استقدم فارس السلحدار مدراء أقسام جدد ذوي خبرة كما طلب. الرجل كان يعتقد أن شركة كبيرة تستحق أشخاص موسوعين. وليس هناك أكبر من شركته بالطبع، بعد تقهقر شركة بديع متولي وغرقها في صفقات خاسرة. وظهرت صورة فارس السلحدار في الصحيفة أكثر من مرة وهو يقود أحد اجتماعاته المهمة. استخدم فارس طريقة تعسفية حيث جعل الموظفين الذين قام عوني بمنحهم المسؤولية في الدرجة الثانية، غير عابئ بتضحياتهم في غيابه.
ولم يترك فارس بديع متولي في حاله، أرسل له رسالة واضحة أنه كان يعرف أنه خلف مشاكل شركته في الفترة الأخيرة، لكنه، أي بديع متولي، يحتاج أكثر من محاولة ليسقط شركة فارس السلحدار. وكانت شيماء تدور خلفه غارقة في المهام غير قادرة على إيجاد وقت خاص بنفسها. أصبحت آلة عمل، ظل للرئيس منزوعة الإرادة. والحقيقة أن شيماء لم تطمح أبداً في أكثر من ذلك، وكان عقلها خالياً من اللمسة الإبداعية.
بدأ عوني مشروعه رفقة الريس حسن بمعدة واحدة، آلة تمكن الريس حسن وبعض الموظفين الذين تم الاستغناء عنهم في شرائها. كان عوني يعمل بجد بمزاجه الرائق وكان يمازح دائماً أن مشكلة العمل يا ريس حسن أنه يجبرني على التخلي عن أناقتي المعتادة. وكان الفريق يتمتع بخبرة واسعة مكنته من إنتاج منتج دقيق خالٍ من العيوب، وإن كان بكميات قليلة جداً. لكنه منتج رائج تتهافت الشركات على اقتنائه.
رفع عوني وفريقه الجودة قبل الكمية، من أجل ذلك نال ثقة العملاء الذين قاموا بالحجز المسبق للمنتج. لكن عوني كان لديه تصور آخر. بعد شهور من العمل وبعد أن نال ثقة الشركات التي تتعامل معه، راح يبرم صفقات أخرى. وكانت الصفقات متمثلة في حق الانتفاع. قدم عوني عرضاً للشركات المهتمة تقوم من جهتها بشراء ماكينات جديدة نظير أن تنال المنتج بسعر رمزي لعدة سنين قادمة.
وكانت حساباته دقيقة، بعد خمس سنوات الماكينة الواحدة ستصبح عشرات، مصنع صغير مضمون التسويق لأن الشركة المساهمة لن تشتري المنتج خارج شركته. وتحركت أسهم عوني وبزغ نجم شركته. لم يكن الأمر سهلاً، لكن شركاء عوني كانوا يثقون في عقليته بعد أن أثبت في كل مرة أنه يتمتع بعقلية تسويقية فذة. وأصبح منتج عوني وشركائه علامة مسجلة يتمتع بسمعة ممتازة، حتى أصبح من يقتني منتج عوني محظوظاً.
المنتج الذي كان ينافس المنتجات الأجنبية المستوردة من بلاد لها باع طويل في الصناعة. وكانت الأيام تحمل لعوني خبر غير معقول، خبر لم يتخيله حتى في الأحلام. عندما تلقى عرضاً من شركة كوريا الجنوبية، الشركة المعروفة في الأسواق العالمية لنيل منتجه. وكان مدير الشركة يعرف عوني في السابق عندما تعامل معه في شركة فارس، التي انحدر فيها جودة المنتج لدرجة ضعيفة جداً. كان فارس يخسر عملائه بينما عوني العملاء يركضون نحوه.
الشركة الأجنبية التي وعدت عوني بمساهمة عملاقة في إنشاء مصنعه مع عقد احتكار لمنتجه لسنين طويلة. بدأت شركة فارس تترنح بعد المرتبات الضخمة التي كان ينالها مديرون لا يعملون أي شيء. ومع توقف تدفق الأموال راح الرصيد يضمحل، شعر فارس بالخطر لكن الوقت كان قد فات بعد أن فقد ثقة العملاء. وكان واضحاً أن الشركة تسير نحو الانهيار مرة أخرى. مثل سفينة بلا دفة تتقاذفها الأمواج والسوق لا يرحم أحداً.
تخلى فارس عن كبريائه، اجتمع شيماء وسألها عن أخبار عوني. "سؤال كان مفاجئاً بالنسبة لشيماء." "لا أعرف عنه شيء." "كنت أفكر بعودته للعمل في الشركة مرة أخرى، قطع العيش حرام." "بعد شهور يا فارس افتكرت أن قطع العيش حرام؟ "شيماء، أنا قلبي طيب، ثم أنا بعمل كده عشانك، عوني كان صديقك." "همست شيماء، كان يا فارس، كان، دلوقتي معرفش عنه حاجة." "حاولي تتصلي بيه، بلغيه أن فارس السلحدار مسامحه لأن قلبه كبير وهعينه بمرتب كويس."
"ووجدت شيماء الشجاعة لتسخر من فارس، أنت فاكر عوني ممكن يرجع يشتغل في الشركة مرة ثانية؟ يبقى أنت متعرفش عوني." "صرخ فارس، أنا بقدمله فرصة ميحلمش بيها عشانك أنت بس، لو كان مهم بالنسبة ليكي كلميه بدل ما هو قاعد على القهاوي زي العيال الصايعة لا شغل ولا مشغلة." "كانت شيماء تعرف الأوضاع المتردية التي تمر بها الشركة." "انت عايز عوني يمسك إدارة الشركة مرة ثانية؟ "صرخ عوني بغرور، يمسك الشركة؟
أنتي فاكرة أن الشركة واقعة يا شيماء؟ شركتي لسه قوية، طالما أنا مدير الشركة ستظل في المقدمة." وفي اليوم التالي مع توالي مصائب شركة فارس. سألها عن عوني مرة أخرى، لمح بطريقة غير مباشرة حتى لا يخدش كبرياءه. "عونى رد عليكي؟ "مكلمتوش،" ردت شيماء بلا مبالاة. تغيرت ملامح وجه فارس، بين كبريائه والشركة التي على وشك الضياع. رغم ذلك لم يعقب فارس. فتح كمبيوتر العمل ليتابع آخر الإيميلات الواردة.
ثم فتح فمه بصدمة، الشركة الأجنبية أرسلت ما يفيد إنهاء تعاملاتها مع شركته منذ تاريخ اليوم. الشركة التي كان فارس يعتمد على أرباحها في استمرار شركته. "مصيبة،" همس فارس ورأسه بين يديه، "الشركة الأجنبية فسخت العقد معانا." وكان فارس قد أضاع عملاءه داخل البلد بغروره وتكبره. وكان إنساناً سريع الانهيار ولا يعرف ثقافة الصمود.
"صرخت شيماء، فارس أنت لا يمكن تختفي زي المرة اللي فاتت. المرة دي لازم تنقذ شركتك بنفسك، دور على شركات تانية تشتري المنتج." "في عالم الأعمال يعد الاعتماد على شركة واحدة، مصدر واحد أمر في غاية الحماقة." بحث فارس في دفاتره القديمة، الشركات التي كانت تتعامل معه في السابق. لكن كانت تلك الشركات ارتبطت بعقود لا يمكن الإخلال بها. ثم إن تلك الشركات وجدت ضالتها في شركة عوني وشركائه. ولم توافق ولا شركة التعامل مع فارس.
وخلال الكلام عرف فارس أن الشركة المهمة التي تبيع المنتج تسمى شركة عوني وشركائه، وظن فارس أنه تشابه أسماء. لأن عوني لا يمكن له أن يكون صاحب مصنع أو شركة عملاقة امتلكت السوق كله. وكان كلام رؤساء الشركات أن فارس إذا كان يرغب في إنقاذ شركته وتسويق منتجه سيكون من خلال شركة عوني. مكنش فيه حل تاني قدام فارس، كان لا يرغب بخسارة شركته. رافق شيماء نحو شركة عوني وشركائه وطلب مقابلة مدير الشركة. صادفه الريس حسن في أروقة الشركة.
وعمل الرجل بالأصول ورحب بفارس لكن باعتدال، فقد كان يعامله معاملة الند. وكانت شركة عوني آية في الجمال، التصميمات الأجنبية وروعتها إضافة إلى اللمحات التي وضعها عوني بنفسه. "المدير هيقابلك بعد شوية." انتظر فارس في الرواق، لم يكن أمامه حل آخر بعد أن اضطر لتنحية غروره جانباً. بعد نصف ساعة سمح له بمقابلة مدير الشركة عوني، الذي كان يجلس على كرسي الإدارة يدخن سيجارة. نهض عوني واستقبل ضيوفه.
"همس فارس بضيق، عايز أقابل مدير الشركة لو سمحت." "ابتسم عوني، هذا المخلوق لا يتخلى عن كبريائه الذي لا يجعله يرى أمامه." خرج عوني من المكتب بطريقة مسرحية ثم دخل مرة أخرى وعرف نفسه مدير الشركة أمامهم. "لم يصمد فارس، انهار في مكانه، أنت مدير الشركة؟ "همس عوني، خش في الموضوع يا فارس." طلب فارس بأدب أن يمنحه عوني له بعض خطوط السوق لأن شركته تنهار وأن عليه أن ينحي خلافاتهم جانباً من أجل مصلحة الشركتين.
"أنا مش محتاج شركتك ولا تعاونك يا فارس، المقابلة انتهت." حاولت شيماء أن تحل المسألة وفارس جالس مثل قرطاس طعمية من ورق. "شركتك خاسرة ومصيرها الإفلاس، أنا هقدم لك عرض مش هتلاقيه حتى في أحلامك. أنا هشترى شركتك بسعر عادل، هشتريها رغم أنها خاسرة مفلسة." وكتب رقماً في شيك قدمه لفارس. "دا ابتزاز،" صرخ فارس، "إذا كنت فاكر إنك هتلوى دراعي تبقى غلطان." مرة أخرى كتب عوني شيكاً آخر لكن برقم أقل وقدمه لفارس.
"مع كل حماقة تنطقها ستخسر ملايين، مفيش شركة في السوق هتقبل تشتري شركتك، اعتبر طلبي نابع من الشرف لا أكثر ولا أقل." ولم يمضِ سوى نصف ساعة حتى آلت شركة فارس إلى عوني. وخرج من المكتب يجر أذيال العار. ظلت شيماء مع عوني في المكتب تذكره بصداقتهم القديمة. "فنجان القهوة الذي عزمها عليه منذ سنين." "أنت لسه فاكرة يا شيماء؟ "أنا كنت هطلب إيدك للجواز في الوقت ده." أطلقت شيماء ابتسامة لطيفة مبدية موافقتها.
أردف عوني، "لكن الوضع اتغير، انتي نزلتي من نظري يا شيماء، انتي إنسانة للأسف منزوعة الإرادة ولا يمكن الاعتماد عليكي. أنا كنت هجوزك لأنني شفت فيكي حاجات جميلة لكن كنت غلطان." تحول عوني في ظرف أعوام قليلة لأسطورة في عالم الأعمال. كانت كل الشركات التي يمتلكها للموظفين والعمال نصيب من أرباحه. لم يفكر فارس في شيماء كزوجة كما اعتقد عوني، كانت بالنسبة له ورقة رابحة.
سرعان ما نسيها وطافت هي على شركات أخرى وتم توظيفها في إحدى الشركات بتوصية خفية من عوني.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!