كنت غاضبة جداً من نفسي، وغاضبة من فارس، وغاضبة أكثر من قلة حياتي. ما ذنب عوني في كل الذي يحصل هذا؟ ولماذا فارس يصر على إهانتي بكلام جارح؟ أنا لم أقصد أن أتحدّاه أو ألوي ذراعه. لماذا الناس تعتبر المطالبة بالحق جريمة تستحق العقاب؟ عوني! ذلك البائس الذي يعيش بمفرده. وحزنت لما تذكرت أنه سيترك الشقة التي كان يحلم بها. ماذا أفعل؟ الخيارات أمامي قليلة جداً. أقدم استقالتي وأخسر أكل عيشي؟
عوني طلب مني ألا أتحدى فارس. رغم ذلك، كان كلام فارس مؤذياً جداً. وقررت إذا كان فارس يطالب بمعاملة رسمية، سأمنحه تلك المعاملة التي يرغب بها. وكان عندي أمل أن فارس يعتذر ويعترف بخطئه، لكن فارس منعه غروره أو شيء آخر لا أفهمه. الملايين التي دخلت خزانة الشركة أنعشتها. سدد فارس أقساط مستحقة للبنك. ولاحظت أنه غير متسرع في طموحات تنمية الشركة وتوسعها. وتمت الصفقة الثانية وأصبح فيه رصيد في خزانة الشركة.
وكانت علاقتي بفارس حتى تلك اللحظة علاقة سطحية. اختفت جلسة شرب الشاي والحديث العفوي. واكتفيت أنا بدوري كسكرتيرة لمدير الشركة. بعد شهر، طلب مدراء الأقسام اجتماعاً مع فارس، وكنت حاضرة أسجل نتائج الاجتماع. مدراء الشركة طالبوا فارس بتوسعات في مناطق مختلفة، فروع للشركة تساعد على شهرتها وتجديد المقر الرئيسي. وكان أكثرهم تحمساً رأفت مدير الحسابات.
كان لقاء حميمياً والكل أبدى ثقته من تضخم الشركة، أن تأخذ المكانة التي تستحقها في السوق. وافق فارس على المقترح، تخلى عن حذره المعتاد ومنح مدراء الأقسام الحرية في إنشاء أفرع أخرى. لم أنسَ عوني. كنت أتحدث معه كل فترة في التليفون. وكان في العادة لا يسألني عن أخبار الشركة، بدا غير مهتم على الإطلاق. حتى ذكرت له اجتماع المديرين والأفرع التي سيتم إنشاؤها. "غبي!
فارس إنسان غبي ولا يفقه شيئاً في الإدارة. السوق متقلب. المفروض يحافظ على رأس المال وينتظر بداية العام الجديد. أي خطوة هياخدها دلوقتي هتخسره." لم أقدر أفهم عوني. والصراحة، اعتقدت أن كلامه حقد وغضب من فارس لأنه لم يحقق في مشكلته. "عارفة!؟ " قال عوني، "محدش هيودي فارس في داهية غير مدراء الأقسام، خاصة رأفت. إذا كان مديرك يرغب في النجاح لازم يرفض أي عرض يقدمه ليه رأفت."
لم أعرف أرد. كيف سأفهمه أن كلام المديرين في مصلحة الشركة؟ قبل نهاية المكالمة، عوني قال لي كلمة واحدة: "بالمعدل ده للشركة هتعلن إفلاسها قبل نهاية السنة." خلصت المكالمة مع عوني. السنة فاضل عليها أربع شهور. الخزنة مليانة فلوس. هتفلس إزاي؟؟ عوني ملوش حق يقول الكلام ده. وعاهدت نفسي ما أتكلمش مع عوني عن الشركة مرة ثانية. إلا أنه بعد أسبوع، عوني كلمني وكان جاداً جداً.
"آنسة شيماء، لازم تقنعي فارس يوقف أعمال التطوير في الشركة بأي شكل. إذا كنتِ مهتمة بمصلحة فارس، لازم تحذريه وتقنعيه يحافظ على فلوسه." ودي كانت المرة اللي قررت فيها ما أتكلمش مع عوني تاني. بدأت أفهم أنه إنسان زي كل إنسان وجواه حقد على فارس. وكانت الشركة بتعيش أيام سعيدة مع أخبار التوسعات، أفرع جديدة يعني فلوس جديدة وعلاوات ومكافآت. غير فارس سيارته وجدد المكتب وواجهة الشركة واشترى آلات جديدة.
وصلت أخبار الاجتماع لبديع متولي عن طريق بنته صوفيا. "تنهد بديع أخيراً. عوني دق أول مسمار في نعشه. الولد ده تعبني كتير أوي. برافو عليك يا رأفت، وفيت بوعدك." وكان فارس يوقع الشيكات بلا انتباه أو عناية ويباشر أعمال التطوير ويفتتح الأفرع الجديدة كل أسبوع. لحد ما فارس صحي على خبر نفاذ الرصيد في خزانة الشركة. إزاي ده حصل؟ ما كانش فيه صفقات جديدة. ومع ارتفاع أسعار مواد البناء وتغير سعر الدولار، المصاريف زادت النص.
كان فيه مصاريف من غير دخل. أمر فارس باجتماع طارئ لما عرف أن رصيد الشركة في البنك صفر. أنا كنت حاضرة لكن معرفش السبب. لحد ما تفاجأت بكلام فارس مع رأفت قدام المديرين. رأفت قال: "أنا مليش دعوة، أنت كنت بتوقع الشيكات، أنا شغلي محاسبات فقط." ارتفع صوت فارس ورأفت مقبلش الإهانة. قدم استقالته. ووراه كل مدراء الأقسام. وفي يوم وليلة، كل مدراء الأقسام قدموا استقالتهم ما عدا مدير المخازن.
افتكرت كلام عوني عن الشركة، وأنا اللي كنت فاكرة أن عوني بيقول أي كلام. وحزنت إني ما كنتش برد على مكالماته. ولما حضر الشركة، رفضت أقابله. فارس ما كانش قابل كلام من أي حد. واختفى فجأة من الشركة وقفل تليفونه. والشركة دخلت في لخبطة بعد تأخر مرتبات العمال. أدور على فارس مش لاقياه. والأوضاع بقت زفت في كل قسم في الشركة. العمال والموظفين كلهم كانوا بييجوا عندي أنا عشان أحل مشاكلهم. وأنا ما كانش في إيدي حاجة أقدر أعملها.
أنا مجرد سكرتيرة. قلت لهم: "روحوا شؤون العمال، أنا مفيش في إيدي حاجة." رئيس العمال قال: "الكلام ده مش مضبوط. أنا لسه واصل من شؤون العاملين وقالوا إن حضرتك المسؤولة عن تصريف أمور الشركة. ده كان آخر قرار اتخذه فارس قبل اختفائه." صوفيا سابت الشركة وطلبت من الموظفين يعملوا زيها. ووعدتهم بشغل في شركة والدها بديع متولي. سبت الشركة كلها، هربت منها. كلمت عوني وكنت مكسوفة جداً. اعتذرت كتير لعوني عن موقفي معاها.
اعترفت بغلطي وحكيت له عن اللي حصل. "فين فارس؟ " سألني عوني. قلت له: "فارس اختفى والشركة وقعت خلاص. حتى مرتبات الموظفين مش لاقيينها." "جبان! " صرخ عوني، "اللي يتخلى عن موظفيه يبقى جبان. لكن هتنتظر إيه من مدير شاب مايع لقى نفسه فجأة مدير شركة." "يا عوني، إحنا في العمال دلوقتي ولا في الشركة اللي انهارت؟ همس عوني بحزن: "إنت عارف كل عامل بيعول قد إيه؟
أولاد وعائلة، أطفال وطلبة. الناس دي مش هتلاقي فلوس تسدد الإيجارات يا شيماء." "مين مدير الشركة دلوقتي؟ قلت له: "مفيش حد." بعد شوية، قلت: "تقريباً أنا." غمغم عوني وأطلق سبه: "إنتِ فين؟ قلت له: "مروحة على البيت." صرخ: "استني عندك! أنا هاجي عندك حالاً. هنرجع الشركة." قلت له: "انت مجنون! العمال هيقطعوني بسنانهم." صاح عوني: "ملكيش دعوة، متدخليش الشركة غير وأنا معاكي."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!