دلفت أمنيه لداخل الوحدة الصحية بابتسامة مشرقة كعادتها، ثم إلى غرفة الكشف الخاصة بها. وضعت حقيبتها وأرتدت البالطو الطبي، وجلست على مقعدها في انتظار الحالة الأولى. استمعت لصوت طرق الباب، هتفت بهدوء قائلة: -أدخل. دلف شاب وسيم بابتسامة هادئة قائلاً: -صباح الورد على ست البنات. صباح الخير يا أمنية. هتفت أمنيه بابتسامة قائلة: -يسعد صباحك بالخير يا وليد. جاي بدري النهاردة مش عادتك، هتتحسد.
جلس وليد على المقعد ثم هتف بفخر قائلاً: -الست الوالدة مصحّياني من الساعة خمسة عشان أحضر يوم واحد من نفسها في معادي، محبتش أكسفها وكده. ليكمل بمكر: -انتي عاوزة تاخدي الكشف كله لحسابك مش كده؟ بس بعينك هقاسمك فيه. ضحكت قائلة: -يا شيخ قول حاجة غير دي. الله يرحم أيام "أمضيلي يا أمنية" و"استري علي". رمقها بغيظ قائلاً:
-مانا كنت وقتها لسه جديد بقى، ولحد ما لقيت بيت واستقريت أنا وست الكل. وبعدين خدي هنا، مش كان على قلبك زي العسل؟ وإنتي بنفسك اعترفتي بده. يا نَدْلَة، مبقاش ليكي أمان يا أمنية. أنا قايم أشوف اللي ورايا ونقابل آخر النهار. -اقعد بس، عاوزة أقولك على موضوع أكيد. جلس مرة أخرى قائلاً: -قولي، سامعك. أرمقته بغيظ قائلة: -بتتمقلت عليّ، الله يسامحك. هقول إيه وأنت فيك كل العبر. كنت عاوزاك تشوف دكتور نظر يكون شاطر وكده وشاطرة.
هتف باهتمام: -خير، عاوزاه في إيه؟ -واحد معرفة عاوزة تعمل عملية عشان تعاود تشوف من تاني. واستقصدتني ومحبتش أكسفها، لقيتها حاطة أملها فيه. قولت لها هسألك. شوف الموضوع ده انت واسأل على نسبة نجاح العملية والتكلفة والحاجات دي. حك ذقنه قائلاً:
-أنا ممكن أجيب لها بدل الدكتور كذا واحد وكلهم أشطر من بعض. لكن بالنسبة لتمن العملية ونسبة النجاح، دا اللي يقدر يحدده الدكتور المختص بعد ما يعملها الفحوصات اللازمة. وإن شاء الله خير. وقت البريك هسألها عيوني لدكتورة أمنية ومعارفها. أمنيه بابتسامة: -ربنا يخليك يا دكتور وليد. اكتفى وليد بابتسامة بسيطة وانصرف للخارج، وبدأت هي في روتينها اليومي.
بعد مرور يومين، نوّت عشق أخيرًا أن تخبره بأنها قررت أن تعطي نفسها فرصة أخرى للحياة، وأنها نوت على فعل العملية بعدما أخبرتها أمنيه بكافة التفاصيل. كانت جالسة تنتظره بتوتر وهي تتوقع رد فعله. استمعت لصوت غلق الباب، علمت أنه قد عاد من عمله كعادته. اقترب اتجاهها بهدوء وجلس على المقعد بارتياح ثم هتف قائلاً: -منزلتيش يعني النهاردة؟ ابتسمت نصف ابتسامة ثم هتفت قائلة:
-ماني قولت أخليني أهنيه أحسن من الطلوع والنزول كل شوية. اتغديت ولا لسه؟ -لاه، معوزش. وكل إني قايم أريح شوية، وعلى أدان العشاء أبقى صحيني. -رايح فين؟ رقمته بذهول فهي لأول مرة تسأله هذا السؤال، ليجيب قائلاً: -واه، ومن مِتّة وإنتي بتسأليني رايح فين وجاي منين؟ اعملي اللي قولتلك عليه، ومعاوزش حديت كتير. هتفت بتوتر بسيط قائلة: -مقصديش إني بس كنت عاوزة أقولك على موضوع أكيد. عاد وجلس مرة أخرى قائلاً بنفاد صبر:
-خير.. سامعك، قولي اللي عندك. صمتت قليلاً ثم هتفت قائلة: -بصراحة كده، إني نويت أعمل عملية.. عاوزة أرجع أشوف من تاني. تطلع إليها بصمت واستغراب، أزداد توترها فهتفت قائلة: -روحت فين يا سالم؟ قولت إيه؟ -قولت إيه في إيه؟ -في العملية.. هتخليني أعملها ولا لأه؟ هتف بضيق منها قائلاً: -واه اللي هيخليني أرفض؟ دي حاجة ترجعلك. ومدام عاوزة تعملي عملية معنديش مانع.. بس تبقي ضامنة نجاح العملية لأول. هتفت بفرحة قائلة:
-بتتكلم صوح يا سالم؟ يعني انت موافق إني أعمل العملية وأشوفك؟ صمتت عندما انتبهت لما قالته، لتهتف سريعاً محاولة تغيير الحديث: -قصدي أشوف.. إني اتحدثت مع أمي في التليفون وقولتلها وقالتلي أقولك وأشوف رأيك. هتف بهدوء: -قولتلك معنديش مانع، همنع ليه؟ شوفي عاوزة تعمليها امتى، وأني تحت أمرك. حاجة تانية؟ هتفت بسعادة قائلة: -لاه يا واد عمي، ربنا يخليك. خد اتصل بأمي.
قالت جملتها الأخيرة وهي تعطيه هاتفها. أخذه منها وقام بفتحه، وجد صورته موضوعة خلفية للشاشة. حول نظره لها ثم هتف بمكر قائلاً: -حاطة صورتي خلفية عندك؟ دا إيه الرضا ده كله؟ هتفت بخجل وتوتر قائلة: -صورة مين؟ إني محطتش حاجة، دي تلاقيها البت غزل ما بتبطلش لعب في التليفون كل شوية. لما أشوفها بس. ضحك قائلاً: -واه الحق عليها.. طلعت بتفهم أكتر منك. بقولك يا عشقة. هتفت بنفس النبرة: -هااا؟ -مش بتقولي بتعرفي تعملي شاي؟
ماتقومي تعمليلي كوباية شاي زينة من يدك لحد ما أغير خلقاتي وأجي أتصلك على أمي. بدل خجلها إلى الابتسامة ثم هتفت بعد أن وقفت قائلة: -حاضر يا سالم، أنت تؤمر يا واد عمي. تركته وذهبت للمطبخ لتحضر له ما طلبه. ابتسم بهدوء بعد مغادرتها وظل بمكانه يتصفح هاتفها. ارتسم على ثغره ابتسامة صغيرة عندما رأى صورته مرة أخرى وهو يخرج من التطبيقات، ليغلق الهاتف ويوضعه على الطاولة.
استمع لرنين هاتفه، أخرجه من جيبه ثم ألقاه على الطاولة بإهمال بعدما علم بهوية المتصل. ألقت خلود الهاتف بعنف بعد محاولة اتصالها به وعدم رده عليها. بنفس الوقت دخلت حسنيه عليها ثم هتفت قائلة: -البسي خلقاتك وتعالي، عريس قاعد بره مستنيك. زفرت بضيق قائلة: -وده إيه اللي جايبه؟ كت نقصاه. روحي انتي يا أما وأني جاية وراكي. هو أبوي قاعد وياه ولا لسه معادش؟ -أمال هياجي؟ وأبوكي بره. شهلي يا بت ومتلطمنيش على وشي.
خرجت حسنيه وبعد دقائق خرجت خلود خلفها، وجدت والدتها تنتظرها بصينية الضيافة. هتفت خلود قائلة: -واه إيه اللي موقفك على الباب كده؟ يا ما حسنيه. بنفاذ صبر منها: -مستنياكي يا قدري الأسود. خدي وأدخلي سلمي على الناس واتحدتي مع الكل، متسوديش وشنا أكتر ما انتي مسوداه. رمقتها بضيق وأخذت الصينية من يدها ودلفت للداخل وحسنيه خلفها. وضعت الصينية على الطاولة ثم حولت نظرها إلى محسن لتهتف بغيظ قائلة: -كيفك يا محسن؟
إن شاء الله تكون بخير. وقف محسن وانحنى قليلاً، أخذ كوب شاي ووضعه أمام والدها ثم أخذ كوبًا آخر لنفسه وعاد جلس على المقعد قائلاً: -بخير طول ما إنتي بخير يا خلود. اقعدي واقفة ليه.
رمقته بنظرة غامضة من أعلاه لأسفله، وجلست على المقعد المقابل له، وهم الاثنان يتطلعان إلى بعضهما بنظرات غير مفهومة. فهي كانت نظراتها له مليئة بالغضب، الكره، والغموض، أما هو فكان يبادلها النظرة ببرود واستفزاز وهو يرتشف من كوب الشاي بتلذذ. نظر أبو القاسم وحسنيه لبعضهما بعدم فهم ثم هتف قائلاً: -منور يا ولدي. هتف محسن باحترام قائلاً: -منور بوجودك يا عم أبو القاسم. تسلم يدك يا خلود الشاي زينة. هتفت بعدم اهتمام قائلة:
-أمي اللي عملاه. هتف بإحراج موجه حديثه لـ حسنيه قائلاً: -تسلم يدك يا خالة، دايما عامر. -تسلم من كل شر يا ولدي بالهنا والشفا. بقولك يا أبو خلود، في موضوع كده كنت عاوز اتحدتت معاك فيه. تعالي جاري مكان خلود. هتفت خلود بضيق منها قائلة: -واه يا ما، وأني هقعد فين؟ ما تتحدتتي وياه وقت تاني. رمقتها حسنيه بنظرة غاضبة ثم هتفت بحدة بسيطة لوجود محسن قائلة: -قومي اقعدي مكان أبوكي. الموضوع واعر.. عاوزة أقوله عليه قبل ما أنسى.
قامت من مكانها بضيق وبدلت الأماكن هي ووالدها سريعاً. جلست على المقعد بتأفف وهي تنظر لمحسن بضيق شديد متمتمة في نفسها قائلة: -الله يسامحك يا ما، معرفش كان لزمته إيه تقوميني من مكاني. اعتدل جالسًا على طرف المقعد ثم هتف بهمس قائلاً: -قومتك عشان نعرف نتحدتت مع بعض شوية. بس إنتي اللي جموسة، مفهماش. رمقته بنظرة غاضبة وكأنها تريد أن تطلع بروحه. ابتسم لها ببرود وهو ينظر لها باستمتاع كأنه مستمتعًا بإثارة غضبها.
دلفت خلود داخل غرفتها بعد مغادرة محسن. جلست على طرف الفراش، التقطت هاتفها من على الكمود وقامت بالاتصال على نهله وانتظرت الرد. هتفت نهله قائلة: -خير يا خلود. هتفت خلود قائلة: -مالك يا بت بتتحدتي معاكي كده ليه؟ بشحت منك إياك. قوليلي في أخبار جديدة ولا إيه؟ تنهدت نهله قائلة: -لا جديد ولا قديم. أهو. -طب بقولك، هو سالم في البيت دلوقتي ولا بره؟ -في شقته مع مرته. خلود بغيظ وغضب شديد:
-اللهي على ما يجي الصبح أسمع خبرها. العامية دي.. البت دي إني جبت آخري منها خلاص، مبقتش طايقاها. كفاية عليها كده، إني عاوزة أخلص منها في أقرب وقت. هتفت نهله قائلة: -وماله يا حببتي نخلصوا منها، بس مش قبل ما نتفق لأول. خلود بعبوس: -نتفق على إيه؟ ما قولتيلي هديكي قرشين حلوين. -الكلام ده كان لأول، لكن دلوقتي في حديت تاني. خلود بانفعال: -حديت إيه ده يا بت الرفاعي؟ نهله بصرامة:
-ليا النص في كل حاجة هتخديها من أخوي يا بت أبو القاسم. خلود بغل شديد: -نص إيه اللي عاوزة تاخديه؟ جنيتي إياك. دا بدل ما تحمدي ربك إني هديكي من الأساس. اسمعي يا بت، إنتي مش خلود اللي يتلوي دراعها. ولو مفوقتيش لنفسك كده وسبتك من اللي في دماغك ده مهتاخديش مليم، وبرضه هتعملي اللي إني عاوزاه. ولا أروح أقول لأبوكي على واد محروس وحبلانك منه؟
ولولا وقفتي جارك كان زمان فضيحتك بجلاجل في البلد كلها، وإنتي خابرة زين بلادنا ما بيصدقوا يمسكوا سيرة حد. اعقلي كده يا خيتي، متخلنيش أقلب التربيزة عليكي. نهله بانفعال: -بتهدديني يا بت أبو القاسم؟ مانتي متختلفيش عني كتير، ولا نسيتي سالم. خلود باستهزاء:
-سالم ملمسش شعرة مني، ولساتني بت بنوت الدوار. والباقي على اللي ضيعت شرفها وحطت راس أبوها في الوحل، وهو يعني ولا دريان. يلا بقى أسيبك دلوقتي وأبقى أكلمك الصبح يا نهله، تكوني فوقتي كده وعقلك رجع لك. ألقت نهله الهاتف من يدها بعنف ثم هتفت بشر قائلة: -آخد منك القرشين بس يا بت أبو القاسم، ووربي لأويكي بعديها.
خرجت نجمه من غرفتها تبحث بعينيها عن والدتها، وجدتها جالسة في بهو المنزل تقرأ في كتاب الله. أطلقت تنهيدة قوية ثم تقدمت إليها. جلست بجوارها وهي تفرك بيدها. وضعت توحيده المصحف بجوارها ثم هتفت قائلة: -مالك يا بتي؟ من وقت ما جيتي من جامعتك وإنتي عالحال ده. ريحي قلبي. قامت نجمه من مكانها، جلست بجوار والدتها. احتوتها توحيده بين يديها تملس عليها بحنان لتهتف نجمه قائلة: -ملخبطة يا ما، ومعرفش أعمل إيه. هتفت توحيده قائلة:
-واد عمك برضه؟ فزعت نجمه من مكانها واعتدلت جالسة ترمقها بتوتر لتهتف قائلة: -واد عمي إيه يا ما؟ إيه اللي بتقوليه ده؟ رمقتها توحيده بنظرة مطولة ثم هتفت قائلة: -مفكرة إني نايمة على وداني؟ مدريناش باللي بيحصلي من وراي. إني خابرة زين إنك رايدة واد عمك، بس قوليلي يا نجمه، هو كمان رايدك زي ما إنتي رايداه؟ ولا بيقضي معاكي كام يوم، ووقت الجد مهنشوفش وشّه؟
اسمعي يا بتي، إنتي لسه صغيرة، مفهماش حاجة. أوعاكي تصدقي حد يضحك عليكي بكلمتين حلوين ويجرك معاه لطريق الغلطة. هتفت نجمه بتوتر قائلة: -طريق غلط إيه بس يا ما؟ أحمد عمره ما اتعدى حدوده معايا. -إني خابرة بتي زين وعارفة هي على إيه. خابرة تربيتي. لكن مخبراش اللي حواليكي. واد عمك عاوزك، ييجي يتقدملك. الباب مفتوح ليه في أي وقت. غير كده، الحديث ممنوش فايدة. فهماني يا نجمه؟
عمك لما جه طلب يد أختك وأني وافقت، أديتها ليه مش عشان واثقة في عمك. لاه، عمك ياكل مال اليتامة. بس عشان خابرة إني أديت بتي لـ راجل هيقدر يصونها ويحافظ عليها، هيشيلها في عينه. إني محلتيش غيركوا، إنتوا اللي طلعتوا بيكوا من الدنيا. ويوم ما آخدك من يدك مش هسلمك غير لـ راجل صوح يشيلك في حبابي عينيه وأبقى مطمنة عليكي كيف ما أنا مطمنة على أختك. العمر مبقاش فيه، ولو عشت ليكوا النهارده مضمناش بكرة هيبقى. شيلي إيه؟
حطي عقلك في وسط راسك يا بت بطني. هتفت بحزن قائلة: -فهماكي يا ما. إني هقوم أنام. تصبحي على خير. -وانتي من أهل الخير يا ضناي. دلفت لداخل غرفتها، ألقت بجسدها على الفراش بأرق شديد وكلمات والدتها تتردد بداخل عقلها. مسكت بهاتفها تريد أن تحاكيه وتنهي معه الموضوع، لكن قلبها لا يريد ذلك. وضعت الهاتف بمكانه واعتدلت في نومها. استمعت لصوت رنين الهاتف، زفرت بضيق وأخذته مرة أخرى ثم هتفت قائلة: -خير يا أحمد، عاوز إيه؟
مش قولتلك مترنش عليا تاني. هتف أحمد بابتسامة قائلاً: -ولما معوزاش تردي عليا، بتفتحي من أول ليه؟ هتفت باستهزاء على حالها قائلة: -صح، إنت معاك حق. إني فعلاً اللي غلطانة. يلا تصبح على خير. أسرع قائلاً: -مالك يا نجمه؟ أول مرة تتحدتي معايا بالهجة دي. في حاجة مضيقاكي؟ -حاجة واحدة.. حاجات يا واد عمي، وإنت ولا إنت داري. هتف بضيق: -موضوع العريس أياه برضه؟ نجمه، إنتي بتتكلمي جد ولا كنتي بتغيظيني وقت عصبيتي؟ هتفت بانفعال قائلة:
-و أغييظك بتاع إيه! إني عملت اللي عليا يا واد عمي، لكن إنت اللي مصمم عالبعد وحكمت على علاقتنا تنتهي قبل ما تبدأ. أمي طلعت خابرة بحبي ليك، وزيها زي أي أم نصحتني. والصراحة معاها حق في كل كلمة قالتها. إني شكلي رخصت نفسي بوقفتي جارك وحبي ليك السنين دي كلها في السر، بس كنت مفكرة إنك هتيجي تطلب إيدي من أمي. وثقت فيك وخذلتني. شوف حالك، وإني هشوف حالي، وربنا يعوضني على السنين اللي ضاعت من عمري. هتف بضيق قائلاً:
-هو ده اللي طلع معاكي في الآخر؟ نسيتي كل اللي بينا لمجرد إن أمك عرفت؟ على العموم، اعملي اللي يريحك يا بت عمي، ومدام شايفة إن بعدك عني راحة ليكي، إني موافق. ومن الساعة دي مليش صالح بيكي. تتهني بعريسك. أغلق المكالمة مباشرة فور انتهائه. ألقت بالهاتف جانبها ودفنت وجهها بالوسادة لتمنع صوت بكائها.
خرج أحمد مع صديقه كعادتهم يسهرون في أحد المقاهي الموجودة بالبلد. جلسوا الاثنان على الطاولة ثم أتى لهم فرج صبي القهوة. وضع الشيشة أمامهم ثم هتف قائلاً: -تأمر بحاجة تانية يا أحمد بيه؟ هتف أحمد قائلاً: -مانت خابر يا فرج، ظبطناه. قال فرج بطاعة قائلاً: -من عنيه يا أحمد بيه، إنت تأمر. أخرج فرج من جيبه قطعة حشيش وضعها على حجر الشيشة، ثم أخذ بعض النقود من أحمد وعاد إلى عمله. حرر أحمد الدخان من فمه ثم هتف قائلاً:
-الصنف ده شكله واعر، خد جرب كده. هتف فايز قائلاً: -لاه يا عم، حد الله مابيني وما بين المدعوق ده. اعملي شاي يا فرج. هتف أحمد قائلاً: -بقي بذمتك حد يسيب الحشيش والدماغ العالية ويشرب شاي؟ فقر من يومك يا واد. -يا عم فقر فقر، هو لازم أغضب ربنا عشان أعجبك؟ وبعدين إنت مش كنت بطلت الهباب ده؟ إيه اللي رجعك ليه تاني؟ هتف بضيق: -مخنوق يا صاحبي، طهقان. عاوز أنسى. -وهو ده اللي هينسيك؟
دا بدل ما تصليلك ركعتين وتطلب من ربنا يخفف عنك، جاي تعصيه؟ لا إله إلا الله. -بقولك إيه يا فايز، إني منقصش. الله يخليك خليني أشرب الحجرين بمزاج. فايز بيأس: -ربنا يهديك يا صاحبي.
صدحت الشمس بنورها الساطع معلنة عن بدء يوم جديد وهو يوم الخميس. خرج سالم كعادته من المنزل إلى عمله والجميع إلى عملهم. هبطت عشق إلى الأسفل بمساعدة غزل كما أمرها وأن تظل جالسة تنتظره حتى يعود بآخر النهار. دلفت للداخل وجدت اعتماد جالسة على مائدة الطعام وجوارها كلاهما من نهله وإيناس يتشاركون وجبة الإفطار. ألقت عليهم تحية الصباح وشاركتهم الجلوس وتناولت وجبتها في صمت. هتفت إيناس قائلة: -مالك يا عشق؟
شكلك فرحانة النهاردة، فرحينا معاكي. هتفت عشق بابتسامة: -فرحانة قوي يا أم مالك، والفرحة مسيعانيش كمان. هتفت اعتماد قائلة: -يا رب الفرحة متفارقيش يا بتي، فرحينا معاكي. ابتسمت لها قائلة: -إني وسالم اتحدتنا مع بعض وقررت أعمل عملية عشان أرجع أشوف من تاني. هتفت اعتماد بفرحة قائلة: -صوح يا بتي، ربنا ينور لك عينك من تاني. فرحتيني عالصبح. هتفت إيناس قائلة:
-كويس إنك خدتي الخطوة دي، مفيش بعد نور العين. وإن شاء الله ربنا يراضيكي وميكسفككيش. هتفت عشق قائلة: -ربنا يخليكي يا أم مالك. بقولك يا مرت عمي، إني كنت عاوزة أروح أطل على أمي. هتفت اعتماد قائلة: -وماله يا بتي، قولي لجوزك وروحي. -ماني قولتلُه وقالي مفضيش بقاله كام يوم. فكنت بستأذنك لو أروح أنا وغزل نطل عليها ونعاود طوالي. هتفت نهله سريعاً قائلة: -هروح وياكي إني، وأهو بالمرة أشوف مرت عمي. بقالي ياما مشوفتهاش.
هتفت اعتماد قائلة: -خلاص، خلصوا وكل وقوموا امشوا عشان تعاودي بدري قبل ما جوزك يعاود. عشق بسعادة: -حاضر يا مرت عمي، ما هنعوقش. صعدت نهله إلى غرفتها سريعاً، ارتدت ملابسها وحدثت خلود بالهاتف، ثم هبطت مرة أخرى وأخذت عشق وانصرفوا مغادرين. قامت اعتماد مغادرة هي الأخرى بعد انتهاء وجبتها وتركت إيناس جالسة بمفردها. هتفت محدثة نفسها قائلة: -يا ترى ناوية على إيه للبت يا بت الرفاعي؟ خبراكي زين، متعمليش حاجة لله أبداً.
ظلت تفكر كثيراً وبدأ القلق يتسلل داخلها على عشق. نادت بصوت مرتفع على غزل. أسرعت لها قائلة: -تحت أمرك يا ست إيناس. الشاي على النار دقيقتين وهجبهولك. هتفت إيناس سريعاً وهي تعطيها الطفل قائلة: -سيبي اللي في يدك دلوقتي وخلي بالك من الواد لحد ما أروح للصيدلية أجيب له دوا للسخونية وهعاود طوالي. ولو أمي اعتماد سألت عليه، قوليلها طلعت فوق وجاية. وضعت غزل يدها على جبين الطفل تتحسس حرارته ثم هتفت قائلة:
-ماهو الواد زين أهو يا ست إيناس، سخونية إيه بس اللي عندك؟ تلاقي بيتهيألك. رمقتها إيناس بنظرة أخرستها ثم هتفت بحده من بين أسنانها قائلة: -نفذي اللي قولته لك عليه يا بت من غير حديت كتير. هتعرفي ولدي أكتر مني. قالت إيناس جملتها وأسرعت إلى شقتها. ارتدت عباءة سوداء وحجاب من نفس اللون وأسرعت للخارج. استقلت وسيلة المواصلات المشهورة بالبلد وهي (التوكتوك) هتفت محدثة السائق قائلة: -امشي طوالي.
انصاع السائق لأوامرها، فكانت تتطلع إلى كل مكان تبحث عنهم حتى رأتهم يتمشون على الطريق الزراعي. استغربت من قدومهم في هذا الطريق، فهتفت محدثة السائق قائلة: -وقف هنا. أخرجت المال من حقيبتها الصغيرة وأعطت له النقود ثم ترجلت سريعاً وسارت خلفهم وهي تتطلع للمكان حولها، حتى وقع نظرها على خلود تترجل هي الأخرى من التوكتوك أمامهم. بحلقت بهم بذهول وعدم استيعاب مما تراه، ثم هتفت محدثة نفسها قائلة: -آه يا ولاد الـ...
طب أكلم سالم أقوله ولا أروح ألحق البت الغلبانة دي من جوز التعابين دول. ظلت تتابع ما يحدث بصمت وتركيز وهي واقفة خلف شجرة كبيرة مختبئة بها، فكان كلاهما من نهله وخلود يتحدثون مع عشق وهم يقربونها من الترعة لكي يدفعوها بداخلها. بحلقت بهم إيناس بذهول شديد وهي ترى عشق تقترب من حافة الترعة وعلى وشك السقوط، لتصرخ بصوت مرتفع.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!