أراقب عوني الآنسة شيماء بعينيه، أنتظر ردة فعلها ولم تنظر شيماء ولا مرة للخلف. وأحس عوني بالاستياء، دفعه لتغيير رأيه بعد أن كان قد قرر ركل هذه الشركة للأبد. منعه شيء ما من التهور، شيء لا يمكنه التحكم به أو حتى إنكاره. وكان لدى عوني قناعة بضرورة منح الفرصة القائمة كل الوقت قبل أن يتركها بلا رجعة. رمق عوني حارس الأمن الذي يحدجه بنظرة متقززة بسخرية. ثم همس في سره: يومًا ما، ليس ببعيد، ستتمنى لو كنت صديقي.
دلف عوني مكتب الحسابات، استقبله مدير الحسابات بترحاب ونهض من مكانه. منعه عوني، قال عوني: اسمع، أنت رجل طيب، لكن منذ اللحظة أنا مجرد موظف في مكتبك وأنت لا تدين لي بشيء. عاد فارس السلحدار للشركة وتولى الإدارة. أشعل عوني لفافة تبغ، كان غير مهتم بالشغل، ما يبقيه داخل الشركة لا علاقة له الآن بالعمل. سأل مدير الحسابات بلا مبالاة: كم تبلغ أرصدة الشركة في البنك؟ سجل عوني الرقم في ذهنه وشكر مدير الإدارة.
قلب فارس الدفاتر والأوراق بقرف. "إيه ده؟ الشركة عايمة في الفوضى! وسأل شيماء: "مين مدراء الإدارة اللي تم تعيينهم بعد غيابي؟ ذكرت شيماء الأسماء، غمغم فارس: "دي ناس معندهاش خبرة." "نزّلوا إعلان فورًا عن حاجتنا لمديري إدارات خبرة، بلاش لعب عيال." فنجلت شيماء عينيها: "الناس اللي مش عاجباك دي هي اللي كانت السبب في نهوض الشركة." ضربت حظ.
همس فارس بقرف: "شركة كبيرة زي شركتي محتاجة إدارة حديثة علمية. أنا لازم أعمل كل حاجة بإيدي." "هو ده شكرك ليا ولعوني عن اللي عملناه في غيابك؟ قالت شيماء وقد فاض بها الكيل: "الشركة كانت مفلسة، أفكار عوني هي اللي وقفت الشركة على رجليها." "عوني؟ عوني مين؟ وكأنه لا يعرفه، استمر فارس في كلامه: "كنت متوقع نجاحك في غيابي يا شيماء، انتِ اشتغلتِ معايا وقت طويل وتشربتي الخبرة مني." ثم صرخ فجأة! وهو يرمق دفتر العلاوات والمكافآت:
"إيه ده؟ مين اللي صرف الفلوس دي للعمال؟ دا تبذير، إهدار مال الشركة، هي دي الأمانة اللي سبتها لكِ يا شيماء؟ "أنت مكنتش هنا ومشفتش حاجة، كل قرش اتصرف كان في مكانه الصحيح." كان أول قرار وقعه فارس السلحدار إيقاف العلاوات والمكافآت الشهرية للعمال. "اللي عاجبه يشتغل يشتغل واللي مش عاجبه يمشي وأجيب عشرة غيره." وحاولت شيماء إقناعه لكن فارس ركب رأسه. "الإعلان ده يتعلق في كل ركن في الشركة."
"كل موظف لازم يعرف إن وقت السبهللة خلص خلاص." "كان لازم أتوقع كده من موظف بسيط تولى أمور الإدارة." "أكيد هيحاول يمنح نفسه علاوات متعلل بموظفي الشركة." "أكيد عوني عمل كده عشان نفسه." مر فارس على كل مكاتب الشركة وكان يعطي التعليمات بصرامة محتفظًا بوجاهته وسيطرته. انتهى العمل وانتظر عوني خروج شيماء، لكن شيماء لم تحضر. بعد ساعة، تملل عوني وترك الحديقة وانصرف. جرى نظام جديد في الشركة غير النظام الذي حدده عوني.
كم سرت إشاعات عن اختلاسه وانتهازه عمله كمدير للشركة للحصول على أموال ليست من حقه. "أنا هحوله للشؤون القانونية الحرامي ده." اليوم التالي كان هناك تحقيق في انتظار عوني عن كل النقود التي منحها للعمال والنقود التي تقاضاها بنفسه. وكانت صدمة عندما اتضح أن عوني لم يأخذ ولا قرش من تلك المكافآت العلاوات واكتفى بمرتبه السابق كموظف في الحسابات. لم يقتنع فارس. "عوني ذكي، خطط كل شيء وتلاعب في الدفاتر والحسابات."
كان عوني يفهم جيدًا لماذا يفكر فارس بتلك الطريقة دون أن يوجه له كلمة شكر أو حتى يرفعه في مصاف المدراء المهمين وربما صديق له. إن وجود عوني في الشركة لن يحدث أبدًا طالما فارس مديرها. إن عوني شوكة في ظهر فارس، شهادة على فشله واختفائه لحظة انهيار الشركة. أما رغبة فارس في إظهار عوني مختلس أو حتى لص، فإن عوني يفهمها جيدًا أنه يفعلها من أجل شيماء. ورغم أنه لا يمكن أن يفكر بها كحبيبة أو زوجة، لكن أشخاص مثله لا يحبون الخسارة.
لقد ترك عوني الموظفين يدافعون عنه، والأوراق تتحدث. نعم، عوني ذكي وكان يتوقع حدوث ذلك الأمر. لكنه لم يخفِ أي شيء بل أعد أدلة براءته في وجه فارس والقانون. قد يقبل عوني أي شيء، لكن أن يكون لصًا، فأنه أمر يخل بشخصيته. لقد كشف عوني زيف ادعاءات فارس ولم يتمكن الموظفون من إخماد غضبه. "إذا كنت ترغب في رفدي أو طردي من الشركة يا فارس، اخترع شيئًا معقولًا وليس زائفًا." "اسمي فارس بيه السلحدار يا عوني وأنا مديرك والشركة شركتي."
ابتسم عوني: "أنت لست مديري، ثم إن اسمك في البطاقة فارس السلحدار." "أنا لا أعتبر نفسي ندًا لك ولا أطمع في إصلاحك، شخص مثل غبي متعفن أحمق مصيره إلى الجحيم." "عودتي الشركة كانت من أجل شيماء، لتسديد دين لها علي." "والآن سددت ديني ولا يوجد أي شيء يدفعني للبقاء هنا لحظة واحدة." ومرة أخرى صمتت شيماء، جبنها وقلة ثقتها في نفسها منعها من الوقوف إلى جوار الشخص الوحيد الذي اعتبرها صديقه وربما أكثر داخل الشركة. "اطلع بره!
"اطلع بره شركتي مش عايز أشوف وشك تاني، مش ناقصة غير الموظفين الحثالة اللي هيدوني نصايح." جر الحراس عوني خارج الشركة بطريقة مهينة وسط لعنات عوني وصمت شيماء. لقد أدرك عوني في تلك اللحظة أن شيماء لا تستحق أن يدافع عنها، سقطت من نظره إلى مدى بعيد. إن الإنسان الحقيقي يقدر الإنسان مثله دون أي اعتبارات أخرى. رد خبر طرد عوني أرجاء الشركة. رغم ذلك كان لدى الموظفين أمل أن يستمر عملهم في هدوء.
الوحيد الذي قدم استقالته تضامنًا مع عوني كان الريس حسن. ركض الرجل خلف عوني حتى لحق به. عاتبه عوني على تهوره، لكن حسن رد بلا مبالاة: "ده كان المفروض يحصل من زمان، ناولني سيجارة يا عوني واعزمني على كوباية شاي عايز أكلمك في موضوع." استمع عوني بتركيز لكلام الريس حسن، وكان حسن ينتظر تعليق عوني. "الموضوع ده صعب لكن مش مستحيل." تنهد الريس حسن بارتياح: "يعني موافق؟ "ليه لا؟ إحنا هنعمل حاجة حرام يا ريس حسن؟
إحنا هنتشارك في مشروع خاسر." وضحك الاثنان على تفاهتهم ولا مبالاتهم. وكان عوني يعتقد أن الحياة تستحق أن تعاملها باستهزاء في أوقات كثيرة.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!