صباح الجمال يا أحلى عروسة. تورد وجهها من غزله وقالت: صباح الخير يا عزيز. أنت في؟ في طريقي للمكتب. سألته بجدية: ممكن نتقابل؟ عيوني يا ملكة، أعدي عليك. قالت وهي تركب سيارتها: أنا هكون في المستشفى بعد عشر دقائق، يا ريت تيجي هناك. أجابها: هسبقك هناك، أنا جنب المستشفى تمامًا. *** تعالى رنين هاتفه ليجبره على الاستيقاظ. أجاب بصوت ناعس: ألو مين؟ أتاه صوت عنتر المرعوبي: يوسف باشا، العملية باظت واحنا هنختفي.
صاح يوسف بغضب: علشانك غبي يا غبي، اختفي. وإياك تجيب سيرة ليا، ولو اتقبض عليك أنا معرفكش ولا شوفتك، وامسح رقمي من عندك. ثم أغلق الخط ونظر بغل إلى الهاتف الذي ذكره براحيل التي تحتل صورتها شاشة الهاتف. وتذكر كيف كانت متيمة به وكيف أنها الآن تسربت من بين يديه. ليرمي الهاتف بغل ليتحطم إلى أجزاء صغيرة ويصيح بغضب باسمها: رحيييييييييل. ولكن أين هي رحيل؟ الإنسان لا يدرك النعمة التي كانت في يده إلا بعد أن يفقدها. ***
وصلت إلى المشفى. كان قد سبقها بقليل. دلفت إليه لتجده يستمع إلى وردة كالعادة تشدو بأغنية ويبدو أنه في مزاج جيد، بل جيد جدًا. قال: إيه بيسألوني عنك يا نور عيوني. معقول أكون بحبك أكتر من نفسي؟ ليه ليه؟ عند هذه الكلمات تمنت أن يكون متيم بها. وتساءلت: هل يحبها؟ لم يقولها لها، ولكنها تشعر بها في كل أفعاله. لما لا يقولها لها؟ أحبك، ما أعذبها من كلمة. طرقت على باب مكتبه بهدوء. قال بثقة: ادخلي يا دكتورة.
دلفت وهي تبتسم وقالت: صباح الخير. استقام في وقفته، ومد يده لها ليصافحها واحتفظ بيدها داخل يده وهو يستدير ويجلس على الأريكة ويجلسها بجواره. قال وهو ينظر إلى وجهها الصبوح بسمتها الجميلة: كل العرايس حلوين كدا ولا أنت أخدتي كل حلاوتهم. قالت وهي تدعي الجدية: عزيز. قال وهو ينظر لها وكأنه مفتون: عيونه. هتفت مرة أخرى: عزيز اسمعني، عاوزة أقولك حاجة مهمة، خلينا نتكلم جد. قال وهو يعتدل
في جلسته ولم يترك يدها: جد الجد يا دكتورة، خير. توترت ملامحها. قالت وهي تفرك يدها لتستجمع شجاعتها، وأخيرًا تحدثت: طبعًا يا عزيز، أنت عارف إني كنت متجوزة قبلك. ما أن نطقت تلك الكلمات حتى تغيرت ملامح وجهه. ويده التي ما زالت تمسك بيدها ضغط بها على يدها وكأنه يكبح جماح غضبه. قال بجمود: عارف ومش عاوزك تفكريني. قالت وهي تستدعي هدوءها لتعرفه الحقيقة التي تخصها ولا تترق للحديث عن طليقها لأن هذا
سره هو ولا يحق لها إفشائه: فيه حاجة مهمة لازم تعرفها يا عزيز. قال وما زالت صفحة وجهه متجهمة، ولكن الغيرة غلبت عليه: قلت لك مش عاوز أعرف حاجة. كل اللي عاوز أعرفه، وإنتي كمان تعرفيه، إنك متجوزتيش قبلي ولا حد دخل حياتك قبلي ولا اتكتبتي باسم حد قبلي. أنهى كلامه بينما اشتعلت عيناه بالغيرة والغضب وقال وهو ما زال يضغط على يدها غير منتبه للألم الذي ألم بها: ولا حد لمسك قبلي.
كل اللي فات تنسيه يا دكتورة، إنتي من يوم ما دخلت حياتك وإنتي بتاعتي أنا، تخصيني أنا. كل اللي فات قبل كدا تمسحيه من ذاكرتك. يا الله، هل يغار إلى تلك الدرجة؟ أنه لا يتحمل أن تذكر إنسان وجد بحياتها قبل ظهوره. تساءلت بلقيس. قالت وقد اشتد الألم بيدها: خلاص يا عزيز. ثم تأوهت: آه إيدي يا عزيز. هنا انتبه ليدها التي يضغط عليها. تركها بسرعة، ورفعها لينظر إلى كفها الذي كاد أن يكسر أصابعها دون أن يدري بسبب غيرته. قال
واللهفة تنطق على وجهها: إيدك جرالها حاجة؟ سحبت يدها من يده وقالت وهي تخفي ألمها: حصل خير. صمت لحظة ثم نظر لها وقال بحنان: تعالي إيدك أطمن عليها. مدت يدها له ليمسك بيدها يمرر يده عليها بحنان وقال وهو يتحاشى النظر لها حتى لا تفضحه عيناه: بلا. أجابته وهي مخدرة من حنانه على يدها: أيوا. قال وهو يكمل ما يفعله يمرر يده على يدها بحنان: بلاش تفتحي السيرة دي تاني.
أنا فتحت معاك صفحة جديدة ملهاش دعوة بأي ماضي ليا، عاوزك إنتي كمان تعملي كدا. افتحي صفحة جديدة في حياتك والماضي انسيه، واكتبي في أول صفحة اسمي. عزيز وبس. كادت أن تفقد وعيها من همسه وكلماته. تماسكت في حضوره الطاغي المهلك لقلبها الذي يحيي معه شعور أول مرة يغزو قلبها. قالت وهي تغاير الموضوع: مغرور. نظر لها وقد علت الدهشة وجهه: ما هذا الرد؟ ليس هذا ما انتظرته منها.
ثم أكملت بمرح: طبعًا مغرور، عاوزني ألغي كل الناس اللي في حياتي وأكتب في الصفحة عزيز بس؟ وباقي الناس؟ قال بغرور: نكتبهم في صفحات تانية، إنما الصفحة دي ليا أنا، أنا أولها وأنا آخرها، عزيز وبلقيس. أنا وإنتي وبس. تورد وجهها من حديثه الجريء. وقفت وقالت وهي تجمع شتات قلبها وعقلها: تمام، أسيبك أنا تشوف شغلك وأنا كمان ورايا حاجات كتير وكدا أنا اتأخرت. قال وهو يتركها لتغادر: هتوحشيني. نظرت له وابتسمت بحلاوة.
سألها بشقاوة: مفيش إنتي كمان؟ أجابته بدلال: لأ، مفيش. هتف خلفها وهي تغادر: بخيلة. نظرت له وقالت بأسلوبه السوقي: يعجب. أجابها وهو يشبع عينيه منها: يعجب يا باشا. *** كادت أن تفقد حياتها أو يخطفها تلك المجهولين. من هم؟ ماذا يريدون منها؟ والأهم ماذا كان سيحل بها لولا علي الذي دافع عنها بـ.ـسماته كاد أن يفقد حياته. جلست هي وأبيها وزوجته الحنونة وأخواتها وبعض من أهل القرية الذين رأوا ما حدث وجائوا خلف شيخهم يطمأنوا عليه.
جلست تبكي في حضن زوجة أبيها الحنونة. قالت وهي تنتحب: أنا خايفة أوي يا ماما. مني خايفة على الشيخ علي يحصله حاجة. قالت مني وهي تحتضنها: إن شاء الله بسيطة يا حبيبتي والدكتور هيطلع دلوقتي يطمنا. بينما كان أبيها مع مأمور المركز وضابط القرية. سأل: هبتهم حد يا حاج سالم؟ قال سالم بيقين فهو متأكد أن خليل أو ابنه هو من فعلوه: هبتهم جوز بنتي يوسف خليل التهامي. إحنا على خلاف يا فندم وبنتي رافعة عليه قضية خلع وهو مش راضي يطلقها.
قال الضابط بعملية: لازم ناخد أقوال مدام رحيل. نادها منير أخيها ووقف بجوارها وقال بحنان: متخفيش يا رحيل، كلنا معاكي. سألها الضابط: والدك بيتهم جوزك أنه هو له مصلحة في خطفك، شفته؟ قالت بصوت مرتعش: لأ، مشفتهوش. سألها مرة أخرى: له مصلحة في خطفك؟ قالت بصوت خائف: مش عارفة، يمكن أيوا، لأننا على خلاف. قال أبيها: أنا باتهمه يا فندم وبطالب حضرتك تعمل محضر عدم تعرض لبنتي. كانت كالمغيبة، لا تدري على من تحزن.
تحزن وتقهر من ابن خالتها زوجها التي استأمنته على نفسها وروحها ليستأجر مجرمين يخطفوها؟ بأي عقل يفكر؟ هل أراد أن يعيدوها إليه؟ ألم يخشى عليها منهم؟ أم أراد منهم أن ينتقموا له منها؟ أم تحزن وتقهر على ذلك العلي ابن عمها التي لم تعاشره إلا شهران ودافع عنها بـ.ـسماته حتى أن حياته في خطر بسببها؟ هل عاشت حياتها في كذبة؟ اسمها حب ابن خالتها الغيرة أم.
نظرت إلى الضابط الذي كان ينهي ذلك المحضر باتهام يوسف بالتحريض على خطفها وانتظار على ليأخذوا أقواله. عادت مع أبيها تنظر إلى غرفة العمليات التي خرج منها الطبيب. جرى عليه منير أخيها يسبقها ويسبق أباها ليطمأن على أخيه الكبير علي. قال بلهفة: طمنا يا دكتور. أجاب الطبيب بعملية: الحمد لله، الطعـ.ـنة ما أثرتش على الكلى، هو بس الجرح صعب شوية بس الحمد لله المريض بخير.
هنا تنفست رحيل الصعداء وأخيرًا اطمأنت على ابن عمها الشهم وعلمت أن كل حساباتها كانت خاطئة. فهي كان لابد عليها من طاعة والدها ولكنها لم تطعه لتتعلم الدرس، ولكنه كان قاسي عليها. ولكنها الآن تعلمت الدرس ووعته جيدا. *** أنه الليل وما أجمله. أتى أخيرًا. لم تصدق أنها ستكتب له اليوم. لم تصدق من الأساس، هل هي له؟ تبلغ السرعة؟ لم يمر عام على معرفته بها.
توقعت عام حزين بينما كانت بدايته مأساوية ولكن نهايته أفراح ملأت قلبها وقلب أهلها. وقفت تنظر إلى هيأتها في المرآة. هل هي جميلة؟ لم يدم سؤالها طويلا. هتفت آسيا خلفها بفرحتها: إيه الجمال ده يا بلا. خفضت عيناها بخجل وقالت وهي تدعي الجدية: جمال إيه يا ست سو، أروح فين أنا في حلاوتك. ثم تعالى صوت يونس وهو ينادي عليها. قالت بلقيس بمناغشة: اتفضلي، أهو يونس مش متحمل يغيب عنك دقيقة، يبقى مين الجميل فينا.
ضحكت آسيا وهي تقول بغرور: لأ، هو يونس كدا مش متحمل، على طول جمبي. هتفت بلقيس بفرحة: سيدي يا سيدي. شوف شوف آسيا هانم بتقول إيه. انتهت شجاعتها مع كلمات أختها وتورد وجهها بالخجل. هتفت: بلا بطلي سخافة ويلا زمان عزيز جاي. ثم انطلقت خارجاً تبحث عن يونس بهجت حياتها، هو الذي أعاد لها الأمل وأعادها للحياة مرة أخرى. *** جلس في شرفة غرفته يتجرع مرارة الخسارة. ينظر إلى أبيه وهو يجاور عزيز في سيارته وينطلق بها.
يعلم أن أبيه يحب عزيز ولا يستطيع الاستغناء عنه لأجل أعمالهم الذي يشك وبدرجة كبيرة في أنها مشبوهة. مما جعل الحقد يتزايد في قلبه من الجميع، وخاصة أبناء عمه. فينوس أخذ منه آسيا، وعزيز كالعادة، هو دائمًا صاحب المكاسب الجبارة. أخذ أختها الكبيرة وأصبحت كل العائلة في يد أبناء عمه. ورحيل، آه من رحيل. تلك التي كانت بين يديه أضاعها بغبائه.
من يده يتذكر كيف أهانته حين قبضوا عليه بشأن حادث الاختطاف وأنكر كل شيء، ولكنه أرغم على أن يمضي على عدم التعرض لها. ولابد أن يبتعد عنها اليوم بقوة أبيها وقوة القانون. يتذكر كيف تراجعها هي وأبيها أن تغفر له، أن تسامحه. يريدها الآن وبشدة. ولكن مهلاً. هل يريدها؟ أم يريد آسيا؟ أم يريد الانتقام من رحيل؟ أم يريد أن يدمر آسيا وأبناء عمه؟ أم يريد أن يقتل هاني صديقه الذي دمر آسيا ودمر معها أي فرصة له؟ لأن هو لا يعلم ما يريد.
كل ما يريده أن يحـ.ـرق العالم كله لأنه أخذ منه كل شيء وأصبح لا يملك إلا الحسرة التي ينظر بها لأي شيء حوله وكل شيء. *** وصلوا إلى بيت دكتور إبراهيم في حفل هادئ في حديقة المنزل وأجواء هادئة. العائلتان والأصدقاء وأطباء المشفى وقليلاً من رجال الأعمال وكفى. وقف أسفل السلم بجوار أبيها أمها أمه أخيه ينتظرها. وكم كانت خاطفة للأنفاس وهي تطل عليه متأبطة يد أختها الصغيرة آسيا. كانت بحق تملك هي وأختها نفحة من أسمائهم.
فهن الآن وكأنهن ملكات هربن من صفحات التاريخ. تصنم الأخوان من جمال زوجات المستقبل. أعطت آسيا يد أختها إلى عزيز وقالت له بمشاكسة: اتفضل عروستك يا عزيز. أخذ يدها وكم كانت خجولة ترتعش يدها وكأنها ابنة السابعة عشر. أمسك بيدها وخرجا إلى حديقة المنزل حيث الاحتفال البسيط. جلس بجوارها واقتربت زينب وهي تحمل في يدها علبة كبيرة مزخرفة لامعة. وقفت بجانب عزيز وهي تقول بفرحة: لبس عروستك شبكتها يا حبيبي. وقف وجذب يد بلقيس.
فتحت العلبة التي توسطها طقم من الألماس الخالص وخاتم الخطبة الخاطف الأنفاس. ودبلة عزيز البلاتين. قالت وهي غير مصدقة ما تراه: ألماس يا عزيز. قال بوقاحة وهو يهمس بجوار أذنها وهو يلبسها العقد: ألماس يجي إيه وهو بيحضن رقبتك الحلوة يا بلا. ورد خدها هتفت بخجل: عزيز. قال وهو يكمل تلبيسها باقي شبكتها: عيونه. ثم أخذت دبلته وألبستها له. علت الزغاريد والتهاني حولهم. وبعد قليل أتى المأذون ليعقد قرانهم.
جلسوا حولهم ليعقد القران وأخيرًا ستكتب على اسمه. أنهى المأذون عقد القران وهو يقول: بارك لكم وجمع بينكم في الخير. تعالت الزغاريد والتهاني. جلسوا واكتملت الحفلة الهادئة التي لم تخلوا من بعض الصحافيين لتغطية الخبر، فها هو عزيز التهامي يرتبط أشهر رجال الأعمال وحلم الكثير من الحسناوات. يختار طبيبته ويقع في هواها. همس لها وهو يقترب منها: مبروك يا حرم عزيز التهامي. قالت بخجل أذاب قلبه وقضى على صبره: الله يبارك فيك يا عزيز.
قال بوله: عزيز عاوز ياخدك ويروح، وبلاها الفرح. ضحكت بدلال وقالت: كلهم عشر أيام. أخذ يدها ومشى بجوارها إلى أن اختفى في أحد أركان الحديقة الهادئة. مال عليها ليهمس: مش قادر أتحمل كل حلاوتك دي يا بلا. وقبل أن تجيبه كان ينحني ليسرق منها الماكر أولى قبلاته لها. وكم تمناها وحلم بها، ولكن الواقع أجمل بكثير. ابتعد عنها وقال وهو يلتقط أنفاسه: كان هيجرالي حاجة لو ما عملتش كدا. انخرست، لم تستطع حتى النظر إليه.
بينما غرقت في خجلها وما فعله معها هذا المنحرف. دفعته وأخيرًا خرج صوتها. قالت وهي تدعي الغضب لتهرب منه: آه يا قليل الأدب. وجرت أمامه. ضحك خلفها وقال بسوقيته: العهود همتظاميش قلة الأدب. استضم كتفها بكتف يونس الذي وقف هو الآخر يدلل آسيا ويحاول أن يمحو كل الحواجز بينهم قبل الزفاف. قال بمناغشة فهو يعلم طرق أخيه ويبدو أنه استخدمها على طبيبته: براحة يا دكتورة، إيه حد بيجري وراكِ؟
كل ما تجيبه بينما ظهر عزيز خلفها وهو ينادي عليها وضحكته ملء فمه. علم أنها وقعت في فخ أخيه. *** أنه الصباح وكم كان جميلاً مشرقاً على بنات الحديدي وحياتهم. فدوام الحال من المحال والشئ الثابت في الحياة هو التغير. أصبحت حياتهم أجمل، أهدأ. نعموا أخيرًا بالراحة والاستقرار والحب.
ولكن الصباح هذا اختلف عند درة التي اتقدت أعينها بالشر وهي تنظر إلى صورته عبر أحد تطبيقات الإنترنت وتحت الصورة خطبة أشهر رجال الأعمال عزيز التهامي والدكتورة بلقيس الحديدي. صرخت بقهر: ما ضاع منها، عزييييييييز. هل ضاع منها وإلى الأبد؟ بتلك الزيجة نعم ضاع منها. ولكنها لن تتركه ينعم بأحضان غيرها حتى وإن كانت نهايتها. *** كان صباح على مختلف وهو يرى إصرار عمه وهو يجمع له أغراضه من المشفى هو ورحيل.
قال سالم بجدية: مش هترجع على بيتك يا علي إلا بعد ما تخف خالص. أجابه بصوت متعب: علشان خاطري يا عمي، سيبني أروح بيتي. إنت عارف عبدالله ملهوش حد غيري. قالت رحيل بصوت هادئ وهي تنظر له: عبدالله كمان هيجي معاك إنت وعبد الله. قال بإصرار مقابل بإصرار عمه: معلش يا عمي، سيبني براحتي. قال سالم بجدية: هتيجي معانا يا علي، مرات عمك وأولاد عمك يراعوك الكام يوم دول نرد حاجة من جميلك علينا يا ابني.
هتف علي بصوت متعب: متقولش كدا يا عمي، أي حد مكاني هيعمل كدا. اقتربت رحيل وهي تحمل حقيبته وقالت وهي تناغشه: وهيضرب بالمطوة برضو؟ ضحك علي كلماتها وقال: وهيضرب بالمطوة برضه. وقالت بحنان: جعله يغض بصره، فهو لا يريد الفتنة بتلك الحورية خمرية اللون. يبقى تسمع الكلام وتروح معانا، دي ماما منى بتطبخ من امبارح وجهزنا لك إنت وعبدالله أوضة الضيوف. لم يستطع الرفض أمام هذا الإصرار وذهب معهم لتعتني به زوجة عمه وأبناؤه.
ولكنه يخشى الوقوع في تلك الفتنة التي تمرح أمامه بعفوية وبراءة. تستفز مشاعر كان يتوهم أنها ماتت ودفنت مع زوجته. *** ذهب آدم مباشرة إلى مكتب عزيز بالمشفى، فهو يريد أن ينهي كل الأعمال لديه قبل موعد الزفاف. استأذن آدم في الدخول. قال عزيز بصوت خشن: اتفضل. دلف آدم إلى عزيز الذي كان يعمل في بعض الأوراق. رفع عزيز عينيه إليه يرى من القادم. عرفه دون جهد في الاستذكار، فهو طليق بلقيس. قال بصوت بارد: خير.
علم آدم أن تلك الزيارة منه لن تكون مرحب بها من عزيز. جلى صوته وقال بصوت حاول أن يكون متماسك: طبعًا إنت مستغرب أنا جاي لك ليه. قال عزيز بنفس صوته البارد: وإيه سبب تشرفك النهارده؟ قال آدم بخبث: جاي أنصحك. قال عزيز بلا مبالاة: مش عاوز منك نصايح واطلع بره بدل ما أطلعك غصب عنك. علا صوت عزيز نسبياً وبدأ الغضب يظهر على وجهه. كانت بلقيس متجهة إلى مكتبه لتأخذ الملفات الخاصة بالجناح المجاني. سمعت صوته وآخر كلماته.
كادت أن تفتح الباب وتدخل. ولكن الصوت الذي سمعته والكلمات شلت حركتها. إنه صوت آدم طليقها. قال آدم بخبث: أهدى بس يا عزيز باشا، أنا جاي أنور لك طريقك. قال عزيز بغضب: اطلع بره. ألقى آدم قنبلته الفتاكة وأيضاً الكاذبة لكي يفسد الزيجة قبل فلقيس له وحده. قال بصوت حقود: أنا طلقت بلقيس عشان استحالة تخلف. استمعت بلقيس لكلمات آدم المسمومة وافتراأه عليها. كادت أن تدخل وتصفعه ذلك الكاذب المخادع. ولكن عزيز أسكت كل الأصوات.
صوت آدم وصوت غضب بلقيس. وقف عزيز واقترب من آدم وقال ببرود بينما علم أنه كاذب لأنه ما زال يلهث خلفها مثل الكلب: وطالما هي مش بتخلف، لسه بتجري وراها زي الكلب ليه؟ ثم صاح عزيز بغضب وهو يلكمه في وجهه: اطلع بره يا روح أمك، واسم مراتى ميحيش على لسانك تاني. المرة الجاية هقطعه لك. تملك الرعب من آدم وانطلق يجرى وفمه يـ.ـنزف بغزارة.
تراجعت بلقيس للخلف تحاول أن تستجمع دقات قلبها النافرة التي اعترفت بل تيقنت أنها تغرق لاذنها في عشق هذا العزيز. *** انقضى باقي اليوم في هدوء. لم يعلم أنها استمعت لمحادثته مع آدم وهو تصرف كأن شيئاً لم يكن. دلف إليها وفي يده بعض الملفات وبالطبع لم يترك الباب، فهي عادته. ابتسمت وهي تراه أمامها بكل هيبته. قال وهو يعطي لها الأوراق: دي ميزانية القسم المجاني. ابتسمت بحلاوة وهي تأخذها وتفتحها لتفاجئ أنه ضاعف المبلغ.
قالت وهي تنظر له: أنت ضاعفت الميزانية؟ أجابها بصوته الأجشد: المكسب بتاعنا الحقيقي، قولت لك لك قبل كدا، لازم المصلحة يبقى فيها لله. وضعت الميزانية فوق مكتبها. قال وهو يمد يده لها: يلا. سألته بدهشة: يلا فين؟ أجابها: يلا نتغدى ونعدي على كذا معرض ننقي أوضة النوم، إنتي ناسيه فرحنا الأسبوع الجاي. تورد وجهها للمرة التي لم يعد يعلم عددها وكأنها ما زالت بكر ولم تتزوج قبله. قال بوقاحة
وهو يلمس وجهها بظهر يده: وبعدين بقى في الخدود اللي بتبقى تفاح كدا كل ما أتكلم. دي بتبقى عاوزة. ثم صمت. سألته بجرأة لم تعدها بنفسها: عاوزة إيه؟ قال بوقاحته المعهودة: عاوزة تتاكل، وأنا بصراحة جعانة. هتفت بدلال: عزيز. أجابها بوله: عيونه. قالت وهي تدعي الجدية: أنا بقى جعانة بجد، يلا نتغدى ولا لغيت العزومة ولا إيه؟ قال بمرح: ودي تيجي؟ عاوز مراتي تفتكر إني بخيل. تفضلي يا عيوني. ابتسمت له وسبقته ليلحق بها ويخرجا سويا.
ولكن هناك دائمًا من يفسد كل لحظة جميلة لهم. استوقفتها امرأة تبدو في الثلاثين من عمرها وقالت: دكتورة بلقيس. وقفت بلقيس أمامها بينما جاء عزيز مسرعاً. أمرها بصوت غاضب: امشي من هنا. قالت درة بجرأة: أنا مش جايه لك، أنا جايه للدكتورة. جذب يدها بقسوة وقال من بين أسنانه: غورى من هنا بدل ما أد فـ.ـنك مكانك. نفضت يده وقبل أن يجذبها من يدها مرة أخرى، جذبت يده بلقيس وهي تقف أمامها وتقول بهدوء: سمعاكي خير.
قالت درة بغل: أنا جايه أعرفك بنفسي يا دكتورة. وقبل أن تكمل، قاطعتها بلقيس وأكملت عنها: لأ، عرفاكي، إنتي طليقة عزيز. لجمت الصدمة درة بينما ظنت أنها تملك الكارت الرابح وأنها ستنهي تلك الزيجة قبل بدأها، ولكنها وجدت العكس أمامها. نظرت لها بلقيس بثقة وسألته: ده الكلام اللي جايه تقوليهولي وأنا عارفاه؟ لسه فيه كلام تاني؟ لم تتحدث درة فهي علمت أن عزيز أخبرها بكل شيء. تركتها وكادت أن تنصرف لولا يد عزيز التي طوقت خصرها
بتملك وهو يقول لها بفخر: اتفضلي يا دكتورة، الجو هنا بقى يخنق. تركتها وانصرفت لتتجرع درة ولأول مرة مرارة الخسارة. *** انقضى الأسبوع ولا تعرف كيف مر بتلك السرعة. وها هي تجلس بجوار أختها ويجاورهما أجمل شابين في البلد. هل ستتزوج هي وأختها أخوان؟ لم تتخيل هذا في أجمل أحلامها. نظرت إلى عزيز الذي كانت عيناه تنطق بالفرحة التي بها شيء مختلف عن أي يوم. همست لآسيا وصوتها كان ينطق بالفرح: مبروك يا سو، شوفتي ربنا جميل وكبير إزاي.
قالت آسيا بصوت متوتر قليلاً: الحمد لله يا بلا، بس أنا خايفة. قالت بلقيس بحنان: متخافيش يا حبيبتي، كل اللي فات ماضي، عيشي وافرحي يا سو. وفي تلك اللحظة جذبها عزيز بينما أخذ يونس يد آسيا الذي كان كالما غيب عن الدنيا، لا يرى إلا تلك الفاتنة بين يديه. يتميل معها في رقصة جعلت قلبه يتراقص فرحًا، فها هي آسيا تزف إليه. كان عزيز ينظر إلى بلقيس بعشق. قالت وهي تتمايل معه: هتفضل باصص كدا كتير؟
قال بوقاحته المعهودة: ببص لمراتي الحلوة بزيادة النهارده. ذابت خجلاً بين يديه. لتقول وهي تغاير الموضوع: حلو الفرح. أجابها بصوت يقطر حبًا: أقل حاجة تليق بك يا ملكة. ضحكت على ذلك اللقب الذي تهواه حين يناديها به. قالت وهي تهمس له بجرأة: عندي لك مفاجأة. قال بفرحة: بجد؟ فين؟ إجابته بمراوغة: وقتها هتعرفها لوحدك.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!