشام باشا، أنا حياتي قصاد العملية دي. أنا عاوز أنضف. انصرف عزيز ورأسه مثل الكمبيوتر تحسب كل صغيرة وكبيرة حتى لا تفشل تلك العملية التي ستخلصه من كل ما يعكر صفوها، ولكن، لم يحسب حساب يوسف، ذلك المنتقم الخفي. ***
وقف يوسف يترقب خروجها من البيت حتى ينفذ خطته الشريرة. وعندما كانت تخرج من بوابة الحديقة، افتعل الغضب وهتف في أبيه الذي كان يحتسي القهوة هو وعزيز. وقال بصوت غاضب: بابا، أنا عاوز أبقى معاكم في العملية دي. نظر خليل إلى يوسف وسأله وهو يرتاب من حديث ابنه: عملية إيه يا يوسف؟ صاح بغضب لكي تسمعه بلقيس التي كانت على وشك المغادرة: عملية السلاح اللي بترتب لها أنت وعزيز باشا الملك.
كلمة "عملية السلاح" واسم زوجها كانوا كفيلين بأن يجعلوها تقف لتسمع باقي الحوار الذي نجح يوسف وجدارته في خطته. ابتسم يوسف بخبث وهو يراها تقترب لتسمع باقي الحوار وقال: أنا عارف كل حاجة عن العملية دي. عاوزك تعتمد عليا يا بابا زي ما بتعتمد على عزيز. قال خليل بغضب: أخرس خالص يا يوسف وبطل شغل عيال. مفيش كلام من اللي بتقوله ده صح. صدر يوسف بغضب مصطنع:
لأ، كل الكلام ده صح. ولو كنت معرفني على شغلك من الأول ما كنتش عملت اللي عملته. أنا يونس مع أسيا أخت الدكتورة. صدر عزيز بغضب حين استمع لحديث يوسف الكاذب عن أخيه: أخرس يا كلب! أخويا ملوش دعوة بأفعالك. قال يوسف وهو يدعي البرود: اهدأ يا ملك، ولا خايف أقول لست الحسن والجمال مراتك إنك أنت المستورد لشحنة الأدوية والمعدات الطبية الفاسدة اللي قضت على مستشفى الحديدة.
لكمة قوية هوى بها عزيز على وجه يوسف الذي أشعل نار لو سمعتها بلقيس ستهدم المعبد على من فيه. ولكن أوان الحذر قد فات. ليستمع إلى شهقة شقت السكون حوله ويجد أمامه بلقيس. وقد تحقق الآن أبشع كوابيسه. لقد تأكدت ظنونها الآن وعرفت أنه سبب دمارها. صمت مخيف غلف المكان ليشقه صوتها القوي وهي تقول له بثبات فولاذي: طلقني. ثم أضافت بتهكم: طلقني يا ملك.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!