تحميل رواية «بين غياهب الاقدار "في قبضةالاقدار الجزء الثاني"» PDF
بقلم نورهان العشري
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
يتحدثون دائمًا بأن الكتمان مؤلم وضريبته موجعة. ولكن هل اختبر أحدكم مرارة البوح؟ أن تُخرج ما بداخلك وتترك نفسك مثلما خُلقت أمام أحدهم وتكتشف بعد ذلك بأنك أعطيته السلاح الوحيد القادر على قتلك! للبوح أيضًا ضريبة ولكننا لا نملك تكلفتها. بلغ الوجع ذروته واشتدت آلام المخاض كما اشتد نزيف القلب. فعلاً صراخها حتى دوى رنينه في أرجاء السيارة التي كان يقودها سالم وبجانبه سليم الذي يجلس بقلب مرتاعب ممزق عاجز عن إخماد ألمها وإيقاف نزيف روحها التي لم تفلح كلمات فرح المهدئة في تضميدها. "أهدي يا حبيبتي خلاص قربن...
رواية بين غياهب الاقدار "في قبضةالاقدار الجزء الثاني" الفصل الأول 1 - بقلم نورهان العشري
يتحدثون دائمًا بأن الكتمان مؤلم وضريبته موجعة. ولكن هل اختبر أحدكم مرارة البوح؟ أن تُخرج ما بداخلك وتترك نفسك مثلما خُلقت أمام أحدهم وتكتشف بعد ذلك بأنك أعطيته السلاح الوحيد القادر على قتلك! للبوح أيضًا ضريبة ولكننا لا نملك تكلفتها.
بلغ الوجع ذروته واشتدت آلام المخاض كما اشتد نزيف القلب. فعلاً صراخها حتى دوى رنينه في أرجاء السيارة التي كان يقودها سالم وبجانبه سليم الذي يجلس بقلب مرتاعب ممزق عاجز عن إخماد ألمها وإيقاف نزيف روحها التي لم تفلح كلمات فرح المهدئة في تضميدها.
"أهدي يا حبيبتي خلاص قربنا نوصل."
كان سالم ينهش الطريق أمامه كما ينهش الغضب عقله جراء تلك الحقائق المروعة التي انهالت على رأسه دفعة واحدة. وبجانبه سليم الذي كانت عيناه معلقة عليها بألم وقد فاض بقلبه الوجع. فود لو يضمها في تلك اللحظة بقوة حتى تستشعر مقدار شعوره نحوها. فصراخها يؤلمه بقدر ما يؤلمه ضميره الذي أجهز عليها بأحكام صارمة منذ أن عرفها. والآن أجهزت عليه حقيقة براءتها التي كان يراها بعينيه دائمًا.
هدأ صراخها وانخفضت نبرتها حتى صارت خافتة حين قالت:
"ابني.. ابني.. يا فرح.. خلي بالك منه."
همساتها وضعف نبرتها وحديثها الموجع جعل قلبه يسقط بين ضلوعه وتلاحقت أنفاسه واحتقن الألم بحدقتيه ولونها بحمرة الدم. فزمجر بقوة:
"بسرعة يا سالم.."
بكل الغضب الذي يملكه ضغط على دواسة البنزين فأصبحت السيارة كوُحش طائر على الطريق.
لم تستطع فرح التحمل أكثر فصرخت بانفعال:
"لا يا جنة متقوليش كدا. ابنك محدش هيربيه غيرك."
كانت عيناه تلاحقها من آن لآخر من مرآة السيارة. وفي تلك اللحظة تلاقت بعينيها التي لأول مرة يرى بها التوسل الذي تجلى في نبرتها حين قالت:
"ارجوك يا سالم بسرعة.."
لامس توسلها أوتار قلبه الذي يود طمأنتها بأي طريقة ممكنة. فتوسلها وتلك النظرات الضائعة وعبراتها المسترسلة على خديها ليست بالأشياء الزهيدة. فهي أثمن على قلبه من روحه.
في وقت وجيز وصلوا إلى المشفي. وترجل سليم من مقعده صارخًا:
"حد يلحقنا بسرعة."
هرول طاقم الطوارئ إلى جنة التي كانت تحاول عدم الاستسلام لتلك الدوامة السوداء التي تجذبها بقوة. وتم وضعها على السرير المتنقل وقاموا على الفور بنقلها إلى الداخل وسط حالة من التوهان كانت تحيط بها نتيجة الدماء التي كانت تتدفق بقوة منها. فأخذت تنادي بهمس على شقيقتها:
"فرح. ابني.."
"متخافيش يا حبيبتي هتقومي انتي الاتنين وهتبقي زي الفل إن شاء الله."
هكذا تحدثت فرح الممسكة بأحد جوانب السرير. يقابلها سليم الذي لم يستطع تركها للحظة. وبعد أن خلع عباءة الكبرياء جانبًا وترك العنان لقلبه المرتبط بفكرة حدوث أي شيء لها. وقد كانت نظراته المرتعبة شيئًا جديدًا كليًا عليها. فاستقرت عيناها على ملامحه التي تنطق بتوسل صامت لم تفهمه. ولكن قلبها كان أكثر من يعرف ما يحدث. فحين غاب العقل نطقت بهمس استقر في منتصف قلبه:
"سليم.."
***
كانت جالسة على آخر درجتين من السلم وعيناها ثابتة على تلك الدماء التي نزفتها تلك المسكينة. تحتضن نفسها بخوف تحاول تهدئة جسدها الذي كان يرتجف من هول ما حدث. حتى أنها لم تكن تشعر بعبراتها التي انهمرت بغزارة فوق وجنتيها. فاقتربت منها سما التي تتشارك معها بالصدمة مما حدث منذ قليل. ف قامت بلف يديها حول كتفيها وهي تقول من بين دموعها:
"اهدي يا حلا متعمليش في نفسك كده."
خرج الكلام من بين شفتيها مرتجفًا متألمًا كحال قلبها تمامًا.
"انتي. سمعتي. اللي. أنا. سمعته. صح؟ مش معقول. يكون حازم. عمل. كدا فعلا؟؟ معقول. يكون أذاها بالشكل ده؟?"
كانت أكثر من يعلم مقدار قذارته. ولكنها لم تستطع الإفصاح عن ما بداخلها فاكتفت بالقول:
"للأسف دا اللي حصل."
التفتت حلا تناظرها بصدمة وهي تقول بجمود:
"انتي مصدقة الكلام دا يا سما؟"
سما بألم دفين:
"مصدقة يا حلا.. حازم كان عنده استعداد يعمل أي حاجة في الدنيا عشان يوصل للي هو عايزه."
هبت من مكانها بانفعال وصرخت بقهر:
"ازاي؟ ازاي يقدر يعمل كده في بنات الناس؟ مفكرش فيا؟ مفكرش إنه ممكن ييجي حد يعمل فيا زي ما هو عمل كده؟?"
حاولت سما تهدئتها:
"اهدي يا حلا اللي حصل حصل وحازم خلاص مات ممنوش فايدة الكلام دا."
حلا بغضب ممزوج بوجع:
"مات. للأسف مات. مات قبل ما يكفر عن غلطه مع المسكينة دي. مات قبل ما يدفع تمن غلطاته. مات وراح لربنا وهو عامل كل المعاصي دي. أنا حاسة هيجرالي حاجة. دا كان أقرب حد ليا. ازاي يطلع بالأخلاق دي؟ ازاي يقدر يعمل كده. طب أنا دلوقتي أدعي ربنا أقوله إيه. أطلب من ربنا يرحمه ازاي وهو مرحمش حد."
تدخلت همت في الحديث قائلة بسخرية:
"عيبك يا حلا إنك مكنتيش بتشوفي أي عيب في إخواتك أبداً. دايماً كنتِ شايفةهم ملايكة بجناحات. عشان كدا صدمتك كبيرة. لكن أديتك دلوقتي شوفتي عمايلهم. وشوفتي حازم اللي كنا بنقول عليه ملاك أهو عمل إيه."
التفتت حلا تناظرها بصدمة من حديثها سرعان ما تحولت لغضب كبير. فصرخت بانفعال:
"متقوليش كده على إخواتي. لو كان حازم غلط فسالم وسليم مش زيه. وأنا مش مصدقة إنه عمل كده. أكيد فيه حاجة غلط. يارب يكون فيه حاجة غلط. يارب يكون فيه حاجة غلط."
رددت جملتها الأخيرة من بين دموع غزيرة وقلب محترق للحد الذي جعلها تسقط جالسة على الأرض منكسة رأسها بانكسار لاول مرة في حياتها.
***
كان الوقت يمر على ظهر سلحفاة وكأنه يتحدى ثبات ذلك الذي كان يقف بجمود كتمثال. نقش على ملامحه الوجع واشتد الألم بعينيه التي لونتها الدماء. فقد مر أكثر من ساعة ولم يخرج أحد لطمأنتهم. وكأنهم أقسموا على حرق كل ذرة أعصاب لديه. فهو رجل ذو دماء حارة لا يحب الانتظار ولا يتحمل حرب الأعصاب تلك. فصار يتنفس بحدة كمن يريد إزهاق رئتيه من قوة أنفاسه وبرزت عروق رقبته تعبيرًا عن اعتراضها الصامت الذي لم يتجاوز أعتاب شفتيه. وكان هذا حال فرح التي لا تريد تذكر مواقف مشابهة انتهت بفواجع تركت ندوبًا قوية بداخل قلبها الذي لن يحتمل فاجعة أخرى. وخاصة أن من بالداخل لم تكن مجرد شقيقة فقط. بل كانت ابنتها. رائحة والديها. ذكرى طفولتها الجميلة وكل عالمها. انكمشت ملامحها بألم لم يتحمله ذلك الذي كانت عيناه تتلقفان كل حركة تصدر منها وكل تعبير صامت يرتسم على ملامحها الواهنة التي لم يرها هكذا مسبقًا. لذا طاوع قلبه الذي كان يستشعر قلبها ومدى احتياجها له. وبخطوات ثقيلة تقدم منها قائلاً بخشونة:
"تعالي اقعدي. وقفتك كده ملهاش لازمة. تعب على الفاضي."
لم تدقق في حديثه. فقد كان يكفيها صوته ووجوده بجانبها في تلك اللحظة. فالتفتت تناظره بعينين هالكتين من فرط الألم الذي تجلى في نبرتها حين قالت:
"هما اتأخروا أوي كده ليه؟ هو في إيه؟ أنا قلبي واجعني أوي يا سالم وخايفة عليها."
كانت تتحدث بعينين فاض بهما الألم فأمطروا وجعًا سقط على قلبه فأحرقه. فلم يستطع أن يرد عينيها التي تعلن أنها في أمس الحاجة إليه. فاقترب منها خطوتين وأمسك بكفها بيد وبالأخرى لامس وجنتيها ماسحًا عبراتها بحنان تجلى في نبرته حين قال:
"أهدي يا فرح عشان خاطري. هتبقي كويسة بإذن الله."
"يارب. يارب تبقي كويسة. أنا مش هقدر أتحمل وجع الفراق تاني. المرادي هموت."
بلهفة غير مسبوقة له وضع يده أمام شفتيها قائلاً بلهجة قاطعة:
"متكمليش يا فرح. متكمليش. هتبقي كويسة إن شاء الله. خلي عندك ثقة في ربنا. وقولي يارب."
أطاعته ويدها تقبض بقوة على يده وكأنها طوق نجاة لقلب يحترق خوفًا وألمًا.
"يارب."
كان كل هذا يحدث أمام أمينة التي جاءت بسيارة مروان. فلم يطاوعها قلبها ترك تلك المسكينة التي جعل الله لها نصيباً من المحبة بقلبها والكثير من الشفقة والتعاطف حين علمت ما حدث من ولدها الراحل والذي أدمى قلبها الذي تجاهلت ألمه كثيرًا وأصرت على المجيء للاطمئنان عليها. والآن وهي ترى وضع ولديها وكلا منهم يكتوي بنيران العشق والألم معًا فتألمت أكثر وازداد وضعها سوءًا. ولكنها حاولت التماسك قدر الإمكان وهي تردد بقلب عليل وشفاه مرتعشة:
"يارب نجيها يارب. ربي إني لا أسألك رد القضاء ولكن أسألك اللطف فيه."
أخيرًا خرج الطبيب من الغرفة فهرول الجميع حوله. وكان هو أول من تحدث بلهفة:
"إيه يادكتور جنة عاملة إيه؟"
كان وجه الطبيب لا يفسر. فصرخت فرح بألم:
"إيه يا دكتور في إيه؟ جنة كويسة؟"
الطبيب بإشفاق:
"الحمد لله العملية نجحت والطفل حالياً في الحضانه عشان هو مولود في السابع. بس وضع الأم للأسف ميطمنش."
سقطت قلوبهم رعبًا. فتحدث سالم الذي لا يزال ممسكًا بمرفقها:
"يعني إيه يا دكتور هي مش داخلة تولد عادي؟"
"للأسف يا سالم بيه إحنا اكتشفنا وجود ورم في الرحم وكان لازم نستأصله."
شقة قوية خرجت من جوف فرح التي للحظة كادت أن تسقط لولا ذراعيه القوية التي أسندتها. فالتفتت تناظره بصدمة وخاصة حين استرسل الطبيب في الحديث:
"أنا مش عايز حضرتك تتخضي. إحنا عملنا اللازم وبعتنا الورم يتحلل عشان نعرف إذا كان حميد ولا لأ. هي طبعًا نزفت كتير وده غلط. كمان العملية مكنتش سهلة. إحنا اضطرينا نديها جرعة بنج تانية لما أوشكت أنها تفوق. وده طبعًا لما اتصدمنا من وجود الورم. وعشان كدا هتفضل فترة في العناية المركزة. وبعد ما نطمن إن شاء الله هنوديها أوضة عادية."
***
لا شيء أصعب على المرء من أن يقع فريسة بين براثن الندم. أن يتآكل قلبه رغبة في العودة إلى الوراء لتصحيح أخطاء الماضي. فإذا بأصفاد الحاضر تُكبله. فتلك الرفاهية لا يمتلكها. إنما عليه أن يجني ثمار ما زرعته يداه. يا لقساوة ذلك الشعور الذي لا يستطيع وصفه ولا الحديث عنه. فقد تحمله. يقف الآن أمامها وداخله يحترق ندماً على جرائمه معها. فقد كان هو القاضي والجلاد. بينما هي أضعف من أن تكون مذنبًة. وألمًا على رؤيتها بذلك الوجه الملائكي وهذا الجسد الضئيل تتحمل كل ما يحدث معها.
اقترب بخطى مثقلة بالذنوب ووقف إلى جانب سريرها. وأخذت عيناه تطوف على ملامحها الهادئة والتي ترقد بسلام ينافي تلك الحروب والمعارك التي نالت منها حتى أردتها بهذا الشكل. وأخذت عيناه بادرة الاعتذار. فتساقطت حروفه على هيئة عبرات غزيرة أغرقت لحيته الكثيفة وتساقطت على يديها الساكنة بجوارها والتي عانقها كفه برفق قبل أن يقترب واضعًا شفتيه فوق راحتها في قبلة اعتذار طويلة نابعة من قلب أدماه الفراق وأهلكه الوجع. الذي تجلى في نبرته حين قال بهمس:
"آسف!"
كان يود لو يصرخ بتلك الكلمة حتى يسمع العالم أجمع اعتذاره الذي جاء متأخراً. وعلى الرغم من أنها أخبرته ذات مرة أنه سيندم وبشدة على كل قذائف اتهاماته التي أدمت قلبها وأحرقت روحها. ولكنه لم يكن يتوقع أن يأتي هذا اليوم. فقد كذبها وكذب قلبه معها وعاند متسلحًا بكبرياء لعين سحقها وأمطرها بوابل اتهاماته المريعة. وها هو الآن يتوسل الصفح منها. بينما هي لا تشعر به. وحتى إن شعرت فهو متأكد أنها لن تأبه له. وكان هذا ألم آخر يضاف إلى لائحة عذابه الذي سيقتله ذات يوم.
"أنا عارف إن الكلمة دي بسيطة أوي على كل اللي حصل والوجع اللي اتسببتلك فيه. بس أنا فعلاً آسف."
كان مظهره مذريًا بقدر شعوره بالألم الذي كان واثقًا من أنها شعرت بأضعافه في كل مرة كان يهينها وينال من كرامتها بكلماته السامة. نظراته المحتقرة دون ذرة شعور واحدة. والآن هاهو يعاني مثلما جعلها تعاني وهي حتى لا تراه ولا تشعر به.
"أنا عارف إن طريقي معاكِ طويل وصعب. بس اللي جوايا ليكِ قادر إنه يحارب كل حاجة عشانك. عشان نكون مع بعض."
صمت لبرهة. أخذت عيناه تبحر فوق ملامحها الصافية والتي كانت كلوحة جميلة نقشت في جدران قلبه. فتابع بتعب وحيرة:
"اللي جوايا ليكِ غريب أوي يا جنة. قوي لدرجة مخوفاني. طول الوقت حاسس إنك تخصيني والاحساس ده كان كأنه طوق ذنب ملفوف حوالين رقبتي لحد ما دمرني. كنت عايز أبعدك عني بأي طريقة واتضح إنك محفورة جوايا. كنت بحاربك وبحارب نفسي وبحارب كل حاجة فيها ريحتك واتحجج بأخطائك. لحد ما خسرت! خسرت قدام حقيقة براءتك."
أغمض عينيه بألم وهو يتذكر مشهدها حين صرخت بقهر عن حقيقة ما حدث. اهتاج صدره بقوة وود لو كان شقيقه أمامه الآن حتى يلقنه ما يستحقه على جريمته النكراء وأفعاله المشينة والتي طالت قلبه المحترق ألمًا على محبوبته.
"يمكن مش هقدر أقولك كلامي ده لو كنتِ صاحية لأني للأسف مش هقدر أجيب لك حقك من اللي ظلمك. ربنا هو اللي هيجيب لك حقك منه."
قال جملته الأخيرة بقسوة ولم يستطع أن يكمل. فقد امتزج الغضب مع ألمه فشكلا غصة صدئة في حلقه منعته للحظة من استكمال حديثه. فامتدت يده ليمسح عبراته التي أغرقت وجهه وتابع بمزيد من الألم:
"بس أوعدك هجيب لك حقك مني ومن كل اللي كان لهم يد في اللي حصل. يمكن ده يخفف من ذنوبي.. ويكون.. ويكون بداية لطريقنا سوا!"
***
كانت تجلس في غرفتها تنظر إلى الفراغ وهي تتذكر كل ما مرت به منذ أن كانت طفلة وحتى الآن. كل ما تعرضت له من محاولات مروعة لانتهاك حرمة جسدها ودفاعاتها المستميتة في المحافظة على ما هو لها. إلى أن جاء ذلك اليوم المشؤوم والذي انهدم به العالم فوق رأسها.
**عودة لوقت سابق**
لفت إلى الشقة بغضب وهي تنظر حولها بجنون تبحث عنه. فقد طفح الكيل من أفعاله التي لا تعلم سببًا لها. أو لنقل بأنها كانت تتعمد التغافل عن السبب. ولكن ما عرفته منذ قليل غيب عقلها وانتفض قلبها يعلن رفضه. وهرولت إلى هنا وبداخلها تتوسل إلى الله أن يخلف ظنها.
أخذتها أقدامها إلى غرفة النوم. وبيد مرتعشة قامت بإدارة المقبض وفتحت الباب لتتجمد في مكانها وهي ترى تلك الفتاة العارية التي تتوسط السرير بجانبه وهو ينام بعمق دون أن يرف له جفن من الرحمة ولا الشفقة على تلك التي انهار عالمها في تلك اللحظة. فقد شعرت بطعنة نافذة في منتصف قلبها. فالخيانة أمر موجع وقاتل. وهي لا تملك القدرة على تحمله. فأخذت تصرخ كالمجنونة حتى استيقظ هو والفتاة النائمة بجواره. فصدمته مظهرها. وسرعان ما تجاوز عن صدمته حين علا صراخها أكثر. وهي من نومه يرتدي ثيابه على عجل وهو ينهرها بعنف:
"اخرسي الله يخربيتك هتودينا في داهية. وانتي البسي وغوري من هنا بسرعة."
قال جملته صارخًا في الفتاة التي تجمدت بمكانها من فرط الصدمة. ولكن صوته جعلها تهب من مكانها مفزوعة وهي تحاول ارتداء ملابسها أمام ساندي التي جُنت تمامًا. فهرولت إليها وتمسك بخصلات شعرها بين يديها بكل ما يعتمل بداخلها من قهر وغضب وهي تسبها بكل اللغات. فتدخل حازم لمحاولة فض ذلك النزاع خوفًا من سماع الجيران لأصوات صراخهم وافتضاح أمرهم في البناية:
"الله يخربيتك سبيها هتودينا في داهية."
قال هذا وهو يدفع ساندي بعنف فوقعت على الأرض وهي تطالعه بصدمة. بينما قام بجر الفتاة من شعرها وأمسك ملابسها يلقيها في وجهها وهو يخرجها من الشقة. ثم عاد أدراجه إلى تلك التي ما زالت تفترش الأرض بصدمة وانهار من الدموع التي لم تلامس قلبه المظلم. حين زجرها بقدمه قائلاً بغضب:
"انتي اتجننتِ. إيه اللي جابك هنا؟ جاية تفضحيني."
رفعت رأسها تطالعه بعدم تصديق تجلى في نبرتها حين قالت:
"انت بتعمل معايا أنا كده؟"
صرخ حازم بنفاذ صبر:
"وأعمل أكتر من كده. انتِ مين سمحلك تتجسسي عليا. وعايزة مني إيه؟"
انقشعت الصدمة وحل محلها الغضب الممزوج بألم كبير. فهبت من مكانها تقول بعنف:
"تصدق إنك بجح. ليك عين تتكلم بعد خيانتك ليا."
حازم بسخرية:
"خيانة!! على أساس إنك مراتي؟ فوقي يا ماما إحنا متصاحبين. عارفة يعني إيه؟ آخرنا نخرج سوي نتفسح سوي نقضي وقت حلو في السرير. غير كده متحلميش. أنا مش بتاع حب وجواز والكلام الفاضي ده."
وكأنه هوى بمطرقة مسننة فوق قلبها الذي تحطم بأقسى طريقة يمكن أن تتخيلها. هل يراها بتلك الطريقة وهي من كانت عزيزة طوال حياتها؟ كانت تحارب الجميع بشراسة ووحده من ظفر بسلامها وظفر بقلبها الذي كانت تبني حوله أسوارًا وقلاعًا.
"بتقول إيه يا حازم؟ انت.. انت شايفني كده.. أنا يا حازم؟?"
لم يرق قلبه لحالها بل تابع بتجبر:
"أيوه أنتِ. كلكم متفرقوش عن بعض وأنا مش مستعد إني أتزوج واحدة كان ليها علاقات قبلي وأنا أساسًا شاقطك من رهان بيني وبين صاحبي اللي كنتِ ماشية معاه قبلي. فمن مليون المستحيل أفكر أتزوجك. فتبقي حلوة وتعرفي حجمك ووقتها تبقي حبيبتي ونقضي يومين حلوين سوي يا أما تغوري من وشي."
**عودة للوقت الحالي**
ما زالت تذكر ملامحه المحتقرة ونظراته القاسية ولهجته التي تقطر سمًا نجح في غرسه بقلبها الذي ضخه إلى سائر جسدها. فأقسمت على الانتقام منه على الرغم من عشقها الكبير له. ولكنه آذاها بعنف. فلأول مرة تحني رأسها وهي تخرج من تلك الشقة تلملم أشلاء قلبها وكرامتها التي دهسها بأقدامه والتي لم تنجح كل محاولاتها في أن تواسيها ولا في إخماد نيران عشقها المسموم له. فقد انتوت أن تجعله يدفع الثمن. وبعد ذلك ستعيده إليها بكل الطرق.
وها هي الآن تجني ثمار ما فعلته. فقد آذت وتأذت وطال الأذى عقلها الذي أضاء لها بفكرة هوجاء وهو أن ذلك الجسد هو السبب في كل ما يحدث معها وهو من جعل زوج خالتها يطمع بها ويحاول النيل منه. وهو ما غوى حازم وعدى من بعده. ولهذا أرادت التخلص منه. فهبت من مكانها تبحث كالمجنونة. وسرعان ما وقعت عيناها على كوب الماء الذي التقطته وقامت بقذفه ليرتطم على الأرض بعنف حتى تناثر لأشلاء. فامتدت يدها تأخذ إحدى قطعه المتناثرة وبعقل مغيب وجسد اعتاد على الألم فلم يعد يشعر. قامت بإفساد كل ما يميزها كانثى ولم تهتم لدمائها التي تناثرت من كتفيها وصدرها. ولم تشفق على نفسها وهي تقوم بالتمثيل بساقيها وما يعلوهم. قد كان كل همها أن تنتقم من نفسها. من جسدها. من ملامحها ومن ألمها الذي لم يخمد. فصارت تضحك بقوة مما فعلته. فقد تشوه جسدها ووجهها بالكامل وانبثقت الدماء من كل جزء به حتى صارت الغرفة غارقة في بحيرة دموية. اقشعر لها جسد منال التي سمعت صوت ضحكاتها. فهرولت لرؤيتها. فهالها ما رأت وانخرطت في نوبة صراخ جلبت جميع الخدم وعلى رأسهم زوجها الذي سقط فكه من الصدمة مما رآه. ولكنه سرعان ما تغلب على صدمته حين التفتت ساندي تناظره بخيبة أمل كبيرة من بين ضحكاتها. وما كادت أن تسقط حتى التقطتها يداه وهو يصرخ بقهر:
"بنتي…"
اخترقت صرخته آذان ذلك الذي اعتاد الجلوس أمام قصرهم طوال الليل والنهار ينتظر أن تلمحها عينيه. التي من فرط بكائه تحولت لبحيرة من الدماء. فقد ظلمها ودمرها بالكامل وهو أكثر من يعرف ما مرت به. ولكن ذلك الشيطان أوهمه بأنها بالفعل عشيقته ونجح في استثارة كرامته التي أعلنت فرمان بالتخلي عنها وإسقاطها من لائحة المقربين منه بعد أن تحولت بعينيه إلى غانية لا تعلم معنى الشرف.
"ساندي حصلها حاجة يا مؤمن. أنا متأكد."
ضاق ذرعه من صديقه الذي منذ أن أخبره بما حدث وهو يجلس أمام قصرهم بأمر من قلبه الذي لا يشتهي شيئًا سوى الغفران.
"يا ابني ارحمني بقى الناس طردتها خمسين مرة والراجل حلف ستين يمين إنه هيطلبلك البوليس لو شافك تاني قدام بيته وانت لسه مصر تستنى هنا. انت بتتفنن إزاي تضيع مستقبلك. ارحمني بقى."
تجاهل توبيخ صديقه وقال بقلب ملتاع:
"قلبي وجعني أوي وحاسس إنها فيها حاجة. أنا لازم أشوفها."
ما أن تقدم خطوتين حتى تفاجأ بمؤمن الذي تقدم يقف أمامه وقام بلكمه بكل قوة في وجهه. ولكمة تلاها الأخرى حتى خارت قواه. وقام مؤمن بجره إلى داخل السيارة وهو ينوي إنقاذه من تلك الهوة السحيقة التي ابتلعته حتى لو كلفه الأمر للسفر إلى والديه وإعلامهم ما يحدث.
***
كانت تقف أمام زجاج غرفة العناية بالأطفال حديثي الولادة. وبداخلها ألف شعور وشعور. لا تعلم هل تفرح بوجوده أو تحزن. فبسببه هو ووالده تدمرت حياة شقيقتها. ولكن بمجيئه أنقذ حياتها فحسب كلام الطبيب. الحمل والولادة في هذا الوقت هما سبب اكتشاف الورم الذي اتضح أنه في مرحلة متقدمة كثيرًا حتى يصعب اكتشافه ومعالجته. وبفضل هذا الطفل أنقذت حياة شقيقتها. لا تعلم لماذا القدر يلعب بهم بتلك الطريقة. يجعلها تقف عاجزة حائرة لا تعلم حتى ماهية شعورها. زفرت بتعب ورفعت رأسها للأعلى وهي تقول بقلب مثقل بالهموم:
"يارب.. يارب هونها من عندك."
فجأة تصلب جسدها وشعرت برجفة قوية تسري في عمودها الفقري حين وجدته بقربها. ولمست أنفها رائحته التي كان لها وقع قوي على قلبها الذي يهدأ كثيرًا بوجوده بالرغم من كل شيء.
"بتفكري في إيه؟"
هكذا سألها بنبرة خشنة بها قساوة أيقظت الألم بداخلها. فتجاوزت تلك الغصة التي تقف بمنتصف حلقها وقالت بجفاء:
"أنا مصدقة جنة في كل كلمة قالتها."
لم يلتفت إليها إنما قال بفظاظة:
"مش وقته. تقوم بالسلامة ونطمن عليها وكل حاجة هتبان."
اغتاظت من إجابته فالتفتت تقول باستفزاز:
"لا وقته. جنة اتظلمت بس انت مش قادر تعترف. معرفش بقى يمكن عشان اللي عملته فينا."
قاطعها بقسوة:
"وإيه اللي أنا عملته فيكوا؟?"
لوهلة لاذت بالصمت. فهي عندما تبحث بداخلها فلن تجد له أي خطأ. فقد حمى شقيقتها ووعدها بأنه سيحمي طفلها وسينسبه لأباه وسيعطيه حقه. والأكثر من ذلك أنه منعها من ارتكاب جريمة القتل حين أوشكت على التضحية به.
جاءها صوته القاسي يشوبه التهكم حين قال:
"سكوتك طال يا فرح. إيه أخطاء كتير أوي كده ولا بتدوري ومش لاقية."
اغتاظت من وقاحته التي تحمل من الصدق الكثير. ولكنها كعادتها تأبى الانهزام أمامه. فهبت معاندة:
"ولما تجبنا على ملء وشنا وتخلينا نسيب حياتنا وبيتنا وتجبرنا نعيش معاكم ومع ناس بتكرهنا ده يبقى اسمه إيه؟"
سالم بقسوة:
"اسمه إني بحميكوا من نفسكم. والناس اللي بتكرهكوا دول أرحم ألف مرة من الناس اللي كانت هتاكل وشكم وهي شايفة أختك وبطنها قدامها من غير جوزها."
للمرة التي لا تعرف عددها يكون مصيبًا بكلماته. ولا تعلم بما تجيبه. فهي بحاجة ماسة للراحة. فقد أنهكها كل شيء وهو لا يرحمها. ولكنها أنثى لا تعرف معنى الانحناء. لذا رفعت رأسها بشموخ تجلى في نبرتها حين قالت:
"والله إحنا كبار بما فيه الكفاية عشان نعرف نتصرف. ومكناش محتاجين منك حاجة يا سالم بيه!"
اغتاظ من ذلك اللقب الذي كان وكأنه جدار تضعه بينهم. وخاصة حين تابعت بسخرية:
"متقلقش أنا فاكرة حدودي وبحاول متخطاهاش!"
كالعادة تنجح في إثارة غضبه النفسي. فآثر الانسحاب لأول مرة حتى لا يؤذيها. فقط اكتفى بنظرة غاضبة ولهجة تحمل مذاق التهكم والمرارة معًا:
"كويس خليكي فاكراها."
ما أن هم بالالتفات حتى استوقفته كلماتها الغاضبة:
"أكيد هفضل فاكراها. بس انت كمان متتعداش حدودك معايا."
رفع إحدى حاجبيه وقال باختصار:
"بمعنى؟!"
صاحت بانفعال وغضب نابع من قلب يشتهي ما لا يستطيع الإفصاح عنه:
"بأي حق تطبطب عليا وتمسك إيدي قدام الناس كلها؟"
تشابهت نظراته مع لهجته الجليدية حين قال:
"بنفس الحق اللي خلاكي تلجئيلي لما كنتي ضعيفة وعايزة تتسندي على حد."
نجح في تعرية مشاعرها وقراءة نظراتها. مما جعلها تبتلع ريقها بصعوبة قبل أن تقول باستهلال:
"انت تقريبًا بتتوهم وتصدق أوهامك صح؟"
شيعها بنظرة خبيثة لامست حواف قلبها قبل أن يقول بقسوة:
"أنتِ اللي جبانة. للأسف شوهتي صورتك اللي كنت راسمهالك في خيالي."
كلماته أهانته قبل قلبه قبل كرامتها التي كان لزئيرها وقع كبير عليها. فرفعت رأسها وهي تبتسم ابتسامة مرة لم تصل لعينيها التي لم تعد تحتمل ثقل عبراتها أكثر. بينما هي تحدثت بتهكم:
"طب كويس والله. معنى كده إنك خلاص صرفت نظر عن فكرة الجواز المجنونة بتاعتك."
كان بارعًا في قراءة تعابيرها من فرط ماهو مولع بها. فلاحظ اهتزاز حدقتيها التي تحمل عبارات غزيرة تهدد بالانفجار. فتحدث بلهجة أهدأ قليلًا:
"قبل ما أجاوبك عايز أعرف الدموع اللي في عينيك دي سببها إيه؟"
لن تبكي ولن تخضع أبدًا وستظل صامدة لآخر نفس. هكذا كانت تردد بداخلها قبل أن تقول بلا مبالاة:
"أبدًا. أنا بس متضايقة عشان جنة."
خرجت كلماته غاضبة كملامحه حين قال:
"كذابة! جبانة وكذابة يا فرح. بس اللي يضايق إنك مش مضطرة تكوني كده."
انفعلت من حديثه ومن كل شيء فقالت بنفاذ صبر:
"انت عايز مني إيه؟?"
أجابها بصرامة:
"واجهي. قولي إيه اللي جواكِ وتأكدي إني هحترمه أيًا كان هو إيه."
لن تبكي ولن تخضع أبدًا وستظل صامدة لآخر نفس. هكذا كانت تردد بداخلها قبل أن تقول بلا مبالاة:
"أبدًا. أنا بس متضايقة عشان جنة."
خرجت كلماته غاضبة كملامحه حين قال:
"كذابة! جبانة وكذابة يا فرح. بس اللي يضايق إنك مش مضطرة تكوني كده."
انفعلت من حديثه ومن كل شيء فقالت بنفاذ صبر:
"انت عايز مني إيه؟?"
أجابها بصرامة:
"واجهي. قولي إيه اللي جواكِ وتأكدي إني هحترمه أيًا كان هو إيه."
اجتمع الألم مع الخوف بعينيها حين طرأ على ذهنها ما حدث عصر اليوم.
**عودة لوقت سابق**
كانت تجلس في المقهى أمام ياسين الذي انتظر حين أتى النادل بقدحين القهوة. ثم انفجر قائلاً:
"احكيلي كل حاجة حصلت مع جنة لو سمحتِ."
لم تعتد على إلقاء الأوامر أو الامتثال لها. لذا قالت بحنق:
"بأي حق؟ بأي حق بتطلب مني ده؟"
ياسين بغضب:
"تحبي أوريكي البطاقة عشان تعرفي؟"
عاندت بغضب:
"ما انتوا رميتونا زمان. رميتوا لحمكم راجعين تدوروا علينا دلوقتي ليه؟"
تراجع ياسين قليلاً وتفهم موقفها وأجابها بلهجة أهدأ:
"محدش رماكوا يا فرح واعتقد اللي حصل إنتِ عرفاه. وعارفة كمان جدي وجبروته."
"جبروته ده ضيعنا كلنا. ماما ماتت وسابتنا عيال صغيرة. كنا محتاجين حد يطبطب علينا أهل يقفوا جنبنا وبابا الله يرحمه كان أكتر حد محتاجكم. عارف تعب إزاي من الوحدة والوجع اللي واثقة إنه بسببهم مش بسبب المرض. جنة لو كنتوا موجودين مكنش هيحصل معاها كده. إحنا اتدمرنا بسبب جبروته. جاي تدور علينا بعد إيه يا ياسين؟"
كان يعلم أنها محقة ويشاطرها الوجع بل أكثر. وقد تجلى ذلك في نبرته حين قال:
"مش لوحدكوا اللي اتدمرتوا يا فرح.. مسألتش نفسك أنا هنا بعمل إيه في إسماعيلية؟؟ أخويا راضي مات يا فرح. أو بمعنى أصح اتقتل."
شهقت بعنف مرتدة إلى الخلف. فتابع ياسين بلهجة مريرة:
"كان في خناقة بين عيلتنا وعيلة تانية كبيرة على قطعة أرض وقامت خناقة وراضي اتقتل فيها. وماما تعبت جدًا ومتحملتش تقعد في البلد وبابا نفس النظام. وسبنا جدي والبلد وجينا على هنا ومن وقتها وأنا بدور عليكوا."
انكمشت ملامحها بألم تجلى في نبرتها حين قالت:
"البقاء لله يا ياسين. أنا مش عارفة حقيقي أقولك إيه.. ربنا يصبركوا."
زفر الهواء المكبوت بصدره دفعة واحدة قبل أن يقول بخشونة:
"الحمد لله على كل حاجة. هتحكيلي اللي حصل لجنة؟"
زفرت بتعب وقالت بمراوغة:
"انت عرفت إيه؟"
تحلى بفضيلة الصبر وأجابها بصدق:
"عرفت إنها كانت متجوزة عرفي وحامل وجيتي إنتِ وهي تعيشوا هنا مع أهل الحيوان ده بعد ما غار في داهية."
أغمضت عينيها بتعب. فقد علم كل شيء ولا مجال للكذب أو المراوغة. فشرعت تقص عليه ما حدث. ولكنها كانت تحتفظ ببعض التفاصيل لنفسها. خاصة وهي ترى ملامحه التي تفيض غضبًا وأنفاسه التي تعلو تزامناً مع حديثها الذي أنهته قائلة بحزن:
"وادينا مستنيين أما جنة تولد ونشوف هنعمل إيه."
صاح ياسين بغضب:
"هتعملوا إيه يا فرح؟ من اللحظة دي ملكوش عيش مع الناس دي. جنة ليها أهل وهما هيعرفوا يجيبوا حقها كويس."
فرح بمرارة:
"يجيبوا حقها من مين يا ياسين إذا كان هو مات."
"الحيوان أقسم بالله لو كان عايش لكنت دفنته بإيدي."
فرح بحزن:
"يالا راح عند ربنا هو أولى بعقابه."
ياسين بنبرة لا تزال تحمل الغضب:
"سالم الوزان ده شكله مش سهل. أنا مش مرتاحله."
تغيرت تعابيرها بشكل مريب وارتجفت نبرتها حين قالت باستفهام:
"ليه.. بتقول كده؟"
ياسين بريبة:
"مالك يا فرح؟ أنتِ في حاجة مخبياها عليا؟"
فرح بتلعثم:
"لا طبعًا… حاجة إيه؟"
"وشك اتقلب ليه لما جبت سيرته؟"
فرح بمراوغة:
"أبدًا. أنا بس خايفة من فكرة إننا نسيب البيت ونروح عند عمي. هنقول إيه على حمل جنة وجوازها. انت عارف الموضوع مش سهل وعمي…"
قاطعها بغضب:
"عمك تعبان وحالته متأخرة. السؤال هنا هنقول إيه لجدك وعيلتك اللي في البلد؟ جدك من وقت ما عرف إن عمي محمود مات وهو عايز يشوفكوا عشان يرجعلكوا حقكوا ويعوضكوا عن اللي حصل زمان."
"بالسهولة دي؟?"
هكذا صاحت مستنكرة. فأجابها بتقريع:
"مش وقته يا فرح.. خلينا نشوف حل في المصيبة دي. لا جدي ولا بابا ولا حد لازم يعرف باللي حصل مع جنة. ده هيفتح علينا بحر دم ملوش آخر. جدك صعب وأظن إنك عارفه ده."
لون الفزع تقاسيمها واحتل نبرتها حين قالت:
"طب والحل يا ياسين."
ياسين بطمئنة:
"متقلقيش يا فرح. أنا هشوفلها حل حتى لو لزم الأمر هقف قدام جدي. كفاية البهدلة اللي حصلتلكوا وكله بسبب جبروته وقسوته."
"المهم متعرفيش جنة ولا حد حاجة خالص على ما أظبط أموري وأشوف هنعمل إيه. وكلها بالكتير يومين تلاتة وهكلمك تجهزي نفسك إنتِ وجنة عشان تمشوا. بناتنا ميقعدوش عند الغرب أكتر من كده."
**عودة للوقت الحالي**
طافت عيناها بملامحه. فكيف تخبره بما حدث وهي قطعت وعدًا لابن عمها بأنها لن تتحدث؟ كيف تخبره وهي بصدد مواجهة دامية مع عائلتها التي لفظتهم سابقًا وتنوي استردادهم الآن؟ فكيف تقابلهم بذنب عظيم وإثم كبير مثل هذا.
"مفيش حاجة أقولها. أنا أعصابي تعبانة من اللي حصل وبيحصل. حقيقي مبقتش قادرة أتحمل أي حاجة."
تفشت بداخله خيبة قوية حين رأى نظراتها المراوغة وكلماتها الغير مرتبة. فشيعها بنظرات الخسة قبل أن يقول بتهكم:
"وماله. سلامتك."
لمست السخرية في نبرته. ولكن خالته نظراته التي تخفي شيئًا غريبًا. أيمكن أن يكون احتقارًا أو ربما ازدراء. لم تعد تعرف إجابة. ولكن هناك شيء بداخلها يؤلمها بقوة فاقت حدود تحملها.
***
توقفت سيارته أمام تلك البناية الملعونة بعد أن قطع ساعات من السفر في طريق المجهول باحثًا عن الحقيقة والانتقام. أخيرًا وصل إلى وجهته. وصار يأكل الدرجات حتى وصل إلى تلك الشقة التي يود تدميرها بكل ما تحمله من ذكريات مقززة تصبر غضبه وجنونه. الذي جعلوه يدق بابها بعنف. وما أن انفتح وأطل منه مؤمن حتى أنهال عليه سليم بالضربات والركلات دون أن يتيح له الفرصة لاستيعاب أي شيء. فبلمح البصر وجد هذا الوحش الهائج أمامه ينهال عليه بالضرب المبرح وهو يسبه بأفظع أنواع السباب حتى هلكت قواه. وإذا به يصرخ بوجهه بعنف:
"احكيلي اللي حصل يا حيوان. ضحكتوا عليها إزاي؟"
مؤمن بمن بين آلامه وتورم شفتيه:
"أنا.. مش.. فاهم.. حاجة.. أبوس إيديك. سيبني."
سليم بصراخ:
"مش هسيبك إلا لما تقولي كل حاجة."
لم يكد مؤمن يتحدث حتى صدح صوت من خلفهم:
"سيبه. مؤمن ميعرفش حاجة. أنا هحكيلك اللي حصل."
التفت سليم بجمرتيه المشتعلتين إلى ذلك الجسد الهزيل والملامح المتورمة التي تعود لعدي. الذي ما أن نجح في جذب انتباه سليم إليه حتى قال بصوت لا روح به:
"أنا اللي كنت مع حازم في كل حاجة. وأنا اللي خليته يوهمها إنه مريض وبيموت لما ساندي قالتله إنه مدمن. اقترحت عليه يقولها كده عشان متبعدش عنه وجبتله الورق كمان اللي يثبت ده. وعرفته على دكتور صاحبي اتفقت معاه إنه يقول لجنة إنه حازم مريض سرطان وبيموت عشان توافق تتجوزه عرفي."
توجه سليم إليه بخطى متوعدة تشبه نظراته وملامح وجهه. ولكن ذلك لم يردع عدي الذي اشتهى الموت لعله يرتاح من عذابه الذي فاق حدود التحمل. فتابع يسرد خطاياه:
"حازم عمل المستحيل عشان يجيب رجل جنة وياخد اللي عاوزه منها. بس هي كانت دايماً توقفه عند حده. ولما مضت على ورقة الجواز بحجة إنه مش هيتعالج غير لما يضمن وجودها جنبه. حازم فكر إن الدنيا بقت سهلة معاها وبقي يتحجج بالمرض عشان يقرب منها. بس هي كانت بتصده وأصرت تروح معاه جلسات الكيماوي. ولما قعد يتحجج اتخانقت معاه وهددته إنها هتقطع الورقتين عشان كانوا معاها وهتبعد عنه. حازم اتجنن وحلف لا يجيب مناخيرها الأرض واتفق معايا إنه هيجيبها هنا على أساس إنه مركز وهيقابل دكتور. وفعلاً ساعدته وكلمت ناس أصحابي ساعدونا في التمثيلية دي. وفي بنت عملت إنها ممرضة وهتدخلهم للدكتور وجابت لجنة عصير كان فيه مخدر شربته وأغمي عليها وحازم اعتدى عليها."
لم يكد يكمل جملته حتى أنهال عليه سليم ضربًا مبرحًا وهو يصرخ حتى جرحت أحباله الصوتية:
"يا ولاد الكلب… انتوا إيه مش بني آدمين…"
تحدث عدي من بين ضربات سليم المتلاحقة:
"موتني وريحني من كل العذاب ده.. خد حقها مننا كلنا.."
توقفت يد سليم في الهواء وقال بعنف:
"وشرف أمي ما هنهولهولك بالسهولة دي.. الموت راحة ليك. انت حبك تفضل تتعذب زي الحيوانات كده."
***
بعد مرور يومين استفاقت جنة فوجدت فرح بجانبها تتلو آيات الذكر الحكيم. وما أن رأتها تفتح عينيها حتى هبت من مكانها مقتربة منها بلهفة تجلت في نبرتها حين قالت:
"جنة. حبيبتي أنتِ فوقتي أخيرا."
جنة بلهجة متحشرجة:
"أنا فين؟"
فرح بلهفة:
"إنتِ في المستشفى. ولدتي وجبتِ بيبي زي القمر يا جنة."
ارتسمت ابتسامة خافتة على ملامحها قبل أن تقول بخفوت:
"عايزة أشوفه."
"حاضر.. هنادي على الدكتور أشوف ينفع تروحي له ولا لا؟"
جنة بلهفة:
"ليه هو فين؟"
فرح بطمأنة:
"هو اتولد قبل معاده عشان كده دخلوه الحضانه بس اطمني الدكتور قال إنه كويس.. ثواني هناديهولك."
هرولت فرح إلى الخارج فوجدت الجميع. فهرولت إلى أمينة تقول بفرح:
"جنة فاقت يا حاجة أمينة."
ثم التفتت إلى مروان مرددة بفرحة:
"جنة فاقت يا مروان."
أمينة بفرحة:
"الحمد لله.. أحمدك وأشكر فضلك يارب."
وأضاف مروان بفرحة:
"الحمد لله أخيرًا."
لم يجبها سليم إنما اندفع إلى داخل الغرفة بأمر من قلبه الذي أخمد صوت العقل. فكل ما يرجوه رؤيتها وبحرها الأسود الذي وقع غريقًا بعشقه.
أما عنه فقد كان يريد الاقتراب منها. يريد مشاركتها فرحتها وكل شيء. ولكن تسمى بمكانه حين سمع ذلك الرجل يناديها:
"فرح."
التفت الجميع يناظره بصدمة. إلا هو. ارتسم الإجرام بنظراته واقترب منه مزجرًا بوحشية:
"انت إيه اللي جابك هنا؟?"
وتحدثت أمينة بصدمة:
"دكتور ياسين؟?"
تفاجأ الجميع من تلك التي تجاوزتهم لتقف بجانب ياسين وهي تقول بعنفوان:
"ياسين أكتر واحد له الحق إنه يكون موجود هنا."
سقط قلبه بين ضلوعه من فرط الألم الذي عصف به في تلك اللحظة واستنفذ كل قوته ليظل على جموده حين قال:
"يعني إيه؟"
إجابته بنبرة هادئة وعينين يرتسم بهما القوة:
"الدكتور ياسين وفيق عمران يبقى ابن عمي أنا وجنة."
رواية بين غياهب الاقدار "في قبضةالاقدار الجزء الثاني" الفصل الثاني 2 - بقلم نورهان العشري
كانت خطاه تحمل لهفة قلبه الذي لأول مرة يترك الحذر جانبًا وينساق خلف رغبته المتعطشة لرؤيتها والإطمئنان عليها.
بينما هي كانت ترقد بهدوء يتنافى مع ألم جرحها الذي لم يلتئم بعد، وقد زاد من أنينه ذلك الوجع الذي بدأ يتسرب إلى قلبها شيئًا فشيئًا وهي تستعيد ذاكرتها التي توقفت عند تلك الجملة: "حازم مكنش مريض يا جنة".
كان بالنسبة لها دربًا من الجنون لم تكن بحياتها تتخيل أن تقع في فخ مثل ذلك.
الأسوأ من الغدر هو أن تتفاجأ بأن ركنك الهادئ ما هو إلا وكر ثعابين طالت قلبك سمومهم. أن تأتيك الطعنة من ذلك الذي أدرت له ظهرك متلحفًا بوشاح الحب، فأجهز على طهارة قلبك متسلحًا بخنجر الخيانة.
كان الأمر أصعب من أن يوصف وأقسى من أن يقال، وتحمله كان أشبه بجمرة مشتعلة تحيا بقلبها ويضخها إلى سائر جسدها الذي انتهكت حرمته بدون رحمة ولا شفقة ممن ظنته يومًا حبيبها.
تسارعت أنفاسها وكأنها في سباق مع دقاتها حين تذكرت تلك المأساة التي اغتالت حياتها وحطمت عالمها الوردي.
"ممكن أعرف مبترديش عليا ليه؟"
هكذا تحدث حازم بحنق تجلى في نبرته وطريقة إمساكه بالهاتف، فأجابته جنة بجفاء:
"انت عارف مبردش عليك ليه، ولو مكنتش رنيت من رقم غريب مكنتش هرد يا حازم."
ازداد غضبه، ولكن حاول التماسك مختبئًا خلف ستار الضعف حين قال:
"بتعملي فيا كده عشان عارفه إني مريض صح؟"
انقبض قلبها جراء حديثه وقالت بلهجة أهدأ من السابق:
"بطل كلامك دا، انت عارف بعمل كده ليه؟"
حازم بانفعال زائف:
"جنة أنتِ مش فاهمه، أنا خايف. خايف من الجلسات دي، خايف شعري يقع زي ما بيقولوا، خايف أتحول لمسخ ووقتها هتكرهيني وتسبيني…"
قاطعته بلهفة ونبرة لينة كحال قلبها:
"متقولش كده يا حازم أرجوك، قولتلك ألف مرة عمري ما هسيبك، وثبتلك ده بالدليل وانت فاهم قصدي كويس."
نجح في استمالة قلبها فقالت بتخابث:
"يعني وعد هتفضلي معايا وعمرك ما هتسبيني أبدًا؟"
جنة بخجل:
"وعد عمري ما هبعد عنك أبدًا والله."
"طب إيه رأيك بقى إني حجزت عند الدكتور وهروحله النهاردة عشان أحدد هبدأ الجلسات امتى، بس طبعًا أنتِ هتكوني معايا."
جنة بلهفة:
"طبعًا هكون معاك، قولي هتروحله امتى؟"
فكر قليلًا قبل أن يطيع شيطانه ويقول بتخابث:
"كمان ساعتين، انتِ فين؟"
"أنا في الجامعة.. خلاص ابعتلي العنوان واسبقني على هناك وأنا هجيلك."
"لا طبعًا مش هدخل المكان ده من غيرك، قلبي بيتقبض."
فكرت لثوانٍ قبل أن تقول:
"طب انت فين وأنا هستأذن من فرح وأجيلك."
تحدث باندفاع غاضب:
"لا فرح إيه؟ أنتِ بتهزري!! أوعى تكوني قولتيلا على تعبي؟"
جنة بجزع:
"إيه يا حازم في إيه؟ لا طبعًا مقولتلهاش، بس إيه المشكلة لو قولنا لها؟ مانتا هتبتدي علاج وهتخف إن شاء الله…"
قاطعه بغضب:
"قولتلك لأ يا جنة، وقسمًا بالله لو حكيتيلها حاجة لهلغي فكرة العلاج دي خالص، فاهمه؟"
قالت مجبرة:
"طيب يا حازم اللي تشوفه."
زفر بارتياح وقال بلهجة لينة:
"هعدي عليكِ ونروح سوا."
كانت حزينة بقدر ما هي غاضبة، ولكنها لم تفصح عن شيء، بل اكتفت بالموافقة، وداخلها تشتعل ألف حرف، فهي بعمرها لم تكذب على شقيقتها أبدًا، والآن فعلت الكثير من الأشياء الخاطئة، على رأسها تلك الورقة التي أمضت عليها مكرهة بأمر من قلبها الذي أشفق على مرضه، وقررت بأنها ستكمل معه الطريق حتى النهاية، فلن تستطيع أبدًا التخلي عنه.
بعد ساعتين، كانت تقف معه أمام تلك البناية، وداخلها شعور قوي بالرهبة، وهناك صوت في أذنيها يتوسل إليها بالهروب. قلبها منقبض بذعر وجسدها يقشعر كلما تقدمت خطوة، وكان الصمت حليفها، إلى أن دخلت إلى الشقة وبجانبها حازم الذي كان يثرثر، ولكنها كانت في عالم آخر، تتمنى لو أنها تعود أدراجها وتطلق ساقيها للريح وتغادر دون رجعة، ولكنها حاولت استجماع شجاعتها وأخبرت نفسها بأنها تقف بجانب إنسان في محنة، وهي بعمرها لم تتخل عن أحد.
"جنة. جنة."
تنبهت لحازم الذي كان يناديها وهي غارقة بأفكارها، فلم تنتبه له.
"نعم."
حازم باستفهام:
"نعم إيه؟ بقالي كتير بكلمك وأنتِ ولا أنتِ هنا، مالك فيكِ حاجة؟"
كانت تود أن تخبره بأنها تريد الفرار من هنا ولا تعلم السبب، ولكنها قمعت ذلك الصوت الداخلي الذي يتوسل إليها بالفرار، وقالت بابتسامة باهتة:
"لا أبدًا، أنا كنت سرحانة شوية.. كنت عايز إيه؟"
لم يتسن له الإجابة، فقد أحضرت لهم الممرضة زجاجتين من العصير وهي تخبرهم بأن الطبيب سيقابلهم بعد قليل، فتناولهم حازم منها وقام بإعطائها إحداهما، ولكنها لم تكن تريد، فلاحظ ذلك وقال بحزن زائف:
"جنة. أنتِ ندمانة إنك جيتي معايا؟"
تنبهت جنة لملامحه التي لونها الانكسار ولهجته الحزينة، فقالت بنفي:
"ليه بتقول كده؟ طبعًا لا."
تابع تمثيله، فنظر أمامه بحزن استطاع أن يتقنه ببراعة ويسكبه في لهجته حين أجابها:
"بصي لشكلك في المراية وأنتِ هتعرفي، دانتِ حتى مش طايقة تاخدي العصير مني.."
جنة بلهفة:
"والله أبدًا، أنا متوترة بس، إزاي تفكر كده."
أومأ برأسه بطريقة توحي لها أنه ما زال حزينًا، فتابعت بلهجة ودودة:
"خلاص والله يا حازم، أنا مقصدش أضايقك."
نظر إليها وابتسم إحدى ابتساماته الرائعة، قبل أن يقوم بإمساك زجاجة العصير وفتحها وهو يناولها إياها قائلًا بخفة:
"خلاص يا ستي مسامحك.. اشربي بقى عشان تفكي من التوتر ده، إحنا لسه قدامنا مشوار طويل مع بعض، مش هتفرهدي من أول مرة كده.."
لم تنتبه لذلك المكر الذي يقطر من حديثه، فقد ارتاحت حين رأت ابتسامته، فهي تشعر بالشفقة على شاب مثله أن يقع فريسة لذلك المرض اللعين، ولا تعلم أنها هي من وقعت فريسة بين براثن ذئاب لا تعرف الرحمة سبيلاً إلى قلوبهم، فبعد عدة رشفات من العصير، تراقصت الدنيا من حولها، وآخر ما سمعته هو صوت تحطم الزجاجة التي سقطت من بين يديها.
لا تعلم كم من الوقت مر وهي نائمة، ولكنها بدأت تستعيد وعيها شيئًا فشيئًا، وكان أول شيء وقعت عينيها عليه هو سقف الغرفة الأبيض الذي كانت تراه بتشوش في البداية، وبعد ذلك بدأت الرؤية تتضح، ليُهاجمها بعدها ألم قاتل أسفل جسدها، فرفعت يدها تضعها فوق رأسها، فتفاجأت بذراعها العاري! وبلمحة ضرب عقلها هاجس رفضته بقوة، فأخذت تتلفت حولها بلهفة والعبرات تتساقط من مقلتيها بغزارة دون أن تشعر. فقد أدركت الآن حقارة ما حدث معها، فتشنج جسدها وخرجت الصرخات المستمرة من فمها الذي أخذ يردد دون وعي:
"لا.. لا.. لا.. أنا بحلم.. دي مش حقيقية.. لا… لا… لاااااا"
توقفت صرخاتها على أعتاب شفتيها حين رأت حازم الذي دخل الغرفة عاري الصدر وهو يطالعها بنظرات غامضة ونبرة مختلفة عن سابقتها حين قال:
"أخيرًا صحيتي…"
كان هدوءه يوحي بمدى حقارته، فقد كان هادئًا وكأن شيئًا لم يحدث، بينما هي كانت تحترق بلهيب الغدر والألم والغضب معًا، فصرخت به:
"انت معملتش فيا كده صح؟?"
لم يجبها حازم، إنما توجه إلى أقرب مقعد وألقى بثقله عليه وهو يقول بهدوء:
"لا عملت يا جنة. واللي عملته ده مش غلط ولا عيب ولا حرام، أنتِ مراتي…"
لم تستطع تصديق إقراره بذنبه العظيم وفاجعتها الكبرى، والأسوأ من ذلك أن يتحدث بتلك الطريقة ويبرر جريمته النكراء، فصرخت حتى جرحت أحبالها الصوتية:
"انت حيواااان…"
لم تشعر بنفسها وهي تمسك بقنينة مياه كانت على الطاولة بجانب السرير وتقوم بإلقائها في وجهه، فتفاداها بصعوبة وتوجه ناحيتها بغضب انطبع على مرفقيها حين أمسك بهما يهزها بعنف:
"أهدّي وبطلي جنان. قولتلك اللي حصل ده لا عيب ولا حرام، أنتِ مراتي يعني كده كده كان هيحصل."
بكل ما يعتمل بداخلها من قهر صرخت بوجهه:
"اخرس.. انت حيوان وحقير…"
لم يتركها، إنما اقترب منها أكثر وهو يقول بلهجة بدت صادقة:
"أنا مش حقير ولا حيوان، أنا بحبك وعمري ما هتخلى عنك، ودي الطريقة الوحيدة اللي هتخليكِ أنتِ كمان متبعديش عني…"
صعقتها صراحته الفجة وعدم إحساسه بأي ذنب جراء جريمته معها، فعن أي حب يتحدث بعدما قضى عليها سالبًا منها أغلى ما كانت تملك في هذه الحياة.
فجأة هدأت ثورتها وجلست بمكانها وهي تقول بنبرة تقطع لها نياط القلب:
"انت ضيعتني. حرام عليك.. حب إيه اللي يخليك تعمل فيا كده…"
كان شعورًا عارمًا بالخزي جعلها تنكمش على نفسها تحتضن كتفها الذي يظهر من ذلك الشرشف الذي يلفها، وأخذت ترتجف كورقة أطاحت بها رياح الغدر حتى أسقطتها في بئر من الوحل، فأخذت تضرب خديها بعنف، إلى أن امتدت يديه تحاول إيقافها وهو يقول بغضب:
"خلاص بقى، أنتِ مزوداها كده ليه؟ ما قولتك ده لا عيب ولا حرام، أنتِ مراتي افهمي."
لم تستطع تحمل وجوده أكثر وثباته الذي يضفي نيرانًا فوق نيرانها، فنفضت يده بحدة وهي تصرخ بكل ما يعتمل بداخلها من وجع:
"بكرهك… بكرهك يا حازم، بكرهك…"
اختلط الحلم بالحقيقة للحظات، شعرت بأنها في ذلك الجحيم مرة أخرى، وتعَاظَم الألم حتى صار تحمله دربًا من دروب المستحيل، فوضعت يديها فوق أذنيها حتى لا تسمع صوت صرخاتها الممزوجة بتبريراته السخيفة، تريد الهرب حتى لا تراه مرة أخرى أمامها، فصارت تغمض عينيها بقوة وتردد دون وعي:
"بكرهك.. بكرهك.. يا حازم، بكرهك…"
كانت ملامحها المتألمة تحكي عن أي كابوس تعيش في تلك اللحظة، كابوس لا تستطيع تجاوزه أي فتاة، وخاصة هي. جسدها المرتجف كان يعبر بطريقته عن رفضه لما حدث له وما مر به.
يعلم جيدًا أي شعور يجتاحها الآن، فقد كان يشاركها الألم، يشعر بالقهر لما حدث معها، يتألم كما لم يتألم من قبل.
كانت شيئًا ينتمي له، لا يعلم كيف، ولم يعد يتساءل متى، فمنذ أن رآها أول مرة كان يرى نفسه بعينيها، يرى انهياراته وضعفه وهزائمه. كانت تعبر عنه، تشكو همه بلسانها، تذرف عبراته التي تثقل جفونه وتؤلم قلبه، الذي كان يحيط به كبرياء أعمى يمنعه من الانهيار.
كان القدر يلقي بها دائمًا في طريقه، وكأنه يعانده، حتى أسلم قلبه رايته، فأصبحت حربًا ضارية يقف بها أمام قدره الذي أحكم قلبه بين كفيها، ولم يعد له سبيل للمقاومة. وبالرغم من قوته وصلابته، إلا أنه أضعف مخلوق أمام ضرٍ يمسها.
والآن يقف عاجزًا، لا يستطيع أن يفعل لها شيئًا وهو يراها تنازع ألمها وعذابها الذي كان هو جزءً منه.
فقط يتمنى لو يضمها، يمتص منها كل تلك الذكريات المؤلمة. لو يقاسمها ذلك العذاب الذي يلون تقاسيمها الرائعة. تمنى لو يصرخ بملء شفتيه وبملء العالم باعتذارات قد يكون فات أوانها. كانت تلك الأمنيات البسيطة أقرب إلى المستحيل منه.
لم يستطع تحمل ألمها أكثر، فاقترب منها يربت بحنو على وجنتيها يحاول إخراجها من كابوسها المرعب:
"جنة فوقي.. فتحي عينيكِ.. دا كابوس.. فتحي عينيكِ أنا جنبك."
أخيرًا استطاعت أن تفتح عينيها حين وصلها صوته الذي بدا وكأنه قادم من بعيد. فأخذت ترمش بعينيها لثوانٍ قبل أن تصطدم بجمرتين مشتعلتين بنيران دائمًا كانت تحرقها بألسنة اتهاماته المروعة والتي لم تشفق يومًا عليها، فحاولت استعادة نفسها للحظات، لم تقطع تواصلها البصري، ثم نهرته بجفاء:
"انت بتعمل إيه هنا؟"
تراجع خطوة للخلف بينما عينيه ما زالت مسلطة عليها، وقال مستفهمًا بنبرة هادئة كانت غريبة على مسامعها وخاصة منه:
"عاملة إيه دلوقتي؟"
غمغمت بخفوت:
"الحمد لله."
شعر بجفائها الذي آلمه، ولكنه تجاهل ذلك قائلًا:
"حمد لله على سلامتك…"
لم تتنازل بالنظر إليه، بل أجابت باختصار:
"الله يسلمك…"
كان جفاءها أمرًا متوقعًا، ولكنه بالرغم من ذلك كان مؤلمًا. وللحق كان أقل بكثير مما يستحق، هكذا حدثه قلبه، ولأنه لم يكن متجبرًا أو ظالمًا بطبعه، جذب المقعد ووضعه أمام مخدعها يناظرها بعينين لأول مرة تصفو سماءهما، وقال بنبرة رخيمة:
"جنة.. ممكن تبصيلي…"
لم تكن أول مرة تسمع اسمها من بين شفتيه، ولكن تلك المرة كان مختلفًا بطريقة أربكتها وجعلت دقاتها تتقاذف بداخلها بعنف. وعلى عكس المتوقع، أخفت كل ما يعتمل بداخلها ببراعة وأطاعته بهدوء ودون حديث، فقط نظرات تتخللها السخرية، بينما ظلت ملامحها جامدة، ليعلم أن تلك الفتاة التي يراها الآن تختلف كثيرًا عن التي جاءت منذ خمسة أشهر لتعيش معهم، فقد حولتها الصدمات والآلام إلى أخرى، لا يعرف إن كان يستطيع التعامل معها أم لا.
"في كلام كتير بينا محتاجين نقوله.. يمكن الوقت دلوقتي مش مناسب بس…"
قاطعته بجمود:
"فعلًا الوقت مش مناسب لأي كلام، أنا عايزة أشوف ابني وأطمن عليه وأرتاح عشان تعبانة."
تعلم جيدًا أنها تستفزه، وأنه ليس برجل صبور، وإن كانت تلك الطريقة التي ستسلكها معه، فهو هالك لا محالة.
"زي ما تحبي.. خلينا نأجل أي كلام بينا لوقت تاني تكون صحتك اتحسنت."
بنبرة أقرب إلى العادية تحدثت:
"مفيش بينا كلام يتقال، عالأقل من ناحيتي، معنديش حاجة أقولهالك، ومعتقدش إني اللي هسمعه منك مهم أو هيفيدني…"
أيقظت وحوشه الكامنة بلامبالاتها وجمودها، فهب من مكانه قائلًا بغضب:
"لا فيه وهتسمعيني. حتى لو معنديش اللي تقوليهولي، بس هتسمعيني. أنا عارف إني غلطت في حقك…"
توقف للحظات لا يعرف كيف يبدأ أو يعبر عما يدور بداخله، لا يريد نبش الماضي ولا خدش جراحها الملتهبة مرة أخرى، ولكنه تابع من أكثر بواطنه ألمًا:
"أنا كنت عارف إن حازم مش ملاك.. وكنت دايماً بختلف أنا وهو لحد يوم الحادث، ساب البيت ومشي بسبب خناقتي معاه. بس كنت بقول شاب وطايش. لكن أنتِ…"
تعمقت نبرته ونظراته أكثر حين تابع:
"أنتِ كان الوضع بالنسبالك مختلف. بنت حلوة.. جميلة…"
تلعثمت حروف الغزل المغايرة على شفتيه، فتوقف للحظات يشرد بعينيها وملامحها التي نُقشت بسهم الحب المشتعل فوق جدران قلبه، فتسارعت أنفاسه للحظات قطعتها حين أدارت عينيها للجهة الأخرى وكأنها تستنكر نظراته إليها، فتحمحم بخفوت قبل أن يكمل:
"وباين عليكِ إنك بنت ناس. ليه تعملي في نفسك كده؟ ليه تقبلي حاجة زي دي وتقللي من نفسك تحت مُسمى الحب."
أيدته بلهجة قاسية:
"عندك حق.. أنا فعلًا قللت من نفسي. ومش ناوية أعمل كده تاني."
تشابهت ملامحها مع لهجتها في تلك اللحظة، فعلم أنها ما زالت تحت تأثير جراحها، أو هكذا أقنع نفسه، فاطلق الهواء المكبوت في صدره دفعة واحدة، واقترب من مخدعها مرة أخرى، وأقر بهزيمته بنبرة هادئة:
"أنا بعتذر على كل كلمة قولتها ضايقتك. بعتذر على كل حاجة حصلت مني ومن…"
تشنجات عضلاته ونفرت عروق وجهه وهو يتابع من بين أسنانه:
"ومن حازم."
أجابته بجفاء وصرامة:
"اعتذر فيما يخصك، أما اللي بيني وبين حازم ده هيفضل بينا ليوم الدين."
كان يعلم مقدار حزنها وألمها، فبالرغم من جمود ملامحها ولهجتها، إلا أن اهتزاز حدقتيها كان يوحي بطوفان العبرات الذي يختبئ خلف جفونها، لذا تابع بقسوة:
"أقسم لك بالله لو كان عايش كنت هجيب لك حقك منه، ومكنتش هعمل اعتبار لأي شيء، ولا حتى أنه أخويا.. بس أوعدك هجيب لك حقك من الشياطين اللي ساعدوه…"
فاجأته حين أردفت ببساطة:
"بس أنا مش عايزالك تجيبلي حقي من حد."
برقت عيناه للحظات وانكمشت ملامحه بحيرة من حديثها، لتتابع بصوت متحشرج:
"حقي عند ربنا. ولو فكرت آخده هاخده بنفسي. أما أنت عم ابني وبس. ودي حدود العلاقة بينا. أتمنى تكون فهمت قصدي!"
نجحت في غرس سهمها في منتصف الهدف بقوة، وكان الضحية قلبه! فقد استشعر الآن معنى كلماتها حين أخبرته بأنه سيعض أصابعه ندمًا على ما فعله معها، فهو الآن يود لو يطلق على رأسه ألف رصاصة قبل أن يخرج من فمه تلك الكلمات التي ألقته في الجحيم وحرمته الجنة طوال حياته.
أخذ نفسًا طويلًا قبل أن يقول بخشونة:
"مش هلومك على أي حاجة قولتيها دلوقتي لإني عارف إني غلطت! بس إحنا مش هننتهي عند النقطة دي يا جنة."
كانت نظراته تحمل اعتذارات وربما توسلات لم يُفصح اللسان عنها، ولكنها لم تفلح في هدم ذلك الجدار الفولاذي التي أحكمت بناءه حول نفسها، فتابع بنبرة متحشرجة:
"حتى لو الطريق كان طويل وصعب، بس أكيد له نهاية. وأنا عمري ما هستسلم أبداً."
بعينين جامدتين ورأس مرفوع بعنفوان تجلى في نبرتها حين قالت:
"الكلام ده لو أنا قبلت أمشي معاك في نفس الطريق.. طريقنا مش واحد. لحد هنا وكفاية."
اقتصت من كبريائه القدر الذي مكنها من لملمة أشلاء كرامتها التي مزقتها اتهاماته المروعة، فها هي الآن ولأول مرة منذ وقت طويل مرفوعة الرأس بكبرياء كامل لا ينقصه شيء ولا يشوبه شائبة، وتستطيع مواجهته ومواجهة الجميع.
***
خيم الذهول والصمت على الجميع حين ألقت فرح قنبلتها الموقوتة التي كان لآثارها أعراض هائلة حجبتها الصدمة التي قطعتها شهقة قوية من جوف تلك التي كانت تقف خلفهم ترى وتسمع ما يحدث بذهول تحول إلى ألم ممزوج بالغضب حين تذكرت ما حدث قبل قليل.
عودة لما قبل نصف ساعة من الآن.
كانت تتجول بالحديقة بخطى مثقلة بالهموم التي تمتزج بنيران الغضب والذنب معًا، تخشى مواجهة الأختين وتملك من الكبرياء القدر الكافي الذي يمنعها من الاعتذار، وأيضًا هناك جرح دامٍ في منتصف قلبها لا يزال ينزف منذ أن رأته معها.
حتى تلك اللحظة لم تكن تدرك ماهية مشاعرها نحوه ومقدار عمقها، والذي هو نفس مقدار ألمها الآن، فبكل أسف هي قد وقعت بالمحظور. وعشقت هذا الرجل.
ما أن مر طيفه على بالها حتى غاب العقل لثوانٍ للحد الذي جعلها تتوهّم حين رأته يقف أمامها في طريقه لباب القصر الداخلي. فبعد أن حاول الاتصال بفرح طوال الأيام المنصرمة وكان هاتفها مغلقًا، لم يستطع الانتظار أكثر وأخذ قراره بأن يأتي بنفسه للاطمئنان عليهم ووضع الأمور في نصابها الصحيح.
وما أن وصل إلى قصرهم وهو في طريقه إلى الباب الداخلي، شاهد حوريته الصغيرة تتجول بخطى مبعثرة في الحديقة، فقاده قلبه إليها قائلًا بلهجة يشوبها اللهفة:
"حلا."
كانت تناظره بصدمة سرعان ما تحولت لغضب تجلى في نبرتها حين تحدثت برسمية أدهشته:
"أهلًا يا دكتور ياسين."
تجاوز عن رسميتها وملامحها المتجهمة، فقد غلب شوقه لها كل شيء، فقال بعتب:
"مجتيش الجامعة ليه؟ أنا عرفت إنك فكيتي الجبس من كام يوم؟"
كانت لهفة نبرته لها وقع خاص على قلبها الذي تألم حين سمعت كلماته، فمن المؤكد أنه عرف من تلك الفتاة أنها تخلصت من الجبيرة، لذا تحدثت بمرارة:
"ومجتش ليه عشان أشوفك؟"
كادت تنفجر بوجهه وهي تخبره بأنه أول شخص توجهت إليه من فرط شوقها، ولكنها تفاجئت برؤيته مع أخرى، ولكنها كانت ذات كبرياء قاتل جعلها تقول باختصار:
"محبتش أشغلك. وبعدين مفضتش، كنت مواعدة أصحابي نخرج سوا…"
نجحت في إثارة غضبه جراء حديثها، ولكنه تجاهل ذلك قالبًا شفتيه بسخرية قائلًا بنبرة عادية:
"آه أصحابك.. تمام، حمد لله على سلامتك."
غمغمت باختصار:
"شكرًا."
باغتها حين قال بفظاظة:
"فرح جوه؟"
شهقت لصراحته الفجة وسؤاله المباشر عنها دون اعتبار لأي شيء، فصاحت غاضبة:
"انت كمان ليك عين تيجي تسأل عليها هنا؟?"
ياسين ببساطة:
"وإيه المشكلة؟?"
جزت على أسنانها بغل تجلى في نبرتها حين قالت:
"والله أنا مشفتش بجاحة في حياتي كدا. مش كفاية سامحتها معاك بره، لأ وكمان جايباك هنا وراها…"
قاطعها هادرًا بعنف:
"عندك.. خلي بالك من كلامك. اعرفي بتقولي إيه وبتتكلمي عن مين. الغلط عندي مش مسموح بيه…"
تلظت بآلام قاتلة لم تختبرها مسبقًا، فصاحت باستهجان:
"غلط.. الغلط مش عندي يا دكتور يا محترم. الغلط من عندك انت وحبيبة القلب…"
رفع إحدى حاجبيه وقال باستنكار:
"حبيبة القلب…"
هدرت بغضب ودموع أثقلت جفونها:
"أيوه حبيبة القلب اللي عمال تلف بيها في الجامعة ومش عامل حساب لشكلِك قدام تلاميذك، لأ وكمان جاي تسأل عنها هنا."
فطن إلى ما ترمي إليه، ولكنه كان غاضبًا من لهجتها وأراد الحد من تهورها قليلًا، لذا قال باستفهام ماكر:
"أنا ليه حاسس إن الموضوع ده مزعلك أوي؟!"
رفعت رأسها بشموخ يوازي لهجتها حين حاولت أن تنأى بكبريائها عن مرمى كلماته:
"بنت الوزان متخلقش اللي يزعلها…"
تابع حرب الأعصاب التي شنها عليها قائلًا بتسلية:
"وبنت الوزان مشافتش نفسها في المراية وهي بتتكلم! أعتقد لو شوفتي نفسك دلوقتي هتعرفي أنا أقصد إيه!"
تعاظم الغضب بداخلها، فزمت شفتيها بحنق تكبت بجوفها طوفان السباب الذي تود إغراقه به، فتابع هو بلهجة مغايرة لهدوئه منذ ثوانٍ:
"فرح فين؟"
"مع أختها بتولد في المستشفى."
ألقت بكلماتها في وجهه قبل أن تفر هاربة حتى لا تجعله يرى عبراتها التي أغرقت وجهها، وما آلمها أكثر حين وجدته يهرول إلى سيارته، فعلمت بأنه حتمًا سيتوجه إلى المشفي، ولم تستطع منع نفسها من أن تتبعه.
عودة للوقت الحالي.
وقعت تلك الحقيقة على مسامعهم وقوع الصاعقة، والتي كان أول من تخطاها هو سالم الذي كان فريسة للحظات بين غيرة عمياء لصلتها بهذا الرجل، وبين حقيقة تلك الصلة التي لم يستطع تقبلها، فزأر بقوة:
"عايز توضيح فورًا للي سمعته."
كانت نظراته موجهة إليها في محاولة منه لتهميش ذلك المارد الذي كان يملك من الدهاء ما يجعله يفطن لما يحدث، لذا ما أن حاولت فرح الحديث، حتى امتدت يديه تتلمس مرفقها بلطف وهو يقول بنبرة صلبة كملامحه:
"عنك يا فرح.. توضيح سالم بيه عندي أنا…"
نجح في فرض نفسه وبقوة أمام سالم الذي انتفخت أوداجه غضبًا من تلك اللمسة العابرة التي كانت لها وقع الجمر على قلبه المشتعل بنيران عشق أهوج وغيرة قاتلة، ولم يفته أيضًا ذلك التحدي الذي يقطر من لهجته، فأعلن الوحش عن هياجه الذي حاول كبته بصعوبة حين قال بفظاظة:
"هات اللي عندك…"
تجاهل ياسين فظاظته ونظراته، وارتدى قناع الجمود الذي غلف نبرته حين قال باختصار:
"عمي محمود والد فرح وجنة كان عايش معانا في الصعيد لما كانوا البنات صغيرين وحصل شوية مشاكل بينه وبين جدي وسافر وساب البلد وعاش بعيد عننا، وللأسف مات قبل ما يتصالح مع جدي، ومن وقت موته وأنا بدور على فرح وجنة، والحمد لله لقيتهم."
كان يتعمد اختصار حديثه ليستفز ذلك الوحش الذي يحاول بشتى الطرق إخماد غضبه الذي تجلى في عروقه النافرة وعينيه الداكنة والتي تحوي رغبة قوية في لكم هذا الرجل ومحو تلك الابتسامة البسيطة المرتسمة على فمه، الذي لم يعطه كل ما يريده، ولكنه نجح كعادته في السيطرة على ما يعتمل بداخله قائلًا بسخرية يشوبها الكثير من الجفاء:
"بالبساطة دي؟!"
ياسين باختصار:
"بالظبط.. ولو مش مصدقني أعتقد إنك تقدر تتأكد من كلامي. وإيه يا سالم بيه؟ معقول يكون السيط ده كله فنكوش؟!"
كانت جملته الأخيرة كعود ثقاب على أرض مشبعة بالوقود، لم يكن ينقصها سوى شرارة واحدة حتى تشتعل بنيران لن ينجو من بطشها أحد، ولكن جاء تدخلها السريع في اللحظة القاتلة حين شاهدت تغير ملامح سالم إلى أخرى مرعبة، فهبت قائلة:
"اكيد طبعًا سالم بيه يقدر يعرف في دقايق حقيقة الموضوع. وبعدين إحنا أكيد مش هنكذب عليه…"
كانت بعينيها نظرات ضائعة مرتبكة، لا يعلم ما بها، لأول مرة يقف عاجزًا هكذا أمامها، نفذ صبره الذي ظن أنه ليس له آخر، ولكنها استنفذت كل ذرة جلد لديه، فود لو يهزها بعنف ملقيًا كل تلك الأقنعة التي أجبرته على ارتدائها حتى يستطيع التعامل معها، وبالنهاية لم تفلح أيضًا، ولأنها كانت بداخلها تتضرع إلى ربها حتى يمر هذا الأمر بهدوء، فقد أتاها صوت مروان المنقذ والذي شعر بتلبد الأجواء حولهم حين قال ساخرًا:
"ياخي شوف القدر وترتيبه. يعني عمال تدور عليهم ليك سنين وجاي تلاقيهم دلوقتي، والله البنات دول مرزقين…"
زجرته أمينة بنظراتها قبل أن تقول بوقار:
"إحنا اتشرفنا بيك يا دكتور ياسين. وكونك تبقى خال حفيدي ده شيء طبعًا يفرحنا."
تحدث ياسين بلطف:
"ده من ذوقك يا حاجة…"
لم تتمهل حتى يعاد تدوير الحديث مرة أخرى، بل سارعت بالقول:
"بقولك يا ياسين ما تيجي تسلم على جنة، هي فاقت."
"ياريت. وأهو بالمرة نكسب وقت."
لامست كلماته أوتار غضبه، فقال باستنكار:
"يعني إيه تكسب وقت؟ مفهمتش!"
ياسين بتوضيح:
"يعني يا سالم بيه حضرتك أكتر واحد تعرف الأصول، والأصول بتقول إن مينفعش بناتنا تقعد عند ناس غرب أكتر من كده."
كان الأمر برمته كارثيًا منذ أن وطأت أقدامه المشفي والإعلان عن هويته إلى تلك الحقائق الصادمة، ولكن كانت نيته في انتزاعها منه أشبه بانتزاع قلبه من مكانه، لذا تجاهل كل شيء واقترب منه قائلًا بزئير أفزعهم جميعًا:
"اسمعني كويس عشان شكلك متعرفنيش. محدش هيمشي ولا هيروح في أي مكان. ولحد ما أتأكد من الأفلام الهندي دي مشوفش وشك قدامي."
نجح بجدارة في إغضاب خصمه، والذي ناطحه بقوة قائلًا:
"خلي بالك من كلامك."
زمجر سالم مقاطعًا:
"أنا عارف كويس بقول إيه، واللي بقوله هو اللي هيمشي، وخلي بالك حتى لو كلامكوا طلع صح، ابن الوزان هيتربى وسط أهله. ده شيء مفروغ منه."
تحدث ياسين بلهجة لا تقل عنه جفاء:
"ابنكوا محدش يقدر يمنعه عنكوا، زي ما أنت متقدرش تمنع بناتنا يرجعوا لأهلهم. لو ليك فاأنت عليك. والوضع هنا ميسمحش بالكلام، وأعتقد إنك فاهم قصدي كويس."
لم يخلق من يقف أمامه، أو هكذا ظن، لذا احتدت لهجته وقال بتهديد مبطن:
"وعشان فاهم قصدك بقولك محدش هيروح في أي مكان. هيفضلوا معانا وتحت عنينا. ولو أنت مش فاهم فدي مشكلتك."
صدق حدسه، فقد ظن أن هناك شيء من البداية في نظراته لفرح لم يريحه، لذا تابع بدهاء:
"بالرغم من إن كلامك مرفوض بالنسبالي، بس لو هنتكلم عن جنة وابن أخوك، فهلتمس لك العذر. أما فرح متجمعهاش معاهم، ملهاش مكان وسطكوا، مكانها وسط عيلتها."
نجح في نصب المكيدة للوحش، ولم يحسب حساب لضراوته في الحصول على مبتغاه، فخرج زئير سالم مع اقترابه خطوتين ليبقي على بعد عدة سنتيمترات من ياسين، الذي لم تتحرك بداخله خلية واحدة، على الرغم من تفاجئه بسالم الذي هدر بعنف:
"فرح تخصنا زي ما جنة تخصنا بالظبط."
ياسين بقوة:
"وضح كلامك. عشان معناه مش مفهوم بالنسبالي."
سالم مغلولًا:
"فرح خطيبتي!"
انكمشت ملامحه بغضب، ولم يجبه، إنما نظر إلى تلك التي كانت تتابع ما يحدث بقلب مرعب، ولأول مرة بحياتها شعرت بالضعف للحد الذي جعلها تريد الهروب من المكان بأكمله، ف نظرات هذان الوحشان مرعبة بحق، وكل منهما ينتظر أن تنحاز له، وهي تخشى النتائج، فكانت تتضرع داخليًا إلى ربها أن ينقذها، ولكن زاد الطين بلة حين قال سالم بلهجة يشوبها السخرية:
"تقدر تسألها لو مش مصدق!"
كانت تريد لكمه بقوة، ولكنها تسمرت بمكانها حين هدر ياسين بعنف:
"حتى لو أكدت على كلامك، فالموضوع ده غير مقبول. اللي عايز واحدة يروح يطلبها من أهلها وناسها، وأديك عرفتهم دلوقتي، والأصول متزعلش، ولا إيه يا حاجة؟!"
كان الوضع متأزمًا للغاية، فقد تعاظم الغضب بداخله، وخاصة حين وجدها صامتة، هذا يعني أنها توافق على حديث ذلك الرجل الذي يود لو يحطم رأسه في تلك اللحظة، وتكورت قبضته حتى ابيضت عروق يده، وكأنه يتأهب لأول مرة في استعمال العنف حتى ينتصر في إحدى معاركه، ولكن تفاجئ بوالدته التي تدخلت قائلة بوقار:
"انت شايف الوضع يسمح باللي انت بتقوله ده يا دكتور؟ بدل ما تدخل تطمن على بنت عمك اللي راقدة جوه دي وحالتها متسرش."
تبدلت معالمه للقلق من حديثها، وقال باهتمام:
"مالها جنة؟ حصل إيه؟"
"وانت مالك بجنة؟?"
لم يكد يتلقى إجابة حتى باغته سؤال خشن مصدره سليم المتجهم الوجه، مفطور القلب والروح، والذي تفاجأ بوجود ياسين وسؤاله عن معذبة قلبه، فكان أول من تحدث مروان الذي تمتم ساخرًا:
"كملت. كانت ناقصاك تيجي تنطحلك نطحتين إنت كمان."
تحدثت أمينة بنبرة يشوبها التعب:
"دكتور ياسين يبقى ابن عم جنة وفرح."
تبدلت معالمه إلى صدمة واستنكار، فصاح مروان قائلًا بتهكم:
"لا مفيش وقت للاندهاش، مش هنعيد الليلة دي كلها من تاني."
تحدثت فرح بنفاذ صبر فقد بلغ منها التعب ذروته:
"ياسين يالا ندخل لجنه نطمن عليها."
قطع ياسين حرب النظرات المتبادلة بينها وبين الأخوين وتقدم قائلًا باختصار:
"اتفضلي."
حانت منها نظرة خاطفة لسالم، الذي كانت عروقه النافرة وملامحه الواجمة خير دليل على غضبه الكبير، والذي كان يخيفها، على الرغم من أنها لم تخطئ بشيء، أو لنقل أنها حاولت إقناع نفسها بذلك، ولكنها كانت تعلم في قرارة نفسها أنها على وشك خوض معارك دامية أمامه، فكل شيء تغير كليًا.
***
في الداخل كانت تحارب عبراتها التي كانت كالأنهر لا تنضب أبدًا مهما ذرفتها، بل تتجدد كما تتجدد جراحها التي فقدت الإيمان بأنها سوف تلتئم ذات يوم، فقد كرهت كل شيء يحيط بها حتى نفسها وغباءها وقلبها الغض الذي كان يتحمل الكثير والكثير لأجل إخفاء أمر ذلك الكاذب والمخادع الذي ظنت بأنه إنسان، وبالرغم من كل شيء كانت على وشك مسامحته، فقد أقسمت داخليًا بأنها لن تحمل ضغينة لأي أحد، وخاصة هو، من أجل طفلها الذي، وبالرغم من أنها لم تكن تتردد ثانية في أن تضحي بنفسها لإنقاذه، ولكنها الآن تخشى رؤيته، لا رغبة لديها في أن تراه، تشعر بأنها حطام امرأة لا تهوى أي شيء في هذه الحياة.
يد قوية تقبض على قلبها تعصره مخلفة آلامًا تغلبت على آلام جسدها، فاحتضنت نفسها بقوة وهي تنظر إلى الأعلى وتقول بنبرة تقطر وجعًا:
"يااارب.. ماليش غيرك.. خفف عني وجعي مبقتش قادرة أتحمله…"
تخبطت السحب بعينيها فأمطرت ألمًا حفر وديان الوجع فوق خديها، تزامناً من دخول فرح يليها ياسين، الذي ما أن رأى مظهرها حتى اختلج قلبه بشعور قوي تجاه تلك الطفلة البريئة ذات الأعين السوداء التي كان يحملها ويداعبها، وكانت ضحكاتها تملئ بيتهم الكبير الذي اتشح بالسواد منذ رحيلهم، والآن تبدلت إلى شابة أهلكها الوجع وأطفأ وجه ابتسامتها، فصارت باهتة لا حياة بها ولا روح.
تألم بشدة ولعن بداخله كل تلك العاهات والتقاليد التي فرقتهم عن بعضهم البعض لتطالهم يد القدر بتلك القسوة.
"جنة…"
كان هذا صوت فرح الحاني الذي لامس قلب جنة، التي فتحت عينيها المشوشة بعبرات الوجع، فاقتربت فرح منها تحتضن وجهها بكفيها وتكفكف عبراتها قائلة بحنان:
"فتحي عينيكِ واحمدي ربنا على كل اللي يجيبه. ربنا دايماً له حكمة في كل حاجة بتحصلنا."
"الحمد لله على كل حاجة."
كانت منخرطة في بئر أوجاعها، فلم تلحظ ذلك الذي كان يتابع ما يحدث بقلب مفتوح وملامح متجهمة، ولم يستطع تحمل المزيد، فتحمحم بخفوت قبل أن يقول بنبرة قوية:
"حمد لله على سلامتك يا جنة…"
تنبهت لوجوده، فالتفتت تناظره بصدمة، وتفرقت عيناها بينه وبين شقيقتها، التي قالت بلهجة هادئة:
"في موضوع مهم لازم تعرفيه. بس اوعديني إنك تفضلي هادية وأوعي تخافي من أي حاجة في الدنيا وإحنا جنبك…"
خربشت كلماتها فضولها للحد الذي جعلها تقول بلهفة:
"إحنا.. تقصدي إنتِ ومين؟"
تشجعت وألقت قنبلتها قائلة:
"أنا وياسين. ياسين يبقى ابن عمو وفيق. يبقى ابن عمنا يا جنة…"
***
في الخارج كان الموقف على صفيح ساخن، خاصة بعد أن علم سالم هوية ياسين ونيته، فهب صارخًا بغضب:
"ده بيحلم.. لو فكر يقرب منها خطوة واحدة هدَفنه مكانه."
تحدث سالم الذي قال بفظاظة:
"أنا هفوقه على كابوس يليق بيه."
تدخلت أمينة التي قالت بنبرة حادة كالسيف:
"اسمعني إنت وهو كلمة واحدة، مش هتنيها ابن ابني مش هيبعد عن حضني لحظة واحدة. اللي فيكوا غلطان يصلح غلطه قبل فوات الأوان. وتحرموا عليا إنتوا الاتنين ليوم الدين."
تفاجأ الجميع من حديثها ونبرتها الغاضبة، فتحدث مروان الذي كان يلاحظ حالتها التي تحاول إخفاءها عن الجميع:
"اهدي يا مرات عمي. إن شاء الله مفيش حاجة من دي هتحصل…"
"مروان تعالي ورايا عشان عايزك."
هكذا تحدث سالم بجفاء، فتبعه مروان دون حديث، تزامناً مع مجيء الطبيب الذي هرول إليه سليم قائلاً بلهفة:
"نتيجة تحليل الورم ظهرت يا دكتور؟"
الطبيب بعملية:
"لسه ظاهرة من شوية. للأسف الورم طلع.. و خبيث، بس الحمد لله إحنا قدرنا نكتشفه في وقت بدري أوي بسبب الولادة، وإلا كان هيبقى فيه خطورة كبيرة إنها تشيل الرحم."
استقرت كلمات الطبيب في منتصف قلبه الذي جفت أوردته للحظة من فرط الصدمة، ولم يستطع الحديث، فتدخلت حلا التي لسبب تجهله تساقطت عبراتها وهي تتحدث مع الطبيب:
"يعني يا دكتور فهمنا هي إيه وضعها دلوقتي. حضرتك لخبطتنا."
"هشرحلك. إحنا دلوقتي استأصلنا الورم، بس لازم هتخضع لفحوصات عشان نتأكد إذا كانت هتحتاج كيماوي أو لا."
تدخلت أمينة بنبرة مرتعبه:
"يعني يا دكتور هي كده. ممكن تخلف تاني ولا؟"
الطبيب بعملية:
"طبعًا الموضوع ده مستبعد جدًا في الوقت الحالي. بس مفيش حاجة بعيدة عن ربنا."
ألقى بقنبلته تزامناً مع خروج فرح وياسين من الغرفة، فتفرق الوجع بين الجميع كالفيروس القاتل الذي أدمى قلوبهم جميعًا على تلك الفتاة التي تمتلك أسوأ حظ في هذا العالم من وجهة نظرهم، ولأن لكل شخص طريقته في التعبير عن ألمه وقدرته في التحمل، خارت قوى أمينة التي سقطت مغشية عليها، فتلقفتها يد سليم بلهفة وهو يصرخ برعب:
"أمي…"
بعد مرور أسبوع، استقرت أوضاع الجميع، ولأول مرة يتفقون على شيء ما، وهو ضرورة عدم إخبار جنة بحالتها حتى يتأكدوا من الأمر، فلا طاقة لها باحتمال خبر كهذا، خاصة وأنها تعاني من حالة انعدام الرغبة في كل شيء، حتى أنها لم تطلب أبدًا أن ترى طفلها.
على عكس أمينة التي لم تستقر حالة قلبها سوى عندما علمت بأن حفيدها أصبح بصحة جيدة وسيغادر غرفة العناية بالأطفال اليوم، وقد قرروا الذهاب لتسميته، ولسوء حظها أو لحسن حظها لا نعلم؟ فقد كان هو من أتى معها حتى يقدم الأوراق الرسمية ويقوم بكتابة الطفل، وقد كانت تحمل همًا بحجم الجبال عن أسئلة ستواجهها ولا تملك لها أي إجابات في الوقت الحالي، فأخذت تضم الطفل إليها بحنان تشم رائحته علها تشتت تفكيرها الذي كان ينهش بعقلها، ولكنها كالعادة تخلف ظنونها، فقد التزم الصمت طوال الطريق، ولدهشتها فقد أغضبها هذا التجاهل المريع، ولكنها تابعت الصمت إلى حين وصلوا إلى وجهتهم، ولم يقطع صمته سوى سؤاله المقتضب:
"جنة قررت تسمي الولد إيه؟"
كان يناظرها شزرًا، وقد أغضبها ذلك للحد الذي جعلها تود أن تنفجر في وجهه لتخبره أن يذهب إلى الجحيم، ولكنها تراجعت في آخر لحظة، وقد قررت اللعب على طريقتها، فقالت بمكر يغلفه الهدوء وشددت على كل كلمة تفوهت بها:
"ياسين.. جنة قررت تسمي البيبي ياسين…"
رواية بين غياهب الاقدار "في قبضةالاقدار الجزء الثاني" الفصل الثالث 3 - بقلم نورهان العشري
"جنة .. صاحيه؟"
التفتت لتجد مروان الذي كان يناظرها بحنان.
"صاحية."
اقترب جاذبا مقعده قائلاً بلوم: "كملي. قولي صاحية ومش عايزة أشوف وش حد منكوا."
واصلت جفاءها قائلة باختصار: "مش فارق كتير."
جلس بمقعده وهو يقول بهدوء: "أول مرة هتكلم معاكِ في الموضوع ده بس حقيقي، وبغض النظر عن كل حاجة، أنا فخور إن لسه فيه ناس زيك في الدنيا دي."
انكمشت ملامحها بألم تحول إلى سخرية مريرة تجلت في نبرتها حين قالت: "فخور بيا؟ وياترى فخور إني طلعت هبلة وغبية زي ما ياسين بيقول، ولا إني طلعت واحدة رخيصة وفرطت في نفسي زي ما ابن عمك بيقول؟"
كانت كلماتها تقطر ألماً يغلفه سخرية مريرة.
تنهد مروان قبل أن يقول بصدق تجلى في عينيه: "لا، فخور بيكِ عشان لسه فيه ناس قلبها أبيض زيك. لو أنتِ وحشة مكنتش هتخيل عليكِ تمثيلية حازم. أنتِ جوهرة وقعت في إيد واحد جاهل فكرها إزاز."
كلماته كانت تتردد بصدرها الخافق بعنف.
"المفروض أفرح بالبوقين دول يعني؟" هكذا تحدثت ساخرة.
تجاهل سخريتها مؤكداً على كل حرف يتفوه به: "عارفة يا جنة، أنا طول عمري لوحدي. بالرغم من إن ليا أصحاب كتير، وبالرغم من إني كنت صاحب قريب لناس كتير أوي، بس ولا حد كان قريب ليا. ولا حد حسيت إني ممكن أحكيله وأعرّي قلبي ومشاعر قدامه. حاجات كتير كانت بتوجعني وتعذبني، وكنت أضحك وأهزر عادي لدرجة إن كل اللي حواليا يقولولي يا بختك، مفيش حاجة مضايقاك. حياتك زي الفل. وأنا أصلاً معنديش حياة."
سحب نفساً قوياً بداخله قبل أن يقول بابتسامة مرة: "عارفة أنا متشعبط في ريتال العيلة الصغيرة دي ليه؟ عشان الوحيدة اللي لسه بريئة وقلبها نضيف في كل اللي حواليا. وعارفة كمان أنا قربت منك بسرعة كده ليه؟ عشان أنتِ الوحيدة اللي حسيتك زيها. أرجوكي أوعي تغيري طبيعتك النقية دي عشان حد أو عشان حاجة. ربنا هيديكِ على قد طيبة قلبك وعلى قد كل اللي اتحملتيه."
تجمعت سحبها فأمطرت وجعاً تدحرج بقوة على وجنتيها جراء كلماته.
"أنا عارف إن اللي مريتِ بيه مكنش سهل، بس صدقيني ربنا له حكمة في كل حاجة بتحصلنا. والابتلاء معناه إن ربنا بيحبك."
همست من بين عبراتها: "ونعم بالله."
ابتسم قبل أن يقول بهمس: "ربنا الوحيد اللي شايف قلوبنا من جواها وهيديها اللي تستحقه، ودي من أكتر مظاهر العدل في الدنيا."
أومأت برأسها دون أن يكن لها القدرة على الحديث.
"المفروض أفرح بالبوقين دول يعني؟"
تجاهل سخريتها مؤكداً على كل حرف يتفوه به.
"عارفة يا جنة، أنا طول عمري لوحدي. بالرغم من إن ليا أصحاب كتير، وبالرغم من إني كنت صاحب قريب لناس كتير أوي، بس ولا حد كان قريب ليا. ولا حد حسيت إني ممكن أحكيله وأعرّي قلبي ومشاعر قدامه. حاجات كتير كانت بتوجعني وتعذبني، وكنت أضحك وأهزر عادي لدرجة إن كل اللي حواليا يقولولي يا بختك، مفيش حاجة مضايقاك. حياتك زي الفل. وأنا أصلاً معنديش حياة."
سحب نفساً قوياً بداخله قبل أن يقول بابتسامة مرة: "عارفة أنا متشعبط في ريتال العيلة الصغيرة دي ليه؟ عشان الوحيدة اللي لسه بريئة وقلبها نضيف في كل اللي حواليا. وعارفة كمان أنا قربت منك بسرعة كده ليه؟ عشان أنتِ الوحيدة اللي حسيتك زيها. أرجوكي أوعي تغيري طبيعتك النقية دي عشان حد أو عشان حاجة. ربنا هيديكِ على قد طيبة قلبك وعلى قد كل اللي اتحملتيه."
تجمعت سحبها فأمطرت وجعاً تدحرج بقوة على وجنتيها جراء كلماته.
"أنا عارف إن اللي مريتِ بيه مكنش سهل، بس صدقيني ربنا له حكمة في كل حاجة بتحصلنا. والابتلاء معناه إن ربنا بيحبك."
همست من بين عبراتها: "ونعم بالله."
ابتسم قبل أن يقول بهمس: "ربنا الوحيد اللي شايف قلوبنا من جواها وهيديها اللي تستحقه، ودي من أكتر مظاهر العدل في الدنيا."
أومأت برأسها دون أن يكن لها القدرة على الحديث.
"المفروض أفرح بالبوقين دول يعني؟"
تجاهل سخريتها مؤكداً على كل حرف يتفوه به.
"عارفة يا جنة، أنا طول عمري لوحدي. بالرغم من إن ليا أصحاب كتير، وبالرغم من إني كنت صاحب قريب لناس كتير أوي، بس ولا حد كان قريب ليا. ولا حد حسيت إني ممكن أحكيله وأعرّي قلبي ومشاعر قدامه. حاجات كتير كانت بتوجعني وتعذبني، وكنت أضحك وأهزر عادي لدرجة إن كل اللي حواليا يقولولي يا بختك، مفيش حاجة مضايقاك. حياتك زي الفل. وأنا أصلاً معنديش حياة."
سحب نفساً قوياً بداخله قبل أن يقول بابتسامة مرة: "عارفة أنا متشعبط في ريتال العيلة الصغيرة دي ليه؟ عشان الوحيدة اللي لسه بريئة وقلبها نضيف في كل اللي حواليا. وعارفة كمان أنا قربت منك بسرعة كده ليه؟ عشان أنتِ الوحيدة اللي حسيتك زيها. أرجوكي أوعي تغيري طبيعتك النقية دي عشان حد أو عشان حاجة. ربنا هيديكِ على قد طيبة قلبك وعلى قد كل اللي اتحملتيه."
تجمعت سحبها فأمطرت وجعاً تدحرج بقوة على وجنتيها جراء كلماته.
"أنا عارف إن اللي مريتِ بيه مكنش سهل، بس صدقيني ربنا له حكمة في كل حاجة بتحصلنا. والابتلاء معناه إن ربنا بيحبك."
همست من بين عبراتها: "ونعم بالله."
ابتسم قبل أن يقول بهمس: "ربنا الوحيد اللي شايف قلوبنا من جواها وهيديها اللي تستحقه، ودي من أكتر مظاهر العدل في الدنيا."
أومأت برأسها دون أن يكن لها القدرة على الحديث.
"المفروض أفرح بالبوقين دول يعني؟"
تجاهل سخريتها مؤكداً على كل حرف يتفوه به.
"عارفة يا جنة، أنا طول عمري لوحدي. بالرغم من إن ليا أصحاب كتير، وبالرغم من إني كنت صاحب قريب لناس كتير أوي، بس ولا حد كان قريب ليا. ولا حد حسيت إني ممكن أحكيله وأعرّي قلبي ومشاعر قدامه. حاجات كتير كانت بتوجعني وتعذبني، وكنت أضحك وأهزر عادي لدرجة إن كل اللي حواليا يقولولي يا بختك، مفيش حاجة مضايقاك. حياتك زي الفل. وأنا أصلاً معنديش حياة."
سحب نفساً قوياً بداخله قبل أن يقول بابتسامة مرة: "عارفة أنا متشعبط في ريتال العيلة الصغيرة دي ليه؟ عشان الوحيدة اللي لسه بريئة وقلبها نضيف في كل اللي حواليا. وعارفة كمان أنا قربت منك بسرعة كده ليه؟ عشان أنتِ الوحيدة اللي حسيتك زيها. أرجوكي أوعي تغيري طبيعتك النقية دي عشان حد أو عشان حاجة. ربنا هيديكِ على قد طيبة قلبك وعلى قد كل اللي اتحملتيه."
تجمعت سحبها فأمطرت وجعاً تدحرج بقوة على وجنتيها جراء كلماته.
"أنا عارف إن اللي مريتِ بيه مكنش سهل، بس صدقيني ربنا له حكمة في كل حاجة بتحصلنا. والابتلاء معناه إن ربنا بيحبك."
همست من بين عبراتها: "ونعم بالله."
ابتسم قبل أن يقول بهمس: "ربنا الوحيد اللي شايف قلوبنا من جواها وهيديها اللي تستحقه، ودي من أكتر مظاهر العدل في الدنيا."
أومأت برأسها دون أن يكن لها القدرة على الحديث.
"المفروض أفرح بالبوقين دول يعني؟"
تجاهل سخريتها مؤكداً على كل حرف يتفوه به.
"عارفة يا جنة، أنا طول عمري لوحدي. بالرغم من إن ليا أصحاب كتير، وبالرغم من إني كنت صاحب قريب لناس كتير أوي، بس ولا حد كان قريب ليا. ولا حد حسيت إني ممكن أحكيله وأعرّي قلبي ومشاعر قدامه. حاجات كتير كانت بتوجعني وتعذبني، وكنت أضحك وأهزر عادي لدرجة إن كل اللي حواليا يقولولي يا بختك، مفيش حاجة مضايقاك. حياتك زي الفل. وأنا أصلاً معنديش حياة."
سحب نفساً قوياً بداخله قبل أن يقول بابتسامة مرة: "عارفة أنا متشعبط في ريتال العيلة الصغيرة دي ليه؟ عشان الوحيدة اللي لسه بريئة وقلبها نضيف في كل اللي حواليا. وعارفة كمان أنا قربت منك بسرعة كده ليه؟ عشان أنتِ الوحيدة اللي حسيتك زيها. أرجوكي أوعي تغيري طبيعتك النقية دي عشان حد أو عشان حاجة. ربنا هيديكِ على قد طيبة قلبك وعلى قد كل اللي اتحملتيه."
تجمعت سحبها فأمطرت وجعاً تدحرج بقوة على وجنتيها جراء كلماته.
"أنا عارف إن اللي مريتِ بيه مكنش سهل، بس صدقيني ربنا له حكمة في كل حاجة بتحصلنا. والابتلاء معناه إن ربنا بيحبك."
همست من بين عبراتها: "ونعم بالله."
ابتسم قبل أن يقول بهمس: "ربنا الوحيد اللي شايف قلوبنا من جواها وهيديها اللي تستحقه، ودي من أكتر مظاهر العدل في الدنيا."
أومأت برأسها دون أن يكن لها القدرة على الحديث.
"المفروض أفرح بالبوقين دول يعني؟"
تجاهل سخريتها مؤكداً على كل حرف يتفوه به.
"عارفة يا جنة، أنا طول عمري لوحدي. بالرغم من إن ليا أصحاب كتير، وبالرغم من إني كنت صاحب قريب لناس كتير أوي، بس ولا حد كان قريب ليا. ولا حد حسيت إني ممكن أحكيله وأعرّي قلبي ومشاعر قدامه. حاجات كتير كانت بتوجعني وتعذبني، وكنت أضحك وأهزر عادي لدرجة إن كل اللي حواليا يقولولي يا بختك، مفيش حاجة مضايقاك. حياتك زي الفل. وأنا أصلاً معنديش حياة."
سحب نفساً قوياً بداخله قبل أن يقول بابتسامة مرة: "عارفة أنا متشعبط في ريتال العيلة الصغيرة دي ليه؟ عشان الوحيدة اللي لسه بريئة وقلبها نضيف في كل اللي حواليا. وعارفة كمان أنا قربت منك بسرعة كده ليه؟ عشان أنتِ الوحيدة اللي حسيتك زيها. أرجوكي أوعي تغيري طبيعتك النقية دي عشان حد أو عشان حاجة. ربنا هيديكِ على قد طيبة قلبك وعلى قد كل اللي اتحملتيه."
تجمعت سحبها فأمطرت وجعاً تدحرج بقوة على وجنتيها جراء كلماته.
"أنا عارف إن اللي مريتِ بيه مكنش سهل، بس صدقيني ربنا له حكمة في كل حاجة بتحصلنا. والابتلاء معناه إن ربنا بيحبك."
همست من بين عبراتها: "ونعم بالله."
ابتسم قبل أن يقول بهمس: "ربنا الوحيد اللي شايف قلوبنا من جواها وهيديها اللي تستحقه، ودي من أكتر مظاهر العدل في الدنيا."
أومأت برأسها دون أن يكن لها القدرة على الحديث.
"المفروض أفرح بالبوقين دول يعني؟"
تجاهل سخريتها مؤكداً على كل حرف يتفوه به.
"عارفة يا جنة، أنا طول عمري لوحدي. بالرغم من إن ليا أصحاب كتير، وبالرغم من إني كنت صاحب قريب لناس كتير أوي، بس ولا حد كان قريب ليا. ولا حد حسيت إني ممكن أحكيله وأعرّي قلبي ومشاعر قدامه. حاجات كتير كانت بتوجعني وتعذبني، وكنت أضحك وأهزر عادي لدرجة إن كل اللي حواليا يقولولي يا بختك، مفيش حاجة مضايقاك. حياتك زي الفل. وأنا أصلاً معنديش حياة."
سحب نفساً قوياً بداخله قبل أن يقول بابتسامة مرة: "عارفة أنا متشعبط في ريتال العيلة الصغيرة دي ليه؟ عشان الوحيدة اللي لسه بريئة وقلبها نضيف في كل اللي حواليا. وعارفة كمان أنا قربت منك بسرعة كده ليه؟ عشان أنتِ الوحيدة اللي حسيتك زيها. أرجوكي أوعي تغيري طبيعتك النقية دي عشان حد أو عشان حاجة. ربنا هيديكِ على قد طيبة قلبك وعلى قد كل اللي اتحملتيه."
تجمعت سحبها فأمطرت وجعاً تدحرج بقوة على وجنتيها جراء كلماته.
"أنا عارف إن اللي مريتِ بيه مكنش سهل، بس صدقيني ربنا له حكمة في كل حاجة بتحصلنا. والابتلاء معناه إن ربنا بيحبك."
همست من بين عبراتها: "ونعم بالله."
ابتسم قبل أن يقول بهمس: "ربنا الوحيد اللي شايف قلوبنا من جواها وهيديها اللي تستحقه، ودي من أكتر مظاهر العدل في الدنيا."
أومأت برأسها دون أن يكن لها القدرة على الحديث.
"المفروض أفرح بالبوقين دول يعني؟"
تجاهل سخريتها مؤكداً على كل حرف يتفوه به.
"عارفة يا جنة، أنا طول عمري لوحدي. بالرغم من إن ليا أصحاب كتير، وبالرغم من إني كنت صاحب قريب لناس كتير أوي، بس ولا حد كان قريب ليا. ولا حد حسيت إني ممكن أحكيله وأعرّي قلبي ومشاعر قدامه. حاجات كتير كانت بتوجعني وتعذبني، وكنت أضحك وأهزر عادي لدرجة إن كل اللي حواليا يقولولي يا بختك، مفيش حاجة مضايقاك. حياتك زي الفل. وأنا أصلاً معنديش حياة."
سحب نفساً قوياً بداخله قبل أن يقول بابتسامة مرة: "عارفة أنا متشعبط في ريتال العيلة الصغيرة دي ليه؟ عشان الوحيدة اللي لسه بريئة وقلبها نضيف في كل اللي حواليا. وعارفة كمان أنا قربت منك بسرعة كده ليه؟ عشان أنتِ الوحيدة اللي حسيتك زيها. أرجوكي أوعي تغيري طبيعتك النقية دي عشان حد أو عشان حاجة. ربنا هيديكِ على قد طيبة قلبك وعلى قد كل اللي اتحملتيه."
تجمعت سحبها فأمطرت وجعاً تدحرج بقوة على وجنتيها جراء كلماته.
"أنا عارف إن اللي مريتِ بيه مكنش سهل، بس صدقيني ربنا له حكمة في كل حاجة بتحصلنا. والابتلاء معناه إن ربنا بيحبك."
همست من بين عبراتها: "ونعم بالله."
ابتسم قبل أن يقول بهمس: "ربنا الوحيد اللي شايف قلوبنا من جواها وهيديها اللي تستحقه، ودي من أكتر مظاهر العدل في الدنيا."
أومأت برأسها دون أن يكن لها القدرة على الحديث.
"المفروض أفرح بالبوقين دول يعني؟"
تجاهل سخريتها مؤكداً على كل حرف يتفوه به.
"عارفة يا جنة، أنا طول عمري لوحدي. بالرغم من إن ليا أصحاب كتير، وبالرغم من إني كنت صاحب قريب لناس كتير أوي، بس ولا حد كان قريب ليا. ولا حد حسيت إني ممكن أحكيله وأعرّي قلبي ومشاعر قدامه. حاجات كتير كانت بتوجعني وتعذبني، وكنت أضحك وأهزر عادي لدرجة إن كل اللي حواليا يقولولي يا بختك، مفيش حاجة مضايقاك. حياتك زي الفل. وأنا أصلاً معنديش حياة."
سحب نفساً قوياً بداخله قبل أن يقول بابتسامة مرة: "عارفة أنا متشعبط في ريتال العيلة الصغيرة دي ليه؟ عشان الوحيدة اللي لسه بريئة وقلبها نضيف في كل اللي حواليا. وعارفة كمان أنا قربت منك بسرعة كده ليه؟ عشان أنتِ الوحيدة اللي حسيتك زيها. أرجوكي أوعي تغيري طبيعتك النقية دي عشان حد أو عشان حاجة. ربنا هيديكِ على قد طيبة قلبك وعلى قد كل اللي اتحملتيه."
تجمعت سحبها فأمطرت وجعاً تدحرج بقوة على وجنتيها جراء كلماته.
"أنا عارف إن اللي مريتِ بيه مكنش سهل، بس صدقيني ربنا له حكمة في كل حاجة بتحصلنا. والابتلاء معناه إن ربنا بيحبك."
همست من بين عبراتها: "ونعم بالله."
ابتسم قبل أن يقول بهمس: "ربنا الوحيد اللي شايف قلوبنا من جواها وهيديها اللي تستحقه، ودي من أكتر مظاهر العدل في الدنيا."
أومأت برأسها دون أن يكن لها القدرة على الحديث.
"المفروض أفرح بالبوقين دول يعني؟"
تجاهل سخريتها مؤكداً على كل حرف يتفوه به.
"عارفة يا جنة، أنا طول عمري لوحدي. بالرغم من إن ليا أصحاب كتير، وبالرغم من إني كنت صاحب قريب لناس كتير أوي، بس ولا حد كان قريب ليا. ولا حد حسيت إني ممكن أحكيله وأعرّي قلبي ومشاعر قدامه. حاجات كتير كانت بتوجعني وتعذبني، وكنت أضحك وأهزر عادي لدرجة إن كل اللي حواليا يقولولي يا بختك، مفيش حاجة مضايقاك. حياتك زي الفل. وأنا أصلاً معنديش حياة."
سحب نفساً قوياً بداخله قبل أن يقول بابتسامة مرة: "عارفة أنا متشعبط في ريتال العيلة الصغيرة دي ليه؟ عشان الوحيدة اللي لسه بريئة وقلبها نضيف في كل اللي حواليا. وعارفة كمان أنا قربت منك بسرعة كده ليه؟ عشان أنتِ الوحيدة اللي حسيتك زيها. أرجوكي أوعي تغيري طبيعتك النقية دي عشان حد أو عشان حاجة. ربنا هيديكِ على قد طيبة قلبك وعلى قد كل اللي اتحملتيه."
تجمعت سحبها فأمطرت وجعاً تدحرج بقوة على وجنتيها جراء كلماته.
"أنا عارف إن اللي مريتِ بيه مكنش سهل، بس صدقيني ربنا له حكمة في كل حاجة بتحصلنا. والابتلاء معناه إن ربنا بيحبك."
همست من بين عبراتها: "ونعم بالله."
ابتسم قبل أن يقول بهمس: "ربنا الوحيد اللي شايف قلوبنا من جواها وهيديها اللي تستحقه، ودي من أكتر مظاهر العدل في الدنيا."
أومأت برأسها دون أن يكن لها القدرة على الحديث.
"المفروض أفرح بالبوقين دول يعني؟"
تجاهل سخريتها مؤكداً على كل حرف يتفوه به.
"عارفة يا جنة، أنا طول عمري لوحدي. بالرغم من إن ليا أصحاب كتير، وبالرغم من إني كنت صاحب قريب لناس كتير أوي، بس ولا حد كان قريب ليا. ولا حد حسيت إني ممكن أحكيله وأعرّي قلبي ومشاعر قدامه. حاجات كتير كانت بتوجعني وتعذبني، وكنت أضحك وأهزر عادي لدرجة إن كل اللي حواليا يقولولي يا بختك، مفيش حاجة مضايقاك. حياتك زي الفل. وأنا أصلاً معنديش حياة."
سحب نفساً قوياً بداخله قبل أن يقول بابتسامة مرة: "عارفة أنا متشعبط في ريتال العيلة الصغيرة دي ليه؟ عشان الوحيدة اللي لسه بريئة وقلبها نضيف في كل اللي حواليا. وعارفة كمان أنا قربت منك بسرعة كده ليه؟ عشان أنتِ الوحيدة اللي حسيتك زيها. أرجوكي أوعي تغيري طبيعتك النقية دي عشان حد أو عشان حاجة. ربنا هيديكِ على قد طيبة قلبك وعلى قد كل اللي اتحملتيه."
تجمعت سحبها فأمطرت وجعاً تدحرج بقوة على وجنتيها جراء كلماته.
"أنا عارف إن اللي مريتِ بيه مكنش سهل، بس صدقيني ربنا له حكمة في كل حاجة بتحصلنا. والابتلاء معناه إن ربنا بيحبك."
همست من بين عبراتها: "ونعم بالله."
ابتسم قبل أن يقول بهمس: "ربنا الوحيد اللي شايف قلوبنا من جواها وهيديها اللي تستحقه، ودي من أكتر مظاهر العدل في الدنيا."
أومأت برأسها دون أن يكن لها القدرة على الحديث.
"المفروض أفرح بالبوقين دول يعني؟"
تجاهل سخريتها مؤكداً على كل حرف يتفوه به.
"عارفة يا جنة، أنا طول عمري لوحدي. بالرغم من إن ليا أصحاب كتير، وبالرغم من إني كنت صاحب قريب لناس كتير أوي، بس ولا حد كان قريب ليا. ولا حد حسيت إني ممكن أحكيله وأعرّي قلبي ومشاعر قدامه. حاجات كتير كانت بتوجعني وتعذبني، وكنت أضحك وأهزر عادي لدرجة إن كل اللي حواليا يقولولي يا بختك، مفيش حاجة مضايقاك. حياتك زي الفل. وأنا أصلاً معنديش حياة."
سحب نفساً قوياً بداخله قبل أن يقول بابتسامة مرة: "عارفة أنا متشعبط في ريتال العيلة الصغيرة دي ليه؟ عشان الوحيدة اللي لسه بريئة وقلبها نضيف في كل اللي حواليا. وعارفة كمان أنا قربت منك بسرعة كده ليه؟ عشان أنتِ الوحيدة اللي حسيتك زيها. أرجوكي أوعي تغيري طبيعتك النقية دي عشان حد أو عشان حاجة. ربنا هيديكِ على قد طيبة قلبك وعلى قد كل اللي اتحملتيه."
تجمعت سحبها فأمطرت وجعاً تدحرج بقوة على وجنتيها جراء كلماته.
"أنا عارف إن اللي مريتِ بيه مكنش سهل، بس صدقيني ربنا له حكمة في كل حاجة بتحصلنا. والابتلاء معناه إن ربنا بيحبك."
همست من بين عبراتها: "ونعم بالله."
ابتسم قبل أن يقول بهمس: "ربنا الوحيد اللي شايف قلوبنا من جواها وهيديها اللي تستحقه، ودي من أكتر مظاهر العدل في الدنيا."
أومأت برأسها دون أن يكن لها القدرة على الحديث.
"المفروض أفرح بالبوقين دول يعني؟"
تجاهل سخريتها مؤكداً على كل حرف يتفوه به.
"عارفة يا جنة، أنا طول عمري لوحدي. بالرغم من إن ليا أصحاب كتير، وبالرغم من إني كنت صاحب قريب لناس كتير أوي، بس ولا حد كان قريب ليا. ولا حد حسيت إني ممكن أحكيله وأعرّي قلبي ومشاعر قدامه. حاجات كتير كانت بتوجعني وتعذبني، وكنت أضحك وأهزر عادي لدرجة إن كل اللي حواليا يقولولي يا بختك، مفيش حاجة مضايقاك. حياتك زي الفل. وأنا أصلاً معنديش حياة."
سحب نفساً قوياً بداخله قبل أن يقول بابتسامة مرة: "عارفة أنا متشعبط في ريتال العيلة الصغيرة دي ليه؟ عشان الوحيدة اللي لسه بريئة وقلبها نضيف في كل اللي حواليا. وعارفة كمان أنا قربت منك بسرعة كده ليه؟ عشان أنتِ الوحيدة اللي حسيتك زيها. أرجوكي أوعي تغيري طبيعتك النقية دي عشان حد أو عشان حاجة. ربنا هيديكِ على قد طيبة قلبك وعلى قد كل اللي اتحملتيه."
تجمعت سحبها فأمطرت وجعاً تدحرج بقوة على وجنتيها جراء كلماته.
"أنا عارف إن اللي مريتِ بيه مكنش سهل، بس صدقيني ربنا له حكمة في كل حاجة بتحصلنا. والابتلاء معناه إن ربنا بيحبك."
همست من بين عبراتها: "ونعم بالله."
ابتسم قبل أن يقول بهمس: "ربنا الوحيد اللي شايف قلوبنا من جواها وهيديها اللي تستحقه، ودي من أكتر مظاهر العدل في الدنيا."
أومأت برأسها دون أن يكن لها القدرة على الحديث.
"المفروض أفرح بالبوقين دول يعني؟"
تجاهل سخريتها مؤكداً على كل حرف يتفوه به.
"عارفة يا جنة، أنا طول عمري لوحدي. بالرغم من إن ليا أصحاب كتير، وبالرغم من إني كنت صاحب قريب لناس كتير أوي، بس ولا حد كان قريب ليا. ولا حد حسيت إني ممكن أحكيله وأعرّي قلبي ومشاعر قدامه. حاجات كتير كانت بتوجعني وتعذبني، وكنت أضحك وأهزر عادي لدرجة إن كل اللي حواليا يقولولي يا بختك، مفيش حاجة مضايقاك. حياتك زي الفل. وأنا أصلاً معنديش حياة."
سحب نفساً قوياً بداخله قبل أن يقول بابتسامة مرة: "عارفة أنا متشعبط في ريتال العيلة الصغيرة دي ليه؟ عشان الوحيدة اللي لسه بريئة وقلبها نضيف في كل اللي حواليا. وعارفة كمان أنا قربت منك بسرعة كده ليه؟ عشان أنتِ الوحيدة اللي حسيتك زيها. أرجوكي أوعي تغيري طبيعتك النقية دي عشان حد أو عشان حاجة. ربنا هيديكِ على قد طيبة قلبك وعلى قد كل اللي اتحملتيه."
تجمعت سحبها فأمطرت وجعاً تدحرج بقوة على وجنتيها جراء كلماته.
"أنا عارف إن اللي مريتِ بيه مكنش سهل، بس صدقيني ربنا له حكمة في كل حاجة بتحصلنا. والابتلاء معناه إن ربنا بيحبك."
همست من بين عبراتها: "ونعم بالله."
ابتسم قبل أن يقول بهمس: "ربنا الوحيد اللي شايف قلوبنا من جواها وهيديها اللي تستحقه، ودي من أكتر مظاهر العدل في الدنيا."
أومأت برأسها دون أن يكن لها القدرة على الحديث.
"المفروض أفرح بالبوقين دول يعني؟"
تجاهل سخريتها مؤكداً على كل حرف يتفوه به.
"عارفة يا جنة، أنا طول عمري لوحدي. بالرغم من إن ليا أصحاب كتير، وبالرغم من إني كنت صاحب قريب لناس كتير أوي، بس ولا حد كان قريب ليا. ولا حد حسيت إني ممكن أحكيله وأعرّي قلبي ومشاعر قدامه. حاجات كتير كانت بتوجعني وتعذبني، وكنت أضحك وأهزر عادي لدرجة إن كل اللي حواليا يقولولي يا بختك، مفيش حاجة مضايقاك. حياتك زي الفل. وأنا أصلاً معنديش حياة."
سحب نفساً قوياً بداخله قبل أن يقول بابتسامة مرة: "عارفة أنا متشعبط في ريتال العيلة الصغيرة دي ليه؟ عشان الوحيدة اللي لسه بريئة وقلبها نضيف في كل اللي حواليا. وعارفة كمان أنا قربت منك بسرعة كده ليه؟ عشان أنتِ الوحيدة اللي حسيتك زيها. أرجوكي أوعي تغيري طبيعتك النقية دي عشان حد أو عشان حاجة. ربنا هيديكِ على قد طيبة قلبك وعلى قد كل اللي اتحملتيه."
تجمعت سحبها فأمطرت وجعاً تدحرج بقوة على وجنتيها جراء كلماته.
"أنا عارف إن اللي مريتِ بيه مكنش سهل، بس صدقيني ربنا له حكمة في كل حاجة بتحصلنا. والابتلاء معناه إن ربنا بيحبك."
همست من بين عبراتها: "ونعم بالله."
ابتسم قبل أن يقول بهمس: "ربنا الوحيد اللي شايف قلوبنا من جواها وهيديها اللي تستحقه، ودي من أكتر مظاهر العدل في الدنيا."
أومأت برأسها دون أن يكن لها القدرة على الحديث.
"المفروض أفرح بالبوقين دول يعني؟"
تجاهل سخريتها مؤكداً على كل حرف يتفوه به.
"عارفة يا جنة، أنا طول عمري لوحدي. بالرغم من إن ليا أصحاب كتير، وبالرغم من إني كنت صاحب قريب لناس كتير أوي، بس ولا حد كان قريب ليا. ولا حد حسيت إني ممكن أحكيله وأعرّي قلبي ومشاعر قدامه. حاجات كتير كانت بتوجعني وتعذبني، وكنت أضحك وأهزر عادي لدرجة إن كل اللي حواليا يقولولي يا بختك، مفيش حاجة مضايقاك. حياتك زي الفل. وأنا أصلاً معنديش حياة."
سحب نفساً قوياً بداخله قبل أن يقول بابتسامة مرة: "عارفة أنا متشعبط في ريتال العيلة الصغيرة دي ليه؟ عشان الوحيدة اللي لسه بريئة وقلبها نضيف في كل اللي حواليا. وعارفة كمان أنا قربت منك بسرعة كده ليه؟ عشان أنتِ الوحيدة اللي حسيتك زيها. أرجوكي أوعي تغيري طبيعتك النقية دي عشان حد أو عشان حاجة. ربنا هيديكِ على قد طيبة قلبك وعلى قد كل اللي اتحملتيه."
تجمعت سحبها فأمطرت وجعاً تدحرج بقوة على وجنتيها جراء كلماته.
"أنا عارف إن اللي مريتِ بيه مكنش سهل، بس صدقيني ربنا له حكمة في كل حاجة بتحصلنا. والابتلاء معناه إن ربنا بيحبك."
همست من بين عبراتها: "ونعم بالله."
ابتسم قبل أن يقول بهمس: "ربنا الوحيد اللي شايف قلوبنا من جواها وهيديها اللي تستحقه، ودي من أكتر مظاهر العدل في الدنيا."
أومأت برأسها دون أن يكن لها القدرة على الحديث.
"المفروض أفرح بالبوقين دول يعني؟"
تجاهل سخريتها مؤكداً على كل حرف يتفوه به.
"عارفة يا جنة، أنا طول عمري لوحدي. بالرغم من إن ليا أصحاب كتير، وبالرغم من إني كنت صاحب قريب لناس كتير أوي، بس ولا حد كان قريب ليا. ولا حد حسيت إني ممكن أحكيله وأعرّي قلبي ومشاعر قدامه. حاجات كتير كانت بتوجعني وتعذبني، وكنت أضحك وأهزر عادي لدرجة إن كل اللي حواليا يقولولي يا بختك، مفيش حاجة مضايقاك. حياتك زي الفل. وأنا أصلاً معنديش حياة."
سحب نفساً قوياً بداخله قبل أن يقول بابتسامة مرة: "عارفة أنا متشعبط في ريتال العيلة الصغيرة دي ليه؟ عشان الوحيدة اللي لسه بريئة وقلبها نضيف في كل اللي حواليا. وعارفة كمان أنا قربت منك بسرعة كده ليه؟ عشان أنتِ الوحيدة اللي حسيتك زيها. أرجوكي أوعي تغيري طبيعتك النقية دي عشان حد أو عشان حاجة. ربنا هيديكِ على قد طيبة قلبك وعلى قد كل اللي اتحملتيه."
تجمعت سحبها فأمطرت وجعاً تدحرج بقوة على وجنتيها جراء كلماته.
"أنا عارف إن اللي مريتِ بيه مكنش سهل، بس صدقيني ربنا له حكمة في كل حاجة بتحصلنا. والابتلاء معناه إن ربنا بيحبك."
همست من بين عبراتها: "ونعم بالله."
ابتسم قبل أن يقول بهمس: "ربنا الوحيد اللي شايف قلوبنا من جواها وهيديها اللي تستحقه، ودي من أكتر مظاهر العدل في الدنيا."
أومأت برأسها دون أن يكن لها القدرة على الحديث.
"المفروض أفرح بالبوقين دول يعني؟"
تجاهل سخريتها مؤكداً على كل حرف يتفوه به.
"عارفة يا جنة، أنا طول عمري لوحدي. بالرغم من إن ليا أصحاب كتير، وبالرغم من إني كنت صاحب قريب لناس كتير أوي، بس ولا حد كان قريب ليا. ولا حد حسيت إني ممكن أحكيله وأعرّي قلبي ومشاعر قدامه. حاجات كتير كانت بتوجعني وتعذبني، وكنت أضحك وأهزر عادي لدرجة إن كل اللي حواليا يقولولي يا بختك، مفيش حاجة مضايقاك. حياتك زي الفل. وأنا أصلاً معنديش حياة."
سحب نفساً قوياً بداخله قبل أن يقول بابتسامة مرة: "عارفة أنا متشعبط في ريتال العيلة الصغيرة دي ليه؟ عشان الوحيدة اللي لسه بريئة وقلبها نضيف في كل اللي حواليا. وعارفة كمان أنا قربت منك بسرعة كده ليه؟ عشان أنتِ الوحيدة اللي حسيتك زيها. أرجوكي أوعي تغيري طبيعتك النقية دي عشان حد أو عشان حاجة. ربنا هيديكِ على قد طيبة قلبك وعلى قد كل اللي اتحملتيه."
تجمعت سحبها فأمطرت وجعاً تدحرج بقوة على وجنتيها جراء كلماته.
"أنا عارف إن اللي مريتِ بيه مكنش سهل، بس صدقيني ربنا له حكمة في كل حاجة بتحصلنا. والابتلاء معناه إن ربنا بيحبك."
همست من بين عبراتها: "ونعم بالله."
ابتسم قبل أن يقول بهمس: "ربنا الوحيد اللي شايف قلوبنا من جواها وهيديها اللي تستحقه، ودي من أكتر مظاهر العدل في الدنيا."
أومأت برأسها دون أن يكن لها القدرة على الحديث.
"المفروض أفرح بالبوقين دول يعني؟"
تجاهل سخريتها مؤكداً على كل حرف يتفوه به.
"عارفة يا جنة، أنا طول عمري لوحدي. بالرغم من إن ليا أصحاب كتير، وبالرغم من إني كنت صاحب قريب لناس كتير أوي، بس ولا حد كان قريب ليا. ولا حد حسيت إني ممكن أحكيله وأعرّي قلبي ومشاعر قدامه. حاجات كتير كانت بتوجعني وتعذبني، وكنت أضحك وأهزر عادي لدرجة إن كل اللي حواليا يقولولي يا بختك، مفيش حاجة مضايقاك. حياتك زي الفل. وأنا أصلاً معنديش حياة."
سحب نفساً قوياً بداخله قبل أن يقول بابتسامة مرة: "عارفة أنا متشعبط في ريتال العيلة الصغيرة دي ليه؟ عشان الوحيدة اللي لسه بريئة وقلبها نضيف في كل اللي حواليا. وعارفة كمان أنا قربت منك بسرعة كده ليه؟ عشان أنتِ الوحيدة اللي حسيتك زيها. أرجوكي أوعي تغيري طبيعتك النقية دي عشان حد أو عشان حاجة. ربنا هيديكِ على قد طيبة قلبك وعلى قد كل اللي اتحملتيه."
تجمعت سحبها فأمطرت وجعاً تدحرج بقوة على وجنتيها جراء كلماته.
"أنا عارف إن اللي مريتِ بيه مكنش سهل، بس صدقيني ربنا له حكمة في كل حاجة بتحصلنا. والابتلاء معناه إن ربنا بيحبك."
همست من بين عبراتها: "ونعم بالله."
ابتسم قبل أن يقول بهمس: "ربنا الوحيد اللي شايف قلوبنا من جواها وهيديها اللي تستحقه، ودي من أكتر مظاهر العدل في الدنيا."
أومأت برأسها دون أن يكن لها القدرة على الحديث.
"المفروض أفرح بالبوقين دول يعني؟"
تجاهل سخريتها مؤكداً على كل حرف يتفوه به.
"عارفة يا جنة، أنا طول عمري لوحدي. بالرغم من إن ليا أصحاب كتير، وبالرغم من إني كنت صاحب قريب لناس كتير أوي، بس ولا حد كان قريب ليا. ولا حد حسيت إني ممكن أحكيله وأعرّي قلبي ومشاعر قدامه. حاجات كتير كانت بتوجعني وتعذبني، وكنت أضحك وأهزر عادي لدرجة إن كل اللي حواليا يقولولي يا بختك، مفيش حاجة مضايقاك. حياتك زي الفل. وأنا أصلاً معنديش حياة."
سحب نفساً قوياً بداخله قبل أن يقول بابتسامة مرة: "عارفة أنا متشعبط في ريتال العيلة الصغيرة دي ليه؟ عشان الوحيدة اللي لسه بريئة وقلبها نضيف في كل اللي حواليا. وعارفة كمان أنا قربت منك بسرعة كده ليه؟ عشان أنتِ الوحيدة اللي حسيتك زيها. أرجوكي أوعي تغيري طبيعتك النقية دي عشان حد أو عشان حاجة. ربنا هيديكِ على قد طيبة قلبك وعلى قد كل اللي اتحملتيه."
تجمعت سحبها فأمطرت وجعاً تدحرج بقوة على وجنتيها جراء كلماته.
"أنا عارف إن اللي مريتِ بيه مكنش سهل، بس صدقيني ربنا له حكمة في كل حاجة بتحصلنا. والابتلاء معناه إن ربنا بيحبك."
همست من بين عبراتها: "ونعم بالله."
ابتسم قبل أن يقول بهمس: "ربنا الوحيد اللي شايف قلوبنا من جواها وهيديها اللي تستحقه، ودي من أكتر مظاهر العدل في الدنيا."
أومأت برأسها دون أن يكن لها القدرة على الحديث.
"المفروض أفرح بالبوقين دول يعني؟"
تجاهل سخريتها مؤكداً على كل حرف يتفوه به.
"عارفة يا جنة، أنا طول عمري لوحدي. بالرغم من إن ليا أصحاب كتير، وبالرغم من إني كنت صاحب قريب لناس كتير أوي، بس ولا حد كان قريب ليا. ولا حد حسيت إني ممكن أحكيله وأعرّي قلبي ومشاعر قدامه. حاجات كتير كانت بتوجعني وتعذبني، وكنت أضحك وأهزر عادي لدرجة إن كل اللي حواليا يقولولي يا بختك، مفيش حاجة مضايقاك. حياتك زي الفل. وأنا أصلاً معنديش حياة."
سحب نفساً قوياً بداخله قبل أن يقول بابتسامة مرة: "عارفة أنا متشعبط في ريتال العيلة الصغيرة دي ليه؟ عشان الوحيدة اللي لسه بريئة وقلبها نضيف في كل اللي حواليا. وعارفة كمان أنا قربت منك بسرعة كده ليه؟ عشان أنتِ الوحيدة اللي حسيتك زيها. أرجوكي أوعي تغيري طبيعتك النقية دي عشان حد أو عشان حاجة. ربنا هيديكِ على قد طيبة قلبك وعلى قد كل اللي اتحملتيه."
تجمعت سحبها فأمطرت وجعاً تدحرج بقوة على وجنتيها جراء كلماته.
"أنا عارف إن اللي مريتِ بيه مكنش سهل، بس صدقيني ربنا له حكمة في كل حاجة بتحصلنا. والابتلاء معناه إن ربنا بيحبك."
همست من بين عبراتها: "ونعم بالله."
ابتسم قبل أن يقول بهمس: "ربنا الوحيد اللي شايف قلوبنا من جواها وهيديها اللي تستحقه، ودي من أكتر مظاهر العدل في الدنيا."
أومأت برأسها دون أن يكن لها القدرة على الحديث.
"المفروض أفرح بالبوقين دول يعني؟"
تجاهل سخريتها مؤكداً على كل حرف يتفوه به.
"عارفة يا جنة، أنا طول عمري لوحدي. بالرغم من إن ليا أصحاب كتير، وبالرغم من إني كنت صاحب قريب لناس كتير أوي، بس ولا حد كان قريب ليا. ولا حد حسيت إني ممكن أحكيله وأعرّي قلبي ومشاعر قدامه. حاجات كتير كانت بتوجعني وتعذبني، وكنت أضحك وأهزر عادي لدرجة إن كل اللي حواليا يقولولي يا بختك، مفيش حاجة مضايقاك. حياتك زي الفل. وأنا أصلاً معنديش حياة."
سحب نفساً قوياً بداخله قبل أن يقول بابتسامة مرة: "عارفة أنا متشعبط في ريتال العيلة الصغيرة دي ليه؟ عشان الوحيدة اللي لسه بريئة وقلبها نضيف في كل اللي حواليا. وعارفة كمان أنا قربت منك بسرعة كده ليه؟ عشان أنتِ الوحيدة اللي حسيتك زيها. أرجوكي أوعي تغيري طبيعتك النقية دي عشان حد أو عشان حاجة. ربنا هيديكِ على قد طيبة قلبك وعلى قد كل اللي اتحملتيه."
تجمعت سحبها فأمطرت وجعاً تدحرج بقوة على وجنتيها جراء كلماته.
"أنا عارف إن اللي مريتِ بيه مكنش سهل، بس صدقيني ربنا له حكمة في كل حاجة بتحصلنا. والابتلاء معناه إن ربنا بيحبك."
همست من بين عبراتها: "ونعم بالله."
ابتسم قبل أن يقول بهمس: "ربنا الوحيد اللي شايف قلوبنا من جواها وهيديها اللي تستحقه، ودي من أكتر مظاهر العدل في الدنيا."
أومأت برأسها دون أن يكن لها القدرة على الحديث.
"المفروض أفرح بالبوقين دول يعني؟"
تجاهل سخريتها مؤكداً على كل حرف يتفوه به.
"عارفة يا جنة، أنا طول عمري لوحدي. بالرغم من إن ليا أصحاب كتير، وبالرغم من إني كنت صاحب قريب لناس كتير أوي، بس ولا حد كان قريب ليا. ولا حد حسيت إني ممكن أحكيله وأعرّي قلبي ومشاعر قدامه. حاجات كتير كانت بتوجعني وتعذبني، وكنت أضحك وأهزر عادي لدرجة إن كل اللي حواليا يقولولي يا بختك، مفيش حاجة مضايقاك. حياتك زي الفل. وأنا أصلاً معنديش حياة."
سحب نفساً قوياً بداخله قبل أن يقول بابتسامة مرة: "عارفة أنا متشعبط في ريتال العيلة الصغيرة دي ليه؟ عشان الوحيدة اللي لسه بريئة وقلبها نضيف في كل اللي حواليا. وعارفة كمان أنا قربت منك بسرعة كده ليه؟ عشان أنتِ الوحيدة اللي حسيتك زيها. أرجوكي أوعي تغيري طبيعتك النقية دي عشان حد أو عشان حاجة. ربنا هيديكِ على قد طيبة قلبك وعلى قد كل اللي اتحملتيه."
تجمعت سحبها فأمطرت وجعاً تدحرج بقوة على وجنتيها جراء كلماته.
"أنا عارف إن اللي مريتِ بيه مكنش سهل، بس صدقيني ربنا له حكمة في كل حاجة بتحصلنا. والابتلاء معناه إن ربنا بيحبك."
همست من بين عبراتها: "ونعم بالله."
ابتسم قبل أن يقول بهمس: "ربنا الوحيد اللي شايف قلوبنا من جواها وهيديها اللي تستحقه، ودي من أكتر مظاهر العدل في الدنيا."
أومأت برأسها دون أن يكن لها القدرة على الحديث.
"المفروض أفرح بالبوقين دول يعني؟"
تجاهل سخريتها مؤكداً على كل حرف يتفوه به.
"عارفة يا جنة، أنا طول عمري لوحدي. بالرغم من إن ليا أصحاب كتير، وبالرغم من إني كنت صاحب قريب لناس كتير أوي، بس ولا حد كان قريب ليا. ولا حد حسيت إني ممكن أحكيله وأعرّي قلبي ومشاعر قدامه. حاجات كتير كانت بتوجعني وتعذبني، وكنت أضحك وأهزر عادي لدرجة إن كل اللي حواليا يقولولي يا بختك، مفيش حاجة مضايقاك. حياتك زي الفل. وأنا أصلاً معنديش حياة."
سحب نفساً قوياً بداخله قبل أن يقول بابتسامة مرة: "عارفة أنا متشعبط في ريتال العيلة الصغيرة دي ليه؟ عشان الوحيدة اللي لسه بريئة وقلبها نضيف في كل اللي حواليا. وعارفة كمان أنا قربت منك بسرعة كده ليه؟ عشان أنتِ الوحيدة اللي حسيتك زيها. أرجوكي أوعي تغيري طبيعتك النقية دي عشان حد أو عشان حاجة. ربنا هيديكِ على قد طيبة قلبك وعلى قد كل اللي اتحملتيه."
تجمعت سحبها فأمطرت وجعاً تدحرج بقوة على وجنتيها جراء كلماته.
"أنا عارف إن اللي مريتِ بيه مكنش سهل، بس صدقيني ربنا له حكمة في كل حاجة بتحصلنا. والابتلاء معناه إن ربنا بيحبك."
همست من بين عبراتها: "ونعم بالله."
ابتسم قبل أن يقول بهمس: "ربنا الوحيد اللي شايف قلوبنا من جواها وهيديها اللي تستحقه، ودي من أكتر مظاهر العدل في الدنيا."
أومأت برأسها دون أن يكن لها القدرة على الحديث.
"المفروض أفرح بالبوقين دول يعني؟"
تجاهل سخريتها مؤكداً على كل حرف يتفوه به.
"عارفة يا جنة، أنا طول عمري لوحدي. بالرغم من إن ليا أصحاب كتير، وبالرغم من إني كنت صاحب قريب لناس كتير أوي، بس ولا حد كان قريب ليا. ولا حد حسيت إني ممكن أحكيله وأعرّي قلبي ومشاعر قدامه. حاجات كتير كانت بتوجعني وتعذبني، وكنت أضحك وأهزر عادي لدرجة إن كل اللي حواليا يقولولي يا بختك، مفيش حاجة مضايقاك. حياتك زي الفل. وأنا أصلاً معنديش حياة."
سحب نفساً قوياً بداخله قبل أن يقول بابتسامة مرة: "عارفة أنا متشعبط في ريتال العيلة الصغيرة دي ليه؟ عشان الوحيدة اللي لسه بريئة وقلبها نضيف في كل اللي حواليا. وعارفة كمان أنا قربت منك بسرعة كده ليه؟ عشان أنتِ الوحيدة اللي حسيتك زيها. أرجوكي أوعي تغيري طبيعتك النقية دي عشان حد أو عشان حاجة. ربنا هيديكِ على قد طيبة قلبك وعلى قد كل اللي اتحملتيه."
تجمعت سحبها فأمطرت وجعاً تدحرج بقوة على وجنتيها جراء كلماته.
"أنا عارف إن اللي مريتِ بيه مكنش سهل، بس صدقيني ربنا له حكمة في كل حاجة بتحصلنا. والابتلاء معناه إن ربنا بيحبك."
همست من بين عبراتها: "ونعم بالله."
ابتسم قبل أن يقول بهمس: "ربنا الوحيد اللي شايف قلوبنا من جواها وهيديها اللي تستحقه، ودي من أكتر مظاهر العدل في الدنيا."
أومأت برأسها دون أن يكن لها القدرة على الحديث.
"المفروض أفرح بالبوقين دول يعني؟"
تجاهل سخريتها مؤكداً على كل حرف يتفوه به.
"عارفة يا جنة، أنا طول عمري لوحدي. بالرغم من إن ليا أصحاب كتير، وبالرغم من إني كنت صاحب قريب لناس كتير أوي، بس ولا حد كان قريب ليا. ولا حد حسيت إني ممكن أحكيله وأعرّي قلبي ومشاعر قدامه. حاجات كتير كانت بتوجعني وتعذبني، وكنت أضحك وأهزر عادي لدرجة إن كل اللي حواليا يقولولي يا بختك، مفيش حاجة مضايقاك. حياتك زي الفل. وأنا أصلاً معنديش حياة."
سحب نفساً قوياً بداخله قبل أن يقول بابتسامة مرة: "عارفة أنا متشعبط في ريتال العيلة الصغيرة دي ليه؟ عشان الوحيدة اللي لسه بريئة وقلبها نضيف في كل اللي حواليا. وعارفة كمان أنا قربت منك بسرعة كده ليه؟ عشان أنتِ الوحيدة اللي حسيتك زيها. أرجوكي أوعي تغيري طبيعتك النقية دي عشان حد أو عشان حاجة. ربنا هيديكِ على قد طيبة قلبك وعلى قد كل اللي اتحملتيه."
تجمعت سحبها فأمطرت وجعاً تدحرج بقوة على وجنتيها جراء كلماته.
"أنا عارف إن اللي مريتِ بيه مكنش سهل، بس صدقيني ربنا له حكمة في كل حاجة بتحصلنا. والابتلاء معناه إن ربنا بيحبك."
همست من بين عبراتها: "ونعم بالله."
ابتسم قبل أن يقول بهمس: "ربنا الوحيد اللي شايف قلوبنا من جواها وهيديها اللي تستحقه، ودي من أكتر مظاهر العدل في الدنيا."
أومأت برأسها دون أن يكن لها القدرة على الحديث.
"المفروض أفرح بالبوقين دول يعني؟"
تجاهل سخريتها مؤكداً على كل حرف يتفوه به.
"عارفة يا جنة، أنا طول عمري لوحدي. بالرغم من إن ليا أصحاب كتير، وبالرغم من إني كنت صاحب قريب لناس كتير أوي، بس ولا حد كان قريب ليا. ولا حد حسيت إني ممكن أحكيله وأعرّي قلبي ومشاعر قدامه. حاجات كتير كانت بتوجعني وتعذبني، وكنت أضحك وأهزر عادي لدرجة إن كل اللي حواليا يقولولي يا بختك، مفيش حاجة مضايقاك. حياتك زي الفل. وأنا أصلاً معنديش حياة."
سحب نفساً قوياً بداخله قبل أن يقول بابتسامة مرة: "عارفة أنا متشعبط في ريتال العيلة الصغيرة دي ليه؟ عشان الوحيدة اللي لسه بريئة وقلبها نضيف في كل اللي حواليا. وعارفة كمان أنا قربت منك بسرعة كده ليه؟ عشان أنتِ الوحيدة اللي حسيتك زيها. أرجوكي أوعي تغيري طبيعتك النقية دي عشان حد أو عشان حاجة. ربنا هيديكِ على قد طيبة قلبك وعلى قد كل اللي اتحملتيه."
تجمعت سحبها فأمطرت وجعاً تدحرج بقوة على وجنتيها جراء كلماته.
"أنا عارف إن اللي مريتِ بيه مكنش سهل، بس صدقيني ربنا له حكمة في كل حاجة بتحصلنا. والابتلاء معناه إن ربنا بيحبك."
همست من بين عبراتها: "ونعم بالله."
ابتسم قبل أن يقول بهمس: "ربنا الوحيد اللي شايف قلوبنا من جواها وهيديها اللي تستحقه، ودي من أكتر مظاهر العدل في الدنيا."
أومأت برأسها دون أن يكن لها القدرة على الحديث.
"المفروض أفرح بالبوقين دول يعني؟"
تجاهل سخريتها مؤكداً على كل حرف يتفوه به.
"عارفة يا جنة، أنا طول عمري لوحدي. بالرغم من إن ليا أصحاب كتير، وبالرغم من إني كنت صاحب قريب لناس كتير أوي، بس ولا حد كان قريب ليا. ولا حد حسيت إني ممكن أحكيله وأعرّي قلبي ومشاعر قدامه. حاجات كتير كانت بتوجعني وتعذبني، وكنت أضحك وأهزر عادي لدرجة إن كل اللي حواليا يقولولي يا بختك، مفيش حاجة مضايقاك. حياتك زي الفل. وأنا أصلاً معنديش حياة."
سحب نفساً قوياً بداخله قبل أن يقول بابتسامة مرة: "عارفة أنا متشعبط في ريتال العيلة الصغيرة دي ليه؟ عشان الوحيدة اللي لسه بريئة وقلبها نضيف في كل اللي حواليا. وعارفة كمان أنا قربت منك بسرعة كده ليه؟ عشان أنتِ الوحيدة اللي حسيتك زيها. أرجوكي أوعي تغيري طبيعتك النقية دي عشان حد أو عشان حاجة. ربنا هيديكِ على قد طيبة قلبك وعلى قد كل اللي اتحملتيه."
تجمعت سحبها فأمطرت وجعاً تدحرج بقوة على وجنتيها جراء كلماته.
"أنا عارف إن اللي مريتِ بيه مكنش سهل، بس صدقيني ربنا له حكمة في كل حاجة بتحصلنا. والابتلاء معناه إن ربنا بيحبك."
همست من بين عبراتها: "ونعم بالله."
ابتسم قبل أن يقول بهمس: "ربنا الوحيد اللي شايف قلوبنا من جواها وهيديها اللي تستحقه، ودي من أكتر مظاهر العدل في الدنيا."
أومأت برأسها دون أن يكن لها القدرة على الحديث.
"المفروض أفرح بالبوقين دول يعني؟"
تجاهل سخريتها مؤكداً على كل حرف يتفوه به.
"عارفة يا جنة، أنا طول عمري لوحدي. بالرغم من إن ليا أصحاب كتير، وبالرغم من إني كنت صاحب قريب لناس كتير أوي، بس ولا حد كان قريب ليا. ولا حد حسيت إني ممكن أحكيله وأعرّي قلبي ومشاعر قدامه. حاجات كتير كانت بتوجعني وتعذبني، وكنت أضحك وأهزر عادي لدرجة إن كل اللي حواليا يقولولي يا بختك، مفيش حاجة مضايقاك. حياتك زي الفل. وأنا أصلاً معنديش حياة."
سحب نفساً قوياً بداخله قبل أن يقول بابتسامة مرة: "عارفة أنا متشعبط في ريتال العيلة الصغيرة دي ليه؟ عشان الوحيدة اللي لسه بريئة وقلبها نضيف في كل اللي حواليا. وعارفة كمان أنا قربت منك بسرعة كده ليه؟ عشان أنتِ الوحيدة اللي حسيتك زيها. أرجوكي أوعي تغيري طبيعتك النقية دي عشان حد أو عشان حاجة. ربنا هيديكِ على قد طيبة قلبك وعلى قد كل اللي اتحملتيه."
تجمعت سحبها فأمطرت وجعاً تدحرج بقوة على وجنتيها جراء كلماته.
"أنا عارف إن اللي مريتِ بيه مكنش سهل، بس صدقيني ربنا له حكمة في كل حاجة بتحصلنا. والابتلاء معناه إن ربنا بيحبك."
همست من بين عبراتها: "ونعم بالله."
ابتسم قبل أن يقول بهمس: "ربنا الوحيد اللي شايف قلوبنا من جواها وهيديها اللي تستحقه، ودي من أكتر مظاهر العدل في الدنيا."
أومأت برأسها دون أن يكن لها القدرة على الحديث.
"المفروض أفرح بالبوقين دول يعني؟"
تجاهل سخريتها مؤكداً على كل حرف يتفوه به.
"عارفة يا جنة، أنا طول عمري لوحدي. بالرغم من إن ليا أصحاب كتير، وبالرغم من إني كنت صاحب قريب لناس كتير أوي، بس ولا حد كان قريب ليا. ولا حد حسيت إني ممكن أحكيله وأعرّي قلبي ومشاعر قدامه. حاجات كتير كانت بتوجعني وتعذبني، وكنت أضحك وأهزر عادي لدرجة إن كل اللي حواليا يقولولي يا بختك، مفيش حاجة مضايقاك. حياتك زي الفل. وأنا أصلاً معنديش حياة."
سحب نفساً قوياً بداخله قبل أن يقول بابتسامة مرة: "عارفة أنا متشعبط في ريتال العيلة الصغيرة دي ليه؟ عشان الوحيدة اللي لسه بريئة وقلبها نضيف في كل اللي حواليا. وعارفة كمان أنا قربت منك بسرعة كده ليه؟ عشان أنتِ الوحيدة اللي حسيتك زيها. أرجوكي أوعي تغيري طبيعتك النقية دي عشان حد أو عشان حاجة. ربنا هيديكِ على قد طيبة قلبك وعلى قد كل اللي اتحملتيه."
تجمعت سحبها فأمطرت وجعاً تدحرج بقوة على وجنتيها جراء كلماته.
"أنا عارف إن اللي مريتِ بيه مكنش سهل، بس صدقيني ربنا له حكمة في كل حاجة بتحصلنا. والابتلاء معناه إن ربنا بيحبك."
همست من بين عبراتها: "ونعم بالله."
ابتسم قبل أن يقول بهمس: "ربنا الوحيد اللي شايف قلوبنا من جواها وهيديها اللي تستحقه، ودي من أكتر مظاهر العدل في الدنيا."
أومأت برأسها دون أن يكن لها القدرة على الحديث.
"المفروض أفرح بالبوقين دول يعني؟"
تجاهل سخريتها مؤكداً على كل حرف يتفوه به.
"عارفة يا جنة، أنا طول عمري لوحدي. بالرغم من إن ليا أصحاب كتير، وبالرغم من إني كنت صاحب قريب لناس كتير أوي، بس ولا حد كان قريب ليا. ولا حد حسيت إني ممكن أحكيله وأعرّي قلبي ومشاعر قدامه. حاجات كتير كانت بتوجعني وتعذبني، وكنت أضحك وأهزر عادي لدرجة إن كل اللي حواليا يقولولي يا بختك، مفيش حاجة مضايقاك. حياتك زي الفل. وأنا أصلاً معنديش حياة."
سحب نفساً قوياً بداخله قبل أن يقول بابتسامة مرة: "عارفة أنا متشعبط في ريتال العيلة الصغيرة دي ليه؟ عشان الوحيدة اللي لسه بريئة وقلبها نضيف في كل اللي حواليا. وعارفة كمان أنا قربت منك بسرعة كده ليه؟ عشان أنتِ الوحيدة اللي حسيتك زيها. أرجوكي أوعي تغيري طبيعتك النقية دي عشان حد أو عشان حاجة. ربنا هيديكِ على قد طيبة قلبك وعلى قد كل اللي اتحملتيه."
تجمعت سحبها فأمطرت وجعاً تدحرج بقوة على وجنتيها جراء كلماته.
"أنا عارف إن اللي مريتِ بيه مكنش سهل، بس صدقيني ربنا له حكمة في كل حاجة بتحصلنا. والابتلاء معناه إن ربنا بيحبك."
همست من بين عبراتها: "ونعم بالله."
ابتسم قبل أن يقول بهمس: "ربنا الوحيد اللي شايف قلوبنا من جواها وهيديها اللي تستحقه، ودي من أكتر مظاهر العدل في الدنيا."
أومأت برأسها دون أن يكن لها القدرة على الحديث.
"المفروض أفرح بالبوقين دول يعني؟"
تجاهل سخريتها مؤكداً على كل حرف يتفوه به.
"عارفة يا جنة، أنا طول عمري لوحدي. بالرغم من إن ليا أصحاب كتير، وبالرغم من إني كنت صاحب قريب لناس كتير أوي، بس ولا حد كان قريب ليا. ولا حد حسيت إني ممكن أحكيله وأعرّي قلبي ومشاعر قدامه. حاجات كتير كانت بتوجعني وتعذبني، وكنت أضحك وأهزر عادي لدرجة إن كل اللي حواليا يقولولي يا بختك، مفيش حاجة مضايقاك. حياتك زي الفل. وأنا أصلاً معنديش حياة."
سحب نفساً قوياً بداخله قبل أن يقول بابتسامة مرة: "عارفة أنا متشعبط في ريتال العيلة الصغيرة دي ليه؟ عشان الوحيدة اللي لسه بريئة وقلبها نضيف في كل اللي حواليا. وعارفة كمان أنا قربت منك بسرعة كده ليه؟ عشان أنتِ الوحيدة اللي حسيتك زيها. أرجوكي أوعي تغيري طبيعتك النقية دي عشان حد أو عشان حاجة. ربنا هيديكِ على قد طيبة قلبك وعلى قد كل اللي اتحملتيه."
تجمعت سحبها فأمطرت وجعاً تدحرج بقوة على وجنتيها جراء كلماته.
"أنا عارف إن اللي مريتِ بيه مكنش سهل، بس صدقيني ربنا له حكمة في كل حاجة بتحصلنا. والابتلاء معناه إن ربنا بيحبك."
همست من بين عبراتها: "ونعم بالله."
ابتسم قبل أن يقول بهمس: "ربنا الوحيد اللي شايف قلوبنا من جواها وهيديها اللي تستحقه، ودي من أكتر مظاهر العدل في الدنيا."
أومأت برأسها دون أن يكن لها القدرة على الحديث.
"المفروض أفرح بالبوقين دول يعني؟"
تجاهل سخريتها مؤكداً على كل حرف يتفوه به.
"عارفة يا جنة، أنا طول عمري لوحدي. بالرغم من إن ليا أصحاب كتير، وبالرغم من إني كنت صاحب قريب لناس كتير أوي، بس ولا حد كان قريب ليا. ولا حد حسيت إني ممكن أحكيله وأعرّي قلبي ومشاعر قدامه. حاجات كتير كانت بتوجعني وتعذبني، وكنت أضحك وأهزر عادي لدرجة إن كل اللي حواليا يقولولي يا بختك، مفيش حاجة مضايقاك. حياتك زي الفل. وأنا أصلاً معنديش حياة."
سحب نفساً قوياً بداخله قبل أن يقول بابتسامة مرة: "عارفة أنا متشعبط في ريتال العيلة الصغيرة دي ليه؟ عشان الوحيدة اللي لسه بريئة وقلبها نضيف في كل اللي حواليا. وعارفة كمان أنا قربت منك بسرعة كده ليه؟ عشان أنتِ الوحيدة اللي حسيتك زيها. أرجوكي أوعي تغيري طبيعتك النقية دي عشان حد أو عشان حاجة. ربنا هيديكِ على قد طيبة قلبك وعلى قد كل اللي اتحملتيه."
تجمعت سحبها فأمطرت وجعاً تدحرج بقوة على وجنتيها جراء كلماته.
"أنا عارف إن اللي مريتِ بيه مكنش سهل، بس صدقيني ربنا له حكمة في كل حاجة بتحصلنا. والابتلاء معناه إن ربنا بيحبك."
همست من بين عبراتها: "ونعم بالله."
ابتسم قبل أن يقول بهمس: "ربنا الوحيد اللي شايف قلوبنا من جواها وهيديها اللي تستحقه، ودي من أكتر مظاهر العدل في الدنيا."
أومأت برأسها دون أن يكن لها القدرة على الحديث.
"المفروض أفرح بالبوقين دول يعني؟"
تجاهل سخريتها مؤكداً على كل حرف يتفوه به.
"عارفة يا جنة، أنا طول عمري لوحدي. بالرغم من إن ليا أصحاب كتير، وبالرغم من إني كنت صاحب قريب لناس كتير أوي، بس ولا حد كان قريب ليا. ولا حد حسيت إني ممكن أحكيله وأعرّي قلبي ومشاعر قدامه. حاجات كتير كانت بتوجعني وتعذبني، وكنت أضحك وأهزر عادي لدرجة إن كل اللي حواليا يقولولي يا بختك، مفيش حاجة مضايقاك. حياتك زي الفل. وأنا أصلاً معنديش حياة."
سحب نفساً قوياً بداخله قبل أن يقول بابتسامة مرة: "عارفة أنا متشعبط في ريتال العيلة الصغيرة دي ليه؟ عشان الوحيدة اللي لسه بريئة وقلبها نضيف في كل اللي حواليا. وعارفة كمان أنا قربت منك بسرعة كده ليه؟ عشان أنتِ الوحيدة اللي حسيتك زيها. أرجوكي أوعي تغيري طبيعتك النقية دي عشان حد أو عشان حاجة. ربنا هيديكِ على قد طيبة قلبك وعلى قد كل اللي اتحملتيه."
تجمعت سحبها فأمطرت وجعاً تدحرج بقوة على وجنتيها جراء كلماته.
"أنا عارف إن اللي مريتِ بيه مكنش سهل، بس صدقيني ربنا له حكمة في كل حاجة بتحصلنا. والابتلاء معناه إن ربنا بيحبك."
همست من بين عبراتها: "ونعم بالله."
ابتسم قبل أن يقول بهمس: "ربنا الوحيد اللي شايف قلوبنا من جواها وهيديها اللي تستحقه، ودي من أكتر مظاهر العدل في الدنيا."
أومأت برأسها دون أن يكن لها القدرة على الحديث.
"المفروض أفرح بالبوقين دول يعني؟"
تجاهل سخريتها مؤكداً على كل حرف يتفوه به.
"عارفة يا جنة، أنا طول عمري لوحدي. بالرغم من إن ليا أصحاب كتير، وبالرغم من إني كنت صاحب قريب لناس كتير أوي، بس ولا حد كان قريب ليا. ولا حد حسيت إني ممكن أحكيله وأعرّي قلبي ومشاعر قدامه. حاجات كتير كانت بتوجعني وتعذبني، وكنت أضحك وأهزر عادي لدرجة إن كل اللي حواليا يقولولي يا بختك، مفيش حاجة مضايقاك. حياتك زي الفل. وأنا أصلاً معنديش حياة."
سحب نفساً قوياً بداخله قبل أن يقول بابتسامة مرة: "عارفة أنا متشعبط في ريتال العيلة الصغيرة دي ليه؟ عشان الوحيدة اللي لسه بريئة وقلبها نضيف في كل اللي حواليا. وعارفة كمان أنا قربت منك بسرعة كده ليه؟ عشان أنتِ الوحيدة اللي حسيتك زيها. أرجوكي أوعي تغيري طبيعتك النقية دي عشان حد أو عشان حاجة. ربنا هيديكِ على قد طيبة قلبك وعلى قد كل اللي اتحملتيه."
تجمعت سحبها فأمطرت وجعاً تدحرج بقوة على وجنتيها جراء كلماته.
"أنا عارف إن اللي مريتِ بيه مكنش سهل، بس صدقيني ربنا له حكمة في كل حاجة بتحصلنا. والابتلاء معناه إن ربنا بيحبك."
همست من بين عبراتها: "ونعم بالله."
ابتسم قبل أن يقول بهمس: "ربنا الوحيد اللي شايف قلوبنا من جواها وهيديها اللي تستحقه، ودي من أكتر مظاهر العدل في الدنيا."
أومأت برأسها دون أن يكن لها القدرة على الحديث.
"المفروض أفرح بالبوقين دول يعني؟"
تجاهل سخريتها مؤكداً على كل حرف يتفوه به.
"عارفة يا جنة، أنا طول عمري لوحدي. بالرغم من إن ليا أصحاب كتير، وبالرغم من إني كنت صاحب قريب لناس كتير أوي، بس ولا حد كان قريب ليا. ولا حد حسيت إني ممكن أحكيله وأعرّي قلبي ومشاعر قدامه. حاجات كتير كانت بتوجعني وتعذبني، وكنت أضحك وأهزر عادي لدرجة إن كل اللي حواليا يقولولي يا بختك، مفيش حاجة مضايقاك. حياتك زي الفل. وأنا أصلاً معنديش حياة."
سحب نفساً قوياً بداخله قبل أن يقول بابتسامة مرة: "عارفة أنا متشعبط في ريتال العيلة الصغيرة دي ليه؟ عشان الوحيدة اللي لسه بريئة وقلبها نضيف في كل اللي حواليا. وعارفة كمان أنا قربت منك بسرعة كده ليه؟ عشان أنتِ الوحيدة اللي حسيتك زيها. أرجوكي أوعي تغيري طبيعتك النقية دي عشان حد أو عشان حاجة. ربنا هيديكِ على قد طيبة قلبك وعلى قد كل اللي اتحملتيه."
تجمعت سحبها فأمطرت وجعاً تدحرج بقوة على وجنتيها جراء كلماته.
"أنا عارف إن اللي مريتِ بيه مكنش سهل، بس صدقيني ربنا له حكمة في كل حاجة بتحصلنا. والابتلاء معناه إن ربنا بيحبك."
همست من بين عبراتها: "ونعم بالله."
ابتسم قبل أن يقول بهمس: "ربنا الوحيد اللي شايف قلوبنا من جواها وهيديها اللي تستحقه، ودي من أكتر مظاهر العدل في الدنيا."
أومأت برأسها دون أن يكن لها القدرة على الحديث.
"المفروض أفرح بالبوقين دول يعني؟"
تجاهل سخريتها مؤكداً على كل حرف يتفوه به.
"عارفة يا جنة، أنا طول عمري لوحدي. بالرغم من إن ليا أصحاب كتير، وبالرغم من إني كنت صاحب قريب لناس كتير أوي، بس ولا حد كان قريب ليا. ولا حد حسيت إني ممكن أحكيله وأعرّي قلبي ومشاعر قدامه. حاجات كتير كانت بتوجعني وتعذبني، وكنت أضحك وأهزر عادي لدرجة إن كل اللي حواليا يقولولي يا بختك، مفيش حاجة مضايقاك. حياتك زي الفل. وأنا أصلاً معنديش حياة."
سحب نفساً قوياً بداخله قبل أن يقول بابتسامة مرة: "عارفة أنا متشعبط في ريتال العيلة الصغيرة دي ليه؟ عشان الوحيدة اللي لسه بريئة وقلبها نضيف في كل اللي حواليا. وعارفة كمان أنا قربت منك بسرعة كده ليه؟ عشان أنتِ الوحيدة اللي حسيتك زيها. أرجوكي أوعي تغيري طبيعتك النقية دي عشان حد أو عشان حاجة. ربنا هيديكِ على قد طيبة قلبك وعلى قد كل اللي اتحملتيه."
تجمعت سحبها فأمطرت وجعاً تدحرج بقوة
رواية بين غياهب الاقدار "في قبضةالاقدار الجزء الثاني" الفصل الرابع 4 - بقلم نورهان العشري
التفت الجميع لتلك التي ترجلت من السيارة بهيئه مبعثرة وعبرات غزيرة اختلطت بكحلها الفاحم فشكلت لوحة مرعبة لإمرأة أفنت عمرها باكية.
تعالت الشهقات من حولهم على شيرين التي كانت نظراتها مصوبة على سالم الذي كان يطالعها بغموض سرعان ما تحول لصدمة حين وجدها تتقدم خطوتين منه قبل أن تسقط مغشياً عليها.
فهب من مكانه يحملها بين ذراعيه ويتوجه بها إلى الداخل والجميع خلفه مذعور مما حدث.
كان أول من قابله هي همت التي ما أن رأت ابنتها محموله هكذا حتى صرخت بذعر:
"شيرين. بنتي. حصلها إيه؟"
لم يجبها أحد وقام سالم بوضعها على الأريكة بغرفة الجلوس ثم تراجع خطوتين واجتمع الكل حولها.
ارتمت همت جالسة بجانبها تحاول إفاقتها وهي تقول بلهفة:
"شيرين.. ردي عليا يا بنتي.. حصل إيه حد يقولي؟"
ما أن سمعت اسم شقيقتها حتى هرولت بقلب مرتعب وهي تقول ملتاعة:
"شيرين.. شيرين ردي عليا.. مالها فيها إيه؟ ما حد يرد علينا. ساكتين كدا ليه؟"
استنكرت أمينة نبرتها الغاضبة فأجابتها بصرامة:
"والله الوحيد اللي يعرف فيها إيه هي. إحنا لقيناها بتنادي على سالم وفجأة أغمي عليها."
كانت تظن أنها امرأة من الجليد ولكن الآن انصهر الجليد وتحولت إلى كرة نارية وكأنها خلقت من رحم النار التي نهشت بصدرها.
ما أن رأته يحمل تلك المرأة بين ذراعيه بتلك الطريقة فأظلمت غاباتها تنذر بهبوب عاصفة هوجاء كانت رياحها تتخبط بعنف بين ضلوعها وتجلى ذلك على صفحة وجهها المحمرة وعينيها التي أطلقت أسهم حادة.
لاحظتها شقيقتها التي اقتربت منها قائلة بخفوت:
"إنتِ تعرفيها؟"
حانت منها التفاته بسيطة ولم تكد تجيبها حتى التقت عينيها امرأة تتهادى في مشيتها وهي تناظرها بعينين تقطران سمًا.
سرعان ما تحول لوداعة وهي تنظر إلى سليم قائلة بخفوت:
"إزيك يا سليم.."
تفاجئت جنة التي لأول مرة تراه متوترًا هكذا ولكنه سرعان ما سيطر على نفسه قبل أن يومئ برأسه لها دون أي حديث.
فاقترب منه مروان الذي قال بجانب أذنه ونظرات الشماتة تغلف عينيه:
"أوبا.. شيرين ومروة مرة واحدة دي كدا ولعت زي ما هتولع إنت وأخوك إن شاء الله."
زجره سليم بغضب قاطعه كلمات مروة التي قالت بحزن زائف:
"شيرين أعصابها تعبانة يا طنط ولما شافت سالم.. أقصد شافتكم متحملتش وأغمي عليها."
التفت الجميع إلى صاحبة الصوت الرفيع والجسد الممتلئ بإغراء قاتل جعل أمينة تلوي شفتيها امتعاضاً تجلى في نبرتها حين قالت:
"وإيه اللي تعب أعصابها يا مروة؟ مش كانت مع جوزها!"
ألقت عليها همت نظرات ساخطة ثم توجهت بأنظارها إلى مروة قائلة بلوعة:
"حصل إيه يا مروة طمنيني."
طافت أنظارها وشوش المحيطين واستقرت على فرح وجنة وقالت بحرج مفتعل:
"شوية مشاكل خاصة يا طنط."
فطنت فرح لمحاولتها في إظهارهم وكأنهم دخلاء عليها.
فنظرت إلى أمينة قائلة بجفاء:
"هنروح إحنا عالملحق يا حاجة أمينة عشان جنة ترتاح شوية. والسلامة عليها."
قالت جملتها الأخيرة وهي تشير بعينيها على تلك التي بدأت تستعيد وعيها رويداً رويداً.
وبين اليقظة والمنام همست قائلة:
"سالم.."
استقر همسها في منتصف قلب فرح التي حاولت الثبات بصعوبة وهي تمر من أمامهم تنوي المغادرة.
وبداخلها نيران تحترق غضباً لا تعرف كنهه.
ولكنها توقفت حين سمعت صوته الغليظ:
"لما تفوق خليها تجيلي على المكتب."
ألقى بكلماته وتوجه إلى مكتبه ماراً بها دون أن يعيرها أي اهتمام غالقا باب المكتب في وجه الجميع.
مما جعل شعور من الألم يتولد بداخلها متحدًا مع غضبها الذي ما هو إلا غيرة جنونية على رجل كانت تحارب كل الطرق التي يمكن أن تجمعها به.
في الخارج كان ياسين يجري عدة اتصالات ولم يرد الدخول بعد ما حدث.
فتفاجئ بتلك التي همست باسمه من الخلف فاستقر همسها بيسار صدره.
ولكنه حاول الثبات حين التف يناظرها فاغوته عينيها اللامعة في ضوء الشمس التي توهجت فوق خديها.
فأسرته فتنتها للحظات فلم يجبها.
فظنت بأنه يتعمد ذلك فقالت بنبرة هادئة:
"كنت عايزة أتكلم معاك في موضوع لو ما كانش يضايقك.."
كان خارجياً يبدو جامداً لا يتأثر بشيء وقد أراد أن تكون نبرته كذلك حين أجابها باختصار:
"سامعك.."
بللت حلقها وابتلعت ريقها قبل أن تقول بتوتر:
"بخصوص الكلام اللي كنت قلته قبل كده. يعني عنك وعن فرح.. أنا.."
توقفت الكلمات على أعتاب شفتيها لا تعلم كيف تصيغها.
فباغتها قائلاً بفظاظة:
"إنتِ إيه؟ كملي."
لا تعرف كيف تخبره بأنها كانت تتلوى بنيران الغيرة والألم معاً.
وقد كان هو الآخر لا يساعدها فغمغمت بخفوت:
"أنا مكنتش أقصد.."
قاطعها قائلاً بقسوة:
"اسمها أنا آسفة.. آسفة على قلة أدبي وعلى إني ظلمتك وظلمت بنت مشوفتش منها حاجة وحشة.. مسمهاش مكنتش أقصد.. ولا بنت الوزان متعودتش تعتذر لما تغلط!"
باغتها إجابته التي لم تكن تتوقعها أبداً.
فتولد بداخلها شعور قوي بالغضب الناجم عن إهانته لمشاعرها التي كانت تظن بأن لها صدى بداخله.
مما جعلها تتجاوز قلبها بقسوة قائلة بغرور:
"كويس إنك عارف إن بنت الوزان مبتعتذرش. وضف عليهم كمان إن حتى لو اعتذرت فدا شرف مش أي حد ينوله."
اهتزاز حدقتيها المثقلة بالعبرات كان الشيء الوحيد الذي جعله يتراجع عن توبيخها.
متعمداً إضفاء السخرية على ملامحه والتي تجلت في نبرته حين قال:
"قصدك شرف متمناش إني أنوله.."
لأول مرة بحياتها تتعرض لهذا الموقف خاصة وأن كان مصحوباً بهذا الألم.
فتمنت للحظة بأن تنشق الأرض وتبتلعها من أمام عينيه التي كانت تشيعها بنظرات قاسية.
ولكنها حاولت أن تتماسك لأقصى درجة حين قالت:
"كدا إحنا متفقين.."
شعر بثقل كلماته عليها ولكنه كان غاضباً منها وكثيراً خاصة بعد أن قصت له فرح كل ما حدث منها ومن الجميع في هذا القصر.
لذلك أراد تلقينها درساً وتحجيم اندفاعها ذلك حتى وإن كان هذا مؤلماً بالنسبة إليه.
بنبرة لامبالية قال:
"متفقين على إيه؟"
لم تستطع أن تمنع كلماتها التي خرجت جريحة غاضبة:
"إني مش عايزة أشوف وشك تاني.."
فرت دمعة هاربة من طرف عينيها قبل أن تلتف وتغادره مهرولة للداخل.
فاصطدمت بمروان الذي كان ينوي الدخول إلى غرفة سالم.
فهاله رؤيتها بهذا المظهر فاقترب منها ممسكاً بيدها وهو يقول بلهفة:
"في إيه يا حلا مالك؟"
كانت تجاهد حتى تمنع سيل عبراتها مما جعل أنفاسها تضطرب بداخلها حد الألم الذي جعلها تقول بنبرة متقطعة:
"مروان.. خدني.. من هنا.. حاسة.. إني هنفجر بجد.. ومش عايزة حد.. يشوفني وأنا كدا."
مروان بلهفة:
"طب اهدي. اهدي. تعالي معايا."
امتدت يديه تحوط كتفها بحماية والتفت جاذباً إياها إلى الخارج.
فوجدت ياسين الذي كان يستند بلا مبالاة على سيارته.
ولكنه ما أن رآها وهي بين ذراعي مروان بهذا الشكل حتى تفجرت الدماء الملتهبة بأوردته واعتدل بوقفته وعينيه تلتهمانها وهي تتقدم برفقة مروان.
الذي شعر بأن له يداً في حالتها تلك وقد أغضبه هذا كثيراً.
فشدد من احتضانه لها وهما يمران به قبل أن يعطيه ابتسامة صفراء وهو يقول بصوت ماكر أراد أن يخترق مسامعه:
"حبيبتي يا لولي ليكِ عندي حتة خروجة. هلففك إسماعيلية كلها. هو أنا عندي كام لولي يعني؟"
احتارت قليلاً في أفعال مروان ولكنها لم تعرها اهتمام فقد كان غضبها يطمس كل شعور لديها في تلك اللحظة.
وخاصة حين رأته يناظرها حين مرت بجانبه برفقة مروان بتلك الطريقة التي بدت وكأنه يكره رؤيتها.
كانت فرح في طريقها للخارج وبجانبها جنة التي كانت تنازع رغبة ملحة بالعودة لأخذ طفلها من أمينة التي لم تدعه يدها أبداً.
ولكنها خائفة بل مرتعبه من رؤيته تخشى أن ترى به صورة مغتصبها.
تخشى أن تذكرها رؤيته بلحظات تُجاهد كثيراً حتى تمحيها من ذاكرتها.
ولكنها لم تستطع أن تخطو خطوة أخرى بدونه فتوقفت بمكانها.
مما جعل فرح تلتفت إليها قائلة باندهاش:
"وقفتي ليه؟"
لم تعرف كيف تجيبها.
ففطنت فرح إلى ما يحدث وتسرب داخلها شعور بالسعادة.
فاقتربت منها خطوتين قبل أن تقول برفق:
"مش قادرة تمشي وتسبيه صح؟"
أومأت برأسها تعلن موافقة لا تستطيع أن تعبر شفتيها.
وتساقطت عبراتها مما جعل يدي فرح تمتد لتزيلهم بلطف لتحتوي خديها بكفوفها وهي تقول بحنو:
"محمود ملوش ذنب في حاجة يا جنة. دا ابنك ضناكي حتة منك. أوعي تفكري تعاقبيه أو تبعدي عنه. هو دا الوحيد اللي هي هون عليكِ كل حاجة."
جنة بلهفة:
"محمود.."
فرح بحنان:
"أيوا محمود. وعلي فكرة شبه بابا جدا."
اختطف أنظاره مشهد فرح وهي تواسيها محتضنة وجهها بين يديها.
فشعر الغيرة منها وتمنى لو أنه من كان يحتضن ملامحها الجميلة بين يديه.
يتمنى لو يكون هو حضنها الدافئ الذي يمتص جميع أوجاعها ويبدل حزنها فرحاً.
من كل قلبه تمنى في تلك اللحظة لو يكن هو ملجأها الآمن من كل شيء.
ولكنه أكثر من يعلم بأن هذا مستحيل.
"سرحان في إيه كدا؟"
كان صوتاً يبغضه بقدر ما يبغض وجودها في محيطه مرة ثانية وظهورها في ذلك التوقيت بالذات.
ولكنه كعادته معها لا يحب أن يعطيها أكثر من قدرها.
فلم يكلف نفسه عناء الالتفات لها بل قال بجفاء:
"ميخصكيش."
لم يؤثر بها جفاءه.
إنما التفت لتقف أمامه تحاول فرض وجودها أمام عينيه تعاتبه برقة:
"طب اسأل عني طيب؟ قولي عاملة إيه؟ أخبارك إيه؟ أي حاجة.."
تحدث بفظاظته المعهودة:
"ولو إن الموضوع ميخصنيش ولا يفرق معايا بس يلا زي بعضه. عاملة إيه؟"
استشعرت قدومها من عينيه التي امتزج بها الشغف واللهفة معاً.
فقالت بغنج مثير:
"أحسن بكتير بعد ما شوفتك.. متتخيلش كنت مشتقالك قد إيه؟"
اخترقت جملتها مسامع جنة التي شعرت بطوفان من الغضب والإشمئزاز يغزو قلبها بعنف.
فتجلى ذلك بنظرة خاطفة ألقتها عليه حين مرت بهم.
فتعلقت عينيه به لدرجة أنه التفت لا إرادياً حين تجاوزته ومرت إلى داخل الغرفة حتى وصلت إلى أمينة التي تلهفت عينيها لرؤيتها:
"تعالي يا جنة يا حبيبتي."
تقدمت منها جنة وعينيها مسلطة على الطفل القابع بأحضانها وقالت بهدوء:
"كنت جاية آخد محمود. حضرتك شايلاه طول الطريق أكيد تعبتي!"
تعالت دقات قلبها وهي تنظر إلى حفيدها بحب تجلى في نبرتها حين قالت:
"هو أنا بردو معقول أتعب منه. دا لو قعد في حضني العمر كله متعبتش."
ابتسمت جنة قبل أن تتقدم منها بأقدام مرتعشة وأيدي حاولت أن تتحكم في ارتجافها وهي تقول بخفوت:
"ربنا يخليكي لينا."
شعرت أمينة بما يعتريها في تلك اللحظة فقالت بحنو وهي تهب من مقعدها:
"خليه معايا. هوصلك بيه."
وافقتها جنة التي أمسكت بذراعها الممسكة بطفلها وتوجهت إلى الخارج ماراً بهم.
فقالت أمينة:
"هبعتلك بنت من البنات تساعدك. متعمليش أي حاجة. خدي محمود في حضنك وريحي."
صدح صوت ساخر من خلفهم كان لهمت التي قالت:
"والله اشتقنا لحنيتك يا حاجة أمينة.. واخده بالك من مرات ابنك أوي. طب مش تجيبها تسلم على بنت عمة جوزها اللي تعبانة ولسه جاية من السفر."
كانت تشدد على كلمة زوجها بطريقة استفزته كثيراً.
فتحرك ذلك العرق النابض في رقبته.
ففطنت تلك التي أرادت أن تعيد الزمن مرة أخرى غافلة عن استحالة إحياء الموتى من جديد.
توقفت جنة وأمينة بجوارها والتي فرقت نظراتها بين همت وشيرين التي كانت ترتشف من كوب الماء بعد أن استعادت وعيها.
فقالت أمينة بتهكم:
"لما الناس ترتاح وتفوق كدا تبقى تتعرف يا همت.. خلي عندك نظر."
غضبت من إهانتها ولكنها أرادت استفزازها فقالت بنبرة ذات مغزى:
"لا في دي عندك حق. وبعدين قدامهم وقت طويل يبقوا يتعرفوا على بعض براحتهم."
كانت تشير إلى أشياء تعلم أنها ستغضب أمينة.
التي تجاهلت حديثها وواصلت تقدمها إلى الخارج.
إلى أن مرت بسليم الذي كانت عينيه مثبتة عليها بقوة.
بينما هي كانت تتفادى نظراته متعمده تجاهله هو وتلك السخيفة التي بجانبه.
ولكن باغتها حديث أمينة حين قالت:
"سليم تعال عشان توصل جنة الملحق وتشيل محمود عنها."
جاءه الغيث في طلب والدته منه مرافقتها فقد كان يشتهي أي فرصة تجمعه بها.
فاندفع يأخذ الطفل منها قاطعاً عليها هذا الاعتراض الذي ارتسم على ملامحها.
فلم يمهلها الوقت للحديث حين قال باندفاع:
"آه طبعاً. هاتي عنك."
اغتاظت من موافقته السريعة وتجلى ذلك بنظراتها النارية له.
ولكن استوقفها حديث مروة التي اغتاظت من أمينة فقالت بلهجة ناعمة كالأفاعي:
"إيه دا هو الملحق مشغول.. طب أنا الأول لما كنت باجي أزوركم كنت بقعد فيه دلوقتي هقعد فين؟"
التمعت عين أمينة بالمكر حين سمعت كلمات تلك الفتاة التي قذفت بعقلها فكرة خطيرة شرعت في تنفيذها على الفور.
فقالت بلهجة كمن تذكر شيئاً:
"آآه. تصدقي يا مروة عندك حق. إحنا فعلاً عاملين الملحق دا للضيوف. يبقى جنة وفرح ييجوا يعيشوا معانا هنا ما هم من أهل البيت وأنتِ تقعدي في الملحق هناك. عشان بردو متتكسفيش وتبقي براحتك."
لم تصدق جنة التي كانت تشاهد ما يحدث بذهول.
خاصة حين التفتت أمينة لها قائلة:
"يلا يا جنة يا حبيبتي اطلعي ارتاحي في أوضتك فوق أنتِ تعبانة وأنا هخلي البنات يطلعوا لك الأكل."
أوشكت جنة على الاعتراض فلم تمهلها أمينة التي قالت بخفوت ونبرة ذات مغزى وهي تمسك بيدها بقوة وعينيها تمنعانها من الحديث:
"يلا يا جنة يا حبيبتي اطلعي واسمعي كلامي وهنبقى نقعد نتكلم براحتنا.. يلا يا سليم طلعها أوضتها وأوعي تخليها تشيل الولد دي لسه جرحها طري."
لأول مرة يرحب بأوامر والدته بل ويقوم بتنفيذها فوراً قائلاً بتأكيد:
"طبعاً يا حاجة."
ثم وجه أنظاره إلى جنة التي تغلي من شدة الغضب وقال بنبرة هادئة حد الاستفزاز:
"إحنا تحت أمر الست جنة هانم.."
بلغ غضبها ذروته فقالت بجفاء:
"طب وفرح.."
قاطعتها أمينة قائلة بصرامة:
"أنا هقول لفرح يلا على فوق."
أطاعتها بنفاذ صبر وتوجهت برفقة ذلك الذي ارتسمت بسمة راضية على وجهه وهو يمشي بجانبها.
حدث كل هذا أمام كلا من شيرين ومروة وسما وهمت التي قالت بحنق من بين أسنانها:
"شفتي إن الوضع ما عادش ينفع يتسكت عليه أكتر من كدا."
انقشعت غيمة الضعف من عينيها وحل محلها أخرى خبيثة تجلت في نبرتها حين قالت:
"متقلقيش. كله متخططله صح."
جعدت سما أنفها وقالت بعدم فهم:
"تقصدي إيه يا شيرين؟"
شيرين بملل:
"أقصد إن الجرابيع دول لازم يطردوا من البيت يا قلب شيرين."
فغرت سما فاها وقالت بصدمة:
"إنتِ بتقولي إيه؟"
شيرين بحنق:
"مش عايزة غباوة يا سما وتعملي اللي هقولك عليه من سكات عشان أنا أساساً هطق منك سامعة ولا لا؟"
سما باستنكار:
"ليه أنا عملت إيه؟"
تدخلت همت بعد أن قامت بإغلاق باب الغرفة جيداً فزجرت شيرين بغضب وهي تقول بهدوء لسما:
"معملتيش حاجة يا روحي.. شيرين بتهزر."
حاولت شيرين جذب انتباه همت بعيداً عن سما فقالت بغرور:
"لا بس إيه رأيك في الدخلة يا مامي؟"
قهقهت همت قبل أن تقول بانبهار:
"لا عجبتيني وعجبتيني أوي لما قولتي سالم. البت اللي ما تتسمي دي كانت هتموت من الغيظ."
تدخلت مروى بمزاح:
"على فكرة بقي دي كانت فكرتي يا طنط."
شيرين بتخابث:
"على أساس إنك فكرتي كدا لله في لله ماهو عشان حبيب القلب.. سليم باشا."
تنهدت مروة بهيام وهي تقول:
"دانا أعمل كل حاجة عشان سليم. بس هو يلين."
تفرقت أنظار همت بين كلا من شيرين ومروة بغضب تجلى في نبرتها حين قالت:
"لا والله منك ليها دلوقتي بقيتوا تفكروا وتخططوا أومال ضيعتوهم من إيديكوا ليه زمان؟"
تحدثت شيرين بندم حقيقي:
"كنت عيلة ومش فاهمة يا ماما وسالم أنتِ شايفه عامل إزاي مكنش بيبُل ريقي بحرف. كان نفسي أعيش حياتي زي كل البنات."
همت بتقريع:
"وعيشتيها. اشربي بقى. وابقي وريني هتعملي إيه مع العقربة اللي اسمها فرح."
شيرين بغل:
"لو وصلت هسمها بإيدي عشان أبعدها عنه هعمل كدا اطمني سالم ليا أنا."
مروة بتصميم:
"وأنا شرحه."
همت بابتسامة:
"تعجبوني."
ناظرتهم سما بصدمة تجلت في نبرتها حين قالت:
"خرجوني من أي خطط مقرفة بتفكروا فيها. الليلة دي كلها أنا بره عنها."
أنهت جملتها وهرولت للخارج تاركة خلفها الأفاعي التي سيقتلها سمها ذات يوم.
في الخارج كانت فرح تقف مع ياسين الذي كان غاضباً من كل شيء.
وقد ظنت بأنه غاضب منها فقالت باعتذار:
"حقك عليا يا ياسين."
ياسين بغضب:
"عشان إيه بالظبط يا فرح؟"
"عشان خبيت عليك موضوع خطوبتي من سالم بس أصل…"
قاطعه بغضب:
"مفيش أصل ولا فصل! ولا في مبرر إنك تخبي عني. حكيتي الأسوأ من كدا إيه اللي يخليكِ تخبي حاجة زي دي؟"
أغضبتها لهجته ولكنها كانت تعطيه الحق فتابع بنبرة جافة:
"بالنسبالي سكوتك دا معناه حاجتين يا إما إنتِ مجبرة على الموضوع دا. يا إما إنتِ بتحبيه."
صعقته كلماته التي جعلتها تتراجع خطوة للخلف.
فتابع ياسين قائلاً بخشونة:
"وباين قوي إن الاحتمال التاني هو الصح.. أنا مش أهبل وشايف نظراتكوا لبعض."
حاولت الإنكار قائلة:
"مفيش أي حاجة من اللي بتقولها دي إنت..."
تابع بعتب:
"أنا مقعدتش كل دا أدور عليكوا غير عشان أحميكوا وألم شملنا من جديد. اتأكدي إن أي حاجة فيها مصلحتكوا عمري ما هقف قصادها. لكن تخلينا نقف قدام الناس زي العيل الصغير لا يا فرح."
كان محقاً في حديثه فقد كان لزاماً عليها أن تخبره كل شيء ولا تضعه في هذا الموقف.
لذا زفرت الهواء المكبوت لصدرها دفعة واحدة وقالت بجفاء:
"بص يا ياسين. أنا عشت عمري كله لوحدي أنا اللي بسند مبتسندش. أنا اللي باخد قراراتي وقرارات الناس اللي حواليا وأنا المسؤولة عن كل حاجة فمش في يوم وليلة عايزني أغير اللي عشته عمري كله."
كانت محقة في حديثها فهو قد بالغ في غضبه منها.
فتحدث بلهجة أكثر هدوءً:
"عندك حق. أنا مقصدتش أضايقك بس في الظروف دي لازم نكون إيد واحدة عشان نقدر نواجه اللي جاي."
شعرت بشيء أخافها في حديثه فقالت باستفهام:
"في حاجة يا ياسين قلقتني؟"
ياسين نافياً:
"لا مفيش حاجة. متشغليش بالك. المهم في حاجة تانية إنتِ مخبياها عني. مش ناقص قنبلة من اللي اسمه سالم دا في وشي تاني."
ابتسمت بوهن قبل أن تجيبه:
"الحقيقة فيه.. سليم عايز يتجوز جنة."
ارتفع حاجبيه باستفهام:
"نعم! يعني إيه عايز يتجوزها؟ وده وقته أصلاً يقول حاجة زي دي؟"
"هحكيلك."
في وقت سابق دخلت إلى غرفة شقيقتها التي كانت غارقة في ثباتها وكأنها لا تريد العودة إلى عالمهم مرة أخرى.
فتفاجئت بذلك الذي يجلس أمامها بهدوء ويديه تداعب أصابعها الساكنة بينما عينيه بدت وكأنها في حديث خاص مع ملامحها الهادئة.
فاحتارت لوهلة فيما تراه وأخذت تسترجع لهفته عليها وخوفه الشديد وإنقاذه لها الذي تكرر أكثر من مرة.
وأخيراً ملازمته لها طوال تلك الفترة ورفضه أن يغادر المشفى بالرغم من أنها كانت ترفض رؤيته كلما أخبرتها بوجوده ولكنه لم ييأس ولم يغادر.
"بتعمل إيه هنا يا سليم؟"
تفاجئ بوجودها ولكنه لم يتأثر إنما قال بلهجة هادئة:
"محبتش أسيبها لوحدها."
صححت حديثه قائلة:
"قصدك مبتعرفش تشوفها وهي صاحية فبتيجي وهي نايمة صح؟"
فاجئها حين لم ينفِ حديثها إنما أجاب ببساطة:
"صح."
لم تجد أمامها مفراً من الحديث بصراحة فقالت مستفهمة:
"عايز منها إيه يا سليم. مش كفاية كل اللي حصلها منكوا."
إجابها ببساطة تتنافى مع حجم ما تفوه به:
"عايز أتجوزها."
"إيه؟"
لفظ الهواء بقوة من رئتيه قبل أن يترك يدها ناصباً عوده وهو يتوجه إلى باب الغرفة قائلاً بفظاظة:
"لما تكون قادرة تتكلم عرفيها اللي قولتهولك دا."
اغتاظت من حديثه فقالت ساخرة:
"حتى بعد ما عرفت إنها ممكن متخلفش تاني."
لم تهتم ملامحه وكذلك نبرته حين أجابها:
"هتجوزها يا فرح. حتى لو فضلت نايمة كدا عمرها كله. خلفة وغيره مش فارقلي كتير."
صاحت تحذره:
"بس هي أكيد مش هتوافق وإنت عارف كدا وأنا بصراحة لو مكانها مش هوافق."
بدا تصميمه جلياً في نظراته وتضمن لهجته التي كانت فظة كثيراً:
"احتفظي برأيك لنفسك. وبعدين أنا معنديش مشكلة أقعد العمر كله أقنعها توافق."
عاندته كما أغضبها:
"قصدك تزهقها لحد ما توافق."
بلامبالاة أجابها:
"مش هتفرق المهم في الآخر توافق."
"عودة للوقت الحالي. حاولت استفزه كتير عشان أعرف سبب رغبته في الجواز منها بس طبعاً مقالش أكتر من كدا."
هكذا تحدثت فرح فأجابها ياسين ببساطة:
"باين أوي إنه بيحبها. وبالرغم من اللي حكيتيه بس سليم مش وحش. الموضوع صعب وأي حد في مكانه كان هيبقى دا موقفه."
زفرت بتعب قبل أن تقول باذعان:
"عندك حق. بس جنة لا يمكن هتوافق."
سليم بتفكير:
"هنشوف… المهم اعملي حسابك تجهزوا حاجتكوا كلها كام يوم وجنة تروح تعمل الفحوصات وهتطلعوا على عندنا. أنا لولا حالتها مكنتش سمحت بكدا أبداً."
شعرت بحزمة من الوخزات الموترة تضرب عمودها الفقري حين سمعت كلماته عن المغادرة وقالت بتوتر:
"تمام.. اللي.. تشوفه."
ياسين بتهكم:
"آه مانا شايف."
فرح باستفهام:
"شايف إيه؟"
أجابها ساخراً:
"شايف عينين بتطق شرار وهي بتبص علينا من الشباك اللي هناك دا."
أوشكت على الالتفات فنهرها قائلاً:
"متبصيش. خليه يطق شوية. أنا أساساً مش طايقه وفرصة أضيقه."
خطت إلى داخل الغرفة وهو خلفها.
فوقفت أمام الباب تشاهده وهو يتقدم ويضع الطفل فوق المخدع قبل أن يقبله قبلة حانية فوق جبينه الناصع.
جعلت قلبها يدق بعنف فهي للآن لم تقبل طفلها ولم تشم رائحته.
لم تحظى بلحظة دافئة معه على عكس الجميع.
وقد كان هذا مؤلم كثيراً لقلبها الذي تجلى ألمه على ملامحها وعينيها التي أغمضتها للحظات.
قطعها صوته الذي تشوبه لهفة كبيرة حين قال:
"إنتِ كويسة؟"
كانت تود الصراخ قائلة لا ولكنها تجاهلت ألمها وتقدمت تلتقط محرمة ورقية من فوق الطاولة تجفف بها دمعة خائنة تسللت من طرف عينيها قبل أن تقول بجفاء:
"كويسة.. شكراً. تقدر تنزل."
أغضبته كلماتها والأكثر أنها كانت تعطيه ظهرها تحاول وضع جدار فاصل بينهم لكي لا تتألم أكثر من ذلك.
سمعت صوت الباب يغلق فعلمت بأنه غادر فالتفتت بلهفة.
فإذا بها تتفاجئ به يقف ممسكاً بمقبض الباب وهو يقول بعينين تكاد تنفجر من شدة الغضب الذي تسلل إليها جراء تهوره.
فقالت بجفاء:
"اتفضل اخرج بره."
أجابها بصرامة:
"عايز أتكلم معاكِ."
جهرت معاندة:
"وأنا مش عايزة أتكلم معاك."
تحدى بفظاظة:
"يبقى تسمعيني."
كان الفضول بداخلها يأكلها لمعرفة ماذا يريد أو لنقل بأنها كانت ترغب بحديثه.
ولكنها تأبى الإفصاح عن ذلك لذا هبت أن تصيح معارضة.
ففاجئها حين قال بخشونة:
"أنا طلبت إيدك من فرح. قالتلك؟"
تسمرت للحظات في مكانها فشقيقتها لم تخبرها شيئاً كهذا.
ولكن تلك فرصتها لتجعله يتذوق نيران أحرقها بها سابقاً.
لذا توجهت إلى المقعد تجلس بهدوء فقد كانت ملامحها جامدة تغلفها بقناع من الثلج الذي يتنافى مع تلك النيران التي تحيط بهم.
وبنبرة جافة أجابته:
"آيوا قالتلي. وأظن إن إجابتي وصلتك من زمان."
كانت عينيه تطالعها بشغف واشتهاء نابع من احتراقه بالشوق المضني الذي فاقت حرارته النيران المندلعة بالخارج.
وقال بهمس خافت:
"عايز أعرف الإجابة منك."
نظراته وهسهسه وأنفاسه المحيطة بها كانت كفيضان مباغت ضرب سداً هشاً فأجهز عليه.
فانهارت داخلياً ولكنها أبقت القشرة الخارجية جامدة لا تتأثر بشيء.
وبعينين ثابتتين ونبرة قوية أجابته:
"لو آخر راجل في الدنيا عمري ما هتجوزك!"
لم تكن تلك المرة الأولى الذي يستمع فيها إلى هذا التصريح.
ولكن الآن بعدما أُزيلت كل الحواجز التي تمنع اجتماعهم كان الأمر بالنسبة له كارثياً.
لذا تقدم خطوتين منها وقال بنظرات يملؤها التصميم الذي تضمن لهجته حين أجابها قائلاً:
"طب اعرفي بقى إن أنا الراجل الوحيد في الدنيا دي اللي هينفع تتجوزيه."
صاحت معاندة:
"يبقى هشيل فكرة الجواز من دماغي خالص."
كانت الشيء الوحيد الذي اشتهاه بكل جوارحه والتنازل عنه درب من دروب المستحيل.
فتحدث بلهجة تحمل الهدوء والخطر معاً:
"وماله شيليها براحتك وأنا هعرف بطريقتي أدخلها تاني في دماغك."
كان لتمسكه بها وقعاً مثيراً على قلبها ولكنه لم يفلح في تخدير أوجاعها التي عادت إلى السطح بقوة.
جعلتها تقول بنبرة ساخرة:
"بصراحة فاجأتني وعجبني إصرارك أوي وعشان كدا هسلهالك. في سؤال لو جاوبتني عليه بصراحة هنزل دلوقتي أقولهم إني موافقة أتجوزك."
تنبهت حواسه لحديثها الذي جعل أنفاسه تتضارب في صدره بعنف حتى أوشكت على تحطيم ضلوعه.
وبأنفاس مقطوعة أجابها:
"سؤال إيه؟"
وضعت سيف الحيرة الباتر على رقبته حين قالت بملامح متألمة ولهجة مجروحة:
"لو مكنش حازم ضحك عليا وكان كل شيء حصل بينا برضايا كنت هتفضل مصر تتجوزني كدا بردو؟"
كانت كمن حفر بئراً من الجحيم وألقاه به؟ أوهمته ببلوغ الجنة وأحكمت غلق بابها بأصفاد نارية ولزاماً عليه عبوره أو الاحتراق بنيران الفراق الذي كان أقوى من استطاعته على التحمل.
أغمض عينيه للحظات قبل أن يعيد فتحها من جديد زافراً الهواء المكبوت بصدره دفعة واحدة وهو يقول بنبرة ثابتة استقرت في منتصف قلبها:
"لا!!"
تجمدت الدماء بأوردتها حتى صارت جليداً فقد كانت تتوقع تلك الإجابة ولكنها كانت ترفضها بشدة.
كانت تتمنى لو أنه يقول بأنه يتقبلها بكل شيء مهما بلغ سوءه.
ولكنه فاجأها حين قال بلهجة قوية:
"الموضوع مش شخصي يا جنة. ولا ينفع نحكم فيه بمشاعرنا."
هبت غاضبة وقالت بنبرة ساخطة:
"مش هتفرق معايا حكمت بإيه المهم الجواب النهائي."
"تبقي غلطانة.. قوليلي يا جنة لو شوفتي شخص بيقتل قدامك مهما كانت مبرراته هتقدري تأمنيله؟ يعني هتقدري تديله ضهرك وإنتِ مطمنة؟ ورجاءً جاوبيني من غير جدال."
جذب انتباهها بكلماته التي أخمدت ثورتها للحظات وأجابته باختصار:
"أكيد لا."
فتابع مستفهماً:
"طب ولو عرفتي إنه قتل أغلى شخص عنده في الدنيا عشان سبب تافه. هتقدري تعيشي مع الشخص دا وتأمنيله عادي؟"
أجابته بفضول لمعرفة ما وراء حديثه:
"أكيد لا. مينفعش آمنله بعد ما عمل كدا."
أجابها بلهجة منتصرة:
"شوفتي بقى. الموضوع كله هنا في الأمان.. لما بنت تقبل تتجوز عرفي عشان سبب تافه زي إنها بتحب دا اسمه قتل. قتل لكرامتها وعزة نفسها وسمعتها. تحت مسمى تافه اسمه الحب. دي ينفع يتأمنلها إزاي؟ إذا كانت هي أصلاً مكنتش أمينة على شرفها اللي مفروض أغلى حاجة عندها في الدنيا يبقى هتبقى أمينة على شرف جوزها؟"
وقعت كلماته عليها كصاعقة برق أصابتها في أكثر نقاطها ألماً.
فهبت معارضة بلوعة:
"بس أنا معملتش كدا. أنا قبلت أمضي على ورقة تضمن إنه يتمسك بالحياة عشان يتعالج. عمري ما كنت هوافق إنه يتمادى معايا أكتر من كدا. أنا عمري حتى ما سبته يمسك إيدي."
كانت ترفق كلماتها المجروحة بعبرات سقطت كجمرات فوق قلبه الذي أعلن إسلامه أمام عشقها الضاري.
فاقترب منها خطوتين ويديه تقترب منها تحاول تهدئتها.
فتراجعت هي إلى الخلف بجزع أصابه في الصميم فقال بلهفة:
"أنا عارف إنك معملتيش كدا. أنا بس حبيت أفهمك إن زي ما الست بتبقى محتاجة من الراجل الأمان هو كمان بيبقى محتاجه منها."
لانت نظراتها قليلاً حين تحدث هكذا وبداخلها شيء قوي يخبره بأنه على صواب في كل كلمة قالها.
ولكنها أبت التراجع عن موقفها فتابع سليم بخشونة:
"صدقتي أو لا أنا كان عندي إحساس كبير إنك متعمليش كدا. بس لسبب جوايا كنت بكذبه أو بمعنى أصح بقاومه. لكن دلوقتي.."
قاطعته بصرامة:
"دلوقتي مفيش أي حاجة اتغيرت. إحنا زي ما إحنا. ولو أنا رفضت الجواز منك قبل كدا مرة. فأنا دلوقتي هرفضه ألف مرة."
كانت طريقة احترافية في الانتقام وقد تقبلها هو بثبات على عكس ألمه الداخلي والذي حاول قدر الإمكان أن يتجاوزه حين قال بثبات:
"طلبتِ مني إجابة صريحة وجاوبتك. وإنتِ وعدتي إنك هتوافقي لو جاوبتك بصراحة."
اغتاظت منه بشدة فحاولت أن تغضبه فهي تعلم أنه ليس برجل صبور أبداً ولن يتقبل سخريتها.
"هو أنا مقولتلكش. أصل أنا عيلة وميتأخدليش على كلام والحق عليك إنك صدقتني.. ودلوقتي أعرف إني عمري ما هوافق أتجوزك أبداً."
كان يعلم محاولتها في استفزازه فتجاهل ذلك.
وبدلاً من الغضب عليها فقد راقت له تعابير وجهها الطفولية.
فتأكد بأنه أمام طفلة لم تكبر روحها فابتسم بخفوت قبل أن يقول ساخراً:
"طب كويس إنك عرفتيني إنك عيلة وما يتخدش على كلامك."
تنبهت لمغزى حديثه فانتفضت أوردتها غضباً وقالت بانفعال:
"لو سمحت اتفضل عشان تعبانة وعايزة أنام."
أراد إغضابها فقال ساخراً:
"هبعتلك حد ييجي يقعد معاكِ أصل إحنا مبنسيبش العيال الصغيرة يقعدوا لوحدهم."
ألقى جملته الساخرة في وجهها قبل أن يغادر وعلى فمه ابتسامة مستفزة جعلتها تصرخ بغضب وصل إلى مسامعه وهو يغادر إلى الأسفل.
طرقات خافتة على باب الغرفة جعلته يدرك من القادم.
فتوجه إلى مقعده خلف المكتب و بداخله نيران تود لو تحرق الجميع وعلى رأسهم هي!
لم يفلح أحد في إثارة غضبه كتلك المرأة التي لا يعلم كيف يتعامل معها ولا يفلح في تجاوزها.
وكأنها وقفت بالمنتصف بينه وبين قدرته على التحكم في كل شيء يدور حوله.
زفر معاناته بغضب قبل أن يأمر الطارق أن يدخل فانفتح الباب وأطلت شيرين التي صلحت زينتها واستعادت وعيها بالكامل قبل أن تدلف إلى غرفته.
فقد كانت تخشى هذا اللقاء كثيراً بالرغم من أنها من خططت له.
"قالولي أول ما فوقت إنك عايزني."
تحدثت بوداعة ورقة تميزها كثيراً فأجابها بفظاظة:
"عاملة إيه دلوقتي؟"
حادثته بخفوت:
"الحمد لله."
أومأت برأسه قبل أن يقول بخشونة:
"إيه اللي حصل؟"
تدحرجت العبرات على خديها قبل أن تقول بخفوت:
"مبقتش قادرة أتحمل اللي بيحصل."
بدا غير متأثر بعبراتها وقال بفظاظة:
"اللي هو إيه؟"
انفعلت بنبرتها الرقيقة تزامنًا مع عبراتها الغزيرة علها تؤثر به:
"خيانة وإهمال وبهدلة وآخرهم.. الضرب!"
توسعت عينيه من حديثها وارتسم بهم غضب مخيف تجلى في نبرته حين قال:
"ضربك!"
أومأت برأسها دون حديث فتبدلت ملامحه إلى أخرى مكفهرة.
فأتاه صوتها المجروح حين قالت بألم:
"ارجوك متقوليش إنتِ اللي اخترتيه؟"
ظلت ملامحه على حالها ولكن لهجته كانت موبخة حين قال:
"إنتِ اللي قولتي مش أنا."
هبت من مكانها قالت بانفعال:
"اخترته عشان قدملي أكتر حاجة كنت محتاجاها. كان أكتر حد بيهتم بيا وبيقف جمبي في حين إن خطيبي كان مشغول بأمور العيلة والفلوس والشركات وناسيني."
لم تتأثر ملامحه شبرًا واحدًا ولا حتى نبرته حين خاطبها:
"خدتي نصيبك اللي تستاهليه. الموضوع ملوش علاقة بيا أو بغيري."
اغتاظت من حديثه فقالت بإنفعال:
"بس إنت عارف إني عمري ما حبيت…"
قاطعها بصرامة:
"تقدري تخرجي وأنا هشوف شغلي معاه."
لم تجادله إنما قالت بغضب:
"أنا عايزة أطلق منه."
أجابها بلامبالاة وعينيه موجهة على الحاسوب أمامه:
"هربيه الأول وتبقي نشوف بعد كدا."
اقتربت من مكتبه إلى أن وصلت أمامه مباشرة وقالت بهمس:
"سالم."
رفع أنظاره الجامدة إليها دون حديث فتابعت بعينين يملؤهما الضعف والامتنان الذي شكلا مزيج خطر لا يقاوم:
"ميرسي عشان متخلتش عني وأنا في عز ضعفي."
أرفقت جملتها بعبرات زائفة كزيف حديثها وضعفها المفتعل.
فأجابها باختصار:
"العفو."
طرق على باب الغرفة جعلت جميع حواسه تتأهب فقد علم هوية صاحبتها التي كانت هي بطلة أحلامه نوماً ويقظة.
والتي كان يعاني من أجلها منذ دقائق والآن أتت بقدميها إليه.
فتقاذفت دقاته وتجلى ذلك للحظة في عينيه.
وقد لاحظت ذلك تلك الأفعى التي تتلون بلون الضعف لتأثره في شباكها مرة أخرى.
وقد أنوت تلك المرة أن تصيب هدفها بإتقان.
أطلت فرح برأسها من الباب وتفاجئ بشيرين التي تقف أمام مكتب سالم الذي كانت نظراته منصبه فوقها بتركيز.
فقد أوشك أن يقع فريسة لسحرها منذ ساعات ويفصح عن ما يجيش بصدره نحوها ويؤرق لياليه.
ولكن أنقذه القدر باللحظة المناسبة.
وقد عنف نفسه بشدة وقرر أن يتجاهل وجودها حتى يعلم أي طريق عليه أن يسلك معها.
ولكنها كعادتها تفاجئه وتأتي إلى عرينه.
"أهلاً يا… تقريباً فرح؟"
هكذا تحدثت شيرين وهي تطالع فرح بهدوء ونظرات صافية.
فأجابها فرح باختصار:
"أهلاً."
كانت لهجتها يشوبها العدائية.
فتراجعت شيرين خطوتين إلى الخلف وأعادت أنظارها لسالم الذي لم يندهش لطريقتها إنما شعر بالانتشاء للحظات.
فقد رأى ما خلف نظراتها.
ولكنه لم يعلق بل ابتسم لشيرين قبل أن يقول بنبرة هادئة:
"اطلعي أنتِ عشان ترتاحي أنتِ جاية من سفر وأكيد تعبانة."
لم تتفاجئ شيرين من حديثه معها فهي تدرك جيداً ما يحدث.
لذا أكملت لعبته حين قالت برقة:
"أنا فعلاً تعبانة جداً. مرة تانية ميرسي يا سالم حقيقي أنتِ مفيش منك."
كان الأمر مثيراً للضحك فكلاهما يلعب مع الآخر حتى يصل إلى مبتغاه.
وهي وحدها من تقف بالزاوية تحترق للحد الذي جعلها لا تستطيع الصمت.
فما أن غادرت شيرين الغرفة حتى تحدثت ساخرة:
"ياااه تصدق اللي زيك خلصوا من زمان."
كانت النيران مشتعلة بحدائق الزيتون الذي يلون حدقتيها.
وقد كان هذا يروق له فمن العدل أن تتذوق قليلاً مما تجرعه في الأيام المنصرمة.
لذا تابع اللعب على أوتار غضبها قائلاً بغرور:
"أنا مفيش زيي أصلاً."
اللعنة على غروره فقد كانت تسخر منه لا تجامله.
ذلك المتغطرس الوغد كما كانت تسميه يعود إلى ألعابه السابقة.
ولكنه لم تجعله يستفزها لذا قالت ساخرة:
"دا من رحمة ربنا بينا."
حاول كبت ضحكة كادت أن تظهر على شفتيه.
فقد كان مظهرها وهي تكظم غيظها مثيراً للحد الذي جعله ينسى كل شيء ويستمتع بنزاله معها الذي اشتاقه بكل جوارحه.
"كنتِ عايزة إيه؟"
باغتها سؤاله الفظ الذي لم تكن تتوقعه.
فهي كانت مترددة في إخباره بما تريد وكان تخشى أن يتطرق الأمر إلى ما حدث صباحاً عن سبب رغبته في الزواج منها.
فقد شعرت بأنه سيخبرها بشيء مهم.
ولكن اتصال ياسين حال دون ذلك أو لنقل أنقذها من شيء لن تستطيع تحمله.
طال صمتها كثيراً مما جعله يستمتع بمراقبتها دون أن تشعر.
وبداخله رغبة ملحة في الاقتراب منها والاستمتاع بمراقبتها عن قرب.
كان يشتهيها بقوة.
يريد منها كل ما يتاح له أخذه.
يريد محادثاتها وإغضابها مراضاتها والعبث معها بالكلمات وربما بالأفعال.
يود احتضانها حتى يستمع إلى صوت طقطقة عظامها بين ذراعيه.
يود تقبيلها حتى يدمي تلك الشفاه الرائعة من كثرة التقبيل.
يود لو يعاقبها على شوقه الضاري نحوها ومن ثم يراضيها بطريقة تشبع جوعه الشديد لها.
للحظة تخيل أن تخضع تلك المهرة الأبية تحت سيطرته.
يبثها مشاعر عاتية قد لا تتحملها قوتها التي تدعيها.
"كنت عايزة أطلب منك تقنع الحاجة أمينة إنها متضغطش على جنة في موضوع إننا نفضل هنا."
ضربه قوية اخترقت خيالاته الجامحة تجاهها حين سمع ذلك الحديث الذي لم يكن يتوقعه أبداً.
فتبدلت ملامحه المرتخية إلى أخرى مشدودة.
جعلتها تدرك أنه غاضب بشدة وقد هالها مظهره.
حين نصب عوده الفارع وتقدم منها بخطى سلحفية بينما عينيه تحمل وعيداً تجلى في نبرته حين قال:
"إنتِ عايزاني أقنع الحاجة إنها تسيبكم تمشوا من هنا!"
كان استفهامه يحمل تهديداً صريحاً بينما عينيه تتحداها أن تؤكد على ما تفوهت به.
فجاهدت ألا تتراجع إلى الخلف قائلة بنبرة هادئة:
"مش بالظبط بس جنة من وقت اللي حصل وهي مش مظبوطة وخايفة لو ضغطنا عليها في أي حاجة تتعب أكتر أو تنهار. دا كلام الدكتور النفسي لينا."
لم يفلح حديثها في إخماد غضبه فقال بلهجة خطرة:
"وإنتِ إيه رأيك؟"
إجابته بتوتر:
"في إيه؟"
هسهس بغضب:
"عايزة تمشي من هنا؟"
احتارت بما تجيبه أو لنقل لا تعلم بما تجيبه فاخفضت بصرها قبل أن تقول بلهجة يشوبها الحزن:
"كدا ولا كدا هييجي يوم وأمشي. دا مش مكاني. وبصراحة أكتر أنا كنت جايه عشان أقولك إني همشي مع ياسين دلوقتي. وجودي مبقالهوش داعي. أتمنى تكون فهمتني…"
شهقة قوية خرجت من جوفها حين تفاجئت بيده تقبض على معصمها تجذبها إليه بعنف.
جعلها ترتطم بسياج صدره الذي كان يخفق بجنون.
لا يعلم غضباً أو شوقاً.
جل ما يدركه في تلك اللحظة أن هذه المرأة قضت على مخزون الصبر لديه.
فضرب بكل شيء عرض الحائط وليذهب التعقل إلى الجنون:
"مكانك هنا. سواء اتقبلتي دا أو لا؟ إنتِ آخر واحدة ممكن تمشي من القصر دا."
كان قريباً منها بدرجة مرعبة يحاوطه بقوة جعلتها ترتجف داخلياً.
وخاصة حين شدد من قبضته على رسغها فقالت بارتباك:
"سالم مينفعش كدا."
قاطعها بصرامة أخافتها:
"سمعتيني؟ ولا أسمعك تاني؟"
غضبت من ضغطه الشديد عليها وودت لو تخبره بأنها تخشى تلك المشاعر التي يقذفها بداخلها.
تخشاه ولا تضمن نفسها بجواره تخشى كل شيء.
لذا قالت بحدة:
"مسمعتش ومش هسمع و بالنسبالي مش هقبل إنك تفرض سيطرتك عليا لمجرد إنك مفكر نفسك الطرف الأقوى."
ود لو يطلق ضحكة ساخرة من جوفه الذي يحترق بقربها في تلك اللحظة.
تظن أنه يرى نفسه أقوى؟ ولا تدرك بأنه لأول مرة بحياته أصبح ضعيفاً أمامها.
كان يشعر تجاهها بإنتماء وكأن ضلعه الأعوج يحن إلى تلك التي خلقت منه.
نعم هي له ومنه وبها سيكتمل.
"مين قالك إني شايفك ضعيفة. أو إني أقوى منك. لو كنتِ عايزة تسمعيها مني فأنتِ أول ست أقابلها وانبهر بقوتها."
كان يتحدث هامساً ولكن ذلك الهمس كان يخترق قلبها بقوة ويستقر في أعماق فؤادها الذي تعثرت نبضاته.
حين أكمل:
"إنتِ الوحيدة اللي حققتي المعادلة الصعبة وجيتي زي ما كنت عايز بالظبط."
هنا تذكرت جملته أمام والدتها حين أخبرها بأن الرجل يريد امرأة معه ورجل في غيابه.
ترى هل كان يقصدها وقتها؟ هل يحمل بداخله شيئاً خاصاً لها؟
سري الضعف بأوردتها وخارت قواها في القتال.
فقد كانت تخشى من تكرار جرحاً لم تحتمله مرة أخرى خاصة وأن كان منه.
فخرج همسها خافتاً:
"انت عايز مني إيه؟"
"عايزك يا فرح."
كانت إجابته قوية بقدر وضوحها تخفي الكثير بين طياتها.
مما جعلها تشعر بالرغبة في الهرب.
وكأنه شعر بما تنتويه فشدد من قبضتيه فوق ذراعيها قبل أن يقول بعينين التي تلتهمان تفاصيل وجهها الرائع:
"عايزك بكل ما في الكلمة من معنى…"
قاطع حديثهم صوت طلقات نارية اخترقت مسامع الجميع وووويتبع.
رواية بين غياهب الاقدار "في قبضةالاقدار الجزء الثاني" الفصل الخامس 5 - بقلم نورهان العشري
كانت تقف أمامه بشموخ وملامح أبيه لا تعرف الوهن أبدًا، بينما ناشدته عيناها بتضرع:
"عندما ترى غرقي لا تكتفِ بأن تمد يديك لي، بل احتضنني بكل ما أوتيت من قوة. انتشل قلبي عنوة من بحر الألم الذي اعتاد أن يقتات على روحي حتى أهلكها. فأنا بكل ما أملك من كبرياء وألم أحتاجك."
اخترق نداءها الصامت أعماق قلبه الذي خلع ثوب الكبرياء جانبًا وخاطبها بكل ما أوتي من حب:
"أن تختاري كتفي متكئًا لأحزانك، وأن تكون ذراعي ملجأكِ الوحيد، فهذا يعني أن تكوني في أمان دائمًا مهما كلفني الأمر!"
تعالت الصرخات حين دوى إطلاق النيران في الخارج، وفزعت القلوب التي كانت غارقة في العشق حتى أذنيها، ومن بينها قلبها الذي سقط مرتعبًا بين ضلوعها، وخرجت من جوفها صرخة مستنجدة:
"إيه اللي بيحصل بره؟"
جاءت إجابته مطمئنة كعينيه:
"اهدئي يا فرح، مفيش حاجة."
ربت عليها حانية، اتبعها على ذراعها، قبل أن يتوجه إلى النافذة لرؤية ما يحدث. فوجد رجاله يهرولون إلى خارج القصر، فتراجع متوجهًا في الحال إلى باب الغرفة لمعرفة ما الأمر، فإذا بها تتبعه وهي تقول بلهفة:
"إيه يا سالم؟"
أمرها بصرامة:
"خليكِ هنا، متجيش ورايا."
استنكرت أمره وهبت أن تعارضه، فنهرها بعنف:
"اسمعي الكلام يا فرح."
لم تتيح لها الفرصة للرد، فقد غادر بلمح البصر، وبصوت قوي ونبرة صارمة أمرهم:
"محدش يخرج بره لحد ما نعرف إيه اللي حصل."
تراجع الجميع، ومن بينهم أمينة التي قالت بلهفة:
"استر يا رب."
في الخارج، كان كلا من سليم وياسين يقفان مع الحرس ينظران إلى جثة ذلك الرجل الملقاة على الأرض. حين أطل عليهم سالم الذي تعاظم الغضب بداخله حين شاهد الدماء على الأرض، فقال من بين أسنانه:
"حصل إيه؟"
تحدث رئيس الحرس يجيبه:
"كنا قاعدين وفجأة سمعنا ضرب نار، كان عادل هو اللي عليه الحراسة. طلعنا كلنا لقيناه مشتبك مع ناس ملثمة راكبين عربية. اتعاملنا معاهم، وفي وسط الضرب جت رصاصة موتته وهما هربوا."
صاح سليم بانفعال:
"يعني إيه هربوا دي؟ وانتوا إزاي مخلصتوش عليهم؟ بقى شوية كلاب يهجموا على بيتنا ويموتوا الراجل بتاعنا ويمشوا؟"
القائد بغضب:
"سليم بيه، إحنا اتعاملنا، وقبل ما نطلع كان هو اتصاب في كتفه، محدش فينا قصر. وبعدين دول كانوا تلاتة بيضربوا نار عليه، ولما إحنا طلعنا جريوا."
أوشك سليم على الحديث، فأوقفه سالم الذي قال بجفاء:
"خدتوا رقم العربية؟"
الحارس:
"العربية مكنتش معلقة لوح، بس أنا لمحت واحد لابس عمة. الإزاز كان متفيم، ولما ضربنا نار كتير الإزاز اتكسر وهما جريوا."
زفر سالم بحنق، فقد بلغ الغضب منه أقسى درجاته، فزفر الهواء المكبوت بصدره دفعة واحدة، قبل أن يقول بقسوة:
"روح شوف شغلك. وهاتلي كل المعلومات عن عادل وأهله."
استفسر الحارس قائلاً:
"طب حضرتك هنبلغ البوليس ولا إيه؟"
أجابه سليم بغضب:
"لأ طبعًا. إحنا هنعرف نتصرف ونجيب حق الراجل بتاعنا."
تحدث سالم بغلظة:
"بلغ البوليس يا ابني. إحنا مش بلطجية."
كانت نظراته مصوبة على ذلك الذي يرتدي قناع الصمت والهدوء من البداية، ولكنه قرر قطعه حين قال:
"سالم بيه عنده حق يا سليم. في واحد مات ولازم الشرطة تتدخل."
انصرف الحارس، وتوجه الجميع إلى الداخل. فخطى سالم إلى مكتبه، ولكنه توقف ما أن رأى النساء يقفن أمام الباب بنظرات اختلط بها الذعر والاستفهام معًا، فقال بنبرة لا تقبل الجدال:
"مفيش خروج من البيت غير بإذني، ودا أمر موجه للكل، واللي مش هينفذه ميلومش غير نفسه."
أنهى جملته وخطى إلى داخل المكتب، صافقًا الباب خلفه، تاركًا الجميع في تساؤل. أجاب عنه سليم الذي قال وعيناه مسلطة عليها:
"متقلقوش، مفيش حاجة. دا واحد كان بيشتغل معانا، والظاهر كان في عداوة ليه مع حد وكان بيصفيها."
كان من الداخل كبركان ثائر، من سمع حديث الحارس أن أحد الأشخاص كان يرتدي عمامة، وأخذت الظنون تعصف به، يتقاذفه ألف شعور ما بين نفي هواجسه وتأكيدها. ولسوء الحظ، لم يكن يستطيع أن يفصح عن تلك الظنون أبدًا.
أخرجه من شروده صوت سليم الذي قال مستفسرًا:
"حلا فين؟ أنا مش شايفها؟"
ارتعبت أمينة وقالت بذعر:
"حلا... حلا بنتي فين؟"
تدخل ياسين قائلاً بامتعاض:
"كانت خارجة مع قريكوا دا من شوية."
لم يرد نطق اسمه، فقد كان يود لو يحطم رأسه. وقد تجلى امتعاضه على ملامحه حين سمع سليم الذي حادث مروان يخبره بضرورة التوجه إلى المنزل في الحال.
تدخلت شيرين التي قالت بتهكم:
"إيه اللي بيحصل دا؟ إحنا عمر الحاجات دي ما حصلت في بيتنا قبل كده!"
أجابتها همت بنظرات تعرف طريقها إلى الشقيقتين:
"إنتي بتقولي فيها يا شيرين. البيت اتغير والمهزلة كترت."
لم يستطع الصمت أمام تلك الطلقات التي كان يعلم وجهتها، فقال بنبرة قاسية وعينين أشد قسوة:
"قريب هتخلص المهزلة دي يا عمتي، متقلقيش. دا وعد من سليم الوزان، وإنتي عارفة إني عمري ما برجع في وعودي أبدًا."
كان تهديده الصريح يقطر من بين كلماته التي أربكت همت للحظات، فتدخلت مروة قائلة بغباء:
"طبعًا سليم الوزان عمره ما بيرجع في وعوده أبدًا."
كانت تشير إلى وعود المراهقة التي عفى عليها الزمن ودنستها حقارة النوايا، فجعلت منها مسخًا لا يعترف به. فلم يجيبها، بل اكتفى بنظرة تضمنت كل معاني الاحتقار. فسخرت شيرين قائلة:
"دا واضح إني غبت كتير أوي؟"
أجابتها أمينة التي استطاعت لملمة نفسها، قائلة بنبرة قاسية:
"غبتي لدرجة إننا نسيناكي يا حبيبتي. ومبقناش فاكرين إن كان في حد عايش معانا اسمه شيرين."
كانت كلا من فرح وجنة يراقبان ما يحدث بصمت مطبق، قطعه سالم الذي أشار إليهما. فلبت جنة نداءه، فقد ضاقت ذرعًا بتلك الفتاة التي لا تملك أدنى ذرة حياء. وتبعته فرح بأقدام مثقلة بمشاعر لم تكتمل، وخوف تغلغل إلى داخل قلبها.
*************
كان أول المتحدثين هو ياسين، الذي ما أن أصبحوا في الحديقة حتى قال بخشونة:
"بعد اللي حصل دا مش هقدر أسيبكوا لحظة واحدة هنا."
رفعت فرح عينيها تناظره بصدمة، كانت لجنة نصيبًا منها، والتي قالت بنبرة خافتة:
"بس يا سليم. أنا وعدت الحاجة أمينة إننا هنقعد معاها كام يوم وبعدين…"
قاطعها ياسين بنفاذ صبر:
"معدش ينفع يا جنة. إنتِ شوفتي اللي حصل، وأنا مش هخاطر بيكوا، خصوصًا إن دا ممكن يتكرر تاني."
كان بنظراته شيء ارتعب له قلب فرح، التي كانت تناظره باستفهام، فأجاب على استفهامها قائلاً:
"مينفعش تقعدوا هنا لحظة واحدة يا فرح. إنتِ مدركة الوضع."
أكدت كلماته شكوكها التي تهشت بقلبها، وهي تناظر جنة التي لم تكن تفهم شيئًا مما يحدث، فقالت باستياء:
"إنتوا بتخوفوني ليه؟ مش سليم قال إن دي مشاكل بين الحارس دا وبين ناس وهما بياخدوا حقهم منه. إحنا مالنا بقى؟"
أجابت فرح هذه المرة بدلاً من ياسين، فقد شعرت بما يعتمل بداخل شقيقتها، فقالت بنبرة ذات مغزى:
"ياسين عنده حق يا جنة، ولو كنتِ حابة تعيشي هنا، فقدامك طريقة واحدة وهي الجواز من سليم. فيا نمشي مع ياسين، يا تتجوزي سليم وتعيشي هنا على طول. اختاري."
كانت تعلم بأن هذه هي الطريقة الوحيدة التي ستجعلها تغادر في الحال دون مجادلة، وقد صح ظنها، فقد امتقع وجه جنة، الذي كان الحديث له صدى كبير بداخل قلبها، الذي تقاذفت دقاته بعنف، وتراجعت خطوتين إلى الخلف، وهي تقول بنبرة مستنكرة خرجت من شفتيها المرتجفتين:
"إيه؟ إنتِ بتقولي إيه يا فرح؟ سليم مين اللي اتجوزه؟ لأ طبعًا مفيش الكلام دا. أنا موافقة، هجهز حاجاتي وهجيب محمود وأنا نمشي دلوقتي لو حابين."
كانت أنفاسها الهادرة خير دليل على ظن فرح، التي علمت أنها وقعت في شراك العشق مرة أخرى، وقد أشْفَقَت على صغيرتها التي لم تتعافَ من كارثتها الأولى بعد، والتي تعلم أن عواقبها وخيمة.
تحدث ياسين وعيناه تتفهم ما يحدث مع جنة، فقال بنبرة حانية:
"طول عمرك بتسمعي الكلام يا جنة. يالا بقى اطلعي جهزي حاجتك، وأنا هتكلم مع سالم أفندي."
ما أن أنهى مكالمته، حتى سمع زامور سيارة مسرعة توقفت أمامهم مباشرة، وترجل منها كلا من مروان وحلا، التي كانت مرتعَبة من مظهر الدماء التي رأتها عند البوابة. فالتفت مروان يعاونها على السير، وما أن مر بهم حتى توقف، وقال بنبرة خائفة:
"حصل إيه، وإيه الجثة اللي بره دي؟"
تحدث ياسين من بين أسنانه:
"عربية فيها ملثمين هاجمت المزرعة، وواحد من الحرس مات."
شهقة قوية خرجت من جوف حلا، التي لم تعد قدماها تحملها، فارتخت وكادت أن تقع، لولا يدي مروان التي حالت دون ذلك. فاندفع ياسين والفتيات تجاهها، وكان هو أول من تحدث قائلاً:
"إنتِ كويسة؟"
لم تستطع حلا إجابته، بل ناظرته بعينين مرتعبتين باكيتين اخترقت قلبه، الذي تلهف لرؤية خوفها بتلك الطريقة، وود لو يكن هو الذراع التي تطمئنها. ولكن جاءت كلمات مروان الذي قال بطمأنة:
"اهدي يا حلا، متخافيش يا حبيبتي."
ومن ثم توجهت نظراته إلى ياسين قائلاً بتوبيخ:
"حد يقول لحد كدا في وشه. خضتها."
لم يستطيع ياسين الصمود، فقد تملكته غيرة هوجاء جعلته يقول بغضب:
"وإنت مال أهلك؟ هتعلمني أتكلم إزاي؟"
صاح مروان بغضب:
"إنت محتاج تتربى الأول، وبعدين تبقى تتعلم."
جن جنون ياسين الذي اقترب من مروان ينوي الإطاحة به، وهو يقول بصوت أرعدهم جميعًا:
"طب والله لهوريك التربية على أصولها."
بلحظة، كانت فرح تقف بينهم وهي تقول بغضب:
"إيه يا ياسين؟ إيه الجنان دا؟"
صاح مروان من خلفها:
"سبيه يا فرح يورينا آخره. هطلع حلا بس أوضتها وأجيلك توريني نفسك."
تدخلت جنة التي كانت تخشى من تلك المعركة الدامية التي على وشك أن تبدأ:
"اهدأ يا مروان، واطلع ودي حلا أوضتها."
تعاظم الغضب بداخله، وأحرقت الغيرة شرايينه حين سمع حديث جنة وتخيلها بين أحضانه يحملها، فصرخ قاصدًا استفزاز مروان:
"أيوه اهرب، اهرب. دا اللي إنت فالِح فيه."
هاج غضب مروان الممسك بحلا، فنظر إلى جنة قائلاً بصراخ:
"امسكي حلا يا جنة، وأنا أوريه مين دا اللي بيهرب. وديني لهربيه من أول وجديد."
لم تطيعه جنة، وقالت في محاولة لتهدئته:
"خلاص يا مروان، امسحها فيا أنا."
أجابها مروان بحنق:
"عشان خاطرك بس يا جنة."
حاولت فرح هي الأخرى تهدئة ياسين، الذي برزت عروق رقبته، فبدا كالوحوش:
"ياسين إيه بقى؟ ما تهدى إنت كمان."
كانت عيني ياسين تطوف فوق يديه الممسكة بها، مما جعل دماءه تغلي أكثر في عروقه، فقال صارخًا:
"اتحجج. ما هو دا آخرك. ولا تقدر تعمل حاجة."
جن جنون مروان من حديثه المستفز لرجولته، فنظر إلى جنة صارخًا بعنف:
"امسكي بدل ما أرزعها في الأرض."
اندفع ياسين صارخًا في وجهه:
"عشان أرزعك في نافوخك."
ألقى مروان بحلا بين يدي جنة، التي تلقفتها بلهفة، وما أن هم بالانقضاض عليه، ولكن حالت فرح بينهم، ليأتيهم صوتًا رادعًا من الخلف:
"إيه اللي بيحصل هنا؟"
كان هذا صوت سالم، وخلفه سليم، اللذان سمعا صوت شجار بالخارج، فتفاجأ الأخوان حين شاهدا تلك المعركة بين مروان وياسين، فكان أول من تقدم منهم هو سليم، الذي فض العراك بين الرجلين، وهو يقول بغضب:
"إيه يا ابني إنت وهو؟ إنتوا اتجننتوا ولا إيه؟"
صرخ مروان بغضب:
"هو اللي عمال يقل في أدبه من الصبح ولا حد هامه."
نهره سالم قائلاً بصرامة:
"اسكت إنت يا مروان."
ثم التفت إلى حلا الملقاة بين أحضان جنة، التي كان من الواضح عليها التعب والإعياء، ففطن أنها رأت ما حدث بالخارج، فاقترب منها سالم محتضنًا إياها برفق، تنافس من نبرته حين قال آمرًا:
"سليم، طلع حلا فوق وابعت هات الدكتور يشوفها."
أطاعه سليم، الذي توجه وحمل حلا برفق بين ذراعيه. وفي هذه الأثناء، لامست يداه ذراعها دون قصد منه، فشعر بتيارات جارفة جعلت دقات قلبه تدق بعنف. فحانت منه نظرة خاطفة لعينيها، فشعر بأن لها نصيبًا مما يعتريه الآن، ولكنها نفضت عينيها عنه والتفتت للجهة الأخرى، لتأتي كلمات ياسين الذي قال آمرًا:
"روحي اعملي اللي قلتلك عليه يا جنة."
دون حديث، أطاعته جنة، فصاح مروان معترضًا:
"جنة مش هتمشي من هنا عشان هي شاهدة على اللي حصل، ولازم أنفخك قدامها."
انكمشت ملامح ياسين وعاد غضبه إلى السطح مجددًا، وما أن أوشك على الاقتراب منه، حتى ردعه سالم حين صاح بغضب:
"بس إنت وهو. وإنت يا مروان قلتلك اخرس."
أنهى جملته وتسلطت عيناه على ياسين، الذي كان الغضب يكلل ملامحه، في هذه الأثناء، وتابع بنبرة قاسية:
"أقدر أعرف حصل إيه لكل دا؟"
ياسين بفظاظة:
"هو يحكيلك. أما دلوقتي في موضوع مهم لازم نتكلم فيه."
سالم باختصار:
"موضوع إيه؟"
ياسين بخشونة:
"فرح وجنة هيروحوا معايا دلوقتي."
اكفهرت معالم سالم وقست عيناه كثيرًا، واحتدت نبرته وبدت خطرة، حين قال:
"ومين اللي خد القرار دا؟"
ياسين بحدة:
"أنا. بعد اللي حصل دا مش هقدر أسيبهم هنا وأمشي."
سالم بنبرة مرعبة:
"ياسين. إنت مشوفتش الوش الوحش بتاعي، ومنصحكش تشوفه. نصيحة، فكر في كلامك قبل ما تقوله."
العراك وحتى الشجار لم يجدي معه، لذا قال بدهاء:
"إنت قلت في المستشفى كل واحد يقعد في المكان اللي يريحه. وخلّيت سليم يسأل جنة عايزة تقعد فين. دلوقتي أنا اللي هقولك الكلمتين دول. سيب كل واحد يقرر يقعد في المكان اللي يريحه."
لم يحسب حسابًا أبدًا لضربته القاضية تلك، فقد أشار بعينيه إلى فرح، التي ارتعبت من حديث ياسين، واكتمل ذعرها حين التفت سالم يناظرها بعينين شابها بعض التوسل الذي تنافى مع لهجته، حين قال بهسيس:
"إنتِ إيه رأيك في الكلام دا؟"
إن كانت كلا الطرق تقود إلى الموت، فلن تفرق الكيفية، فالهلاك هو النهاية الحتمية، والهلاك هو افتراقها عنه. ولكنها اختارت أقل الطرق ضررًا، فبللت شفتيها الجافة، قبل أن تقول بنبرة حاولت أن تبدو ثابتة:
"كده ولا كده هنمشي. يبقى نمشي من دلوقتي أحسن."
استقرت كلمتها في منتصف صدره، الذي لم يستطع أن يستوعب رفضها العلني له، فها ما كان يخشاه منذ البداية أن تخذله. فرحيلها من هنا يعني رفضًا له ولمشاعره التي عراها منذ لحظات أمامها، فقد أعلن تمسكه الضاري بها، والآن تأتي لتدعس على كبرياء قلبه بتلك الطريقة.
"أظن كده يا سالم بيه مش محتاجين لا تجادل ولا نتكلم كتير. ودا كمان الصح واللي لازم يحصل. فرح وجنة ليهم أهل وناس."
رجل مثله لا يعرف الهزيمة أبدًا، حتى وإن طالت قلبه حتى أدمته، فقد نجح في رسم الجمود في نظراته ونبرته، حين التفت إلى ياسين قائلاً بفظاظة:
"عندك حق، ليهم أهل وأهلهم أولى بيهم."
"يعني إيه الكلام دا؟"
هكذا اخترقت جملة سليم آذانهم، فأجابه سالم بلامبالاة:
"البنات هيروحوا مع ابن عمهم."
استنكر سليم حديث أخاه، فقال بانفعال:
"كلام إيه دا يا سالم؟ مش كانوا هيقعدوا؟"
تفاجأ من جنة التي جاءت من خلفه منضمة لشقيقتها، وهي تقول بجفاء:
"لأ مش هنقعد. هنمشي."
صُدِم سليم من جفائها، فأوشك على الحديث ليقاطعه سالم قائلاً بصرامة:
"عرف الحاجة عشان تخلي الخدم يساعدوهم، مش عايزين نأخرهم أكتر من كدا."
أعلن تصريحه الصارم والمؤلم تزامناً مع علو صفير سيارة الشرطة، فتوجه إلى البوابة لملاقاتهم، فهرول سليم خلفه قائلاً بغضب:
"حصل إيه يا سالم؟"
لم يستطع السيطرة على نفسه أكثر، فقال بصوت جهوري غاضب:
"هي عايزة تمشي! هي اختارت إنها تمشي! وكل واحد يتحمل نتيجة اختياره."
***************
أتمت جنة حزم أمتعتها، ورغمًا عنها سقطت عبراتها مع إغلاقها لآخر حقيبة تحمل متعلقاتها، والتفتت تنظر إلى أمينة الباكية بصمت. فاقتربت منها جنة، تجلس على ركبتيها، تمد يديها تحتضن كفوف أمينة بحنان، تجلى في نبرتها المهتزة بفعل البكاء:
"أرجوكي متزعليش مني."
امتدت يد أمينة تربت بخفة على وجنتها، وهي تقول بشفاه مرتجفة وعينين باكيتين:
"مقدرش أزعل منك."
جنة بلهفة:
"والله هجيلك وأجيب لك محمود على طول، مش هخليه يوّحشك أبدًا. المكان أصلًا مش بعيد من هنا، ياسين اللي قال، وقالي في أي وقت لو عايزة تيجي هجيبك."
صمتت لثوانٍ وتابعت بألم:
"سامحيني أرجوكِ، أنا مليش عين أقولهم لأ."
تألمت أمينة وتآكلها الذنب على حديث جنة، واقتربت تحتضن وجنتيها قائلة بحنان:
"إنتِ ست البنات وتعملي كل اللي إنتِ عايزاه. أوعي تفكري غير كدا. وقتها هزعل منك بجد. إنتِ ومحمود عندي مكان واحد، وبحبكوا زي بعض. ولو في أي وقت حد ضايقك بحرف، اعرفي إن بيتك موجود."
احتضنتها جنة بقوة، وانهمرت العبرات تكلل هذا اللقاء الحار الذي تتخلله شتى أنواع المشاعر، التي كان أولها الألم وآخرها الندم.
************
في الأسفل، كان سالم يجلس خلف كرسيه بعد أن ترك الشرطة في الخارج تعاين مكان الجريمة، وقد تملك الغضب كل ذرة من كيانه، ولكنه كان غضبًا مُطعمًا بألم مرير لا يحتمله جسده، الذي لأول مرة يخونه. فشعر بأن قدميه غير قادرتين على حمله. فلجأ لغرفته حتى تحتضن ضعفه النفسي الذي لم يظهره لأحد قط، ولن يفعل ذلك أبدًا، فقد اعتاد الشموخ طوال حياته، تليق به العزة وكأنه جزء لا ينفصل عنه، والتي أبت عليه أن تسقط تلك الدمعة الخائنة التي كانت تلسع جفنيه تتوسل الفرار، حتى لعلها تزيح أحمالًا أرهقت جسده الضخم، ولكن أبى أن يظهر ألمه حتى لجدران بكماء، يخشى أن تذكره لاحقًا بهزيمته النكراء أمام امرأة حملت بيديها مفتاح قلبه ووسام هزيمته.
"سالم."
كان هذا صوت مروان الذي دلف إلى داخل الغرفة ليصطدم بهيئة سالم، التي كانت تبدو مبعثرة. فلم ينتبه لطرق الباب، ولا حتى لاحظ دخوله إلى الغرفة. فشعر بالحزن على ذلك الجدار الذي لطالما كان هو الحامي لهم، والآن نال منه التعب. فقد أراد لأول مرة بحياته أن يتكئ على كتف أحدهم، أن يكون ضالًا لا هاديًا.
"تعالى يا مروان."
هكذا تحدث سالم، الذي تحدث بعد أن لملم جأشه بصعوبة، جعلت من ملامحه قاسية عدائية. ففكر مروان لثوانٍ قبل أن يقذف ما بجوفه من أشياء قد تعيد اشتعال براكينه مرة أخرى. فجاء صوت سالم المحذر حين قال:
"هات اللي عندك يا مروان من غير ما تفكر."
زفر بقوة قبل أن يتقدم إلى الداخل، وما أن أوشك بالحديث، حتى وجد سليم يدخل إلى الغرفة، وملامحه لا تقل عن ملامح أخيه شيئًا، بل زادت عليها، عينيه الحمراء، والتي كانت كجمرتين نبتت من جوف الجحيم. فالتفت مروان إلى سالم، الذي كان يناظره بجمود، فشرع في الحديث قائلاً:
"جمعتلك كل المعلومات اللي قلتلي عليها."
تحدث مختصراً:
"احكي."
شرع مروان في قص ما في جعبته:
"محمود عبد الحميد رضا عمران، أبو فرح وجنة، كان متجوز زميلته في الجامعة، وخدها وراح عاش مع أهله في الصعيد، وخلف منها بنتين. وأبوه عبد الحميد كان راجل صعب والناس كلها بتعمله ألف حساب. كان عنده أرض كتير، فكان عايز يضمن إن أرضه متطلعش بره، وعرض على محمود إنه يخطب بناته، فرح لياسين، وجنة لراضي."
جهر سليم بعنف:
"مين راضي دا إن شاء الله؟"
أجابه مروان:
"راضي دا مات. سيبني أكمل. محمود رفض جدًا، وأبوه خيره يا كدا يا هيطرده. قام محمود خد بناته ومراته ومشي بعد ما قاله مش عايز منك حاجة. وبعدها بفترة بسيطة مراته ماتت، كان عندها كانسر، وبسبب تعبها فرح اضطرت تسيب كلية الطب عشان تشتغل وتساعد أبوها، اللي حمله أبوه سبب كل اللي حصله. وخد بناته وراح مكان تاني أبوه ميّعرفوش، ودا بعد ما راح عشان يعزيه في مراته ورفض يقابله."
كانت كل خلية في جسده تئن بألم وعذاب مما سمعه. فقد توقف قلبه عند تلك الجملة، خطبتها من هذا الرجل الذي من الممكن أنه عاد لتنفيذ ما رفضه والدها سابقًا. ألم يكن يكفيه لوعة فراقها بتلك الطريقة، حتى تأتي تلك الحقائق لتضفي عذابًا من نوع آخر، محملاً بنكهة الغيرة التي لم يختبرها بحياته سوى معها.
"من حوالي عشر سنين قامت خناقة بينه وبين عيلة كبيرة على حتة أرض، مات فيها راضي. ووقتها عبد الحميد مستكفاش غير بموت عشرين واحد من العيلة التانية قبل ما يطلع النهار. بس ابنه وفيق متحملش موت ابنه هو ومراته اللي تعبت وقعدت في المستشفى فترة، ووقتها جابها يعيشوا هنا في الإسماعيلية جنب أهلها، وكان معاهم الغتت ياسين، اللي بقاله فترة بيدور عليهم زي ما قال. والباقي إنت عارفه."
كان أول من تحدث سليم، الذي قال بانفعال:
"دا باين عليه راجل مفتري. يعني إيه يموت عشرين واحد قصاد واحد وفي نفس الليلة، وميهمهوش موت حفيده."
اقترب مروان منه وقال بصوت خفيض بجانب أذنيه:
"يا غبي، السكة فضيتلك. احمد ربنا إنه مات."
أضاء عقل سليم من حديث مروان، وقال باندفاع:
"الحمد لله."
تنبه إلى ما تفوه به، فقال بغضب:
"إيه يا غبي؟ إنت حد يحمد ربنا على موت حد."
مروان بتهكم:
"بص لأخوك الغلبان وانت حمد ربنا ألف مرة. مش كفاية هتمشي وتسيبه؟ لأ، وكمان ممكن تتخطب للبغل دا."
"اطلعوا بره انتوا الاتنين."
هكذا تحدث سالم، الذي لم يستطع تحمل حديث مروان المروع لقلبه، فاذعن الاثنان لطلبه دون أي حديث.
***********
كان ثنائي الشر يجلس في غرفة الجلوس يحترقون لمعرفة ماذا يحدث في الخارج، فقد كان الهرج والمرج دائر في الخارج حول الفتاتين، وقد كانت شيرين تطمح في معرفة ما حدث، ولكنها تفاجئت حين رأت مروة تهرول إلى داخل الغرفة وقامت بإغلاق الباب خلفها وهي تقول بلهفة:
"عندي ليكوا خبر بمليون جنيه."
نطق الثنائي في آن واحد:
"خبر إيه؟"
مروة بشهادة غامزة:
"فرح وجنة هيمشوا دلوقتي مع ابن عمهم."
صرخت همت بفرحة:
"إنتِ بتتكلمي بجد يا مروة؟"
"والله بتكلم بجد. لسه شايفة اللي اسمها جنة دي وهي بتقول للخدم يطلعوا شنطها بره، وأمينة بتقولها هتوحشوني. ولما سألت الخدم قالوا إنهم هيمشوا النهاردة."
همت بفرح:
"خبر بمليون جنيه يا بت يا مروة."
مروة بخبث:
"ولسه لما تعرفي الجديد."
شيرين باستفهام:
"جديد إيه؟"
مروة بنبرة منخفضة:
"الواد مروان شفته داخل أوضة سالم، ووراه سليم اللي نسي يقفل الباب. وقفت أتسنطت، عرفت إن البنات دي ليهم أهل صعيدة."
همت بعدم فهم:
"صعيدة إزاي؟"
شرعت مروة بقص ما سمعته من مروان على مسامع همت، التي هللت بفرح قائلة:
"دا إحنا بيضالنا في القفص يا بت يا مروة. دانتي تستاهلي بوسة على أخبارك اللي بمليون جنيه دي."
قاطع فرحهم صوت شيرين، التي قهقهت بسخرية، قبل أن تقول بشر:
"الكلام دا لما تكوني جايبة أخبار جديدة يا ماما."
همت بصدمة:
"تقصدي إيه؟"
هبت شيرين من مقعدها تتجه إلى الداخل، قبل أن تلتفت قائلة بتهكم:
"معنديش وقت أشرحلك. ورايا حاجات مهمة لازم أعملها الأول."
*************
كان يحترق بنيران لم يختبرها مسبقًا، نيران تأكل أحشاءه من الداخل، بينما هو مجبر على التحمل وألا يظهر أي بادرة ضعف قد تنال من كبرياؤه، الذي يشعر بالحزن على ألم قلبه الدامي، الذي ينافس نيرانه، بدلًا من الهواء الذي بدأ خانقًا حوله بشكل كبير، جعله يلتقط زجاجة المياه ويقوم بفتحها وإفراغها دفعة واحدة فوق رأسه، حتى يهدئ من غليانه قليلًا. وقام برفع رقبته إلى الأعلى، بعينين اختلطت مياهها بالمياه التي تتساقط منه، وكأنه يناجي ربه بصمت أن يخفف هذا العذاب المرير، الذي قطعه طرقًا قويًا على الباب، تلاه دخول شيرين إلى غرفة المكتب. وما أن همت بإغلاق باب الغرفة، حتى أتاها صوته القاسي:
"اخرجي من الباب اللي دخلتي منه."
جفلت من لهجته القاسية وأمره الصارم، فتركت الباب مفتوحًا وهي تتقدم بخطٍ سلحفي، بينما عبراتها تنهمر على وجنتيها، وهي تقول بألم زائف:
"عايزة أقولك حاجة مهمة. أنا آسفة لو بعطلك أو جايه في وقت غير مناسب."
كانت قد اقتربت أكثر منه، وأهلّت احمرار عينيه، والمياه التي كانت تغرق وجهه، الذي لوّن الألم ملامحه. وبدلًا من أن ينهرها، انشغل بالنظر إلى عينين كانتا تطالعانه باعتذار صامت من بعيد، فوجد نفسه يقول بنبرة أهدأ قليلًا:
"تعالي."
نظراته التي استقرت خلفها، جعلتها تفطن إلى وجود فرح وراءها. فتحلت بجرأة، تعلم أنه لم يرفضها في هذا الوضع، خاصة وهو مشغول بعتاب قاسٍ أعلنته عينيه، التي كانت تطالع غريمته بغضب. فقامت بانتزاع منديل ورقي واقتربت منه كثيرًا، تحاول أن تجفف وجهه من تلك القطرات التي تتساقط من بين خصلات شعره، فشكّلا مظهرهما لوحة مروعة لقلب تلك التي تناظرهم من بعيد بقلب يحترق كمداً. ولأول مرة تتخلى عن هدوئها، فتوجهت إلى المكتب تنوي الفتك بتلك المرأة التي لامست خط النار، حين اقتربت منه بتلك الطريقة. ولكنها توقفت في منتصف الطريق، تحديدًا أمام باب المكتب، حين وجدت يده تمتد تمسك بكف شيرين، والتفت يناظرها، قائلاً بنبرة رقيقة لا تشبهه أبدًا:
"تسلم إيدك."
كأنه انتزع قلبها من بين ضلوعها في تلك اللحظة. هكذا كان وقع كلماته عليها. كان مرحبًا بقربها، قاصدًا أن يقطع عليها طريق الوصول إليه.
*************
غادرت الفتاتين برفقة ياسين، تاركين الجميع خلفهم يحترق بطريقته. فكان أول من عبر عن غضبه هو سليم، الذي غادر خلفهم يمنعها من أن تستقل السيارة. فتفاجئت بيده التي أغلقت باب السيارة أمامها، وهو يقول بحدة:
"عايز أتكلم معاكي."
أوشك ياسين على لكمه، فتدخلت فرح قائلة بمرارة:
"سيبه يا ياسين. خليه يقول اللي عنده عشان دي آخر مرة هيتكلم معاها فيها."
ابتلع ياسين غضبه وقال بنبرة بحنق:
"عايزة تسمعيه يا جنة؟"
لم تقدر على الرفض، لا تستطيع إخراجها من بين شفتيها، فحاولت التسلح بالكبرياء، مستخدمة حجة شقيقتها، قائلة بجمود:
"معلش يا ياسين. خليه يقول اللي عنده عشان زي ما فرح قالت، دي آخر مرة هسمعه."
استقل ياسين السيارة بجانب فرح، التي كانت وكأنها جثة تمشي على الأرض. لم تتوقع أن يكون الألم مريعًا بتلك الدرجة، فهي للآن لم تستطيع التحكم بارتجافة يدها، ولا قلبها، الذي علمت الآن ما معنى أن ينزف القلب دمًا.
أخذت نفسًا طويلًا قبل أن تقف أمام الأرجوحة القاطنة بحديقة المزرعة، تناظره، وقد أحكمت جعل بحرها الأسود قاتمًا، لا يبالي بوجوده، كما تحكمت بنبرتها التي جعلتها هادئة، حين قالت:
"سامعاك."
"بحبك يا جنة."
إما أن ينال رضاها، أو يموت وهو يحاول. لأول مرة ينحني كبرياؤه جانبًا، ويخلع رداء الصرامة، متخليًا عن قوانينه التي وضعها لنفسه. فإما النجاة معها، أو الهلاك بدونها.
كان اعترافًا مريرًا بالحب، لم تتوقعه، ولم يتحمله قلبها، الذي كانت دقاته تتقاذف بعنف بين ضلوعها، للحد الذي جعلها تتراجع خطوتين للخلف. فأقبل هو عليها قائلاً بخشونة:
"مش عايز منك رد. بس عايزك تعرفي إني عمري ما عرفت يعني إيه حب لحد ما قابلتك. وإني مش هضيعك مني، وإني مش هموت غير وأنتِ مراتي."
إما الكبرياء، أو الموت. إما أن تنقاد خلف مشاعرها، شرط أن تخلع كرامتها على باب علاقتها معه، أو تموت وهي تدافع عن ما تبقى منها، رافضة كل السبل التي قد تجمعها به.
"قولتهالك قبل كده وهقولهالك تاني. لو آخر راجل في الدنيا، عمري ما هقبل اتجوزك."
"يالا يا جنة."
كان هذا صوت ياسين الغاضب، الذي أيقظ براكين غضبه، ولكنه حاول ابتلاع جمراته، قبل أن يقول بجفاء:
"كأني مسمعتش حاجة. إنتِ ليا. أقسم بالله لو على موتي يا جنة مش هسيبك."
جن جنونها، فقالت بصوت يقطر ألمًا:
"بعد كل اللي قولتهولي. كل الوجع اللي وجعتهولي، ليك عين تقول كدا؟ تصدق إنك بجح!"
انفعالها بهذا الشكل يعني بأن هناك صدى لحديثه معها، فأجابها بلهجة يشوبها الندم:
"الجرح اللي جرحته أنا كفيل أداويه. بس اديني فرصة."
بنبرة مهترئة أجابته:
"أبدًا."
هدر بغضب:
"يبقى أنا هخلق فرصتي بإيدي."
"احلم مع نفسك."
قالت جملتها الأخيرة بغضب، وغادرت من أمامه مهرولة، خوفًا من مشاعر تصرخ بداخلها، قد تجعلها تضعف أمام إصراره وكلماته، وقلبها.
***************
بعد مرور أسبوع، كانت حلا تقود سيارتها في طريقها إلى الجامعة، فتفاجئت بسيارتين دفع رباعي تقطعان عليها الطريق، فشعرت بالرعب يغزو أوصالها، وتوقفت لتجد ملثمين ترجلوا من السيارة، وقاموا بفتح بابها، وسط صرخاتها التي أخمدها ذلك المخدر الذي وضعوه فوق أنفها، فسقطت مغشيًا عليها في الحال.
كان يجلس بوجوم يتابع أعماله، حين دخلت والدته إلى داخل الغرفة مهرولة وهي تقول بفزع:
"الحفني يا سالم. حلا خرجت من الصبح ولسه مرجعتش لغاية دلوقتي، وتليفونها مقفول؟"
هب من مكانه، ينظر إلى ساعته، فوجدها تشير إلى التاسعة، أي مر على غيابها اثنا عشر ساعة، فقال بغضب:
"بقالها اتناشر ساعة غايبة ولسه فاكرة تيجي تقوليلي يا ماما؟"
لم تكد تجيبه، حتى دق جرس الهاتف، فالتقطه مجيبًا:
"ألو."
المتصل على الطرف الآخر:
"سالم الوزان معايا؟"
سالم باختصار:
"أيوا، مين؟"
الرجل على الطرف الآخر:
"اختك الآنسة حلا عندي. تقدر تقول إنها خطفتها."
جن جنونه حين سمع حديث الرجل، وقال صارخًا:
"إنت مين يا جدع انت وبتقول إيه؟"
"إني عبد الحميد رضا عمران. أظن عرفت إني مين عاد."
يتبع….
الفصل اللي جاي ضرب ناااار مين مستني 😂 إن شاء الله ينزل الخميس في نفس التوقيت. الناس اللي بتضايق من أن البارت بينزل متأخر أنا مبعرفش أمسك الفون غير لما ولادي يناموا.
عايزة تفاعل نار بقى ♥️
•
رواية بين غياهب الاقدار "في قبضةالاقدار الجزء الثاني" الفصل السادس 6 - بقلم نورهان العشري
ساقني إليك قدر لا أعلم هل كان يعاقبني أم أنه أراد أن يكف عني أذاه، ولكني بت متعبة للحد الذي جعلني لا أريد التفكير بأي شيء، فقط أتمنى أن أغمض عيني إما للأبد أو لجنة تخلو من شياطين الفراق والألم.
كانت تخطو إلى داخل المشفى بأقدام هلامية تشعر بالرهبة والفزع، فها هي اليوم تذهب للطبيب لتحديد موعد الفحوصات التي ستحدد حالتها، والتي كانت تشعر بأنها ليست بتلك البساطة التي يتحدثون عنها. توقفت أمام غرفة الطبيب وأخذت نفسًا قويًا وأخرجته ببطء قبل أن تتمتم بخفوت: "لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين".
امتدت يد فرح الحانية تربت بخفة على كتفها وهي تقول مطمئنة: "إن شاء الله خير، متقلقيش".
وتابع ياسين يحفزها: "اجمدي كدا، مفيش حاجة تخوف. وبعدين كلنا جنبك، متقلقيش".
أومأت برأسها وأهدته ابتسامة ممتنة، فقام بالطرق عدة طرقات على باب الغرفة الذي قام بفتحه حين سمع صوت الطبيب يأمرهم بالدخول. ولكن سرعان ما تجمد الثلاثة بأرضهم حين شاهدا ذلك الذي يجلس على المقعد أمام الطبيب، والذي لم يكن سوى سليم الوزان.
"أنت..." هكذا تحدثت جنة التي لم تتوقع بخيالها أن تراه تحديدًا هنا.
وصاحت فرح من خلفها حين رأته: "أنت بتعمل إيه هنا؟"
لم يتفوه ياسين بحرف، فقد بدأ يلاحظ كم يعشق ابنة عمه، ولكن لم يتوانى عن جعله يتذوق الأمرين حتى يظفر بها.
"بتعمل إيه هنا يا سليم؟"
لم يبد عليه التأثر بصدمتهم أو بحديثهم، وعلى عكس طبيعته كان هادئًا حين قال: "مستنيكم".
داخليًا كانت الفراشات تطير بمعدتها من فرط السعادة لاهتمامه بما يخصها، وخاصة هذا الأمر، ولكنها خارجيًا تظاهرت بالغضب الذي تجلى في نبرتها حين قالت: "أنت بتستهبل صح؟"
لم يجيبها، إنما احتدت عينيه قليلاً فتدخل الطبيب قائلاً: "تعالي يا جنة، اتفضلي اقعدي".
جنة بعناد: "مش هقعد طول ما هو موجود هنا".
احتدت نبرته حين قال: "يبقى هتفضلي واقفة طول النهار".
كان الثلاثة يشاهدون لعبة القط والفأر التي تحدث بينهم، والتي قرر الطبيب أخيراً فضها حين قال: "لو سمحت يا سليم بيه، اتفضل بره، ويا ريت تاخد دكتور ياسين معاك وفرح كمان، أنا عايز جنة لوحدها".
حين أوشك سليم على الرفض، تحدثت فرح بتوسل: "سليم، إحنا مش هنفضل طول النهار نتخانق، ممكن تطلع بقي".
أخيرًا وافق على مضض، فتوجه إلى الخارج برفقة ياسين الذي قال بغضب: "متزودهاش يا سليم عشان متضطرنيش أقف قدامك".
اغتاظ سليم وقال بحدة: "بلاش تهديد عشان أنت عارف كويس إنه مش هيأكل معايا".
ياسين بصرامة: "وأنا مبهددش، أنا بس بنبهك. مش هسمحلك تضايقها".
اقترب منه سليم حتى أصبح الاثنان وجهًا لوجه، وارتفع صوت أنفاسهم الثائرة، وأجابه سليم بغضب: "أنا بحبها وعايز أتوزجها وهتوزجها يا ياسين، ولا أنت ولا أي حد هيقدر يقف قدامي".
ياسين بلهجة هادئة ولكن قوية: "معنديش مانع إنك بتحبها وعايز تتوزجها، بس لو هي رافضالك أنا هقفلك وهمنعك تقرب منها. إذا كنت ساكت فعشان أديها فرصة إنها تشوف أنت متمسك بيها قد إيه. جنة اختي وأتمنى إنها تكون مرتاحة في حياتها خصوصًا بعد اللي شافته، لكن مش معنى كده إني هسيبك تفرض نفسك عليها. ده تحذير مش هكرره تاني".
اندفعت الدماء الثائرة إلى رأسه حتى لونت حدقتاه التي صارت كبركة حمراء لونها الجحيم. وحين أوشك على إخباره أن يذهب إلى الجحيم، رن هاتفه وكان المتصل سالم، فحاول سليم استرداد أنفاسه قبل أن يجيب.
سالم الذي صرخ به: "أنت فين؟"
"أنا في المستشفى..."
قاطعه سالم الذي لأول مرة يكن في تلك الحالة، هادرًا بعنف: "عبد الحميد عمران خطف حلا!"
كان صوته حادًا مرتفعًا للحد الذي اخترقت جملته آذان ياسين الذي تجمدت الدماء في أوردته حين سمع حديث سالم، والذي لم يستوعبه سليم الذي استفهم قائلاً: "أنت بتقول إيه وعبد الحميد مين؟"
فطن إلى الاسم وهو يرى ياسين الذي امتقع وجهه وقال بلا وعي: "جدي... عبد الحميد عمران جدي... خطف حلا!"
شهقات متتالية خرجت من جوف كلا من فرح وجنة التي شعرت بأن أقدامها تتلاشى من فرط الصدمة وهي ترى ملامح سليم الذي كان يناظرها بنظرات جحيمية فعلًا. وجف قلبها من فرط الذعر، وجاء صوت سالم الآمر: "دقيقة وتكون عندي".
من البداية كنت أعلم بأن طرقنا ستفترق، ولكن لم أكن أتوقع بأن تكون النهاية هكذا. تخيلتها وردية بقدر عشقي لك، ولكن بدا أنها ستكون مأساوية كحياتي قبل لقائي بك. لا تعلم كيف وصلوا إلى المزرعة، فقد كان كلا من ياسين وسليم يأكلان الطريق حتى بدت السيارة وكأنها وحش يأكل الطريق كما يأكل الذنب أحشاءها من الداخل. فهي تعلم بأن كل هذا حدث بسبب شقيقتها التي كانت ترتجف بجانبها، فقد كان هلاكها يلوح بالأفق. فذلك الرجل الذي قبل بأن يخسر ولده لأجل حفنة من التراب، ماذا سيفعل بمن خسرت شرفها بتلك الطريقة؟
ترجل الجميع من السيارة وتفاجئوا بكل هؤلاء الرجال المسلحين الذين يقفون بالخارج، فبدأ الأمر وكأنه جيش يتأهب للدخول إلى معركة دامية!
لم يعلق أحد وتوجهوا إلى المنزل، فوجدوا الجميع منعقدون حول أمينة التي كانت ترتجف من فرط الرعب ودقات قلبها تعلو وتهبط. فجلست سما تحت أقدامها تحاول عمل تدليك لدورتها الدموية، وفي الجهة الأخرى فعلت مروة مثلها. أما همت فقد كانت تجلس بوجوم بجانب شيرين التي ما إن وقعت عينيها عليهم حتى هبت من مقعدها تقول بغضب: "أنتم كمان ليكوا عين تيجوا هنا بعد اللي حصل؟"
لم يجيبها أحد، وتوجه الجميع إلى سالم الذي كان يقف أمام النافذة ينفث النيران من أنفه، وكانت ملامحه مريعة، فبدا كالوحوش وهو يزوي ما بين حاجبيه بتلك الطريقة، وعينيه التي تحول لونها إلى الدماء. فقد كان هذه أول مرة ترى هيئته هكذا، وقد علمت حينها بأن هناك كارثة ستحدث لا محالة.
كان الألم الذي يشعر به يفوق طاقته على التحمل، فقد شعر بأن ضلوعه تتفتت بداخله وهو يتخيل أن يحدث لها مكروه. فقد كان شبه متأكد بأن جده يخطط لفعل شيء، وقد صحت ظنونه حين حدث إطلاق النار وقتل ذلك الحارس المسكين، والذي ذهب إلى زوجته وأسرته حتى يقدم واجب العزاء وترك لهم مبلغًا من المال مع وعد بأن يتكفل بجميع مصروفات أولاده الثلاث حتى ينهوا دراستهم.
كان هذا أقل شيء يمكن تقديمه لهم، ولكنه لم يحسب حساب بأنه يفعل كارثة مثل هذه، والتي لم تصب ضميره فقط بل نالت من قلبه للحد الذي شعر به يتفتت بداخله ذعرًا عليها. فكان أول من توجه إلى سالم قائلاً بلهفة: "حصل إيه يا سالم؟"
لم يكد ينهي جملته حتى تفاجأ بلكمة قوية سقطت على فكه، فشعر بأن عظامه تحطمت بفعل قبضة هذا الوحش الذي لم يرهبه شهقات النساء حوله. وصرخ بأعلى صوته حتى اهتزت الجدران من صراخه: "مقولتليش ليه؟؟؟؟"
شهقات وصرخات خرجت من فم الجميع جراء ما حدث. فلم يكن يتوقع أحد أن تلك الكلمة القوية. ما إن استعاد ياسين اتزانه بعد أن تخطى قوتها، حتى تأهب للهجوم عليه. فامتدت ذراع مروان تحاول ردعه، واقترب سليم يحكم قبضته على جسد سالم الذي صرخ قائلاً بغضب: "رد عليا".
"عشان مش هتقدر تعمل حاجة معاه ولا تقدر عليه، لا أنت ولا بلدك حتى".
زمجر ياسين بوحشية وهو يحاول الفرار من بين براثن مروان الذي قال مهدئًا: "ما تهدوا بقي، إحنا في إيه ولا في إيه؟"
صرخ سالم موبخًا: "أقدر عليه وعلى مليون واحد زيه. مفيش حد يقدر يقف قدام سالم الوزان".
تدخلت شيرين وهي تتقدم من سالم قائلة بغل: "أنتم اتحدفتوا علينا من أنهي داهية".
ساندتها همت التي أرادت إلقاء النار على البنزين حين قالت بصراخ: "دمرتوا حياتنا واتسببتوا في موت حازم، ودلوقتي هتموتوا حلا الغلبانة".
صرخ ياسين بغضب: "متقوليش كده، أنا اللي هرجع حلا ومحدش هيقدر يمس شعرة واحدة منها".
صاحت شيرين بغل: "ده لو لحقت".
"حلا مخطوفة من الصبح، ويا عالم زمانهم عملوا فيها إيه".
للحظة شعرت برغبة في قتل تلك المخلوقة البشعة، ولكنها تسمرت حين قالت جنة التي كانت ترتجف بمكانها: "كفاية بقي. محدش هيأذي حلا، أنا عارفة جدي خطفها ليه. خطفها عشان يجبني أنا، هو عايز يغسل عاره مني. وأنا هروحله، خليه يموتني ويريحني".
غرزت خنجرها بقلبه حين تفوهت بتلك العبرات التي بدا وأنها تحمل الكثير من الحقيقة. فصرخ سليم باستهجان: "أنتِ بتقولي إيه؟ الكلام ده مش هيحصل، وحلا إحنا هنعرف نرجعها، إحنا مش عيال صغيرة".
أيدته أمينة التي قالت بانهيار: "سليم عنده حق يا جنة، أنتِ كنتِ ضحية وحلا كمان ملهاش ذنب. مش عشان ننقذ واحدة نضيع التانية".
تدخل ياسين قائلاً بصرامة: "أنا هروح لجدي وهجيب حلا من غير تدخل من حد، أنا عارف هو عايز إيه".
جاء صوته الحاد الذي أرعدهم جميعًا: "جنة بتتكلم صح".
شهقة قوية شقت جوفها حين سمعت حديثه الحاد والذي شابه نظراته الخالية من كل معالم الشفقة. فلم تستطع منع نفسها من الهمس باسمه بلوعة: "سالم".
لم يجبها، بل لم يلتفت، على الرغم من أن قلبه لم يرى بوجوه الحاضرين سوى إياها، ولكن ذلك لم يكن جديدًا عليه، فهو باهر في إخفاء عشقه لها.
"أنت بتقول إيه يا سالم؟"
هنا تحدث سليم بصدمة كان لياسين نصيبًا كبيرًا منها، والذي صاح باستنكار: "قد كده أنت منزوع الضمير والإحساس، عايز تبعتله جنه عشان يقتلها".
لم يجيب على أياً منهما، فاقتربت جنة منه قائلة بصوت نزعت منه الروح، فقد علمت منذ ذلك اليوم الذي استفاقت في المشفى أن الهلاك هو نهايتها الحتمية. فلم يكن يفرق عندها أي طريقة ستقودها إليه: "أنا موافقة أروح لجدي. حلا ملهاش ذنب، ده ذنبي وأنا بكفّر عنه".
امتدت يد سليم تمسك برسغها وقام بجرها إليه يوقفها أمامه وهو يقول بعنف: "اخرسي، أنتِ كمان بتقولي إيه؟"
اقترب ياسين من سالم حتى صار بينهم خطوتين وقال بهسيس مرعب: "الكلام ده عمره ما هيحصل إلا على جثتي. وحلا أنا اللي مسئول أرجعها بسلام".
تدخل مروان بغضب: "يا جماعة في حكومة في البلد، أنتم بتقولوا إيه؟"
تشابه صوته مع ملامحه حين قال بجمود: "حلا متخصكش، ولا أنا عمري هثق فيك".
صاح ياسين بغضب: "ميهمنيش إنك تثق فيا".
قاطعه سالم قائلاً بقسوة: "جدك عايز تاره، عايز يغسل عاره! والعار ميغسلهوش إلا الدم".
لم تستطع الصمت أكثر، فصرخت مستنكرة: "سالم، أنت سامع بتقول إيه؟"
لم يكلف نفسه عناء الالتفات لها، بل تابع بنفس لهجته: "يا أما يغسل عاره يا أما ميبقاش في عار أصلًا".
لم يفهم الجميع كلامه، فعم الصمت للحظات قطعها ياسين الذي قال بغضب: "ما تفهمنا تقصد إيه؟"
لم يجيبه، إنما التفت إلى مروان قائلاً بفظاظة: "اتصل بالمأذون، هنكتب كتاب سليم وجنة".
شهقات مستنكرة خرجت من أفواه الجميع، فصاح بوحشية: "مش عايز ولا كلمة! يا كدا يا هتبقى حرب على الكل".
أنهى كلماته ونظر إلى ياسين قائلاً بعينين تقطران غضبًا ولهجة متوعدة: "ورحمة أبويا وقتها ما هرحم حد، واللي حضر العفريت يتحمل أذاه".
لم يتأثر خارجيًا، ولكنه من الداخل علم بأن هذا الأمر لن يمر مرور الكرام وأن هناك حربًا قد تنشب وستكون عواقبها وخيمة، ولكنه لن يستسلم أبدًا وسيقاتل حتى لو كان هو أول من سيقع أمام طوفان الدماء.
"وأنا مش موافق، وجنة مش هتتجوز غصب عنها حتى لو كنت أنا أول واحد هيقع ضحية الحرب دي".
"بس أنا موافقة".
هكذا تحدثت جنة التي لن تتحمل أن يدفع ثمن أخطائها شخص آخر، يكفي شقيقتها وطفلها. لن تتحمل اندلاع حروب هي السبب بها.
"اعمل اللي قولته لك عليه".
هكذا قالها سالم موجهاً أنظاره لمروان الذي لم يكن بيده أي شيء، فامتثل لأوامر سالم، والذي لاحظ اقترابها منه حين قالت بلهجة مرتجفة: "عايزة أتكلم معاك".
تدخلت شيرين مغلولة: "ابعدي عنه، عايزة منه إيه تاني؟"
زجرها فرح بعنف: "متدخليش في اللي ميخصكيش".
اقتربت شيرين تمسك بيد سالم وهي تقول بتوسل: "سالم، ارجوك قولها..."
لم ينتظر حتى يسمع باقي حديثها، فنفض يدها متوجهًا للداخل وهو يقول بصرامة: "سليم جهز الرجالة بعد كتب الكتاب، عندنا سفر طويل".
أوشك ياسين على الاعتراض، فتفاجئ بيد أمينة التي امتدت تمسك بذراعه قائلة من بين عبراتها: "متضايقش يا ابني، ده اللي لازم يحصل. صدقني سالم بيرد اعتبار جنة وفرح. لما جنة تروح مع سليم على أنها مراته، جدك مش هيقدر يأذيها. أنا عارفة إنك تقدر تحميهم، بس كده أحسن للناس كلها. فكر في كلامي كويس، بالله عليك تسمع كلامه، أنا عارفة هو بيفكر إزاي. لو مش عشان خاطري، عشان خاطر حلا. أنا مش هتحمل وجع تاني".
كانت محقة بحديثها، فإن كانت زوجة لتلك العائلة فلن يكون هناك أي عار ملتصق بها وستذهب مرفوعة الرأس، وبنسبة كبيرة سيرضي هذا جدها الذي لن يتوانى عن غسل عاره بإزهاق روح تلك المسكينة ولن يهتم بمقدار خطأها.
"مش مضطرة توافقي على اللي سالم قاله".
هكذا تحدث وهو يقف خلف تلك التي لم تتحمل الهواء بالداخل، فخرجت لتقف في الحديقة تنظر إلى السماء، لا تعرف كيف تصيغ دعائها، كل ما استطاعت أن تتفوه به: "يارب يكون ده كابوس وأفوق منه".
أغمضت عينيها تتوسل إلى الله أن يكون هذا كابوسًا تستفيق منه، ولكن أتى حديثه الذي جعلها تتسمر بمكانها، فقد باغتتها كلماته للحد الذي جعل الغضب يتصاعد إلى أوردتها، فالتفتت تقول بسخرية مريرة: "كنت متوقعة إنك هتقول كده. عايز تتجوزني يا جنة، بس وقت الجواز بقى فرض عليك، جاي تقولي مش مضطرة تتجوزيني!"
اقترب منها أكثر وهو يقول بتصميم نابع من عينيه التي كانت ملونة بدماء الغضب: "أنا لسه عند كلمتي ولسه عند وعدي وهتجوزك لو دي آخر حاجة هعملها قبل ما أموت، احفظي كلامي ده كويس".
"آه، ماهو واضح طبعًا".
قالتها بسخرية، فتابع بلهجة أقل حدة: "عايز أتوزجك وأنتِ راضية يا جنة، مش وأنتِ مجبرة. عايز أفرحك وأفرح بيكي".
لامست كلماته قلبها للحد الذي جعل عبراتها تنهمر على وجنتيها وهي تقول بألم: "تفرحني!! تبقى بتخدع نفسك، أنا واحدة الفرحة اتحرمت عليها. لو عايز تعيش حياتك دور عليها بعيد عني. أنا وافقت على اقتراح سالم آه، بس جوازنا هيبقى على الورق وبس لحد ما الأمور تهدى ونطلق أو منطلقش مش فارقة. بس مش همنعك تعيش حياتك".
ازدادت عبراتها وهي تنطق جملتها الأخيرة فسقطت على قلبه الملتاع والذي يعاني من أوجاع عديدة وآلام كثيرة، كان أولها رعبًا على شقيقته وآخرها خوفًا على فقدانها، حتى أنه لم يكن يعرف بماذا يجيبها، فقط اكتفى بقول: "أنتِ حياتي يا جنة".
كانت تتشاجر مع خطواتها وهي تتوجه إلى المكتب خلفه، وقامت بإغلاق الباب بقوة قبل أن تقترب منه وهي تمسك برسغه قائلة بغضب: "استنى هنا، بكلمك".
بلمح البصر وجدته يلتفت ويقوم بجذبها من يدها الممسكة به حتى اصطدمت بسياج صدره الخافق بعنف وهو يزمجر بوحشية: "أوعي تفكري تستفزيني عشان أنا في أقصى درجات غضبي ومش مسؤول عن اللي هعمله. فاهمة؟"
لم ترعبها نظراته ولا حديثه حتى بالرغم من ألمها من قبضته غير الرحيمة على يدها، ولكنها تجاوزت كل شيء قائلة بنبرة خافتة: "بس أنا واثقة إنك عمرك ما هتأذيني".
أفلتها بغتة، فترجعت إلى الخلف بقوة كادت أن توقعها، بينما تابع قائلاً ساخرًا: "متتكّيش على الثقة أوي عشان ميبقاش لها وجود بينا".
صاحت باعتراض: "ليه بتقول كده؟"
"مقولتليش ليه إن هو ورا اللي حصل؟"
لأول مرة تشعر بالخوف منه بتلك الطريقة، ملامحه كانت مكفهرة بطريقة لم تعهدها، ونبرته القاسية جعلتها تبتلع ريقها بصعوبة قبل أن تقول بشفاة مرتجفة: "خوفت يكون تخميني غلط".
ارتسمت السخرية على ملامحه وامتزجت مع لهجته المريرة حين قال: "خفتي؟ ولا عشان كنتِ عايزة تمشي ومش لاقية طريقة فقولتي فرصة بما إنه مش قادر يحمينا؟"
هبت تنفي مرارة اتهاماته: "لا طبعًا، أنا مقولتش كده".
زأر بغضب: "هو قال، وأنتِ معترضتيش ومشيتي!"
صرخت بلوعة: "وأنت ممسكتش فيا".
قهقه ساخرًا وهو يمسك بهاتفه ينوي إجراء اتصالًا هاتفيًا وهو يقول بتهكم: "فعلاً كان المفروض أقولك لا والنبي متمشيش، أقولك دي أحسن حاجة صح، أنتِ عملتيها".
لم تستطع أن تجيبه فقد نالت كلماته منها بشكل لا يوصف، فشعرت بألم يطحن عظامها من الداخل، وخاصة حين شاهدته ينخرط في محادثة هاتفية مع أحد رجال الشرطة. فعادت أدراجها تنوي الخروج، تود أن تنزوي بعيدًا عن جميع الأعين حتى تستطيع أن تلعق كرامتها الجريحة. وما أن أوشكت بالوصول إلى باب الغرفة حتى تفاجأت من قبضته التي أمسكت رسغها بقوة وهو يواصل حديثه الهاتفي قائلاً بخشونة: "هحاول أنا بطريقتي وأنت خليك جاهز عشان لو احتاجتك".
التفتت بلهفة تنظر إلى عينيه التي كانت تنطق باعتذار لم يتجاوز حدود شفتيه، فاخذت تناظره بعينين تحملان عتبًا قاسيًا تجاهله هو، حين قال بفظاظة: "بعد كتب الكتاب هنطلع كلنا على بلدكوا وأنتِ هتكوني موجودة".
أومأت برأسها وبللت حلقها الجاف قبل أن تقول: "حاضر".
ارتفع أحد حاجبيه حين سمع منها تلك الكلمة التي ظن أنها لا تعرف طريق شفتيها، فقال ساخرًا: "غريبة، أول مرة أسمعك بتقولي الكلمة دي".
لم تستطع منع نبرة الضعف التي تسللت إلى قلبها وصوتها حين أجابته: "مبقاش فيا حيل أناهد خلاص، اللي أنتم شايفينه أنا هعمله".
لو كانت أجهزت عليه بسلاح ناري لم تكن لتؤلمه لهذه الدرجة، فلأول مرة تعلن انهزامها بل وترفع راية التسليم أمامه. ولدهشته كان هذا الأمر مؤلمًا كثيرًا على قلبه الذي لم يتحمل ضعفها، فقال بنبرة خافتة: "أخيرًا نويت تسمعي الكلام".
أومأت برأسها فتدفق الدمع من عينيها فسقط كجمرات أحرقت قلبه الذي لم يتحمل عبراتها أكثر، فغيب عقله حين امتدت يده تجذبها إليه لتستقر في منتصف أحضانه، يعانقها بقوة وكأنه يريد إدخالها بين ضلوعه وإسكانها بجانب قلبه الذي يشتهي قربها كما يشتهي الناسك الجنة.
كانت كمن تاه في صحراء قاحلة يرويها بدماء جراحه النافذة، لا تعلم هل تبغي النجاة أو تتمنى الموت، فاختار هو بدلاً عنها ونجت بين ذراعيه التي احتوت آلامها وضعفها، فصارت تبكي وترتجف بين ضلوعه كيتيم تلقى أول عناق بحياته، فصار يتمسك به وهو يشكي آلامه وأحزانه على هيئة نهنهات متقطعة كانت تنحر قلبه بدون رحمة، فصارت يداه تمسد خصلات شعرها برفق ويده الأخرى تشدد من عناقها كثيرًا وكأنها تخبرها بأنه ملجأها الآمن.
كثيرًا ما نتوه بين ما نحتاجه وما نشعر به وكأننا لا نعرف أنفسنا. تتكالب علينا الأوجاع وتختلط علينا الأمور فلا نعد نعلم أي الطرق علينا أن نسلك، نحتاج لأن يمد أحدهم يده إلينا إما لإرشادنا أو لاحتواء آلامنا.
هدأت من ثورتها التي لا تعلم كيف اندلعت، فقد شعرت للحظات بأن بكاء العالم يملؤها حتى فاضت به عيناها التي تلونت بحمرة الوجع الذي استكان للحظات غرقت بها بين ذراعيه التي تطوقها بقوة وكأنها تخشي سقوطها.
شعر بها تهدأ بين ذراعيه التي احتوت ألمها وغضبه، فقد كان يحترق كمداً ورعباً على شقيقته وعلى هذا المأزق الذي يجب الخروج منه بأقل الخسائر.
شعر بها تتملص من ذراعيه، فخفف من ضغطه عليها لتتراجع هي تنوي الابتعاد وعينيها تهرب من سطوة عينيه، فلم تفتها يده بل امتدت تمسك ذقنها وتعيد عينيها إليه وهو يقول بخشونة: "بصيلي يا فرح".
كان الهرب هو أول وأقوى حلولها الآن، فحاولت سحب نفسها من بين يديه وهي تقول بشفاه مرتجفة: "هخرج أشوف جنة".
أحكم قبضته فوق ذراعيها وهو يقول بصرامة: "بصيلي وبطلي تهربي".
لم تجد مفرًا من النظر إليه، فشعرت بالخجل يغمرها، فتجاهل خجلها وقال مشتتاً انتباهها: "من هنا لحد ما نروح ونرجع مش عايزك تعارضيني. اللي أقوله يتنفذ، اتفقنا".
أومأت برأسها دون اعتراض، فقال بلهجة خشنة: "كل حاجة هتبقى كويسة. خليكي واثقة فيا".
خرج صوتها مبحوحًا حين قالت: "انت ازاي مش خايف؟ يعني جدي ممكن يأذي حلا، وقتها هتعمل إيه؟"
تحدث بصرامة: "حلا كويسة ومحدش هيقدر ييجي جنبها".
كان يتحدث بثقة لا تعلم من أين جاءته، ولكنها لم تستطع سوى أن تومئ برأسها، فأتاها صوته الأجش حين قال: "بطلي تبني حواجز بيني وبينك يا فرح".
حين أوشكت على إجابته جاء الطرق القوي على الباب، والذي لم يكن سوى لشيرين التي جاءت تناظرها بغل تجلى في نبرتها حين قالت: "المأذون بره".
حانت منها نظرة متهمة على مظهر فرح المبعثر، فجاءها صوته القاسي حين قال: "اختفي من وشي دلوقتي".
تفاجئت من حديثه الذي كان قاسيًا كعينيه، فتراجعت إلى الخلف دون أي حديث، فالتفتت فرح تناظره بسخط تجلى في نبرتها حين قالت: "هو ينفع برضه تشخط في الحنينة اللي كانت بتنشفلك عرقك!!"
لم تستطع الصمت، فقد تذكرت ذلك المشهد الذي سلب النوم من جفونها طوال الأسبوع المنصرم، وخاصة حين جاء إليها ياسين قائلاً بتعقل: "أوعي تسمحي للغيرة إنها تأذيكي، لو سالم بيحبك بجد مش هيقبل بحد غيرك، لمجرد إنك مشيتي وهيجيلك بيتك. هيعززك ويقدرك".
كانت الغيرة بداخل عينيها شيئًا ممتعًا بالرغم من كل شيء، ولكنه لم يكن في مزاج لأي شيء، فتمتم قاصدًا أن تسمع كلماته وهو يغادر إلى الخارج: "آه والله حنينة، ربنا يكتر من أمثالها".
تم عقد القران في هدوء من جانب الجميع، ولكنه لم يمر من داخلها، فقد كانت تشعر بالخزي والألم في آن واحد، فها هي الزيجة الثانية لها تتم بصورة أصعب من السابقة، فهي مجبرة على الزواج حتى تنقذ روحها من الهلاك. أي هلاك يمكن أن يكون أصعب مما عايشته؟ فقد تذوقت شتى أنواع الألم وأقصى درجات العرض الذي لا تزال مرارته عالقة بجوفها. فللمرة الثانية تتزوج رغماً عن إرادتها، حتى وإن كانت شرعية، فلم يعد هناك فرق، ولكن يبقى السؤال حائرًا بينها وبين عقلها، فبعد أن مضت تلك الورقة العرفية صارت تعض أصابعها ندماً، ولكن هل ستندم تلك المرة أيضاً؟
زفرت بتعب وهي تنظر إلى نافذة السيارة، فهي مذنبة وستظل الباقي من عمرها تدفع ثمن هذا الذنب، حتى وإن ادعى سليم أنه يحبها كما كان يقول، فحتماً سيمل منها حين يدرك بأن روحها أصبحت عاقرًا لن تستطيع أن تعقد بالعشق يومًا ما، فقد تشوه جزء كبير بداخلها لن يفلح أي شيء في إصلاحه.
عند بشائر النهار صفت السيارات أمام إحدى البيوت الكبيرة والتي يظهر عليها الثراء ويغلب عليها الطابع الريفي قليلًا، فترجل الجميع وكان على رأسهم سالم وبجانبه ياسين، وخلفه سليم الذي يمسك بيد جنة التي تمشي بجانبها فرح، وعلى يمينها مروان. ولدهشتهم فقد وجدوا عبد الحميد يقف أمام البيت ينتظرهم، ويحيط به عدد لا بأس به من الرجال والذين كانوا من الأقارب والاعمام. فتقدم سالم ووقف في مواجهته ندًا بند وهو يقول بقسوة: "قبلت دعوتك يا حاج عبد الحميد وجيت، أتمنى تحسن الضيافة".
ابتسم عبد الحميد وهو يمد يده يصافح سالم قائلاً بصوت رنان ولكن صعيدي: "نورت يا سالم يا وزان، ومتجلقش إحنا مبنجصروش واصل مع حبايبنا".
سالم بنبرة امتزجت بها القوة مع المكر: "حبايبكوا وأهلكم، ما إحنا أهل ولا إيه؟"
اتسعت ابتسامة عبد الحميد وقال بتهكم: "طب يا راجل، بما إننا أهل مكنش لازم تبعتلنا الحكومة تطمن على بتكوا، دي وسط أهلها ولا إيه؟"
كانت لعبة والطرفين يتسابقان من الأقوى، لذا تحدث سالم بفظاظة: "ده لما تكون رايحة بمزاجها، وبعدين أوعى تكون فاكر إني بعت اللوا صفوت الوزان عشان هو مدير أمن المنيا، لا طبعًا أنا بعته عشان يشوف لو محتاجة حاجة نجبهالها معانا وإحنا جايين".
قهقه عبد الحميد على حديث سالم الذي كان خصمًا لا يستهان به وقال بقوة: "كلام إيه ده؟ دي في عينينا وجعادة مع حريمنا".
تدخل ياسين الذي كان غاضبًا من سالم الذي لم يطمأنهم على حلا بالرغم من أنه يعلم أنها بخير، ومن جده الذي وضعه في هذا الموقف: "طب بمناسبة حريمكوا مش هتسلم على بنات ابنك ولا إيه يا جدي؟"
قست نظراته لثوانٍ قبل أن يقول موجهًا حديثه لياسين: "كنك نسيت تقاليدنا يا ولدي، مرعي..."
نادى على أحد الحرس والذي تقدم ومعه إحدى النساء لتأخذ كلا من فرح وجنة للداخل. فلم تستطيع جنة أن تترك يد سليم الذي قام بالضغط عليها بقوة، فقد هلل قلبه فرحًا من تمسكها به حين غزا الخوف قلبها. فاقترب من رأسها واضعًا قبلة خافتة ارتج لها قلبها، وخاصة حين أردف بنبرة قوية رغم خفوتها: "متخافيش، أنا جنبك محدش يقدر يمسك بأي سوء، أنتِ مرات سليم الوزان".
شعرت ببعض الارتياح وحانت منها التفاتة خاطفة إلى جدها فوجدت عينيه جامدة وهي تتابع ما يحدث، ولكن لم يعلق. وبعد أن دخلت الفتيات، دعاهم عبد الحميد إلى الداخل، وبعدها تحدث بصوت رنان: "طلِع الضيوف جوضهم (أوضهم) يرتاحوا يا مرعي على ما الحريم يخلصوا الوكل".
قاطعه سالم الذي قال بصرامة: "حلا فين؟"
أجابه عبد الحميد بهدوء: "مستنياكوا فوج، أول ما يشيعولها خبر إنكوا چيتوا هتچيلكوا طوالى".
لم يطل سالم بل توجه للأعلى و تبعه كلا من سليم ومروان، بينما ياسين توجه خلف جده الذي دخل إلى مكتبه وهو يعلم جيدًا بأن ياسين خلفه. وبعد أن سمع إغلاق الباب تحدث بقوة: "نورت بيتك يا ولدي".
صاح ياسين بغضب: "ليه عملت كده؟"
استقر عبد الحميد على مقعده خلف المكتب قائلاً بهدوء: "عملت الصوح اللي استنيته منك تعمله، شغِل عجلك يا دكتور".
استنكر ياسين حديثه بشدة فصاح بغضب: "الصح!! والصح إنك تخطف واحدة بريئة ملهاش أي ذنب وتدخلها في لعبة مش لعبتها؟"
لم تتأثر ملامح عبد الحميد الذي أجاب بتهكم: "وهي مش جنة برضه بريئة زي ما حكيت لأمك؟ أوعى تفكر إنها جالتلي إني عرفت بطريقي، وأوعى تفكر إني هسيب تاري لو ما الكلب ده مات كنت جتلته بيدي".
سليم بسخرية: "وتارك خدته من أخته لما خطفتها؟ عملت فيها إيه قولي!"
صاح عبد الحميد بغضب: "اجفل خشمك يا ولد، من متى بناخده تارنا من حريم؟ اللي بتقول على خاطفها دي قاعدة وسط حريمنا متعززة، دي كانت الطعم اللي حرك المية الراكدة. هو أنت فاكر إياك إن المأذون اللي جه النهارده عشان يكتب كتاب الست هانم كان هييجي لو محسوش إن بتهم في خطر؟"
صُدِم سليم من حديثه وقال باندهاش: "أنت عرفت منين؟"
زمجر بقوة: "زي ما عرفت اللي حوصول واللي الكلب ده عمله! هو أنت فاكر إني كنت هسيبها عايشة لو اتأكدت إنها خاطية؟ لاه، ولو إنها غلطت بس عشان أبوها الله يرحمه إني بلعتها، لكن مش هسمح أن راسنا تتحط في الطين؛ لازم بنات محمود عبد الحميد عمران تترفع راسهم وسط الخلج. جنة هتخرج من هنا عروسة، هيتعمل لها فرح البلد كلها تحكي وتتحاكي بيه، وهيجيب أهله كلهم وياجوا يطلبوها منا. والكلام ده هيحصل غصب عن عين التخين".
توقف للحظة عاجزًا كليًا عن الحديث، فقد ظن بجده أسوأ الاحتمالات ولم يضع ولا احتمال واحد بأن يكون تفكيره بهذه الطريقة.
"كنك متفاجئ يا ياسين، إني مش ظالم يا ولدي. ولو ظالم مكنتش جبلت إنك تبعد وتعيش مع بوك وأمك وأنت حفيدي الغالي. بس خليك فاكر إن اللي له أول له آخر وإني مش هجبل اچف وحداني وسط الخلج بعد أكده".
ياسين باستفهام: "تقصد إيه؟"
عبد الحميد بصرامة: "اعمل حسابك هترجع تعيش معايا من تاني وتمسك أرضك وأرض أبوك وعمك الله يرحمه. أنت وحيد هناك يا ولدي وأديك شايف لولا إني أدخلت كانوا بنات عمك ضاعوا وسط الغيلان. سالم ده مش سهل ده حويط وواعر جوي، وعشان كده أنا أدخلت".
ضيق ياسين عينيه مفكرًا في حديث جده وقال باستفسار: "طب وأنت مش خايف لا يكونوا جوزوا جنة طمع في أرضها، وبعد ما ياخدوا كل حاجة يرموها، عمايلك بتقول إنك مش مآمنلهم. حتى لو جنة متفرقلكش الأرض تفرقلك".
عبد الحميد بصرامة: "جنة بتي ومن صلبي، غلاوتها تفوق مليون أرض. وبعدين دي متفوتنيش. البت اختهم دي هاخدها لعمار ابن عمك جعفر، وأكده روحهم في يدنا زي ما روحنا في يدهم".
هاجت الدماء في عروقه حين سمع حديث جده وصاح بغضب: "كلام إيه ده؟ لا طبعًا، عمار مين؟ حلا استحالة تتجوزه".
ضيق عبد الحميد عينيه وقال بغضب: "ياسين، فوج، كلامك مش مريحني، أوعاك تكون بتفكر..."
قاطعه ياسين بقوة: "لو عايزني أرجع أعيش معاك هنا وأمسك الأرض وكل حاجة، يبقى حلا تبقى من نصيبي".
صاح باستنكار: "وه كلام إيه ده اللي بتجوله؟ أنت اجننت ولا إيه؟ أنت هتتجوز فرح، فرح بت عمك، أنت أولى بيها من الغريب".
ياسين بعناد: "فرح أختي وأنا برضه أخوها. وده آخر كلام عندي، عايزني أرجع هنا يبقى أتجوز حلا".
زفر عبد الحميد بغضب ولكن قال بإذعان: "ماشي، يبجى فرح تتچوز عمار".
ابتسم ياسين بمكر تجلى في نبرته حين قال أمام جده: "ابقى عرف سالم التقسيمة دي لما ييجي".
"تجسيمة إيه؟"
هكذا تساءل عبد الحميد فأجابه ياسين مغيراً الأمر: "لا، متاخدش في بالك. قولي هنقنعهم إزاي بجوازي من حلا؟"
ابتسم عبد الحميد بمكر وقال بتخابث: "مش إحنا اللي هنجنعه، دي هي".
يتبع…
أتمنى أن اللهجة الصعيدية تعجبكم، دي أول مرة أكتب بيها، وتمرنوا عشان إن شاء الله في دماغي رواية صعيدي اطلبت مني.
كوباية شاي وقرصتين ومخمخوا في البارت وأنا هروح أنام، تصبحوا على كل حاجة حلوة ♥️
متنسوش تعملوا كومنتات قمر زيكم وريفيوهات حلوة ♥️
•
رواية بين غياهب الاقدار "في قبضةالاقدار الجزء الثاني" الفصل السابع 7 - بقلم نورهان العشري
كانت جنة تجلس على حافة السرير، ترتجف من الخوف أو ترقب ما هو آت. لم تر جدها ولا حلا بعد. أحضروها إلى هذه الغرفة بعد أن أجبروا فرح على تركها بحجة أن حلا تريد رؤيتها. بالرغم من الذعر الذي يملأ داخلها، لم تقاوم أو تتمسك بوجود شقيقتها معها، فقد أيقنت أن جدها يريدها وحدها.
كانت ضربات قلبها تتقاذف بعنف، فهي على وشك خوض أكبر مواجهة في حياتها، مواجهة ستقتلها إما بإنهاء حياتها أو إزهاق كرامتها. منذ أن علمت بمرضها، وهي تخشى النهاية الحتمية له وهي الموت. ولكنها الآن تتمنى لو تداهمها سكراته لتريحها من العذاب الذي ستناله حتماً على يده.
هبت من مكانها مذعورة لسماعها طرقاً قوياً على باب الغرفة، وبدأت ترى نهاية سوداء لباقي حياتها على يد هذا الطاغية. ولكنها تفاجأت بالخادمة التي أخبرتها بأن تتجهز لأن جدها يريد الحديث معها.
أخذت عدة أنفاس علها تهدأ من ضجيجها الداخلي، وهي تخطو إلى الخارج مع أحد الحرس الذي أخرجها من باب خلفي للمنزل، سالكاً طريقاً آخر غير الذي جاءت منه. حاولت أن تهدئ من روعها، وأخذت تردد بشفاه مرتعشة: "لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين."
كانت الخطوات تتعثر بها، فمن يستطيع الثبات وهو يسلك طريق الموت، خاصة وأن كانت بطريقة مروعة تشبه عينين ذلك العجوز الصلب الذي كان ينتظرها على ضفة البحيرة الصافية، والتي تعلم بأن نهايتها ستكون مدفونة في أعماقها، هذا إن كان رحيماً بها.
توقفت أمام عبد الحميد، الذي نظر إلى الغفير وسأله بنبرة قاسية: "عملت اللي جولتلك عليه؟"
الغفير باحترام: "حصول يا حاج."
عبد الحميد بتأكيد: "حد شافكوا وانتوا جايين هنا؟"
الغفير بنفي: "لأ، إني جبتها من الباب الوراني ومحدش شافنا واصل."
"طب روح انت.. وجهز اللي جولتلك عليه."
كان موتاً بالبطيء، تعلم بأن نهايتها بدأت بحرب الأعصاب تلك، وستنتهي نهاية مروعة تليق بجرمها. فأخذ جسدها يرتجف، وأغمضت عينيها بقوة تستجدي الموت أن يخطفها في تلك اللحظة حتى ينتشلها من عذابها المنتظر.
"فتحي عنيكي وبصيلي يا بت محمود."
كانت نبرته قوية يشوبها قسوة جعلت فرائصها تنتفض، وتسارعت دقاتها أكثر حتى بدت تسمع طنيناً بأذنيها. جاهدت أن تفتح عينيها التي غزتها خطوط حمراء تحكي مقدار الذعر الذي يجتاح أوردتها.
"خايفة مني يا جنة؟"
كانت أذناً لعبرات كانت كالفيضان الذي ضرب ثباتها الهش وحطمه في الحال، وتدفقت مياه عينيها حتى أغرقت صدرها الذي كان ينتفض بقوة. فاقترب منها عبد الحميد خطوة، تراجعت على إثرها خمس، وهي تقول بنبرة متقطعة: "ار.. ارجوك.. مت.. متعملش.. فيا.. حا.. حاجة.. أنا.. غل.. غلطت والله.. بس.. بس.. مفر.. مفرطتش.. في.. نفسي.. لو.. لو هتمو.. هتموتني.. ار.. ارميني.. في.. البحر.. مش.. مش عايزة.. أتوجع.. وأنا.. بمووت.."
***
"أبيه سالم…"
قالتها حلا، التي أطلت عليهم من باب الغرفة لترتمي بأحضان سالم الذي عانقها بقوة، وكأنه لا يصدق بأنها آمنة بين ذراعيه. فبالرغم من أنه خاطب، وعمه، ولحسن حظهم، هو لواء ومدير أمن محافظة المنيا، وأخبره باختصار عن الأمر حتى يأتي بنفسه ويطمئن عليها ويطمئنهم. وأيضاً ليعرف ذلك الرجل بأنه لا يخيفهم ولا يشكل خطراً عليهم. ولكنه الآن وأخيراً استطاع أن يتنفس بارتياح. فهو، إن كان من الأشخاص الذين لا يظهرون مشاعرهم بكثرة، ولكنه يحمل بقلبه حباً كبيراً لشقيقته الصغيرة التي تربت على يديه، فصار يعتبرها ابنته التي لا يحتمل أن يلامس الهواء خدها فيجرحه.
"أنتِ كويسة؟"
هكذا سألها بصوته الخشن، فأومأت بالإيجاب. فتدخل سليم الذي اختطفها من بين يدي سالم وقال بلهفة غاضبة: "حد هنا ضايقك؟"
هزت رأسها بالسلب وهي تقول: "لأ، متخافش."
اطمأن قلبه لإجابتها، وقام باحتضانها بقوة، ويده تتحسس خصلات شعرها المسترسلة على ظهرها، وقام باحتواء وجنتيها يناظر ملامحها بشوق، قبل أن يعيدها إلى أحضانه مرة أخرى، وداخله يحمد الله كثيراً بأن شقيقته عادت سالمة.
"اقعدي يا حلا عايزك تحكي لي اللي حصل بالضبط."
هكذا أمرها سالم، فخطت بأقدامها لتجلس بجانبه، وأخذت تبلل حلقها الجاف، قبل أن تقول بشفاه مرتعشة: "تقصد إيه؟"
تدخل سليم مستفهماً: "الناس دي خطفتك إزاي وحصل إيه من ساعة ما وصلتي؟ عايزين نعرف كل حاجة بالتفصيل."
احتارت كيف تجيبه وبما تخبره، فتفرقت نظراتها بين شقيقيها اللذان يناظرانها بنظرات ثاقبة تشعر بها تخترق أعماقها، فابتلعت ريقها وتعالت دقات قلبها، وطال صمتها الذي أضاف وقوداً على نيران سليم الذي هب من مكانه قائلاً بغضب: "ساكتة ليه؟ ما تردي علينا. حصل إيه وجيتي هنا إزاي؟"
"اهدي يا سليم… حلا يا حبيبتي اتكلمي ومتخافيش من أي حاجة."
ما إن أنهى سالم جملته، حتى اخترق قلبه صوتها الملتاع وهي تصرخ في الخارج. فهب من مكانه وهرول إلى حيث يأتي صوتها، وتبعه كلا من سليم وحلا، فتفاجئوا بفرح التي كانت تصرخ في إحدى الخادمات وهي تقول بغضب: "أنا سيباكِ معاها هنا راحت فين؟"
تقدم منها سالم الذي قال باستفهام: "إيه يا فرح؟"
ما إن سمعت صوته، حتى شعرت وكأنه الغوث بعد الضياع، فاقتربت منه قائلة بلوعة: "الحقني يا سالم. جنة سبتها في الأوضة هنا بعد ما قالولي إن حلا عايزاني وروحت قعدوني في أوضة ولا جابولي حلا ولا خلوني آجي لجنة. وبعد ما زعقت سابوني جيت هنا أشوفها ملقتهاش. ومحدش بيرد عليا."
"طب اهدي ومتخافيش. محدش هيقدر يأذيها."
هكذا تحدث سالم، والتفت إلى الخادمة قائلاً بصرامة: "حالا دلوقتي تقوليلي جنة فين وإلا متلوميش غير نفسك."
الخادمة بذعر: "ممم معرفش."
كان يشعر بأن أنياباً حادة نهشت بقلبه بحوافر مشتعلة بنيران الخوف من أن يحدث لها مكروه. فاقترب مندفعاً تجاه الخادمة يمسكها من خصلاتها وهو يهزها بعنف صارخاً بصوت كان كالزئير: "جنة فين؟ انطقي وإلا وشرف أمي هكون دافنك مكانك."
الخادمة بشفاه مرتعشة: "هه. هقولك.. إني والله مالي ذنب.. ده مرعي هو اللي جالي أعمل أكده.. ومجاليش حاجة تاني.. بس.. بس إني شفته وهو واخد ست جنة وخارج بيها من الباب الوراني ناحية الترعة."
فاق الألم حدود الوصف، حتى شعر بأن روحه كادت أن تفارقه، وعقله يرسم سيناريو مفزع لما قد يصيبها. ولم يستطع سوى أن يصرخ بعنف هز أرجاء القصر: "جنة…"
***
كان مظهرها يدمي القلوب و يفتت العظام. بدت كطفلة صغيرة تائهة تساق قسراً إلى المقصلة. ناهيك عن حديثها الذي أجهز على قلب ذلك العجوز، الذي كان بكل ركن به يوجد جرح غائر وألم عظيم. فلأول مرة يفصح عن عذابه الذي تجلى في تسلل بعض العبرات الغادرة من عينيه، وهو يقول: "ياه يا بتي قد كده شايفاني راجل ظالم وجاسي؟"
هالها ما تراه، حتى أنها ظنت بأنها تتوهم ما يحدث. فتعمقت نظراتها به تحمل مزيجاً من الخوف وعدم الفهم، إلى جانب ألمها الكبير. فالتفت عبد الحميد إلى البحيرة ينظر إلى مياهها بشجن، تجلى في نبرته القوية: "بتلوميني على اللي حصل زمان، إني عارف.. الكل كان بيلومني، بس ولا واحد منهم شاف اللي كنت شايفه."
التفت يناظرها وهو يقول بتبرير: "كنت خايف عليكم من غدر الزمن وظلم البشر. مكنتش عايز أظلمكم ولا أظلم ابني. واللي جولت عليه زمان حصل. لو كنتوا وسطنا.. وسط أهلكم وناسكم.. مكنش الكلب ده استجرأ يعمل اللي عمله.. كنت عايز أحاجي عليكم."
تفاجأت من حديثه وتبريره لما حدث في الماضي، والذي كانت تستنكره كثيراً. فقالت مدافعة: "يعني حضرتك عشان تحمينا جوزتنا غصب عننا؟"
انكمشت ملامحه باعتراض تجلى في نبرته: "مين اللي جالي كده.. بوكِ كان عنيد وطايش، هو اللي وقف قدامي ومحترمَش حديث أبوه. طول عمره متمرد وشارد. كنت ودي يفضل بيناتنا. تعبت طول عمري وأنا أشده لأهله وناسه وأداري على عمايله. هو يبعد ويجري. حتى لما راح اتجوز.. ساب بت عمه وراح اتجوز من البندر. وصغرنا وكسر كلمتي. لو ما عمك وفيج اتقدم واتجوز تهاني أم ياسين، كان زمانا خسرنا هيبتنا قدام الخلق. طول عمره كان كده، لا بيحترم حد ولا بيقدر، وبيختار يهرب ويسيب غيره يتحمل نتيجة عمايله."
تفاجأت من حديث جدها عن والدها، والذي استنكرته عواطفها كثيراً، فصاحت مدافعة: "ما يمكن مكنش بيحبها.. بابا الله يرحمه كان بيحب ماما أوي."
أجابها بغضب: "يبقى من الأول مكنش وافق.. الراجل يا بتي كلمته واحدة. هنا الكلمة بحساب. والحاجات دي مش لعب عيال…"
أخفضت نظراتها، فلم تجد ما تقوله. فواصل بجفاء: "نرجع لموضوعنا…"
تجعد وجهها خوفاً حين سمعت جملته، فتابع هو بتقريع: "أنتِ غلطي يا بتي… وغلطك كبير. لكن هغفرهولك عشانك مفرطيش في نفسك. ولو الكلب دا كان عايش كنت قتله بيدي.. بس خلاص غار في داهية وحسابه عند اللي خلقك وخلقه."
لم تفهم ما يحدث، فقالت باستفهام: "طب لما انت سامحتني ليه خطفت حلا؟"
عبد الحميد بوقار: "مش معنى إني سامحتك يبقى راضي عنك. والناس دي كان لازم يدوقوا الجهرة على بتهم عشان يعرفوا الصح ويعملوه."
لونت الدهشة معالمها من حديث جدها، وقالت بخفوت: "أنا مش فاهمة."
"في حاجات في الدنيا دي أكبر من العواطف.. في كرامة لازم الإنسان يحافظ عليها. وأبوكِ الله يرحمه ميستاهلش إن رأسه تتحط في الطين بسببك، حتى لو كان غصب عنك.. أنتِ دلوقتي مرات ابن الوزان رسمي، وهيُعمل لك فرح كبير يليق بيكي وبعيلتك، وهتخرجي من هنا مرفوعة الراس. ولما تروحي حداهم هتتعاملي كده. الخوف اللي في عنيكي ده امحيه، ما أعزّش أشوفه واصل. انتِ مش قليلة ولا إحنا قليلين، وده الحاجة الوحيدة اللي هتخليني أرضى عنك."
احتارت هل تبكي متأثرة بحديثه أم تصرخ فرحاً. لم تكن تتخيل بعد ما حدث أنها سوف تستطيع أن ترفع رأسها مرة أخرى، فقد ظنت أنها ستقضي الباقي من عمرها منكّسة الرأس، منزوعة الكرامة، حتى اشتهت الموت. ولكنه الآن يهديها الحياة على طبق من فضة. ولكن يبقى سؤال ينهش داخلها بلا رحمة، وقد بدا ذلك على وجهها وتجلى في نبرتها حين قالت: "انت بتعمل كل دا عشاني ولا عشان شكلك، أقصد شكلكم قدام الناس؟"
لم يكن شخصاً ليناً أو حنوناً بطبعه، بل كان جافاً طوال حياته. ولكنه الآن يقف أمام نسخة مصغرة من ابنه الراحل، وضحية لحربهم معاً. وللحظة خالطت أفكاره صورة لطفلة صغيرة بجسد ضئيل وعينين كبيرتين تشبهان بحراً أسوداً يحاكي سواد شعرها الغزير الذي كان يصل لمنتصف طولها. كانت الوحيدة التي برغم صغرها لا تهابه، وتهرول دائماً حتى تفوز بالجلوس بين أحضانه، وقد كانت قوته وجبروته تنصهر أمام براءتها وفتنتها. كانت الوحيدة التي تحظى بدلاله، فلاحت ابتسامة خافتة على شفتيه حين تذكرها وهي تتعثر بخصلاتها تستقبله وهو يدخل من باب المنزل، وقد كان هذا أروع استقبال يحظى به.
فبالرغم من كل شيء، كانت تلك الطفلة الجميلة هي الوحيدة التي استطاعت اختراق دوافعه والتربع على عرش قلبه، الذي اعتصره الألم ذلك اليوم وهي تغادر مع والديها، وقد تذكر حين التفتت تناظره من نافذة السيارة تلوح له وتبتسم ببراءة، للحد الذي جعل تلك الابتسامة تنطبع في قلبه.
"عمر الضفر ما يخرج من اللحم يا بتي، ومهما حصل أنتِ بت ابني.. ويهمني مصلحتك."
فاجأته حين اغرورقت عينيها بالدموع، وقالت بتأثر: "على فكرة أنا افتكرت آخر مرة شوفتك فيها قبل ما نسافر، لما جيتلك جري وحضنتك وقلتلي متسبش جدك وتمشي.. أنت فاكر صح؟"
ابتسم عبد الحميد وهو يقول بحزن: "صح."
تقاذفت الدموع من مقلتيها وهي تقول بألم: "ياريتك ما سبتنا نمشي… ياريتك خدتنا في حضنك وقتها مكنش زمان ده كله حصل."
أنهت كلماتها، دافنة وجهها بين كفوفها تنتحب بقوة على حظها العاثر الذي انتزعهم سابقاً من بين جذورهم وأهلهم، ليلقيهم بين فوهات الجحيم الذي كان ختامه فجيعتها التي لو مضى ألف عام لن تستطيع تخطيها.
تفاجأت بقوله حين قال نادماً: "حقك عليا يا بتي.. أنا قعدت أدور عليكوا كتير جوي.. ربنا العالم متخليتش عنكوا واصل، بس نصيبنا كده. حقك عليا."
كان شعوراً متبادلاً بالاحتياج من قبل كليهما، جعله يفتح ذراعيه في دعوة شابها التوسل الذي لون عينيه، وجعلها تهرول إلى داخل ذراعيه تنشد الأمان الذي لم يلامس قلبها منذ فراق والدها الراحل، والذي كان أكثر ما تتمناه في هذه الحياة. فأخذت تشدد من احتضانها له، وفعل هو الآخر مثلما فعلت، وقد كان بداخله يلعن كل تلك السنوات التي أبعدتهم عنه.
كان المشهد مروعاً لهؤلاء الأربعة الذين كانوا يأكلون خطواتهم حتى يصلوا إلى تلك البحيرة، وبداخلهم قلوب تتوسل بألا يكون قد حدث لها مكروه، ليتفاجئوا بأنها آمنة لأول مرة منذ سنين بين أحضان جدها الذي كان يطوقها بذراعيه، وهو يشير بعصاه إلى البعيد، وهي الأخرى تتحدث بحماس وكأنها طفلة صغيرة تستمع إلى إحدى قصصها المفضلة.
تجمد الجميع في أرضه من صدمة المشهد، إلا هو، فقد تحررت قدماه وناداها بصوت مرعب: "جنة…"
التفتت جنة فوجدت سليم يقف على بعد خطوات منها، وخلفه كلا من سالم وحلا وفرح، التي تخلصت من صدمتها وهرولت إلى شقيقتها تحتضنها بلهفة وهي تحمد ربها على رؤيتها سالمة.
"إيه يا فرح مش هتسلمي على جدك ولا إيه؟"
هكذا تحدث عبد الحميد ناظراً إلى فرح بعتب خفي أطل من عينيه، مما جعل فرح تتراجع خطوتين وهي تناظره بصدمة جعلت الحروف تتعثر بفمها وهي تجيبه: "لأ.. أنا مقصدتش.. بس أنا.. كنت خايفة على جنة أما ملقتهاش و..."
لم تستطع أن تصيغ حديثها، فصمتت. ليتابع هو بتقريع: "وتخافي على جنة ليه وهي وسط أرضها وأهلها وناسها؟"
تدخل سالم الذي فطن إلى لعبة ذلك العجوز الداهية، فقال بغضب ساخر: "يمكن عشان فجأة ملقتهاش في البيت واختفت بشكل مريب!"
عبد الحميد ببراءة لا تشبه نظراته أبداً: "وه وإيه المريب في إنها جت تقعد شوية مع جدها؟"
سالم بفظاظة: "يمكن الطريقة اللي خرجت بيها جنة من البيت كانت مريبة، ولا إيه يا حاج عبد الحميد؟"
عبد الحميد باستنكار: "كأنك بتحاسبني ولا إيه؟"
سالم بجفاء: "لأ مش بحاسبك، بس إيه الغرض إنك تخوفنا بالشكل ده؟"
أجابه عبد الحميد بهدوء مستفز: "ولا بخوفكم ولا حاجة، شيعت الخدامة تشوف جنة لو صاحية تبعتهالي، جولت أفرّجها على أرضها على ما ترتاحوا من السفر."
انكمشت ملامح فرح باستفهام انساب من بين شفتيها: "أرضها؟"
ابتسم عبد الحميد قبل أن يقول بتأكيد: "أومال يا بتي.. كل الأرض اللي حواليكي دي ملكنا أباً عن جد. وانتوا ليكوا حق فيها. مهينفعش تجوا البلد من غير ما تعرفوا حقكم فين. أنا مش هعيشلكوا العمر كله."
"طول العمر ليك يا جدي.. حسك بالدنيا محاوطنا."
انتبه الجميع لهذا الصوت القوي القادم من الخلف، والذي كان لرجل ثلاثيني فارع الطول متناسق الجسد، يرتدي الجلباب الصعيدي، ذو هيبة تشبه كثيراً الأرض التي يمتلكها. يتميز بعنفوان وشموخ تجلى في أنفه المرتفع، والذي يلائم كثيراً عينيه التي لونتها خضرة داكنة تشبه لون العشب المحيط بهم، مع بشرة ذات سمرة مميزة اكتسبها من أشعة الشمس الحارقة التي كان يعمل تحتها دائماً، فجعلته رجلاً صلباً قوياً ينهزم أمامه أعتى الرجال. كما أنه كان يملك ذكاءً حاداً يكلله بعض الدهاء الذي ورثه عن جده، الذي التفت يناظره، فتهللت أساريره قبل أن يقول بفخر: "هاه.. عمار وصل. أهلاً يا ولدي، جرب عشان تتعرف على بنات عمك."
اقترب عمار منهم بخطوات وقورة تلائمه، قبل أن يعرفه جده بجنة، التي مازالت تحت حصار ذراعه، والتي حيته بلطف وتحفظ. إلى أن أتى دور فرح، فقال عمار بوقار: "أهلاً يا دكتورة."
تجاوزت صدمتها حين رأته، ولكنها لم تستطع سوى أن تبتسم بعد أن سمعت هذا اللقب منه، فمدت يدها تصافحه وهي تقول بشجن: "إزيك يا عمار.. ياااه لسه فاكر."
لاح شبح ابتسامة بسيطة على فمه، قبل أن يقول بخشونة: "وأنسا ليه؟ وبعدين هي الذكريات الحلوة بتتنسي بردك يا فرح؟"
لم يتثنَّ لها إجابته، فقد اخترق مسامعها صوت كان كالزئير في قوته: "حاج عبد الحميد. عندنا كلام لسه مخلصش. أجلناه كتير وأظن جه وقته."
كانت الغيرة تتشعب بداخله كنبات شيطاني يتغذى على دمائه، التي أصبحت تغلي بداخله، حتى جعلته ينفث الهواء ساخناً من أنفه، وقد اشتدت ملامحه بطريقة مرعبة بعثت الرعب بداخلها، حين التفتت إليه، فهالها ما رأت، فقد كان كأنه جمرة مشتعلة بنيران الجحيم، الذي كان يتنافى تماماً مع كلمات عمار الهادئة، حين قال: "ومستعجل ليه يا سالم بيه، لسه قدامنا وقت طويل نتحدث براحتنا."
سالم بغضب لون ملامحه وامتزج بنبرة صوته الفظة: "مش مشكلتي إنك فاضي وموراكش حاجة. إنما أنا وقتي غالي."
لم يجبه، إنما انكمشت ملامحه بتعبير ساخر، تزامناً مع نظرات لونها التهكم، فشكل وجهه لوحة عنوانها الاستخفاف به وبحديثه، وقد كانت هذه الإهانة أبلغ رد منه لغطرسة سالم، الذي انتفضت عروق رقبته غضباً، وتحفزت جميع دوافعه للهجوم على ذلك الذئب الماكر الذي يناظره، فصار الهواء من حولهم مغبراً. مما جعل عبد الحميد يتدخل قائلاً بصرامة: "نتغدى الأول وبعدين نشوفوا المواضيع دي بعدين. لازم تشوف كرم الضيافة عندنا يا سالم بيه."
بعد عدة ساعات، تناول الجميع الطعام، وتوجه الجد عبد الحميد إلى مكتبه، يليه سالم، الذي تحدث بفظاظة، قاصداً أن يصل الحديث إلى مسامع الجميع: "عايز أتكلم معاك لوحدنا يا حاج عبد الحميد."
"وماله.. اتفضل."
لم يحسب حساب لدهاء خصمه، الذي لم يعير حديثه أي اهتمام، بينما تحدث قاصداً أن يصيب أكثر نقاطه حساسية، حين قال: "يالا يا فرح عشان أفرّجك أنتِ كمان على أرضك. وبالمرة نوكلك توت من الشجرة اللي على الترعة. لسانك بتحبيه؟"
كان الأمر كارثياً للحد الذي جعله يأخذ قراراً بأن يرتدي حزامه الناسف ويخترق حدود العدو، قاصداً الفتك به في عقر داره، فالتفت ينوي إحراق هذا الرجل بنيران غضبه الجحيمي. فتدخل مروان، الذي فطن إلى تلك الحرب الدامية التي على وشك الحدوث، وقال بلهفة: "آه والنبي خدوني معاكم أنا وحلا. أصل أنا بحب الغيطان والأراضي والحاجات دي أوي."
لم تجبه حلا، التي كانت في وادٍ آخر، لا تشعر بما يحدث حولها. فتدخل ياسين قائلاً بغضب دفين: "ما تروح أنت لوحدك، هتجرجرها معاك ليه؟"
اغتاظ مروان من حديث ياسين، الذي كان مدركاً لما يحدث ومع ذلك لا يبالي بالعواقب، فقال مندفعاً: "هتروح زي البهايم في الغيط؟ تحب تيجي ترمح معانا."
اغتاظ ياسين منه وأوشك بالرد عليه، فجاء حديث عمار الصارم حين قال: "وماله، سيبهم يا ولد عمي، أهو نفرجهم على البلد عشان يعرفوا هما مناسبين مين؟"
كانت كلماته تحمل تحدياً كبيراً لذلك الذي تألمت عظامه من فرط الغضب. فأتى صوت عبد الحميد من خلفه قائلاً: "مش يالا يا ولدي عشان نكملوا حديثنا. كأنك رجعت في كلامك ولا إيه؟"
تخلص من الهواء الذي يحرق رئتيه دفعة واحدة، وأعطى نظرة قوية لمروان، الذي فطن إلى ما يقصده، فأعطاه غمزة خفية سرعان ما انمحت، حين سقط كف عمار القوي على كتفه وهو يقول بسخرية خشنة: "مش يالا بينا يااا.. جولتلي اسمك إيه؟"
التفت مروان بلهفة إلى ذلك الرجل القوي، وقال باندفاع: "مروان.. محسوبك مروان."
زفر سليم حانقاً، فكل ما يحدث ويحيط بهم لا يبشر بالخير، فقد كانوا وكأنهم محاصرون في وادٍ مليء بالذئاب التي ينبعث المكر والغضب من بين نظراتهم. لذا كان داخلياً يهيئ نفسه بخوض معركة دامية معهم إن لزم الأمر. وقد حمد ربه داخلياً أنه ألهم أخاه لتنفيذ فكرة زواجه منها، وهذا هو الشيء الوحيد الذي يجعله قادراً على التنفس للآن.
"تعالى معايا عايز أتكلم معاكِ."
هكذا وجه حديثه لجنة، التي لأول مرة كان تنفسها هادئاً وملامحها مرتخية. فبالرغم من كل ما حدث، فهي الآن تشعر بأن خلفها جداراً صلباً يمكن أن تتكئ عليه براحة.
"مش دلوقتي يا سليم. الكلام اللي بين جدي وسالم يخصك ولازم تحضره.. يالا بينا."
للحظة كان يود لو يلكمه بقوة في أنفه، ولكنه تراجع على مضض متمتماً بغضب: "أغيظ إنسان على وجه الأرض."
***
"وبعدين يا شيرين هنعمل إيه؟"
هكذا تحدثت همت مع شيرين، التي كانت غاضبة حد الجحيم المستعر بقلبها، وهي ترى تلك المرأة بجانبه. فصاحت بانفعال: "أدينا مستنيين يا ماما أما نشوف هيحصل إيه؟"
همت بانفعال: "أنا مش فاهماكي، أنتِ شوية مطمنة وشوية متعصبة، في إيه؟"
زفرت بغضب والتفتت تقول بنفاذ صبر: "مطمنة عشان مخططة كويس، لكن هطق من الزفتة اللي لازقة لسالم دي."
"أومال أنا أعمل إيه بقى في خيبتي؟ البيه اتجوزها."
كان هذا صوت مروة، التي جمعت حقائبها ووضعتهم بجانب الأريكة التي جلست عليها بإحباط وألم. فصاحت همت مستنكرة: "إيه يا بنتي الشنط دي، أنتِ رايحة فين؟"
"ماشية، هقعد أعمل إيه؟"
شيرين بغضب: "تمشي فين يا هبلة أنتِ؟"
مروة بحزن: "هقعد أوجع قلبي على الفاضي وأنا شايفة اه مع الست هانم. أنا أمشي أحسن."
همت بتقريع: "يا هبلة عايزة تمشي وتسيب الجمل بما حمل كده بحتة بت زي دي. دانتِ تستني وتحرقي دمها وأعصابها وتخطفيه ليكي."
شيرين وهي تعبث بهاتفها: "اسمعي كلام ماما، اتضح إنها عندها حق وكلامها صح."
"أنا هطق، إيه الحظ ده؟ دانا ملحقتش أقعد كام يوم ولسه هبدأ أتعامل معاه يقوم يتجوز."
شيرين بخبث: "متقلقيش، هيطلق قريب."
تحفزت مروة والتفتت تناظرها بعينين لامعتين: "تقصدي إيه؟"
وتدخلت همت قائلة: "يعني إيه هيطلق قريب دي؟"
لم تتحدث، إنما قامت بتوجيه شاشة الهاتف أمام وجوههم، فبرقت أعينهم عندما شاهدوا تلك الصورة أمامهم.
***
كان القلب يئن حزناً، والجسد يئن وجعاً، على الرغم من كل تلك العقاقير التي تأخذها حتى تخفف من آلام جسدها الذي مزقته في نوبة انهيارها. إلا أنها كانت تشعر بوجع عظيم، ربما كان مصدره ذلك الوجع القاطن على يسارها حين تتذكر كل المآسي التي مرت بحياتها، وأخيراً مأساتها الكبرى حين سمعت صوته وهو يتحدث عن علاقة مزعومة بينه وبينها. الآن فقط علمت معنى الظلم، بل القهر. فقد اتهمها ذلك الجرذ، وأيده عدو أثمن هدية أهداها بها القدر. فقد كان دائماً جزعها القوي حصنها المنيع، كانت تستند عليه من كل شيء، ولكنها خذلته حين صدق تلك الافتراءات وتطاول على جسدها ينوي انتزاع أثمن ما تملك في هذه الحياة.
بكل ما تملك من ألم، كانت تتمنى إخباره بأنها لازالت شريفة الجسد، على الرغم من أن روحها تدنست بسبب أفعالها مع جنة وكرهها لها. لا تعرف هل كان ذلك غيرة منها أم حنقا، لإن الجميع دائماً ما يفضلون عليها أشخاصاً وأحياناً أشياء. لا تعلم، ولكنها تتألم، وقد خرج صوتها جريحاً حين قالت: "أنا مش وحشة.. هما اللي وحشين.. أنا مفرطتش في نفسي يا عدى متصدقهوش."
كان هذياناً من فرط الألم، ولكنه لامس قلب ذلك الذي كان يجلس أمام سريرها يناظرها بعينين يملؤهما الألم والندم، الذي كاد أن يجعله يجن. آه لو يعود الزمن للخلف، يقسم أنه سوف يقوم بترميم جراحها ويحاوطها بأجنحته حتى تنعم بالأمان الذي افتقدته طوال حياتها. كان ليغدق عليها من بحور عشقه حتى تطيب جراحها، ولن يدع أي شخص يؤذيها ولو كانت هي، ولن يسمح لأحد بالاقتراب منها. ولكن هذا الكبرياء اللعين هو ما جعله يفرط بها حين أخبرته أنها تحب صديقه!
امتدت يديه تمسك بيديها بقوة وهو يقول بألم يقطر من بين حروفه: "عارف.. عارف كل حاجة. أنتِ أشرف بنت قابلتها في حياتي. أنا عارف. سامحيني.. ارجوكِ سامحيني."
"انت بتعمل إيه هنا يا حيوان؟"
لم يلتفت على الفور، إنما قام بوضع قبلة دافئة على الجزء البسيط الذي يظهر من بين ضمادها، ثم التفت ينظر إلى والدها وهو يقول بجمود: "المفروض أنا اللي أسألك السؤال ده.. سايب مشاغلك ومؤتمراتك وقاعد هنا ليه؟"
صاح بغضب: "إنت يا حيوان بتحاسبني بصفتك مين؟ دي بنتي."
عدى باستنكار: "بنتك! تصدق أول مرة آخد بالي. ويُاترى لسه عارف الموضوع ده النهاردة ولا باين من كام يوم؟"
لكنه قوية من يده طالت فك عدى، الذي تراجع خطوتين للخلف وهو يقول بوعيد: "أنا ممكن أرد الضربة عشرة، بس عشان خاطرها مش هعمل كده."
"إنت بجح وقذر جاي بعد عملتك دي ومش مكسوف تقف قدامي."
عدى بجرأة: "لأ مش مكسوف. ومستعد أقف قدامك وأحط عيني في عينك ومش هاممني حد. أنا اللي المفروض أكون جنبها مش أنت. هي محتاجة أنا مش أنت. ولو أنا غلطت في حقها مرة فأنت غلطت ألف مرة. أنا اللي كنت واقف في ضهرها على طول. وأنا اللي ساعدتها تنتقم من الكلب جوز خالتها اللي كنتوا راميها عندها، وأنا اللي ساعدتها عشان تنتقم من حازم، وأنا اللي مستعد أموت عشان خاطرها. وإن كنت جرحتها فأنا هصلح غلطتي معاها وهتسامحني عشان ليا رصيد كبير عندها، أما أنت عمرها ما هتسامحك عشان مفيش في قلبها ليك غير الوجع والخذلان."
سقط على الكرسي بألم أنهك صدره، فهذا الشاب محق، فهو لم يكن أباً حقيقياً ولو لمرة واحدة، حتى أنه تناسى أمرها في الآونة الأخيرة، وهرول خلف نجاحاته ونقوده ومكانته العلمية التي لا تساوي شيئاً أمام ما حدث مع ابنته الوحيدة التي خسرها وخسر كل شيء بفقدانها.
"أنا عايز اتجوز ساندي!"
***
"عرضك مرفوض يا حاج عبد الحميد."
هذا كان صوت سالم القوي وهو يناظر عبد الحميد، بغضب لم يتعد حدود شفتيه، مما جعل عبد الحميد يقول باستفهام: "بترفض نسبنا يا سالم بيه؟"
عند هذه الجملة، انفتح باب الغرفة وأطل منه ياسين، يتبعه سليم، الذي قال باستفهام: "نسب إيه يا سالم؟"
لم تهتز عيناه عن عبد الحميد وهو يجيب شقيقه قائلاً: "الحاج عبد الحميد طلب إيد حلا لياسين، وأنا رفضت."
تدخل ياسين غاضباً: "أقدر أعرف السبب؟"
سالم بفظاظة: "مش عاجبني."
على نقيض شعوره، ابتسم قبل أن يجلس أمام سالم وهو يقول ساخراً: "أنا عارف إنك مبتحبنيش. بس معقول هتظلم أختك عشان أهواءك."
لم يتحرك جبل الجليد، بل وضع قدماً على ساق، وقال بنبرة هادئة ولكن قوية: "بلاش اللعبة دي معايا."
أنهى جملته والتفت إلى عبد الحميد قائلاً بتهديد مبطن: "لو فاكر إنك كده بتضمن سلامة جنة تبقى غلطان. وإن كان حازم غلط فخد جزاءه، ودلوقتي بين إيدين ربنا، هو أولى بيه."
تحمحم عبد الحميد قبل أن يتحدث بوقار: "اسمعني يا ولدي.. إحنا صعيدة ودمنا حامي، وإني راجل كبير شفت كتير وعشت كتير. يمكن لو كان اللي حصل ده من عشر سنين كان زمان الحرب جايمة والدم للركب. إنما دلوقتي إني بحل الأمور بعقلي ودايس على غضبي عشان ما أعزّش خساير زيادة، اللي راحوا. لينا حق عندكوا."
قاطعه سالم قائلاً بصرامة: "خدتوه.. لو فاكر إنك باللي بتعمله بتعزز جنة قدامنا فأنا عززتها قبلك. وجبتها تعيش وسطنا وابنها اكتب باسمنا، وفي اليوم اللي اتولد فيه حقه في أبوه اتسجل باسمه. مع إن مش أي حد هيعمل كده، بس أنا مش ظالم. ودلوقتي جنة مرات سليم. وأنا واثق إنك عارف إنه عمره ما هيأذيها ولا هيبهدلها."
عبد الحميد بتأييد: "عارف. بس الدم لسه بيغلي والنار لسه شاعلة. وعشان تنطفي لازم العيلتين يبقوا بينهم دم واحد. يمنع المجازر اللي ممكن تحصل. صدقني إني بعمل اللي فيه الصالح للعيلتين. وبقتل الفتنة قبل ما تنتشر."
سالم بخشونة: "محمود وجوده يمنع أي فتنة. ومش لوحدك اللي خايف على أهلك. أنا كمان خايف ومعنديش أغلى من أختي، ولو على رقبتي مش هجوزها غصب عنها."
ضيق عينيه بمكر قبل أن يقول بهدوء: "ومين جالي إن احنا عايزينها غصب عنها. ما يمكن هي رايدة ياسين زي ما هو رايدها. اسألها."
سالم بجفاء: "انت عايز توصل لإيه؟"
"عايز الحق وبس. لو بنتكم مش رايدة ابننا يبقى خلاص على هواها."
تشابهت لهجته مع ملامحه حين قال: "وماله. هسألها."
التفت سالم ناظراً إلى أخيه، الذي فهم ما يشير إليه، وأومأ برأسه وهو يتوجه للخارج. فمنذ البداية كان سليم صامتاً، لا يعلم إن كان غضباً أم حزناً. فبالرغم من أن قلبه وجد طريق الحب معها، ولكن الطريق كان متعباً بل مؤذياً للجميع، وها هو الأذى يصل إلى شقيقته. فللحظة وضع نفسه مكان هذا الرجل، فسيفعل مثلما فعل وأكثر. وعلى الرغم من مقاومة أخاه الأكبر، إلا أنه كان يدرك بأن ما فعله حازم وضع الجميع في منعطف خطر، إن لم يتلطف بهم القدر، فوقعوا جميعاً في الهاوية.
"موافقة يا أبيه."
هكذا أجابت حلا على سؤال سليم حين أخبرها برغبة ياسين في الزواج منها. وقد تفاجأ بقبولها الصريح، الذي جعل ملامحه تنكمش بريبة، تجلت في نبرته حين قال: "موافقة!! أنتِ في حاجة بينك وبينها يا حلا؟"
تراجعت خطوتين إلى الخلف وهي تقول بتلعثم: "لأ.. والله. يا أبيه. حاجة إيه دي اللي هتكون بيني وبينه؟"
اقترب منها سليم وهو محتفظاً بيديه داخل جيوب بنطاله، قائلاً باستفهام: "موافقتك السريعة دي مش مريحاني بصراحة."
كان الضياع والخوف يغلفان نظراتها إليه، وهي تتذكر ما حدث البارحة.
عودة إلى وقت سابق.
كانت خطواتها تحمل الخوف والرهبة، وهي تمشي خلف الخادمة التي أخبرتها بأن هناك من يريد الحديث معها، ولاذت بالصمت بعد ذلك، فلم تعد تجيب على أسئلتها. فأجبرت نفسها على المضي خلفها، وهي تناظر المكان حولها بفضول، إلى أن وصلت إلى باب ضخم فتحته الخادمة، ودخلت، وتبعها إلى داخل تلك الغرفة العريقة، فتفاجأت من وجود رجل عجوز، ملامحه خشنة بل قاسية، تحيط به هيبة بدائية، بثّت رعباً قوياً بداخلها، زاد حين قال بصوته القوي: "واقفة عندك ليه.. جربي يا بتي."
بللت حلقها الجاف، وهي تخطو بأقدام مرتعشة إلى حيث يجلس، وبشفاه مرتعشة سألته: "أنا فين وأنت مين؟"
عبد الحميد بخشونة: "أنتِ في الصعيد.. تحديداً في المنيا.. وإني أبقى عبد الحميد عمران.. أنتِ متعرفنيش ومتاخديش بالك من الاسم، بس أنا هعرفك.. إني أبقى جد جنة وفرح.. أكيد تعرفيهم."
تعاظم الخوف بقلبها من حديث ذلك الرجل، وقالت بصدمة: "إيه؟ إزاي؟ إحنا منعرفلهمش أهل.. يعني أقصد…"
قاطعها بخشونة: "فاهم قصدك.. وأديني بعرفك بنفسي إن إني جدهم."
"وليه جبتني هنا؟"
هكذا سألته بلهجة مرتعشة، فأجابها بهدوء يتنافى مع خطورة كلماته وما تحمله من معانٍ: "بصراحة جولت آخد رأيك وأشهدك على اللي حصل.. يرضيكِ يا بتي اللي أخوكي عمله في بت ابني؟"
سقط قلبها بين قدميها من فرط الرعب، فابتلعت ريقها بصعوبة، ولم تقو على الحديث، فقط هزت بسيطة من رأسها بالسلب. فصاح عبد الحميد بصوت قوي: "على صوتك.. مش سامعك يرضيكِ؟"
صرخت بلهفة: "لأ لأ ميرضينيش."
"حلو.. طب يرضيكِ إن بت زي جنة تقضي عمرها كله موطية راسها بسبب واحد خسيس زي أخوكي.. لاه طبعاً ميرضكيش. إني بجي لازم آخد حق بت ابني وحق شرفنا اللي حطه أخوكي في الوحل."
أجابته بلهفة: "بس حازم مات."
"ماني عارف.. الله لا يرحمه ويحرجه في جهنم الحمرا. بس ده مش هيشفع لينا قدام الخلق ولا هيرفع راس بتنا."
قفزت العبرات من مقلتيها، قبل أن تقول برعب: "يعني هتعمل إيه؟"
عبد الحميد بتهديد: "مضطر آخد تاره من خواته."
"لأ أخواتي لأ.. أبوس إيدك إلا أخواتي. اقتلني أنا بس هما لأ. بالله عليك أخواتي لأ. ادفني صاحية بس أوعد تقرب منهم."
قفزت الكلمات من بين شفتيها ممزوجة بعبرات غزيرة تابعة من قلب يحترق رعباً على أشقائها الذين لا تقوى على فراقهم، فأجابها عبد الحميد بفظاظة: "للأسف يا بتي مبناخدوش تارنا من حريم."
صرخت بذعر: "لأ أبوس إيدك.. أنا أهو معنديش مشكلة أموت وهما يعيشوا. طب أقولك أنا هموت نفسي بإيدي ويبقى كدا انت خدت تارك بس أخواتي لأ."
قالت جملتها الأخيرة بصوت مبحوح من فرط الألم، فتابع عبد الحميد بلهجة هادئة: "فاجأتيني يا بتي. وصعبتي عليا. وعشان كده هريحك. وهديلك فرصة تفديهم، ما هما بردك ملهمش صالح باللي حصل."
"فرصة إيه؟ أنا موافقة على كل اللي تقوله."
عبد الحميد بلهجة منتصرة: "بالظبط.. هو ده اللي عايزك تقوليه لأخواتك لما يجوا يتكلموا معاكِ."
"أنا مش فاهمة يعني إيه؟"
عبد الحميد بصرامة: "بكرة تفهمي.. وافتكري إني مبديش الفرصة مرتين يا بت الوزان."
عودة إلى الوقت الحالي.
الآن فهمت ما معنى حديثه، وبالرغم من كونها ارتاحت لهذا الطلب، إلا أنها أنثى حرة تربت على الكبرياء والعزة، تأبى الخضوع حتى ولو اشتهاه قلبها. بالرغم من عشقها له، إلا أن إجبارها بتلك الطريقة آلمها كثيراً، وخاصة وهي تراه يتجاهلها، وحتى لم يكلف نفسه عناء الاطمئنان عليها، وهذا يعني بأنه مشترك بتمثيلية خطفها ولم يبالي بألمها ولا خوفها، ولهذا السبب أقسمت بداخلها على الانتقام منه ومن جبروت قلبه الذي لم يهتم لألمها. فهي إن خضعت خارجياً لهذا الأمر، فهي تنوي أن تجعله يندم أشد الندم.
"أنا موافقة يا أبيه. دكتور ياسين إنسان محترم وأي حد يتمناه.. أتمنى متكسفنيش أكتر من كده."
لم يراجع لتعابير وجهها ولا لنظراتها، ولكنه اكتفى بالقول: "ماشي يا حلا. اللي تشوفيه.. أنا هنزل أقول لسالم ونشوف رأيه إيه."
***
ارتاح عبد الحميد لما آل إليه الأمر، وتجلى ذلك في نبرته حين قال: "تتكلموا في المهم."
سالم بسخرية: "هو في أهم من كده؟"
"طبعاً أومال إيه؟ هتاخدوا من عندنا عروسة كده. من غير أي حاجة دي تبقى عيبة في حقنا وحقكم. وإحنا عروستنا تتأجل بالدهب."
منذ البداية كان سليم صامتاً، لا يعلم إن كان غضباً أم حزناً. فبالرغم من أن قلبه وجد طريق الحب معها، ولكن الطريق كان متعباً بل مؤذياً للجميع، وها هو الأذى يصل إلى شقيقته. فللحظة وضع نفسه مكان هذا الرجل، فسيفعل مثلما فعل وأكثر. وعلى الرغم من مقاومة أخاه الأكبر، إلا أنه كان يدرك بأن ما فعله حازم وضع الجميع في منعطف خطر، إن لم يتلطف بهم القدر، فوقعوا جميعاً في الهاوية.
"اللي تطلبه كله مجاب يا حاج عبد الحميد. من غير نقاش… شوفوا أنتوا سلوكوا إيه وأنا رقبتي سدادة."
هكذا تحدث سالم، فأجابه عبد الحميد قائلاً بخشونة: "أول حاجة بتنا لازم يتعملها فرح. الخلق كلها تحكي وتتحاكي بيه."
غضب سالم بشدة وقال باستنكار: "الكلام ده مش هيحصل قبل سنوية حازم. والدتي مش هتتحمل الكلام ده دلوقتي."
"وماله نستنى. على ما تكون كماني اطمنا عليها وعملت فحوصاتها وتحاليلها."
"انت عرفت كل ده منين؟"
هكذا استفهم سالم، الذي كان يشعر بأن هناك شيئاً يُحاك من خلفهم، فأجابه عبد الحميد: "متشغلش بالك انت يا عريس. أهم حاجة دلوقتي نقعد ونتفق على المهر والدهب والذي منه."
شعر سالم بأن هذا الداهية يخفي الكثير، ولكن لزم الصمت، وداخله ينوي كشف كل الأوراق، وإن لزم الأمر حرقها.
***
خطى سليم إلى الخارج، وبداخله العديد من الأسئلة التي لا يعلم إجابتها، وقد شعر بأن العالم بأسره يضيق به. فأخذت عيناه تبحث عنها، وهو يتمنى لو يلمح طيفها حتى يبدد هذا الشعور المقيت. فأخذ يبحث عنها إلى أن وجدها تقف بالحديقة تنظر إلى شبيهاتها من الورود. ولأول مرة يرى ضحكتها التي لونت ملامحها، فبدت فاتنة، خاصة حين تعامد الغروب على خصلات شعرها الذي بدا كليل طويل حالك السواد حول وجهها الذي كان قمراً ساطعاً. فأغمض عينيه للحظة يتخيله يتلمس تلك الملامح الفاتنة، يشتم عبيرها الأخاذ حتى تمتلئ رئتيه، يتمنى أن تطرب أذناه بهمسها باسمه مرة ثانية، كما حدث ذلك اليوم بالمشفى. وفجأة خرج من تخيلاته العاطفية على صوت عالٍ يخترق أذنيه: "الحقونا. الحقونا عمار بيه بيتخانج مع الضيف ومقطعين بعض…"
يتبع…..
رواية بين غياهب الاقدار "في قبضةالاقدار الجزء الثاني" الفصل الثامن 8 - بقلم نورهان العشري
لم أكُن يومًا شخصًا متقلبًا لا يعرف ماذا يُريد. لطالما كانت خطواتي دائمًا ثابتة و لكنه الخوف! منذ أن زارني هذا الشعور حتى استوطن جميع خلايا جسدي فصِرت أتخبط بكل شئ حولي لا أدري اى طريق يجب عليا أن اسلُك. أرهب الوحدة بشدة و اخاف الفقد كثيرًا؛ أخشى أن أرسو بسفينتي على شاطئ السراب فـ تبتلعني دوامات الغدر مرة أخرى فتكون النجاة أمرًا مستحيل. كل ما أرجوه أن أجِد وِجهة أمنه تُعيد لي ثباتي. تحتضن ثقوب روحي. وتُرمم ما فعلته عواصف الهوى بـ قلبى.
كان «عمار» يسير بخطٍ ثابته يشوبها الفخر و هو يطالع أراضيهم الشاسعة تحيط به هالة من القوة و هيبة تليق كثيرًا بملامحه التي كانت وسيمة بقدر خشونتها و كانت «فرح» تسير بجانبه تستمع إلى ما يقول بإهتمام و بـ قلب يرتجف تأثرًا حين يمر به طيف الذكريات الجميلة التي جمعتها معه و مع أرضها و عائلتها و التي تبعث بداخلها مزيج من السرور و الشجن و لسان حالها يردد ياليت الزمان يعود يوماً.
" فاكره اهنه لما جعدتي تحاولي تطلعي عالشچرة و وجعتي و يدك اتكسرت؟"
قالها «عمار» بلهجته الخشنة و ابتسامته الهادئه و هو يناظرها بعينين تلمع من وهج الشمس التي كانت لانعكاسها أثرًا كبيرًا علي غاباتها الزيتونيه فجعلتها مُتعه للناظرين و خاصةً حين اضفت عليها الابتسامه اشراقه جميلة.
" مانت و ياسين مكنتوش موجودين و كان نفسي آكل توت جدا .."
افلتت من بين شفتيه ضحكة خشنه اتبعها قائلًا
" طول عمرك عنيدة يا فرح. طالعه لعمى محمود الله يرحمه."
" و بعدين بقي في الي عاملنا فيها ذئاب الجبل دا؟"
كان هذا صوت «مروان» الخفيض و هو يتحدث الي «حلا» التي كانت تنظر حولها بضياع ولكنها تنبهت حين لكزها «مروان» في كتفها وهو يقول بغضب
" أنتِ يا عملى الأسود في الدنيا سرحانه في أي ؟"
«حلا» بغضب
" بتزوقني كدا ليه انت كمان ؟ هو أنا ناقصاك؟"
«مروان» بتهكم
" ليه ياختي مالك زرعتيها فجل طلعت جرجير؟ مش كفايه مشحططانا وراكِ من اسماعيليه لحد هنا. مين قالك تتخطفي بعيد كدا ما كنتِ اتخطفتي في أي حتة قريبه فاضيلك انا.."
«حلا» بنفاذ صبر
" هو في حد بيختار يتخطف فين يا بني آدم انت؟ وبعدين مش كفاية الستريس الي انا فيه ..كمان جاي تتريق عليا."
«مروان» بتهكم
" اس ايه يا عين خالتك استريس؟؟ الله يرحم الست الوالدة كانت بتسرحلك شعرك بالجاز كنتِ تدخلي علينا كدا تجيبيلنا إغماء جماعي من الريحة.."
تلفتت «حلا» يمينًا ويسارًا خشية من أن يسمعها أحد ولكزته في كتفه قبل أن تقول بغضب
" اخرس يا حيوان. اياك تقول الكلام دا قدام حد. وبعدين دي كانت وصفات دادا نعمة المنيله قال ايه عشان شعري يبقي ناعم.."
حاول كبت ضحكته بصعوبة قبل أن يقول بتخابث
" عشان يبقي ناااعم. قولتيلي. شوف ياخي وانا الي كنت ظالمك و فكرت أنك مقملة ولا حاجه؟ صحيح أن بعض الظن إثم.."
ما أن نطق كلمته تلك حتي وجد «حلا» تطبق علي عنقه تحاول خنقه وهي تصيح بغضب
" مقملة يا جزمه يا واطي وربنا لهخلص عليك. "
أخذ «مروان» يحاول تسليك عنقه من يد «حلا» التي كان الغضب يأكلها من الداخل و في تلك اللحظة كانت تتخيل «ياسين» بدلا من «مروان» تريد أن تلقنه درسًا قاسيًا لما فعله معها و كأن أفكارها قد استدعته ليأتي في تلك اللحظة و يراها وهي بهذا القرب من «مروان» الذي كان يضحك علي محاولاتها الفاشلة في النيل منه حتي أنه أخذ يعبث بخصلات شعرها التي التفت حول قلبه التي نهشته غيرته القاتلة فقال بغضب
" مش كبرتوا علي حركات العيال الهايفه دي؟"
توقف الإثنان إثر كلمات «ياسين» الغاضبة و توجهت أنظارهم لتصطدم بعينيه التي ينبعث منها الشرر و الذي قابله التبلد و الاستفزاز من جانب «مروان» الذي قال
" لا مكبرناش لو مضايقينك اوي حركاتنا ولاد عمك هناك أهم روح افتكر ذكرياتكوا المهببة سوي و سيبنا هنا نخلص احنا خناقاتنا "
كان وميض الخطر يغلف عينيه مما جعلها تضيق عينيها بخبث تجلي في نبرتها وهي تقول بدلال
" اه ياريت تفارقنا عشان احنا نوتي وانت متربي عشر مرات قبل كدا.."
نجحت في استفزازه و التعزيز من غضبه و الذي تجلي في ذلك العرق النافر في رقبته فعلا صوته حين قال حانقًا
" والله لو أنتِ كبنت مبتخافيش علي شكلك يبقي انا مجبر أحافظ علي شكلنا قدام الناس وانتوا المفروض ضيوفنا.."
واصل «مروان» حمله الاستفزاز التي شنها عليه منذ البداية وقال ساخرًا
" تقصد أننا هنعركوا يعني؟ طب والله فكرة. ما تيجي نجبلهم العار العالم الي متعرفش ربنا دي .."
قال جملته الأخيرة وهو يطوق كتف «حلا» بذراعيه في حركة ودودة جعلت عيني «ياسين» تظلم غضبًا فاقترب منه مكورًا قبضته وهو يقول صارخًا بغضب جارف
" شيل ايدك من عليها بدل ما أكسرهالك.."
تنحي المرح جانبًا و تحول «مروان» من ذلك الشخص الساخر الي آخر مختلف تمامًا فقام التشديد من يديه حول كتف «حلا» بطريقه آلمتها زاويًا ما بين حاجبيه بينما قست نظراته و شابهتها نبرته حين قال
" لو راجل تعالي وريني هتقدر تكسرها ازاي؟"
لم يتمهل «ياسين» ولو ثانية واحدة بل اقترب من «مروان» ينوي الإطاحه به ولكنه توقف علي بعد خطوة من تحقيق هدفه حين سمع صوت «عمار» القوي وهو يقول بصرامة
" وجف عندك يا ياسين .."
توقف «ياسين» علي مضض حين وجد «عمار» يقف أمامه ينهره بقوة
" خبر ايه عاد ايه الي عم هتعمله دا . دول ضيوفنا ولا نسيت.."
كانت عينيه متعلقة بذراع «مروان» التي مازالت تحيط ب«حلا» التي كانت ترتعب فشددت من احتضان «مروان» أكثر من شدة خوفها فتعاظم الغضب بداخله وصاح بانفعال
" قول للحيوان دا يبعد عنها احسن ما ادفنه حي.."
تدخلت «فرح» محاولة تهدئه الموقف
" اهدي يا ياسين في اي؟"
صاح «مروان» منفعلًا
" و أنت مالك أهلك و مالها؟"
جن جنونه من حديث «مروان» و أوشك بالهجوم عليه فتصدي له «عمار» الذي قال معنفا
" اهدي يا ياسين جولت."
تراجع «ياسين» بغضب إلي الخلف بينما التفت «عمار» ينظر إلي «مروان» بوعيد تجلي في نبرته حين قال
" أكده انت غلطت. و عندينا الغلط بحساب"
صاح «مروان» بقوة وهو يقف ندا بند بنظر إلي «عمار »
" الغلط بحساب عند الناس كلها مش عندكوا انتوا بس. وابن عمك غلط و مالوش دعوة بحلا ولا له كلمه عليها. ولا يفكر يقرب منها "
«عمار» بتخابث
" ايه جولك بجي أنه اتجدملها وهي وافجت. مش أكده يا عروسه؟"
قال «عمار» جملته وهو ينظر إلي «حلا» المرتعبة فقام «مروان» بلكزه في كتفه وهو يقول غاضبًا
" طلعها هي من الموضوع و كلمني انا.."
برقت عيني «عمار» حين شاهد يد «مروان» الممدودة علي كتفه و لمع وميض الخطر بهما حتي يظن أن من يراهم الآن يقسم بأن هناك شيطان تلبسه خاصةً بعد أن نفرت عروق رقبته و وجهه وقال بلهجه مرعبة
" كتبت نهايتك بيدك يا كلب…"
انهي جملته و قام بتوجيه لكمة قويه الي وجه «مروان» الذي طار للخلف لبضع خطوات من قوه الضربة فتعالي صراخ الفتاتين و تدخلت «فرح» معنفه «عمار»
" انت اجننت يا عمار اي الي بتعمله دا."
لم تكد تنهي جملتها حتي فاجئها «مروان» الذي قام برد لكمه «عمار» بأخرى مساويه لها في القوة وهو يقول بصوت جهوري
" ماتخلقش الي يمد أيده على ابن الوزان لسه.."
صاحت «حلا» من بين انهيارها
" مروان ارجوك كفايه بقي. "
كان «ياسين» غاضبًا بشدة ولكنه استطاع السيطرة علي غضبه وقال بصرامة
" خلاص يا عمار كفايه دا ميستاهلش توسخ ايدك بيه.."
لم يكن «عمار» في حاله تسمح له بالإستماع الي أحد فقام برفع قدمه و توجيه ضربه قويه إلي معدة «مروان» الذي تراجع صارخًا من شدة الألم فصاح «عمار» قائلا بصراخ
" من ميتا واحنا بنسيب النساوين يعلوا صوتهم يا ولد عمي .."
" اومال انت بتعلي صوتك ليه؟"
تفاجئ الجميع من ذلك الصوت الآتي من الخلف وما أن التف «عمار» لرؤيه المتحدث حتي قام «سالم» بتوجيه ضربة قويه كانت من نصيب أنفه الذي تقاذفت منه الدماء بكثرة فشهقت «فرح» برعب مما حدث و سقط قلبها بين قدميها حين رأت «ياسين» الذي أقبل ليرد الضربه ل«سالم» دفاعا عن «عمار» ولكنه تفاجئ بذراع قويه تطوقه من الخلف و التي كانت ل«مروان» الذي حاول تكتيف «ياسين» ولكن الأخير تبدلت دماءه بنيران مستعرة جعلته ينفض «مروان» و يقوم بإعطاءه لكمة قوية طرحته أرضا وانهال عليه باللكمات بينما احتدم الصراع بين «عمار» و «سالم» الذي لم يعطي الفرصه لخصمه بأن يأخذ أنفاسه بل كان يُكيل له اللكمات و يتلقي منه مثلها و أن كانت الغلبة ل«سالم» الذي بدا وكأنه وحشًا لا يرى سوى ألسنه الغضب التي كانت تتراقص أمام عينيه لتزيد من جنونه و كان كل ذلك وسط صرخات استغاثة من «فرح» و «حلا» التي تحلت بفضيلة الشجاعه واندفعت تقف أمام «ياسين» الذي كان يكيل اللكمات ل«مروان» وهي تقول بصراخ
" ابعد ايدك عنه يا حيوان.."
توقف الزمن فجأة عند كلماتها و عينيها التي تطالعه بكره كبير سددته نظراتها كسهام مشتعله في قلبه الذي امتزج به الألم و الغضب معًا فأصبح وجهه لوحه مرعبة ظنت أنها لأحد الوحوش الذي سيجهز عليها بأي لحظه و لكن فجأة تجمد الجميع بمكانه إثر تلك الطلقات النارية التي دوت حولهم مُصدره أصوات اقشعرت لها الأبدان تلاها صوت «عبد الحميد» الذي قال بغضب جحيمي
" وجف المهزلة دي منك ليه.."
قبل أن ينهي كلماته كان جميع الغفر يطوقون الرجال يحاولون منعهم من إكمال تلك الملحمة التي ستكون أرواحهم ضحية لها في النهاية
" في ايه يا سالم ؟"
كان هذا صوت «سليم» الذي وصل لتوه و خلفه «جنة» فتفاجئوا من رؤيه تلك الدماء التي تغطي الوجوه و تفترش بها الأرض فكان المنظر مروعًا و لكن الأكثر من ذلك هو حديث «سالم» الذي خرج صوته كالزئير حين صرخ موجهًا حديثه ل«عبدالحميد»
" زيارتنا خلصت خلاص. ملكوش نسب عندنا يا حاج عبدالحميد وقول لابن ابنك لو شفته قريب من مزرعتها هدفنه فيها.."
صاح «عبد الحميد» بغضب
" الحديت ده مينفعش اهنه يا سالم. نعاودوا البيت و نتحددته براحتنا."
اجابه «سالم بصرامة»
" الكلام ما بينا خلص و ردنا وصلكم. اما بالنسبه لجنة و سليم فاتفاقنا زي ماهو. والمرة الجايه لما نيجي ناخد عروستنا تكون ربيت أحفادك احسن ما اربيهملك انا .."
انهى جملته و التفت إلي «سليم» قائلًا بأمر
" سلم علي مراتك و حصلنا عالعربيات…"
نظر إلى كلًا من «حلا» و «مروان» وقال آمرًا
" ورايا.."
أوقفه «عبد الحميد» قائلًا بتهديد
" أكده أنت بتفتح على نفسك ابواب چهنم و انت مش جدها. "
واصل «سالم» طريقه دون أن يعيره نظرة واحدة وهو يقول بصرامة
" الي بيعمل مابيقولش وأنا عايز اشوف آخركوا يا عمارنه..
***************
" الراچل دا لازمن يتأدب يا چدي.."
هذا كان صوت «عمار» الذي كان وجهه متورمًا جراء تلك المعركة الداميه التي كانت قبل قليل فصاح به «عبد الحميد»
" اجفل خشمك يا عمار و متسمعنيش صوتك واصل.. "
تدخل «ياسين» معارضًا
" يعني ايه يا جدي يعني يقولك أدبهم و احنا نسكت كدا عادي.."
ناظره «عبد الحميد» بغضب تجلي في نبرته حين قال
" الدكتور بتاعنا كنه العشج لحس عجله و طيرله البرچ الي كان في نافوخه..دلوق متعصب و متضايج و موافج عالغلط الي حوصول و نسيت زمان لما فارجتنا جال عشان مش عاچبك طريجتنا دلوق ايه الي اتغير؟'
اعادت كلمات جده بعض من التعقل إليه ولكنه لم يجيبه فهو بالفعل انساق خلف غيرته الهوجاء التي جعلت المسافه بينهما كالسماء و الأرض و زادت من تلك العداوة اللعينة بين العائلتين
" عاچبكوا أكده. بعد ما كان خلاص كل حاچه خلصت و جدرت اضمن سلامه بتنا معاهم ضيعتوا كل حاچة بغباوتكم"
صاع «عمار» غاضبًا
" كنك عايز تچنني . احنا لينا حج عِنديهم يا چدي .احنا الي مفروض نخلصوا عليهم جصاد الي عملوه مع چنة.."
صاح «عبد الحميد» بنفاذ صبر
" و لما تخلص عليهم فكرك الموضوع هيخلوص؟ هياجي من عنديهم الي يخلص عليك و يبچى الدم للركب. و اخسرك انت و ابن عمك كيف ما خسرت راضي الله يرحمه. انت لسه ماعيزش تفهم. "
«عمار» بانفعال
" ماجدرش افهم. انت ليه عايز تچوز چنة عنديهم من الأساس؟. أن كان عالي حوصول انى اتچوزها و لا أنها تروح للكلاب دول"
«عبد الحميد» بقسوة
" كنك غبي ولا مفكرني اني الي غبي .. ماتجولي يا عمار هتجدر تجرب من چنة بعد الي حوصول ليها؟ ولا هتتچوزها و ترميها عندك و الاسم انك داريت عالفضيحه؟"
لم يستطيع التفوة بحرف فقد وضع جده سيف الحيرة الباتر علي رقبته فرجولته تأبى عليه أن يقترب منها بعد ما حدث و أن كان هناك ضميرًا يوخزه و يذكره بأنها لم يكن لها ذنب ولكنها لعنة ذكورية خلقت به لا يستطيع التخلص منها
" عرفت ليه اني عايزها لابن الوزان ؟ تفتكر ليه عملت التمثيلية دي و خليته يتوهم اني ممكن أأذيها ؟؟ ده كلاته عشان اتوكد إذا كان بيحبها بچد ولا رايدها لجل ما يرضي ضميره عشان الي الكلب اخوه عمله.. "
تدخل «ياسين» منبهرًا بتفكير جده
" طب ولو كان فعلا اتجوزها تأنيب ضمير كنت هتجوزهاله"
صاح «عبدالحميد» قائلا بصرامة
" الله في سماه ما كنت هخليها علي ذمته لحظه واحده.اني مش هظلم اليتيم كفايه الي حوصول زمان . و دلوق معايزش حد فيكوا يعارضني. الي هجوله يتسمع.."
***************
كان ينظر إلي الحزن الساكن بعينيها و قلبه ينفطر ألمًا ناهيك عن غضبه لما حدث فإن لم يتدخل «عبد الحميد» في الوقت المناسب لكان لقن هؤلاء الأوغاد درسًا لن ينسوه ولكنه القدر تلطف بهم و انتهت المعركة قبل وصوله حتي لا تزداد الأشواك بطريقه معها فيكفيه ما حدث سابقًا
" طلقني يا سليم؟"
وقعت الكلمه علي مسامعه وقوع الصاعقة التي غيبته عن الوعي فلم يشعر بنفسه وهو يقبض بقوة علي رسغيها بأصابعه النحيلة التي كانت كالمقصله علي جلدها الرقيق بينما برقت عينيه و لونتها دماء الغضب الجحيمي الذي تجلي في نبرته حين قال
" أنتِ اتجننتِ ايه الي بتقوليه دا؟"
كان الألم داخلها يفوق الخوف بمراحل فلم تتأثر ملامحها ولكن تجمعت سحب الألم بعينيها فامطرت وجعًا غزا نبرتها حين قالت
" كفايه لحد كدا.. مش مُجبر تتحمل أخطاء غيرك و لا تشيل شيله مش شيلتك"
" مش شغلك . انا حر و اعرفي اني عمري في حياتي ما اتجبرت اعمل حاجه انا مش عايزها .."
هكذا تحدث بقلب فاض به الألم و الغضب معًا لتُجيبه بنبرة مُتألمه
" اعتبر نفسك مقابلتنيش و متخافش عليا عمر جدي ما هيأذيني بالعكس أنا لأول مرة احس اني في مكاني و في بيتي.."
قاطعها بغضب ممزوج بألم كبير كان يقطر من بين كلماته و نبرته الخشنه
" مكانك جمبي. انا بيتك . و الي حصل دا كله براكي"
" الي حصل دا كله بسببي"
صرخت بغضب وهي تحاول التملص من بين يديه التي لم تفلتها أبدًا بل شددت عليها حتي آلمتها وهو يقول بهسيس مرعب قاصدًا إقحام حديثه في عقلها
" دا قدر و مكتوب. و محدش يقدر يغير قدره. اسمعيني كويس يا جنة. جوازي منك دا أمر واقع و عمره ما هيتغير أبدا. حتي لو الدنيا كلها اتجمعت عشان تغيره مش هيحصل ."
ضاقت ذرعًا بعناده فقالت بقلب ممزق و لهجة حانقه
" يعني هتجبرني و أنا مش عايزة ."
سليم بصرامه
" لو لزم الأمر اه هجبرك."
جنة بصراخ
" ليه ؟؟ ليه تتجوز واحدة اخوك ضحك عليها و اتفضحت و بقت في نظر الناس كلها خاطيه. فوق دا كله مريضه بالسرطان و عمرها ما هتخلف تاني ليه؟؟"
كان استفهام مؤلم بل مميت و خاصةً وهي تسرد عليه ما حدث لها من كوارث و مصاعب و تحديدًا أمر مرضها والذي جعله يقول بثبات
" حتي لو حصلك اكتر من كدا هفضل متمسك بيكِ لآخر نفس فيا.."
واصلت الدهس علي جراحه قائلة باستفهام مؤلم
" و مش عايز تبقي أب؟؟ أنا بشوفك بتبص لمحمود ازاي؟ بشوف في عنيك لهفه وحب و حنان من ناحيته كبير اوي ازاي هتقدر تتنازل عن احساسك دا بسهوله"
خطت بأسلاك حديثها الشائكه فوق قلبه الذي تمزق من فرط الألم ولكنه تجاهل ذلك و أجابها بثبات
" بغض النظر انك مهولة موضوع مرضك دا بس هفترض معاكِ انك صح انا معنديش مشكله و كفايه عليا محمود.."
صرخت بغضب
" محمود مش ابنك . محمود ابن حازم …"
قاطعها وقد بلغ الغضب ذروته خاصةً حين نطقت اسمه فجن جنونه حتي أنه قام بهزها بعنف تجلى في نبرته وهو يقول
" اياكِ تنطقي اسمه تاني علي لسانك.. اقطعي الصفحة دي من حياتك و احرقيها بقي. "
تفاجئ بضعفها الذي جعلها ترتجف بين يديه وهي تقول بوجع من بين عبراتها الغزيرة
" بس انا لسه موجوعه منها اوي.. مش قادرة انسي. مش قادرة .. مش قادرة.."
صارت تردد جملتها الأخيرة بانهيار فتت قلبه و طحن عظامه من فرط الألم الذي جمع بينهم ولكنه للأسف لا يملك رفاهيه الإنهيار مثلها فإن كان يريد دعمها فعليه أن يكن جدارًا قويًا تتكئ بثقلها عليه فقام بجذبها من يدها ليغرسها بقوة بين أحضانه مغلقًا ذراعيه عليها كالحصن المنيع يود لو ينتشلها من بؤرة الألم تلك حتي تصفو عينيها من ذلك الوجع الذي يلوث بحرها الأسود الذي غرق به ولا يعرف سبيل للنجاة فمن بين جميع النساء هي من احتلت قلبه الذي لأول مرة يعلن خضوعه مستسلمًا أمام طوفان العشق الجارف الذي اجتاحه بدون سابق إنذار.
كانت تنتحب بقوة تردد صداها في أرجاء تلك القاعة الكبيرة التي كانت بأحد أركان هذا المنزل الضخم الذي يود لو يختطفها منه و يهرب بها بعيدًا عنه و عن كل شئ حتي يستطيع أن يجعلها تنسي كل هذا الألم الذي يجيش بصدرها ولكنه أولًا يجب أن يعيد لها كرامتها التي اهدرها ذلك الذي للأسف يحمل نفس دماءه.
قام بوضع قبله قوية فوق جبينها اودع بها الكثير من الحب و الاعتذار معًا ولكن فجأة وجد صوت بكاءها قد هدأ و تجمد جسدها الذي يسكن ذراعيه و بلمح البصر وجدها تدفعه بكل قوتها وهي تناظره بعينين تقطران حقدًا تجلي في نبرتها حين قالت
" ابعد عني.. انا بكرهك اياك تقرب مني تاني .."
ألقت جملتها علي مسامعه و هرولت للخارج دون أن تعطي له الفرصة لاستيعاب ما حدث…
****************
كان «سالم» ينتظر في السيارة أمام المقود و بالخلف كانت تجلس «حلا» التي كانت تضمد جراح «مروان» الذي صاح بها غاضبًا
" بالراحه يا زفته ايدك تقيلة أحسن والله اطرمخلك معالم وشك.."
«حلا» بارتجاف
" وانا ذنبي اي هو انا الي ضربتك ؟"
التفت «مروان» غاضبًا
" مين دا الي انضرب يا بت انتِ جتك ضربة في عينك.. مشوفتنيش لما اديته لوكاميه طبقتله وشه "
«حلا» باندفاع
" لا شوفته لما أداك شلوط وداك أسيوط.."
جذبها «مروان» من خصلات شعرها وهو يقول متوعدًا
"أسيوط دي الي هدفنك فيها أن شاء الله أنتِ اوس البلاوي الي في الدنيا كلها لولاكِ مكنتش اتخانقت مع البغل دا .."
«حلا» وهي تحاول جذب خصلاتها منه و بالمقابل يدها الأخرى تمسك خصلاته
" انت الي عملتلي فيها سبع رجاله في بعض اشرب بقي.. سيب شعري"
«مروان» بغضب وهو يهزها من خصلاتها
" يالا يالي بتحطي جاز في شعرك يا معفنه .. صدقوا لما قالوا الجنازة حارة و الميت كلب..""
" بس انت وهي…"
هكذا صرخ بهم «سالم» الغاضب حد الجحيم الذي سيحرق الجميع أن أطلق له العنان فذلك الرجل نجح بجدارة في استثارة غضبه النفيس و لأول مرة بحياته يشعر بأنه علي وشك القتل لولا تدخل «عبد الحميد» لم يكن ليترك ذلك الرجل حيًا أبدًا. و لكن أنقذه القدر من بين براثنه .
أنوار سيارة قادمة شتت تفكيره وخاصةً حين وجد ذلك الذي ترجل منها والذي لم يكن سوي «صفوت» ابن عم والده و مدير أمن المنيا الذي هاتفه «عبد الحميد» ليأتي و يصلح الأمور بينهم..
لم تدم المفاجأة كثيرًا فقد فطن «سالم» لما حدث فزفر بحنق من دهاء ذلك العجوز
" بما انك كشرت كدا يبقي عرفت انا جاي ليه. انزل "
ترجل «سالم» من السيارة التي أوقفها علي أول البلد في انتظار قدوم «سليم» ولكن بدلًا عن ذلك اتي «صفوت» الذي قال بهدوء
" معقول سالم الوزان يخرج عن شعوره بالطريقة دي؟"
«سالم» مغلولًا
" سالم الوزان في اللحظة دي عنده استعداد يحرق البلد دي باللي فيها.."
ابتسم «صفوت» وقال مهدئًا
" اهدي يا راجل.. المواضيع متتحلش بالطريقه دي.. ويالا تعالوا معايا ."
«سالم» بجمود
" احنا مستنيين سليم.""
" سليم هييجي ورانا هو و عبد الحميد.."
«سالم» بغضب
" ودا جاي يعمل اي انا مش قولتله الي عندي."
«صفوت» مؤنبًا
" احنا مش ظلمه يا سالم . انا حاسس بغضبك و انفعالك.بس احنا غلطنا في حق الناس دي. و عبدالحميد مش طيب زي مانتا فاهم عبد الحميد مش عايز يخسر أحفاده لكن غضبه وحش و مش عاوزين نوصل للمرحله دي معاه عشان حتي الانتصار له ضرايب احنا في غني عنها.."
زفر «سالم» حانقًا فقد كان يعلم بأن عمه مصيب فالخطأ يلطخ صفحتهم البيضاء ولكنه حاول بكل الطرق تصحيحه و الخروج منه بأقل الخسائر فماذا بعد ؟؟
بعد مرور وقت لم يكن طويل وصل كلًا من «سليم» و «عبد الحميد» الي فيلا «صفوت» و اجتمع الرجال في جلسة منفردة لمحاولة ترميم ذلك الصدع الذي احدثه هذا الشجار الغبي
" حجك عليا يا سالم بيه. الي حوصول ده مكنلوش داعي من الأساس وانت مفروض مكنتش تشترك فيه لإنك راچل واعي انما هما شباب طايش كان واچبك تعجلهم.."
«سالم» بغضب
" مش دوري اعقلهم يا حاج عبد الحميد . لكن دوري لما الاقي حد بيتعرض لابن عمي مسكتش.."
«عبد الحميد» بوقار
" حجك .. وعشان أكده انا بجول نجفلو عالموضوع بكل غلطه ونبدؤا صفحه چديدة اني چيت اهه و بديت بالصلح. ايه جولك."
س«سالم» بجفاء
" ماشي قبلت الصلح بس رأيي مش هيتغير موضوع حلا منتهي.."
صاح «عبد الحميد» معارضًا
"لا أكده يبجي متصالحناش. اتفاجنا انك تسألها لول. ليه بجي بتجدم الرفض."
«سالم» بفظاظة
" اصرارك اني اسألها دا مش مريحني يا حاج عبد الحميد.. حاسس كدا أنه وراه حاجه "
«عبد الحميد» بمراوغه
" يا ابني انت ليه عايز تعجد الأمور؟ اني بنحل و معايزش يبجي فيه بيناتنا غير كل خير.لكن اني صبري جرب يخلوص. لو عايزها شر يبجي شر معنديش مانع ولا اي يا سيادة اللوا؟"
تدخل «صفوت» بحكمه
" سالم. الراجل جه و مد أيده بالصلح يبقى عايز اي تاني ؟"
زفر «سالم» بحنق تجلي في نبرته حين قال
" ماشي انا هسألها بس لو رفضت الموضوع دا ميتفتحش تاني..""
" وماله و أني موافج.."
نظر «سالم» الي «سليم» الذي نهض من مكانه متوجهًا إلي شقيقته في الخارج وقال بهدوء ينافي غضبه
" حلا لآخر مرة هسألك اذا كنتِ موافقه علي جوازك من ياسين ؟؟"
بالرغم من غضبها و حزنها وآلمها مما حدث فهي مجبرة علي الموافقه و خاصةً بعد ما حدث فهي تنوي جعله يتذوق الجحيم الذي رماها به دون أن يرف له جفن من الرحمة
" موافقه يا أبيه…"
شهقة قويه خرجت من جوفها حين شاهدت «سالم» الذي كان يطالعها بعيون تتراقص بها ألسنه الغضب الذي تجلي في نبرته حين سألها
" متأكدة من قرارك دا؟؟"
لوهله شعرت بأن قدميها لم تعد قادرة علي حملها فهي ترتعب من نظرات «سالم» التي تحرقها بنيرانها ولكن الأصعب من ذلك هو خسارة أحد من اشقائها لذا قالت بنبرة مرتجفه
" مو. موافقه.."
تأكد ظنه فهو فطن إلي أنها ستوافق ولكن رغمًا عن إرادتها فالآن هو شبه متأكد من أن شقيقته تعرضت للتهديد بطريقة أو بأخرى لذا لم يزيد من حديثه بل التفت عائدًا إدراجه إلى الغرفه وهو يقول بفظاظة
" حلا مش موافقه…"
هب «عبد الحميد» من مكانه وهو يقول بانفعال
" كلام اي ده الي عم تجوله ؟؟"
«سالم» بهدوء
" طلبت مني أسألها وهي قالت مش موافقه.. ايه الغريب في كدا.."
ناظره «صفوت» باندهاش فقد سمع موافقتها بأذنيه وقد علم بأن «سالم» فرض رأيه عليها لذلك تدخل قائلًا بتعقل
" ممكن تكون مكسوفه منك يا سالم . انا هدخل اسألها.."
اغتاظ «سالم» من تدخل صفوت و قال بفظاظة
" مالوش لزوم يا عمي.."
«صفوت» بنبرة ذات مغزي
" معلش يا سالم .. حلا قريبة مني و هتصارحني."
زفر بحنق و توجه يجلس علي كرسيه بشموخ منتظرا قدوم «صفوت» الذي ما أن آتي حتى قال
" زي ما قولت كانت مكسوفه من سالم.. مبروك يا حاج عبد الحميد.."
ابتسم «عبد الحميد» وقال بوقار
" مبروك علينا كلنا يا صفوت بيه.. السبوع الجاي أن شاء الله هنندلي علي اسماعيلية و ناجوا نطلبوها منيكوا رسمي.."
لم يجيب «سالم» انما تولي «صفوت» المهمه قائلًا
" تنورونا يا حاج عبد الحميد.. "
«عبد الحميد» بتعاطف
" كان نفسينا ناجوا نطلبوها منيك أهنه بس احنا عارفين الظروف .."
اومأ «صفوت» برأسه بحزن تجلى بوضوح في عينيه و نبرته حين قال
" ربنا يتمم بخير…."
*************
كان الليل طويلًا في هذه البلدة الريفية التي و بالرغم من كآبتها ألا أنه ترك بها قلبه. ويستطيع أن يجزم بأن روحه هي الأخرى غادرته و ظلت معها علي الرغم من غضبه و غيرته التي تملكته حين رأي ذلك الرجل بقربها ولكنه يشعر برغبة مُلِحه في رؤيتها يُريد انتزاعها من بين براثن ذلك البيت. لأول مرة يكُن مُمزق هكذا بين واجبه تجاه عائلته و بين قلبه المُصاب بعشقها. يعلم بأنه كان اليوم بصدد خسارتها كليًا ولكنه لا يتحمل أن يجبره أحد علي فعل شئ. لم يحدث ذلك طوال سنوات عمره الأربعين . لطالما كان هو سيد قراراته و قرارات من يتبعه.و الآن يجد نفسه في معركة داميه بين كبرياءه الذي يأبى الإنصياع لما يحدث و قلبه المذعور من فكرة فقدانه لها..
اخرج الهواء المكبوت بصدره دفعة واحدة و خطى بأقدامه إلي الشرفه يحاول استنشاق بعض الهواء النقي عله يطفئ نيرانه المتقدة ولكن دون جدوى فتلك النيران لا يخمدها سواها. نعم يريدها والآن يريد أن يقف معها علي أرض صلبة حتي يعلم ماذا عليه أن يفعل لاحقًا..
تفاجئ حين رأي «سليم» الذي كان يتوجه ناحيه حظيرة الفرس الخاصة بعمه و دون أن يفكر قام باللحاق به فوجده يقوم بوضع السرج علي ظهر الفرس يهيئها حتي يمتطيها فصاح «سالم» مستفهمًا
" بتعمل اي يا سليم ؟"
جفل «سليم» حين سمع صوت شقيقه خلفه فصاح غاضبًا
" انت لو قاصد تقطع خلفي مش هتعمل كدا!"
«سالم» بفظاظة
" مجاوبتش علي سؤالي.."
«سليم» بنفاذ صبر
" رايح اشوف جنة!""
" ازاي؟""
" كلمت فرح عشان اطمن عليها قالتلي أنهم قاعدين في الجنينة فقولتلها هاجي اشوفها حتي لو من بعيد.."
حين ذكر «سليم» اسمها تنبهت جميع حواسه و لمعت عينيه بوميض خاطف قبل أن يقول بصدر خافق
" و من بعيد ليه دي مراتك .."
«سليم» بحسرة
" مش عايزة تشوفني و عايزة تطلق.."
صمت لثوان قبل أن يقول
" دافع عن حبك . البنت دي اتظلمت متستاهلش الي حصلها دا كله.."
«سليم» بصرامه
" هعمل كدا.."
«سالم» بخشونة
" طب يالا عشان منتأخرش..'
التفت «سليم» بذهول
" منتأخرش! هو انت جاي معايا ولا اي؟"
«سالم» وهو يمتطي حصانا آخر بعد ما قام بتجهيزه
" مش هسيبك تروح هناك لوحدك.."
«سليم» بتخابث
" مش هتسبني اروح لوحدى ولا وحشتك؟"
نفرت عروق رقبته و اشتدت ملامحه بينما أجاب بجمود
" هي مين !"
ابتسم «سليم» علي عناد أخيه وقال متحمحمًا
" احنا فينا من الكذب.. "
«سالم» بفظاظة
" بطل كلام كتير و يالا بينا.."
بالفعل توجه الإثنان الي ذلك المنزل الكبير و قام «ليم» بالإلتفاف الي الباب الخلفي كما هو الإتفاق مع «فرح» التي قالت بخفوت
" سليم بالله عليك متعملناش مشاكل. هتشوفها من بعيد وتمشي.."
«سليم» بنفاذ صبر
" مش معقول هاجي المسافه دي كلها عشان اشوفها من بعيد يعني هقولها كلمتين و امشي علي طول..'
«فرح» بغضب
" انت هتستهبل.. افرض حد شافك "
«سليم» بحنق
" بقولك اي اسمعي الكلام أنتِ و ملكيش دعوة و بعدين متقلقيش سالم معايا بره.."
تقاذفت ضربات قلبها حتي وصل طنينها إلي أذنيها لدي سماعها اسمه وتسارعت أنفاسها بصورة كبيرة حتي بعثرت الحروف علي شفتيها حين قالت
" و .. هو . اي الي جايبه معاك؟ مش . قولت انك هتيجي لوحدك.."
«سليم» بنفاذ صبر
" بقولك اي سيبك منه المهم عايزك تجيبي جنه عند اسطبل الخيل الي ورا هقولها كلمتين و همشي علي طول.."
«فرح» بغضب
" سليم.."
«سليم» برجاء
" وحياة اغلي حاجه عندك يا فرح.."
انصاعت لرجاءه علي مضض و نظرت إلي «جنة» التي كانت تنظر إلي البعيد بنظرات ضائعه و قد تألمت لأجلها كثيرًا فتقدمت منها وهي تقول بمرح
" عارفه يا جنة مش طلع هنا في اسطبل خيل .."
لم تتغير ملامح «جنة» التي اومأت برأسها دون حديث فقامت «فرح» بجذبها من يدها لتجعلها تقف أمامها لتقول بصوت قوي
" جنة بطلي تعملي في نفسك كدا. كل حاجه هتتصلح و هتبقي كويسه بطلي تحملي نفسك فوق طاقتها أرجوك.."
أوشكت «جنة» علي الجدال فقالت «فرح» بنبرة آمرة
" مش عايزة جدال في الفاضى و يالا بينا تعالي نروح نشوف الفرس واثقة أنها هتخلي ضحكتك الحلوة ترجع تاني "
اومأت «جنة» بانصياع و سارت خلف «فرح» التي كانت ترتعب من ظهور أي شخص من المنزل و قامت بالعبث بهاتفها قبل أن تصلها رساله نصيه فقامت بالنظر حولها فرأت «سليم» الذي كان يختبئ في أحد الحظائر فقالت ل«جنة»
" بقولك اي روحي شوفي الفرس دي شكلها قمر اوي"
لم تجادل «جنة» بل سارت إلي حيث أشارت «فرح» التي قامت بإرسال رساله نصيه ل«سليم» فحواها
" عشر دقايق بالظبط لو طولت وربنا لهنادي علي الغفر انا قولتلك اهو .."
ارسلت رسالتها و توجهت الي أحد الحظائر التي تحوي فرس بني ذو شعر كثيف و عينين بنيتين ذكرتها بذلك الذي احتل عالمها و قلبه رأسًا علي عقب فقامت بمد يدها و ملامسه شعر الفرس بحنان زافره أشواقها و ألمها في آن واحد وهي تتذكر كل تلك العواقب و العراقيل التي تضعها الحياة بطرقهم. و فجأة و هي بخضم تخيلاتها وجدت يد قويه تقبض علي خصرها و تقوم بدفعها بداخل الحظيرة وما أن التفتت حتي تفاجأت ب«سالم» الذي وضع إصبعه فوق فمها فقد كانت علي وشك الصراخ من صدمتها فتمتم بخفوت
" هششش ."
بللت حلقها الجاف و أخذت أنفاسها تتقاذف بعنف حتي أوشكت علي تحطيم صدرها الذي كان يعلو و يهبط بقوة جراء تلك المفاجأة الغير متوقعه والتي ألجمت لسانها بينما عينيها وقعت أسيره لخاصته والتي كانت تطالعها بشوق ونهم و خاصةً حين تحرك إصبعه علي شفتيها الوردية فأشعل ملمسها الحريري نيران الرغبه بقلبه الممزوجه بعشق جارف قد يغرقهما معًا ولكن جاءت حركه الفرس لتعيد إليها توازنها فقامت بالتخلص من أصفاد ذراعيه قائله بغضب
" سيبني ."
لم تتحرك عينيه من فوقها انما تعمقت أكثر بالنظر إليها و اكتفى بالهمس
" تؤ مش هسيبك"
كان همسه مثير بدرجه كبيرة ولكنها حاولت الثبات قائلة
" أنت اي الي جابك هنا في وقت زي دا؟"
اكتفي بكلمه واحده أطاحت بكامل ثباتها و أودت بها الي الهاوية
" وحشتيني!"
شهقه خافته خرجت من جوفها اثر سماعها كلمته التي لم تكن تتوقعها أبدًا فاقترب أكثر منها حتي لفحت أنفاسه الساخنه بشرتها الرقيقه قائلًا بصوت أجش
" وحشتيني أوي يا فرح.."
لأول مرة تشعر بهذا الضعف الذي سرى كالمخدر في أوردتها و تجلى في نبرتها حين قالت
" سالم أرجوك.. بعد الي حصل النهاردة …"
سحب أكسجينها الدافئ بين رئتيه قبل أن يقول بنبرة رخيمة
" هصلح كل حاجه. "
ارتفعت عينيها تطالع عينيه التي أظلمت بنيران العشق و قالت بخفوت
" ليه؟"
امتدت يديه تتلمس ملامحها بحنان حتي استقرت علي خصلات شعرها التي قام بلف إحداها حول إصبعه وهو يستنشق عبيرها الآخاذ قائلًا بخفوت
" لسه بتسألي يا فرح؟؟"
انسابت حروف اسمه همسًا من بين شفتيها
" سالم .."
فجأة صدح صوت طلقات النار من حولهم وووو
يتبع
رواية بين غياهب الاقدار "في قبضةالاقدار الجزء الثاني" الفصل التاسع 9 - بقلم نورهان العشري
🍓التاسع "بين غياهب الأقدار"🍓
يحدُث أن ينطِق كل شئ بك صارخًا أُحِبُك بينما أنت مُتسلِحًا بـ صمت مُطلق خوفًا من الوقوع بـ فخ عينين اختلط بهم العشق و الرفض معًا فتُصبِح كمن يقِف بمُنتصف جزيرة تتوسط بحرًا هائجًا أن بقي بها سيهلك من الوحده و أن جازف والقي بنفسه بين الأمواج الثائرة قد يموت غرقًا أو ربما عشقاً
نورهان العشري ✍️
🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁
كانت تسير بخطوات ثقيلة تكبلها أصفاد الألم الساكن بصدرها الذي بات التنفس صعبًا عليه. تشعر بأن زفيرها تبدلت ذراته من هواء الي وجع قاتل يتغذى ببطء الي أشلاء روحها المُمزقة و التي أصبحت كسماء حالكه السواد تخلت عن ظواهرها الفيزيائية المُتمثلة في قوس المطر الذي بهتت ألوانه و اندثر بريقه بين طيات عذابها متحولًا إلي ظُلمة ابتلعته كما ابتلعتها معه و تبدلت كل مُبهجات الحياة في عينيها التي زهدت كل شئ فتساوى بنظرها القُبح و الجمال و لم يعد يلفت انتباهها شئ و لا حتي أن تلك الفرسة الجميلة التي كانت تصهل بقوة و كأنها تحاول جذب انتباه تلك اللوحة الحزينة لامرأة حتي حطامها لم ينجو من بطش القدر .
" وبعدين معاكِ انا مصدعة بجد .. "هكذا تحدثت جنة وهي تنظر إلي الفرسة التي كانت تصهل بقوة مما جذب انتباهها أخيرًا فتقدمت منها و قامت بإلتقاط إحدى حبات الجزر لتطعمها إياها و لكن الفرس تراجعت للخلف بطريقه مريبه فتحلت بفضيلة الشجاعة و فتحت باب الحظيرة وخطت إلى الداخل لمعرفة ما بها تلك المسكينة ولكنها سرعان ما تسمرت بمكانها وهي ترى ذلك الذي كان يختبئ بزاويه مظلمه في أحد الأركان و ما أن رآها حتى خرج من مخبأه بطلته الخاطفة ناصبًا عوده الفارع حاملًا بين شفتيه وردة حمراء اللون يناظرها بعينين امتزج بهما العشق و الحنان معًا فشكلا توليفة رائعة من المشاعر التي أصابت عمودها الفقرى بدغدغات مُحببه توجتها لمساته حين اقترب منها محتضنًا يدها بكفه الخشن و بالآخر جذب الوردة من بين شفتيه قبل أن يخفض رأسه يلثمه بقبلة دافئة في راحة يدها التي ارتجفت بين يديه فقام بوضع وردته الرقيقة بنفس المكان الذي لثمته شفتيه ثم اغلق كفها بحنان تجلي في نبرته حين قال " ممكن أخطفك؟"
كان مشهدًا ملكيًا الملك يجلب الورود لاميرته و يختطفها علي ظهر حصانه الابيض و من المفترض أن تكون الأميرة في أقصي درجات سعادتها ولكن اميرتنا قُدِمت روحها سابقًا قربانًا لشياطين الجحيم فلم يعد أي شئ قادر علي التغلب علي عذابها أو إنهاء ألمها!
لم تقطع وصال النظرات بين عينيهما ولكنها قالت بلهجه جافة " وفر علي نفسك وعليا الوجع يا سليم وامشي.. "
أن تعشق يعني أن تتألم وهو اعتاد علي الألم منذ زمن فلم يعد يخشاه لذا شدد من احتضان يدها قائلًا بتصميم " اروح فين إذا كنت معرفش طريق غيرك.."
عاندت بألم " طريقنا عمره ما كان واحد.."عاندها بحب " واحد يا جنة. دا قدرنا و منقدرش نهرب منه. "
خشيت الضعف فتسلحت بالقسوة التي تجلت في نبرتها حين قالت " بس انا رافضه اي قدر يجمعني بيك و الموت عندي أهون من وجودك في حياتي.."
يعلم بأنها تريد غرس اشواك الإهانة بصدره حتي تجبره علي الرحيل و يعلم بأن أشواكها قد آلمتها مسبقًا لذا ابتلع ألمه و امتدت يده تضع الوردة بجانب أذنها فاكتملت صورة القمر هذه الليلة لترتسم ابتسامة اعجاب علي ملامحه قبل أن ينساب عشقه من بين شفتيه " تعرفي أن الوردة كده بقت احلى.. "
قاطعته معانده" سليم أرجوك..."فقاطعها بنبرة خافتة ولكن قوية" وحياة أمى ما هسيبك.."
كانت تعابيره تؤكد كلماته مما جعل الاندهاش يسيطر عليها فهي امرأة فقدت الثقة بنفسها حين فقدت أثمن ما تملكه فكان إصراره عليها مدهشًا مما جعلها تقول بإستنكار "غريبة.. بقي سليم الوزان الي مكنش متحمل حتى يسمع صوتي من كام شهر بس دلوقتي هو اللي بيقول كدا؟؟ "
عرفت يداه الطريق الي خصرها الذي طوقه بإحكام ليجذبها إلى صدره بغتة وهو يناظرها بعينين تقطران عشقًا انساب من بين شفتيه حين قال بصوت اجش
"عايزك تعرفي أن سليم الوزان مصبرش على حد قدك و لا هيصبر علي حد زيك.."
كانت الحيرة تطل من عينيها الجميلة التي تعكس صراعها الداخلي المرير فتابع يُخدر اوجاعها ببلسم كلماته " و لو كان طريقك شوك همشيه و لو آخره موتي بردو همشيه.."
لم تكد تستوعب كلماته التي انسابت كرخات المطر على جروح قلبها فرممتها فإذا بالسماء ترعد رصاصات من كل حدب و صوب فخرجت منها شهقة قويه سرعان ما ابتلعتها ذراعه التي طوقتها بقوة وهو يقول مهدئًا " اهدي يا جنة...""انا خايفه يا سليم .. هو في ايه بيحصل ؟؟ "
شدد من عناقه لها محاولًا تهدئتها بينما عينيه تطوف في المكان بأكمله بحثًا عن مصدر تلك الطلقات التي سرعان ما هدأت فجأة كما بدأت فرفعت جنة رأسها تناظره بعينين مذعورة و تجلي ذعرها في نبرتها حين قالت " يالهوي ليكونوا عرفوا انك هنا ؟؟"
تحولت نظراته الحانيه الي أخرى افزعتها كما افزعتها لهجته حين قال مشددًا علي كل كلمه تخرج من فمه " و اي يعني لو عرفوا.. انا مبعملش حاجه غلط أنتِ مراتي .."
تعالى صوت الرصاص مرة أخرى فانتفض جسدها بين يديه و أخذت تتلفت يمينًا ويسارًا وهي تقول بتوسل " طب ارجوك عشان خاطرى امشي دلوقتي .."
سليم بصرامه " مش همشي غير لما ضرب النار دا يهدي و اطمن عليكِ. "تجمعت السحب بعينيها فامطرت ألمًا تجلى في نبرتها حين قالت بتوسل
" ارجوك تمشي .. مش هتحمل نظرة احتقار تانيه من اي حد .. لو بتحبني بجد امشي "
أن هوت علي قلبه بمطرقه حديديه لم تكن لتؤلمه بتلك الدرجة و خاصة ذلك التوسل الذي ينبعث من عينيها و الذي كان كأصفاد فولاذية طوقته و شلت حركته فجعلته يشعر بالقهر لأول مرة بحياته فلم يستطيع حتي اخراج الكلمات من بين شفتيه فقد كان رأسه علي وشك الإنفجار و كم كان هذا الشعور مؤلمًا للحد الذي جعل الأذى يطال جسده الذي أشفق عليه إذ تساقطت بعض قطرات من الدماء من أنفه فهالها مظهره وخرج صوتها مرتعبًا وهي تتحدث" سليم في دم.. دم نازل منك.."
لم يجيبها فقط اكتفي بأن جذب أسفل عنقها بيده يقربها منه واضعًا قبله حانيه فوق جبينها تتنافى مع نيران أنفاسه و عاود أدراجه للخلف متسلقًا النافذة وقام بالقفز خارج الحظيرة ولكنه لم يجد أخاه الذي لم يستطع أن ترك «فرح» التي كانت ترتجف رعبًا حين سمعت طلقات الرصاص فوق رؤوسهم و سقط قلبها بين قدميها من احتمالية اكتشاف أمرهم فقام «سالم» بوضع يده أسفل ذقنها يديرها إليه وهو يقول بنبرة ثابته كملامحه "اهدي و متخافيش من حاجه طول مانا جمبك.."
كانت ترتجف بشدة للحد الذي جعل الكلمات تخرج متقطعه من بين شفتيها" جدي.. يا.. سالم.. لو .. لو . حد شافني.. و جنه .. سليم. انا.."لم تستطيع اكمال حديثها فقد أتتها كلماته العاشقه يغلفها غضب و إصرار كبيران "متجننيش يا فرح. انا ممكن اخدك من ايدك دلوقتي و اكتب عليكِ ولا يهمني حد..'
كان الرعب مسيطرًا عليها بشكل كبير فلم تنتبه لمغزي كلماته كل ما استطاعت قوله " سالم امشي.. خليني اروح اشوف جنة.. "
زفر بغضب و أوشك علي الحديث فابتعدت عنه قائلة بغضب " كفايه إلي حصل ميستاهلوش مننا فضيحة تانيه.. امشي.."
لم يجادل انما تشابهت نبرته الفظه مع ملامحه حين قال" كلامنا لسه مخلصش.. "
كانت عينيه توحي بالكثير و الكثير الذي تجاهلته فتابع هو آمرًا " روحي شوفي جنة. و أنا هفضل هنا لحد ما اطمن عليكِ"
انكمشت ملامحها رعبًا عليه فهبت معانده" لا طبعًا..."قاطعها بقسوة " اسمعي الكلام يا فرح عشان مش ضامن نفسي لحظة واحده بعد كدا.."
لم تزد كلمه واحده بل تراجعت الي خارج الحظيرة و أخذت تتلفت يمينًا و يسارًا حتي وجدت «جنة» التي مازالت تقف داخل الحظيرة دون حراك فتوجهت إليها علي الفور ...
خرج «عمار» مهرولًا إلي الخارج إثر سماعه الطلقات الناريه التي دوت في الأجواء فوجد الغفر يتجمعون حول شخص ما يطلقون جميع أنواع السباب الذي يعرفونه فتوجه علي الفور الي مكانهم و تبعه «ياسين» الذي ايقظه صوت طلقات الرصاص المروع" حوصول اي يا واد منك له؟"
تراجع الغفر حين سمعوا سوت «عمار» الذي تسابقت خطاه الي مكانهم و بجانبه «ياسين» الذي قال بغضب" ما تنطق يا ابني انت وهو في ايه؟ و مين دا"
تحدث «مرعي» أحد الرجال قائلًا بإحترام " انى لجيت ولد الحرام ده بيحاول ينط من فوج سور البيت الكبير و حاولت اوجفه مسمعليش جومت ضارب عليه نار جام واجع علي الأرض و مش راضي يورينا وشه "
اقترب «عمار» من ذلك الشخص الهزيل البنيه الجالس علي الأرض يحتضن عمامته بيد لا تظهر من أكمام الجلباب الخاص به فهدر به «عمار» بقوة " اخلع ياد العمامة دي وريني وشك العكر ده"
لم يستجيب ذلك الشخص لأوامر «عمار» الذي صرخ غاضبًا " كنك اطرش ياد ولا اي جولتلك اجلع المحروجة دي.."
ازداد ارتجاف الرجل فجن جنون «عمار» الذي اقترب خطوتين وبعنف قام بجذب العمامة من على رأس ذلك الرجل و الذي لم يكن سوي إمرأة جميلة بل صارخة الجمال شابهت عينيها عيون الريم في فتنتها و لونت سنابل القمح بشرتها بينما اندفعت شلالات شعرها البني تموج خلف ظهرها و حول وجهها لتشكل لوحة لإمرأة بنكهه أميرة هاربة من إحدي القصص الخيالية ..
" يا دين النبي إيه الجمال دا؟؟"هذا كان صوت «ياسين» الذي تجمدت عينيه علي تلك الجميلة التي كانت تتنكر في ثياب رجل و تحاول اجتياز السور الخاص بقصرهم " يا ليلة زرجا يا ولاد .. هي الچنية سابت التورعة و جت لحد أهنه.. يا وجعة مربربة.."
هذا كان حديث أحد الغفر و تعالت همهمات الآخرين بينما كان هو بعالم آخر مشدوهًا بتلك الجنية التي لا يعلم من اين ظهرت و هل هي حقيقة أم خيال؟ و لكن جاء صوت «ياسين» ليجعله يدرك بأنها حقيقة حين قال موجهًا حديثه إليها " أنتِ مين ؟ و ايه الي ملبسك اللبس دا ؟"
ارتجفت الفتاة و خرجت الكلمات مذعورة من بين شفتيها حين قالت " اني هجولك.. اص.. اصل.."
اعادته نبرتها الي صوابه فهب صارخًا " اصل أي و فصل اي يا بت أنتِ انطوجي أنتِ مين و ايه الي ملبسك اللبس ده و مطلعك عالسور أكده.."
لم يكد ينهي «عمار» كلامه حتي اجابه «مرعي» قائلًا " انطوجي يا بت .."
صرخت «نجمة» في وجه «مرعي» باندفاع" بت لما تبتك يا بغل انت.. "صرخ «عمار» بها " اخرسي يا بت و كلميني اني .. أنتِ مين يا مخبلة أنتِ"نظرت إليه «نجمة» بغضب دفين فلطالما كانت هيبته ترهبها ولكنها حاولت الثبات حين قالت " أنى نچمة.."
تدخل «ياسين» بسخرية " دا اسم ولا وصف؟"
تدخل «عمار» صائحًا بنفاذ صبر " أنتِ هتنجطينا. ما تخلصي بدل ما اطوخك عيارين "
هنا تلاشي ثباتها و صرخت باندفاع" اني نچمة بت عبد المجصود ابو سويلم و خالتي هوانم بتشتغل اهنه و كت چيالها.."
واصل «عمار» استجوابها قائلًا بنبرة حادة" و ايه الي چايبك في الوجت المتأخر ده و لابسه أكده ليه؟"" امي كانت تعبانه و كت جيالها عشان تاچي تديها الحجنة و انطريت البس چلابية ابوي عشان محدش يطمع في من كلاب السكك الي مالية الشوارع ."كانت تتحدث و عينيه منصبه علي «مرعى» الذي كان يناظرها باشتهاء اغضب كلًا من «ياسين» و «عمار» الذي صرخ به " أمشي يا بغل انت و هو روحوا شوفوا شغلكوا "أجاب «مرعى» بمراوغة فقد أعجبته الفتاه كثيرًا" طب و البت دي هنعملوا فيها اي يا عمار بيه؟"
زأر «عمار» بقوة" و أنت مال ابوك يا بغل انت.. غور من وشي.."
بالفعل اطاعه «مرعى» و الغفر من حوله فالتفت «عمار» إلى «نجمة» التي كانت تطالعه بحدقتيها الواسعتين والتي كان بهم تعابير براءه مفرطة للحد الذي جعلته يشك بأمرها فاقترب منها خطوة تراجعت علي إثرها اثنان وهو يقول بعينين تقطران خبثًا " معارفش ليه جلبي مش مصدجك يا بت انتِ. "
دب الذعر بقلبها وقالت بتلعثم " و أني. هكذب ليه يعني؟؟"واصل اقترابه منها وهو يقول بشك ولما انتِ چاية عشان أكده مدجتيش عالباب ليه ؟؟ چايه متنكره و طالعه عالسور كيف الحراميه أكده. كلامك ممريحنيش. انطوجي يا بت وإلا"
لم تتحمل سماع المزيد من تهديداته فقد تلبستها نوبه هلع جعلتها تقول باندفاع
" وإلا اي؟ انت عايز مني اي؟ وربنا اشلفطلك الي باجي من خلجتك .. و معيهمنيش انك الكبير . اني بجولك إهوة..."
أنهت جملتها و فجأة بدأت بالصراخ الذي جعله يتجمد من فرط الصدمه
" الحجوناااي. يا خلج يا هوه .. الكبير عايز يموتني.. الحجوناي"لم يستطيع «ياسين» أن يتجاوز صدمته من فعلتها علي عكس «عمار» الذي انقض فوقها و قام بتكميم فمها بيده وهو يقول بغضب" وه. اجفلي خشمك يا بت المحروج أنتِ. هتجبيلي مصيبة إياك..."
كانت ترتجف بين يديه ولكن ذلك لم يشفع لها فقد كان الغضب يجعل دماءه تغلي فهسهس متوعدًا" طب و حياة ربي لهبيتك في الحچز النهاردة عشان تتربي.."
تدخل «ياسين» يخلصها من بين يديه وهو ينهره قائلًا " ايه يا عمار في اي؟ مش كده يا اخى. بعدين حجز ايه الي تبيتها فيه بتقولك ابوها تعبان.."
صاح «عمار» هادرًا بعنف " مسامعش الي عملته المچنونه دي.. ديه كانت هتچبلي مصيبة .."«ياسين» بتعقل" البت كانت خايفه منك و طبيعي تتصرف كدا. اهدي انت بس و سيبلي الموضوع دا ."
«عمار» بعناد " يمين بعظيم أبدًا..البت دي لزمن تبات في الحچز الليلادي .ديه حراميه باين عليها"
لا تعلم كيف واتتها الجرأة لتقول بتهكم
" مبجاش إلا انتوا عشان اسرجكوا.."رفع «ياسين» أحدي حاجبيها علي حديثها و قال ساخرًا" كمان مش عاجبين جناب معاليكِ"بينما تدخل «عمار» الذي أهتاج غضبه من حديثها" شايف جليلة الرباية بتجول اي؟ طب ايه جولك بجي اني هجطع لسانك الي بينجط سم ده"
انهي كلماته متوجهًا إليها فحال «ياسين» بينه و بينها و حاول تهدئه هذا الوحش الثائر قائلًا " ما خلاص بقي يا عمار خلينا نفض القصة دي هتعمل عقلك بعقل واحدة زيها ؟"" عنديك حج. بس يميني لازمن يمشي و هتبات الليلة في الحچز."
كانت تختبئ خلف ظهر «ياسين» العريض متخذه منه ملجأ لها و ما أن سمعت حديثه حتي أطلت برأسها قائلة باندفاع" حچز اي الي ابات فيه و اني كنت جتلت و لا سرجت؟"
اهتاج «عمار» من حديثها و انقض يحاول الامساك بها فحال «ياسين» دون ذلك فصاح غاضبًا " اخرسي يا بت المركوب أنتِ . و إلا و ديني هجوم سافخك كف متففك سنانك "
ضاق «ياسين» ذرعًا بما يحدث فنفض «عمار» بقوة وهو يقول ل«نجمه» بصراخ" ما تتكتمي الله يخربيتك أنتِ كمان.. و انت بقولك اي روح شوف حالك و أنا هتصرف معاها. "صاح معاندًا" ياسين..."قاطعه «ياسين» الذي نفذ صبره " ورحمة امك تمشي بدل ما أطخك و اطخها كان يوم اسود يوم ما رجعت البلد دي."
أخيرًا تراجع «عمار» الذي كان ينفس النيران من أنفه من شدة الغضب الذي لون عينيه و نظراته المصوبة تجاهها و تجلى غضبه في نبرته حين قال " انى همرجها عشان خاطرك بس و مش هخلص عليها لكن جلة أدبها دي لازمن ليها عقاب .."هتفت من خلف «ياسين» بذعر " تجصد اي؟؟"
«عمار» بمكر " هتعرفي. و هتتمني لو معرفتيش .."
«ياسين» بعد فهم " يعني ايه الكلام دا ؟"«عمار» بعينين متوعدة" محتاچين بنته تاچي تنضف تحت البهايم و اهي چت برچليها ."
*************
كانت رحلة العودة هادئة خارجيًا إنما كان كلًا بداخله يمتلئ بضوضاء مرعبة تتسيدها العديد من الاسئله التي عجز العقل عن الإجابة عليها و خاصةً من جانب «سالم» الذي يشعر بأن قدره يعانده مع تلك التي لم يشتهي سواها فبكل مرة ينوي التسلح بالشجاعة و الاعتراف بما يجيش بصدره يأتي حظه العاثر و يقطع الطريق عليه لا يعلم هل تلك إشارة بأنه علي طريق خاطئ أم أن القدر يتلاعب به و يسخر منه هو الذي لم يكن يؤمن بالعشق يومًا..زفرة قوية خرجت من فم «سليم» الذي كان الألم بصدره فوق قدرته علي التحمل فلم يعد يستطيع كتمانه أكثر فأخرج الهواء المكبوت بصدره دفعه واحده عله يهدئ من تلك النيران المستعرة بداخله فأتاه حديث «سالم» الذي أخرجه من بؤرة عذابه " ندمت انك روحتلها؟"
لم يكن سؤالًا عابرًا فله صداه الذي يتردد بعنف في صدره الخافق ولكنه أخذ يتطلع إلي اجابه اخاه بلهفه خفيه فلم يطيل «سليم» الصمت بل اجاب بألم " ندمان اني مروحتش من زمان.. "
كانت اجابه و كأنها إشارة بالنسبة إليه فالتفت الى «سليم» قائلًا بتوضيح" تقصد قبل الي حصل؟"
تابع بلهجه متألمه تشبه نظراته تمامًا" الي حصل كان ترتيب القدر عشان نتلاقى.. اقصد من اول يوم قلبي دقلها كان لازم اروح لها و اسمع منها. كان لازم أصدقها اصدق عنيها الي كانت بتتوسل قدامي عشان مظلمهاش ولا أزود جرحها."
كانت المعاني المستترة بين كلماته مؤلمه كثيرًا كحال قلبه الذي يفطره الوجع فزفر بقوة قبل أن يقول بخشونة
" جنه مدبوحة يا سليم مش مجروحه وبس! "«سليم» بضياع" كلها مسميات النتيجه واحده أنها بتتألم و مش قادر اعملها حاجه.."
«سالم» بتعقل
" غلطان. النتيجه مش واحده عشان الألم مش واحد!"التفت «سليم» يناظره باستفهام فتابع بنبرة جافة" عارف لما يكون في واحد واقف بعيد و يقوم راميك بسكينه تيجي في قلبك؟ اهو دا الجرح؛ ويا يموتك يا يلم مع مرور الوقت و ممكن كمان ميسبش أثر. بس وجعه أخف بكتير من أن واحد كان قريب منك اوي و مسك نفس السكينة و قعد يحفر بيها في قلبك لحد ما شوه ملامحه دبح كل حاجه حلوة جواك. طيبتك ، حنيتك حتي سلامك النفسي. و وقتها الموت بيكون أسلم حل لإن مفيش حاجه ممكن تخفف الألم أو تمحي الأثر . ودا بالظبط الي حصل مع جنة "
تراشقت كلمات أخيه بصدره كالأسهم الناريه التي غرست معاناتها بداخل قلبه فهذا هو حالها الذي وصفه مزبوحه القلب مهترئة الروح.
تابع «سالم» حديثه قائلًا " عشان كدا لازم تعرف أن المشوار مش بس طويل دا كمان مليان شوك. لو مش هتقدر تتحمله يبقي متزودش الي عمله حازم و ابعد من أولها.."
جاء الصباح محملًا برائحة الأمل الذي تعلقت به القلوب التي اضناها التعب و أهلكها الأنتظار و لكنها مازالت متمسكه بحبال الإيمان التي جعلت «أمينة» ترفع يدها وهي تقول بشفاة مرتجفه " يااارب . ردلي ولادي سالمين لحضني و متضرنيش فيهم أبدا يارب ."
بدأت حديثها تناجي ربنا واختتمته تتوسل إليه و لإن الله لا يرد عبدا أتاه عبدا توسل و تضرع إليه فقد اصطفت السيارة أمام البيت الداخلي للمزرعه و ترجل منها الجميع فابتهج قلبها برؤيتهم سالمين و خرج صوتها مهللًا " وصلوا يا نعمه . الولاد وصلوا.."
اقتربت «همت» من النافذة فوجدت الجميع في الخارج بينما اندفعت «شيرين» و خلفها «مروة» و «سما» الي الخارج و كان أول من قابلهم هي «حلا» التي ارتمت بين احضان «سما» تبكي ولا تعرف لأي سبب تبكي أحزنًا علي قدرها أم تأثرا برجوعها الي بيتها و خلفها كان سالم الذي قابلته «شيرين» قائلة بلهفه " سالم.. انت كويس؟"تشابهت ملامحه مع لهجته الفظة حين سألها " أنتِ شايفه اي؟ "
غزا الاحمرار وجنتيها و أجابته بحرج" يعني أنا بسأل عشان الخطف الي حصل و كدا.."بصق كلماته في وجهها قائلًا بفظاظة" الي كانت مخطوفة عندك أسأليها .."القي بكلماته و اندفع الي مكتبه و لم يلتفت الي «مروة» التي تحدثت قائلة" هو سليم مجاش معاكوا؟"
لم يجيبها أحد فـ«حلا كانت مرتميه بأحضان «أمينة» التي خرجت لتوها من الغرفة و «مروان» كان مشغولًا باحتضان «ريتال» التي افتقدته كثيرًا بينما اقتربت منه «سما» قائلة بلهفه " ايه الي حصل و شلفطك كدا؟"
اغتاظ من سؤالها و من دقات قلبه التي تعثرت بداخله حين لمس اللهفه في نبرتها فنهرها غاضبًا" و أنتِ مال اهلك؟"اغتاظت من وقاحته ولكن ما أثار حنقها أكثر هي «مروة» التي اقتربت في دلال قائله بغنج مفتعل
" ميرو الف سلامه عليك يا روحي .. حصلك اي؟"ناظرها بسخريه تجلت في نبرته حين قال " النمرة غلط يا مروة . سليم في الاسطبل روحيله قالي اقولك أنه عايزك "
تهللت أساريرها وقالت بفرح " بجد؟ طب عن اذنكوا " هرولت الي الاسطبل تاركه الجميع خلفها يتعجب فاقتربت منه «حلا» قائلة باستفهام " انت بتقول ايه يا ابني؟ سليم قال عايزها ولا بيطيقها حتي ؟"
«مروان» بنفاذ صبر " لا مقالش بس اكيد بيدور علي حد يطلع في غيظه و هي بنت حلال و تستاهل. "زفر بحنق قبل أن يتابع
"انا طالع انام واياك حد يقلقني "تنحي الجميع من أمامه بينما التفت إلي كلا من «حلا» و «سما» قائلًا بحنق " غوري من وشى انت وهي عيال ميجيش من وراكوا غير المصايب "
قالها و توجه إلى الاعلى بينما التفتت «أمينة» الي «حلا» وهي تقول بنبرة متلهفه " طمنيني عليكِ يا بنتِ. قلبي كان قايد نار و أنتِ بعيد عني يا ضنايا "«حلا» بهدوء " انا كويسه يا ماما.. ماتخافيش عليا"احتضنتها «أمينة» بقوة فقد كانت علي علم ببقاء «جنة» و «فرح» في بيت عمهما ولكنها كانت تجهل الباقي لذا أثارت ملامح «حلا» المتجهمة ريبتها فقالت بشك" مالك يا حلا؟ حصل حاجه هناك ؟ الناس دي عملت فيكِ حاجه؟"«حلا» بلهفه " مفيش حاجه يا ماما انا بس تعبانه من المشوار .. "تدخلت «سما» قائلة بخفوت" خليني أخدها ترتاح شويه يا مرات خالي المشوار صعب و كمان الي حصل يعني .."لم تكمل حديثها حين اومأت لها «أمينة» بالموافقه فأخذت «حلا» و توجهت الي الاعلى بينما تفرقت نظرات «أمينة» بين «شيرين» و «هِمت» قبل أن تتوجه الي مكتب «سالم» تنوي معرفة ما حدث هناك
**************
كان يغلى من شدة الغضب يريد تحطيم كل شئ حوله لم يتسع صدره لكل ما يحمله بداخله من مشاعر غيرة و عشق و ألم و خوف فهو لأول مرة بحياته يتذوق شعور الخوف. و الذي بدأ يتعاظم بداخله منذ أن تركها البارحه كانت محطمة خائفة كل ما كانت ترجوه ذهابه! بينما هو يتمني لو يجمع طمأنينه العالم أجمع و يضعها بقلبها ولكنها رفضت وجوده . نيران تحرق أحشاؤه من الداخل ولا يستطيع اطفائها علي الرغم من أنه علم من «فرح» بأنهما في طريقهما الي «الاسماعيليه» لمنزل عمها الذي تدهورت حالته كثيرًا فأضطر الجميع للمجئ لرؤيته و قد اراحه هذا و لو قليلًا ولكنه مازال يحترق بنيرانه التي ستجهز عليه ذات يوم
" سليم.. "
كانت أكثر شخص يكره رؤيته خاصةً في حالته تلك لذلك تعمد عدم الإلتفات و تظاهر بأنه لم يسمعها فقد كان مظهره مروعًا ولا يتمني أن تكون هي الضحية ليس لغلائها علي قلبه بل قلة قيمتها أن طالها بطشة فتحسب عليه روح وهي مسخ مجرد من كل شئ ولذلك فهي كانت فاقدة للشعور فاقتربت منه واضعه يدها فوق كتفه وهي تقول بخفوت" سليم انت مابتردش ليه؟"
قاطعتها يده التي قبضت علي خاصتها بقوة كادت أن تطحن عظام يدها تحت قبضته فتألمت بقوة ولكنها تفاجئت و انتابها الذعر حين رأت مظهره المزري وعينيه التي كانت تحتقن بدماء الغضب فبدأ وحشًا بشريًا قادر علي إزهاق روحها في ثوان" شوفتيني مردتش يبقي في دم. يبقي تمشي "
قال جملته الأخيرة وهو ينفض يدها بعنف مما جعل الخوف يتعاظم بقلبها بجانبه شعور قوى من الصدمه التي جعلتها تقول " هو.. هو حصل اي؟ انت.. انت مالك ؟ فيك اي؟"هسهس بغضب" متدخليش في الي ملكيش فيه."تغلبت مشاعرها التي فاقت رعبها منه فقالت بألم " ليا فيه يا سليم.. علي الأقل زمان كان ليا فيه.."قاطعها بنبرة قاطعه " زمان انتهي . زمان لما اعتبرتك بني آدمه ممكن أأمنها علي بيتي و علي نفسي كنت غلطان. والحمد لله لحقت نفسي في الوقت المناسب."
هبت مدافعه عن نفسها " حرام عليك تظلمني عشان غلطه واحده. انا كنت عايزة اعمل لنفسي كرير مكنتش جاهزة للارتباط و صارحتك بدا و مكذبتش عليك. كنت واضحه في كل شئ "
" و أنا بردو كنت واضح معاكِ لما قولتلك لو مشيتي مترجعيش عشان مش هتلاقي مكانك فاضي"عاتبته بقهر" يعني انت مبقتش تحبني يا سليم؟"«سليم» بقسوة " مش فاكر إذا كنت حبيتك زمان اصلًا أو لا بس الي متأكد منه دلوقتي اني فعلًا بحب و أنتِ ملكيش مكان في حياتي فاتفضلي اخرجي منها احسنلك..'كان شعورًا مريرًا بالمهانة التي جعلتها تتراجع خطوتين للخلف ترتجف من شدة الغضب و الألم معًا و الذي خرج منها علي هيئة حروف مبعثرة" انت.. أناني.. انا.. مشفقة.. على..الإنسانة..الي هتعاشرك.."
أنهت كلماتها و هرولت تاركه إياه ينفث نيرانه علي هيئة زفير مسموع غافلًا عن ثلاثة من الأعين التي تراقب ما يحدث باستمتاع كبير ..
*************
جاءت نهاية الأسبوع بعد أيام طويلة قضاها الجميع في صمت تام بينما كانت القلوب تعج بضوضاء صاخبة و العقول انهكتها كثرة الأسئلة ولكن كان الجميع صامت كلًا يتحين الفرصة لتنفيذ مبتغاة.
كان «جنة» جالسة بمكانها علي أحد المقاعد في المقهي الجانبي للمشفي تحاول استيعاب كلمات الطبيب التي مازالت طنينها يرن بأذنيها " تأكدي يا جنة انى مش هكذب عليكِ في أي حاجه . اولًا كدا أنتِ محظوظة جدًا أننا اكتشفنا المرض بدري و خصوصًا أن النوع دا من الأورام دايمًا لما بنكتشف وجوده بيكون وصل لمرحلة خطيرة بيبقي حتي العلاج معاها صعب. انما الحمد لله احنا اكتشفناه يوم الولادة و دا طبعًا من رحمة ربنا بيكِ . لكن أنتِ بالتأكيد هتحتاجي تخضعي لجلسات كيماوي هتكون قليلة متقلقيش بس كام بالظبط معرفش و دا عشان نتأكد أننا اتخلصنا منه نهائي "
خرج صوتها مبحوحًا باهتًا كملامحها حين قالت" يعني. هو انا . بعد ما . اخد يعني الجلسات و كدا. عادي ممكن.. "
لم تستطيع نطقها فوجدت يده تشد علي كتفها بقوة و كأنه يخبرها بوجوده بطريقة محسوسه و عينيه تتوسل الي الطبيب حتي يطمأنها " تقصدي ممكن تخلفي تاني ؟ بصي يا بنتي دي حاجه في ايد ربنا طبعًا . لكن لو هنتكلم علي المرض فا لا دا مش سبب يمنعك انك تخلفي اعرف حالات كتير بعد ما اتعافت منه خلفت عادي .."لم تستطيع حتي أن تطلق أنفاسها ارتياحًا ولكنه شعر بارتخاء عضلاتها أسفل كفيه فعلم بأنها ارتاحت ولو قليلًا وتولى هو و «فرح» باقي الاستفسارات عن مواعيد الجلسات و جميع الأشياء المتعلقه بها
كانت «فرح» تجلس بالمنتصف بينهم مما جعلها تشعر بالحرج و ايضًا أرادت ترك مساحه لهما فهي تعلم بأنه وحده الذي سيستطيع اخراج كل ما بجوف شقيقتها من عذاب لذا تظاهرت بالحديث في الهاتف وهي تغادر الي الخارج و ما أن خطت اول خطواتها خارج المقهي حتي وجدت هاتفها يدق و كان المتصل «ياسين» " ايوا يا ياسين احنا لسه خارجين من عند الدكتور و الحمد لله طمنا.."«ياسين» باستفهام " احكيلي حصل اي؟"قصت عليه ما حدث فزفر بارتياح قبل أن يقول " طب بصي استنوني نص ساعه بالكتير انا لسه خارج من الجامعه و هاجي اخدكوا.. "«فرح» بلهفه"بلاش يا ياسين. سليم هنا مع جنة و هو هيوصلنا. و نتقابل عند البيت.."غضب «ياسين» و صاح معنفًا" بردو يا فرح.. انا سكت الصبح لما قعدتي تقوليلي هو اكتر واحد محتجاه و الأفلام دي و كذبت علي جدي و قولتله اني معاكوا معنديش استعداد اكذب تاني.."
كانت تعلم بأنه أكثر من يفهمها لذا تابعت بتوسل خفي " انا عارفه انك تعبت معانا بس ارجوك كمل جميلك للآخر . جنة فعلا محتجاله وبعدين سليم مش غريب دا جوزها يا ياسين . ارجوك تفهمني "زفر بحنق قبل أن يقول مستسلمًا " طيب يا فرح. اول ما تطلعوا من هناك عرفيني.."
اختتمت مكالمتها معه و وضعت الهاتف علي إحدي الطاولات التي كانت بالخارج و جلست بعد أن أخبرت النادل بأن يحضر إليها قدح من القهوة التي تحتاجها بقوة الآن فهي تشعر بأن عقلها لم يعد يعمل الكثير و الكثير من الأحداث التي لم تستطيع أن تتقبلها أن تتعايش معها ناهيك عن مشاعرها و تحديدًا اشواقها الضاريه له و التي أصبحت عبئًا ثقيلًا عليها هي تشتاقه بجنون ولا تملك ادني حق يمكنها من الإقتراب منه فهي تحي علي ذكرياتهم منذ آخر مرة كانت معه . تتقاذف دقاتها بعنف داخلها وهي تسترجع كلماته حين اخبرها بأنه اتي شوقًا لها تلك الجملة التي بكل مرة تمر علي بالها تجعل جسدها يرتجف من فرط التأثر الذي ينتهي بكل مرة بهذا الاستفهام المؤلم " ألم يشتاق لي بعد؟؟"
كانت تغمض عينيها بقوة تمنع سيل العبرات الجارف الذي لن ينتظر إذنًا بالهطول فحجبت عن عينيها رؤية عينيه التي كانت تلتهمان تفاصيلها شوقًا فقد علم من شقيقه بوجودها و لم يستطيع مقاومة رغبته الملحة في رؤيتها فبينهما حديث طويل لم ينتهي بعد و قد ترك كل شئ بيده و اتي جرًا بأمر من قلبه الذي كانت دقاته تقرع كالطبول حين وقعت عينيه عليها " شايفه ان دا مكان مناسب عشان تسرحي فيه ؟"
جفلت حين سمعت لهجته الساخرة بالقرب منها ففتحت عينيها بلهفه لتتفاجئ بتحقيقه وجوده أمامها يطالعها بنظراته الغامضة و التي بعثت رجفه قويه بداخلها محمله بالوخزات الموترة فلوهله لم تعد تدري ما هو شعورها هل فرحه لرؤيته أن غاضبة لهجره لها طوال الأسبوع المنصرم.تحمحمت بخفوت قبل أن تقول بجفاء" شايفه انك تخليك في نفسك.."
ابتسامه خطرة ظهرت علي محياه قبل أن يقوم بالعض علي شفتيه السفليه قائلًا بهمس قاتل " لسانك يا فرح.. "غمرها الخجل و الارتباك معًا مما جعلها تقول بغباء" ماله؟"باغتها حين قال بوعيد " نفسي اقطعه.."
تراجعت للخلف بغضب جعلها تكز على أسنانها قبل أن تهمس بغل" قطع رقبتك.."
سمع كلمتها بوضوح ولكنه تصنع غير ذلك حين قال باستفهام " بتقولي حاجه يا فرح؟ "أخذت نفسًا قويًا و عنفت نفسها مذكرة أياها بشخصيته الفظه و تحفزت بداخلها بألا تسمح له بالانتصار عليها أبدًا لذا قالت بعينين تقطران تحدي " بقول بعينك!"
ابتسم بتسلية علي تحديها السافر له و ود لو كان المكان مختلفًا حتي يبرهن لها علي نواياه ولكنه اشتاق لخوض تحدي آخر معها فقال بفظاظة" بخصوص العيون امال نضارتك فين؟ مش شايفها بقالي فترة "
اغتاظت من سخريته و فظاظته ولكنها تحاملت علي نفسها فقالت بابتسامه صفراء" موجودة لو محتاجها ممكن ابعتهالك."
لم يتسني له الاجابه عليها فقد أتاه اتصال مهم فقام بالرد عليه بينما هي هبت من مكانها تقف أمام الزجاج العاكس للمقهي من الداخل و انشغلت بمراقبة شقيقتها التي كانت تتحدث بتيه و ضياع رق له قلبها كثيراً و أخذت تتضرع الي الله أن تنال ما تستحق من السعادة فهي عانت كثيرًا بينما هو كان يطالعها بانتباه يريد تحطيم الحواجز التي تفصل بينهم ولكنه مكبل بواجباته تجاه عائلته اولًا و من بينهم شقيقه وتلك المسكينه التي لا يعلم كيف ستجد الراحه طريقها إليها فتبعها إلي حيث تقف زافرًا بحدة و أخذت نظراته التي كانت مصوبه أمامه تتفرق بلامبالاة في وجوه المحيطين بهم بينما قلبه كان عالقًا بها منتبه كليًا لكل ما يصدر منها و تابع ممسكًا بطرف حديث بينهم لا يريده أن ينقطع أبدًا " شايفه أن علاقتهم دي ممكن تنجح ؟"
عارضته مصححه" هي أصلًا لسه مبقتش علاقه عشان نفكر إذا كان ممكن تنجح أو لا؟"ارتشف من الكوب الخاص به قبل أن يُغمغم ساخرًا " كمان.. الله يعينك يا سليم !"اغتاظت منه فحاولت رد سخريته بما يماثلها" والله كل واحد بيحصد الي بيزرعه.. و اللي زرع شوك مش زي اللي زرع ورد. "
علق ساخرًا" المُبالغة و الستات!"" مش مبالغة علي فكرة بس هو غلط في حقها و يستاهل"
صاح بنفاذ صبر" ماهو بيعمل المستحيل عشان يصلح غلطه."التفتت تناظره بغل اختلط مع نبرة صوتها حين قالت" مش كفايه . مفروض يداوي الجرح الى جرحهولها الموضوع مش سهل و لا هيخلص بين يوم و ليلة.."
ضاق صدره من جدال عقيم كان هو بوادى و هي بآخر فقال بملل و نظرات حانقه" طب و لو خلقه ضيق و عايز ينجز في الليله كلها يعمل ايه ؟"
كانت تهوي استفزازه سابقًا اما الآن فهي غاضبه منه و من نفسها و من تلك القيود التي ستغرقها بأعماق المحيط دون القدرة علي التحرر أبدًا " هو سلق بيض ايه ينجز دي ؟ "
غلف الغضب نظراته حين قال بفظاظة" ماهي الأفعال مش نافعه يعمل ايه تاني يموت نفسه !!"خرجت الكلمات مندفعة من بين شفتيها حين أجابته" يقولها.. وهي هتعرف منين هو بيعمل كدا ليه بتضرب الودع مثلًا. "
رفع إحدى حاجبيه استنكارًا تجلي بنبرته حين قال " يقولها! على اساس انها كل دا مفهمتش؟!!"تحلت بفضيلة الشجاعه وقالت مؤكدة" ايوا طبعًا. لازم يعرفها عشان تقف علي ارض صلبه.."
غلف المكر عينيه التي ضاقت حين قال بتخابث "يعني أنتِ شايفه أنه لازم يقولها ؟ "بشجاعه غير معهودة يغلفها توسل مبطن " ايوا طبعًا لازم"
تحدثت عينيه أولًا والتي كانت مسلطه بقوة علي خاصتها حين قال بنبرة قويه ولكن خافته "طب لو واحد بيحب واحده الحب نفسه قليل عليها يعمل ايه؟ يوصلها إحساسه بيها ازاي ؟؟ "
شعرت بأنها مُهددة بالسقوط أمامه فنظراته حاوطتها بشكل لم تعهده سابقًا و كأنها تحصُرها بينه و بين كلماته التي جعلت نبضاتها تتعثر بقوة داخل صدرها ولكنها حاولت الحفاظ علي ثباتها حين قالت باستنكار" دي مبالغه منه أو وسيله للهروب مفيش حد الحب قليل عليه "
عاندها قائلًا بعينين تقطران عشقًا " في يا فرح.. زي مافي مشاعر بتتظلم لما نسجنها في كلمه حُب قليله اوي عليها.."
اجتاحتها زوبعة من المشاعر المتضاربة بقوة كان أولها الترقب و اللهفه وآخرها الخوف الذي لأول مرة تتجاهله قائله بشفاه مرتجفه " يعمل الي عليه و يقول اي حاجه وهي اكيد هتفهم و تحس"
باغتها سؤاله الذي يشوبه اللهفه" ولو كان خايف من رد فعلها؟"اجابته باندفاع مستنكرة " خايف!!! الي اعرفه عنه أنه مابيخافش "
لأول مرة يغزو قلبه الارتياح منذ أن وقع بعشقها ولكنه أراد الوصول لأقصي درجات الأمان معها فسألها بتخابث" هو مين الي مبيخافش ؟"" هاه.."
شعرت بوقوعها بالمصيدة التي نصبتها عينيه ولم تعد تستطيع الحديث للحظات فاقترب منها خطوة متجاهلًا وجود الناس حولهم وقال بلهجه مُلحه " مين الي مبيخافش يا فرح ؟"
كانت كمن يحاول تحريك جبلًا شامخًا من مكانه . لا تعلم هل مخطئة ام مصيبه ولكنها شعرت بموجه من العبرات تجتاح مقلتيها مرورًا بقلبها الذي ضاق ذرعًا بما يحدث فانثاقت خلف لحظات جنونيه اغرتها بالتخلص من حمل هذه المشاعر التي ستُهلكها يومًا ما فقالت بانفعال" أنتِ عايز ايه ؟ عايز تسمع مني ايه ؟ عايزني اقولك اني ...."" سالم.."قاطعها مجئ «شيرين» التي كانت تراقب ما يحدث من بعيد ولم تستطيع الصمت أكثر و خاصةً وهي تعلم عندما رأته يخرج بتلك الطريقه أن الأمر متعلق بها
تفاجئ الإثنان من وجودها ولكنها اختارت أكثر توقيت خطأ لقدومها فقد نفذ صبره من كل شئ فلم يمهلها «سالم» الوقت للحديث بل قام بجذب يد فرح متجاهلًا وجودها وهو يقول بصرامه " تعالي معايا.."
لم تقدر علي مقاومته فبلمح البصر وجدت نفسها تستقل السيارة بجانبه بينما كان هو يقود بسرعة كبيرة لم تعهدها منه فقالت باندهاش" احنا رايحين فين ؟"أجابها باختصار" هنقول الكلمتين الي مش مكتوبلنا نقولهم دول.."
سقط قلبها بين قدميها خوفًا من القادم أو لنقل أنه الترقب الذي جعل جميع خلايا جسدها ترتجف فقدوم «شيرين» أنقذها من تلك السقطة التي كانت ستقع بها و هو اعترافها بمكنونات صدرها ولكن ما فعله الآن جعلها تتخبط قلقًا و خوفًا و ترقب سرعان ما توقفت السيارة أمام شاطئ معزول ليترجل هو منه يقف أمام زجاج السيارة ناظرًا إليها بتحدي تجلي في نبرته حين قال " هتنزلي ولا اجى انزلك أنا ؟"
لم يكن أمامها مفر فلابد أن تنقذ كرامتها و كبرياءها و تجد عذرًا مقبولًا لما حدث منذ قليل لذا تحلت بالشجاعه و ترجلت من السيارة تتوجه اليه وهي تنوي مجابهته و نفى تلك التهمه التي الصقتها بنفسها نتيجه مشاعر هوجاء" سالم انا.."" بحبك .."لم يمهلها الوقت للحديث بل قاطعها ملقيًا قنبلته الموقوتة في وجهها الذي تجمدت ملامحه من فرط الصدمة وحدها عينيها التي برقت بطريقه مضحكه فاقترب منها ممسكًا بيدها التي كانت متجمدة كباقي جسدها فقام برفع كفها الي يده و أخذ يفركه بحنان قبل أن يقربها منه لتصبح أمامه مباشرة ليعيد ما قاله ولكن بنبرة خافتة و صوتًا أجش"لو كانت تصرفاتي مقالتهاش فأنا بقولها دلوقتي. بحبك يا فرح.."
كانت تلك المرة الثانيه التي تقع علي مسامعها تلك الكلمة التي لم تكن تتخيل أن تسمعها منه بل وتراها بعينيه بذلك الوضوح . تستشعرها من كفيه اللذان يعانقان كفوفها المرتجفة بحنان جعل العبرات تتقاذف من مقلتيها تعبيرًا عن تأثرها بينما خرجت الكلمات متلعثمة من علي شفتيها حين قالت " انت. يعني . انا. ازاي . اقصد . امتي.."
لم يكد أن يجيبها حتي دق جرس الهاتف وكان المتصل سليم لذا أجابت بلهفه و تلعثم" آلوو .. سليم.. في ايه. جنة . حصل ايه؟"لم تكن لها القدرة في السيطرة علي نفسها ولا مشاعرها فارتسمت ابتسامه حانيه علي ملامحه جعلت الاحمرار يغزو خديها حين جذب الهاتف من بين يديها قائلًا بخشونة" ايوا يا سليم."أخذ سالم يستمع إلي حديث سليم علي الجانب الآخر الي أن انهي المكالمه بإحباط لم يتجاوز حدود شفتيه بل التفت يناظرها بعينين تكشف عمق شعوره نحوها قائلًا بنبرة رخيمة" شكلي كده هضطر اخطفك عشان اعرف اتكلم معاكِ براحتي.."
كانت نظراتها الضائعة تظهر مدى صدمتها ولكنه لم يكن يملك الوقت للحديث أكثر فاكتفي بالقول" استوعبي براحتك الي قولته بس اعرفي أن المرة الجاية مش هتفلتي من تحت ايدي.."
برقت عينيها بصدمة فأطلق ضحكة قوية لم تعهدها منه مسبقًا ولكنه بدا وسيمًا بشكل كبير و اصغر من عمره أيضًا مما جعل الابتسامه تغزو ملامحها التي مازالت تحت تأثير الصدمه مما جعلها تترك له نفسها يقودها إلى باب السيارة و يجلسها كأنها طفلة صغيرة بجانبه ثم انطلق بسيارته
*************
..استطاعت تجاوز صدمتها من اعترافه لها الذي لم تكن تتوقعه أبدًا فقد كان اعترافًا رائعًا بالحب الذي كان يطل من عينيه التي لأول مرة تراها بهذا الصفاء. ولكنها بغبائها أخذت تتعثر بالكلمات كالبلهاء و أضاعت عليها الاستمتاع معه بتلك اللحظة الرائعة تشعر بقلبها بين ضلوعها من فرط السعادة حتي أن جدران غرفتها لم تكن تتسعها فخرجت الي الحديقه تتمشي بها و تتشارك سعادتها مع ورودها تروي لها عشقًا كانت تدفنه بصدرها خوفا من خيبة من شأنها ان تقضي عليها من دون رحمة والآن هي علي استعداد للصراخ به أمام العالم أجمع. رفعت رأسها تنظر إلي السماء بسعادة بينما انسابت العبرات من مقلتيها و قد نوت ان تخبره اليوم بعشقها له حين يذهبون لطلب يد «حلا» فهي قد تخطت آلام الماضي و ندباته و من كل قلبها تتمني أن تسعد بقربهامتدت يدها تزيل خيط الدموع التي لأول مرة تنساب من عينيها من فرط السعادة و انتوت الذهاب الي غرفتها لتتجهز و ما أن التفتت حتي تفاجئت من يد قويه تهبط فوق خدها لتتراجع بقوة الي الخلف وووو
يتبع ...
فصل طويل و رومانسي باين 😂عايزة تفاعل عشان وربنا ما هتنازل زي كل مرة متنسوش لايكات بقي و كومنتات و قولولي رأيكوا في سلمونتي وهو رومانسي 😂🤭احم بلاش نجيب سيرة القفلة 🙈
رواية بين غياهب الاقدار "في قبضةالاقدار الجزء الثاني" الفصل العاشر 10 - بقلم نورهان العشري
حنونًا، صادقًا، دافئًا، لا يبالي لـ شئ في العالم سواي، حصني المنيع من تقلبات الزمن و ملجأى من ضربات القدر. تلك كانت إجابتي حين سألتني صديقتي المقربة ما هي مواصفات رجل أحلامك؟
و يا لـ دهشتها و دهشتي حين رأيت قهقهاتها الساخرة لمتطلباتي التي كانت على قدر بساطتها على قدر استحالتها. فأخذت تقنعني بأنه لم يخلق علي وجه الأرض رجل يحمل تلك الصفات أبدًا حتى اننِي و لأول مرة بحياتي يزورني اليأس للحد الذي جعلني أفقد شغفي في التمني و انعدمت رغبة قلبي في العشق. فما حاجتي إلى رجل لا يعطيني قدري و يكن هو و العالم في مواجهتي؟
ولكن الحياة أدهشتني هذه المرة حين قابلتك…
لا أعلم هل وجدتك أم وجدتني ولكني وجدت روحي تهتدي بقربك و جراحي تسكُن في حضرة وجودك فأيقنت حينها بأنك مكافأة القدر لقلب ارهقته معاركه مع الحياة ليستشعر أخيرًا حلاوة السلام بقربك…
تراجعت خطوتين إلي الخلف جراء تلك الصفعة المدوية التي سقطت علي خدها بعنف تزامنًا مع خروج شهقة قوية من جوفها كانت إذنًا لشلال من العبرات الذي انهمر على وجنتيها دون أن تشعر فقد كانت عينيها متعلقة بزهول علي ذلك الوحش الغاضب الذي يناظرها بغضب كبير شوه ملامحه الوسيمة التي بدت مكفهرة بدءً من عينيه التي تحول خضارها إلى بحيرة من الدماء الغاضبة التي كانت تحرق أوردته في تلك اللحظة فلم يبالي بمظهرها المزرى ولا صدمتها وقال بصوت يقطر غضبًا:
" جالولي بت عمك مع ابن الوزان مصدجتش! جولت بت عمي عاجلة ومتربيه لكن طلعت حمار و بت عمى دايرة علي حل شعرها و معملاش اعتبار لحد واصل.."
كان حديثه صفعة أخرى تلقاها كبرياءها حين انهار أمام اتهامه المروع و كلماته المهينة التي جعلت الحروف تتعثر بين شفتيها حين قالت:
" أنت. انت. بتقول ايه؟ مين دي الي دايره علي حل شعرها.."
قاطعها صوته الغاضب وهو يقول بقسوة:
" كتِ مع ابن الوزان النهاردة بتعملي اي؟ و سبتي اختك في المستشفى وچريتي معاه ؟ "
جاء استفهامه في أشد مناطق الضعف بقلبها الذي انتفض حين أطلت نظرات الاحتقار من عينيه فنفضت مشاعر الصدمة و الألم جانبًا وقالت بغضب:
" أنا حرة. ملكش الحق تسألني عن اي حاجه. "
قاطعها صوت «عمار» المخيف حين قال:
" ليا الحق اسألك و أكسر دماغك كمان.."
ناطحته ضاربة بكل شئ عرض الحائط:
" بأمارة اى؟ تكسر دماغي ليه؟ الكلام دا تقوله لما تكون مسئول عني أو في يوم من الأيام شلت همي أو خففت حملي! لانت ولا اي حد في البيت دا كله يملك الحق أنه يكلمني ولا حتي يسألني.
انا طول عمري شايله كل حاجه و سانده الكل في وقت ما كنت بتتمتع انت بأراضينا كنت انا بجرى هنا و هنا و اشتغل عند دا و عند دا عشان اصرف علي امي العيانه و من بعدها ابويا.. ابويا اللي طفش منكوا ومن ظلمكوا.. لحد ما مات و بردو مشوفتش حد منكوا. اتخليت عن حلمي و سبت جامعتي و نسيت نفسي وبقيت زي الآلة الي كل وظيفتها انها تدي و متاخدش. ملقتش مرة حد منكوا اميل عليه ملقتش مرة كتف يسندني لما كنت بقع! عشان كدا بقولك ملكش حق تقولي اي حاجه ولا تسألني عن اي حاجه!"
أصاب حديثها منتصف قلب «عمار» الذي كان يعلم مقدار صدقه ولكنه كان يقف مكبلًا أمام أوامر جده الصارمة و التي لم تتزعزع سوي بعد أن علم بموت ولده ولكن كان الأوان قد فات.
" بتشيلينا شيلة مش شيلتنا ليه يا فرح.. محدش فينا كان يملك حاچة في نفسه. و أنتِ عارفه اننا كنا بندوروا عليكوا في كل مكان. لحد ما ياسين جدر يوصلكوا. و حتي لو احنا أكده ده مش مبرر لغلطك. بينك و بين ابن الوزان اي عشان تجفي جدامه و يدك اف يده بالشكل دا؟"
برقت عينيها حتى ان خضارها أصبح مشعًا حين أضاء الهاتف و وضعه نُصب عينيها لتجد صورتهما اليوم وهو يسكب اعترافه الرائع بالحب علي مسامعها فازدادت ضربات قلبها بشكل كبير وهي تفرق عينيها بينه وبين الهاتف حتى جف ريقها ولكنها لم تعتاد علي الانحناء أو الضعف فرفعت انظارها وهي تقول بجمود قاس كعينيها في تلك اللحظة:
" بتراقبني يا عمار! طب كنت أطلع قدامنا و أسألنا واجهنا سوي بدل ما تصورنا عشان تيجي هنا تستفرد بيا و تمارس القهر عليا."
«عمار» بغضب ارعدها:
" اخرسي و اجفلي خشمك يا فرح عشان صبرى عليكِ جرب يخلوص. اني لو كنت هناك كنت سيحت دم ابن الوزان جدام عنيكِ . من اللول وهو حكايته خالصه معاي. لكن الي مانعني عنه چدك."
تقاذفت دقات قلبها رعبًا حين سمعت حديثه و مقدار الأذى الذي قد يطاله علي يد من لا يعرفون الرحمة فصرخت غاضبة متألمه كحال قلبها:
" ابن الوزان الي عايز تخلص عليه دا هو الي لم لحمكوا و حافظ علينا و علي كرامتنا و رحمنا من ألسنة الناس وعيونهم. الي انت زعلان اني واقفه معاه دا هو الوحيد الي وقف جنبي وجنب جنة في محنتنا. هو الي لحق جنة لما كانت عايزة تجهض محمود وخلى سليم يتبرع لها بدمه عشان تعيش. الي عايز تقتله دا مداينك بكتير اوى.."
هكذا صرخت بقهر نابع من قلبها الذي يتلوى من فرط الخوف علي مالكه ولكنها لم تحسب حساب لذلك الصوت القوى الذي أتي من خلفها فجمدها بمكانها:
" كنك نسيتي أن الكلب اخوه هو الي عِمل عملته الوسخة مع بتنا يا فرح. "
كان لصوت «عبد الحميد» رهبة كبيرة داخل قلبها فللآن هي لم تقترب منه علي عكس «جنة» التي كانت تشعر تجاهه بشعور عميق من الارتياح و الأمان معًا. ولكنها تجاهلت رهبتها و هيبته التي طغت على المكان حولهم وقالت بنبرة اهدأ:
" لا منسيتش . لكن هو عمل المستحيل عشان يصلح غلط هو مالوش يد فيه صاحب الغلط مات و حسابه عند ربنا وان جينا للحق أي حد في مكان سالم ممكن كان يقول وانا مالي و يدينا ضهره و خصوصًا أن ورث حازم كبير."
خطت بحديثها إلى منطقة ألغام تفجرت بعيون «عمار» الذي فطن الي ما ترميه و ما أن أوشك علي الحديث حتي أوقفته كلمات «عبد الحميد» الغاضبة حين شاهد تلك الأصابع المطبوعة علي وجنتها:
" مين الي عِمل فيكِ أكده؟"
فطنت إلى ما يرمي و غزا قلبها احساس مفاجئ بالضعف و الألم و لأول مرة تشعر بالإشفاق علي حالها لتلك الدرجة و انفلتت عبراتها علي وجنتيها تحكي مقدار ألمها الذي نفته نبرتها حين قالت بجمود:
" مفيش حاجه.."
ولكن أتي صوت غاضب من خلفها كان يشاهد كل شئ من شرفة أحد الغرف:
" لا في . و عمار الي ضربها يا جدى.."
كان هذا صوت «جنة» الغاضب والتي كانت تشاهد ما يحدث من الاعلى فهرولت للدفاع عن شقيقتها فإذا بها تجد «عبد الحميد» الذي غضب من حديث «جنة» و التفت إلي «عمار» قائلا بنبرة مرعبة:
" الكلام ده صوح يا عمار ؟ انت مديت يدك علي بت عمك؟"
لم يهتز و ظلت ملامحه علي حالها و خرجت نبرته جامدة ثابتة حين اجابه:
" ايوا صح "
برقت عيني «عبد الحميد» من إجابة «عمار» وصرخ هادرًا بعنف:
" كنك اتچنيت ازاي تعمل أكده ؟ دلوق تخبرني ايه الي خلاك تمد يدك عليها ؟"
دب الزعر بقلبها فهي إن كانت وقفت أمام «عمار» الند بالند حتمًا لن تستطيع أن تفعل ذلك مع جدها فهي تهابه كثيرًا و قد أيقنت في تلك اللحظة بأنها هالكة حالما رأت «عمار» ينظر إليها بغضب كبير و ولكن سرعان ما تحولت نظراته إلي جده وهو يقول بنبرة ثابتة:
" مانتا سامع يا چدي طويلة لسانها و حديتها الماسخ.. فرح نسيت أن ليها رچاله و چه الوجت اللي تعرف ده و تعرف كمان ان اي غلط مش مسموح بيه.."
قال جملته الأخيرة وهو ينظر إليها بنظرات ذات مغزى ففطنت إلى ما يقصده واحتارت هل تشكره أم تغضب منه ولكنها تفاجئت من جدها الذي قال بقسوة:
" الحديت دا يمشي عليك وعليها اللي عملته غلط و يدك لو اتمدت عليها تاني هجطعهالك. "
اغتاظ «عمار» من حديثه فصاح غاضبًا:
" وه . من ميتا يا چدي الحديت ده؟ "
«عبد الحميد» بصرامة:
" من دلوق .. و قسمًا عظمًا لو اتكررت تاني هعيد النظر في موضوع چوازك منيها فاهم ولا لاه؟"
فجأة تجمدت الدماء بأوردتها و شعرت و كأن مطرقة قويه سقطت فوق رأسها حين سمعت جمله «عبد الحميد» الأخيرة فتدلي فكها من فرط الصدمة و كذلك «جنة» التي اقتربت أكثر من جدها و قالت بنبرة ضائعة:
" جدي هو حضرتك قولت ايه؟ جواز مين ؟"
زفر «عبد الحميد» بغضب و وجه أنظاره ل«فرح» وهو يقول بصرامة:
" چواز فرح وعمار.. "
تداركت صدمتها التي تحولت لدهشة كبيرة جعلتها تبتسم بسخرية تجلت في نبرتها حين قالت:
" نعم!! فرح مين دي الي هتتجوز عمار؟ هو في حد تاني هنا في البيت اسمه فرح؟"
تغاضى «عبد الحميد» عن سخريتها وقال بثبات:
" لاه مفيش حد تاني اسمه فرح غيرك. "
تحولت جميع مشاعرها الي شعور مقيت من الألم و الشفقة علي حالها فهي للمرة التي لا تعرف عددها تكن كبش الفداء و الأضحية لمن حولها فخرج صوتها مبحوحًا حين قالت:
" قولي انك بتكذب عليا! قولي انك مش هتجبرني اعمل اللي ابويا رفضه و هرب منه زمان.. ولا خلاص ابويا مات و محدش هيقدر يقف قصادك"
قالت جملتها الأخيرة بنبرة حادة و صوت عالي نسبيًا فـ انكمشت ملامح عبد الحميد غضبًا ولكنه تحكم بنفسه إلا من نبرة صوته التي خرجت قاسية بعض الشئ حين قال:
" همرجلك صوتك اللي علي دلوق عشان عارف انك مصدومه ومش في وعيك لكن بعد كدا هتتحاسبي يا فرح. خدي وجتك و فكري زين في الي سمعتيه و بعدين نتحدت.."
سقطت كلماته كالجمرات علي قلبها المشتعل بنيران القهر و الألم فلم تكد تجيبه حين ألتفت ناظرًا إلى «عمار» قائلًا بقسوة:
" جهز حالك هنطلعو علي المستشفي نشوف عمك اللول و بعدين نطلعو علي جصر الوزان خلونا نخلوص من الحكاية دي .."
انهى كلماته و اندفع إلى وجهته وخلفه «عمار» تاركين «فرح» التي لأول مرة في حياتها يغزوها كل هذا الضعف فلم تتحمل ما يحدث و سقطت تفترش الأرض بدموعها قبل جسدها فهرولت «جنة» تجاهها تحتضنها بقوة وهي تردد بألم:
" اهدي يا فرح . كل حاجه هتبقى كويسه. والله كل حاجه كويسه متقلقيش.."
غمرها الحزن للحد الذي عزلها عن كل شئ حولها فاخذت عبراتها تنهمر تسقي العشب المحتضن جسدها المرتجف الذي توسط تلك الحديقة المليئة بالزهور الجميلة التي كانت هي أجملهم و على قدر جمالها كان حزنها فصدق من قال مثلما هناك زهور بلا رائحة هناك أيضًا جميلات بلا حظ. و قد كانت هي على رأسهن.
كانت تدور بغرفتها كـ ضائع ضل طريقه في هذه الحياة و بوصلته الوحيدة مُلطخه بدمائه التي كلما رآها تتجدد جراحه من جديد ليجد نفسه يقف أمام مفترق طرق دُون على لافتة إحداهما العذاب والآخر الضياع و القلب مُمزق عاجز كليًا على خوض رحلة العذاب حتى ولو كان نهايتها راحته و مرتعب من أن يجرفه عجزه في طريق يظل شريدًا به طوال حياته فالأول مؤلم و الثاني مميت و البقاء بالمنتصف معاناة تعجز الكلمات عن وصفها كما تعجز هي الآن عن مساعدة شقيقتها التي لطالما أحرقت نفسها من أجلها.
الأفكار تطن برأسها كالذباب و عقلها يكاد ينفجر من شدة الضغط الواقع عليها ناهيك عن ألم ينخر بقلبها وخاصةً حين تذكرت ما حدث بينهم اليوم بعد موعد الطبيب
عودة لما قبل بضع ساعات
كانت تجلس في المقهى وهي تتذكر حديث الطبيب الذي لم يريح قلبها فقد شعرت بأنه يخفي الكثير أو لنقل بأن قلبها اعتاد علي الخداع فلم يعد يري الصدق أو يصدقه فكل من حولها خدعها بطريقه أو بأخرى و كانت آخرها عن حقيقة مرضها الذي كذب به الجميع لولا أنها بحثت علي مواقع البحث الإلكتروني و علمت هويته ولم يكن ليخبرها أحد بهذا لم تصدق كل ما قيل اليوم و قد قررت أنها ستذهب بمفردها إلى أحد الأطباء لمعرفة ماذا يدور بداخلها و إن كان هذا المرض سيجهز عليها فستكون أكثر من شاكرة له
" نفسي ادخل جوا دماغك الحلوة دي و اعرف بتفكري في اي؟"
هذا كان صوت «سليم» الذي كان يتابع انفعالات وجهها و تبدل نظراتها و حتي رفرفة رموشها فقد كان كرسام بارع يريد حفظ أدق التفاصيل لـ مشهد بديع نادر الوجود كي يدونه علي أوراقه بريشة عاشقه تهوى رسم كل ما هو جميل كـ ملامحها و عينيها و حتي حزنها الفاتن
" بفكر انك لو حليت عني هترتاح و تريحني .."
كانت غاضبة و تريد أن تخرج ما بجوفها اما علي هيئة عَبرات أو عِبارات تعرف طريقها الي صدر أحدهم والذي كان يتسع لها أكثر مما تتخيل
" ياريت ينفع. بس للأسف انا قدرك الأسود و أنتِ قدرى الجميل.."
منذ زمن لم يتغزل أحد بها و خاصة إن كان يملك عينين مشتعلة دائمًا حتي بدت كقرص شمسى متوهج يبعث دفئًا غريبًا علي قلب غلفه الصقيع الذي تجلى في نبرتها حين قالت:
" هقولك علي معلومة صغيرة . انا غلطتي الوحيدة الي حولت حياتي لجحيم غير اني صدقت كلمتين حلوين زي دول في يوم من الايام. فخليك متأكد اني حتي لو شفتي اسمي محفور علي جدران قلبك بعيني هكذبها.."
نجحت في إثارة شتى انواع الشعور بداخله من غضب و ألم و حزن و غيرة و أخيرًا شفقه علي ما آل إليه حالها فهذه هي النتيجه الحتميه للخذلان. شخص مضطرب خائف أعلن قلبه العصيان و ألحدت روحه بكل معاني الوفاء و اختلت موازين الثقة بعينه حتي بدت كلمة واهية ليس لها معني..
" عندك حق في كل كلمه قولتيها. انا كمان بحييكِ انك صريحه. و بتقولي اللى جواكِ بس ياريت تفضلي كدا علي طول ."
انكمشت ملامحها بحيرة وقالت باستفهام:
" تقصد اي؟"
" عايزك دايما تقوليلي اللي في قلبك . حتي لو هيجرحني! انا قابل. توعديني "
بنبرة يشوبها الذهول:
" لما اعرف الاول ليه؟"
بعينين ارتسمت فيهم الإصرار و العشق معًا و نبرة تحمل قوة منبعها قلب يعرف وجهته تمامًا انسابت الحروف من بين شفتيه:
" عشان واثق أن قلبك مش هيطيب غير معايا لو سيبتيني اسقيه من حبي الشوك اللي مغروس جواه هيطرح ورد. كل وردة منهم عليها اسمي. اسم سليم. بس وقتها تيجي تقوليلي. اتفقنا؟"
نجح وبجدارة في زلزلة جميع حواسها و اخترقت كلماته شئ ما بأعماق قلبها الذي تصدعت تربته من فرط الألم و اصبحت مرتعًا للصبار الذي كانت أشواكه تنغز بداخلها بدون رحمة و كأنه كان يراها من الداخل بوضوح ولكنها و بالرغم من حلاوة كلماته أصبحت شخص مصاب بداء الحذر يتحسس من الوعود التي في العادة تكن عبارة عن خيبات مؤجلة
" مش مضطرة اوعدك بحاجة و لا اتفق معاك علي حاجه و كل اللي قولته دا حلو اوي و جميل بس محركش شئ جوايا. عشان كله كلام و وعود وانا مضيعنيش غير اني صدقتهم قبل كدا. "
بنبرة فظة خاطبها:
" بلاش تبقي جبانة يا جنة .. انا مابكرهش في حياتي قدهم.."
تشدقت ساخرة:
" يبقي من النهاردة اعتبرني منهم و اكرهني.."
«سليم» بجفاء:
" القلب معليهوش سلطان.."
" والعقل راح فين؟"
لوى فمه وأجاب بامتعاض:
" معدش في ايده حيلة.. "
لأول مرة تبتسم علي مظهره و الامتعاض الباد علي محياه فلفتت قلبه بسمتها مما جعله يقول بعبث:
" كدا خدت اللي أنا عايزه خلاص ."
انكمشت ملامحها بحيرة تجلت في نبرتها حين قالت:
" يعني ايه مفهمتش ؟"
«سليم »بمزاح قلما يظهر عليه:
" استنادًا على مقولة عمرو دياب ضحكت يعني قلبها مال يبقي خلاص انا كده في السليم.."
حاولت بصعوبة قمع ابتسامتها التي كانت تجاهد للإفلات من بين شفتيها التي زمتهم بغضب مفتعل تجلي في نبرتها حين قالت:
" دمك مش خفيف فياريت متهزرش تاني.."
كان يود لو يقهقه بقوة علي حديثها ولكنها اكتفي بتكشيرة مفتعلة ظهرت علي ملامحه و احتدت نبرته حين قال:
" معلش مجبرة تتحمليني. نصيبك بقي هتعملي ايه؟"
" عايزة امشي.."
" اوعديني.."
زفرت بغضب و برقت عينيها من ثباته و نبرته الحادة التي تنافي نظراته الصافية فالتفتت إلي الجهة الأخرى تنوي اللجوء إلي خصام طفولي معه مما جعله يقول بتهكم:
" فعلًا ربنا يكفينا شر حركات العيال الصغيرة لما تيجي من ناس كبيرة.."
التفتت بغضب فوجدته ينظر أمامه بلامبالاة فهبت من مكانها وقد نجح في إثارة غضبها بحق فقالت بتحدي كبير:
" تمام يا سليم يا وزان. موافقة.. اوعدك.. و خلينا نشوف نفس مين اطول.."
وصل إلى مبتغاه معها فلانت ملامحه و تعمقت نظراته التي كانت تحاصرها بعناق لم تطاله ذراعيه و اشتهاه قلبه كثيرًا و قد نجحت عينيه في إيصال شعوره إليها بشكل كبير فشعرت برجفة قوية تضرب عمودها الفقري و خاصةً حين رأته يقف أمامها بشموخ ناصبًا عوده الفارع و عينيه مازالت تحاصرها بنظرات عاشقة تنافت مع كلماته حين باغتها قائلًا:
" هو ليه البنات بيحبوا الهري الكتير؟"
كلماته أسقطت فاهها من شدة الصدمة فخرجت الكلام منها مذهولًا:
" نعم!!"
لوى فمه ساخرًا وهو يعبث بهاتفه قائلًا:
" لا متاخديش في بالك.. "
" حيوان.."
هكذا تحدثت بعدما عادت بذاكرتها إلى الوقت الحالي فهذا الرجل يثير حنقها و غضبها بشكل كبير و لهذا عدلت من خطتها في الإتصال به و قامت بإجراء مكالمة أخرى وأخذت تنتظر حتي جاءها الرد من الطرف الآخر:
" اهلًا يا جلابة المصايب.."
«جنة» بغضب:
" والله انا ما شفت المصايب غير لما عرفتكوا"
قهقه «مروان» بخفة علي حديثها قائلًا:
" أنتِ واحدة الفقر و النحس بيجروا وراكِ وماضيين معاكِ عقد هتجبيها فينا.."
«جنة» بحسرة:
" لا في دي عندك حق.. المهم كنت عايزة منك خدمة"
«مروان» بتهكم:
" استر ياللي بتستر. خير عايزة تقلعي عيني التانيه ولا حاجه ؟"
نجح في جعلها تتجاوب معه في المزاح فابتسمت حين تذكرت مشهده و تلك اللكمة التي طالت عينه اليسرى فجعلتها زرقاء قاتمة فكان مظهره مثيرًا للضحك فلم تتمالك نفسها إذ خرجت منها قهقهه ناعمة جعلته يقول بعبث:
" شوف ياخي الضحكة الي تجيب ارتجاج في النافوخ دي. وانا اقول الواد سليم البغل دا وقع علي بوزه ازاي. بقولك أنتِ ضحكتي قدامه الضحكه دي قبل كدا ؟"
«جنة» بانفعال لم تستطيع التحكم به:
" لا طبعًا هو انا بطيق اتكلم معاه اصلًا عشان اضحكله.."
«مروان» بعبث:
" حلو عشان اغيظه براحتي.."
«جنة» بنفاذ صبر:
" بقولك اي هتسمعني ولا اقفل مش عايزة من وشك حاجه.."
«مروان» بجدية:
" عيب عليكِ دا سؤال بردو. اتنيلي اطلبي .."
شرعت «جنة» تسرد له ما تريده منه وما أن أنهت كلماتها حتي قال «مروان» بحماس:
" أوبا دي كدا ولعت عالآخر.."
«جنة» بتوسل:
" مروان انا طلبت منك الطلب دا عشان واثقه فيك "
«مروان» بمزاح:
" يازين ما اخترتي.."
«جنة» بتأفف:
" مروااان"
«مروان» بجدية:
" عيب عليكِ خلصانه بعمود خرسانه.. هو انا اقدر اتأخر ع القمر بردو؟"
قال جملته الأخيرة بعبث استوقف «سليم» الذي كان يمر من أمام الغرف فوجد ذلك الذي يقف مرتكزًا علي سور الدرج اقترب منه حين سمع جملته الأخيرة فاستفهم قائلا بخشونة:
" بتكلم مين يا مروان؟"
«مروان» بصراحة فجة:
" بكلم مراتك .."
لم يكد ينهي جملته حتي اسكتته لكمه قوية من يد «سليم» الذي لم يتمالك نفسه فكانت من نصيب عينيه اليمنى مما جعله يصرخ قائلًا:
" اااه.. عينااي .."
وعلى الطرف الآخر كانت لا تزال «جنة» تستمع إلى ما يحدث وحين سمعت صراخه خرجت شهقة قوية من جوفها اتبعتها القول بصدمة:
" يالهوي طير عينه التانيه.."
ولكن فاجأها صوته القوي حين قال غاضبًا:
" خايفه علي عينه اوي يا ست هانم… وحياة امي لهضيعله مستقبله.. بيقولك يا قمر وسكتالو. شاطرة تهبي فيا كل ما اجي اتكلم معاكِ.."
فجأة سمع صوت انقطاع الخط فلم تتحمل صراخه المزعج و أرادت ازعاجه أكثر و قد نجحت في ذلك فقام بالنظر حوله للبحث عن مروان ليكمل إفراغ شحنات غضبه به فلم يجده و جاءه نداء سالم ليتبعه إلى المكتب فتوجه خلفه وما أن دخل حتي أغلق الباب ليصدمه صوت شقيقه الغاضب:
" انت بعت الايميلات دي امتى؟"
دار «سليم» حول المكتب ناظرها إلى شاشة الحاسوب لدقائق وانكمشت ملامحه بحيرة تجلت في نبرته حين قال:
" انا مبعتش حاجه من دي؟ "
رفع «سالم» إحدي حاجبيه باستنكار تجلي في نبرته حين قال:
" نعم ! هو اي الي مبعتش حاجه؟ الحاجات دي مبعوته من ايميل الشركه و دا مش مع حد غيري انا وانت."
أجاب مؤكدًا:
" يا سالم قولتلك مبعتش حاجه اكيد مش هعمل حاجه زي دي من وراك. من امتى و حد فينا بيتصرف لوحده من غير رأي التاني و خصوصًا لو في صفقات بملايين!"
زفر «سالم» الهواء المكبوت بصدره دفعة واحدة فقد كانت الأسئله تطن برأسه كالذباب و كلها تتمحور حول هوية ذلك الشخص الذي قام بفعل هذا. و فجأة وهو بخضم تساؤلاته تفاجئ ب«شيرين» التي أطلت برأسها من باب المكتب وهي تقول بجدية:
" كنت عايزة اتكلم معاك ضروري.."
جاء المساء و كان الجو مشحونًا بالتوتر والغضب من جانب «حلا» التي ما أن سمعت بحضوره مع عائلته في الأسفل حتي اختلطت مشاعرها داخل قلبها الذي كان ممتلئ بعشق جارف له يضاهيه غضب هائل منه و قد كان هذا المزيج يشكل شعورًا مؤلمًا لا يتحمله قلبها الصغير الذي أخذ يدق بعنف خاصةً حين نادتها والدتها لتحضر المشروب الذي كلما حاولت حمله حتي شعرت بيدها ترتجف تكاد تسقطه فأتاها غوثها في صوت «مروان» الذي تقدم بوجه كـ لوحه من الألوان المختلطة و ملامح تخفيها الكدمات ولكن لم يستطيع شئ النيل من لسانه السليط حين قال ممازحًا:
" السندريلا بتاعتنا عاملة ايه؟ أمير الغبرة قاعد بره .."
التفتت تناظره بخوف حقيقي لا تعرف كنهه تجلي في ملامحها المرتجفة و نبرتها حين قالت:
" مروان .. جيت في وقتك .. انا خايفة اوى اطلع بره.."
شعر بما يدور بداخلها فاقترب منها قائلًا بمزاح:
" بصراحة شلة المستذئبين الي بره دي تخوف بس متخافيش الوحش بتاعنا قاعد متربص لهم بره اللي هيغلط هيتشلفط .. أيده بتاكله .."
زاد من خوفها فقالت بذعر:
" حرام عليك انت بتخوفني اكثر .."
«مروان» بحدة:
" خايفه من ايه يا عبيطة أنتِ دا احنا ناكلهم صاحيين و بعدين دا الايلاينر الجديد عامل شغل. دانتِ قمر تطلعي كده تتفردي و تبصيلهم بقرف ولا يهمك. وراكِ رجاله ياما فوقي.."
كانت كلماته مبعثرة ولكنها رسمت ابتسامه جميلة علي شفتيها فاقترب يربت بحنان علي كتفها قائلًا:
" اوعي تخافِ و احنا موجودين كلنا هنا رهن اشارتك و الي أنتِ عيزاه هيحصل لو علي رقبة الكل.. "
هدأت قليلًا و اومأت برأسها فقام هو بحمل صنيه المشروبات قائلًا بحماس:
" Follow me (اتبعني)"
ابتسمت وسارت خلفه و قبل أن تصل إلي مكان جلوسهم توقف يناولها الصينية و هو يقول بتحفيز:
" عايز ثقة بالنفس ولا يهزك اي حد و خصوصًا البغل ابو ايد عايزة كسرها الي اسمه ياسين دا . تضحكي لكل الناس و اول ما تقربي عليه تزغريله بطرف عينك كدا عشان ميفكرش انك صيدة سهله. و يعرف ان الي جاي مرار عليه وعلي الي خلفوه.."
«حلا» بحيرة:
" انت شايف كده ؟"
«مروان» بتأكيد:
" اسمعي مني . احنا الرجاله مبنجيش غير بالسك علي دماغنا.."
أحكمت امساك الصينية و توجهت للداخل و خلفها «مروان» الذي كان يناظر كلًا من «عمار» و «ياسين» باستفزاز و خاصةً و هو يسير خلف «حلا» التي فعلت مثلما اخبرها تمامًا فتعاملت بأدب و نظرات احترام للجميع ما عداه فقد توجهت تناوله الكوب الخاص به ارفقته بنظرة تحدي يغلفها جمود أغضبه كثيرًا و خاصةً حين توجهت تجلس بين والدتها و «مروان» الذي ابتسم ساخرًا فأقسم «ياسين» علي تحطيم فكه ولكن في وقت لاحق فلينتهي من هذه الجلسة الثقيلة علي قلبه .."
" سالم بيه بجول ندخلوا في الچد و اللي چايين عشانه.. احنا چايين نطلوب يد حلا بتكوا للدكتور ياسين حفيدي ايه جولك؟"
بوجه جامد و ملامح مكفهرة أجابه «سالم»:
" رأيي انت عارفه. لكن ما باليد حيلة الرأي لصاحبة الشأن و هي موافقه.."
«عبد الحميد» بارتياح:
" يبجي نجروا الفاتحه.."
وبالفعل قرأ الجميع الفاتحة وما أن انتهوا حتي أردف عبد الحميد:
" طبعًا مش محتاچ اجولك ان كل طلباتكوا مچابه."
كانت وجوههم لا توحي بأي فرحة فالجميع كانت ملامحهم مغبرة و نظراتهم حانقه فتدخلت «أمينة» في محاولة لتلطيف الأجواء:
"طلبات ايه احنا مبنتكلمش في الحاجات دي العروسه عروستكوا يا حاج عبد الحميد.. "
اجابتها «تهاني» بود:
" كلك ذوق يا حاچه امينه والله .. لكن عروستنا مش اي حد ايوا امال اي ديه تتاجل بالدهب.."
ابتسمت «أمينة» لتلك السيدة الودودة وقالت بذوق:
" تعيشي يا أم ياسين.."
تابعت «أمينة» موجهه حديثها لـ «عبد الحميد»:
" بعد اذن سالم طبعًا عايزين نحدد معاد معاك عشان نيجي نطلب جنة منكوا.."
لحظه صمت بها الجميع و توجهت الأعين علي تلك التي تجلس صامته منذ بدء تلك الجلسة محتضنه طفلًا لم يلق منها نظرة حنان واحده تهرب منه بقدر ما تريد الهرب من قدرها المظلم ولكنها تفاجئت من حديث «أمينة» التي تابعت بفخر:
" حلا بقت عروستكوا و جنة بردو عروستنا و أحب أنها تاخد حقها بردو اومال؟ هو انتوا أحسن مننا ولا اي؟"
قالت جملتها الأخيرة بمزاح جعل البسمة ترتسم علي وجه «عبد الحميد» الذي قال بنبرة وقورة:
" لاه طبعًا دانتوا احسن ناس يا حاچه و اني عن نفسي مستنيكوا في الوجت اللي تحددوه"
لأول مرة تتجاهل نظرات «سالم» التحذيرية وقالت:
" أن شاء الله نحدد الميعاد و سالم يكلمكوا و ياريت نعجل بالفرح انا مش هقدر جنة تبعد عني هي و محمود اكتر من كدا"
قالت جملتها الأخيرة برجاء خافت مما جعل «سالم» يناظرها بغضب تنافي مع ذهول «سليم» و الجميع فاستغلت «همت» الأمر وقالت بخبث:
" يالهوي يا أمينة فرح قبل سنويه حازم . دي الناس تاكول وشنا.."
التفتت الأعين علي صاحبه الصوت الرفيع و الملامح التي لونها الخبث فلو كانت النظرات تقتل لخرت صريعة في الحال و ولكن أتي صوت «عبد الحميد» الذي تجاهل حديثها و غضبه قائلًا بصوت جهوري:
" واني مش هردلك كلمه يا حاچه . يبجي الفرح الشهر الچاي و بدل ما يبجي فرح واحد يبجوا تنين سليم و چنة و ياسين وحلا ايه جولك؟"
كان هناك تضارب كبير في المشاعر التي تعج بها تلك الجلسة فكان الغضب و التوعد متبادل بين «حلا» و «ياسين» الذي يحاول تهدئه غضبه بشتي الطرق و كان الحزن و الألم متبادل بين «سليم» و «جنة» التي وقع اسمه «حازم» على قلبها بسكين الخزي الذي يسيطر على ملامحها في تلك اللحظة علي الرغم من كل تلك الجهود المبذولة في تحسين صورة ما حدث. و كان الجانب الأكبر من المشاعر يعود لـ «عمار» الصامت منذ البدايه ولكنه كان غاضب حد الجحيم يوازي غضبه غصب «سالم» الذي أقسم علي وضع كل شخص في مكانه الصحيح بعد انتهاء تلك الجلسة التي كان غيابها عنها يزيد من نيران غضبه المستعر ولكنه أخيرًا تجاوز عم كل ما يعتمل بداخله وقال بنبرة خشنة:
" خلي تحديد المواعيد دا لحد ما نيجي آخر الأسبوع عشان نطلب جنة."
تدخل «عمار» الذي كان هناك نظرات ساخرة مرتسمه علي ملامحه:
" اني بجول أكده بردو . يمكن الفرح يزيد ولا حاچه"
التمعت عيني «سالم» بالشر حين سمع كلمات ذلك الذئب الماكر الذي لا يلقي بالكلام جذافًا ولكن جاء صوت والدته التي قالت بود:
" كدا نبقي متفقين .. يالا عشان العشاء جاهز "
تدخل «عمار» بفظاظة:
" مالوش لزوم يا حاچة احنا خلصنا اللي چيين عشانه"
«امينة» بعتب:
" ايه يا عمار انت بخيل ولا اي ؟ دول بيقولوا أن الصعايدة أهل الكرم كله وبعدين متقلقش المصاروة بيعرفوا يطبخوا بردو"
تدخلت «تهاني» في محاولة لتصليح الموقف:
" بها يا حاچة. دي كل حاچه من يدك زي العسل.."
تحرك الجميع إلى المائدة التي كانت معدة بأشهي المأكولات و كانت «أمينة» خير مضيفه تحاول مراضاة الجميع و حين أنتهي «ياسين» من الطعام التفتت الى «حلا» قائلة:
" وصلي دكتور ياسين عشان يغسل ايده يا حلا.."
كانت الثيران الهائجة تحاول بشتي الطرق اخماد غضبها حتي تمر تلك الجلسة علي خير فلم يعلق أحد علي حديث «امينة» و بالفعل توجهت «حلا» الممتعضة أمام «ياسين» دون أن تلتفت حتي و ما أن غادرا غرفه الطعام حتي اوقفتها قبضته الحديدية علي معصمها حين قال بغضب مكتوم:
" اقعدي اتعوجي براحتك و زودي في غلطاتك كدا بس اتأكدي أن كله هييجي علي دماغك في الآخر.."
كانت تتألم من قبضته الغير رحيمه ولكنها كتمت ألمها وبعينين اشتعلت بنيران التحدي الذي اصطبغت به نبرتها قالت:
" مفتكرش أنى هشوف حاجه اسوء من اني اكون مراتك…"
كانت تتأرجح بحقل ألغام تعلم بأنها ستكون أول ضحاياه و قد هالها عينيه التي احتقنت بدماء الغضب الذي تجلي في نبرته حين قال:
" لا في .. جوازك منى دي بداية اللعنة يا حلا. و من هنا لحد ما تبقي في بيتي الله في سماه لو شوفتك جمب الواد مروان دا مره تانيه وديني لهكون ضاربه بالنار قدامك. "
" مين جايب سيرتي ؟"
قطع حوارهم الناري قدوم «مروان» و بجانبه «جنة» التي كانت تريد الحديث معه علي انفراد فتفاجئت ب«ياسين» يقف مع «حلا» و عينينه تقطران غضبًا حين ألتفت ناظرا الي «مروان» ولكن جاءت كلمات «حلا» لتشتيت انتباهه:
" الحمام يا دكتور ياسين.."
ابتلع غضبه الحارق و توجه إلي المرحاض تاركًا الجميع خلفه فتوجهت «حلا» إلي «جنة» بأقدام مثقلة باعتذار كبير لا تعرف كيف تصيغه و ولكنها حاولت قدر الإمكان حين قالت بنبرة مهتزة:
" معرفش إذا كان كلامي دا هيفرق معاكِ أو لا بس انا حقيقي بعتذرلك علي كل كلمه قولتها ضايقتك..انا.."
قاطعها حديث «جنة» التي لم تكن في حاجه لسماع اعتذارات لن تفلح في إخماد جراحها فقالت بجمود:
" مش هيفرق يا حلا.. اعتذارك مش هيغير حاجه يبقي مالوش لازمة وفريه انا مش محتجاه.."
شعرت بسيل من العبرات يتدفق من مقلتيها فخرج صوتها مهتزًا حين قالت:
" بس انا محتاجه أقوله.. انا فعلًا اسفة.. يمكن شيفاني وحشة بس انا مش كدا. "
«جنة» بجفاء:
" عارفه انك مش وحشة. الوحشين مبيعتذروش.. الموضوع خلص مش مستاهل الكلام فيه.. انسي.."
كانت تعلم بأنها فتاة صالحه ولكن شوهها الوجع ولهذا لم تريد أن ينتهي الأمر هكذا فتابعت قائلة بصدق:
" أبية سليم محظوظ بيكِ علي فكرة.. وانا حقيقي فرحانة انكوا اتجوزتوا.."
لا تعلم لما شعرت بدقات قلبها تتقاذف بداخلها لدى سماعها اسمه ولكنها حاولت ألا تتأثر فرسمت ابتسامة بسيطه علي محياها ردًا علي مجاملتها اللطيفة فجاء صوت «مروان» الذي يتابع ما يحدث في صمت:
" يالا بقي احضنوا بعض.."
برقت عينا الفتاتين. هما ينظران إليه فتابع بجديه:
" ايه اتخشبتوا كدا ليه؟ ما تحضنوا بعض. مش اتصالحتوا و صافية لبن حليب يا قشطه مستنيين ايه يالا يا لبن يالا يا قشطه احضنوا بعض"
قال جملته الأخيرة و هو يضع يديه علي كتف الفتاتين بقربهما من بعض وسط ذهول متبادل بينهما فتبادلا عناق كان غريبًا من نوعه فصدح صوته المتأثر خلفهم:
" يااه يا ولاد هتخلوا الدمعه تفر من عيني.. "
ثم أطلق زفرة قوية قبل أن يقول بعبث:
" يالا ربنا يقدرنا علي فعل الخير.."
ما أن أنهى جملته حتي التقمت عينيه تلك التي كانت تقف بعيد تشاهد ما يحدث بعينين تغلفهما طبقه من العبرات التي لم تستطع السيطرة عليه فتراجعت للخلف مهرولة الي غرفتها فلم يستطع «مروان» سوي اللحاق بها فترك الفتاتين تنظران في أثره بصدمه سرعان ما تحولت لقهقهات عالية وصلت إلي مسامع افعي تلونت بلون الحنان الذي تجلي في نبرتها وهي تقترب منهم قائلة:
" العرايس الحلوين بتوعنا واقفين يضحكوا علي اي كدا؟"
التفتت «حلا» تنظر إلي «شيرين» بابتسامه ثم قالت تعرفها علي« جنة »:
" تعالي يا شيري.. تقريبا أنتِ لسه متعرفتيش علي جنة.. بصي يا جنة دي شيرين اخت سما بنت عمتو همت .."
لم ترتح لها «جنة» أبدا منذ اللقاء الأول لهذا حيتها بتحفظ:
" اهلا بيكِ"
لدهشتها اقتربت «شيرين» تعانقها وهي تقول بود:
" اهلا يا روحي.. و ألف ألف مبروك.."
اومأت «جنة »برأسها و بابتسامه باهته اجابتها:
" الف مبروك .."
التفتت «شيرين» تنظر إلي «حلا» وهي تقول باستفهام:
" بقولك يا حلا اومال ريتال فين عايزة اوريها صور عيد ميلادها بعد ما ظبطها"
" معرفش تقريبا كانت في المطبخ . "
هكذا أجابت «حلا» فناولتها «شيرين» الكاميرا التي كانت تمسك بها وهي تقول:
" طب خدي شوفي الصور وانا هروح اناديلها "
اومأت «حلا» و أخذت منها الكاميرا و نظرت إلي «جنة» الصامتة فقالت بحرج:
" ما تيجي نقعد بره في البلكونه و نشوف الصور سوي . كانت حفلة صغنونة بس كانت قمر اوي.."
لم ترد «جنة» احراجها فوافقت و توجهت معها الي الشرفة وقامت «حلا» بتشغيل الكاميرا لتعرض بعض صور «ريتال» الممسكة بقالب الحلوى و بجانبها «مروان» الملطخه ملامحه بفعل ذلك الشجار العنيف فأخذت الفتاتين تقهقه علي مظهرهما و خاصةً تلك الفيديوهات التي كانت مضحكه كثيرًا وفجأة ظهر فيديو ل«سليم» يقف مع «مروة» وهو يصرخ بعنف ارتجف له قلب «جنة» التي أخذت تشاهده كيف كان يعاملها و مدى انهيار الفتاة ففغرت فاهها من فرط الصدمة هل كان علي علاقة مع تلك الفتاة ولكن تحولت صدمتها إلى ألم كبير حين شاهدت ما حدث كيف يكون قاسيا بتلك الدرجة كيف تظلم عينيه هكذا أمام شخص كان يعشقه يومًا و لوهلة تذكرت «حازم» الذي شاهدت بعينيها كيف تبدل قناعه الرائع في بداية علاقتهم بآخر مريع بعد ما حدث فهبت من مكانها حين أدركت أن الأخوين يشبهان بعضهما كثيرًا ولكنها أبدًا لن تكون في هذا الموقف مرة ثانية. فهرولت الي الداخل و لم تبالي لنداءات «حلا» التي صدمها ما حدث ولو كانت علي علم بوجود هذا الفيديو لم تكن لتعرضه أمامها أبدًا
كانت تهرول الى غرفة الجلوس فتفاجئت بـ «سليم» الذي كان يتوجه الي الخارج يسبقه قلبه يريد الحديث معها ولكنها ما أن رأته حتي تراجعت خطوتين إلى الخلف بذعر مما جعل الصدمة ترتسم على محياه و ما أن أوشك علي الحديث حتي تفاجأ حين غادرته وهرولت الي الداخل و قد كان وجهها لا يبشر بالخير أبدا…
انتهت الزيارة أخيرًا و مع إغلاق «سليم» الباب خلفهم حتي خرجت شهقة استنكار متبوعه بنبرة ساخرة من «همت» التي قالت:
" والله و بكرة هنبقي مهزقة الخلق بعد ما منا أسيادهم.. بكرة يقولوا أرملة الراجل متحملتش و اتجوزت اخوه قبل حتي ما تمر سنه علي وفاة الغلبان"
برقت عينا «سليم» من حديث «همت» المسموم واوشك علي الرد ولكن جاء حديث «أمينة» الغاضب:
"اخرسي يا همت و اعرفي ان لسانك الي بينقط سم دا محدش هيقطعهولك غيري.. "
«همت» بسخرية:
" تقطعيلي لساني عشان بتكلم في الأصول يا حاجه؟"
اقترب «سالم» من مكانهم وقال بصوت مرعب:
" الأصول فايتك منها كتير يا عمتي.. و دا ميلقش بينا أبدا .."
تدخلت «شيرين» بغضب:
" مش ملاحظ أن كلامك مُهين يا سالم دي عمتك بردو!"
تدخل «سليم» مجيبًا بدلًا عنه:
" الي يدخل في الي مالوش فيه ميجيش يعيط لما يتعلم عليه يا بنت عمتي.."
تحدث «سالم» بفظاظة:
" اهو قالك.. عقلى والدتك و فكريها أنها كبرت عالحاجات دي.. "
صرخت «همت» غاضبة:
" بتحدفوني لبعض يا ولاد منصور. انا دلوقتي الوحشة عشان خايفه علي شكلنا قدام الناس .. ايه قوام نسيتوا اخوكوا؟ دا دمه لسه مبردش"
صرخت «أمينة» بقهر داخلي خرج علي هيئة نبرة غاضبة:
" ميخصكيش. و من هنا و رايح اسم حازم مش هيتذكر في البيت نهائي والي يفتكره يترحم عليه في سره. غير كدا لو سمعت حد بيتكلم عنه تاني او بيفتح في الي فات وربي لهكون طرداه بره باب القصر دا حتي لو كان مين .. مفهوم.."
برقت الأعين من حديثها الذي كان علي قدر صلابته علي قدر وجعه وقد كان أكثر من يفهمها هو «سالم» الذي صرخ بغضب:
" كل واحد علي اوضته مش عايز اشوف حد قدامي.."
اطاعه الجميع علي مضض وما أن اختفوا حتي اقترب يسند والدته التي كانت علي شفير الإنهيار فسألها بنبرة معاتبه:
" ليه كدا يا حاجه؟ بتيجي علي نفسك اوي كدا ليه؟"
«أمينة» بقهر:
" حازم ابني انا ياسالم و وجعه هيفضل العمر كله في قلبي. لكن انتوا مش ذنبكوا تدفعوا تمن أخطاءه وأخطاء أم معرفتش تربي.."
اقترب منها «سليم» بعينين فاض بهما الدمع وأمسك بكفها يقبله بقوة قائلًا:
" اوعي تقولي كدا يا ماما. أنتِ مغلطتيش في حاجه. و مش ذنبك ."
قاطعته حين امتدت يدها تربت بحنان علي وجنته وهي تقول برجاء:
" متكرهش أخوك يا سليم.. انا الي معرفتش اربيه و احكمه زي ما عملت معاك انت و اخوك.لو فعلًا بتحبني اوعي تكرهه و عيش حياتك مع مراتك و افرحوا يا ابني و انسوا كل الي حصل. وغلاوتي عندك "
لم يجيبها «سليم» انما وضع قبله قويه علي باطن يدها و قام «سالم» بفعل المثل معها فالتفتت إليه قائلة:
" جه الوقت الي تشوف حياتك انت كمان يا ابني.. كفايه عليك شايل همنا كل السنين دي عمرك هيضيع يا سالم متضيعش ولا دقيقه ثانيه منه و اتأكد أن أي قرار هتاخده انا راضيه عنه يا ابني.."
فطن إلى ما ترميه و قد كان بداخله ينوي الا يضيع اي وقت فأومأ برأسه يوافقها دون حديث و اشتبكت النظرات بينه وبين أخيه بحديث خاص بكلاهما..
انقضت ثلاث أيام من أصعب الأيام التي مر بها في حياته. فقد كان يحاول بشتى الطرق الوصول إليها ولكن دون جدوى فقد كان هاتفها مغلق ولا يعرف أي طريقة أخرى للتواصل معها. غابت عنه وتركته فريسة للغضب و الألم و الأفكار السوداء و لم تشفق عليه. يقسم بأنه رأي عشقه بعينيها واضحًا وهذا ما دفعه للإعتراف لها بمكنونات صدره لما تفعل به هذا الآن؟؟ وقد كان هذا أكثر شئ يخشاه. الرفض أو الإهانة لمشاعر عميقة لم تخلق سوى لها وحدها. حتي ان كانت ترفضها لمَ لم تملك الجرأة لإخباره لم يكن ليجبرها فله كبرياء عظيم يأبى إجبارها علي البقاء معه حتي و ولو كان عشقها موشوم علي قلبه.
لما تفعل به هذا ؟ يود الصراخ بهذا الاستفهام الذي كان يؤرق لياليه المنصرمة حتي أنه في لحظة يأس قاد سيارته و توجه إلي حيث مزرعة عمها و ظل واقفًا طوال الليل عله يلمح طيفها يراوده شعور قوي بالشوق المضني و الغضب الجارف تجاهها فما تفعله به ليس عدلًا أبدًا.
قاطع أفكاره صوت «مروان» الذي أخذ يدق علي الباب كثيرا ولكنه لم ينتبه له ففتح الباب و توجه إليه قائلا بمزاح:
" ايه يا كبير بقالي ساعه بهبد عالباب و انت منفضلي"
رفع أنظاره إليه و قال بفظاظة:
" ولما هبدت عالباب وملقتش رد ايه الي دخلك؟"
تحمحم «مروان» قائلا بخفوت:
" ايه الاحراج دا؟ "
ثم علت نبرته حين قال بمزاح و هو يتقدم ليجلس علي المقعد أمام المكتب:
" لا ماهو انا جايلك في ست مواضيع مهمة شبه بعض"
زفر أنفاسه الملتهبه قائلًا بفظاظه:
" هات الي عندك.."
كان مظهره مرعبًا فلعن «مروان» بداخله قبل أن يقول بتوتر:
" اصل انا. بصراحه . يعني كنت عايز اسألك هنعمل اي مع المطاريد الي ناسبناهم دول ؟ يعني البت حلا البسكوتايه دي هتعيش معاهم ازاي ؟"
«سالم» مغلولًا:
" و مسألتهاش ليه؟ ما الهانم موافقة "
«مروان» بغباء:
" معلش بقي مراية الحب عاميه.. مع انهم ميتحبوش جوز البغال دول أن كان ياسين و لا عمار معرفش فرح رخره عجبها في ايه؟"
تحفزت جميع حواسه لدي سماعه جملة «مروان» الأخيرة التي اخترقت أذنه مرورًا بقلبه الذي انتفض قائلًا بهسيس مرعب:
" انت قولت ايه؟ فرح ايه علاقتها بعمار ؟"
«مروان» بغباء:
" ايه دا هو انا مقولتلكش. مش فرح اتخطبت للبغل الي اسمه عمار دا .. "
«سالم» بصدمه:
" ايه ؟؟؟"
" اه حصل البت جنة لسه قيلالي لما كانت هنا. بس اقولك انا قلبي حاسس ان البت فرح دي مغصوبه اه والله .. جنة بتقولي مقطعه نفسها عياط طول الليل والنهار يا قلب امها…"
لم يكد ينهي جملته حتي خرجت صرخة غاضبة من فم «سالم» مما جعل «مروان» ينتفض من مقعده واقفًا وهو يقول بذعر:
" ايه في ايه؟؟"
لم يكد ينهي استفهامه حتي تفاجئ من قبضة «سالم» الحديدية التي أمسكت بمقدمة قميصه لتجذبه متسطحًا فوق المكتب بعنف تجلي من عينين «سالم» التي تقطران غضبًا يوازي لهجته حين صرخ به:
" يا حيوان بقي انت عارف كل دا ولسه فاكر تقولي دلوقتي؟؟"
«مروان» بذعر:
"حقك عليا يا كبير. عيل و غلط . "
«سالم» بصراخ:
" دانا هطلع عين اهلك.."
«مروان» في محاولة للإبقاء علي حياته:
" حقك .. بس علي ما تطلع عين امي هيكون البغل دا خطف المزة . اقصد فرح .. نلحقها و ابقي ادبحني عالفرح.انا معنديش مانع.."
تركته قبضة «سالم» فجأة و قد ارتسمت الجنون بنظراته حين صرخ بقوة اهتزت لها جدران القصر:
" علي جثتي الكلام دا يحصل.."