وصلت الأخبار لموظفي الشركة وصلت الأخبار لموظفي الشركة، إلى حصل في المخازن وأثناء شحن البضاعة. كانت أصوات بسيطة في البداية، لكن بعد شوية الخبر انتشر، وبقى لقمة على كل لسان. كان فيه معارضين ومناصرين وساخرين، والموضوع أخد حيز كبير من نقاشات الموظفين. "عصفورة المدير! "جاسوسة! وسمح مدراء الأقسام بانتشار الكلام بعدما تعرضوا للإحراج على يد سكرتيرة تافهة. سمعت شيماء كلامهم.
كلما مرت على موظفين يتحدثون، كانوا يتحاشون الحديث أمامها. موظف واحد لم يشارك في النقاش، لم يهاجم ولم يناصر. كان ملتزم الصمت، وكلما ذكر اسم شيماء أو الموقف الذي حصل، انشغل بين أوراقه وملفاته. والحقيقة، لأن هذا طبعه من أول ما دخل الشركة، محدش أخد باله، أو بالأصح، اداله اهتمام. وكانت نظرات الموظفين تقتل شيماء كلما دخلت مكتب لتوقيع أوراق. موظفين جبناء يضربون في الظهر فور خروجها من المكتب. وظهر الهم على وش شيماء.
كانت مقتنعة أنها ما عملتش حاجة غلط. وحتى لم المدير أقام احتفال بنجاح الصفقة، في كلمتها وجهت شيماء الشكر للعمال والموظفين: "أنا ما عملتش حاجة، كل كان مجهودكم أنتو." "لكن الحقد والضغينة لا دين لها! "بص اللئيمة بتتكلم إزاي!؟ "عاملة نفسها طيبة... "تلاقي المدير أداها هبرة كويسة." واعتبرها مدراء الأقسام عدو لهم، وكان كل واحد حريص على كرسيه. ولم يظهروا العداوة خوفاً من فارس السلحدار.
وكان فارس غير مهتم على الإطلاق، وسعيد بإنجازه الشخصي الأكبر. فتح سوق جديدة لمنتجاته في أكبر بلد منافس. وأصبح يلقي على عاتق شيماء أعمال جديدة وصفقات جديدة، كأنه ترك الشركة لها. اختفى المدير المتعجرف اللعين، وأصبح شخص آخر. كل ما شيماء تعرض عليه موضوع، يقول: "اتصرفي انتي." وكانت الأمور تسير كما يتخيل بكل انضباط. ونجحت شيماء في نيل احترام العمال لما طلبت علاوة ومكافأة لهم. أصبح عدد كبير في صفها بعدما اختفت الشكوك.
وكانت العلاوات لا تذهب إلا لمن يستحقها، وفارس يوقع بلا نقاش. بينما يعترض على اختيارات المدراء ويرفض منحهم ما يرغبون به. "بصوا على شيماء واتعلموا منها." "ما فيش حوافز من غير إنتاج." "وروني الشغل وأنا أوقع." ورغم النجاح السريع، كانت شيماء تشعر بالتعاسة. الكل يبتعد عنها. داخل الحديقة، لما خرجت تأكل سندويتش، لمحت موظف. حاولت تتذكر اسمه، لكنها فشلت. كان قاعد بيدخن سيجارة. قربت شيماء منه: "إزيك؟
رفع دماغه: "أهلاً شيماء هانم." "انت عارف اسمي؟ "ومين ما يعرفش أشهر موظفة في الشركة." قعدت شيماء جنبه تشرب الشاي: "انت اسمك؟ "على عوني يا هانم." "عوني عبد السميع." "آه، آسفة، اعذرني." "ما تعتذريش يا هانم، اسمي بايخ وتقيل، أنا أصلاً مش بحبه." ضحكت شيماء: "للدرجة دي؟ "أجل يا هانم." "انت اتقبلت في الوظيفة؟ "كنت مرفوض، لكن المدير عاد المقابلات، ومن حسن حظي نلت الوظيفة." "انت شغال في قسم؟ "قسم الحسابات يا هانم."
"انتي حققتي نجاح تستحقي عليه التحية، المفروض تكوني مبسوطة." ولاحظ عوني قلقها. سكتت شيماء: "بس فيه ناس كتير رأيهم غير كده." "طظ فيهم ولا تشغلي بالك، الأوباش اللي زي كده ملين البلد في كل مصلحة بيعطلوا أمور الناس، ادفع عشان تعدي." "انت من خايف مني؟ "أخاف ليه يا هانم؟ "أصل الموظفين كلهم مش بيتكلموا معايا، خايفين يبيعوني، بيقولوا على عصفورة المدير." بصق عوني على العشب وتأمل غمامة في السماء.
"ما فيش شخص وحش بيقول على نفسه وحش." "بصي، فكرة حياة من غير أعداء ملهاش وجود، وانتي اقتحمتي عش الدبابير، لازم تتلسعي." "أنا متفاجئة من صراحتك والله يا أستاذ عوني." نفس عوني دخان سيجارته في وش شيماء: "العيش بوشين منزوع الشرف." "بصي هناك؟ شافت شيماء مدير الحسابات بيبص عليهم. "الراجل ده شخص مقرف." وبصق عوني: "كله شر، ولأنه إنسان مش تمام، متوقع إني بقلك أسرار المكتب." "إنسان قذر، عقله في معدته."
"عارفة إيه اللي هيحصل بعد كده؟ "هيحصل إيه يا أستاذ عوني؟ "خصم أو جزاء، ترصد أخطاء، يعني قعدتي معاكي ورطة في حد ذاتها." وضحك عوني. "أنا لسه مكملتش شهرين في الشغل، يدوبك انتقلت لشقة جديدة." "ورحمة جدتي لو اترفضت لأدعي عليكِ في سري بعد كل صلاة." وواصل عوني ضحكه. "لو حصل معاكِ أي حاجة، قولي من فضلك." امتعض وجه عوني: "الرجال الحقيقيين بيتحملوا نتيجة أفعالهم يا هانم، نورتي." وقهقه عوني: "انتي الخير بيمشي وراكي."
"أتمنى أشوفك في مكان كويس وتقدر تغيري نظام الشركة لأنه ظالم جداً، ومفيش مكان فيه لموظف عادل محب للحقيقة." "ومديرك بيساعد على كده." "لو تعب نفسه وفكر يبص على أعداد العمال المفصولين كل شهر أو كل سنة، كان عرف إن فيه مشكلة في الشركة." "لكن مكتفي بمكتبه الأنيق، قهوته وطعامه، والتقارير اللي بتوصله من ناس أوساخ ملين الشركة." ارتعش جسم شيماء.
في حياتها، ما تخيلتش شخص ممكن يتكلم قدامها على مديره كده وهو قاعد مع سكرتيرته الخاصة اللي بتنقل له أخبار الشركة. وفكرت: "ده إنسان مش عادي، ثوري حقيقي من بتوع 1919 اللي كانوا مستعدين يموتوا في الشوارع، زمن جميل اختفى من حياتنا." "أنا لازم أمشي يا هانم، وقت البريك خلص، ولازم أجهز نفسي لوصلة تحقيق من مديري." "انت ليه متأكد إن مديرك هيحقق معاك؟
ابتسم عوني: "مش تحقيق رسمي يا هانم، تلقيح كلام زي النسوان واختلاق أخطاء، ومهما حلفت له بالحق، مش هيصدقني لأنه ببساطة عمره ما شاف الحقيقة ولا يعرف شكلها." "سلام يا هانم، شكراً على وقتك، والله كان نفسي أقعد معاك أكتر من كده، لكن أنا زي ما أنتي شايفة مش بعرف أتكلم مع نساء بطريقة تعجبهم." تابعته شيماء وهو يجر قدميه كرجل عجوز، أنفه حدود السماء. نحيل غارق في سلامه الداخلي. همست شيماء في سرها: "يا ريتني كنت زيه."
وتغير مودها ومزاجها للأفضل. ولمح فارس ابتسامتها التي اختفت من زمان. ومضى أسبوع لم تلمح فيه شيماء وجه عوني. حتى صدفه في أروقة الشركة، حتى سألت النادل عنه. "بيوصل بدري ويمشي متأخر يا هانم." "قليل أوي لما يخرج للحديقة وبيتناول أكله في المكتب." "ياخ للدرجة دي؟ توجهت شيماء لقسم الحسابات، ورمقها الموظفين باهتمام. "المدير في المكتب يا آنسة شيماء." "لا، أنا جايه عشان حاجة تانية." ولمحت عوني في ركن منعزل.
دماغه مش باينة من الملفات. مشيت ناحيته: "إزيك يا عوني؟ "أهلاً شيماء هانم." نهض عوني وسلم عليها. "إيه انت مش ظاهر ليه يا عوني؟ "مش قلتلك الخير ماشي وراكي." وشاور عوني على الملفات. "ألف دوسيه مرصوص قدامه." أطلق عوني ابتسامة خفيفة. "اتفضلي اقعدي، أقدر أخدمك بإيه؟ وتحول نظر موظفي المكتب نحو عوني. وعرف المدير أن السكرتيرة الجاسوسة تجلس مع واحد من موظفي مكتبه. "الخائن العميل، اللي اسمه لسه بالقلم الرصاص."
"أنا آسفة يا عوني." همست شيماء بخجل. "ما تتأسفيش من فضلك، وصلي تحياتي لمديرك اللعين." وفكرت شيماء: "هو عوني بيكره فارس ليه كده؟ "ما مديره كمان بيظلمه." "المفروض أديكي الملفات دي تخلصيها على فكرة صح." وكان عوني يتكلم بطريقة عادية كلها براءة وحسن نية بلا لف ولا دوران. "انت تشربي شاي؟ "لا، أنا همشي، كنت عايزة أسلم عليك مش أكتر." "تمام يا هانم، رافقتك لعنات الفراشات الأمازونية."
ولم يمضِ سوى بقية الشهر الثالث حتى أبلغ مدير القسم شؤون العاملين عدم حاجته لخدمات عوني. "لكل موظف مدة تدريب قدرها ثلاثة أشهر خلالها يمكن لمديرك رفدك من العمل." وجه رأفت بيه الشكر لعوني: "لقد عملت بجد، لكن ليس بالصورة المطلوبة." شكره عوني وسلم عليه، وضع بدلته فوق كتفه وغادر الشركة. يتبع…
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!