لأول مرة ترى شيماء مديرها كإنسان، وكانت من قبل تعتبره متوحشًا. لم تعتقد للحظة واحدة أن إنسانًا بمثل ثرائه وشبابه قد يكون لديه هموم. وكان لدى شيماء أسئلة كثيرة، لكن لم يكن وقتها. عليها أن تحترم تلك اللحظات التي لا تتكرر كثيرًا. جلست بصمت، وأشعة الشمس الدافئة تغمرهم بدفئها، ويده ويدها ملتفتان حول كوب الشاي، والعشب يصرخ تحت أقدامهم. "يوم جميل"، همس فارس بصوت خافت.
"الشمس بالكاد تظهر، والغيوم تشبه الجريدة المحترقة. نفسي أعيش عمري كله من غير مشاغل كبيرة وهموم. أحس إني حر مش متكتف في كل خطوة." "هنلغي المرور النهاردة. من فضلك أول ما نرجع المكتب، هات لي تفاصيل الصفقة الجديدة وكل حاجة متعلقة بيها. عايز أعرف المستورد رفض الصفقة ليه." "عبر أروقة الشركة بلا عناية. مدير يجر خلفه سكرتيرته"، هكذا فكرت شيماء بابتسامة.
أغلق فارس على نفسه المكتب، وحتى لما حان وقت رحيل الموظفين، ظل في مكانه. ولم يتحرك إلا حدود الساعة ثلاثة العصر. قال كلمتين فقط: "تقدري تروحي يا آنسة شيماء، أنا هتأخر شوية." ومضى أكثر من يوم. الساعة التاسعة صباحًا يخرج فارس وشيماء، ويظن الموظفون أنه وقت المرور، لكن فارس يقصد الحديقة. وبات أمرًا معتادًا ألفه العمال داخل الشركة، وكانت الأوضاع مستقرة بين فارس وشيماء.
لقد أظهرت الفتاة أنها تستحق وظيفتها، كانت تحفظ حتى التفاصيل الصغيرة ولا تنسى أي شيء. حتى أنه سرعان ما نسي بسنت ولم يشعر بغيابها، وكان يخبر نفسه: "أحسنت الاختيار يا فارس، كان عندك حق."
والحقيقة، كان لدى فارس أكثر من اختيار، لكن بعد مقابلة شيماء، قرر أن يعطيها الوظيفة. كان محتاج موظفة أمينة تكتم الأسرار ولا تفشي أسرار الشركة للخصوم. كان عارف أن المتقدمين للوظيفة فيه أكثر من واحدة، منهم مزقوقة من خصومه، جواسيس. ووجد في شيماء ضالته. "هيا بنا." بصت شيماء في الساعة. "وقت البريك بتاع الشاي."
لكن هذه المرة فارس ما راحش الحديقة. مر على المكاتب بسرعة ووزع الجزاءات والخصومات، اكتشف أن الموظفين لا يراعون ضمائرهم، يشتغلون بالعين فقط عندما يلاحظون مروره. وأمر باجتماع عاجل يناقش فيه فشل الصفقة الأخيرة، إلى اكتشف عيوب في الصناعة من قبل شركته. ارتفعت صرخات فارس. ووسط المناقشة، صرخ على شيماء: "تعالي هنا." وقفت قدام كل المديرين. "إنتي هتكوني مسؤولة عن الصفقة دي، عايز تقرير يومي عن سير العمل."
وجدت شيماء نفسها في خضم عمل ضخم، مضطرة للتعامل مع رؤساء الأفرع والعمال والمهندسين. تسير بين المعدات والآلات وسط سخرية مشرفي الورديات، وتتأكد من كل حاجة بنفسها. والحقيقة، ما فيش حاجة اتغيرت، وشيماء ما كانتش فاهمة حاجة رغم وجودها المتواصل. وفي ليلة، جات لها فكرة. بحثت عن المنتج وشروط السلامة، ذاكرت كل حاجة كويس. واحتاجت أكتر من ليلة لحد ما تفرق بين المنتج الكويس والمنتج اللي فيه نقص.
لما وصلت الشركة، كان العمال بيحملوا المنتج في العربيات وخلاص هتروح على الميناء عشان تتشحن. يوم مشهود. مدراء الأقسام موجودين وفارس نفسه. "كان لازم شيماء توقع على إذن الخروج. كله متوقف على توقيعها." العربيات واقفة قدام المخزن متحملة مستعدة للتحرك. "أنا عايزة أشوف المنتج مرة تانية." "إنتي شفتي المنتج ووافقت عليه يا آنسة، مش عايزين تعطيل." "لا معلش، لازم أشوف المنتج مرة تانية."
تنهد كبير العمال. "ماشي، يعني هيفرق معاكي شكل المنتج؟ "أيوه هيفرق." بص كبير العمال لفارس. رجل كبير شغال معاه من زمان. لكن فارس تعمد الصمت. "افتح صندوق كبير." بصت فيه شيماء، فتشت أكتر من مرة قبل ما تطلب من أحد العمال مساعدته. "من فضلك افرغ محتويات الصندوق على الأرض." نزلت شيماء على الأرض تفتش في المنتج بتركيز. وبعد ربع ساعة، نهضت وهي ماسكة واحد منه. "المنتج دا غير موافق للمواصفات."
بص كبير العمال في المنتج. "دا واحد بس يا آنسة؟ "أيوه واحد، وحتى لو كان نص واحد، ما ينفعش يخرج من هنا غير لما يكون ملائم للمواصفات. الشركة اللي بنتعامل معاها جديدة وفي كوريا الجنوبية، يعني كل حاجة عندهم زي الساعة. يا إما صح يا إما غلط. وعشان كده رفضوا الصفقة اللي فاتت." "من فضلكم افرغوا محتويات كل الصناديق." وقف العمال مبلومين. صرخ فارس: "مستنين إيه؟ نفذوا التعليمات. أنا مش هعمل كل حاجة بإيدي."
"بعد إذنك يا مستر فارس، البضاعة كلها لازم تكون تمام، وأي تقصير هيتحمله مدير الإدارة والعمال. الشرط الجزائي ضخم جدا وممكن يتسبب في انهيار الشركة. أنا مش بشكك في ولائكم، لكن المنتج لازم يخرج من هنا تمام. أنا هشوفه حتة حتة." حتى فضلنا شهر تأخير. تنهد فارس بارتياح. أخيراً لقى حد ممكن يعتمد عليه. لكن فارس ما خدش باله من وجوه العمال والمدراء التي اتغيرت، وما شافش الحقد اللي جواها.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!