تحميل رواية «بين غياهب الاقدار "في قبضةالاقدار الجزء الثاني"» PDF
بقلم نورهان العشري
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
يتحدثون دائمًا بأن الكتمان مؤلم وضريبته موجعة. ولكن هل اختبر أحدكم مرارة البوح؟ أن تُخرج ما بداخلك وتترك نفسك مثلما خُلقت أمام أحدهم وتكتشف بعد ذلك بأنك أعطيته السلاح الوحيد القادر على قتلك! للبوح أيضًا ضريبة ولكننا لا نملك تكلفتها. بلغ الوجع ذروته واشتدت آلام المخاض كما اشتد نزيف القلب. فعلاً صراخها حتى دوى رنينه في أرجاء السيارة التي كان يقودها سالم وبجانبه سليم الذي يجلس بقلب مرتاعب ممزق عاجز عن إخماد ألمها وإيقاف نزيف روحها التي لم تفلح كلمات فرح المهدئة في تضميدها. "أهدي يا حبيبتي خلاص قربن...
رواية بين غياهب الاقدار "في قبضةالاقدار الجزء الثاني" الفصل الحادي عشر 11 - بقلم نورهان العشري
حملت الشوق بقلبي لـ ليالٍ طوال.
أتألم بعشقٍ جائر لمن اكتد على بالوصال.
جُن عقلي وتاه فكري.
هل أمن قلبي فلم يعد يبال؟
أم أن قلبك العليل هو الآخر ما زال مقيدًا بالأكبال؟
أعلم أنها معاناة مع قدر مظلم ما أنفك علي يحتال.
ولكن بالله عليكِ اشفقي على روح ذبحها الشوق وأجهزت عليها كثرة الأحمال.
واعلمي أن حياتي كانت عبارة عن حفنة من الحروب الضارية فلتكوني لي خير الأنفال.
يا من شح لقاؤه وكثر غلاؤه وعظمت محبته.
أهلكني التمني وأضناني السؤال!
آن الأوان لنلتقي حتى تنتصر خيوط الفجر على دجى الظلام الذي حاوط قلبي كالأدغال؟
انقضت ثلاث أيام من أصعب الأيام التي مر بها في حياته.
فقد كان يحاول بشتى الطرق الوصول إليها ولكن دون جدوى، فقد كان هاتفها مغلقًا ولا يعرف أي طريقة أخرى للتواصل معها.
غابت عنه وتركته فريسة للغضب والألم والأفكار السوداء ولم تشفق عليه.
يقسم بأنه رأى عشقه بعينيها واضحًا، وهذا ما دفعه للاعتراف لها بمكنونات صدره، فماذا تفعل به هذا الآن؟
فقد كان هذا أكثر شيء يخشاه، الرفض أو الإهانة لمشاعر عميقة لم تخلق سوى لها وحدها.
حتى إن كانت ترفضها، فلماذا لم تملك الجرأة لإخباره؟ لم يكن ليجبرها، فله كبرياء عظيم يأبى إجبارها على البقاء معه حتى ولو كان عشقها موشومًا على قلبه.
لماذا تفعل به هذا؟ يود الصراخ بهذا الاستفهام الذي كان يؤرق لياليه المنصرمة.
حتى أنه في لحظة يأس قاد سيارته وتوجه إلى حيث مزرعة عمها وظل واقفًا طوال الليل عله يلمح طيفها.
يراوده شعور قوي بالشوق المضني والغضب الجارف تجاهها، فما تفعله به ليس عدلًا أبدًا.
قاطع أفكاره صوت «مروان» الذي أخذ يدق على الباب كثيرًا ولكنه لم ينتبه له.
فتح الباب وتوجه إليه قائلًا بمزاح:
"إيه يا كبير بقالي ساعة بهبد عالباب وانت منفضلي."
رفع أنظاره إليه وقال بفظاظة:
"ولما هبدت عالباب وملقتش رد إيه اللي دخلت؟"
تحمحم «مروان» قائلًا بخفوت:
"إيه الإحراج ده؟"
ثم علت نبرته حين قال بمزاح وهو يتقدم ليجلس على المقعد أمام المكتب:
"لأ ماهو أنا جايلك في ست مواضيع مهمة شبه بعض."
زفر أنفاسه الملتهبة قائلًا بفظاظة:
"هات اللي عندك.."
كان مظهره مرعبًا، فلعن «مروان» بداخله قبل أن يقول بتوتر:
"أصل أنا… بصراحة يعني كنت عايز أسألك هنعمل إيه مع المطاريد اللي ناسبناهم دول؟ يعني البت حلا البسكوتة دي هتعيش معاهم إزاي؟"
«سالم» مغلولًا:
"ومسألتهاش ليه؟ ما الهانم موافقة."
«مروان» بغباء:
"معلش بقي مراية الحب عامية.. مع إنهم ميتحبوش، جوز البغال دول إن كان ياسين ولا عمار. معرفش فرح رخره عجبها في إيه؟"
تحفزت جميع حواسه لدي سماع جملة «مروان» الأخيرة التي اخترقت أذنه مرورًا بقلبه الذي انتفض.
قائلًا بهسيس مرعب:
"انت قلت إيه؟ فرح؟ إيه علاقتها بعمار؟"
«مروان» بغباء:
"إيه ده هو أنا مقلتلكش. مش فرح اتخطبت للبغل اللي اسمه عمار ده.."
«سالم» بصدمة:
"إيه؟؟"
"آه حصل. البت جنة لسه قايلالي لما كانت هنا. بس أقولك أنا قلبي حاسس إن البت فرح دي مغصوبة. آه والله.. جنة بتقولي مقطعة نفسها عياط طول الليل والنهار يا قلب أمها.."
لم يكد ينهي جملته حتى خرجت صرخة غاضبة من فم «سالم» مما جعل «مروان» ينتفض من مقعده واقفًا وهو يقول بذعر:
"إيه في إيه؟"
لم يكد ينهي استفهامه حتى تفاجأ من قبضة «سالم» الحديدية التي أمسكت بمقدمة قميصه لتجذبه متسطحًا فوق المكتب بعنف.
تجلى من عينين «سالم» التي تقطران غضبًا يوازي لهجته حين صرخ به:
"يا حيوان بقي انت عارف كل ده ولسه فاكر تقولي دلوقتي؟"
«مروان» بذعر:
"حقك عليا يا كبير. عيل وغلط."
«سالم» بصراخ:
"دانا هطلع عين أهلك.."
«مروان» في محاولة للإبقاء على حياته:
"حقك.. بس على ما تطلع عين أمي هيكون البغل ده خطف المزة. أقصد فرح.. نلحقها وأبقى ادبحني عالفرح. أنا معنديش مانع.."
تركته قبضة «سالم» فجأة وقد ارتسم الجنون بنظراته حين صرخ بقوة اهتزت لها جدران القصر:
"على جثتي الكلام ده يحصل.."
ابتلع مروان ريقه بصعوبة، فقد تم ما أراده وقد أيقظ وحوش سالم الكامنة بداخله.
فهو يعلم جيدًا مقدار عشقه لها الذي يوازي كبرياءه اللعين، ولتجاوز هذا الكبرياء فلابد من أن تحرقه نيران الشوق أولًا، وها هي خطته تسير بشكل جيد.
"اتصلي على جنة دلوقتي حالًا."
هذا كان صوت سالم القاسي الذي أطاعه مروان في الحال دون جدال.
فأخذ يهاتف جنة التي ما أن أجابته حتى انفجرت في وجهه غاضبة:
"انت يا زفت معملتش اللي قولتلك عليه ليه؟ فرح كانت هتضيع مننا النهاردة."
لم يتحمل قلبه الذي انتفض بداخله بقوة لدى سماعه اسمها، فقام بخطف الهاتف من مروان قائلًا بخشونة:
"فرح مالها يا جنة؟"
ارتعبت جنة لدى سماعها صوته وخرج صوتها متلعثمًا:
"إيه.. هو. هو مين. معايا؟"
على صراخه وتعظم غضبه وخوفه عليها، فصرخ مغلولًا:
"معاكِ سالم الوزان. انجزي فرح مالها؟"
تحلت بشجاعتها وتركت خوفها جانبًا وقالت بلهجة أكثر ثباتًا:
"فرح أغمي عليها النهاردة وجبلها الدكتور بقالها تلات أيام ما أكلت ولا شربت فجالها هبوط حاد في الدورة الدموية. بس الحمد لله بقت أحسن شوية.."
سقط قلبه بين قدميه رعبًا عليها وأغمض عينيه لثوانٍ يحاول تهدئة نفسه الثائرة وأنفاسه المتهدجة قبل أن يقول باختصار:
"عايز أشوفها.."
صمتت جنة لثوانٍ قبل أن تقول بأسف:
"مش هينفع أكيد حضرتك عارف إن جدي وياسين هنا، وحتى هي مش هينفع تخرج وهي تعبانة كده.."
سالم بهسيس غاضب:
"اتصرفي يا جنة. بدل ما أجي أهد المزرعة دي على دماغهم.."
طرأت على عقلها فكرة مجنونة فقالت بلهفة:
"هو أنا ممكن أوريهالك فيديو كول دلوقتي لحد ما نشوف هنعمل إيه؟"
أوشك على الصراخ بها، فجاءة صوت مروان الذي قال بلهفة وصوت خافت:
"وافق. وافق دلوقتي وأنا مجهزلك خطة في دماغي عشان تقابلها."
لأول مرة لم يسعفه عقله في العمل، فأجاب مستسلمًا:
"طيب.."
أغلق الهاتف على وعد منها بأنها ستذهب إلى غرفتها وتقوم بالاتصال به مكالمة فيديو لتقر عينه برؤيتها، فقد تصدع قلبه بفعل ذلك الشوق الضاري لها.
دقيقتان ورن هاتف مروان بمكالمة فيديو ارتج لها قلبه، خاصةً حين قام بالإجابة وظهرت صورتها على الهاتف.
فتقاذفت دقات قلبه بعنف وجف ريقه حين رأى ملامحها الباهتة وعينيها المغلقة باستسلام قلما رآه منها.
فقد بدا أنها منهزمة متألمة غير مرتاحة بنومتها تلك، فأخذت عيناه تطوف بحب وشوق على ملامحها الجميلة ووجهها الصافي الذي يود لو يقبل كل شبر به اعتذارًا عن كل لحظة ألم عاصرتها بغيابه.
ولكن فجأة توقفت عيناه على آثار زرقاء مطبوعة على وجنتها اليسرى، فغلت الدماء بعروقه وصاح بغضب:
"إيه اللي على وشها ده؟"
ارتعبت جنة من صوته الغاضب وقامت بإدارة الهاتف على وجه فرح المتألم وقالت بتلعثم:
"آآآآ. أصلها اتخبطت. فيه.."
تجعدت ملامحه بفعل الغضب وصاح من بين أسنانه:
"جنة. مش هكرر سؤالي تاني.."
صاح مروان من خلفه:
"قولي الحقيقة يا بت يا جنة. متخافيش سالم ده ييجي يبلع التيران اللي عندكوا كلهم لو حد ضايقكوا."
أسكته نظرة مرعبة من عيني سالم قبل أن يعيد أنظاره إلى جنة التي خرجت الكلمات من فمها دفعة واحدة:
"بصراحة عمار ابن عمي ضربها. معرفش مين بعتله صورتكوا سوا ع الموبايل ولما شافها اتجنن وضربها. وجدي قال إنه هيجوزها له. وفرح من وقتها وهي منهارة ورافضة تاكل أو تشرب أو تتكلم مع حد."
ارتسم الجنون بعينيه لدى سماعه كلماتها التي تراشقت بصدره، فذلك الوعد قام بضرب حبيبته.
وفجأة سقط الهاتف من يده، بينما اكفهرت ملامحه فبدت مريعة، وكذلك نظراته التي توحي لمن يراه أنه عازم على ارتكاب جريمة قتل بأبشع الطرق.
"هقتله.. وديني لهقتل الكلب ده.."
هكذا صاح بصوت جهوري ارتجت له جدران القصر، وقد كان عازمًا بالفعل على تنفيذ مخططه وذلك حين قام بإخراج سلاحه من أحد الأدراج.
ليرتعب مروان من مظهره وأخذ يحاول تهدئته قائلًا:
"اهدي يا سالم ده أنت العاقل اللي فينا. هينفع تحل مشاكلك بالطريقة دي؟"
سالم بغضب:
"أوعى من وشي.."
لم يمتثل مروان لأوامره بل قام بالالتصاق به كالعلقة وهو يحاول ثنيه عن جنونه الذي أول مرة يراه بحياته:
"الأول نعرف مين ابن المؤذية اللي صوركوا ووراه الصور دي."
لم تتغير ملامحه بل ازدادت قتامة، وكذلك نبرته حين قال:
"مفيش مؤذية غيرها هي واللي من نسله.."
انكمشت ملامح مروان بحيرة تجلت في نبرته حين قال:
"تقصد مين؟ معقول تكون…"
قاطعه صوت سالم الذي قال بصرامة:
"اجمع لي العيلة كلها دلوقتي.."
مروان بغباء:
"إيه هتخلص عليهم ولا إيه؟"
أخرسته نظرة غاضبة من سالم الذي قال بغموض:
"هلاعبهم نفس لعبتهم لحد ما أعرف اللي عايز أعرفه.."
مروان بتهليل:
"قشطة عليه.. هو ده الشغل.."
"روح اعمل اللي قلتلك عليه على ما أعمل تليفون مهم.."
أطاعه مروان، وما أن أوشك على مغادرة الغرفة حتى استوقفته كلمات سالم الذي قال بخشونة:
"كلم جنة واعرف منها هيتحركوا عالصعيد إمتى؟"
أجابه مروان بسلاسة:
"بكرة الصبح.."
سالم باستفهام:
"عرفت منين؟"
مروان بغرور:
"باشا دانا مروان. مفيش حاجة تخفى عليا. ده أنا أعرف القرد مخبي ابنه فين."
سالم بغل:
"طب غور من وشي. واعرف إن حسابنا لسه مخلصش."
مروان بذعر:
"ليه يا كبير هو أنا عملت إيه؟"
سالم بقسوة:
"خبيت عليا موضوع الخطوبة."
مروان بمزاح:
"مانا قولت أتقل ع الرز لما يستوى طعمه بيبقى أحلى.."
اكفهرت ملامح سالم وارتسم الإجرام بهما مما جعل مروان يهرول للخارج قبل أن تطاله براثن ذلك الوحش الهائج.
وما أن خطى إلى الخارج حتى تفاجئ بسليم الذي كان يطالعه بحنق يود لو يحطم أسنان ذلك الوغد، ولكنه مجبر على معاملته بالحسنى حتى يأخذ ما يريد.
ولدهشته فقد ناظره مروان شزرًا قبل أن يغير وجهته قاصدًا غرفة الجلوس، ولكن جاء صوت سليم الخشن ليوقفه في مكانه:
"مروان.. استنى عايزك.."
"نعم."
قالها مروان بضيق قبل أن يتوقف على مضض، فازداد غضب سليم منه، ولكن تجاهل غضبه واقترب منه قائلًا بود مفتعل:
"انت لسه زعلان مني عشان خزقتلك عينك. ده انت قلبك بقى أسود قوي.."
مروان بحنق:
"شبه قلبك ياخويا.. وبعدين أنا كان ممكن أخزقلك عينك برضه بس أنا قولت أقصر الشر يا واد يا مروان ده برضه أخوك الكبير."
ابتسم سليم ابتسامة صفراء اتبعها قائلًا بامتعاض:
"لأ أصيل.. المهم كنت عايز أسألك عن حاجة.."
فطن مروان إلى ما يريد فارتسم المكر بعينيه حين قال:
"عيني.."
تضاعف الحنق بداخله، فابتلع غضبه الحارق وقال من بين أسنانه:
"انت بتكلم جنة؟"
ليجيب الآخر بسلاسة:
"طبعًا.."
غزا الجحيم عينيه فحولها إلى بركة من الدماء، مما جعل مروان يتراجع للخلف خطوتين وهو يقول بتهديد:
"بقولك إيه هتتعامل زي البني آدمين هنتعامل، مش هتتعامل و هتتغابي يبقى انت اللي جبته لنفسك.."
اقترب منه سليم خطوتين وهو يعض على شفتيه السفلى بوعيد تجلى في نبرته حين قال:
"امممم. لأ سمعني بقي هتعمل إيه؟"
كان أذكى من أن يدخل في شجار مع هذا الضخم، لذا آثر اللعب على أكثر النقاط حساسية لديه فقال بتخابث:
"مش هقولك إيه اللي جنة قالتهولي عنك.."
ارتخت تعابيره وتحول غضبه إلى لهفة تجلت في صوته حين قال:
"قالتلك إيه؟"
مروان بسماجة:
"مش قايلك غير لما تعتذرلي الأول.."
سليم بغضب:
"انجزي أحسن ما المرادي هطرملك سنانك.."
مروان بحنق:
"واحد مفترى.. تستاهل اللي ناوي تعمله فيك جنة.."
بلغ الغضب والترقب مبلغه منه، فزمجر غاضبًا:
"اخلص ياله.."
مروان بنفاذ صبر:
"قالت إنها هتفض الجوازة دي!"
انكمشت ملامحه بصدمة تجلت في نبرته حين قال:
"إيه؟?"
فتابع مروان باستمتاع:
"آه. قالت كمان إنها مش مجبرة تكمل مع واحد خاين وغشاش وكداب وواطي وزبالة زيك.."
برقت عيناه واسودت ملامحه أكثر، فبدا وجهه كلوحة مرعبة، خاصةً حين قال بهسيس:
"انت بتقول إيه؟?"
مروان برعب:
"هي اللي قالت وربنا.."
فصاح سليم مغلولًا:
"هو بمزاجه.. جوازة إيه اللي تفركشها. ده أنا أطربق الدنيا على دماغها.."
اندهش مروان من حديثه وقال بصدمة:
"إيه ده هو ده كل اللي زعلك وكل الشتيمة دي مفرقتش معاك. يا ريتني كنت شتمتك أكتر من كده.."
امتدت يد سليم تقبض على مقدمة قميصه وهو يقول بوعيد:
"وله لو عرفت إنك بتكلمها تاني هدفنك حي سامع؟?"
مروان برعب:
"سامع يا باشا.. أنا أساسًا كنت ناوي أقطع معاها دي بت معقدة أصلًا.."
تركه سليم بغتة وقد اكفهرت ملامحه بغضب جحيمي كان يحاول تحجيمه كل هذه الفترة حتى لا يخيفها منه، ولكنه الآن لم يعد يحتمل كل ما يحدث.
فقام باقتحام غرفة المكتب ليجد سالم الذي كان ينهي مكالمته، فإذا به يقول بصرامة:
"أنا عايز أتزوج جنة في أقرب وقت، معدش عندي استعداد أستنى لحظة واحدة بعد كده.."
فاجأه سالم الذي قال باختصار:
"أقرب مما تتخيل متقلقش."
تفاجئ سليم من حديث أخاه، فقال باستفهام:
"حصل حاجة؟"
تجاهل سالم استفهام أخاه وقال مغيرًا الموضوع:
"وراك حاجة بالليل؟"
سليم بنفي:
"لأ.. ليه؟"
سالم بغموض:
"هتعرف كل حاجة في وقتها.. تعالي ورايا.."
كان الجميع جالسًا بغرفة الجلوس في انتظار سالم الذي كان يريدهم بأمر هام بناءً على حديث مروان الذي اقترب من همت قائلًا بسخرية:
"عاملة إيه يا عمتي؟"
همت بسلاسة:
"كويسة الحمد لله.."
مروان بتهكم:
"خدتي دوا الضغط بتاعك النهاردة ولا لسه؟"
"لأ والله تصدق نسيت كويس إنك فكرتني أما أقوم أخده أحسن بقاله يومين واطي.."
تابع سخريته قائلًا:
"لأ استنى هو هيرفع لوحده دلوقتي. احتمال يضرب من نافوخك كمان شوية.."
اندهشت من حديثه فقالت بعدم فهم:
"إيه يا واد انت الهبل اللي بتقوله ده؟"
مروان بتسلية وهو ينظر إلى سالم الذي دخل الغرفة للتو:
"هتعرفي كل حاجة دلوقتي.."
كانت الأنظار كلها مصوبة على سالم الذي كانت ملامحه مكفهرة وعينيه قاتمة تشبه نبرته حين قال بنبرة فظة:
"بعد جواز سليم من جنة هوزع التركة زي ما الشرع قال. وكل واحد هياخد نصيبه."
قفز الرعب على ملامح همت وشيرين التي قالت باستفهام:
"يعني إيه الكلام ده؟"
سالم بفظاظة:
"كلامي واضح. اللي له حق هياخده. وكل واحد يتصرف في حقه زي ما هو عايز.."
تدخلت همت قائلة بسخرية:
"وياترى بقى الكلام ده هينطبق عالأرض برضه يا ابن أخويا ولا هتراضونا بشوية ملاليم عشان أرض العيلة متطلعش للغريب؟"
سالم بسخرية خشنة:
"أنتِ سألتي وجاوبتي على نفسك. مش محتاجة إجابتي."
هبت من مقعدها قائلة بغضب:
"بس ده ظلم وميرضيش ربنا. ذنب راجي إيه إنه خلف بنات.."
تدخلت أمينة التي كانت غاضبة من الوضع برمته:
"الخاين مالهوش ورث عندنا يا همت."
برقت الأعين من حولهم، فصاحت شيرين باستهزاء:
"وياترى بقى هتطبقي القاعدة دي على حازم الله يرحمه. وهتحرمي ابنه من أرضه برضه، ماهو يعتبر خاين وحط راسنا في الطين؟"
أوقفتها كلمات سالم القاسية حين قال:
"محمود وأمه مش أغراب وأرضهم مسيرها راجعالنا ما هي جنة مرات سليم. لكن أنتِ وأختك مسيركوا طالعين برا العيلة يبقى تاخدوا أرض تعملوا بيها إيه!"
تراشقت كلماته كالخناجر بصدرها، فقد كانت تحمل رسالة صريحة شديدة اللهجة بأنها لن تنتمي إلى هذه العائلة، أي لن تتقابل طرقهم مرة ثانية.
وقد أغضبها ذلك بقدر ما آلمها، فجاءت كلمات همت الهادئة نسبيًا حين قالت:
"وأنا موافقة يا سالم مدام مش هتظلمني أنا وبناتي.."
هبت أمينة من مقعدها قائلة بغضب:
"ووصية أبوك يا سالم؟"
سالم بغموض:
"متشغليش بالك يا حاجة. كله معمول حسابه."
فجأة صدح صوت خلفهم كان ممزقًا بقدر غضبه:
"أبيه سالم. أنا متنازلة عن حقي في كل حاجة. ومش عايزة منكم ولا مليم.."
اتجهت الأعين إلى سما التي كانت تحمل حقيبة ملابسها، وكان مظهرها مبعثرًا يحكي مقدار ما تمر به من لحظات عصيبة.
فكان أول من توجه إليها هي همت التي قالت بغضب:
"أنتِ اتجننتي يا بت أنتِ بتقولي إيه؟"
سما بانفعال:
"بقول اللي سمعتيه مش عايزة ولا مليم مش هاخد حاجة مش من حقي.."
تدخلت أمينة التي رق قلبها لتلك الفتاة اليتيمة:
"سما يا حبيبتي اهدي ومتدخليش في كلام الكبار. وبعدين رايحة فين بالشنطة دي؟"
سما من بين انهيارها:
"أنا هادية يا مرات خالي. وعارفة بقول إيه. وسيبالكوا البيت ده وهمشي أروح أقعد في بيت أبويا. كفاية عليا كده هنا.."
تقدمت شيرين منها تمسكهم من عضدها بعنف قائلة بصياح غاضب:
"بت أنتِ اتعدلي وغوري اطلعي فوق.. مش ناقصين دلع بنات ماسخ.."
نفضت سما يد شيرين عنها قائلة بانفعال:
"ملكيش دعوة بيا ومش هطلع فوق. ومبقتش عيلة صغيرة أنا كبيرة بما فيه الكفاية عشان أحدد اللي أنا عايزاه وأنا عايزة أروح في أي مكان يبعدني عنكم."
اغتاظت شيرين من وقاحتها وقالت بغضب وهي ترفع يدها لتصفعها بقوة:
"تصدقي إنك عايزة تتربي من أول وجديد."
وما أن همت بصفعتها أن تسقط على وجه سما حتى تفاجأت بيد قوية تمسك بمعصمها تكاد تفتك بعظامها وصوت غاضب ينهرها:
"إياكِ تمدي إيدك عليها وإلا هكسرهالك.."
للحظة برقت ملامح شيرين من شدة الصدمة حين وجدت مروان الذي قام بالوقوف بينها وبين شقيقتها التي كانت عينيها تبرق من هول ما حدث.
وسرعان ما تحولت صدمتها إلى غضب كبير جعلها تقول ساخرة:
"ودا مين اللي بيتكلم وبيزعقلي كمان؟ مروان.. دلوعة ماما!"
لم تكد تنهي كلماتها حتى تفاجأت من صوت مرعب جمدها بمكانها:
"كلمة تاني زيادة وأنا اللي هعيد تربيتك من أول وجديد.."
التفتت شيرين إلى سالم الذي كان يناظرها باحتقار آلمها بقدر ما أغضبها، فقالت بانفعال:
"أنا متربية كويس أوي يا سالم بيه. بس للأسف ماليش أخ يقفلكوا ولا أب يوقفكوا عند حدكوا. عشان كده بتمارسوا القهر علينا ما إحنا مالناش حد."
اقترب منها خطوتين ويداه بجيوب بنطاله، وبنظرات تقييمية شملتها ومن ثم استقرت على وجهها بهدوء يوازي لهجته حين قال:
"دي حقيقة. إحنا مفتريين وجايين عليكوا عشان ملكوش حد. وبلاش تضايقيني أكتر عشان موريكيش القهر اللي بجد عامل إزاي.."
تدخلت همت تمسك شيرين من رسغها تجرها خلفها قائلة بغضب:
"كلمني أنا يا سالم.. وخللي بالك أنا مبخافش منك ولا من حد.."
سالم بفظاظة:
"لأ خافي.. عشان أنا مش هسمي على حد بعد كده.. والغلطة هتبقى بحساب. وأنتِ غلطتي كتير.."
تراجعت خطوة إلى الخلف وتزاحمت أنفاسها داخل صدرها من نظراته وكلماته المتوعدة، وانتقلت عينيها إلى سليم الذي ناظرها بخبث، فأيقنت بأنه قد أخبر سالم بأفعالها، فآثرت استخدام الحيلة حين ذرفت عبراتها المزيفة وهي تقول:
"ياه يا ابن أخويا للدرجادي هونت عليك.. هانت عليك عمتك الغلبانة هي وبناتها. بتستقوى علينا يا سالم.. لو كان منصور الله يرحمه عايش كان عرف يوفقك عند حدك. ويجيب حق أخته.."
لم يتأثر بحديثها ولا عبراتها المزيفة، فتشابهت عينيه مع نبرته الجامدة حين قال:
"منصور الوزان لو كان عايش مكنتيش اتجرأتِ وفتحتِ بقك أصلًا. بس صدقيني أنا أسوأ منه بمراحل لو صبري نفد.."
تدخل سليم لإنهاء ذلك الصراع قائلًا بقسوة:
"الموضوع انتهى وسالم قال كلمته ياريت تأقلموا نفسكم من دلوقتي وبعد كده اللي هيغلط هيتحاسب ومالوش لازمة الكلام الكتير."
نظرت شيرين إلى شقيقتها قائلة بسخرية:
"شايفه يا ست سما دول اللي عايزة تسيبيلهم كل حاجة وتمشي.."
أجابتها سما التي كانت ترتجف بين أحضان حلا قائلة بغضب:
"الموضوع بالنسبالي مش فلوس على قد ما هو كرامة يا شيرين.."
تدخل مروان مضيفًا على حديثها:
"معلش يا شيري مش ذنبها بقي إنك معدومة الكرامة.. "
كانت على وشك الرد عليه حين جاءها صوته الآمر:
"ولا كلمة زيادة كل واحد على أوضته.."
انصرف الجميع على مضض، فما حدث لم يكن يرضي أحد منهم، و خاصةً شيرين التي ما أن دلفت إلى غرفتها حتى أغلقت الباب خلفها بعنف، ملتقطة هاتفها تجري مكالمة هاتفية وما أن أجاب الطرف الآخر حتى صاحت بغضب:
"الوضع خرج عن السيطرة ولازم نتصرف ولو حكمت أنا هقول على كل حاجة وأهد المعبد على دماغ الكل…"
كانت تجلس في الحديقة بملامح واجمة وقلب محترق طالته أسهم الخذلان من كل اتجاه.
فكان الألم مروعًا وذلك لأن الطعنات كانت من أقرب المقربين لها.
"الأرملة السوداء قاعدة لوحدها ليه؟"
لم تلتفت سما إلى مروان الذي كانت قلبه يشعر بأضعاف ألمها ويقدر معاناتها كثيرًا، ولكنه لا يملك من أمره شيئًا.
فها هو ينكث بوعده لنفسه بألا يقترب منها، ولكن حزنها يفتت قلبه ويأتي به جرًا إليها لمواساتها.
"بتعيطي.. توقعت إنك بتعيطي."
لم تنظر إليه إنما أخفضت بصرها قائلة بخيبة أمل:
"مش في إيدي حاجة غير العياط."
نظر إليها بشفقة وألم ثم أردف بتعقل:
"لأ فيه.. وفيه كتير كمان.."
انكمشت ملامحها بحيرة وناظرته قائلة باستفهام:
"تقصد إيه؟"
مروان بصياح:
"تفردي بوزك.. تعدلي سحنتك دي. بالك أنتِ لو بطلتي عياط ونعي طول النهار وضحكتي كدا وفرفشتي اللعنة اللي في البيت دي هتتفك.. آه والله هتتفك.."
فاجأتها كلماته التي شقت ابتسامة كبيرة على ملامحها التي لونها الحزن، وسرعان ما تحولت ابتسامتها إلى قهقهات عالية جعلت نبضاته تتعثر بقوة داخل قلبه لدي رؤيته ضحكتها.
فقال بإعجاب:
"مانتِ بتعرفي تضحكي أهو.. أومال إيه وش البومة اللي مصدراهولنا على طول ده؟"
أجابته قائلة باندهاش من بين ضحكاتها:
"انت فظيع اقسم بالله.. إزاي بتقدر تضحك في وسط كل الهم والنكد اللي إحنا فيه ده؟"
امتعض وجهه وكذلك نبرته حين قال:
"يا بنتِ هم إيه ونكد إيه بس. اضحك للدنيا تضحكلك. كشرلها هتنفخ أهلك. وأنتِ كشرتي كتير جلد وشك كرمش يا ماما.. وبعدين حرام عليكي معاكِ أرواح في البيت لو فضلتِ تنعي كدا طول الليل والنهار هنموت مشاليل كلنا.."
امتدت يداها تضربه بعنف في كتفه وهي تقول بغضب:
"تصدق إنك جزمة بقي. أنا بنعي وجلد وشي كرمش. طب أنا هوريك.."
كانت ضرباتها له أكثر من محببة على قلبه الذي تقبلها برحابة صدر وابتسامة حب كبيرة مرتسمة على ملامحه.
ومن ثم قام بإمساكها من رسغيها بغتة يقربها منه ونظراته العاشقة تحصرانها بينه وبينه جسده، فتسمرت هي الأخرى تناظره مشدوهة أمام عينيه العاشقة ومشاعرها الغريبة التي غزت قلبها، فظلت على حالها لثوانٍ قبل أن تخترق كلماته أعماق فؤادها حين قال بصوت أجش:
"من هنا ورايح أوعي تخافي من أي حد. طول مانا موجودة محدش هيقدر يزعلك ولا يضايقك تاني أبدًا.."
كان وعدًا بالأمان لم تتوقعه أبدًا، فقد كان يشبه المأوى لمن اعتاد التشرد طوال حياته.
غيثًا على تربة قاحلة تصدعت بفعل الجفاف والإهمال، فأخذت عينيها تتعمق أكثر بحثًا عن أي لمحة خداع بملامحه، ولكن كانت تقاسيمه هادئة وعينيه صافية تؤكدان كلماته التي زلزلت كيانها.
وحين أوشكت على الحديث جاء ذلك الصوت الجاف من خلفها:
"بتعملوا إيه عندكوا؟"
لعن مروان بداخله حين أتاه صوت همت التي غضبت حين رأت قربهم الذي جعل سما تتراجع إلى الخلف كمن أمسكت متلبسة بجرم كبير.
بينما التفت مروان يناظر عمته شزرًا قبل أن يقول بسخرية:
"عينها كانت مطروفة وكنت بنفخهالها."
اغتاظت همت من سخريته فصاحت غاضبة:
"متعملش كده تاني يا عين عمتك ولو حتى عينها اتفختت. متقربش منها تاني يا ابن دولت."
نجحت في إثارة غضبه فهب من مكانه وهو يتوجه إليها بخطوات تشبه نبرته المتوعدة حين قال:
"بمناسبة دولت هي بعتالك السلام وبتقولك اتكي ع الأصل شوية يا عمتي."
غضبت من كلماته ولم تسعفها كلماتها في رد إهانته، بينما التفت هو يناظر تلك التي مازالت ترتجف جراء ما حدث وقام بإرسال غمزة عابثة من عينيه العاشقة تلقفتها هي بذهول جعل فكها يتدلى إلى الأسفل من فرط الصدمة.
جاء الليل الذي كان حزينًا للغاية يشبه ملامحها التي لأول مرة تنهزم أمام ضربات القدر.
فقد ظنت بأنها اعتادت عليها ولكنها وجدت نفسها تهزم أمام ما يحدث معها، وكأنها عجوز مسنة لا تستطيع سوى ذرف العبرات التي انبثقت من عينيها مطلقة العنان لحزنها أن يعبر على هيئة أنهار غزيرة أحرقت جلدها الطري وحفرت وديان من الألم فوق خديها.
كان الجو بديعًا والسماء صافية على عكس سماءها الملبدة بالغيوم التي مهما أمطرت لا تنضب أبدًا، وكأنها تعاند وهنها الذي تمكن منها فأعياها وجعلها لأول مرة تستسلم لدوامات سوداء ابتلعتها وكانت هي أكثر من مرحبة بها.
اختارت أن تبقى جالسة مع حزنها على أن تذهب مع شقيقتها حتى تستنشق الهواء النقي، واختارت أن تبقى حبيسة غرفتها التي شهدت على أكثر لحظاتها ألمًا.
وحين كانت غارقة بلحظات حزنها سمعت أصوات هلع في الخارج، فتحاملت على نفسها وهبت من مخدعها وقامت بفتح باب الغرفة لمعرفة ما حدث.
فوجدت الخدم يهرولون هنا وهناك، وكان ياسين هو الآخر يهبط الدرج، فلحقته قائلة بلهفة:
"في إيه يا ياسين؟"
لم يتوقف إنما قال بعجالة:
"بيقولوا في حريقة في الأسطبل اللي ورا والخيل كلها هربت بره المزرعة.."
شهقت بعنف وقد هالها ما سمعت، ولكن ياسين كان يهرول إلى الخارج.
فأتاها صوت قاسٍ من خلفها يأمرها قائلًا:
"ادخلي أوضتك وأقفلي بابك عليكِ ومتخرجيش واصل غير لما نعرفوا إيه اللي حصل."
التفتت لتجد عمار الذي كان يطالعها بنظرات تحمل الندم الذي لم يتجاوز حدود شفتيه، فلم تجبه بل توجهت إلى غرفتها تغلق الباب خلفها.
وما أن التفتت حتى تسمرت بمكانها لدى رؤيتها لذلك الظل الضخم الذي يقف أمام باب الشرفة.
فخرجت منها شهقة قوية حين سمعته يقول بصوت يملؤه الشوق:
"وحشتيني يا فرح.."
في البداية تلبسها الخوف حين رأته، ولكن بعد ذلك حل محله شعور من الصدمة حين سمعت صوته وعلمت هوية هذا الضخم الذي أضاء نور القمر جانب وجهه الذي اشتاقته بقوة حتى ظنت أنها تتوهم وجوده.
فهمست باسمه في رجاء أن يكون وجوده حقيقي:
"سالم.."
اقترب منها بخطوات سلحفية تنافي لهفته في رؤيتها، وبنبرة معاتبة خاطبها وعينيه تلتهم تقاسيمها الرائعة:
"كده برضه تغيبي عني كل دا؟ متفقناش على كده.."
كان همسه وعتابه الخافت أكثر ما يمكن أن تتحمله في تلك اللحظة، فاندفعت العبرات من مقلتيها بغزارة وخارت قوتها فأوشكت على الوقوع أرضًا.
ولكن ذراعيه القويتين التي احتضنتها بقوة حالت دون ذلك، فقامت بدفن رأسها في كتفه تبكي قهرًا ووجعًا وشوقًا.
كان اضعافه بقلبه الذي للمرة الثانية يحتوي ألمها ويمسد بحنانه جراحها.
فقد كان وجوده الآن بمثابة معجزة لم تجرؤ على تمنيها من فرط استحالتها، ولكن من تقع بعشق رجل حقيقي يجب أن تعلم بأن المعجزات تتحقق والمستحيل يخر خاضعًا أمام طغيان عشقه الجارف.
هدأت ثورة انهيارها أخيرًا بعد لحظات بفعل حنانه الذي أغدقها به، لتقوم أخيرًا بالتراجع خطوة إلى الخلف ورفعت رأسها تناظره من خلال ذلك الضوء البسيط الذي ألقاه ضوء القمر على الغرفة.
فبدا الأمر رومانسيًا أي أبعد درجة، خاصةً حين قال بنبرة خافتة:
"حاسة بإيه دلوقتي؟"
أجابت دون أن تعي ما تقول:
"حاسة إني مرتاحة.. وأنت؟"
أجابها بخشونة ونظرات تحمل التمني واللهفة:
"حاسس إني عايز أقفل عليكِ هنا ومخرجكيش أبدًا."
كان يشير إلى داخل صدره، فدغدغت إجابته حواسها وسرت حزمة من المشاعر القوية في أوردتها.
فاخفضت رأسها تخفي عينيها التي تفضح عشقًا فاض به القلب، فإذا بيده تمتد أسفل ذقنها ترفع رأسها إليه وهو يقول بخشونة:
"بلاش تداري عيونك عني ده أنا جاي مخصوص عشانهم.."
هنا تنبهت لما يحدث وتحول ثباتها إلى ذعر تجلى في نبرتها حين قالت:
"آه صحيح. انت دخلت هنا إزاي؟ وإيه اللي جابك أصلًا. يعني أقصد جيت ليه. أقصد…"
قاطعها نبرته العاشقة حين قال بصوت قوي:
"جيت عشانك.. عشان أقولك متخلقش اللي يبكيكِ وأنا عايش على وش الدنيا."
اخترقت كلماته جميع حواسها حتى خدرتها، فقالت بهمس:
"انت عرفت اللي حصل؟"
سالم بغضب نجح في إخماده حتى لا يخيفها:
"عرفت. وحق القلم اللي خدتيه هيرجع عشرة.."
ارتعبت من حديثه فقالت بلهفة:
"سالم ارجوك اوعي تأذي حد. عمار معذور أي حد في مكانه كان هيعمل كده. يعني يشوف بنت عمه واقفة مع واحد.."
قاطعها غاضبًا:
"ليه مقولتيلوش إننا مخطوبين؟ ليه مقولتيش لجدك لما قال اللي قاله؟"
رفعت رأسها تناظره بصدمة، فقد كانت تريد اخبارهم بذلك ولكنها كانت خائفة من مكروه قد يصيبه على يد أحدهم، وأيضًا تخشى من نوبة عناد قد تجعلها تخسره للأبد.
ولكنها لم تريد أن تخبره بكل هذا حتى لا تثير حنقه أكثر من ذلك، فقالت مخادعة:
"ماهو انت مكررتش طلبك تاني من وقت اللي حصل. فقلت مينفعش افرض عليك وضع ممكن تكون غيرت رأيك فيه.."
لوهلة امتلأ صدره بالغضب تجاهها، ولكنه لاحظ اهتزاز حدقتيها ويدها التي كانت تتحرك بعشوائية.
وطبقًا للغة الجسد الذي يجيده، فقد أيقن كذبها، لذا تجاهل منحنى الغضب وقال بجمود:
"ممكن أعديلك أي حاجة إلا كذبك عليا. بس حظك المرة دي إنك تعبانة، لكن أي كذب تاني مش هتهاون فيه يا فرح."
كرمشت ملامحها بشكل طفولي، عرى روحها التي تفتقد إلى الدلال والحنان، وقالت بشفاه مزمومة:
"أنا كدابة يا سالم."
غزت ابتسامة جميلة ملامحه، ولكنه حاول قمعها ليبدو مازال غاضبًا منها وقال بخشونة:
"أنتِ أدرى... وياريت بطلي شغل العيال الصغيرة ده، لما تقطعي الأكل والشرب محدش هيتعب غيرك."
اغتاظت من فظاظته فقالت باندفاع:
"أتعب ولا أموت بقى أنا حرة."
قاطعها بلهفة غاضبة:
"لأ مش حرة ومتقوليش كده تاني."
عاندته غاضبة مشتاقة لأي بادرة حنان وحب من جهته، فهي مثله ابتلت بكبرياء لعين يمنعها من استجداء عشقه.
"براحتي على فكرة مش هتعرفني أقول إيه ومقولش إيه. بطل شغل الديكتاتورية ده."
"قولتلك قبل كده أنا ديكتاتور. عجبك أو لا فده أمر واقع مش هتعرفي تغيريه."
أشعلت إجابته فتيل غضبها الذي جعلها تقول من بين أسنانها:
"وأنا بقي مش مضطرة أقبل بالوضع ده."
كانت أمامه ككتاب مفتوح يحفظه عن ظهر قلب، فاقترب منها حتى أصبحوا يتشاركون الأنفاس سويًا، وقال بنبرة رغم خشونتها ولكنها اخترقت أعماق فؤادها:
"مش بمزاجك.. كلك على بعضك كده بتاعتي وأنا حر فيكِ أعمل اللي أعمله وأقول اللي أقوله وأنتِ تقولي حاضر ونعم."
كانت كلماته بامتلاكها تشعلان نيرانًا من عشق غزا سائر جسدها، ليناطح بقوة كبريائها الذي أبى عليها الخضوع، فثار عنفوانها وقالت بتحدي:
"ده يعينك. إنك تتحكم فيا وتمشيني على مزاجك يا سالم يا وزان."
كان أكثر ما يجذبه إليها ذلك العنفوان القوي وتلك الروح الثائرة التي تمتلكها، فقام بتطويق خصرها يقربها إليه قبل أن يقول بلهجة تحمل من الغزل ما جعل عظامها تذوب بين يديه:
"وحياة سالم الوزان الحلوة دي لههد الدنيا وأبنيها عشان خاطرك يا فرح."
بعثر كيانها بكلماته العاشقة التي جعلت دقاتها تتقاذف بعنف داخل صدرها، فبللت حلقها الذي جف وقالت بأنفاس مقطوعة:
"يعني مش هتتخلى عني أبد؟"
أجابها بقوة:
"روحي قصاد روحك."
"طب قولي هتعمل إيه؟"
أجابها بغموض لم يروي ظمأ تساؤلاتها:
"اللي بيعمل مابيقولش."
فرح بتوسل:
"طب طمني وحياة أغلى حاجة عندك."
سالم بصرامة:
"وحياتك عندي هاخدك لو من بق الأسد."
كان هذا أكثر ما يشتهيه قلبها في تلك اللحظة، فارسمت أجمل ابتسامة يمكن أن تهديه لقلب متيم بعشقها.
فأخذ يعبئ صدره بأكسجينها الدافئ قبل أن يقول بصوت أجش:
"ضحكتك دي في الوقت ده بالذات خطر عليا أكتر من ضرب النار اللي بره ده."
شهقت متفاجئة حين اخترقت أذنيها عدة طلقات نارية، ولكن جاءت يداه لتكمم فاهها وهو يقول آمرًا:
"من هنا لحد ما ترجعوا البلد مش عايز لسانك يخاطب أي حد وأظن أنتِ فهماني كويس."
اغتاظت من أوامره فقالت مندفعة:
"مابحبش الأوامر بتاعتك دي ولو كانت دي طريقتك في الحوار معايا فأنا بعترض."
كان يعطيها ظهره متوجهًا النافذة وهو يعبث بهاتفه، والتفت يناظرها قائلًا بفظاظة:
"أجلي اعتراضك لما أشوفك المرة الجاية."
انكمشت ملامحها بحيرة تجلت في نبرتها حين قالت:
"اشمعنى المرة الجاية."
ارتسم العبث بنظراته التي شملتها بطريقة بعثت الرجفة إلى أوصالها، خاصةً حين قال بوقاحة:
"عشان هتكوني مراتي ووقتها هعرف أكسر دماغك الناشفة دي أو ألينها.. بطريقتي."
قال جملته الأخيرة بعد أن أرسل إليها غمزة عابثة اخترقت أعماق قلبها وأشعلت بجوفها زوبعة من المشاعر العاتية التي لا يخمدها سوى قربه.
كانت النيران مشتعلة في الحظائر الفارغة بعد أن قام أحدهم بإفراغها من الخيل.
الذي ما أن رأى النيران المندلعة حتى انتابه الذعر وهرول إلى الخارج معلنًا حالة من الهرج والمرج في الأرجاء.
وخرج الجميع لمعرفة ما يحدث، بينما كانت هناك أعين تشاهد ما يحدث بإستمتاع، خاصة حين رأت عمار الذي كان يحاول السيطرة على الخيل الهائج ولكن دون جدوى.
وصارت النيران تشتعل أكثر، فقام عمار بالصراخ في الغفر:
"ابعدوا الخيل عن النار أوعاكوا لاحاجة تتصاب."
وكان ياسين على الجانب الآخر يحاول أن يطفئ النيران عن طريق طفايات الحريق وهو يقول صارخًا:
"اتصلوا بالمطافي بسرعة…"
ولكن ألسنة اللهب كانت وكأنها تعاندهم وتزداد أكثر وأكثر في كل مكان.
والجميع متأهب ومرتعب في محاولة للسيطرة عليها ولكن دون جدوى.
"تحفة.. تحفة يا لولو الأيس كريم طعمه تحفة.."
كان هذا صوت مروان الذي يقف أمام عربته يأكل المثلجات، وعلي يمينه حلا، وعلى يساره جنة، وفوق كتفيه ريتال.
فقد كانت الفتيات تشاركه أكل المثلجات التي كان طعمها أكثر من رائع.
فصاحت جنة قائلة باستمتاع:
"عندك حق يا مروان الأيس كريم ده رهيب."
جاء صوت حلا التي كانت مستمتعة بأكل خاصتها من المثلجات التي كانت بنكهة التوت:
"خلي بالك دي كانت فكرتي. أنا اللي عرفته على المحل ده."
لكزها مروان بيده قائلًا:
"فكرتك آه بس أنا اللي عازمكوا."
سقطت إحدى قطع المثلجة فوق رأسه، فنظر للأعلى قائلًا بسخرية:
"خدي راحتك يا ريتال. لو عايزة ترجعي عبي موجود ياختي. ماهو أنا العبد الصومالي اللي جابهولك أبوكي."
إجابته ريتال بسخرية:
"متقلقش يا عمو واحدة راحتي على الآخر."
مروان بامتعاض:
"خدك ربنا يا بعيدة."
تدخلت حلا تسأله بخبث:
"ألا قولي يا ميرو أومال إيه طقم الحنية اللي شفته النهاردة العصر ده فى الجنينة.. هو الحب القديم صحي تاني ولا إيه؟"
تبدلت ملامحه إلى أخرى مشدودة وقال بغضب:
"إيه يا بت الكلام الأهبل ده؟ طقم حنية إيه وحب قديم إيه؟ هتخبطي في الحلل."
تدخلت جنة قائلة بصياح:
"اسكت انت. إيه ده بجد يا حلا.. مروان بيحب ولا إيه؟"
حلا بتخابث:
"ده واقع لشوشته يا بنتي. أنتِ متعرفيش. ده بيحب…"
"اخرسي يا كلب البحر يا بتاعت الجاز أنتِ بحب مين يا عنيا.."
"سما.. بيحب سما يا جنة.."
هذا كان صوت ريتال التي كانت تلعق المثلجات باستمتاع غير منتبهة لتلك القنبلة التي ألقتها في التو.
فتسمر مروان مصدومًا بما سمعه، فصاحت جنة معترضة:
"إيه ده معقول.. سما. ملقتش إلا سما وتحبها يا مروان."
فاندفعت حلا غاضبة:
"جنة إحنا بقينا حبايب آه لكن سما خط أحمر. سما دي وربنا ما في أطيب منها هي الظروف المنيلة اللي خلتكوا تزعلوا من بعض."
قامت جنة بإرسال غمزة خبيثة إلى حلا، فهدأت الأخرى وتابعت جنة حديثها إذ قالت بتقريع:
"بقي ملقتش إلا البت المصدية اللي شبه البومة دي عشان تحبها."
هنا اهتاج مروان وقام بجذب ريتال من فوق كتفيه وإلقائها بعنف على مقدمة السيارة قائلًا باعتذار:
"لامؤاخذة يا ريتال."
ثم وجه حديثه الغاضب إلى جنة:
"لأ بقي.. أنا ساكتلك من الصبح. هي مين دي اللي مصدية وبومة يا كلب البحر أنتِ.. أي نعم هي كئيبة ونكدية بس مسمحلكيش تغلطي فيها أنا بس اللي أقول عنها كده."
أنهى كلماته وقد فطن للتو إلى حقيقة اندفاعه في الدفاع عنها، ولكن قد فات الأوان فانطلقت الضحكات حوله.
وقالت جنة بمكر:
"بتصيع علينا يا ميرو. مكنش العشم يا راجل."
وتابعت حلا تقريعها حين قالت بسخرية:
"لأ وقال أنا اللي زي الهبلة بحكيله على كل حاجة. اتفضلي البيه بيخبي عليا."
تدخلت ريتال قائلة ببراءة:
"والله قلتله مينفعش تخبي على حلا ولا جنة دول أصحابك. قولتلي استنى لما أشوف ردها الأول."
شهقت حلا وقالت بصدمة:
"إيه ده انت فاتحتها في الموضوع من غير ما أعرف؟"
التفت مروان يناظر ريتال بغضب ثم قال بحسرة:
"أروح منك فين فضحاني في كل حتة. مبستريش عليا أبدًا."
"تستر على مين ده إسماعيلية كلها هتعرف النهاردة.. اتفضل جاوب."
كان هذا حديث جنة الذي جعله يطلق الهواء المكتوم بصدره دفعة واحدة قبل أن يقول باختصار:
"مفيش حاجة تتحكي أنا لمحتلها وخلاص."
أوشكت حلا على الحديث فصاح غاضبًا:
"ولا كلمة وربنا ما هقول حاجة تاني. ويالا انجروا قدامي على البيت. أنا ناقص عنيكوا المدورة دي ترشقلي في الموضوع تجيبه نصين."
وبالفعل قام بإيصال جنة التي ما أن وصلت إلى مزرعتهم حتى تفاجأت من مشهد الدخان الذي يلون سماءها.
وما أن همت بالذهاب لمعرفة الأمر فإذا بها تجد يد قوية تطوق خصرها وأخرى تكمم فاهها وصوتًا خافتًا يتسلل إلى أذنيها بوعيد ذو نبرة رقيقة:
"رايحة فين.. بينا حساب لسه مصفناهوش.."
حلت نهاية الأسبوع وقد كان الجميع يتأهب لتلك الزيارة التي ستضع النقاط فوق الحروف.
وأخيرًا وصلت السيارات أمام منزل عبد الحميد الذي كان ينتظرهم على باب القصر.
ولكنه تفاجئ بكل تلك السيارات التي كانت تحمل ما لذ وطاب أكثر بكثير مما كان يتوقع.
وقد شاع في البلد بأكملها بأن ابن عائلة عمران سوف تتزوج بابن أخ صفوت الوزان مدير أمن المنيا.
لا يعرف كيف تسرب الخبر ولم يكن هو من سربه، فشعر بشيء يحاك من خلف ظهره ولكنه أتقن إخفاء شكوكه وقام بالترحيب بضيوفه قائلًا بصوت جهوري:
"يا مرحب. يا مرحب.. شرفتونا ونورتونا.."
"نيرة بأهلها يا حاج عبد الحميد."
هكذا أجابه صفوت ليقول عبد الحميد بمزاح:
"تسلم يا صفوت بيه.. بس مكنش له لزوم تكلفوا نفسيكوا أكده."
تدخل سالم قائلًا بمكر:
"كل واحد بيجيب قيمته يا عمده. وبعدين إحنا جبنا على قد ما هناخد. ولا أنت بخيل."
قهقه عبد الحميد قبل أن يقول بمزاح:
"عارفين إنك تجيل يا سالم بيه. وقيمتك أكبر بكتير. وأنت بردك عارف كرمنا إزاي.. اتفضلوا."
بالفعل دخل الجميع إلى البيت الكبير ونُقِلت الهدايا إلى داخل المنزل وسط نظرات ذهول من الفلاحين.
ف لأول مرة يروا زيارة بمثل هذا الحجم وكأنها إحدى المعونات التي تبعث للدول المعدومة.
فقد أتقن سالم لعبته كثيرًا للحد الذي جعل عبد الحميد يشك فيما يحدث حوله، خاصةً نظرات سالم التي كانت تحمل الكثير.
وقد صح ظنه حين سمع صفوت الذي قال بوقار:
"يا حاج عبد الحميد إحنا جينا النهاردة عشان نطلب إيد بنتي فرح لابني سالم قولت إيه؟"
برقت أعين جميع الموجودين من حديث صفوت الذي كان كدلو من الماء سقط فوق رأس عبد الحميد الذي قال بذهول:
"مش ده اتفاجنا جبل سابج يا صفوت بيه. إحنا كان كلامنا كله على جنة."
صفوت بمجاملة:
"ماهو إحنا بصراحة يا حاج عبد الحميد ملقناش أحسن من نسبكوا وقلنا ناخد الأختين. إنتوا تشرفوا أي حد."
كانت محاولة جيدة منه لإحراج عبد الحميد الذي تأكدت ظنونه الآن، وقد حمد ربه كثيرًا حين جنب حفيده تلك المقابلة.
فهو يعلم بأنه لو كان موجودًا لاحترق المكان بأكمله، ولكنه آثر استخدام الحكمة حين قال:
"تسلم يا صفوت بيه.. وأني على عيني أرفض طلبكوا. بس البنت مخطوبة."
هنا تدخل سالم الذي قال بفظاظة:
"وده من إمتى يا حاج عبد الحميد؟"
أجابه عبد الحميد بجفاء:
"وده يخصك في أي؟ جولتلك البنت مخطوبة.. وده المفيد."
تشابهت عينيه مع نبرته الجامدة حين قال:
"لأ يخصني. البنات في يوم من الأيام كانوا تحت حمايتي ويهمني أمرهم. عشان كده بسألك. ولا أنت إيه رأيك؟"
علم جيدًا أين يضربه، فقد كانت الغرفة تعج بالحاضرين من أقربائهم ورجال البلد، فقد كان هذا طلبه أن يأتي بأهله جميعًا لطلب يد ابنتهم وقد نفذ ما أراد واستغله لصالحه.
فعبد الحميد لن يجازف بالخوض فيما حدث أمام كل هؤلاء الناس، ولكنه أيضًا لم يرضخ لاستغلاله.
وما أن أوشك على إجابته حتى تدخل صفوت لتهدئة الموقف قائلًا بوقار:
"يا حاج عبد الحميد إحنا جايين وقصدنا خير. وأنت طبعًا متكرهش الخير. وزي ما عملت مع بنتي حلا هعمل مع بنتي فرح ولا أنت إيه رأيك؟"
انكمشت ملامح عبد الحميد بالغضب وقال ساخطًا:
"تصدق إيه!"
تدخل سالم قائلًا بصرامة وعينين تملؤها الشماتة:
"نسألها."
صاح عبد الحميد معارضًا:
"كلام إيه اللي عم تجوله ده؟"
تدخل صفوت قائلًا:
"هو ده الصح يا حاج عبد الحميد زي ماعملنا مع حلا نعمل مع فرح. نسألها والرأي الأول والأخير ليها."
هنا ارتسم الغضب على ملامح عبد الحميد الذي تجاهله وقال بوعيد:
"وأني موافج.. خلونا نشوف رأيها إيه. بس أوعاك تزعل لو جالت لاه إني حاولت أفاديك الإحراج."
شعر سالم بشيء خلف حديثه ولكنه تجاهل شكوكه وقال بقوة:
"لأ متخافش عليا.. أنا مستعد لأي حاجة."
"وماله.. هجوم آخذ رأيها وأرجعلك."
تحرك عبد الحميد إلى الداخل تاركًا خلفه سالم الذي أخذت تتقاذفه الظنون وصارت الدقائق تلدغه بكل ثانية تمر بها.
إلى أن أتى عبد الحميد الذي كانت ملامحه غامضة لا تفسر، ومن ثم قام بإلقاء قنبلته الذي دوى ضجيجها في صدره ووووو
رواية بين غياهب الاقدار "في قبضةالاقدار الجزء الثاني" الفصل الثاني عشر 12 - بقلم نورهان العشري
دعيني أخبرك شيئًا. إن روحي لا تزهر أبدًا سوي معكِ. عيناي لا تضيء إلا بالنظر إليكِ. أضلعي لا تكتمل إلا بكِ. خلقت بي عشق من نار لا يطفئها سوى قربك. ذلك الشق الناقص بروحي لم يرممه أحد سواكِ. لذا فإن كان طريق الوصول إليكِ مستحيلًا فأخبري ذلك المستحيل أنني قادم.
شعر سالم بشيء خلف حديثه ولكنه تجاهل شكوكه وقال بقوة:
"لا تخف عليّ. أنا مستعد لأي شيء."
"وماله. هجوم آخذ رأيها وأرجع لك."
تحرك عبد الحميد إلى الداخل تاركًا خلفه سالم الذي أخذت تتقاذفه الظنون وصارت الدقائق تلدغه بكل ثانية تمر بها. إلى أن أتى عبد الحميد الذي كانت ملامحه غامضة لا تفسر. ومن ثم قام بإلقاء قنبلته الذي دوى ضجيجها في صدره حين قال بلهجة خشنة وملامح بدا عليها الامتعاض:
"العروسة وافقت."
**عودة لما قبل عشر دقائق.**
جالسة في الغرفة الخاصة بشقيقتها وكل خلية بجسدها ترتجف من فرط الانفعال والترقب. فالخدم ما انفكوا يتحدثون عن تلك الزيارة الهائلة التي أتوا بها الخاطبين على ديار العائلة. وقد كان من المتوقع أن يتم خطبة أختها أمام أهل البلد وكبارها. ولكن ماذا عنها؟
لأول مرة تثق بشخص بتلك الدرجة. ولكن الكلمات توقفت على أعتاب شفتيها حين وجدت السؤال: ماذا عنها؟
وعدها وتصدقه. تعلم بأنه سيفعل المستحيل لأجلها. ولكن هل يتضمن ذلك المستحيل أن تصبح هي الأخرى عروسًا له في أقرب وقت؟
يا لسخرية القدر. فمنذ بضعة أسابيع كانت تهرب منه ومن عشق جارف يتخلل قلبها إليه. والآن تتلهف على خطوة بسيطة قد تقربها منه! ولما لا؟ فقد ذاقت حنانًا بين أضلعه لم تختبره طوال حياتها. حنان جعلها كالمدمن الذي يريد جميع جرعات مخدرة دفعة واحدة حتى تغمره نشوة الحب ويغرق في بحور السعادة التي لم تختبرها مسبقًا.
ما يزال هناك الكثير من الألم والندوب تحتاج إلى بلسم قربه ليرممها. وأيضًا تلك الندبة الكبيرة التي شوهت قلبها ذات يوم. كان قربه الدواء الفعال لزوال أثرها.
شقها الروحي الذي تساقطت منه حروف اسمها دون أن تتذوق منه رشفة واحدة. كانت تحتاج أصابعه الحانية لتحيكها بخيوط من عشق هو الوحيد القادر على إعادة هيكلة كيانها المبعثر.
زفرة قوية خرجت من جوفها مصحوبة بتيارات ندم جارفة على كل لحظة استسلمت لخوفها الذي أبعدها عنه. ولكن شيئًا ما بداخلها ذكرها بكلمته التي كانت كالبلسم على روحها الملتاعة:
"روحي قصاد روحك."
جملة كانت أكثر من كافية لجعلها تهدأ لثوانٍ وكأنها مخدرًا قويًا سرى في أوردتها. مما جعلها تغمض عينيها متنهدة براحة وداخلها يردد:
"يا الله لا تختبر قلبي بخسارته فإنه على روحي عزيز…"
مازالت مغمضة عينيها حين ردد قلبها بتوسل:
"أرجوك يا سالم لا تتخلى عني.."
أخرجها من بحر هواجسها وتخبطاتها طرقة قوية على باب الغرفة جعلتها تهب من مكانها. وخاصةً حين وجدت جدها يطل من الباب بهيبته التي لطالما بعثت الرهبة إلى أوصالها. إضافة إلى نظراته التي كانت قاتمة بشكل مخيف تشبه لهجته حين ألقى قنبلته على مسامعها:
"كنتِ عارفة أن ابن الوزان جاي يطلب يدك اليوم؟"
هبت فرح من مكانها لدى سماعها كلمات جدها التي كان وقعها كالقنبلة التي دوى طنينها بقلبها. فأشعرتها لأول مرة بأنها بكماء لا قدرة لها على الحديث. الذي تولته جنة حين تدخلت قائلة:
"حضرتك تقصد مين يا جدي؟ أنا ولا فرح؟"
تجاهل حديثها بينما كانت نظراته مصوبة على فرح التي حاولت استجماع شجاعتها وبللت حلقها قبل أن تقول بلهجة مهتزة:
"لو تقصدني أنا فـ لا، ما كنتش أعرف."
عيناها لم تكن مهتزة كـ لهجتها فشعر بصدقها. ولكن تجاهله حين قال بفظاظة:
"أكده يبقى اطلع أبلغهم رفضك.."
خرج الحديث من أعماق قلبها الذي ارتعب من فقده:
"بس أنا موافقة.."
التفت عبد الحميد يناظرها بغضب تجلى في نبرته حين قال:
"يبقى كنتِ عارفة وبتكذبي عليّ!"
أخذت نفسًا قويًا خبأته بداخل صدرها الذي تزاحم به الخوف والألم معًا. واستدعت شجاعة كانت سلاحها لسنوات قائلة بلهجة ثابتة:
"أنا ما كذبتش عليك لما قلت معرفش إنه جاي يتقدملي اليوم. لكن كنت متأكدة إنه هيعمل كده في وقت من الأوقات.."
كلمة واحدة خرجت من جوفه الغاضب:
"بينك وبينه آية؟"
بشجاعة أجابته:
"تقصد اللي في القلب ولا تقصد اللي برا؟"
تحرك خطوة تجاهها اهتزت لها داخليًا. وخاصةً حين قال بصوت مرعب:
"الاثنين!"
"أنا مشوفتش منه غير كل حاجة كويسة. حمانا في أكثر لحظات ضعفنا. مسمحش لحد يتحكم فينا أو يبهدلنا. حاول على قد ما يقدر إنه يصلح خطأ ما كانش له ذنب فيه. كل اللي بينا واللي شوفته منه إنه راجل يعتمد عليه. ده لو بتسأل على الظاهر واللي حصل. أما اللي جوايا له فأنا أتمنى فعلًا إني أكون مراته. والوحيد اللي هأوافق إني أتزوجه."
كلماتها لامست شيئًا داخل قلبه تجاهله وهو يقول بنبرة قوية:
"اللي بتقوليه ده صح. وأنا موافق عليه. بس أنا مختار لك زينة الشباب. اللي ما تشوفيش في شهامته واصل.."
تحدثت معاندة:
"بس أنا اخترت سالم.."
زمجر معترضًا:
"إيه ده عن ولد عمك؟"
هنا انفتح باب الغرفة وأطل منه عمار بهيئته الضخمة وملامحه الواجمة يتوجها عينين قاتمة لم تفلح في إرهابها. بل على العكس عززت من شجاعتها حين قالت:
"القلب وما يريد يا جدي. وأنا قلبي اختار سالم الوزان ومش عايزة راجل غيره.."
كانت جملتها على كرامته تشبه صفعته على وجنتها ذلك اليوم. فهي تفضل آخر عليه حتى لو لم يكن يحمل لها عشقًا خاصًا. ولكن رجل مثله يأبى كبرياؤه المقارنة بشخص آخر. ناهيك عن خسارته النكراء أمام غريمه. ولكنه ابتلع جمراته الحارقة وأردف بسخرية:
"من امتى واحنا بناخدوا رأي الحريم يا جدي في الأمور اللي زي دي..؟"
زفر عبد الحميد بغضب فالأمور خرجت عن سيطرته. ولكنه لم يحسب حساب لـ فرح التي أرادت سكب النيران فوق بركاته الثائر. لذا قالت بشجاعة:
"لو كانت الأرض هي اللي مانعاك توافق على جوازي من سالم يا جدي فأنا متنازلة عنها.."
برقت عيني عمار فقد كان يعلم بتحديها له وبرغبتها في إغضابه. فهي تضحي بالغالي والنفيس لأجل ذلك السالم. وما أن أوشك على الحديث حتى جاءه صوت عبد الحميد الصارم:
"اجفلي خشمك يا فرح. أرض إيه اللي هتتكلمي عنها؟! أنا عايز مصلحتك أنتِ وأختك.."
في خضم نزالها مع عمار شعرت بأن كلماتها آذت جدها. فاقتربت منه قائلة بصوت رقيق متوسل:
"أنا آسفة يا جدي مقصدتش. بس."
قاطعها غاضبًا:
"مفيش بس. الحديث خلص خلاص.."
التفت ينتوي المغادرة فاستوقفته كلماتها المتوسلة حين قالت:
"ورحمة أبويا يا جدي ما تظلمني…"
تجمد بمكانه إثر رجائها غير المتوقع والتفت يناظرها بعينين لم تستطيع رد توسلها أبدًا. فلاح بهما الحنان لوهلة قبل أن يقول بصرامة:
"ورايا يا عمار."
**عودة للوقت الحالي.**
لحظة توقف الزمن حوله. فقد كان يتوقع خوض حربًا ضارية أمام ذلك العجوز الداهية لانتزاعها من بين براثنه. ولكن أن تأتي الموافقة على طبق من ذهب هكذا شيء جعل عقله يعمل في جميع الاتجاهات. فمن الواضح بأن مهرته قد تحلت بشجاعتها ووقفت مدافعًة عن عشقهما. ولأنه كان عشقًا جارفًا لا يعرف الحدود فقد أراد في تلك اللحظة رؤيتها حتى يقبل تلك الشفاه الرائعة التي أعلنت قبولها الصريح ولم تهاب أحد.
"مليون مبروك يا حاج عبد الحميد. إحنا زدنا شرف والله."
هكذا تحدث صفوت الذي صاح بتهليل يهنئ عبد الحميد. الذي بدوره كان متجهمًا. لتأتي كلمات سالم المطمئنة. فقد حمل له بعض الامتنان لكونه لم يقهر حفيدته ولم يرغمها على شيء لا تريده.
"فرح في عيني يا حاج عبد الحميد. اتأكد إنها في إيد أمينة."
نظراتهم كانت تحمل الكثير. وقد تفهم عبد الحميد أن ذلك الرجل بالرغم من شهامته ومروءته يحمل الكثير لحفيدته. وبالنهاية هو لا يريد سوى سعادتها. لذا تجاهل كل شيء واقترب قائلاً:
"بس كده المهر هيبقى غالي قوي يا سالم بيه. يعني عروستين من عندنا خبطة واحدة."
ابتسم سالم قائلاً بثقة:
"وأنا رقبتي سدادة. اؤمر."
تدخل صفوت قائلاً بمجاملة:
"كنوز الدنيا كلها تحت رجليكم يا حاج عبد الحميد. وعيلة الوزان معروفة على إيه."
عبد الحميد بوقار:
"تسلم وتعيش يا صفوت بيه. وعشان انتوا ناس محترمة هنديكوا بناتنا."
تدخل سالم قائلاً بخشونة:
"قبل أي حاجة إحنا عايزين نعجل بالفرح يعني أقصى حاجة الأسبوع الجاي."
انكمشت ملامح عبد الحميد بحيرة تجلت في نبرته حين قال:
"وليه العجلة؟ ما قولنا آخر الشهر."
صفوت بتعقل:
"مدام كل حاجة خلصانة وكل طلباتك مجابة يبقى ليه نأجل. الولاد عايزين يستقروا وأظن ده ما يزعلكش ولا إيه؟"
انفتح الباب وأطل كل من ياسين وعمار. الذي ألقى السلام بينما عينيه تقتنص ذلك الذي ناظره بغضب قاتم ازدادت شراسته حين قال:
"وه. كلام إيه ده يا معالي الباشا. هي مش كل حاجة عايزة ترتيبات ولا إيه؟ دا جواز مش سلق بيض."
تجاهل سالم حديثه قاصدًا تهميشه. وهو ينظر إلى عبد الحميد الذي قال بتفكير:
"أنا معاك يا سالم بيه إنك عايز تعجل وده رأيي. بس كل حاجة زي ما قال عمار لازملها ترتيب."
لم تتغير ملامح سالم إنما قال بنبرة فظة:
"مابحبش أعيد كلامي مرتين يا حاج عبد الحميد. كل اللي عليك تطلب وأنا هنفذ. ويا ريت ننهي أي جدل ملوش لازمة."
احتد عمار في الحديث حين قال:
"وإحنا لازم نفكروا زين قبل ما ناخدوا أي خطوة. إحنا ما بنرميش بناتنا ولا إيه يا حضرات؟"
لم يتيح الفرصة لأحد للحديث. فقد ناظره شذرًا وهو يقول بلهجة مهينة:
"لما تحب يكون لك رأي ابقى احضر قاعدة الكبار من أولها. إحنا خلاص اتفقنا."
انتفخت أوداجه غضبًا. وما أن هم بالرد حتى جاء حديث سالم القاطع لـ عبد الحميد حين قال بفظاظة:
"تحديد المواعيد ده راجع لينا وإحنا زي ما قلت جاهزين. لو انتوا مش جاهزين أو طلباتنا تقيلة على دكتور ياسين يبقى نشوف وقتها."
نجح في غرس سهم في منتصف الهدف. فقد اكفهرت ملامح عبد الحميد الذي هب قائلاً باعتراض:
"كلام إيه ده اللي بتقوله. إحنا رجالتنا سدادة ودكتور ياسين كد الدنيا ولو على الفرح أنا موافق الخميس الجاي."
اتبع مبدأ طرق الحديد وهو ساخن إذ قال بفظاظة:
"الفرح هيتعمل هنا احترامًا لظروفنا. وأنا وسليم في آخر اليوم كل واحد هياخد عروسته وهيمشي."
عبد الحميد بوقار:
"موافق. بس زي ما قلت قبل كده هنعملوا فرح يليق بينا."
سالم بخشونة:
"اعمل اللي يعجبك. وأي مصاريف أنا متكفل بيها."
عبد الحميد بسخرية:
"يعجبني فيك غرورك بنفسك يا سالم بيه. يمكن متعرفش عاداتنا."
سالم بثقة:
"عارف. وموافق. واللي بتسميه غرور ده ثقة بالنفس. رحم الله امرئ عرف قدر نفسه."
انتهت الجلسة وجاءت بنتائجها المرجوة. وظفر المحارب بأقوى معاركه. ولكن تبقى انتقام لروحه التي اهتزت بوجع المحبوب. فحين هم الجميع بالمغادرة اقترب بعينيه القائمة التي تخفي غضب مدمر وبهسيس مرعب قال بجانب أذن عمار:
"مستنيك النهاردة الساعة 9 بالليل عند شجرة التوت اللي في آخر أرضكم."
صُدم عمار من حديث سالم. الذي لم يزد كلمة واحدة. بل رفع رأسه بشموخ وهو يغادر تاركًا خلفه عمار الذي كان يتخبط بأفكاره.
في غرفتها تنتظر إعلانًا. إما ببقائها على قيد الحياة ولكن تلك المرة ستكون حياة حقيقية. أو بموت محتم إن افترقت عنه. ولكن لم يدم خوفها كثيرًا فقد اندلعت أصوات الزغاريد من الأسفل. فهرولت الفتاتان للخارج لرؤية ما حدث. فإذا بالرجال يخرجون من غرفة المكتب وعلى رأسهم عبد الحميد. الذي أطلق أوامره للخدم حتى تتعالى أصوات الفرحة في القصر. فأخذت تهاني تزغرد فرحة وهي تقترب منهما وتقول بحبور:
"مبروك يا جنة. مبروك يا فرح. والله ودخل الفرح بيتنا من تاني."
لدى سماعه اسمها لم يستطع سوى أن يلتفت برأسه ليرسل إليها نظرة عاشقة راضية اخترقت قلبها. الذي أصبح يشعر به دون حديث. فهي تعلم مقدار رضاه وفرحته حين حاربت لأجل عشقهما. فالمعركة لم تكن سهلة. ولكن المحارب كان شجاعًا استند على ذخيرة قوية. ولهذا كانت النهاية الانتصار على قيود القدر التي أحكمت تطويق قلوبهم لسنوات طوال.
***
جاء المساء في هذه القرية الهادئة التي لم يتناسب هدوؤها مع ضجيج قلوبهم. وخاصة تلك التي كانت تحارب عشقًا جارفًا يغزو كيانها بجموح أرهبها بقدر ما ترهبها نفسها التي ذاقت الويلات جراء تلك الكارثة التي ضربت حياتها. فأودتها إلى قاع جحيم مستعر. تجاهد بكل قواها حتى تخرج منه. وطوق نجاتها الوحيد يكن في يد لطخت بدماءها. فهل تستطيع نسيان جرحه وإهانته المؤلمة لها أم ستظل في جحيم عذابها هذا إلى الأبد.
زفرت بتعب وهي تتذكر ما حدث قبل عدة أيام. تحديدًا يوم الحريق الذي اشتعلت نيرانه من قلوب امتزج بها الغضب والشوق معًا.
**في وقت سابق.**
ترجلت من السيارة بأعين مذعورة تشاهد هذا الدخان الكثيف الذي يحلق في سماء مزرعة عمها. وما كادت أن تخطو خطوة إلى داخل البوابة حتى تفاجأت بذراعين تطوقان خصرها من الخلف. وصوت خافت أصبحت تحفظ تردداته عن ظهر قلب اخترق مسامعها حين قال:
"رايحة فين؟ لسه بينا حساب لسه مصفناهوش."
تجمدت جميع خلاياها من فرط صدمتها حين شعرت بوجوده ويده المطوقة خصرها بقوة لم تؤلمها بل جعلتها تترك له نفسها. حين اختفى بها في أحد الأشجار الكثيفة. ومن ثم ترك فمها الذي كانت تكممه يداه. وقام بإدارتها إليه وهو يناظرها بعينين يملؤها العشق واللهفة معًا. فبدت لامعة تحت ضوء القمر الذي يتسلل بخفوت بين غصون الشجر. فكان المشهد يبدو رائعًا لمن يراه من بعيد. وخاصة حين أضاف بلهجة خشنة تحمل شوقًا كبيرًا:
"عاجبك شغل الهجامة اللي إحنا فيه ده؟ بقالي أسبوع مش عارف أوصلك؟"
تجاهلت عتابه الخشن ولهفته التي كانت تلون ملامحه وقالت بسخرية:
"والله قول لنفسك. إيه اللي بتعمله ده؟ مفكر إنك كده هتجبرني أتكلم معاك؟"
تغلبت طبيعته الغاضبة على تعقله فصاح مغلولًا:
"إنتِ لسه لحد دلوقتي مشوفتيش إجبار."
عاندته غاضبة:
"ولا هشوف. ولا عمرك هتقدر تجبرني أصلًا."
أكد حديثها قائلًا بفظاظة:
"في دي عندك حق. مش سليم الوزان اللي يجبر واحدة عليه."
استفهمت مستنكرة:
"والله. اللي بتعمله ده اسمه إيه؟"
فاجأها حين قال بنبرة أهدأ قليلًا:
"اسمه إني شايف قلبك وعارف اللي جواه. أنا مش صغير وأقدر أفرق بين الرفض والخوف. الخوف اللي مانعك تسلميلي وتعترفي بمشاعرك ناحيتي."
أوشكت على معارضته فتابع بلهجة قاطعة:
"متكابريش يا جنة. عينيكِ معرياكِ. ومخليني شايف قلبك كويس قوي. أنا هقولك كلمتين ملهمش علاقة بيا. إنتِ مش وحشة والغلط ما كانش عندك. إنتِ كنتِ ضحية. بلاش تغيري طبيعتك وشخصيتك بسبب اللي حصل."
صاحت بقهر:
"ولما يتكرر تاني هتنفعني طبيعتي وشخصيتي بإيه؟"
قاطعها بصرامة:
"مش هيحصل أبدًا."
"وإيه اللي يضمنلي إني ما أتأذيش تاني؟"
امتدت يداه تمسكها من مرفقيها بقوة تجلت في نبرته حين قال وعيناه مسلطة كشعاع على خاصتها:
"عشان أنا موجود. وعمري ما هسمح لأي حاجة أو أي حد إنه يأذيكِ."
ارتج قلبها لتصريحه القوي ونبرته التي كانت مطمئنة بطريقة كبيرة جعلتها عاجزة عن الحديث. ليتابع هو بخشونة:
"أنا مش عايزك عشان أصلح أخطاء اللي قبلي. أنا عايزك عشان محتاجك زي ما أنتِ محتاجاني."
انكمشت ملامحها بألم كان صداه حارق بقلبها وتجلى في نبرتها حين قالت:
"محتاجني عشان أداوي الجرح اللي جرحتهولك ست مروة صح؟"
تبدلت معالمه للدهشة التي تجلت في نبرته حين قال:
"مروة! وإنتِ إيه عرفك بمروة؟"
"مش مهم. المهم إني عرفت."
تجاهل غضبه وقال بفظاظة:
"طب ما تخلي عندك الجرأة وقولي اللي جواكِ بدل ما ترمي الكلام وخلاص؟"
عاندته بتهكم:
"لما تخلي عندك الجرأة و تقول انت فعلًا كنت على علاقة بيها وحبيتها ولا لأ؟"
صمت دام لثوانٍ اتبعه زفيرًا حارقًا خرج من جوفه. وكعادة رجل مثله يتخذ من الصدق مذهبًا طوال حياته أجابها بلهجة قاطعة:
"أيوه حبيتها."
لم تتفاجأ بقدر ما تألمت من تصريحه وارتسم ألمها على ملامحها. فقد كان اعترافه موجعًا بحق. ولكنه تابع بخشونة:
"في يوم من الأيام مشاعري ناحيتها كانت قوية لدرجة إني فكرت اتجوزها. وهي كمان حبتني أو ده اللي قالته وقتها. بس لما اتعارض الحب ده مع مستقبلها وكريرها قعدت تماطل وأنا ما بحبش كده."
أردفت بسخرية مريرة:
"قمت سايبها!"
أيدها قائلاً بقوة:
"أيوه سبتها. ومش ندمان. كان ممكن أحترمها لو كانت واضحة وصريحة. بس هي ما كانتش كده. بالعكس كانت شخص متلون ومراوغ لأقصى درجة. وده اللي خلاني ما ندمتش لحظة عليها."
تابع وقع حديثه على ملامحها التي ارتخت قليلًا وتابع بقوة:
"مفيش علاقة في الكون ممكن تنجح وهي تفتقر الثقة يا جنة. وهي هزت ثقتي فيها."
استفهمت بقلب مرتعب:
"عندك حق. بس يعني لما جت؟ واعتذرت ليه مسامحتهاش؟ مش يمكن تكون اتعلمت من غلطها."
بلهجة قوية كـ نظراته تمامًا أجابها:
"فات الوقت. خلاص مبقاش ليها جوايا اللي يخليني قادر حتى أبص في وشها. علاقتي بمروة كانت علاقة فاترة. لما انتهت أنا حتى ما اتألمتش. مش هنكر افتقدت مشاعر معينة بس ما اتأذتش. وده معناه حاجة واحدة."
"إيه هي؟"
هكذا استفهمت بلهفة فأجابها بنفس لهفتها:
"إنها ما كانتش مشاعر قوية بالدرجة اللي تخليني أسامحها وأقبل إني أرجع لها."
كانت تود لو تستفهم بملء صوتها وتقول:
"أهكذا فقط؟"
ولكنه استفهام أبى الخروج من بين شفتيها التي ذمتها بألم تجلى في عينيها التي كانت مرآته لقلبها. فتابع بنبرة أجشة:
"الحب اللي بجد هو اللي يخلي شخص واحد تقف حياتك عليه. فراقه يعني موتك."
توقف وعيناه تتابع وقع كلماته عليها وتابع بلهجة صادقة:
"والشخص ده هو إنتِ يا جنة."
ارتج قلبها واهتزت أضلعها التي تحمله جراء تصريح رائع بالحب لم تجرؤ على توقعه يومًا. فانهالت عبراتها تأثرًا واهتز جسدها بين يديه التي احتوتها بضمة قوية كانت أكثر من محببة لها. فأطلقت العنان لمشاعرها المكبوتة للخروج على السطح. فجاءت كلماته الحانية لترمم ثقوبًا وتصدعات شوهت روحها:
"خرجي كل اللي في قلبك. عيطي لو ده هيريحك. املي الدنيا صريخ وأنا هسمعك. بس أوعي تكتمي ألمك جواكِ أكتر من كده."
فعلت مثلما أخبرها. فأخذ بكاؤها يرج غصون الأشجار حولهم. ومع كل شهقة كانت تخرج من جوفها يزداد تعلقه بها أكثر. حتى صارت وكأنها جزء من جسده، شقًا من روحه، قطعة من قلبه المتيم بعشقها والذي اخترق جميع دوافعها. فوجدت نفسها تهمس باسمه:
"سليم."
اخترق همسها قلبه. فقام برفع وجهها يحيطه بكفوفه الحنونة وهو يقول بهمس:
"عيونه."
أجابته بلوعة:
"أنا خايفة أوي. خايفة من كل حاجة. خايفة أقرب من ابني لأخسره. خايفة لا المرض ده يكون عقاب من ربنا ليا عشان غلطتي. خايفة أتعلق بحياة جديدة تنتهي بكارثة زي ما حصل قبل كده. إحساس الخوف ده هيموتني وأنا مش قادرة أعيش بيه أبدًا."
كلماتها الملتاعة كانت أشبه بالجمر على قلبه الذي انتفض بداخله أضلعه ألمًا وعشقًا تجلى في نبرته حين قال:
"أوعي تخافي وأنا موجود."
تابع ويداه تمسد أكتافها المرتجفة متابعًا بقوة:
"ابنك ده هدية ربنا ليكِ وهيتربي في حضننا. ربنا له حكمة في كل حاجة حصلت. الطفل اللي مش قادرة تقربي منه ده لولاه ما كنتيش اكتشفتي حقيقة مرضك وهو لسه في أوله. اللي هو ابتلاء من ربنا وهتصبري عليه عشان إنتِ قوية وعشان ربنا بيحبك. ربنا بيبعت البلاء للي بيحبهم."
أيدته قائلة:
"أنا عارفة. بس."
قاطعها بحكمة:
"مفيش بس. في الحمد لله على كل حاجة تيجي من عند ربنا. وتبقي قوية عشان إنتِ أحسن من غيرك كتير. إنتِ جنبك ناس كتير بتحبك. أهلك وأختك وابنك وأنا."
تعمقت نظراتها أكثر بعينيه التي اقتربت أكثر. فأسند جبهته فوق خاصتها قائلًا بصوت أجش:
"إنتِ غالية أوي يا جنة. أغلى عندي من روحي. وجودك يعني إني عايش. وألمك ده بيفتت قلبي."
أنهى جملته واضعًا قبلة حانية على أرنبة أنفها قبل أن يتابع بصوت مغلفًا بلهيب الصبوة:
"خليكِ قوية وأنا إيدي في إيدك لحد ما نعدي كل حاجة سوا."
"هتصبر عليّ؟"
كلمة واحدة منها كانت لها وقع القنبلة على مسامعه. فتراجع يناظرها بلهفة تجلت في نبرته حين قال:
"بالرغم من إن سليم الوزان عمره ما عرف يعني إيه صبر. بس إنتِ تستاهلي إني أتعلمه عشانك."
"سليم الوزان اختار يدخل النار برجله."
هكذا أجابته في محاولة للوصول إلى أقصى مراحل الأمان بقربه. فتفهم على الفور مقصدها فأجابها بخشونة:
"اعتبري سليم الوزان ده ملكك بكل ما فيه. قربي وملكش دعوة."
"تقصد إيه؟"
"إيه رأيك تعتبريني صاحبك. اللي بتحكي له على كل حاجة تخصك. فرحك، حزنك، ألمك، كل حاجة."
أبهرتها كلماته التي انهالت عليها كسيل من المياه العذبة لتروي تربة تصدعت من فرط الجفاء. وخاصة حين أكمل:
"اعتبريني البحر اللي بترمي فيه كل مشاعرك."
أجابته بنبرة مرتجفة:
"وأفرض فهمت كلامي غلط."
"استحالة. أنا شايف قلبك. وعارف اللي جواه. ومبسمعش غير له. أي كلام تاني مش هيهزني."
انكمشت ملامحها بحيرة. كل ما بداخلها ينطق بالموافقة إلا من شعور دخيل يمنع الكلمات من أن تغادر حدود شفتيها. ولكنه تفهم ما يحدث فقال بتفهم:
"متجاوبيش دلوقتي. خدي وقتك وأول ما قلبك يقنعك كلميني. قوللي عايزاني. وأنا هاجيلك لو من آخر الدنيا."
رغمًا عنها ارتسمت ابتسامة جميلة على شفتيها أضاءت له عمرًا بأكمله. فاقترب بترو واضعًا قبلة هادئة فوق عينيها اليمنى. ثم انتقلت شفتيه إلى العين اليسرى ناثرًا عشقه فوق بحرها الأسود اللامع. فخرجت لهجتها مهتزة حين قالت:
"بتعمل إيه؟"
بملامح عاشقة وعينين تلتهمان حسنها التهامًا أجابها:
"بوثق اتفاقي بيني وبين قلبك."
**عودوا للوقت الحالي.**
هبت من مجلسها تنوي بدأ حياة جديدة معه. فقد أضناها العذاب واكتفت من دفع ثمن خطأها غير المقصود. وبالفعل قامت بسحب هاتفها لتراسله. ولكنها احتارت ماذا تكتب؟ هل تخبره بقرارها برسالة لن تحمل مقدار ذرة من مشاعرها التي تجتاح قلبها كالطوفان. أم تخبره وهي تنظر إلى داخل عينيه؟
ظلت تدور بغرفتها غير قادرة على اتخاذ القرار. ولكنها توقفت فجأة حين تذكرت كلمته التي كانت أكثر من كافية للتعبير عن جميع مشاعرها التي لن تستطيع الإفصاح عنها.
فقامت على الفور بتدوين ما تريد. والذي اختصرته في عدة حروف بسيطة:
"عايزاك."
ما أن همت بإرسالها حتى تعالت صوت بكاء بجانبها. والذي لم يكن سوى طفلها محمود. الذي كانت تخشى كثيرًا الاقتراب منه. فكانت تتركه الوقت بأكمله إما لشقيقتها أو لزوجة عمها للاهتمام به. ولكنهم الآن غير متواجدين والصغير يبكي بحرقة. رق لها قلبها. فاقتربت منه بخطى سلحفية لتجده يتلوى بسريره. وجهه محمر بشدة وملامحه الجميلة مكفهرة بطريقة توحي بأنه يتألم. ودون أن تشعر ساقها قلبها إليه. فقامت بمد يدها المرتجفة تتحسس وجنته. فأحرقتها تلك السخونة المنبعثة منها. فارتعبت وقامت بحمله وداخلها يرتجف رعبًا حين وجدت الطفل ينتفض بين يديها يعاني من ارتفاع شديد في حرارته.
***
كان الغضب شعور بين ألف شعور يجتاحه وهو يقف أمام تلك الشجرة التي تحمل ذكريات لعينة. بين مالك قلبه وبين رجلًا آخر. وكأنه أراد قتل تلك الذكريات في مهدها حين قرر لقائهم أن يتم تحت أنظار تلك الثمار المتدلية بإغراء من الغصون. أراد أن يزودها بذكريات أخرى سيئة قد تأتي أولًا بذاكرة ذلك الذي تجرأ واقترب من محبوبته شرًا كان أو خيرًا.
"آه. أديني جيت لك. أما أشوف مواعيد العشاء دي آخرتها إيه؟"
هكذا كان حديث عمار موجهًا إياه لـ سالم. الذي كان يعطيه ظهره. وما أن سمع صوته حتى اسودت حدقتاه واكفهرت معالمه وشد قبضته. فبدا مريعًا حين التفت يناظره. وخاصة حين قال بوعيد:
"بما إن الشجرة دي ليها معاك ذكريات حلوة. فقولت أحط لك أنا كمان ذكرى تفكرك بيا."
أنهى كلماته وقام بتوجيه لكمة قوية إلى أنف عمار. الذي نزف في الحال. ولم يستطع استيعاب ما يحدث حين وجد اللكمات تنهال عليه من كل حدب وصوب. فهو لم يكن خصمًا سهلًا بالمرة. ولكن كان لعنصر المفاجأة وقعًا قويًا عليه. إضافة إلى أن ذلك الوحش الثائر الذي أمامه كانت تعميه نيران الغضب والغيرة. فأخذ يكيل له اللكمات والضربات التي نالت جميع أجزاء جسده بلا رحمة ولا شفقة. فحي دماءه التي سالت أرضًا لم تشفع له. فقط كل ما يراه هي وجنته التي أصابتها يده القذرة وشوهت جمالها ونالت من كبريائها.
كان هذا كله يحدث أمام مرأى ومسمع من سليم ومروان. الذان يجلسان بالسيارة في انتظار سالم. الذي أمرهما بعدم التدخل. حتى لو أزهقت حياته. فزفر مروان بملل قائلاً:
"وبعدين بقى في فيلم الأكشن اللي مش هيخلص ده؟ ما تيجي نضربوا أخوك اللي شبه الثور ده هيموت الراجل في إيده وبدل ما نشتبك نتكلبش!"
أجابه سليم بضجر:
"مانت سمعت تنبيهاته إن محدش يدخل. مش ناقصين غضبه."
أطلق مروان زفرة حانقة قبل أن يقول:
"على رأيك وبصراحة اللي اسمه عمار ده ابن حلال ويستاهل."
أنهى مروان جملته تزامنًا مع رنين هاتف سليم برسالة نصية. كان لها وقع الطبول على قلبه الذي انتفض بين أضلعه حين قرأ محتواها:
"عايزاك."
"بقولك إيه يا مروان. خدمة لأخوك عايزك تستناني هنا لحد ما أرجع."
مروان بامتعاض:
"إيه يا خوي؟ وأنا كنت أكلت إيه عشان أشرب عليه. مابعملش خدمات لحد."
تابع سليم بلهجة يشوبها التوسل:
"عيب عليك. ده أنا حبيبك. وزي أخوك."
مروان باستنكار:
"أخويا مين؟ أنا ما عنديش غير أخ واحد واتبريت منه هو وبنته اللي لسانها عايز قطعه ده."
زفر سليم بحنق ثم تابع بإقناع:
"قدم السبت تلاقي الحد. وأنا وشرف أمي هشيلهالك جميلة."
تلألأت عيناه بمكر قبل أن يقول باستمتاع:
"وماله مدام حلفت بالغالي. واهي الجميلة البيضة تنفع في الليلة السودا."
سليم باحتقار:
"اتفو."
ترجل من السيارة تاركًا مروان خلفه. والذي أخذ يتابع تلك الحرب الطاحنة التي انتهت أخيرًا. وجاء سالم تاركًا خلفه عمار جثة تنازع للبقاء على قيد الحياة. فما أن استقل السيارة بجانبه حتى قال بخشونة:
"سليم فين؟"
مروان بسخرية:
"المزة بعتت له رسالة فخلع. أما إيه ده يا راجل. دانت طلعت أجدع من ذا روك. يا رافع راسنا إنت."
سالم بفظاظة:
"بطل رغي كتير ويلا بينا."
انكمشت ملامح مروان بصدمة وقال باستفهام:
"يالا إيه يا راجل؟ الواد ده لو سبناه كده للصبح مش هيطلع عليه نهار."
سالم بجفاء:
"شالله ما طلع."
مروان محاولًا تهدئته:
"لا يا كبير متعودتش منك على كده. حقها وجبته بس إنت عمرك ما كنت ظالم. بلاش غضبك يتحكم فيك. على الأقل نسعفه. وخلي بالك إنت ممكن تخسر كتير."
لون المكر ملامحه قبل أن يقول باستمتاع:
"عندك حق. على الرغم من إنه عمره ما هيقول إن أنا اللي عملت فيه كده عشان صورته ما تتهزش. بس أنا هطلع أجدع منه."
"تقصد إيه؟"
ترجل من السيارة وهو يقول بأمر:
"خد العربية وروح وديه أقرب مستشفى. خليهم يسعفوه. ولو حد سألك قولهم إنك لقيته مرمي بيموت وجبته على هنا."
مروان بتهليل:
"آه يا نمس. إنت عايز تعمل عليه نمرة وتوصل لعبد الحميد إنك أنقذت حياة حفيده اللي عمره ما هيقدر ينطق ويقول إنك خرشمته. لا كبير بصحيح."
سالم بفظاظة:
"نفذ اللي قلتلك عليه."
كانت تذهب إلى بيتها بجلبابها الملوث بروث البهائم ورائحة النتانة التي كانت تلاصقها منذ أن أمر هذا الطاغية بأن تقوم بتنظيف الحظائر. ذلك العمل الشاق الذي كان كعقاب قاس لها جعلها تقول بغضب:
"الهي يجيلك و يحط عليك يا عمار يا ابن أم عمار. الهي يحكم عليك الجوي. ياللي تنشك في بطنك. الهي يدك تتكسر يا بعيد. بقيت كيف البهايم من كتر الجرف اللي أنا فيه. روح يا شيخ الهي أشوف فيك يوم يا ظالم."
هكذا خرجت دعواتها من أعماق قلبها الغاضب وملامحها الممتعضة وهي تسير عائدة إلى منزلها بعد يوم شاق. لتتوقف فجأة وهي ترى ذلك الملقى على الأرض غارقًا بدمائه. وبجانبه شخص ما بدا وكأنه يجهز عليه. فتسللت على أطراف أصابعها مقتربة منهم. لتتفاجئ بـ عمار ووجهه الذي كان منتفخًا من كثرة الضرب. فقالت هامسة بغباء:
"هو باين استجاب ولا إيه؟"
ثم تابعت اقترابها منهم فتبينت ملامحه بالفعل كان هو. فما منها إلا أن تعالت صرخاتها بقوة:
"يا حومتي. الحقونا يا خلق الحقونا يا هوه. الكبير اتقتل. والقاتل أهو. الحقونا."
كان يحاول رفع جثته الضخمة بصعوبة. وما أن استطاع تحريكه من على الأرض حتى تفاجأ بتلك الصرخات الآتية من خلفه. والتي أفزعته. فترك عمار بغتة ليصطدم جسده بالأرض محدثًا صوت تألم قوي لم يأبه له. إنما التفت إلى تلك المجنونة التي كانت تصيح هنا وهناك دون وعي. فاقترب منها قائلًا بلهفة:
"اقفلي بقك يا ولية إنتِ هتلمي علينا الناس. والله ما عملت حاجة."
صاحت نجمة بتوبيخ:
"يلا يا كذاب يا ناقص. أنا بعيني شايفاك وأنت بتقتله. ورب الكعبة لهلم عليك الخلق. الحقونا. الحقونا."
ذعر مروان من حديثها وقال بصياح وهو يحاول تكميم فمها:
"شايفة مين يا بنت الهبلة هتلبسيني مصيبة وربنا ما عملت حاجة. أنا جاي ألحقه يخربيتك."
نجمة بتهكم ونبرة مرتفعة:
"ألحقه! عليا أنا بردك. يا سفاح."
مروان بصراخ واندهاش:
"سفاح مين يخربيت أهلك هتضيعي مستقبلي. والله ما لمسته. ولا جيت جنبه."
"إني هوريك يا قاتل. لازم تاخد عذابك يا سفاح."
اقترب مروان منها محاولًا كتمان فمها واضعًا يده خلف رقبتها يثبتها والأخرى على فمها. وهو يقول بغضب:
"سفاح يسفحك يا شيخة. دانتِ شيختي أهلي. منك لله يا بعيدة. مش أنا السفاح طب وحياة أمي لو نطقتي بحرف واحد لهكون دافنك هنا."
عند هذا الحد هدأت وهدأ صراخها. ولكن ارتسم الرعب بنظراتها وهي ترى ملامح مروان. الذي أتقن رسم التهديد على ملامحه. وانبثقت من بين عينيه نظرات إجرام جعلتها ترتجف بين يديه. فتركها قائلًا بنبرة صارمة:
"إيدك معايا نرفع البغل ده ونوديه المستشفى. خليهم يلحقوه."
"لهوي لهوي إنت منهم؟"
مروان:
"هما مين؟"
"اللي يقتلوا القتيل ويمشوا في جنازته."
قام بلكزها في كتفها وهو يقول بتقريع:
"قتيل إيه يا متخلفة ما هو صاحي وبيتوجع قدامك أهو. جايبة الغباء ده منين؟"
"حاضر. حاضر. يلا وأنا هساعدك. بس سايج عليك النبي ما تعمل حاجة. داني اللي بجري على إخواتي وبوكلهم من عرق جبيني."
زفر مروان بغضب واستغفر في سره قبل أن يقول من بين أسنانه:
"حاضر. اتفضلي يلا معايا وأنا وعد مش هقتلك. هقطع لسانك بس لو نطقتي تاني. هي إيه الريحة دي؟"
هكذا تحدث بعد أن اخترق أنفه رائحتها القذرة. فتراجعت خطوتين إلى الخلف قبل أن تقول بحرج:
"ما قلت لك إني بوكل خواتي من عرق جبيني."
مروان باستنكار:
"وعرق جبينك ريحته قذرة ليه كده؟ اتنيلي امشي قدامي."
أطاعته وبصعوبة قاموا بنقل عمار إلى السيارة. فبدأ يستعيد وعيه قليلًا فقال بتأوه:
"أنا فين؟"
تهكمت نجمة التي كانت تجلس في الكرسي الخلفي بجانبه في السيارة:
"في جهنم الحمرا."
"بتجولي إيه يا حرمة إنتِ؟"
قالها بشفاه مرتعشة جراء كدمة قوية شوهتها. فتابعت تهكمها قائلة:
"عمايلك العفشة جابتك جهنم. عشان تبجي تفترى على واحدة غلبانة زيي."
قهقه مروان على حديثها وقال بمزاح:
"دانتي باين عليكي بتحبيه أوي."
"حبك حنش إنت التاني. مانتوا سفاحين بتشبهوا بعض. هقول إيه ربنا على الظالم."
"مين اللي حبه حنش ياللي تحبك سحلية إنتِ؟ هتخليني أطلع كتاكيتي عليكي. اتلمي يا بت."
سخرت قائلة:
"لا وعلى إيه. مش مستاهلة كتاكيتك إنت التاني كفاية البهايم اللي ابتليت بيهم. مش ناقصة كتاكيتك كمان."
"وإنتِ اسمك إيه أومال؟"
هكذا سألها مروان فأجابته بامتعاض:
"نجمة!"
تهكم مروان قائلاً:
"نجمة. نجمة إيه دي إن شاء الله دانتي نيزك."
تدخل عمار بألم:
"حد يرد عليا يا أغبية. أنا فين؟"
أجابه مروان بملل:
"إنت في عربيتي راح أوديك المستشفى بعد ما سالم طحنك علقة محترمة."
خرجت كلماتها دون وعي:
"شالله يسلم عمره."
تجاهل عمار حديثهم وقال بتألم:
"وقف يا ولد إنت. مستشفى إيه اللي توديني عليها. اتصلي بياسين ابن عمي ييجي ياخدني."
زفر مروان بغضب وبالفعل هاتف ياسين الذي أجاب ممتعضًا:
"عايز إيه؟"
مروان بجفاء:
"ابن عمك مضروب ومتمرمط. جيت أوديه المستشفى مرديش قالي كلمك. إحنا واقفين على ورا القصر بتاعكم اطلع عشان تاخده."
هكذا تحدث مروان ثم أغلق الهاتف في وجه ذلك الذي جن جنونه حين سمع حديثه وهرول من الباب الخلفي فوجد سيارة مروان التي صفها بالقرب منهم. فتوجه إليها وصدمه مظهر عمار الغارق بدمائه. فصاح بعنف:
"مين اللي عمل فيه كده؟"
أجابه مروان بملل:
"اهو عندك اسأله. اتفضل شوف هتوديه فين عشان مستعجل عايز أمشي."
اغتاظ ياسين من حديثه. ولكن جاءه صوت عمار المتألم الذي قال:
"ياسين. وديني البيت الصغير اللي في آخر الأرض وكلم مرعي وهو هينصرف."
"لازم تروح المستشفى إنت مش شايف حالتك."
هكذا تحدث ياسين معترضًا. فصاح عمار من بين جراحه:
"اسمع اللي هقولك عليه. أنا مش قادر أتكلم."
زفر ياسين بحنق وأطاعه بعد أن أرسل نظرة متوعدة لـ مروان. الذي لم يهتز. وقامت نجمة بالسير خلف ياسين. ولكنها توقفت بقرب مروان قائلة بتوبيخ:
"قادر وفاچر. سفاح بحق وحقيقي."
"طب اختفي من وشي عشان هطير رقبتك دلوقتي."
هكذا قالها مروان بصراخ جعلها تهرول من مكانها ذاهبة في إثر ياسين.
***
كانت تهرول في المنزل حاملة طفلها المرتجف بين يديها وهي تصيح هنا وهناك. فظهرت لها إحدى الخادمات التي أخبرتها بأن شقيقتها وزوجة عمها في الحديقة. فتوجهت إلى باب المنزل تفتحه. وإذا بها تجده أمامها وكأنه جاء كالغوث بعد تضرعات قلبها إلى الله بالنجدة التي تمثلت بكلماته حين قال بلهفة:
"جيت لك زي ما وعدتك."
كانت كلماته كالبلسم الذي لم تكن تحتاج سواه. فتناثرت عبراتها من مقلتيها وخرج صوتها مبحوحًا حين قالت:
"محمود بيضيع مني يا سليم."
ارتعب من مظهرها والطفل الذي يرتجف بين يديها. فتناوله منها بلهفة لتصعقه حرارته القوية التي جعلته يقول بذعر:
"ده بينتفض من شدة السخونية."
كانت كلماته مرعبة لقلبها. فتجمدت بمكانها وخرجت الكلمات منها بطريقة آلية:
"هيموت!!!"
امتدت يده الأخرى تمسكها من رسغها بقوة أعادتها إلى رشدها. وقال بصوت قوي:
"متقوليش كده تاني. إن شاء الله بسيطة. يلا نوديه المستشفى."
أومأت برأسها قبل أن تطيعة وهرولت خلفه إلى الخارج. فقابلتهم فرح التي استوقفها مظهرهم. فقالت بقلب مرتعب:
"حصل إيه؟"
تحدث سليم وهو يتجاوزها:
"محمود سخن مولع ورايحين بيه المستشفى."
لم تستطع أن تجيب شقيقتها. فقط أخذت تومئ برأسها بهستيريا وهي تلحق به. فتبعتها فرح وهي تصيح لزوجة عمها:
"طنتي تهاني محمود تعبان ورايحين نوديه المستشفى. عرفي جدي والباقي."
أجابتها تهاني بلوعة:
"ربنا يطمنكوا عليه يا بتي. روحي ولا يهمك."
انطلق الثلاثة إلى الخارج ليجدوا سالم الذي كان بصدد مهاتفتها يريد رؤيتها. فإذا به يجد سليم يهرول بالطفل إلى الخارج وهي وجنة خلفه. فتقدم منهم قائلًا بصوت قلق:
"فيه إيه؟"
أجابه سليم بلهفة:
"محمود سخن مولع. فين مروان؟"
لم يكد سالم يجيبه إذ ظهر مروان. الذي جاء بسيارته ليجد الجميع موجود. فأذا به يتفاجأ بسالم. الذي توجه إليه فاتحًا باب السيارة وهو يأمره:
"انزل اركب جنبي. سليم اركب جنب جنة وفرح ورا."
أطاعه الجميع وفعلوا مثلما أمر. وبأقصى سرعته قاد السيارة إلى المستشفى. الذي ما أن وصلوا إليه حتى هرول الجميع يطالبون بطبيب في الحال. فانتشر الهرج والمرج داخل المستشفى. ووصل الطبيب بعد وقت قليل. وقام بالكشف على الطفل وسط حالة من الرعب المخيم على قلب جنة. التي كانت تشعر بأصفاد الذنب الساخنة تعتصر فؤادها. فذلك الطفل الذي رفضته يهددها القدر بفقدانه. هذا هو حال كل من يعارض مشيئة الرحمن ويجحد بنعمه.
كان الجميع بالخارج ينتظر خروج الطبيب بقلوب مرتعبه وأجساد مرتجفة. فقد كان هذا هو حال جنة. التي اقترب منها سليم يحتضنها بقوة حانية. ولدهشته فقد قامت برمي رأسها على كتفه بكامل ثقلها وما يحمله من ضجيج دوى طنينه بقلبها. الذي احتضنه بحنانه حين قام بوضع قبلة قوية فوق خصلات شعرها. اتبعها بكلمات مهدئة:
"هيبقى كويس بإذن الله. قولي يارب."
خرجت الكلمة من جوفها وأعماق قلبها:
"يارب."
كان حالها يبكي الحجر. فتناثر الدمع من عيني فرح. التي أشْفَقَت على حال شقيقتها من عذابها الذي لا ينتهي. فكان لها هي الأخرى نصيب من حنانه الذي تجلى في صوته الذي تهادى بهمس على مسامعها:
"مينفعش العيون الحلوة دي تعيط عمال على بطال كده."
دغدغتها كلماته التي كانت بنبرة عاشقة اخترقت قلبها. فالتفتت تناظره قائلة بحزن:
"جنة صعبانة عليا أوي. مبتلحقش تتهنى. نفسي القدر يعوضها عن كل اللي شافته."
تابع بنبرته العميقة ولهجته الخشنة:
"بصي كويس هتلاقيها مش لوحدها. وده في حد ذاته عوض من ربنا."
كلماته وصفت الوضع بدقة. فقرب سليم من شقيقتها بتلك الدرجة كان عوضًا كبيرًا. خاصة وهي تراها تستند عليه بكامل حزنها وثقل آلامها. فخرجت الكلمات خافتة من شفتيها:
"يارب يهديهم لبعض. ويقدر يعوضها عن كل اللي شافته."
أجابها بهمسه الخشن:
"هيحصل إن شاء الله."
ودت لو تروي عينيها من تفاصيله التي اشتاقتها كثيرًا. فالتفتت تناظره بخجل سرعان ما تحول لذعر كبير حين رأت بعض الدماء على ملابسه. فقالت بصدمة:
"سالم إيه الدم ده؟"
انكمشت ملامحه وبدا الملل على وجهه. ولكنه أجابها بفظاظة:
"متشغليش بالك. خلينا في المهم."
بقلب مرتعب أجابته:
"سالم متقلقنيش. إيه أهم عندي من سلامتك."
ناظرها بعينين غازلتها قبل أن تغازلها شفتيه حين قال بهمس:
"فيه طبعًا. عيونك الحلوين اللي وحشوني دول."
كلماته العاشقة دغدغت حواسها. ولكنها كانت تعلم محاولاته في صرف انتباهها عن ما حدث. فتابعت بعناد:
"أرجوك متهربش وجاوبني. الدم ده إيه مصدره؟"
أطلق زفرة حانقة قبل أن يقول بخشونة:
"الأيد اللي اتمدت عليكِ كسرتها."
شهقت بعنف جراء كلماته وقالت تعاتبه:
"كده يا سالم ده اللي اتفقت معاك عليه؟ مش قلت بلاش."
قاطعها بحزم:
"قلتِ. لكن أنا مش مجبر أسمع كلامك يا فرح. الموضوع انتهى. كان حساب واتصفى."
غضبت من تسلطه وقالت باستنكار:
"وإن خسرنا كل حاجة بسبب تهورك ده إيه الحل؟"
أجابها بملل:
"مفيش أي خسائر. أنا عارف أنا بعمل إيه. وبعدين يحصل اللي يحصل. آخرها هولع في البلد واللي فيها وأولهم جدك وأخدك بردو."
كان اعترافًا عنيفًا بالحب الذي لم تحلم به طوال حياتها والذي اخترق قلبها المتيم بنيران عشقه. ولكنها أرادت التمنع قليلًا. فتمتمت بغضب مفتعل:
"كائن بدائي. محسسني إننا عايشين في غابة."
ابتسم على ملامحها التي تخفي ولعًا كبيرًا به وبتملكه. فتابع بهسيس خطر:
"قولت لك هاخدك من بق الأسد. إنتِ اللي مفهمتيش."
نجح في رسم ابتسامة غادرة غافلتها وارتسمت على ملامحها. فالتفتت تنظر أمامها وهي تقول:
"عارفة إني مش هغلبك."
ابتسم بخفوت قبل أن يجيبها بصوته الأجش:
"كل ده وماغلبتنيش! دانتي جبتيني على جدور رقبتي من بحري لحد الصعيد."
امتلئ قلبها بسعادة طاغية لدي سماعها كلماته العاشقة ومدى تأثيرها به. وخرجت الكلمات متوعدة من بين شفتيها:
"ولسه."
قاطع حديثهم خروج الطبيب من الغرفة. والذي أخبرهم بأن الطفل يعاني من الحمى. وطمأنهم بأنهم سيطروا على الأوضاع وسيبقى لبضع ساعات تحت الملاحظة. ومن ثم يمكنهم المغادرة. فزفر الجميع بارتياح وهدأت دقات قلب جنة المرتعبة. فرفعت رأسها تشكر ربها على إنقاذه لها. وفجأة جاء صوت رسالة نصية على هاتفها. فرفعته تنظر إليه. وإذا بها تتجمد من فرط الصدمة حين وقعت عينيها على.
يتبع.
رواية بين غياهب الاقدار "في قبضةالاقدار الجزء الثاني" الفصل الثالث عشر 13 - بقلم نورهان العشري
تجمدت قدماها وشعرت بتوقف النبض في أوردتها حالما وقعت عينيها على تلك الورقة اللعينة التي كانت سبب هلاكها ووقوعها في فوهة ذلك الجحيم، ولكنها لم تكن وحدها بل كانت متبوعة برسالة أخرى أسوأ مما تحمله هذه الورقة.
"الورقة دي هتلف على كل مواقع مصر وجرايدها لو تممتِ جوازك من سليم الوزان!!"
كانت في تلك اللحظة أشبه بطفلة عاجزة تحيطها الأعين باستفهامات كثيرة وهي لا تستطيع النطق بكلمة واحدة، تشعر بنبضها يحترق ألمًا بعد أن ظنت بأنه سيهدأ ويستكين.
كان مظهرها مبعثرًا ضائعًا، فاقترب منها يحاوطها بذراعين صُنعت من عشق غلف نبرته ونظراته حين قال:
"مالك يا جنة؟"
كان ينطق اسمها بصورة قاتلة اخترقت أقوى دفاعاتها التي اهتزت، فانبثقت دمعة غادرة من طرف عينيها تحكي مقدار وجعها، الذي اهتز له قلبه فشدد على كتفيها مضيفًا بنبرة أقوى:
"ردي عليا؟ في إيه؟"
اقتربت منها فرح وهي تنظر إلى سليم نظرات ذات مغزى حتى يتركها الآن معها، ولكن قلبه لم يكن يطاوعه، فقد شعر بأنها كانت على وشك التسليم له، وأنها كانت بصدد إعطائه فرصة لبدء علاقة صحيحة معها، ولكن الآن حدث شيء ما.. وذلك الهاتف اللعين حتمًا يحمل الجواب.
كان مايزال يقف ويناظرها بعينين يغلفهما التوسل ألا تبعده، وأن يكن هو الكتف الذي ترتمي عليه بثقلها، ولكنها كانت عاجزة حائرة تناظره بأعين تشتت بهما الشعور وضاع بهما الأمل.
خيبة قوية ارتسمت بعينيه، التي اخفضها قبل أن يقوم بترك ذراعها على إثر حديث أخاه:
"سيب جنة وفرح يدخلوا يتطمنوا على محمود، وتعالى ننزل نشوف الدكتور."
لا تعلم لما شعرت بخيبة كبيرة احتلت قلبها حين تركتها يداه؟ هل كان صمتها اختبارًا منها على مدى صبره وتمسكه بها؟ أم أنها كانت بحاجة إلى ما هو أقوى من يديه في تلك اللحظة؟ ربما كانت أضلعه التي تمنت لو ارتمت بها تبكي كل ما تحمله من قهر وعذاب وألم.
أثقلت خطواتها المتجهة إلى غرفة صغيرها، وما أن همت أن تفتح الباب حتى توقفت إثر صوته الذي قال بقوة:
"مستنياكِ هنا، اطمني على محمود وتعالي.."
على قدر ألمها الهائل وخوفها الكبير، ولكن جملته جعلت شعورًا من الأمان يتسلل إلى نيران قلبها فتهدأ قليلًا.
"متضغطش عليها أكتر من كده يا سليم.."
هكذا تحدث سالم، الذي كان يرى الوضع من الخارج، فلم يكن يشعر بهذا البركان الثائر في صدر أخيه، الذي صاح بغضب:
"متتتوليش متضغطش عليها.. أنا هتجنن! في حاجة حصلت وشها اتقلب فجأة لما بصت في التليفون.."
"دا واضح. اللي أقصدُه إنك تديها فرصتها عشان تثق فيك. حتى لو هي بدأت تميل ليك مشوار الثقة لسه طويل بينكوا.."
ابتلع جمراته الغاضبة وقال بألم:
"أنا بعمل اللي أقدر عليه عشان أقرب منها وأطمنها.. مش عايز حاجة غير إني أحميها وبس.."
"عارف. بس اللي هي فيه مش سهل.. خليك جنبها من غير ما تخنقها وصدقني أنت أول حد هتجري تحكيله. لما تهدى وتستوعب.."
انكمشت ملامحه بألم وتبدل غضبه الحارق إلى سكون خارجي، قبل أن يومئ برأسه محاولًا أن يتفهم الأمر ويرضخ للوضع حتى ولو كان مؤلمًا.
في الداخل، اقتربت من فراش صغيرها بأقدام ثقيلة وخطوات سلحفية، فقد كان الألم بداخلها أقسى من أن يوصف، ممزوجًا بخوف جعل يديها ترتجف حين امتدت تلامس جبهته التي هدأت قليلًا بفعل العقاقير والأدوية، فسكن جسده وهدأ نومه، فأخذت تمرر يدها المرتجفة على ملامحه وجسده وهي تناظره بأعين مشوشة، اختلط مياهها بنيران ألمها الضاري، لتسقط بعنف على خديها المحترق بحمرة قانية، مرورًا بشفاهها التي نطقت هامسة:
"سامحني…"
كانت يدها تمر بحنان على جسده إلى أن وصلت إلى كفه الصغير، فمررت إصبعها داخل راحته، فشعر الصغير بها وقام باحتضان إصبعها الصغير بكفه الرقيق، وكأنه يعلن غفرانه وحمايته لها، فارتج قلبها لفعلته وازداد الدمع انهمارًا من عينيها.
فاقتربت منها شقيقتها تطوق أكتافها من الخلف وهي تشاركها تلك اللحظة المشبعة بشتى أنواع المشاعر الصادقة، فخرج صوتها متحشرجًا حين قالت:
"شوفتِ يا فرح ماسك إيدي إزاي؟ ده مش زعلان مني إني سبته كل ده! هو كده مسامحني صح؟"
شددت فرح من احتضانها وهي تقول من بين عبراتها:
"طبعًا مسامحك يا حبيبتي. مين يقدر ميسمحكيش يا جنة؟"
التفتت جنة تناظرها بعينين هالكة من فرط الألم، إلى تجلى في نبرتها حين قالت:
"طب وأنتِ يا فرح؟ سامحتيني؟"
كوبت فرح وجهها بين كفوفها الحانية وقالت بصدق:
"طبعًا سامحتك.. أنتِ بنتي يا جنة مش أختي.. أنا اللي قصرت مش أنتِ! مقدرتش أحميكِ من الوحوش اللي حوالينا. لكن أنتِ مغلطتيش.. أنتِ كنتِ إنسانة في وقت الدنيا فيه بقت غابة.. كلنا مسامحينك يا جنة. جه الوقت اللي أنتِ مفروض تسامحي نفسك بقي. وكفاية وجع وعذاب وألم.."
"مش بالسهولة دي يا فرح.. لو أنتوا سامحتوني الناس والمجتمع مش هيسامحوني.."
"ملناش دعوة بيهم.. ميهموناش.. إحنا عارفين إنك مغلطتيش. كلنا ميهمناش غيرك وأولنا سليم.. حبه ليكِ يبان للأعمى.. انسي كل اللي حصل أو سيبيله نفسك وهو هينسيكِ. متخليش الدنيا تغلبك تاني أنتِ عمرك ما كنتِ ضعيفة.."
كانت كلماتها كزخات المطر التي سقطت على قلبها الذي تصدعت تربته من فرط الألم، لتعيد إليه عافيته رويدًا رويدًا، وقد بدأت ملامحها بالهدوء قليلًا.
"أنتِ طول عمرك كنتِ أقوى وأجرأ مني. فاكرة لما كنتِ تعملي حاجة غلط وأنتِ صغيرة وكنتِ تجري تقولي لبابا عملت قبل ما حد يروح يقوله. مكنتيش بتخافي حتى لو غلطتي كنتِ بتتعلمي من غلطك. محدش فينا مبيغلطش. الوحش بس اللي ميستاهلش فرصة تانية وأنتِ مش وحشة افتكري الكلمة دي كويس."
أومأت جنة برأسها وعلى وجهها ابتسامة جميلة شقت طريقها من جوف الوجع الكامن بصدرها، وقامت بالارتماء بين أحضان شقيقتها التي قابلتها بأذرع مفتوحة وقلب محب احتضن آلامها إلى أن هدأت ثورة انهيارها تدريجيًا، فقامت برفع رأسها وهي تقول بصوت أجش من فرط البكاء:
"شكرًا إنك موجودة في حياتي يا فرح.."
ابتسمت فرح بحنان وقالت:
"أنا اللي مفروض أشكرك يا جنة.. وبعدين تعالي هنا هنقضيها عياط بقي مش مفروض إننا عرايس نفرح شوية. ولا هنقضيها حزن وبكى كده؟"
كلمات شقيقتها أعادتها إلى نقطة مؤلمة وذكرتها بمصيبة أخرى، ولكنها توقفت حين سمعت توسل فرح:
"أنا نفسي أفرح أوي يا جنة. نفسي أستطعم حاجة من اسمي ده. أنا قربت أنسى معناه.."
كانت كلمات على قدر بساطتها ولكن وقعها كبير على قلب جنة التي قالت بثقة:
"هتفرحي يا فرح بإذن الله. أنا مش هسيبك حاجة أبدًا تنغص عليكِ فرحتك. خليكِ واثقة في ربنا وفيّا.."
كانت كلماتها كبيرة بما تحمله من معنى، فآومات فرح بحنان وهي تقول:
"واثقة في ربنا وفيكِ طبعًا.."
تحركت جنة من مكانها وقالت بتصميم:
"خليكِ هنا مع محمود. دقائق وراجعالك.."
لم تمهلها الوقت للاستفسار فقد توجهت إلى خارج الغرفة مغلقة الباب خلفها، وإذا به تجد زوج من العيون تتوجه إليها، كانت إحداهما عاشقة متلهفة والأخرى جامدة، والتي كانت لسالم، الذي قال بخشونة:
"هنزل لمروان تحت أشوفه بيعمل إيه؟"
ولكن كانت دهشته قوية حين سمع صوت جنة التي قالت بثبات:
"لا يا سالم بيه. لو سمحت خليك.."
لون الاستفهام معالمه، ولكنه توقف، فقام سليم بالاقتراب منها، وما أوشك أن يتحدث حتى قامت برفع الهاتف بوجهه لتريه تلك الرسالة النصية المتبوعة بصورة زواجها العرفي، وهي تقول بنبرة مهتزة:
"الرسالة دي جتني من شوية.."
برقت أعين سليم حين وقعت على تلك الصورة والحروف المدونة بعدها، وتحولت ملامحه بطريقة مرعبة، فقام سالم بجذب الهاتف من يده لتنكمش ملامحه هو الآخر بغضب لم يفصح عنه، بينما قام سليم بحمل أحد المقاعد ورميها في الجدار ليتحطم بقوة وهو يصيح بعنف:
"مين ابن الكلب ده؟?"
تراجعت جنة إثر ثورته المخيفة، فنهره سالم بقسوة:
"اهدي يا سليم عشان نعرف نفكر ونشوف هنعمل إيه.."
التفت سليم إلى أخيه فوجد عينيه على جنة التي انكمشت رعبًا، وفرح التي هرولت إلى الخارج لتعرف سبب الجلبة، فأخذ سليم يلعن نفسه في سره، وقام بإخراج ثاني أكسيد الغضب المعبأ بداخله، واقترب من جنة التي احتمت بصدر شقيقتها قائلًا بلهجة مبحوحة وأنفاس هادرة:
"متخافيش.. أنا مش متضايق منك.. أنتِ ملكيش ذنب في حاجة.."
كان مشهدا مروعًا بقدر روعته، وحشًا ثائرًا يحاول تهدئة عصفور مرتعب. وقد كان هذا المشهد أسمى ما يمكن أن يقال في الحب، فقد كان يبتلع جمرات غضبه الحارقة ويتحكم في طوفانه الأهوج، فقد لأجلها. فنظراتها المرتعبة نحوه كانت تقتله، ولكن نظراته الحانية نحوها جعلت نبضها يستكين قليلًا، فاومأت برأسها حين تابع:
"كل حاجة هتبقى تمام. متخلقش اللي يهددك وأنا موجود.. أوعي تخافي عشان خاطري.."
كان لتوسله وقع مختلف على مسامعها وقلبها الذي هدأ بوجوده على الرغم من ثورته الغاضبة، ولكنها كانت تعلم في قرارة نفسها بأنه لن يدع مكروهًا يمسها، وقد كانت أول مرة بحياتها تشعر بهذه الثقة تجاه أحد، وغافلها قلبها حين أعلن عن مكنوناته بلهجة خافتة:
"مش خايفة. أنا واثقة فيك.."
بتلك اللحظة شعر وكأنها سلبت فؤاده من بين ضلوعه التي اهتزت لكلماتها التي لم يكن يتخيلها بأحلامه، فأخذ يطالعها بعينين براقتين غير مصدقة لما سمع، وبلمح البصر قام بجذبها لتستقر أسفل ذلك الذي جُن بعشقها، ولم يعد هناك مجال لإفلاتها من بين براثنه أبدًا.
كانت رحلة العودة هادئة فالجميع منهك وكلًا منهم منشغل بالكثير، وما أن خطت السيارة أمام البوابة الكبيرة حتى التفت سليم إلى جنة ليأخذ منها الطفل حتى تستطيع أن تنزل، وقام سالم بالترجل من خلف المقود ليقوم بفتح بابها ويساعدها على النزول، فأرد يده إليها فلم تستطع ردها على الرغم من خجلها الكبير، فحين لامست كفوفها يده الخشنة شعرت بموجة دفء كبيرة تجتاح أوردتها، وقد بدا احتراقها جليًا في عينيها التي تشابكت مع عينيه بنظرة طويلة كان بها الكثير، ولكنه اضطر إلى قطعها إذ قال بخشونة:
"متخافيش من حاجة وقولي لجنة كمان متخافش.. مفيش حاجة هتحصل وأنا بنفسي هأتأكد من ده.."
اخفضت رأسها وزفرت بتعب تجلى في نبرتها حين قالت:
"تفتكر الورقة دي وقعت في إيد مين؟ وليه بيعمل كده؟"
"الورقة موقعتش في إيد حد. الورقتين معايا ومحدش يقدر يوصلهم."
"أومال الصورة دي…"
قاطعها بصرامة:
"متشغليش بالك.. أنا هعرف اللي حصل ده حصل إزاي.."
"إزاي مشغلش بالي يا سالم. ولو مشغلتش بالي بالمصيبة دي أشغل بالي بأيه؟"
أجابها باختصار:
"بيا. في مصيبة أحسن من كده تشغلي بالك بيها؟"
رغمًا عنها غافلتها إحدى بسماتها الخجلة التي اخترقت قلبه، فقال بخشونة:
"متفكريش في حاجة غير إنك بعد أسبوع من النهارده هتبقي مراتي."
اخفضت رأسها هربًا من عينين كانت تلتهمان خجلها وتنفذان إلى داخل أعماقها بطريقة جعلت حزمة من الوخزات الموترة تتفشى في سائر جسدها الذي اندفعت دماءه بقوة، فلونت خديها بلون التفاح الشهي، فقام برفع رأسها ليعيد عينيها إلى خاصته قائلًا بصوت أجش:
"وفي خلال الأسبوع ده عايزك ترمي الكسوف ده على جنب، مانا مش كل ما أقول كلمتين هلاقيكي لونتي كده. كده خطر عليكِ."
اتبع كلامه بغمزة جعلت دماءها تجف في أوردتها وتسارعت أنفاسها بصورة كبيرة حتى بدت تنتفض بين يديه، فقد كانت أمامه كمراهقة تختبر أولى مشاعرها بجانب رفيقها، ويالروعة هذا الشعور خاصةً أمام رجل مثله قادر على إخضاع جميع الحواس والمشاعر.
بأعجوبة أفلتت من بين براثن نظراته وحاولت أن تبدو شجاعة حين قالت:
"بطل بقى. وبعدين أي خطر دي لا ما تخافش عليا. هات آخرك.."
ارتسمت ابتسامة حلوة على ملامحه العاشقة وزينتها لهجته العابثة حين قال:
"ماليش آخر.. وبعدين متستعجليش على رزقك. أسبوع واحد وهشوف الشجاعة دي آخرتها إيه.. يارب منجبش ورا بس."
أنهى كلماته وقام بجذبها خلفه ليتوجهوا إلى البوابة، فوجدوا تهاني بانتظارهم والتي قالت بلهفة:
"طمنوني المحروس عامل إيه؟ كنت عايزة أصحي الحاج وناجيلكوا المستشفى. فرح قالت إنكوا جايين عالطريق."
أومأت جنة بهدوء تجلى في نبرتها حين قالت:
"تسلمي يا طنط. الحمد لله بقى أحسن.. كانوا شوية برد."
"الحمد لله.. بقولك إيه الواد ده محتاج حضن أمه. مالوش غيرك يا بتي.. أووعاكِ تجسي عليه مرة تانية.. ربنا بيدينا فرص على طبج من دهب لازمن نستغلها صح كده ولا إيه يا سليم بيه؟"
أومأ سليم باحترام وقال مؤكدًا:
"طبعًا يا حاجة تهاني عندك حق.. محمود في عنينا أنا ومه. ولا إيه يا جنة؟"
شددت من احتضانها للطفل وقالت بخفوت:
"عندك حق.."
دخل الجميع إلى الداخل وذهب سالم إلى مروان النائم في السيارة، بينما انتظر سليم ليودعها، وحين دخل الجميع اقترب منها قائلًا بهدوء:
"حقك عليا لو خوفتك في المستشفى.. أنا بس لما بتعصب بتفلت مني شوية.."
أومأت بتفهم قبل أن تقول بخجل:
"عادي ولا يهمك.. ليك حق تضايق.."
شدت يده على كفوفها قبل أن يقول بخشونة:
"أوعي تخافي من الرسالة دي. محدش هيقدر يعمل حاجة. والخط أصلًا اتقفل بعد ما اتبعتت. ده حد عايز يضايقنا وخلاص وأنا هعرفه وهوريه شغله.."
رفعت أنظارها تطالعه بقوة تجلت في نبرتها حين قالت:
"بس أنا عارفة مين اللي بعت الرسالة دي؟"
***
حين يكون الإنسان متألمًا يمر الوقت وكأنه على ظهر سلحفاة، نشعر بأن العقارب تلدغنا بكل ثانية تمر بها، ولا نفع للدواء إن كان الداء منبعه القلب.
كانت تتسطح على مخدعها تنظر أمامها بشرود، فقد استقرت حالتها إلى حد ما وشفيت بعض جروحها، ولكنها تركت ندبات كثيرة على جسدها وكذلك روحها التي أصبحت كثوب مهلهل من فرط تمزقه، لم يعد صالحًا لأي شيء.
حاوطت نفسها بسور الوحدة ورفضت الحديث مع أي أحد، تأكل من الطعام ما يسد رمقها فقط. اختارت أن تعيش بـ صومعتها وحيدة تلعق جراحها كحيوان أليف تأذى منه كل من احتواه، فأصبح منبوذًا حتى من نفسه. رفضت وجود الجميع واختارت نفسها فقط على أمل أن يقتلها عذابها ذات يوم وتستريح.
جلبة قوية في الخارج أفسدت وحدتها وخدش سمعها صوتًا كانت تعرفه عن ظهر قلب، فحاولت أن تتحامل على جسدها المنهك والانتصار على أوجاعها الهائلة، واضعة أقدامها على الأرض تتوسل لقواها أن تحملها للخارج حتى ترى ماذا يحدث.
أخيرًا وبعد عناء شديد استطاعت أن تصل إلى باب الغرفة، وحين أوشكت على فتحه توقفت كل عضلة بها عن الاستجابة حين سمعت صوته الغاضب وهو يصرخ:
"أنا بحبها.. ومحدش فيكوا يقدر يمنعني عنها.."
كان تصريحًا مريعًا بالحب لم تتوقعه أبدًا، وخاصة منه.. كان آخر خيط يربطها بالحياة، ولكنه لم يكتف بسحقه بل دمر الجزء المتبقي من آدميتها حين قام بفعلته النكراء بها. هو من كانت تشتكي له خذلان الجميع ليأتي هو ويعطيها ما هو أقسى وأصعب، أذاقها ويلات الخزي والذل وقضى على المتبقي منها، والآن يدعي محبتها!
حين يأتيك الخذلان من أكثر مواطنك أمنًا تهتز ثوابت الكون بقلبك. كـ سماء تخلت عن ظواهرها الفيزيائية وتحول قوس المطر الخاص بها إلى رمادي ابتلع جميع ألوان الحياة منه.
أخرجها من شرودها صوت والدها الصارخ وهو يقول معنفًا:
"حب إيه يا كلب اللي يخليك تأذيها بالشكل ده؟ الأشكال اللي زيك متعرفش تحب.."
صاح عُدي بصوت مبحوح من فرط الصراخ:
"أنت آخر واحد تتكلم عن الحب.. طب أنا كنت واطي معاها عشان كان مضحوك عليا. إنما أنت كنت واطي معاها ليه؟ أهملت بنتك ورميتها من حياتك ولا كأنها ليها وجود ليه؟"
كان صوت بكاء والدتها يؤذي سمعها، بينما لم يستطع صالح والدها إجابة عُدي، بل انكمشت ملامحه بألم، فقد كان مصيبًا في حديثه، وقد كان هذا الجُرم الذي اقترفه بحق ابنته لا يغتفر، ولا يعلم كيف سيصلحه أو أن كان يملك ما يجعله قادرًا على إخراجها من تلك القوقعة التي احتمت بها من بطشهم.
تابع عُدي بسخرية مريرة:
"شوفت بقي أنت حتى معندكش إجابة. أنت أسوأ أب شوفتُه في حياتي.. وأنا هاخدها منك هاخدها منكوا وهتجوزها وهعالجها ومش هخليها تعرفكوا أبدًا.."
تدخلت الأم المكلومة قائلة بغضب يمتزج به الحسرة:
"حتى لو إحنا كنا وحشين ومنستاهلهاش فهي بنتنا، إنما أنت مين؟ أنت غريب عننا وعنها. ولو كنت بتحبها وعايز تعالجها مين قالك إننا هنآمن نديهالك بعد اللي حصل منك؟"
"بس أنا موافقة أتجوزه…"
كان صوتها مبحوحًا يفتقر إلى القوة كحال جسدها الذي وهن واهتز بها، فاستندت إلى باب الغرفة، لـ يهرول الجميع إليها، فـ قامت بوضع كفها أمام والديها قائلة بنبرة صارمة بقدر ارتجافها:
"محدش فيكوا يقربلي.. خليكوا بعيد عني.."
انهالت عبراتهم ألمًا على رفضها لوجودهم، وقال صالح بتوسل:
"يا بنتي ارجوكِ سامحينا وادينا فرصة نعوضك عن كل اللي فات.."
شوهت ملامحها ابتسامة ساخرة ارتسمت على وجهها الملئ بالندبات، وتجلت سخريتها بنبرتها حين قالت:
"أعوضني!! مفيش حد بيعوض إنسان ميت وكان هو السبب في موته.. ابعدوا عني.. وكفاية بقى.."
كان حديثها طربًا على أذنيه، وعلى الرغم من علمه بعدم غفرانها له وبأنه وسيلة لتؤذي به أبويها، إلا أنه لم يستطع منه شعور الفرحة العارمة من التسلل إلى قلبه، خاصةً حين توقف بجانبها وقام بوضع يده أسفل ركبتها والأخرى خلف ظهرها حاملًا إياها بسهولة متجهًا بها إلى مخدعها دون أن يعطيها الفرصة للاعتراض، وسط ذهول من والديها على طريقة تقبلها له.
حين انتهى من وضعها سألها برفق:
"مرتاحة دلوقتي؟"
أجابته بحنق وعينين تشعان كرهًا:
"لما أموت هرتاح.."
كان يتوقع إجابة عنيفة منها، فابتسم بخفة قبل أن يجيب:
"لما أطمن عليكِ الأول."
كان يستفزها بطريقة لا توصف، فصرخت حانقة:
"أنا بكرهك.."
ظاهريًا لم يتأثر على عكس قلبه الذي ارتج بفعل كلمتها، ولكنه تابع حديثه بهدوء:
"لو ده هيريحك أنا موافق."
"متفكرش إني وافقت عشان عايزة أتزوجك. أنا وافقت عشان أوجعهم زي ما وجعوني.."
اقترب يجلس بجانب مخدعها وهو ينظر إلى عينيها برفق تجلى في نبرته حين قال:
"عارف.. وقابل إني أكون أداة تنتقمي بيها منهم.. وزي ما طول عمري بساعدك هساعدك المرة دي كمان.."
صاحت مغلولة:
"وأنا مش عايزة من وشك حاجة."
تجاهل غضبها وقال بخفة:
"مش بمزاجك. طول عمرك كنتِ بتختاريني إني أكون جنبك ومكنتش برفض. المرة دي أنا اللي أختار بقي. مرة مني قصاد ألف منك. بيتهيقلي كده فير أوي.."
كان دائمًا بجانبها رغمًا عن كل شيء، كان يحيطها بسياج آمن طوال السنوات الماضية لم يخترقه سوى رغبتها بالابتعاد عنه، والآن جاء وقته وهي بأقصى درجات ضعفها لا تجرؤ على الاعتراض، فقط تتألم وتحترق حين تتذكر فعلته النكراء معها، ولكنها تعرف أين يكمن عقابه، لذا قالت بصوت يحمل السم والكراهية:
"عارف أنت أحسن عقاب ليك إنك تشوفني كل يوم قدامك وأنا مشوهة كده.. تشوف جريمتك كل ما تبص في وشي. وأنا بردو مش هبطل أفكرك بيها كل لحظة عيني تشوفك فيها.."
كانت كلماتها مؤلمة على قلبه الذي لا يرى بها أي تشويه، على العكس يعشق كل ندبة تزين وجهها، يتمنى لو أنه يستطيع لملمة جراحها أو امتصاص ألمها، يريد في تلك اللحظة تقبيل كل جرح ألم بها حتى يلثمه ببلسم عشقه الجارف لها.
"بس أنا مش شايف أي تشويه فيكِ بالعكس.. حلو النيو لوك وجديد كمان.. فكريني لما يخف أبقى أعورك تاني."
لم تتحمل حديثه الهادئ والذي عكست عينيه مدى صدقه، فصرخت غاضبة:
"اخرج بره.. مش طايقة أشوف قدامي."
أطاعها بصمت، فقد كان صراخها بحد ذاته تقدم ملحوظ، وهو بكل الأحوال أفضل من صمتها المطبق الذي كاد أن يقضي عليه طوال الأيام المنصرمة.
أطل برأسه من الباب فوجد والداها على حالهما من الألم والحسرة يكللهما عبارات غزيرة، فتألم لحالهم ولكنه لم يظهر أي تأثر وقال بصوت قاس:
"أنا هتجوز ساندي. وياريت حتى لو كارهين بعض نبقى إيد واحدة عشان نقدر نساعدها تخرج من محنتها.. وأظن انتوا شوفتوا بعينكوا إنها اختارتني وإني شخص مهم عندها.. بالرغم من كل شيء.."
***
كان الأمر على صفيح ساخن، فمثلما هناك قلوب داواها العشق، هناك قلوب أخرى أفسدها. فقد كانت تذهب وتجيء بالغرفة كمن مسه الجنون، لا تعلم كيف تتصرف، فبعد أن علمت بخطبته لتلك الفتاة انهارت جميع أحلامها. وقد فطنت إلى لعبته الحمقاء حين جعلها تتهيأ بأمر إرثهم المزعوم حتى يضرب ضربته دون أن تستطيع عرقلته، وقد أتم خطته بنجاح.
صرخة غاضبة خرجت من جوفها تحكي مقدار القهر الذي تشعر به في تلك اللحظة، وقامت بالعبث بهاتفها تنوي الاتصال بأحدهم، وقد كان رنين الهاتف بأذنيها يزيد من إشعال غضبها أكثر، فبعد أن انقضت مدة الرنين دون إجابة قامت بإلقاء الهاتف بعنف، فكان أن ارتطم بوجه هَمَت التي دخلت إلى الغرفة للتو.
"إيه يا شيرين في إيه؟ أنتِ اتجننتِ؟"
"اتجننت بس. دانا هتشل.. شفتي اللي حصل؟ البيه كان بينيمنا. فتح في موضوع الورث عشان يلهينا ويخلاله الجو مع الكلبة بتاعته."
قالت جملتها الأخيرة صارخة، فاقتربت منها هَمَت تربت على كتفها بحنان قائلة بمواساة:
"اهدي شوية ومتعمليش في نفسك كده.. من وقت طويل وأنتِ عارفة إنه بيحبها. وأنتِ كنتِ متجوزة وعايشة حياتك مع جوزك. كل اللي كنا عايزينه إنه ميظلمناش في موضوع الورث. وأهو قال إنه مش هيظلمنا يبقى ليه بقى كل ده. ما ناخد حقنا وكل واحد حر في حياته.."
انتفضت شيرين أسفل كفوف والدتها التي تربت فوق ظهرها وقالت بانفعال:
"أنتِ بتقولي إيه؟ ورث إيه اللي كنا عايزينه؟ وجوز مين اللي كنت عايشة حياتي معاه. أنتِ أكتر واحدة عارفة إني عمري ما حبيت غير سالم. أنا رجعت هنا عشانه. عشان ده حقي. أنا بحبه وهو كان بيحبني."
قاطعتها هَمَت بصرامة:
"وأنتِ اللي ضيعتيه من إيدك بعملتك السودا ولولا إنه شال الليلة وداري عليكِ كان هيبقي شكلنا زي الزفت قدام الناس.."
صرخت شيرين بقهر:
"غصب عني كنت صغيرة. وملقتش حد يوجهني. وهو طول عمره صعب وقاسي. وبعدين أنا معملتش جريمة. إيه يعني قابلت أحمد مرة ولا مرتين مكنش حب دي كانت مراهقة.."
"ماهو حظك الأسود اللي خلاه يشوفك وهو البيه ماسك إيدك.. تفتكري أي واحد في مكان سالم كان هيعمل إيه في الموقف ده؟"
"ماهو عمل.. وحكم عليا بالموت يوم ما فض الخطوبة وقال لبابا وخالي إني بحب واحد تاني عايز أتزوجه. وجوزني ليه من غير حتى ما يسمع مني."
"كان لازم يعمل كده. أي راجل في مكانه كان هيعمل كده. متنسيش إنك خليتي شكله قدامنا زي الزفت إن خطيبته تبقي بتحب واحد تاني غيره."
"أنتِ معايا ولا ضدي؟"
"يا بنتي أنا معاكِ بس مش عايزآكِ تعلقي نفسك بحبال دايبة. ساعدتك بكل اللي أقدر عليه بس ده ابن أخويا وأنا عارفاه. إحنا جبنا آخرنا معاه.. مش هنوصل لأبعد من كده.."
تجاهلت حديثها وقالت بغضب:
"أنا بقى هوصل. بس افتكري إنك ادتيني ضهرك على الرغم من إنك كان عندك استعداد تقتلي ابن جنة عشان سما. لكن أنا محاولتيش تعملي أي حاجة عشاني.."
شهقت هَمَت من حديث ابنتها القاسي وتجهم وجهها قائلة بنبرة مرتعشة:
"اخرسي. دي كانت لحظة شيطان وندمت عليها وكله من لسانك أنتِ اللي قعدتي تسخني فيا."
اقتربت منها شيرين بغل تجلى في نبرتها حين قالت:
"أنا مش هسكت واستحالة الجوازة دي هتتم. حتى لو هعمل إيه؟"
"أنا ليه حاسة إن اللي قدامي واحدة معرفهاش. مش دي شيرين بنتي اللي ربيتها. وكبرتها. في إيه؟ مش مظبوطة وعمالة كل شوية تعملي في مكالمات سرية زي الحرامية وتحلفي وتتحلفي! مين وراكِ؟ مسنودة على إيه يا بنت بطني؟"
قالت جملتها الأخيرة بصراخ لم يردع شيرين التي كانت عينيها مغلفة بطبقة من الغضب الممزوج بالشر الذي تجلى في نبرتها حين قالت:
"هتعرفي كل حاجة في الوقت المناسب.. بس خليكِ فاكرة إنك اتخليتي عني زي ما اتخليتي عن أبويا زمان.."
***
انقضت الثلاث أيام الماضية بسرعة، فقد كانت التجهيزات في البلد على أكمل وجه، بينما غادر أولاد الوزان إلى مسقط رأسهم حتى يتجهز الجميع مع الوعد بالقدوم قبل الزفاف بيومين، وقد كان هناك ترقبًا من نوع خاص لأي حركة قد تصدر عن ذلك الشخص المجهول الذي أرسل رسالته، ولكن لم يحدث شيء، وقام سالم باتخاذ كافة احتياطاته مستخدمًا نفوذه حتى تكن الأمور تحت سيطرته، في حين قام أحدهم بفعل أي شيء قد يخرب ذلك الزفاف.
كان عليه السفر إلى مقر شركته في القاهرة يبحث أمور تخص العمل، حين جاءه ذلك الطرق على الباب والذي لم يكن سوى لـ سليم، الذي ما أن خطى بأقدامه إلى الداخل حتى قال بانفعال:
"لا ساندي ولا عُدي هما اللي عملوا كده زي ما قالت جنة."
"اتأكدت؟"
"أيوا. وأنت اتأكدت إن محدش دخل مكتبك وسرق الورق؟"
"الورق زي ماهو. وارد يكون حد صوره و وارد يكون حد كان معاه نسخة منه من أيام ما اتأمضى.."
"تقصد إيه؟"
"تليفون حازم.."
انكمشت ملامح سليم بحيرة، فتابع سالم وهو يخرج الهاتف ويلقي به أمام المكتب:
"التليفون كان عليه نسخة من الورقة. والنسخة دي اتبعتت وبعد كده اتحذفت. خليت حد راجع عليه.."
استشاطت غضبًا حين سمع حديث أخاه وقال بانفعال:
"التليفون وحاجة حازم كلها مع ماما."
"كانت مع ماما!"
"يعني إيه؟"
"حلا. خدت التليفون والمحفظة وكل حاجة من ماما من حوالي عشر أيام."
"انت بتقول إيه يا سالم؟ معقول حلا تكون هي اللي؟"
"منقدرش نجزم بدا. ممكن تكون سما، شيرين، أو حتى عمتك. ومع الأسف منقدرش نسأل، ده اتهام خطير لحلا."
جن جنونه وقال منفعلًا:
"أومال هنعرف إزاي؟"
"الخاين هيكشف نفسه. هنستنى أما نشوف هيعمل إيه؟ ووقتها هنقدر نتصرف.."
زفر سليم بغضب وقال حانقًا:
"أنا واثق إن حلا متعملش كده. الحوار ده مش هيخرج غير من سما أو شيرين."
"هنعرف بس الصبر…"
أنهى كلماته تزامنًا مع مجيء رسالة على البريد الإلكتروني الخاص بالشركة، فتوجه سالم إلى حاسوبه يستطلعه، فإذا به يصدم حين وقعت عيناه على تلك الرسالة، والتي كانت شكر من إحدى الشركات التي يتعاملون معهم في الخارج وأخبارهم بأن المبالغ تحول للحساب الجديد وتتمنى عقد صفقات أخرى معهم.
"معناها إيه الرسالة دي؟"
هكذا قال سليم حين قرأ النص المدون في الرسالة، فلم يجبه سالم وقام بإمساك الهاتف لإجراء اتصال، وما أن أتاه الرد حتى قال بأمر:
"في أي شحنة خرجت من المخازن الشهر اللي فات؟"
أتاه الصوت الآخر على الهاتف:
"أيوا يا سالم بيه إحنا مسلمين شحنتين للشركة الألمانية الشهر اللي فات.."
هب سالم من مجلسه قائلًا بغضب:
"انت بتقول إيه؟ ومين أمرك تعمل دا؟"
أجابه الموظف بهلع:
"حضرتك إحنا جالنا إيميل التسليم كالعادة من إيميل الشركة الأساسي وبناءً عليه سلمنا الشحنات في معادها.. هو في إيه يا فندم؟"
خرج غضبه عن السيطرة، فقد وقعوا فريسة للعبة قائدها مجهول، مما جعل سالم يطحن أسنانه غضبًا قبل أن يقول بأمر:
"ابعتلي الإيميل اللي جالك دلوقتي على الميل الخاص بيا.. وأي تعاملات بعد كده هتكون منه إيميل الشركة محدش يتعامل معاه خالص."
أغلق سالم الهاتف فصاح سليم باستنكار:
"اللي أنا بسمعه ده بجد؟ إحنا بيتنصب علينا من شخص مجهول؟"
زفر سالم بحنق وجلس يبحث على حاسوبه، فتفاجأ حين أتته رسالة العامل والتي تفيد بخروج بضاعة تتعدى العشرين مليونًا من مخازنهم، فبرقت عيناه من شدة الصدمة التي كانت من نصيب سليم أيضًا، والذي قال بذهول:
"عشرين مليون! ده خراب بيوت.."
تغلب سالم على صدمته وقال بقسوة:
"هتواصل مع الشركة وأعرف الحساب اللي اتحولت عليه الفلوس باسم مين، وأنت جهز نفسك عشان هنسافر القاهرة."
نفذ سليم أوامر سالم دون اعتراض، بينما الأخير اشتدت ملامحه غضبًا واكفهرت تعابيره بشكل مريب، وقام بجذب هاتفه وإجراء أحد الاتصالات، وما أن أجاب الطرف الآخر حتى قال سالم بقسوة:
"عايز أعرف مكان ناجي عبد السلام الوزان؟"
يتبع...
رواية بين غياهب الاقدار "في قبضةالاقدار الجزء الثاني" الفصل الرابع عشر 14 - بقلم نورهان العشري
انهى جمع حقائبه وأرسلها إلى السيارة، متوجهًا إلى الأسفل. فسمع شهقة قوية خرجت من والدته، التي أخبرها "سليم" بما حدث. صاحت حين وقعت عيناها عليه:
"كلام إيه اللي بسمعه ده يا سالم؟"
زفر بحنق قبل أن يجيب بجمود:
"معنديش معلومات عشان أقولها لك يا ماما. أنا مسافر القاهرة وهشوف بنفسي حصل إيه."
كان الجميع يلتزم الصمت أمام غضبه الضاري، وخاصة هي. ولكن قد جاء الوقت لتضرب بيد من حديد، فقالت بغضب مفتعل:
"الكلام ده معناه إن فيه خاين في الشركة!"
توجهت نظراته إليها، تشملها بنظرة كانت مرعبة، ولهجة تشبهها حين قال بفظاظة:
"وعرفتِ ده لوحدك؟"
تحركت بخيلاء، تتهادى في مشيتها، قبل أن تقف أمامه وتقول بتهكم:
"آه تخيل. أصل أنا واحدة بفكر بعقلي، مش لاغياه وماشية ورا مشاعري."
رمقها بسخرية وقال بفظاظة:
"غريب عليكِ أوي الموضوع ده! ويا ترى وصلتي لأيه؟ يا عاقلة!"
قال كلمته الأخيرة بلهجة هازئة أثارت حنقها، فأجابته مندفعة:
"الخاين ده أنت مصر تقربه منك يا سالم. مين معاه إيميل الشركة غيرك أنت وسليم؟"
لم تتغير نبرته حين أجاب باختصار:
"مين؟"
بلهجة مسمومة نابعة من قلب فاض به الشر:
"فرح!!"
شهقات متتالية اندلعت من حولهم، فتابعت "شيرين" بقوة:
"مش كانت سكرتيرتك؟"
أجابها "سالم" من بين أسنانه:
"وهتبقى مراتي. فخلي بالك من كلامك."
"وعشان كده هتستثنيها من حساباتك صح؟ المال مش مالك لوحدك يا سالم بيه!! ده مالنا كلنا، يعني اللي سرق سرقنا كلنا."
تراجعت للخلف خطوتين حين هالها مظهره، فتابع بقسوة:
"الخاين هعرفه وهعاقبه قدامكم كلكم."
شددت على كلماتها حين قالت بتحدي:
"ولو طلعت هي اللي خاينه وسرقت الفلوس هتعمل إيه؟"
أجابها باختصار:
"وقتها هتعرفي!!"
أنهى كلماته وتابع سيره دون أن تغير غضبها أي اهتمام، ولكن وجهه كان مكفهرًا وملامحه متجهمة. فما أن اختفى عن الأنظار حتى صاحت "أمينة":
"أنتِ عمالة تعكي يا بنت همت، وهييجي على دماغك في الآخر."
أجابتها "شيرين" بوقاحة:
"عشان بقول الحقيقة أبقى بعكي!!"
"لا عشان فكرك إنك مش مكشوفة؟ وأننا ناس هبلة هتضحكي عليهم. بس وماله خلينا ورا الكداب."
اختتمت جملتها بعد أن ألقت عليها نظرة حانقة محتقرة، وتابعت صعودها للأعلى ترافقها "حلا". فتقدمت "همت" من ابنتها وقالت بنبرة خافتة:
"اللي حصل ده ليكي يد فيه؟"
لم تجبها شيرين، إنما توجهت إلى غرفة الصالون، فتبعها "همت" التي أغلقت الباب خلفها وهي تقول بنبرة ساخطة:
"جاوبيني."
"أنتِ بره الليلة خلاص، بتسألي ليه؟"
تعاظم الغضب بداخلها، فأجابتها بحدة:
"اتعدلي يا بت ناجي! إيه الجينات الزبالة نقحت عليكِ ولا إيه؟"
جن جنونها، واستقرت الكلمات في منتصف جرح غائر بداخلها، فصاحت بعنف:
"أوعي تغلطي في أبويا.. أبويا اللي اتخليتي عنه ورمتيه لما أخوكي شاور لك. أبويا اللي عمل كل حاجة في الدنيا دي عشان خاطرك وخاطرنا. رمتيه واتطلقتي منه ومفكرتيش تسألي عنه ولا مرة. لو جبتي سيرته مش هسكتلك أبدًا."
صدق ظنها، فابنتها الآن تشبه إلى حد كبير ذلك المسخ الذي أحبته يومًا، بالرغم من أنه كان ابن عمها، إلا أن دماءه كانت ملوثة. يحقد وبقوة على أشقائه. أوهمها ذات يوم بأنه يعشقها، ولكن الحقيقة أنه كان طامعًا بأموالها فحسب، لتستيقظ ذات يوم على صفعة خذلان قوية نالت من قلبها وروحها، وللآن لم تتعافى منها.
"دانا اللي مش هسكتلك يا شيرين.. أبوكي اللي بتدفعي عنه ده سرقنا، وخاننا. اتسبب في موت جدك وجه ياخد عزاه عادي من غير أي إحساس بالذنب. سنين عايش معانا بياكل من خيرنا وهو بيعض الإيد اللي اتمدتله. أبوكي ده أسوأ إنسان على وجه الأرض. اخترتيه ووقفت قدام أهلي عشان أتجوزه، وهو بالمقابل عمل إيه؟ كسرني وكسرهم وخاننا كلنا."
كانت تنتفض بحرقة وهي تتحدث، وانهمرت عبراتها حين تابعت بقهر:
"هنا بالظبط اكتشفت خيانته لما جت البت السكرتيرة اللي كان مرافقها وحكت كل حاجة. كان بيخونى من أول يوم جواز.. سرق فلوس أبويا وفلوسي، وبسببه خالك منصور جاله جلطة من الزعل. كنا هنروح في ستين داهية واسم الوزان كان هيبقى في الأرض لولا إن ربنا دايما بيقف مع الحق. وقدرنا نرجع مكانتنا تاني. سالم اللي أنتِ بتجري وراه ده عمره ما هيفكر فيكِ أبدا. عارفة ليه؟ عشان بيجري في عروقك دم ناجي. كنت الأول في صفك وبقول يمكن، لكن دلوقتي لأ.. أنتِ متصلحيش تبقي مراته ولا مرات كبير عيلة زي دي… يا بنت ناجي…"
ألقت كلمتها الأخيرة كسبّة، متبوعة بنظرة محتقرة استقرت في صدر تلك التي استنكرت ما سمعته أذناها بشدة، فصرخت غاضبة:
"كذب.. أبويا أشرف من الشرف.. التعابين اللي حواليكِ دول هما اللي سمموكِ عشان كانوا كارهينه وكانوا عايزين ياخدوا تعبه وشقاه.. وأنتِ طول عمرك تابعة لأمينة بتقولي حاضر ونعم وبس. لكن أنا مش زيك. وفخورة إني بنت ناجي. وسالم بيه الوزان نصيبه معايا أنا سواء عجبك أو لأ.. سواء بيحبني أو لأ."
كانت تعلم كيف يدق قلب الأنثى لمن لا يكترث له، تعلم جيدًا كيف يكون ذلك الشعور بأن يفضل أحدهم شخصًا آخر عليك، ولهذا تجاوزت عن كل شيء، واقتربت منها تقول بحنان ولهجة متألمة:
"أنا عارفة اللي أنتِ فيه مش سهل… وحاسة بيكي، بس أنتِ اخترتي من الأول وحصل اللي حصل وربنا وحده اللي عداه على خير. بلاش تأذي نفسك وتأذينا معاكِ. سالم مش هيظلمنا حتى لو مدناش أرض هيدينا أضعاف تمنها، أنا عارفاه. بلاش نبقى أعداء، كفاية كده."
صرخت بقهر:
"لا مش كفاية.. وحقنا ده أبسط حاجة هناخدها. وكدا كدا هناخده. لكن رد اعتبارنا وكرامتنا وكرامة أبويا اللي خرج من هنا متهان دي مش هتعدي بالساهل…"
خربش الشك جدران قلبها، فقالت بترقب:
"اشمعنى دلوقتي جاية تدوري على حق أبوكي وكرامته؟ في إيه وراكِ؟ أنا مش مطمنالك؟"
"لا اطمني.. أنا عارفة أنا بعمل إيه كويس أوي…"
أنهت جملتها وأوشكت على المغادرة، فقامت "همت" بإمساكها بقوة من رسغها، تديرها إليها قبل أن تقول بلهجة خطرة وعينين انبعثت منها نيران الغضب:
"أنتِ بتتواصلي مع ناجي؟؟؟"
ابتلعت ريقها قبل أن تقول بلهجة جامدة:
"لا…"
***
قد لا تعلم ما ينقصك إلا عندما تراه.. هكذا كان الأمر معها... فسابقًا كانت الأشياء تتعقد والعالم يظلم ويضيء، وهو ثابت لا يتململ، يدرك مسؤولياته ويحملها دون أي تضرر. يعلم وجهته جيدًا، وبأنه الكتف الذي اعتاد أن يسند الجميع دون أن يهتز. ولكنه الآن لأول مرة يشعر بحاجته للاتكاء. لأن يضع رأسه على كتف أحدهم ينشد الراحة التي تتلخص في قربها. كانت هي الكتف الذي أشعره بحاجته طوال تلك السنوات. لم يتخلل إلى قلبه أي ضعف إلا عندما وقع بعشقها. هي من أضاءت له عتمة حياته، وكأنه برؤيتها وجد ما كان ينقصه واكتملت روحه بقربها. لهذا، ولأول مرة بحياته، لم يخجل من إظهار ضعفه حين قام بإمساك الهاتف ينوي الحديث معها. فجاءه الرنين الذي كان يتراقص مع دقات قلبه التي تقرع كالطبول، تترقب سماع صوتها الذي لم يتأخر بالإجابة، وكأنها شعرت به.
"سالم…"
باغتها حين قال بخشونة:
"وحشتيني…"
لم يكن اشتياقًا فقط، بل احتياجًا قاتلًا لوجودها. حملته لهجته، فلامس قلبها، لتجيبه بلهفة:
"انت كويس؟"
أجابها باختصار:
"يعني."
"فيك إيه؟ طمنّي؟"
لأول مرة يحتار كيف يصيغ حروفه؟ كيف يخبرها بما هو أعمق من الكلمات بكثير، ولكنه اكتفى بكلمات بسيطة كانت ملخصًا لكل ما يحمله بقلبه من ثقل:
"عايزك معايا…"
كان هذا ما يشعر به في تلك اللحظة، بأن وجودها سبب كاف لانتهاء كل الأشياء السيئة. فلامست كلماته حواف قلبها الذي تعثرت نبضاته من فرط التأثر، فقالت بلهجة خافتة يشوبها الخجل:
"هانت. كلها كام يوم ونكون مع بعض…"
أضاف مصححًا:
"إن شاء الله… دايمًا قدمي مشيئة ربنا قبل أي حاجة."
أضافت مصححة:
"إن شاء الله.. بس أنا حاسة إن فيك حاجة ومش عايز تقول عليها."
أجابها بخشونة:
"هتعرفي كل حاجة لما أشوفك.. قوليلي حاجتك هتوصل إمتى؟"
"أنا جهزتها، المفروض هتوصل النهاردة إن شاء الله.. بس…"
هكذا توقفت الكلمات على أعتاب شفتيها، فلم تستطع أن تكمل بسبب الخجل، فهي لم تكن تريد لأي شخص أن يطلع على ملابسها أو أشياءها الخاصة. ففطن هو لما تريد أن تقوله، فقال باختصار:
"متقلقيش، محدش هيدخل الجناح بتاعك لحد لما تنوريه…"
ارتاح قلبها كثيرًا، فقالت بخجل:
"طمنتني.. شكرًا بجد إنك فاهمني من غير ما أتكلم."
كان يود لو يحطم ذلك الهاتف ويذهب إليها ويخبرها كم أنه يحتاجها ويشعر بكل ما يدور بداخلها، حتى أنه يعلم تمامًا كيف صارت ملامحها وكيف نبت محصول التفاح الشهي ليضيء وجنتيها الجميلة. ولكنه اكتفى بإخراج زفرة حارة من جوفه قبل أن يقول مازحًا:
"ولسه لما تعرفي إني ناوي أرتب معاكِ كل حاجة. ماهو مش معقول هسيب عروستي الحلوة تتعب وأنا موجود…"
تلاحقت أنفاسها وهي تتخيله يجلس بجانبها ليرتب معها أشياءها وبعض الملابس الخاصة بالعرائس التي لا تعلم كيف أقدمت على شرائها، فودت في تلك اللحظة لو تختفي من العالم من فرط الخجل، فخرجت الكلمات متلعثمة من بين شفتيها حين قالت:
"إيه.. لا، طبعًا. وتتعب نفسك ليه؟ أنا هعمل. كل حاجة."
نجح ارتباكها في رسم ابتسامة خافتة على ملامحه المتصلبة، فأجابها بخشونة:
"ياريت كل التعب يكون بالشكل ده…"
"نعم.. يعني إيه؟"
هكذا سألته باندفاع، فخرجت منه ضحكة خافتة قبل أن يقول بفظاظة:
"هبقى أشرحلك عملي. المهم اللاب توب بتاعك هييجي مع حاجاتك صح؟"
"اها هبعته. في حاجة ولا إيه؟"
هكذا استفهمت، فأجابها بلامبالاة:
"لا عادي. الجهاز بتاعي حصل فيه مشكلة فهاخد بتاعك فترة لحد ما يتظبط. أنتِ حذفتي أي حاجة من عليه تخص الشغل."
"لا خالص، حتى إيميل الشركة لسه مفتوح عليه. أنا تقريبًا مقفلتوش."
ابتسم بهدوء قبل أن يجيبها ببساطة:
"خلي بالك من نفسك. ولو احتاجتي حاجة كلميني. واستخدمي الكريديت اللي سبتهالك يا فرح، وده أمر مش طلب."
أرادت مشاكسته قليلًا، فقالت بغيظ مفتعل:
"مابحبش حد يأمرني."
أجابها بفظاظة صارت محببة على قلبها كثيرًا:
"أنا مش أي حد."
خرجت الكلمات مندفعة من بين شفتيها حين قالت:
"دي حقيقة على فكرة."
"معترفة يعني!!"
ابتسمت بحب قبل أن تقول بتأكيد:
"آه معترفة، مبقاش في مجال للإنكار."
زفر بتعب قبل أن يقول بأنفاس متهدجة وقلب يشدو بعشقها ويهلك من فرط شوقه الضاري لها:
"جهزي نفسك بقي عشان كلها كام يوم وهسمع اعترافاتك كلها، والإنكار هيكون له عقاب شديد."
ابتسمت بخجل قبل أن تقول بخفوت:
"خلي بالك من نفسك."
كان اهتمامًا لم يكن يعلم أنه في أمس الحاجة إليه، لذا شعر في تلك اللحظة بامتنان كبير لوجودها في حياته، فأجابها بخشونة:
"حاضر."
أنهى مكالمته وقام بإجراء أخرى، وما أن أتته الإجابة على الطرف الآخر حتى قال بفظاظة:
"مروان تسمع اللي هقولهولك وتنفذه بالحرف الواحد، ومش عايز مخلوق يعرف حاجة."
***
في اليوم الثاني، كانت تنهي بروفة فستان الزفاف الذي كان أكثر من رائع ويلائمها كثيرًا، وقد شعرت بالفراشات تطير في معدتها من فرط السعادة التي جعلتها تضع يدها فوق قلبها وتتمنى أن تدوم تلك السعادة ولا يحدث أي شيء يعكر صفوها. ولكن دائمًا تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن، فقد دق هاتفها برقم غير مسجل، فشعرت بنغزة قوية في قلبها تنذر بأنه هناك شيئًا سيئًا قد حدث، لهذا أخذت نفسًا قويًا قبل أن تجيب بنبرة حاولت أن تكون ثابتة:
"مين معايا؟"
أتاها صوت شيرين الساخر حين أجابت:
"شيرين الوزان."
حاولت تهدئة نفسها قليلًا قبل أن تقول بلامبالاة:
"أقدر أعرف سبب اتصالك؟ في حاجة أقدر أساعدك بيها؟"
حاولت شيرين إخفاء غضبها قبل أن تقول بهدوء:
"الصراحة أنا اللي عاوزة أساعدك."
"بس أنا مش محتاجة مساعدتك!"
هكذا أجابتها فرح، فتحدثت شيرين تهكمًا:
"مش لما تعرفي الأول أنا عايزاه في إيه؟ وقتها تبقي تحددي."
بداخلها شعور قوي بالشر تجاه تلك الفتاة، وكان قلبها يتوسل بصمت ألا تستجيب لفضولها وتعطي لتلك الفتاة فرصة لتخريب سعادتها. وقد استجابت لتوسله هذا وقالت بلهجة قوية:
"مش عايزة أكون قليلة الذوق، بس أنا مش فاضية خالص دلوقتي. أنتِ عارفة فرحي كمان كام يوم، فهاضطر أجل كلامي معاكِ لبعد الفرح، وزي ما أنتِ عارفة إحنا هنعيش في بيت واحد، قدامنا وقت طويل عشان نرغى براحتنا. بس دلوقتي أنا حقيقي مش فاضية، فمعلش هقفل معاكِ ونبقى نتكلم بعدين. عن إذنك."
هكذا أنهت حديثها وأغلقت الخط، بل الهاتف بأكمله. ولكن هناك شعور قوي داخلها يريد معرفة ما كانت ستخبرها به، فإذا بها تسمع صوت شقيقتها التي قالت بتشجيع:
"عين العقل يا فرح.. البنت دي مش كويسة خالص، وأكيد مش هتكون عايزالك في خير."
التفتت فرح إلى جنة التي كانت هي الأخرى تقوم بعمل البروفة الأخيرة على فستانها، التي ما قبلت أن ترتديه سوى بعد إلحاح كبير من الجميع، وخاصة ذلك المجنون الذي أخبرها بصرامة لا تقبل الجدال:
"من غير يمين يا جنة.. لو ملبستيش الفستان هاجي أشيلك على كتفي قدام الناس كلها وأدخل ألبسهولك بنفسي."
هكذا أذعنت لأمره، وقبلت بارتداء هذا الفستان الساحر الذي خطف قلبها فور أن وقعت عيناها عليه، كما أعجبها كثيرًا فستان شقيقتها والذي كان يلائمها كثيرًا. ولأول مرة تراها سعيدة بتلك الطريقة، إلى أن أتاها ذلك الاتصال اللعين من تلك الفتاة، والتي بالتأكيد تريد أن تخرب حياة شقيقتها.
"أيًا كان اللي هي عايزاه أنا مفيش بيني وبينها حاجة عشان أسمع لها.. كبري دماغك منها. المهم خلصتي؟"
"آه خلصت.. متتغيريش الموضوع يا فرح. لازم تقولي لسالم عالي حصل عشان لو فكر يعمل حاجة يمنعها."
"خلاص يا جنة كبري دماغك منها، مش طالبة مشاكل وأفلام هندي قبل الفرح، أنا من غير حاجة متوترة. يالا بينا."
زفرت جنة بغضب من عناد شقيقتها، ولكنها لم تعلق بشيء، ولكن بداخلها رهبة كبيرة من شيء سئ قادم. وقد كان شكلها بمحله، فقد كانت شيرين تكاد تجن من رد فعل فرح تجاه حديثها. فقد استغلت غياب سالم وقامت بحجز تذكرة ذهاب وعودة إلى المنيا، حتى تتيح لها فرصة مقابلة فرح. فأتت الأخيرة لتخرب مخططها، فأخذت ترغي وتزبد، لا تعرف ماذا عليها أن تفعل. وللحظة طرأ على بالها فكرة، شرعت في تنفيذها على الفور، فقامت بالتقاط الهاتف وإجراء مكالمة، وما أن أتاها الرد حتى أجابت باندفاع:
"محتاجة مساعدتك ضروري."
كانت كل عضلة به تؤلمه، ناهيك عن غضبه الضاري الذي جعله يقول بحنق:
"صرعتي راسي رن رن. عايزة إيه يا حرمة أنتِ؟"
صاحت شيرين غاضبة:
"اتكلم معايا عدل يا عمار.. ومتنساش إني أنا اللي عرفتكوا طريق ولاد عمك والمصايب اللي عملوها."
"ضربتك على إيدك عشان تاجي تقولي لي ولا أنتِ اللي عملتي أكده من نفسك؟"
"يعني هتتخلى عني بعد ما ساعدتك؟"
زفر غاضبًا وخرج صوته حادًا:
"إيه اتخلى عنك دي يا بت الحلال، هو أنا جوزك وأنا معرفش. وبعدين أنتِ عايزة إيه؟ خلاص عرفنا كل حاجة واتحلت كل المشاكل. عايزة إيه مني؟"
صاحت بانفعال:
"لا متحلتش.. سالم هيتجوز فرح! عادي عندك إنه ياخدها منك؟ مش دي بنت عمك وأنت أولى بيها؟"
صاح بانفعال:
"أنا محدش يجدر ياخد حاجة مني. وفرح أنا مرايدهاش من الأول وإن كانت عايزاه ف أنا مش هوقف في طريقها تشبع بيه."
"عادي كدا.. مش سالم دا اللي اتخانق معاك وضربك قدام الناس كلها. ووقف قدام جدك شكلك إيه لما الناس تعرف إنه خد خطيبتك؟ هتعدي الموضوع بالساهل كدا؟"
تعاظم الغضب بداخله وغلا دمه في عروقه، ولكنه توقف للحظة وقد أضاء عقله بفكرة خبيثة، فاستطرد قائلًا:
"لاه مهيعديش بالساهل.. أنتِ عندك حق.. بس الحديث مهينفعش في التليفون، إحنا لازم نتجابل."
"وأنا موافقة. أنا هنا أصلًا قدامي 3 ساعات على ميعاد الطيارة، أنت فين؟"
قهقه عمار بشر قبل أن يقول:
"دانتي مبتضيعيش وقت واصل.. جولي لي فينك وأنا هاجيك."
أخبرته شيرين عن مكانها، فوعدها بملاقاتها. وبعد أن أغلقت الهاتف، قام هو بإجراء مكالمة يتلهف كثيرًا لها، وجاءه الرد على الطرف الآخر:
"حمد لله عالسلامة. خفيت بسرعة وبقيت قادر تتكلم؟"
هكذا تحدث سالم بسخرية، فأجابه عمار بمثيلتها:
"وهي الخرابيش دي تمنع الحديث بردك؟"
"معلش عندي دي. المرة الجاية لو فكرت تقرب من حاجة تخصني هتأكد إنك لا هتقدر تتكلم ولا تتحرك خطوة واحدة."
قهقه عمار بشر قبل أن يقول ساخرًا:
"الحقيقة إن اللي يخصوك هما اللي بيجربوا مني مش العكس؟"
انكمشت ملامحه بغضب وقال بفظاظة:
"وضح كلامك.. وخلي بالك عشان هتتحاسب عليه."
"يا راجل حساب إيه ده، أنا مادد لك إيدي بالصلح. ويعلم ربنا لو ما كنت غالي عليا ما كنت كلمتك. بس إني جولت إحنا بقينا نسايب ولازم أنبهك. مينفعش أسيبك أكده مختوم على جفاك."
صاح سالم بعنف:
"كلمة زيادة وهاجي بنفسي أقطعلك لسانك. الحق نفسك وقول اللي عندك."
"حقك.. أنا عارف إن كلامي تقيل بس زي ما جولت لازم أنبهك.. السنيورة بت عمتك. شيرين. لسه جافلة معايا دلوق وعايزاني أروح أجابلها في فندق (..) وطبعًا أنا راجل بفهم في الأصول، فجولت أكلمك الأول أستأذن منك أروح أجابلها ولا لأ؟ أنت إيه رأيك؟"
تعاظم الغضب بداخله حتى بدأ ينفسه على هيئة نيران، فخرج صوته مرعبًا حين قال:
"عارف لو طلعت بتكذب علي هعمل فيك إيه؟"
"وه أكذب لي؟ وبعدين هو أنت هتغلب، مانت تجدر تتأكد بسهولة. هو إني بردو اللي هعرفك. وبعدين ولا تزعل نفسك، أنا هروح بنفسي وناخدو صورة حلوة مع الأمورة وأبقى أبعتهالك عشان تتأكد."
لم يتحمل سماع كلمة أخرى، فقام بإغلاق الهاتف وإجراء مكالمة هاتفية بمديرة مكتبه لمعرفة ما إن كان هناك حجز باسم شيرين الوزان على متن خطوط الصعيد. فأخبرته الأمر منها بعض الوقت لتخبره بوجود حجز اليوم باسمها. فتجمدت عضلات جسده من فرط الغضب، وقام بالاتصال بها، فأتاه صوتها المرتجف:
"آلو. سالم؟"
"اطلعي على فيلا صفوت الوزان دلوقتي، وإياكِ تخرجي منها لحد ما أجيلك."
ارتعبت كل خلية بها من حديثه ومعرفته بمكان وجودها، فحاولت خداعه قائلًا:
"إيه؟ أنت بتقول إيه؟ عايزني أروح الصعيد لوحدي؟"
خرج صوته كالسيف حين قال صارخًا:
"بطلي كذب واعملي اللي قلتلك عليه حالا. وحسابك على اللي عملتيه ده هيكون غالي أوي."
ارتجف جسدها ذعرًا من حديثه، فقالت في محاولة لتهدئته:
"أنا عملت إيه؟ لو كانت كلمتك تقولك…"
"اخرسي.. العربية هتجيلك دلوقتي وحسابنا لما أجيلك."
***
قهقه "عمار" بسعادة من بين جروحه التي أخفت ملامحه وشوهت وسامته، مما جعل الاندهاش يسيطر على تلك التي كانت تراقبه من بعيد، فقالت بخفوت:
"يا مرى.. دانت إبليس يجولك يا خال."
تنبه لصوتها من على باب الغرفة، فصرخ بها:
"واقفة عندك بتعملي إيه يا بت أنتِ؟"
ارتعبت حين لاحظ وجودها، فتقدمت تحمل إحدى الصواني التي كان عليها إفطاره، وقالت باحترام:
"ست تهاني بعتالك الوكل."
"حطيه وغوري من هنا."
اغتاظت من وقاحته، فخرجت الكلمات من فمها مندفعة كما هي العادة:
"دلوقتي بتشخط وتشخط اللي يشوفك من يومين وأنت مجدرش تصلب طولك ميشوفكش وأنت كيف الجطر أكده."
اغتاظ منها حين سمع كلماتها غير المفهومة، فصاح بغضب:
"بتبرطمي بتجولي إيه يا مخبلة أنتِ؟"
تراجعت خطوتين إثر صراخه وقالت باندفاع:
"مبجولش. اجصد حمد لله عالسلامة، صوتك رجع طلع أهو بعد ما كنا مرتاحين منه."
كانت كارثة بحق، لسانها السليط يتنافى مع جمالها الخارجي، والذي يظهر على استحياء من بين ملابسها المهلهلة ومنديلها الباهت الذي يظهر بعضًا من خصل شعرها الأسود اللامع، الذي أثره لثوانٍ وخطفت انظاره، ولكنه تجاوز عن سحرها الخفي الذي يجذب أنظاره إليها، وقال بتقريع:
"طب غوري من وشي، روحي شوفي وراكِ إيه."
اقتربت منه والامتعاض بادٍ على ملامحها حين قالت:
"موراياش غيرك."
"وه كيف دا؟"
بنبرة مغتاظة أجابته:
"الست تهاني أمرتني متعتش من جنبك طول مانت عيان، وادي لي كام يوم قاعدة جارك بخدم جنابك."
ابتسم ساخرًا، وتجلت سخريته في نبرته حين قال:
"اترحمتي من خدمة البهايم أومال؟"
"أنا عن نفسي مش شايفة إنها فارقة كتير، خدمتك من خدمتهم."
هب "عمار" من مكانه وهو يصيح بغضب:
"بتجولي إيه يا بت المركوب أنتِ؟"
تراجعت للخلف وهي تقول بجزع:
"مبجولش.. اجصد يعني مش هتفرق، أهي كلها خدمة."
"آه بحسب.. بت لسانها عايز جطعه."
تحدثت بخفوت ولهجة ممتعضة:
"مكنش الراجل الطيب اللي ضربك ده جطع لك لسانك أنت وريحنا."
صاح مرة أخرى:
"بتبرطمي بتجولي إيه يا بت؟ أنا بكره البرطمة دي."
"ولا حاجة، بكح.. كح كح."
حاولت أن تمثل السعال أمامه، فكان مظهرها يوحي بالضحك، فغافلته ضحكة ارتسمت على ملامحه المتورمة، جعلتها تتحدث دون أن تعي:
"لهو أنت بتعرف تضحك زيينا؟"
"أومال مش بني آدم ولا إيه؟"
أجابته بعفوية مضحكة:
"أيوا بني آدم ظالم وجبار."
"وه ليه أكده؟"
"لاه، وأنا مالي. أخاف أقولك لا تطخني عيارين المرة دي."
ابتسم على مظهرها وقال بهدوء:
"لا جولي وأنا هديك الأمان."
"الصراحة بقى، أنت راجل مفتري وظالم ومتعرفش ربنا. وده مش كلامي، ده كلام كل الفلاحين."
هكذا تحدثت بلهفة، فارتسم الذهول على محياه وقال بصدمة:
"بتجولي إيه يا بت؟"
اقتربت منه تجلس بجانبه وهي تقول باندفاع:
"مش أنا اللي بجول. ده كل الناس، بس هما بيخافوا منك. فكرك يعني أنا هطوع عشان مخليني أخدم على البهايم، لاه. أبداً والله، داني بسمع عنك كتير. هقولك إيه بس، دا الناس بتسب وتلعن فيك طول الليل والنهار ويقولوا الظالم جه الظالم راح.. آه والله."
فطن إلى غضبها من هذا العمل الشاق الذي كلفها به، ولأنها كانت عفوية بدرجة كبيرة، فقد أخطأت بالحديث ليعرف ماذا يدور بخلدها، فارتسم الخبث على ملامحه وقال مرددًا حديثها:
"بجي بيقولوا عليه الظالم راح المفتري جه؟"
"أيوا…"
"وبيسيبوا ويلعنوا فيا طول الليل والنهار؟"
"أيوااا…"
"يعني ده مش كلامك، ده كلامهم هما؟"
"أيوااا…"
هب من مكانه وهو يصيح بها:
"جاكِ أوا في سنانك. بجى أنا الفلاحين يشتموا عليا ليل نهار.. دانا هخلي يومك أسود."
تراجعت بذعر تجلى في نبرتها وهي تقول:
"ليه بس، وأنا كنت عملت إيه؟ الحج عليا اللي بنورك؟"
"بتنوريني!! طب انچري روحي شوفي شغلك. لو لقيت الزريبة فيها أي حاجة همسحها بخلجتك العفشة دي."
غضبت وانهارت أحلامها بأن يثنيها عن هذا العمل الشاق، فقالت تحاول ردعه:
"لا سايجة عليك النبي. دانا زهرة شبابي انجطفت وأنا بترب للبهايم."
عاندها قائلًا:
"عقبال رجبتك لما تتكسر ولسانك الطويل ده يتجطع هو التاني."
شيعته بنظرات الخسة، قبل أن تقول بقهر:
"لك يوم يا ظالم. حسبي الله ونعم الوكيل."
"اخفي من وشي…"
***
في اليوم الثاني، كان يوم السفر، فتحضر الجميع للذهاب إلى الصعيد، ومن بينهم "أمينة" التي حاول "سالم" ثنيها عن الحضور، ولكنها رفضت رفضًا قاطعًا بأنها تريد ذلك من كل قلبها، فخضع لرغبتها، وبالفعل غادروا المنيا ليجدوا "صفوت الوزان" في استقبالهم، وقد كان استقبالًا حافلًا من جهته:
"الصعيد كلها نورت يا حاجة أمينة.. متتخيليش فرحتنا بيكوا قد إيه."
"تسلم وتعيش يا صفوت بيه.. كلك ذوق وطول عمرك صاحب واجب."
"تسلمي يا حاجة.. اتفضلوا ارتاحوا، وأنا هشوف سهام جهزت ولا لأ."
كان يتحدث بحرج تفهمته "أمينة" على الفور، فقالت بوقار:
"متضغطش عليها. إحنا مش غرب عن بعض.. سيبها براحتها لحد ما تحس إنها عايزة تشوفنا."
ارتسمت ابتسامة امتنان على ملامحه التي أهلكها وجع دفين، فأومأ برأسه بتفهم، قبل أن يأتي صوت الخادمة لتخبرهم بأن "ياسين عمران" في الخارج، فأمرها "صفوت" بأن تدخله على الفور، وما هي إلا لحظات حتى وجدوه يطل عليهم، فتنبهت كل ذرة من حواسها لذلك الفارس الذي تمنته ذات يوم، ولكنه أتاها بأكثر الطرق رفضًا لقلبها الذي كانت نبضاته تدق بجنون، حاولت التحكم به قدر الإمكان ورسم اللامبالاة على ملامحها، حين جاء دوره في السلام عليها، فمدت يدها بثبات يتنافى مع اهتزاز حدقتاها وهي تناظره:
"حمد لله على سلامتك…"
"الله يسلمك."
هكذا أجابته ببرود لا يشبه عينيها أبدًا، فそのتجاهلها وهو يلتفت مرحبًا بالجميع، وكان آخرهم "مروان" الذي كانت نظراته مُتهكمة تشبه نبرته حين قال:
"مواعيدك مظبوطة بالثانية، إحنا لسه يا دوب واصلين."
كانت كلماته تحمل سخرية، تجاهلها "ياسين" قبل أن يقول بلامبالاة:
"مفيش وقت نضيعه، الفرح كمان يومين.. ولسه فيه حاجات كتير مفروض تتعمل."
تنبه "سالم" إلى حديثه، فتدخلت "أمينة" لتلطف الأجواء قليلًا:
"ربنا يعينك يا ابني.. حلا كانت عايزة تروح تشوف آخر بروفة للفستان، تقدروا تروحوا تشوفوه، وكمان صور كتب الكتاب قلنا تتصورها هنا."
كانت حججًا واهية، ولكنها تريد أن تكسر هذا الحاجز الذي تراه أمامها، ولهذا ارتسمت بعينيها نظرات خاصة لـ "سالم" الذي ابتلع غضبه ووافق على مضض. فتحدثت "أمينة" بلطف:
"يالا يا حلا مع خطيبك عشان تخلصوا اللي ورانا.. معدش فيه وقت."
أومأت "حلا" بهدوء يتنافى مع ضجيج أفكارها وصخب قلبها، وتقدمت أمامه إلى الخارج، فقادها بهدوء إلى السيارة، وما أن استقلتها حتى قادها بسرعة كبيرة مبتعدًا عن المكان بأكمله.
بعد وقت ليس بقليل، أوقف السيارة أمام إحدى المقاهي، فالتفتت حولها قبل أن تقول:
"وقفنا هنا ليه؟"
تحمحم بخفوت قبل أن يجيب بلهجة هادئة:
"كنت عايز أتكلم معاكِ شوية."
باختصار أجابته:
"اتفضل."
"طب مش تبصيلي عشان أعرف أتكلم."
هكذا تحدث بهدوء، فحاولت السيطرة على دقات قلبها التي تدق كالطبول، قبل أن تستدير برأسها تطالعه بصمت وعينين تحوي عتبًا كبيرًا، لامس زوايا قلبه، فقال بلهجة رقيقة:
"أنا عارف إن كل حاجة جت بسرعة. وملحقناش حتى نستوعب إيه اللي بيحصل.. وعارف كمان إن موضوع الجواز ده كان صدمة ليكِ، بس…"
قاطعته بسخرية يشوبها المرارة:
"بس مكنش صدمة ليك."
انكمشت ملامحه بحيرة تجلت في نبرته حين قال:
"تقصدي إيه؟"
"أقصد إنكوا خططتوا لكل حاجة صح، وعرفتوا إمتى تضربوا ضربتكوا. بصراحة، لما قعدت مع نفسي وافتكرت كل اللي حصل، انبهرت بذكائك. كنت مقنع جدًا.. حتى وأنت بتواسيني وبتخفف عني، أنا صدقتك أوي على فكرة."
لحظة صمت طويلة خيمت على المكان، فقد كان مصدومًا من كونها تظن بأنه خطط لكل شيء، ولكنها فسرت صدمته على أنه تفاجأ بمعرفتها لما حدث، فأردفت بسخرية:
"إيه اتصدمت لما عرفت إني فاهمة كل حاجة؟ إيه ده معقول أنا باين عليا الغباء كدا؟"
تجاوز عن صدمته، وحل محلها الغضب الذي دفعه للقول:
"تبقى غبية فعلًا لو فكرتي إني خططت لكل ده.. أنا معرفتش إن جنة وفرح ولاد عمي غير يوم ما قابلتها في الجامعة.. يوم ولادة جنة تقريبًا."
أجابته باندفاع:
"مش هيفرقلي كتير."
"أومال إيه اللي فارقلك.. أوعي تكوني مفكرة إني كان ليا يد في خطفك؟!"
قال جملته الأخيرة باستنكار جعل ابتسامة ساخرة ترتسم على ملامحها، قبل أن تقول بقهر داخلي:
"مفكرة إنك ليك يد في خطفي!! لا، أنا متأكدة إنك أنت اللي دبرت وخططت لخطفي. طبعًا، أومال تكسر مناخير ولاد الوزان إزاي وتجيب حق بنت عمك؟"
صاح بغضب فقد تجاوزت الحدود:
"حلا بطلي جنان."
تابعت بألم تجلى على ملامحها بوضوح:
"عارف. أنا مكنش عندي مشكلة إني أصحح غلط حازم. ومعنديش مشكلة إني أبقى كبش الفدا اللي هيضحوا بيه عشان كل حاجة تبقى تمام. وقبل ما جدك يهددني، أنا كان عندي استعداد أعمل أي حاجة عشان أخواتي محدش فيهم يتأذى. بس إنك تكون السبب في العذاب اللي عشته والرعب اللي مريت بيه دا كان صادم بالنسبالي أكتر من موضوع الجواز نفسه!"
كان ألمها أضعافه بقلبه، ناهيك عن غضبه لظنها به، ولذلك حاول أن يصحح ذلك الوضع، قائلًا بخشونة:
"صدقيني، أنا مكنتش أعرف موضوع الخطف ده، ولا حتى كنت أعرف إن جدي عرف باللي حصل."
"وإيه اللي يخليني أصدقك؟"
"عشان أنا مبكدبش.. ومش مضطر أكذب. لو فعلًا عملت كدا هقول، مش هخاف منك."
هكذا أجابها بوضوح، فـأردفت بقوة:
"ولا أنا كمان هخاف منك، ولازم تعرف كويس أوي إني مجبورة عليك وعلى الجوازة دي عشان بس أفدي أخواتي. لكن لو هيخيروني، فـ أنا عمري ما كنت هقبل ارتبط بيك…"
لامست بحديثها منعطفات خطرة، وخدشت جدار كبرياءه الذي جعله يقول بجمود:
"يبقى ملهاش لازمة الجوازة دي، وأنا هعفيكِ من التضحية."
لا تعلم هل كانت خيبة تلك التي زارت قلبها في هذه اللحظة، أم أنها كانت مصدومة فقط! ولكن كان هناك شعور قاسٍ يفترس قلبها دون رحمة، للحد الذي جعل دمعة غادرة تنبثق من طرفي عينيها، فسقطت على قلبه المغرم بها، ولكنه آذت كبرياءه كثيرًا بكلماتها تلك، ناهيك عن ظنها السئ به، فحاول ردع نفسه عن أخذها بين ذراعيه، خاصةً وهي تناظره بتلك الطريقة التي تحمل عتابًا صريحًا لم يفشل في فهمه، فوجد يده تتسلل إلى أسفل وجنتها لتقوم بمسح دمعتها التي أدمت قلبه، وخرجت الكلمات معاتبة من بين شفتيه حين قال:
"بتعيطي ليه؟ مش ده اللي أنتِ عايزاه…؟"
كانت لمسته كـ صاعقة برق أصابت أسفل ظهرها، فشعرت بـ جسدها يتصلب بقوة، حبست الأنفاس بصدرها، فأخذت ثوانٍ حتى استعادت كامل ثباتها قبل أن تقول بلهجة مهتزة:
"ده من الضغط بس.. أنت عندك حق، ده اللي أنا عايزاه. لو عندك فرصة توقف المهزلة دي، أنا معاك."
شعر بأنه آلمها دون أن يدرك، فهو للآن لم يخبرها كم هو يعشقها، على الرغم من يقينه بأنه هناك مشاعر قوية بداخلها له، إلا أن الوقت لم يمهله أي فرصة معها، لذا أخذ قراره بأن يتجاوز عن كل ما حدث ويحاول أن يبدأ معها مرة أخرى، حتى لو كان بتلك الطريقة، لذا قال بلهجة خافتة ولكن قوية:
"للأسف مفيش فرصة إني أوقف حاجة."
اهتزاز حدقتاها وانتباه ملامحها كانا خير دليل على أن حديثه لاقى صدى بداخلها، وخاصة حين قالت بنبرة مرتجفة:
"يعني إيه؟"
احتضنتها عينيه بدلًا من ذراعيه، وتعمقت نظراته بطريقة مربكة لها كثيرًا، وخاصة حين قال بتلك النبرة التي يغزوها التملك:
"يعني بعد بكرة هتبقي مراتي.. ومفيش أي حاجة في الدنيا هتمنع دا…"
***
"مكشرة ليه يا أم أربعة وأربعين؟"
كان هذا صوت "مروان" الذي تقدم ليجلس على الأرجوحة في الحديقة بجانب "ريتال" العابسة والتي لم تعر حديثه اهتمامًا، فأردف وهو يعبث بخصلات شعرها:
"ماتردي يا برنسيسة، هو بيكلمك؟"
ناظرته بامتعاض تجلى في لهجتها حين قالت:
"هو إيه ده؟ أنت كنت هتوقع المرجيحة وأنت بتقعد."
"قصدك إيه يا بت أنتِ؟ أنا تخين ولا إيه؟"
"لو مكنتش شايف بكرشتك تبقي محتاج نظارة."
"يا بت أنتِ راضعة سم فران. بتطلعي بكابورت من بقك.. ارحمي أمي شوية."
ناظرته "ريتال" بأعين ممتلئة بالدموع، وقالت بلهجة تهدد بالبكاء:
"كده ماشي، مش هكلمك تاني."
شعر بالقلق عليها، فقال باندهاش:
"ودا من امتى الإحساس ده؟ دانتِ أسقع من الديب فريزر.. أوعي تكوني زعلانة بجد؟"
هنا انفجرت "ريتال" في البكاء وهي تقول من بين نهنهتها:
"زعلانة.. أوي.. يا.. عمو."
احتضنها "مروان" برفق وهو يقول:
"مدام احترمتيني وقولتي عمو، يبقى زعلانة بجد.. حصل إيه يا بت مين زعلك وأنا أنفخهولك."
"الدنيا.. يا عمو."
هكذا أجابته من بين عبراتها، فقال بصدمة:
"الدنيا.. إيه يا بت الكلام ده؟ أنتِ لسه روحتِ فين ولا جيتي منين؟ دنيا إيه؟ يكونش توم وجيري قتلوا بعض وأنا معرفش؟"
صاحت به غاضبة:
"توم وجيري إيه؟ شايفني عيلة قدامك؟"
"لا لا سمح الله، آنسة عندها ست سنين وبتقول الدنيا مزعلاني. أفهم من كده إيه؟"
"تحس بيا عن كده."
"يخربيتك خوفتيني. هيكون حصل إيه سبونج بوب خلى بيكِ؟ طب غيروا نوع البامبرز المفضل عندك ولا حصل إيه، مانا مش فاهم."
ازداد نحيبها وقالت بنبرة متقطعة:
"الفستان.. بتاعي.. مش.. عاجبني.. ومش لاقية.. حد.. ييجي.. معايا.. أجيب.. واحد.. جديد."
احتضنها "مروان" بقوة، فقد شعر بالشفقة عليها، وقال برفق:
"كل ده عشان حتة فستان. طب كنتِ قوليلي وأنا كنت جيت معاكِ نقيتلك أحلى فستان."
رفعت رأسها تناظره، وبشفاه مذمومة أجابته:
"لا، أنت ذوقك وحش أوي."
"اتفو عليكِ يا شيخة.. أنا غلطان إني بصالحك…"
أنهى كلماته تزامنًا مع رؤيته "سما" التي كانت تخرج من الباب تبحث بعينيها عنهم، فقال بلهفة:
"هجبلك ست فستانين بس تخدمي عمك."
برقت عينيها وقال بحماس، متناسية حزنها:
"موافقة."
"وطبعًا أنتِ بتحبي سما؟"
"طبعًا."
"وطبعًا سما ذوقها حلو؟"
"طبعًا."
"إيه رأيك لو ناخدها معانا ونروح نشتري أحلى فستان في الدنيا لأحلى ريتا؟"
برقت عينيها وقالت بحماس:
"موافقة طبعًا."
"بصي هي جاية علينا، عايزك تعيطي وتهبدي لحد ما تقنعيها تيجي معانا."
"بس دي خدمة كبيرة أوي، يعني فستان قليل عليها."
ناظرها بصدمة قبل أن يقول بصدمة:
"يابت أنتِ بتساوميني؟ يخربيتك جايبة الدماغ دي منين.. دانا وأنا قدك كنت برياله."
"طب أنت كنت أهبل يا عمو، أنا ذنبي إيه؟"
"طب اكتمي بقى واعملي اللي قلتلك عليه، هي جايه أهيه."
بالفعل، ما أن أطلت عليهم "سما" حتى أتقنت "ريتال" رسم دور الحزن، فاقتربت منها "سما" قائلة بحنان:
"مالك يا ريتا؟ بتعيطي ليه؟"
انفجرت "ريتال" في البكاء، و "مروان" يحاول تهدئتها:
"متعمليش في نفسك كدا يا ريتا.. اجمدي ياختي."
"إيه يا مروان في إيه؟ مالها ريتا؟"
"مروان بيدوب هنا."
"بتقول إيه؟"
لكزته "ريتال" في جنبه خفية، فاعتدل في جلسته وهو يلملم نفسه، قائلًا بلهجة حزينة:
"أبدًا يا ستي، ريتال مقهورة عشان مجبتش فستان حلو.. ومش لاقية حد يروح معاها يختار لها فستان حلو."
اقتربت من "ريتال" تحتضنها وهي تقول بحنان:
"يا روحي.. بس كدا، طب ليه مقولتيش وأنا آجي معاكِ."
اندفعت الكلمات من فمه حين قال:
"إحنا لسه فيها، يلا نروح دلوقتي نختار لها الفستان."
"بس إحنا منفهمش حاجة هنا، هنروح فين؟"
"عيب تقولي كدا وأنتِ معاكِ مع مروان الوزان.. دانا أعرف دهاليز الصعيد دي دهليز دهليز.. يا بنتِ دانا أصحابي مسميني خط الصعيد."
"إذا كان كدا.. يبقى يلا بينا…"
بعد مرور ساعتين، تأففت "سما" من درجة الحرارة العالية وقالت بضيق:
"بقالنا ساعتين بنلف. هنوصل إمتى؟"
"أنا عارف، باين إننا تهنا ولا إيه؟"
انتفضت "سما" تناظره بغضب وهي تصيح:
"توهنا!! أنت بتستهبل.. أومال عمال تقول خط الصعيد وأعرف دهاليزها دهليز دهليز.. أنت بتشتغلني…"
صدح صوت "ريتال" من الخلف حين قالت:
"الصراحة آه. بيشتغلني. هو أساسًا تاني مرة ييجي هنا. هيعرفها منين؟"
"اخرسي يا قدرة الفول أنتِ."
"على فكرة يا سما ده كان اختبار لمدى ثقتك فيا. وسقطتي فيه."
"يعني إحنا مش تايهين؟"
"يا بنتي عيب.. نتوه إزاي يا جاهلة. إحنا في عصر الإنترنت الأندرويد، مستبلناش مساحة للغلط، التليفونات التاتش ملت البلد. فيه اختراع اسمه الـ GPS يا جاهلة."
أنهى كلماته وهو ينظر إلى "ريتال" قائلًا بأمر:
"هاتي التليفون يا ريتا أما نشوف إحنا فين؟"
ارتسم الذعر على ملامح "ريتال" حين سمعت حديث "مروان" وارتبكت نبرتها حين قالت:
"إيه ده. هو أنت كنت محتاج تليفونك يا عمو؟"
"نعم ياختي!!"
هكذا تحدث "مروان"، فأجابته "ريتال" بعفوية:
"أصل كنت زهقانة فلعبت جيم بابجي وفصل شحن وأنا في نص الجيم."
"بابجي.. الطم ولا أجيب لطامة."
هكذا صرخ "مروان"، فناظرته "سما" بسخط تجلى في نبرتها حين قالت:
"دانا اللي هلطم بحجارة عشان سمعت كلامك ورضيت آجي معاكوا.. أنا هنزل أوقف أي عربية ماشية وأعرف إحنا فين."
و بالفعل، ترجلت من السيارة تنوي العبور للجهة الأخرى، فلحق بها "مروان" الذي قال بصراخ:
"استني يا بت.. خدي يا هبلة. تتخطفى هنا. هيؤدوكي الله يخربيتك."
ولكن فجأة تسمر الاثنان بمكانهما حين شاهدا…
يتبع….
رواية بين غياهب الاقدار "في قبضةالاقدار الجزء الثاني" الفصل الخامس عشر 15 - بقلم نورهان العشري
ترجلت من السيارة تنوي العبور للجهة الأخرى فلحق بها مروان الذي قال بصراخ:
"استني يا بت.. خدي يا هبلة. تتخطفي هنا. هـ يؤدوكي الله يخربيتك.."
و لكن فجأة تسمر الاثنان بمكانهما حين شاهدا شيرين التي كانت تستقل سيارة يقودها رجلاً ملثماً و بجانبها رجلاً لم يكن يخفي وجهه جيدًا مما جعل الصدمة تغلف ملامح كليهما فتحدثت سما قائلة باندهاش:
"هي مش دي شيرين؟"
"أيوا هي.."
هكذا أجابها مروان فـ أردفت باستفهام:
"مين اللي هي راكبه معاهم دول؟"
التفت مروان يناظرها و قد تبدلت صدمته إلى شفقة كبيرة على تلك الطفلة البريئة التي لا تتذكر ملامح والدها و إن كان لا يستحق هذا اللقب ولكن مهما حدث ففي النهاية صلته بِها لا يمكن تجاوزها.
"معرفش.. بقولك ايه تعالى انا افتكرت طريق مختصر هنروح نجيب لريتال الفستان و نروح.."
التفتت تناظر ملامحه الجامدة والتي تختلف مع طبيعته المرحه فخرجت الكلمات منها متألمه:
"شيرين أختي بقت تعمل حاجات غريبة أوي أنا حاسه إني مبقتش عرفاها.."
زفر مروان بتعب قبل أن يجيب:
"كلنا حاسين نفس الإحساس ياسما. معرفش ليه بقت كدا؟"
تباطئت الكلمات على شفتيها و رفرفت بـ رموشها قبل أن تقول بلهجة متوترة:
"يمكن.. عشان لسه بتحب أبيه سالم و عيزاه.."
"اللي بيحب حد مش بيأذيه و هي أذته و لا يمكن سالم هـ يسامحها.. موضوعهم خلص خلاص.. وهي عماله تعك و للأسف بتأذينا كلنا من غير ما تحس.."
هكذا أجابها بتمهل فلاقت كلماته صدًى كبيراً بداخلها و أشعلت نيران الذنب بقلبها فقالت بـشفاه مرتعشة:
"مروان.. كنت.. كنت عايزة أقولك على حاجه بس.. توعدني.. يعني.. إنك تفكر كويس.. قبل أي حاجه"
لوّن الترقب معالمه و تنبهت جميع حواسه وهو يقول:
"سامعك.."
أخفضت رأسها بخزي و انبثقت عبرات الندم من مقلتيها قبل أن تقول بلهجة تقطر حزنًا:
"انا غلطت غلطة كبيرة اوي و ضميري مأنبني عشانها و مش قادرة أسامح نفسي…"
***
في احد المشافي كانت ترقد روح بريئة تجاهد الموت و تقاتل لاسترداد أنفاس.ٍ
سرقت منها رغما عنها. عوقبت بأقصى ما يمكن أن يحدث لبشر دون أن تعرف ما ذنبها؟
ما الذي اقترفته حتى تنال هذا المصير على يد من لا يعرف الرحمة؟
كانت الأجهزة تحيط بهذا الجسد الضئيل الذي تخترقه الأنابيب لتمده بما جعله قادرًا على الحياة لمدة تسعة أشهر كانت بهما في غيبوبة تامة لا يتحرك إنشاً واحدًا من جسدها. حتى الهواء كان يصلها من خلال جهاز التنفس و بعد أن كانت صيحاتها تملئ المكان بهجة و فرحه انطفأت فرحتها و اندثر بريق الحياة من حولها و خيم الذبول على ملامحها.
و لأن الشر لا يكتفي و لا يستطيع أن يوقف طوفانه أحد فقد أرادت يد الغدر أن تطال منها تلك المرة أيضا فاقترب هذا الوحش الضخم من أحد الأنابيب التي تغذيها و قام بفصلها واحدة تلو الأخرى حتى يجهز على أنفاسها القليلة المتبقية فما هي إلا ثوانٍ و صدح صوتاً قوياً في أنحاء الغرفة يعطي إنذاراً بأن هناك روحاً توشك على المغادرة إلى خالقها و بعد أن أتم فعلته قام بالتسلل خفية كما جاء دون أن يدري بأن لكل شر نهاية و أن المجرم لا بد من أن يترك خلفه دليلاً مهما احتاط فرب العباد ينزل غشاوة على اعين الظالمين و يمدهم في طغيانهم فيسعون في الأرض فساداً و لكن عدل الله نافذٌ لا محالة.
"الحقونا بنتي بتموووت…"
هرول الجميع إلى غرفة تلك الطفلة التي لم تتعدى سنوات عمرها السابعة عشرة و حاول الأطباء القيام باللازم لإنقاذها و إذا بها بعد ظلام دام تسعه أشهر تفتح عيناها من جديد.
***
جاء اليوم الموعود لـ عقد قران أرواحاً شابت خيوطها من فرط الوجع و اندثرت معالمها بين طيات الألم و بالرغم من ذلك بقيت صامدة تنتظر ربما معجزة لـ تخرج من بئر الحرمان الذي ابتلعها لسنوات إلى جنة أعدت للصابرين.
كانت كل دقة بقلبه تهمس باسمها، تتغني بعشقها علي الرغم من أنه كان دوما رجلاً صبوراً إلا أنه اليوم نفذ مخزون الصبر لديه يريد اجتياز كل تلك الساعات التي تفصله عنها و يختطفها من بين براثن العالم أجمع لـ يتنعم بعشق جارف نبت من بين ضلوعه الصلبة و فؤاده القاسي الذي لم يعرف اللين إلا لأجلها.
طرق قوي على باب الغرفه أوقفه عن إكمال ربطة لرأّبطة العنق أعطى الإذن بالدخول فإذا به يتفاجأ برؤية شيرين التي كانت تشبه الأموات في خطواتها وهي تناظر حبيبها الوحيد يتجهز للزفاف على أنثى غيرها.
"قالولي احنا مانعينه عنك بالعافيه ابعدي عن طريقه.. بس أنا مقدرتش أبعد و جيتلك بـ رجليا.."
هكذا تحدثت بنبرة تخلو من الروح كـ ملامحها الباهتة فـ أجابها بـ فظاظته المعهودة:
"عشان غبية.. كل دا و متعلمتِش تسمعي كلام اللي أكبر منك.."
انبثقت عبرات هادئة من عينيها وهي تقول بألم:
"مقدرتش.. كان نفسي اشوفك و انت عريس…"
"معنديش وقت أضيعه معاكِ. يالا عشان تجهزي قدامنا نص ساعه بالكتير و نتحرك.."
هكذا تحدث بجفاء فاحتدت ملامحها و شابهت نبرتها حين قالت:
"مستعجل أوي عشان تروحلها؟"
أجابها باختصار:
"بصراحه اه…"
نجح في إشعال ثورتها بجموده و استفزازه فنفضت ثوب الضعف جانباً و قالت بانفعال:
"كفايه بقي. انا عارفه إنك بتستفزني و عايز تعاقبني.. طيب أنا بعترف إني غلطت. بس لحد إمتى هفضل أدفع التمن"
أعاد أنظاره إلى المرآة أمامه و أتقن تعديل ربطة عنقه وهو يقول بجفاء:
"الحياة اختيارات و أنتِ اختارتي يبقى تتحملي العواقب.."
"و انت هـ تتحمل عواقب اختياراتك؟ هتتحمل تعيش مع واحدة زي دي؟ لو فاكر إنك هتبقى مبسوط فـ أنا كنت زيك كدا و جايه دلوقتي بقولك إنك هتعيش تعيس معاها عمرك كله.. عارف ليه؟ عشان إنت اتجوزتها عند و كيد فيا بس. صح ولا أنا غلطانه؟"
لوّنت السخرية معالمه و بدا الضجر يقطر من لهجته حين أجابها بفظاظة:
"مش هناقشك عشان معنديش وقت بس لو اعتقادك ده هيريحك فاثبتي عليه.."
كانت تلعب على صبره الذي لم يعد يثق بوجوده فـ اقتربت خطوتين منه وهي تقول بلهجة بها توسل خفي:
"قلبك مدقش غير ليا متكذبش على نفسك. إنت طول عمرك بتقول الحقيقية.."
زفر الهواء المكبوت بصدره دفعة واحدة قبل أن يتحدث بخشونة:
"إنتِ بتعملي ليه كدا؟"
تسابقت عبراتها فوق وجنتيها قبل أن تجيبه بنبرة متألمة:
"مش قادرة.. حاولت و مش قادرة.. مش هشوفك بتكون لغيري و هسكت!"
تشابهت لهجته مع ملامحه الجامدة حين قال:
"دي مشكلتك حليها لوحدك.. انا مش فاضي"
لم يكن أمامها حلاً آخر فـ اخرجت تلك الشفرة الحادة من بين ثنايا قميصها و قالت بنبرة خالية من الحياة:
"يبقي زي ما كنت أول حد فتحت عيني عليه أول ما وعيت على الدنيا هتكون آخر حد عيني تشوفه و أنا بفارقها.."
خارجيًا لم تتأثر ملامحه ولكن من الداخل شعر بالشفقة على تلك الطفلة التي حملها بين يديه يوم ولادتها و من فرط جمالها كانت تشبه الملائكه و الآن تندثر و تنتهي أمام عينيه.
"ارمى اللعبة دي من إيدك.. و بطلي جنان."
هكذا تحدث بهدوء أثار جنونها فـ صرخت بقهر:
"مش هرمي حاجة.. وهموت عشان ست فرح تعيش. مش دا اللي انت عايزه؟"
احتدت ملامحه و شابهتها نبرته لدى سماعه اسمها:
"خرجي فرح من موضوعنا.. مشكلتك مش معاها.."
"خرجها إنت من بينا. أنا عارفه إنك كنت قاصد تغيظني بيها. و عارفه أن الموضوع قلب جد وإنت مكنش في نيتك أي حاجه من ناحيتها.. كفايه بقى. كسرتني و وجعتني و خدت حقك كدة احنا خالصين."
هكذا تحدثت بتوسل ولكن ملامحه ظلت على حالها حين قال بفظاظة:
"باقي ساعتين على كتب الكتاب و معنديش وقت للجدال في الفاضي."
أوشك ع الالتفات فـ صرخت بقهر:
"مفيش كتب كتاب.. على جثتي يحصل الكلام دا.."
كان مظهرها مريعًا و عينيها توحي بالجنون و أردفت بصراخ وصل إلى آذان جميع من في المنزل:
"مش هتتجوزها يا سالم.. مش هـ تتكتب على اسمك واحدة غيري.."
رقت نبرتها حين تابعت:
"انا شيرين حبيبتك.. فاكر وانا صغيرة لما جتلي حمى مين سهر جمبي لحد ما خفيت غيرك؟ مكنتش مطمن عليا غير و انت جنبي.. عاقبتني و انت عارف انت عاقبتني ازاي.. بلاش اقول اللي كان بيحصل قدام الناس دي كلها.. خليه بينا.."
تعاظم الغضب بداخله و تحفزت جميع خلايا جسده لدى سماعه حديثها الذي سوف يصل إلى مناطق محظورة ولكنه لن يسمح لها أن يأخذه إلى هذا المنحنى فقال بقسوة:
"إنتِ هاينه عليكِ نفسك ازاي كدا؟ كل اللي بتقوليه دا مالوش طلب عندي و مش هيأثر عليا و موضوعك بالنسبالي انتهى من سنين.."
تدخلت همت التي كانت ترتعب من مظهر ابنتها فصرخت بذعر:
"أبوس إيدك متعمليش كده يا بنتي.. استني يا سالم ورحمة أبوك.. مش هتحمل تضيع مني.."
تدخلت أمينة هي الأخرى قائلة بخوف:
"شيرين يا حبيبتي. كل شيء قسمة و نصيب و لو كنتِ عايزة تطلقي من الصبح سالم يطلقك منه و إنتِ ألف مين يتمناكِ دانتِ زينة البنات.. بس إرمي القرف اللي في ايدك دا.. قولها يا سالم"
غرزت الشفرة أكثر في عروق يدها وهي تنظر إلى عينيه بتحدٍ أرهقه كثيرًا فقال بخشونة:
"عايزة ايه عشان توقفي الجنان اللي بتعمليه دا؟"
خرجت الكلمات من شفتيها تزامنًا مع نزول بعض قطرات من دمائها إثر ملامسة الشفرة الحادة ل جلدها الرقيق:
"تقولي إنك بتحبني و إنك عمرك ما هتتجوز فرح دي…"
ران صمتاً طويلاً على المكان كانت العيون كلها مُعلقةً عليه بينما كان يطحن ضروسه بغيظ ولكنه أجاب بصرامة على الرغم من أنّ صوته لم يرتفع:
"أنا بحب فرح ومش هتجوز حد غيرها.. لو إنتِ حياتك رخيصة عليكِ تبقى دي مشكلتك.."
تعالت الشهقات حوله فـ احتدت عينيه مُرسلة نظرات تحذيرية أخرست الجميع قبل أن يلتفت متوجهًا إلى الخارج و فجأة تجمد حين سمع تلك الصرخات التي تعالت حوله فالتفت بلهفة وتجمدت عيناه حين رأى الدماء التي تناثرت بكل مكان من يديها التي لم تشفق عليها وقامت بقطع أوتارها بلا رحمة وهي تقول بصوت معذب:
"مش عايزة أعيش حياة إنت مش فيها.."
جن جنونه حين رأى ما فعلته و تقدم تجاهها يتشاجر مع خطواته ولكنها أوقفته وهي تضع الشفرة علي عرقها النابض بيدها السليمة وتقول من بين انهيارها:
"لا . خليك .. ارجع مكانك .. روح فرحك .. و خلي الفرح فرحين موتي و جوازك .."
لأول مرة ترق نبرته حين سمع حديثها الذي لامس شيئًا ما داخله فقال بلين:
"شيرين كفايه بقى .. بطلي اللي بتعمليه دا .. فكري في أمك و أختك . بلاش أنانية ."
تعالت أصوات البكاء حولها و وقعت همت أرضًا وهي تصيح بقهر:
"حرام عليكِ يا بنتي.. حرام عليكِ اللي بتعمليه فيا دا.. ابوس إيدك كفاية.. متموتنيش بحسرتي.."
انتبهت شيرين لحالة والدتها و تشتت انتباهها للحظات استغلها هو و قام بالانقضاض عليها و انتزع تلك الشفرة من بين يديها و قام بإخراج منديله و جذب يدها الجريحة و ربطها بإحكام محاولاً التحكم في الدماء المنسابة منها فإذا به يشعر بها تتهاوى أمام عينيه فـ تلقفتها ذراعيه بقوة حالت دون سقوطها و التفت إلي مروان صارخًا:
"جهزلي العربية بسرعه.."
أطاعه مروان بلهفة فخرج حاملًا إياها على كتفه كالعروس فتفاجأ سليم بما يحدث وقال بصدمة:
"في ايه يا سالم؟"
لم يجبه بل تابع هبوطه للأسفل فوجد صفوت الذي قال بصدمة:
"ايه الدم دا؟ حصل ايه؟"
"شيرين حاولت تموت نفسها.."
هكذا أجابه مروان فتحدث صفوت بعملية:
"استنى يا سالم.. هوديها المستشفى أنا و مروان و إنت و سليم اسبقونا على الجماعة مينفعش نتأخر عليهم و لا حتى نعتذر.."
اقترب سالم من السيارة و قام بوضعها في الكرسي الخارجي فإذا بها تتعلق بعنقه أكثر وهي تقول بهمس:
"متسبنيش…"
لم يلتفت نحوها إنما التفت فوجد الجميع يقف مشدوهاً بما يحدث فصرخ بأحد الحراس:
"تاخدها توديها عالمستشفى. عمتي هتيجي معاك. و هسيب معاك عربية حراسة طمني اوي ما توصلوا...."
أومأ الحارس برأسه دون حديث و كذلك همت التي استقلت السيارة بجانب ابنتها و انطلقوا بأقصى سرعة في حين التفت ناظراً إلى صفوت وهو يقول:
"انت بالذات مينفعش متجيش معانا.."
أوشكت أمينة على الحديث فنهرها قائلًا بصرامة:
"و إنتِ كمان يا ماما مينفعش تسيبي حلا في يوم زي دا.. هي هتبقي كويسه.. يلا معدش في وقت.."
انتهى من إلقاء أوامره و بأقدام تحمل غضبًا مقيتًا توجه إلى الداخل و ما كادت قدماه تخطو خطوتين حتى سمع أصوات السيارات الآتية لأخذ حلا فزفر بقوة فوجد يد صفوت تربت على كتفه بمواساة وهو يقول بصوت خافت:
"عملت الصح يا سالم. و دايمًا الطريق الصح بيبقي متعب.. ربنا يعينك.."
أيده سليم الذي أردف مشجعاً:
"اوعى ضميرك يأنبك و لو للحظة. إنت عملت الصح زي ما قالك عمي صفوت.. وبعدين إنت عريس متسبش حاجة تعكنن عليك.."
أنهى سليم جملته و اتبعها بغمزة عابثة نجحت في رسم ابتسامة خافتة على ملامحه و التفت الثلاثي إلى استقبال السيارات التي جاءت لأخذ العروس.
كانت نظراتهم تحمل الكثير مما جعل الارتياب يغزو قلب أمينة ولكنها لم تعلق بل تابعت صعودها إلى غرفة ابنتها التي كانت اللهفة والترقب تغلفان ملامحها الجميلة فقد بدت متألقة في هذا الثوب الرائع الذي كان يلف قوامها بانسيابية ساحرة و نجحت خبيرة التجميل في رسم ملامحها الجميلة بطريقه هادئة دون أي تكلف مما زاد من جمالها. ولكن ما فائدة الوجه الجميل حين يكون القلب حزيناً!
" بسم الله ما شاء الله إيه القمر دا يا حلا؟"
التفتت إلى والدتها وهي تقول بلهفة:
"ماما كان في إيه برة و إيه صوت الخناق و الزعيق دا؟"
أمينه بهدوء:
"ولا حاجة.. العادي كانوا بيجهزوا العربيات.. متشغليش بالك إنتِ."
تدخلت سما التي قالت باستفهام:
"طب هما. ماما و شيرين جهزوا يعني اقصد هييجوا معانا؟"
التفت أمينة إلى سما التي بدت قمرًا في هذا الثوب الجميل فقالت باستهلال:
"الله اكبر. إيه العروسة الحلوة دي.. بت يا سمسم كنتِ مخبية الحلاوة دي كلها فين؟ ياخوفي لا تتخطفى هنا"
ابتسمت سما وتنحى توترها جانباً و كذلك حلا التي احتضنتها بقوة وهي تقول بشجن:
"مش عارفه هعيش من غيرها ازاي؟"
أمينه بمزاح:
"هتعيشي ياختي. وهي كمان هتعيش عايزة اطمن عليكوا و اخلص منكوا بقى.. مش هعيشلكوا العمر كله.."
"ربنا يطولنا في عمر حضرتك.."
"ربنا يخليكِ لينا يا ماما يارب.."
التفت الفتيات تحاوطها بحب كان هناك أضعافه بقلبها.
فـ عانقتهن وهي تقول من بين عبراتها:
"ربنا يسعدكوا يارب.. يالا عشان العربيات جت تحت مش عايزين نأخرهم.."
تراجعت سما تنظر إليها فلم تعطها أمينة الوقت للحديث بل قالت بحزم:
"متشغليش بالك بأمك و بشيرين هجبهم و هنيجي وراكوا إنتِ تخليكِ مع صاحبتك.. لحد ما اليوم ينتهي.. وسيبك من أي حاجة .."
أومأت سما فتدخلت ريتال التي قالت بعفوية:
"طب و أنا يا نانا أنا عايزة أركب جنب العروسة مش أنا عروسة صغيرة.."
احتضنتها أمينة بحب وهي تقول بحنان:
"دانتي أحلى عروسة في الدنيا ياقلب نانا. طبعًا تركبي جنب العروسة"
ما أن احتضنتها أمينة حتى اقتربت ريتال من أذنها وقالت بخفوت:
"هقولك علي سر يا نانا عشان إنتِ حبيبتي.. انطي شيرين كانت بتكلم حد في التليفون وبتقوله إن أحسن حل إنهم يلعبوا مع جنة بمحمود الصغنن شويه.. خليهم يلعبوني معاهم بقى عشان انا حبيبتك و قولتلك .."
جحظت عيني أمينة من حديث ريتال العفوي و رفعت رأسها تطالعها بصدمة و اجتاح قلبها شعوراً قوياً بالخوف على حفيدها ولكنها رسمت الابتسامة على وجهها وهي تقول بلطف:
"تعالي يا ريتا معايا عيزاكِ.. يلا اجهزوا عشان هتنزلوا دلوقتي.."
صعد سالم درجات السلم متوجهاً إلى غرفة شقيقته حتى يأخذها و يسلمها إلى عريسها فتوقف لثوان وهو يناظر طفلتهم الجميلة و مدللتهم التي كبرت وأصبحت امرأة فاتنة و اليوم هو يوم زفافها. انتابه شعوراً غريباً للحظات لا يعرف كنهه وعلى الرغم من تأكده بأن ياسين شخصاً صالحاً ولكنه وجد شعوراً قوياً من الغيرة يتسلل إلى قلبه يود لو يأخذها بين أحضانه و يخبئها حتى لا يراها في تلك الطلة الرائعة. كان الأمر جديدًا كليًا عليه حتى أنه كلفه بضع دقائق ليتغلب على ما يعتريه و يتقدم من شقيقته يحاوطها بذراعيه بقوة واضعًا قبلة حانيه فوق جبينها و عينيه ترسلان نظرات عميقة جعلت العبرات تتسابق للهطول من عينيها الجميلة فتحدث بنبرة متحشرجة:
"طالعه زي القمر.."
لم تستطع التحكم في عبراتها و قالت بلهجة خافتة:
"لسه زعلان مني؟"
أجابها بخشونة:
"مفيش أب بيزعل من بنته.. و إنتِ بنتي.. كدا ولا إيه؟"
أومأت برأسها وهي تردد بابتسامة خجولة و امتنان:
"كدا طبعًا.. إنت ابويا و اخويا و كل حاجه ليا يا أبيه.. ربنا ما يحرمني منك أبدًا.."
طوقها بقوة يحاول إخفاء دمعة خائنه تحاول الفرار من بين مقلتيه ولكنه نجح في التحكم بها و قال بلهجة خشنة:
"مهما يحصل أنا جنبك. اوعي في يوم تخافي من أي حاجة أو أي حد و أنا موجود.. خليكِ فاكرة إنك بنت الوزان. و إن العيلة دي كلها تحت أمرك.. سمعاني؟"
اومأت و عينيها تعده بأن تنفذ وصاياه و شفتيها تؤكدان ذلك الحديث:
"سمعانك.."
فتتابع بقلب حنون:
"و بردو عايزك تبقي زوجة صالحة.. مش عايزه يشوف منك غير كل خير. عشان إنتِ بنت أصول و اتربيتي صح.."
أومأت برأسها فتنهد بقوة قبل أن يتأبط ذراعها و يتوجه للأسفل فإذا به يجد ياسين الذي كان وسيماً بشكل خارق جعل جميع حواسها تتنبه إلى ذلك البطل الذي أتى ليختطفها على حصانه الأبيض ولكن الحقيقة أنها من خطفت قلبه في تلك اللحظة.. فقد كانت أشبه بالحوريات من فرط رقتها و روعتها. التي جعلت ضربات قلبه تقرع كالطبول حتى وصل طنينها أذنيه فلولا وجود سالم لكان اختطفها إلى أبعد مكان في هذا العالم حتى يستطيع التنعم معها بكل تلك المشاعر الضاريه التي اجتاحته كإعصار.
مد يده يصافح سالم الذي صافحه برسمية و تقدم سليم هو الآخر يتأبط ذراع حلا من الناحيه الأخرى و توجه الثلاثة إلى الخارج تاركين ياسين خلفهم يقف مذهولًا فلم يتسنى له حتى أن يصافحها فالتفت ينظر إلى صفوت الذي ابتسم رغماً عنه و اقترب يربت بخفة على ظهره وهو يقول بمواساة:
"معلش هانت.. كلها ساعة و نكتب الكتاب و وقتها محدش هيقدر يتكلم.."
و أردف مروان بسخرية:
"حلقولك حلقة انما إيه كابوريا.."
اغتاظ من حديث مروان ولكنه تجاهله و قال بذهول:
"هما خدوها و رايحين فين؟ هو مش أنا العريس؟ هي الناس دي فاهمة غلط ولا إيه؟"
قهقه صفوت على مظهره وقال بمزاح:
"إنت اللي فاهم غلط.. إنت مفكر أنهم هيسبوهالك كدا؟ تبقى عبيط.."
و أردف مروان بمزاح:
"كل عيش عشان تعدي يومك احسن ممكن نرجع في كلامنا و ناخدها تاني معانا واحنا مروحين.."
صاح ياسين بغضب:
"تاخدوا مين دي مراتي؟"
مروان بتهكم:
"لسه يا وحش.. إنت بصمت وريني إيدك كدا؟ عليها حبر أزرق لا يبقي لسه. و لحد ما تتكلبش و تبصم إنت تحت رحمة جوز الوحوش دول.. يعني تمشي جنب الحيط و تسمع الكلام.."
أنهى مروان حديثه تزامناً مع علو أصوات السيارات و التي تحركت في طريقها فهرول ياسين إلى الخارج فتفاجأ بأنهم أخذوا عروسه معهم وذهبوا دون أن ينتظروه.
فقهقه مروان قائلًا بشماتة:
"دول نسيوك باين؟ لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. أول مرة أشوف عريس بيتنسي يوم فرحه.. انا لو منك أجري ورا العربية احدفهم بالطوب"
أنهى كلماته و انخرط في نوبة ضحك أثارت حنق ياسين الذي قال بغضب:
"عارف أول حاجه هعملها بعد كتب الكتاب إيه؟"
مروان بسماجة:
"إيه؟"
ياسين بتوعد:
"هديك حتة علقة.."
قهقه كلًا من صفوت و مروان و توجه الجميع إلى السيارات في طريقهم للذهاب إلى الحفل.
***
كانت مظاهر الفرح في كل مكان تبعث البهجة في النفوس وقد أتقن عبد الحميد الاحتفال بذلك العرس على أكمل وجه على النحو الذي يليق بعائلته واستطاع أن يرفع رأس حفيدتاه أمام عائلة الوزان التي لاقت استقبال مشرفاً من جانبهم حتى أنه أعطى الأوامر إلى عمار بالتزام الهدوء و عدم افتعال أي مواجهات مع أحدهم ولكن هيهات فبعد أن تم عقد القران تناول عصاه و قام بالرقص على أنغام الموسيقى الصعيدي و هو يناظر سالم بتحد تجاهله الأخير فلم يتنحى عمار بل قام بإلقاء العصا أمامه في دعوة صريحة للنزال.. فلم يجد سالم مفراً من قبول دعوته و قام بإمساك العصا محاولا أن يجاري مستخدما قوته البدنية و فطنته فأخذ الأخير يرسل ضربات قوية ردها سالم إليه بأقوى منها فتعالت الأصوات في مجلس النساء الذي ضم الثلاث عرائس في تجمع جديد من نوعه عليهم ولكنهم تأقلموا مع تلك العادات التي كانت لها رونقاً مختلفاً حتى أنهم اندمجوا بالرقص و الغناء و لكن فجأة صاحت إحدى الخادمات بأن هناك مبارزة في حلبة الرقص بين كل من سالم الوزان و عمار فدب الذعر بقلب فرح التي تذكرت حديثاً دار في الصباح بينها وبين عمار.
عودة لوقت سابق…
"مبروك يا فرح.."
أجابته بتحفظ:
"شكرًا يا عمار الله يبارك فيك…"
كانت ملامحه لا تفسر ولكن لهجته كان يشوبها السخرية حين قال:
"يمكن يكون الحديت ده چاي متأخر بس لازمن يتجال.. فكرتي زين يا بت عمي؟ حاسه إنك اختارتي صوح؟"
أجابته بقوة انبعثت من عينيها أولا:
"انا مش حاسه أنا متأكدة إني اخترت صح .."
لونت السخرية ملامحه قبل أن يقول بتهكم:
"كنت متوكد إنك هتجولي أكده. بس لازمن انبهك أن سالم ده مش سهل واصل. و لا هو البطل اللي في خيالك.. ده جلبته شينه و جسوته ملهاش آخر.."
قاطعته بغضب:
"مالوش لازمه الكلام دا يا عمار.."
"له لازمه يا فرح. و لازمن تسمعيه عشان ابجي خليت مسئوليتي جدام ربنا.. اللي أنتِ مفكراه عادل و مفيش منه رمى بت عمته لواحد أجل كلمة تتجال عليه أنه مش راچل.. دوجها المر.. اني عارف انك معتحبيش شيرين دي ولا اني كمان بس الحج لازمن يتجال.. أنه يعچل بفرحه منك ده مالوش معنى بالنسبالي غير أنه بيأدبها عشان اللي عملته زمان. هتجوليلي ايه اللي عملته هجولك أنهم كانوا مخطوبين و هيتچوزوا وهي اتعلجت بصاحبه و حبته"
قاطعته بحدة:
"تبقى خاينه.."
عمار بتأكيد:
"مجولناش حاچه.. عنديكِ حج. بس هو كان چبان و مهموش بت عمته و اللي هيحصلها من الچوازة دي و كل اللي كان في باله أنه يرد كرامته حتي لو هيدهوس على حريمه!"
انكمشت ملامحها بحيرة تجلت في نبرتها حين قالت:
"انا مش فاهمه إنت تقصد إيه؟ و يعني إيه رماها مش هي حبت واحد و اتجوزته هو ماله؟"
اومأ برأسه فقد شعر بأن الحديث لا طائلة منه فقال باختصار:
"الحكاية دي تبچي هي تحكيهالك انا نبهتك.. الراچل ده مش زي الصورة اللي رسمهاله في خيالك.. الف مبروك يا عروسه.."
عودة للوقت الحالي..
كانت ترتعب وهي ترى العصا تدور هنا و هناك تخشى من حدوث أي شيء قد يعكر صفو هذه الأجواء ولكن فجأة وجدت ضحكة قويه شقت جوفها حين رأت مروان الذي جذب حمارا و أخذ يدور به في حلبة الرقص يمسك بيد لجامه وباليد الأخرى عصا وأخذ يدور بها حولهم فتعالت القهقهات من كل حدب و صوب فقد كانت حركاته مضحكة كثيراً و بعد أن انتهت تلك الرقصة اقترب عمار من أذن سالم قائلا بوعيد:
"متخافش أكده احنا بنكرمو ضيوفنا في دارنا لكن تارنا بناخده في دارهم .."
لم يهتز سالم إنشاً واحدًا إنما قال بفظاظته المعهودة:
"مابحبش الرجالة لما ترغي كتير الرغي دا للحريم. وريني آخرك.."
عمار بتوعد و نظرات حانقة:
"جريب.. هتشوفه جريب.."
"يبقى مترغيش كتير.. اعمل وانت ساكت. وانا مستنيك.."
أنهى كلماته و توجه يجلس بين أقاربه لحين انتهاء الحفل الذي دام لساعات بدت دهرا عليه فلم يعد يحتمل و توجه إلى عبد الحميد قائلا بخشونة:
"حاج عبد الحميد كفايه بقي احنا ورانا سفر.. و معاد الطيارة فاضل عليه ساعتين يدوب نلحق نجهز .."
"مانت اللي مراضيش تسمع الكلام. جولتلك خليكوا اهنه الليلة انت الي راكب دماغك .."
سالم بصرامة:
"الموضوع دا منتهي. الجدال فيه مضيعه للوقت. وزي مانت اتمسكت بالأصول و العادات احنا كمان لينا اصولنا و عاداتنا .."
عبد الحميد باستسلام:
"اللي تشوفه.. اتفضل معايا انت و سليم عـ المندرة علي ما العرايس يچهزوا ."
أشار سالم الي سليم الذي تبعه إلى الداخل و ما هي إلا لحظات حتي جاءته أمينة تحمل محمود الذي لم تتركه يداها طوال الحفل تخشى عليه مما أخبرتها به ريتال و للحظة أرادت إخبار سالم بما حدث ولكنها لم ترِد تخريب اليوم أكثر فيكفي ما حدث قبل أن يأتوا إلى هنا فاقتربت منه تحتضنه بقوة وهي تقول بجانب أذنه:
"ربنا يسعد قلبك يا ابني.. عروستك زي القمر .."
احتضنها سالم بقوة قبل أن يقول بحنان:
"ربنا يحفظك لينا يا ست الكل .."
قبل كفها باحترام و كذلك فعل سليم الذي قال بمرح:
"إنتِ نستيني يا حاجة ولا إيه؟ مانا بردو عريس ولا سالم واكل الجو .."
ابتسمت أمينة بحب انبعث من نظراتها أولا قبل أن تترجمه شفتيها حين قالت:
"انا اقدر انساك دا انت حتة من قلبي.. ربنا يسعدك يا حبيبي.. و يحفظك إنت و عروستك. خطفت قلبي بجمالها و رقتها. الله يعينك عليها .."
ابتسم سليم و داخل ضلوعه رفرف قلبه من كلمات والدته التي التفتت إلى تهاني و أخبرتها شيئًا بجانب أذنها فتفهمت الأخرى و انصرفت بعد أن قدمت التبريكات فالتفتت أمينة إليهم قائلة:
"هنسبقكوا احنا و انتوا اتعشوا و هاتوا عرايسكوا و تعالوا ورانا .."
تحدث سالم بصرامة:
"هنِمشي كلنا سوى. عشا إيه و كلام فارغ إيه؟"
أمينة بهدوء:
"معلش عشان خاطري و خاطر فرح. الناس جهزوا عشا بناتهم.. لسه شويه علي معاد الطيارة.احنا هنروح عشان عمتك وصلت المزرعة هي و شيرين خليني أروح اطمن عليها مينفعش أسيبها كدا ."
زفر سالم بحنق فتدخل سليم قائلا:
"ماما عندها حق يا سالم.. خليهم هما يسبقونا.."
"تمام زي ما تحبي .."
وصلت تهاني قائلة بسعادة:
"سالم بيه.. اتفضل على الجاعه العشا جاهز و العروسه كمان مستنياك هناك .."
اومأ سالم و كل ذرة من كيانه تنتفض ترقبا و لهفة و شوقا لرؤيتها ولكنه حافظ علي ثباته كالعادة و توجه بخطى وقورة إلى حيث ارشدته تهاني و حين دلف إلى الغرفة تسمر بمكانه وهو ينظر إلى تلك التي كانت تقف بآخر الغرفة تخفض رأسها في خجل غير قادرة على رفع عينيها أمامه فخرج اسمها همساً من بين شفتيه:
"فرح.."
لم تستطع إلا أن ترفع رأسها إثر همسه الذي استقر بمنتصف قلبها الذي ارتج حين طالعته بهيئته المهلكة و وسامته الفذة المطعمه بقوة بدائيه أضفت هالة من السحر الذي جعلها كالمنومة مغناطيسيا حين وجدته يفتح ذراعيه على مصراعيها في دعوة صريحه لتستقر بداخل أحضانه فما كان منها إلا أن حملت فستانها و بأقدام تحمل اللهفة و العشق معا هرولت إليه ليتلقفها بذراعيه القويتين اللتين حملتها برفق و ضمتها إليه بقوة وهو يدور بها في الغرفة في لحظة بدت خاطفة و رائعة للحد الذي جعل القلوب تحلق في صدريهما وهي تشدو بعشق جارف أثر في كليهما.
فأغرقهما في لجة من المشاعر العاتية التي جعلت صدربهما يعلوان ويهبطان بسرعة من فرط التأثر.
فقد كان عناقا كاسحا يفيض بأحاسيس فريدة لا تستطيع الأحرف وصفها أو التعبير عنها.
أخيرا استطاع إخراجها من بين أحضانه و قام بوضع قبلة قوية على مقدمة رأسها بثّ فيها عشقه الجارف و شوقه الضاري هامساً بصوته الأجش:
"أخيرًا…"
كانت كلمة بسيطة تعبر عن مرارة انتظاره حتى تأتي تلك اللحظة التي تصبح بها ملكه على الرغم من أن قلبه أعلن ملكيته لها منذ زمن ولكن أن يصبح الأمر واقعا كان هذا شعوراً رائعاً لم يستطع وصفه.
رددت كلماته هامسة بقلب يطرق كالطبول و أنفاساً لاهثةً:
"أخيرًا…"
رفع رأسه يحتوي وجهها بين يديه بحنان لا يعرف إلى أي جهة تسرب إلى قلبه و سددته نظراته كسهام مشتعله بنيران من عشق استقرت في أعماق فؤادها و جاءت كلماته لتطيح بكامل ثباتها حين قال:
"الحاجة قالتلي عروستك حلوة أوي يا سالم بس طلعت بتضحك عليا.."
ارتعب قلبها و انكمشت ملامحها من كلماته وقالت بلهفه:
"ليه؟ مش حلوة؟"
ارتسمت على ثغره ابتسامة عاشقة وهو يقول بخشونة:
"حلوة بس؟"
ارتخت ملامحها و تدللت قائلة:
"حلوة لأي درجة؟"
أجابها بهمسه القاتل و عيناه اللتان كانتا تلتهمان تفاصيل وجهها التهاما:
"حلوة لدرجة تخطف العين والقلب.."
لم تستطع الصمود أمام عينيه و كلماته العاشقة أكثر من ذلك فأخفضت رأسها تستند على صدره وهي تهمس باسمه بخفوت جعل جميع حواسه تتنبه و أطاح بثباته فقام بوضع قبلة شغوفه فوق رأسها متبوعه بزفرة قوية تعبر عن صعوبة تحكمه بنفسه ثم قال بجانب أذنيها بصوته الأجش:
"يالا عشان نروح على بيتنا…"
كانت الكلمة وقعها مميزا خاصة حين قالها بتلك الطريقة فلونّ الخجل ملامحها و نبت محصول الطماطم الطازج فوق وجنتيها فتحدثت هامسة:
"هروح أغير هدومي و أجيلك على طول.."
"تؤ تؤ.. أنا عايزك تيجي زي مانتِ كدا.. عايزك تدخلي البيت بالفستان.."
هكذا تحدث بنبرة آمرة فرفعت رأسها باندهاش فأردف بخفوت:
"فرحتي هتكمل لما تدخلي البيت و أنتِ عروسه.. عايزك تمليه فرح زي ما مليتي حياتي.."
شعرت بما تحمله كلماته من معاني رائعة انشرح لها قلبها و شعرت بالسعادة و كأنه نبت لها جناحان فأومأت برأسها وهي تقول بخفوت:
"أوعدك هعمل كل اللي أقدر عليه عشان أفرحك…"
ابتسم بحنان قبل أن يقول بوقاحة:
"طب مش يالا بقى.. أنا مش ضامن نفسي أكتر من كدا.. و عايز الفستان يوصل سليم .."
أخفضت رأسها خجلاً قبل أن تقول بخفوت:
"بطل بقى .."
كان خجلها لا يقاوم فقام بجذبها إليه بغتة دون أن يعطيها الفرصة لاستيعاب ما يحدث لتجد نفسها خاضعة بين براثنه يبثها عشقاً جارفاً فاض به القلب فأخذ ينهل من حلاوة ريقها و شهد برائتها بلا هوادة حتى شعرت بنفسها كأنها محمولة على أجنحة السحاب تطوف بها في سماء الحب الذي كان يسكبه على ثغرها و ملامح وجهها بروية و كأنه يرسم بشفاهه لوحة شغوفة لامرأة احتلت عالمه و اخترقت حصونه التي كانت أكثر من مرحبة بسطوتها التي فرضتها علي روحه أولًا ثم تغلغلت لتعلن امتلاكها لكيانه العاصي الذي أعلن توبته أمام قدسية عشقها..
***
في الجهة الأخرى كان سليم يجلس بانتظارها و كل خلية في جسده ترتجف ترقبًا و لهفة و قد كان يحضر نفسه لكل رد فعل قد يصدر منها و بداخله يتضرع إلى الله لِئَلا يحدث أي شيء قد يعكر صفو هذا اليوم ولكنه تفاجأ بتلك التي دخلت إلى الغرفة عابسة تناظره بغضب ثم توجهت تجلس على الأريكة المقابلة له وهي تقول بسخط:
"أنا مش جعانة اتعشى إنت بس في الانجاز عشان عايزة أروح لمحمود .."
كانت تريد إغضابه ولكنها لا تدرك بأنه اتخذ عشقها مذهبا لحياته و لأجلها قرر أن يتعلم الصبر و يسلك دربه المليء بالأشواك حتى لو كان مستقرها قلبه و ذلك لأجل أن يظفر بها في النهاية لهذا ابتسم وهو يقول بمزاح:
"وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.."
انكمشت ملامحها بامتعاض فتابع بسخرية:
"أنا عريس النهاردة لو مش واخده بالك"
اغتاظت من حديثه فقالت بتهكم:
"عريس.. اه. خدت بالي ابقي اعدل البيبيون عشان معووج.."
سليم بسخرية:
"هو بردو اللي معووج!"
"تقصد إيه؟"
"لا ولا الحاجه.. نعدله.. نقلعه خالص لو مضايقك.."
قال جملته و قام بجذب الربطة المحيطة بعنقه و شرع في فك أزرار قميصه فهبت من مكانها قائلة بصدمة:
"إنت مجنون بتعمل إيه؟"
حاول قمع ابتسامه كبيرة من الظهور على شفتيه وقال ببراءة:
"حسيت إن البدلة مضيقاكِ فقولت أقلعها. أنا أساسًا اتخنقت منها.."
اغتاظت من حديثه فهبت غاضبة:
"إنت بتهزر صح.. دمك تقيل على فكرة. و أنا مش في المود فأحسنلك متضايقنيش .."
نصب عوده وتقدم منها و عينيه ترسلان سهاماً مشتعلة استقرت في قلبها الذي أخذ يطرق بعنف خاصة حين سمعته وهو يقول بخشونة:
"مين مزعل حبيبي؟"
أجابته بغباء:
"حبيبك مين؟"
لونت ملامحه ابتسامة عابثة و أجابها بخفوت:
"عايز أقول كلمتين مهمين .."
"اللي هما؟"
هكذا أجابته بأنفاس لاهثة بعد أن وصلت إلى آخر الغرفة فأصبحت سجينة بينه و بين الحائط فأجابها بلهجة خافتة ولكن عميقة:
"شكلك زي القمر.. أحلى عروسة شافتها عيني.."
كانت تريد افتعال أي شجار معه تريد الصراخ بأنها خائفة ولكنه لا يعطيها الفرصة لذا ابتلعت ريقها بصعوبة قبل أن تقول بتلعثم:
"أنا مش عروسة.."
"أومال الفستان اللي دافع فيه دم قلبي و المهر اللي جدك مخيطني فيه و الشبكة اللي بقد كدا كل دول لمين؟ لأمي؟ دانا فلست من ورا الجوازة دي .."
رغمًا عنها ارتسمت ابتسامة علي شفتيها جراء حديثه فقام بمد يديه لتحيط بخصرها في حركة مباغتة و قال بلهجة قوية شغوفة اخترقت دفاعاتها:
"إنتِ أغلى و أحلى حاجة في الدنيا.. جنتي اللي مهما حاولتي تطرديني منها هفضل أعاندك و أحاول لحد ما تبقي بيتي.."
كانت كلماته مخيفة بقدر روعتها تشعل بداخل قلبها نيراناً لا تقوى على تحملها فصارت تتململ بين أحضانه تحاول الإفلات من بين براثنه فقام باستخدام قوته البدنية ليلصقها بصدره وهو ينظر إلى داخل عينيها مباشرة و أنفه يلامس أنفها الذي خرج تنفسه حارا يشبه حرارة كلماته حين قال بهمس أجش:
"كل اللي عايزة تعمليه اعمليه. عبري عن غضبك و خوفك و وجعك بالطريقه اللي تريحك بس اوعي تقللي من نفسك أبدًا؟ دي الحاجة الوحيدة اللي مش هسمحلك بيها.."
أومأت برأسها دون أن تكون لها القدرة على الحديث ولكن كانت عيناها تحكي له حكايات عن روعة ما جعلها تشعر به في تلك اللحظة لذلك اكتفى بهذا و قام بجذب كفها واضعا قبلة قوية في راحته. أراد بها تمجيدها و تدليلها و اخبارها بأنها شيئًا يخصه فقط.
*************
بعد مرور بضعة ساعات اصطفت السيارات أمام مزرعة عائلة الوزان فتنفس الجميع الصعداء و قام سليم بحمل جنة النائمة بين ذراعيه متوجها للأعلى بعد أن أعطى غمزة إلى سالم الذي ابتسم بشماته على أخيه الذي يعلم كم سيعاني مع تلك الجنة و التفت ناظرا إلى فرح التي كانت تحاول الترجل من السيارة بفستان زفافها الثقيل فتوجه إليها لمساعدتها و بالفعل قام بإنزالها من السيارة ممسكا بكفها إلى أن وصل إلى باب المنزل و ما كادت أن تخطو خطوة إلى الداخل حتى قام بحملها بخفة بين يديه فشهقت بخفوت وقالت بصدمة:
"سالم بتعمل ايه؟"
أجابها باختصار و هو يتوجه إلى الأعلى:
"شايل عروستي. متفرجتيش على أفلام عربي قبل كدا؟"
فرح بخجل:
"حد يشوفنا؟"
"إيه المشكله. خليهم يتعودوا .."
أجابها بسلاسة جعلت خجلها يزداد أكثر فتحدثت بخفوت:
"انت مجنون بجد.."
أجابها بتخابث وعينين يطل منهما العبث:
"اتقلي ع الجنان لسه هتشوفيه على أصوله.."
خبأت رأسها في كتفه إلى أن وصل بها إلى غرفته و ما أن أنزلها و هم بإغلاق الباب تفاجئ بـ همت التي وقفت أمامه وهي تقول بنبرة جامدة:
"أنا عارفه إنه مش وقته بس لازم اتكلم معاك ضروري .."
للحظة كاد أن تخرج من فمه مسبة بذيئة و لكنه تحكم بها في آخر لحظة و قال بجفاء:
"شايفه الوقت مناسب يا عمتي؟?"
"لو يتأجل الكلام مكنتش جيتلك يا ابن اخويا.."
"الصبح نتكلم."
هكذا تحدث من بين أسنانه فعاندته قائله:
"مينفعش.. استأذن من عروستك الحلوة عشر دقايق بس ."
تدخلت فرح التي قالت بذوق:
"خلاص يا سالم مفيش مشكلة شوف الحاجه همت عايزة إيه .."
اغتاظ من تدخلها في الحديث فحدجها بنظرة قاتلة قابلتها بتوسل أغضبه أكثر و قام بالالتفات صافقا الباب خلفه وهو. يقول بجفاء:
"تعالي ورايا عالمكتب .."
تبعته همت إلى الأسفل فتوجهت فرح إلى غرفة الملابس لرؤية أشياءها و ما أن خطت خطوة إلى الداخل حتى تفاجئت بالباب الذي فُتح بقوة و تلك العينين اللتان تناظرها بقهر و شراسة تجلت في نبرتها حين قالت:
"مبروك يا عروسه .."
*******************
في الأسفل وقف سالم ينتظر همت بغضب دفين لم يرهبها بل انفجرت في وجهه وهي تصرخ:
"ليه عملت كدا في بنتي؟"
"عملت إيه في بنتك؟"
أجابها بهدوء جعل غضبها يتزايد فصرخت بانفعال:
"قبلت تجوزها الحيوان دا ليه؟"
تشابهت ملامحه مع نبرته الجامدة حين قال:
"بنتك كانت عيزاه و كانت بتحبه أنا ذنبي إيه؟"
"بنتي كانت عيله صغيرة متعرفش حاجة. بس إنت دا صاحبك و كنت تعرف عنه كل حاجة.. ليه قبلت عليها كدا ووافقت ترميها في النار بايديك؟"
تعاظم الغضب بداخله و احتدت نبرته حين قال:
"أولا محدش كان هيقبل يتجوزها غيره. عشان الهانم كانت دايرة معاه في كل مكان. و كانت بتفتخر بعلاقتها بيه.. ثانيا أنا مكنتش أعرف عنه حاجة أكيدة كله كان كلام يحتمل الصدق و الكذب"
صرخت بقهر:
"بس طلع حقيقة .."
"' وليه مطلقتش منه و صبرت كل الوقت دا معاه؟"
هكذا سألها بجمود فاحتارت للحظات كيف تجيبه ولكنها اهتدت الي الخداع فقالت بغضب:
"عشان كان جابرها.."
لوّنت السخرية معالمه و شابت لهجته حين قال:
"منطق بردو.. طيب تمام اهي اتخلصت من إجباره. من الصبح هطلقها منه في حاجة تاني؟"
"بالسهولة دي؟"
أجابها بفظاظة:
"أسهل مما تتخيلي. لسه عندك حاجه تقوليها؟"
تجمدت للحظات قبل أن تقول بتوتر:
"شيرين محتاجة لدكتور نفسي .."
أجابها بنفاذ صبر:
"البلد مليانه.. الدكتور اللي ترتاح معاه تروحله.. ها إيه تاني؟?"
شعر بأنها تريد المماطلة فحسب و خاصة حين قالت:
"إنت الموضوع بالنسبالك هين عشان هي متهمكش يا خسارة كنت فاكراك هتقدر تبقى كبير زي أبوك .."
قاطعها بعنف قلما يظهر عليه:
"ولا كلمه زيادة.. خلي بالك من كلامك واعرفي إنى لحد دلوقتي صابر على كل العك اللي حصل بس انا قلبتى وحشة.. وصبري نفد يعني اللي جاي كله بحساب.. كلامنا انتهي .."
أنهى كلماته و توجه إلى الأعلى و هو يزفر بحنق فقد سأم كل ما يحدث و كل تلك الألاعيب و المؤامرات يريد هدوء و راحة لن يجدهما سوي بقربها. فسار ينهب درجات السلم بقلب يحمل اللهفة و الشوق معا إلي أن وصل إلي غرفته فدخل مباشرة دون أن يطرق الباب فوجدها جالسة على مخدعهما بعينين ناظرة إلى البعيد فاقترب منها بلهفة وامتدت يديه تقبض على خاصتها جاذبا إياها لتسكن بين ذراعيه ولكنه تجمد بمكانه حين شعر بها تدفعه و عيناها ترسلان سهاما حادة تشبه حدة كلماتها حين قالت:
" ابعد عني.. "
صدمة قوية خيمت عليه حين تفاجئ برد فعلها فهمس باسمها بنبرة لأول مرة تبدو ضائعة:
"فرح.."
نفضت توسله و قالت بلهجه قاسيه و ملامح جامدة:
"اوعى تقرب مني أو تفكر تلمسني …"
يتبع……
رواية بين غياهب الاقدار "في قبضةالاقدار الجزء الثاني" الفصل السادس عشر 16 - بقلم نورهان العشري
توجه إلى الأعلى وهو يزفر بحنق فقد سأم كل ما يحدث وكل تلك الألاعيب والمؤامرات يريد هدوء وراحة لن يجدهما سوى بقربها. فسار ينهب درجات السلم بقلب يحمل اللهفة والشوق معًا إلى أن وصل إلى غرفته فدخل مباشرة دون أن يطرق الباب فوجدها جالسة على مخدعهما بعينين شاردة ناظرة إلى البعيد فاقترب منها بلهفة وامتدت يديه تقبض على خاصتها جاذبًا إياها لتسكن بين ذراعيه ولكنه تجمد بمكانه حين شعر بها تدفعه وعيناها ترسلان سهامًا حادة تشبه حدة كلماتها حين قالت:
"ابعد عني.."
صدمة قوية خيمت عليه حين تفاجئ برد فعلها فهمس باسمها بنبرة لأول مرة تبدو ضائعة:
"فرح.."
نفضت توسله وقالت بلهجة قاسية وملامح جامدة:
"أوعى تقرب مني أو تفكر تلمسني…"
تنبه لحديثها الغريب وملامحها الأشد غرابة بينما جذبته تلك الشعيرات الحمراء التي تسللت إلى حدقتيها لتمتزج مع حدائقها الزيتونية فجعلتهم مشتعلتان بصورة صدمته ولكنه سرعان ما تغلب على صدمته وقال بنبرة خطرة:
"أنتِ سامعة بتقولي إيه؟"
من بين أنفاس ملتهبة وقلب محترق أجابته بنبرة حادة كالسيف:
"سامعة.. وياريت انت كمان تكون سامع.."
كانت حالتها مزرية مما جعله يتجاوز بشق الأنفس عن حديثها المهين وقال بنبرة أهدأ:
"حصل إيه يا فرح.. أنا لسه سايبك من شوية مكنتيش كده."
"بيتهيألك."
"يعني إيه؟"
ابتلعت جمرة حارقة بجوفها قبل أن تجيبه بجمود:
"يعني لازم نحط النقط عالحروف من أول يوم عشان كل واحد يعرف حدوده وما يتخطاهاش.."
زفر الهواء المكبوت بصدره دفعة واحدة محاولًا التغلب على شياطين الغضب التي تنهش بداخله ثم قال بقسوة:
"هاتي اللي عندك.."
تلك اللحظة الفاصلة التي ستلقي بها بين فوهات الجحيم كانت أصعب لحظات حياتها ولكنها جاهدت على أن تكون كلماتها منمقة بلهجة باردة تخفي خلفها أعظم خيبة نالتها طوال حياتها:
"عارفة إن كلامي هيضايقك ويمكن متتوقعهوش. بس دي الحقيقة.. الجوازة دي بالنسبالي وسيلة هروب من جوازة تانية مكنتش متقبلاها وأكيد انت فاهم قصدي.. عارفة إنك ممكن تكون شايفني وحشة بس أنا مش هقدر أخدعك وأوهمك بمشاعر مش موجودة من الأساس.."
كانت لحظة توقفت بها جميع حواسه عن العمل.. حتى أنه لأول مرة بحياته يعجز لسانه عن التعبير يفقد السيطرة على انفعالاته التي ظهرت على السطح بشكل لم تتوقعه فقد امتقع وجهه واكفهرت معالمه بينما كست الخيبة نظراته بصورة قاتلة. ولكم تألمت على مظهره ولكنها كانت أول من ابتدئ وكما يقولون البادئ أظلم.
ضحكة قوية أبعد ما تكون عن المرح شقت ملامحه التي بدت مريعة في تلك اللحظة مما جعلها تتجمد لثوان في مكانها خاصةً حين قست نظراته وهو يقترب منها خطوتين قائلاً بقسوة:
"الكلمتين دول سمعتك بتقوليهم قبل كده لـ واحد أهبل عشان تنقذي كبرياءك المغرور.."
شهقت متفاجئة من حديثه فتابع بنبرة أقسى تشبه عينيه التي أرعبتها في تلك اللحظة:
"لكن أنا مش أهبل وأقدر أعرف اللي جواكِ كويس أوي.. ولآخر مرة هسألك حصل إيه؟؟ وقبل ما تفكري تكذبي اعرفي إني ممكن أوريكِ وش عمرك في حياتك ما تخيلتيه مني.."
حاولت أن تبدو قوية ولكن رغمًا عنها اهتزت نبرتها حين قالت:
"معنديش كلام أقوله…"
"انطقي حصل إيه وأنا تحت..؟"
صرخ بها بصوت أرعدها بمكانها فخرجت منها شهقة قوية متبوعة بثورة انهيار نابعة من عينيها التي أفصحت عن عبرات غزيرة و شفتيها التي خرج الحديث منها كالطلقات حين صرخت به:
"مُصر أوي تعرف في إيه؟؟ يبقي روح اسأل الست شيرين بتاعتك اللي اتجوزتني عشان تنتقم منها.. أنا بالنسبالك كنت كوبري عشان ترد كرامتك قدامها وتاخد حقك لما فضلت صاحبك عليك.. كذبت عليا في كل حاجة حتى مشاعرك وكل دا عشان خاطرها. صح ولا أنا غلطانة.."
ازدادت ملامحه قتامة واسودت عينيه غضبًا حتى أن عروق رقبته كادت أن تنفجر في تلك اللحظة فبدا كالوحوش المرعبة و خاصةً حين همس:
"شيرين.."
"أيوا شيرين.. حب الطفولة. مش كانت خطيبتك ولما خانتك كرامتك مقبلتش عليك تكمل معاها وعشان تردلها الضربة جوزتها لواحد انت عارف إنه مريض. بس دا طبعًا كان منتهي السعادة بالنسبالك عشان عارف أنه مش هيقرب منها… بحييك بصراحة أبهرتني.."
كانت الكلمات تمزق جوفها والعبرات تجرح عينيها التي كانت تبكي دمًا كان مصدره قلبها النازف ولكنها تفاجئت حين سمعته يقول بوعيد:
"ولسه.. هبهرك أكتر.."
ألقى كلماته وخرج من الغرفة وبملء صوته صرخ قائلاً:
"شيرين…"
ارتجت جدران القصر جراء ندائه المرعب ولكنه لم يكتف بل توجه إلى غرفة شيرين التي كاد الرعب أن يقضي عليها وهي تمسك بالهاتف فما أن سمعت نداءه حتى قالت بذعر:
"سالم. عرف.. معقول قالت له.. دا ممكن يموتني.."
جاءتها الإجابة على الطرف الآخر:
"انكري.. أو أوعي تقولي حرف واحد. كل حاجة مترتبة مظبوط وافتكري إنك لو لخبطي هتضيعينا كلنا ومتنسيش تحذفي كل حاجة من ع التليفون…"
لم يتسن لها الإجابة فقد تفاجئت بذلك الوحش الذي اقتحم غرفتها وهو يشملها بنظرات جحيمية جعلتها ترتجف وخرجت شهقة قوية من جوفها حين اقترب يقبض على رسغها بعنف يجرها خلفه عبر الرواق حتى وصل إلى غرفته على مرأى ومسمع من الجميع ولكنه لم يأبه لتساؤلاتهم بل دخل صافقًا الباب خلفه قبل أن يلقي بها أرضًا وهو يقول يزأر بقوة:
"حالًا دلوقتي عايز أعرف كل حرف قلتيه في الأوضة دي وأنا مش موجود…"
كانت ترتجف أرضًا تمسك بيدها الجريحة مفرقة نظراتها المذعورة بينه وبين «فرح» المتجمدة بمكانها والتي تعالت شهقتها حين سمعت «شيرين» وهي تقول:
"أبدًا. حكتلها ع اللي حصل زمان.. وإزاي غلطت في حقك وطلبت منها تحافظ عليك.. ومتضيعكش من إيدها زي ما أنا عملت."
"إيه؟ إيه الكذب ده؟" هكذا تحدثت «فرح» مستنكرة فلمعت عيون «شيرين» بشر وقالت بانكسار:
"كذب إيه يا فرح؟؟ هو ده اللي حصل."
"فرح" بانفعال:
"حصل إيه يا مجنونة؟ أنتِ مين اللي طلبت مني أحافظ عليه ومضيعهوش من إيدي؟"
التفتت «فرح» إليه وقد شعرت بأنها وقعت في فخ محكم وقالت بارتباك:
"دي كذابة.."
"وإيه الصدق؟" هكذا سألها باختصار فسحبت نفسًا قويًا داخل رئتيها قبل أن تقوم بسرد ما حدث قبل نصف ساعة من الآن..
**عودة لما قبل نصف ساعة**
"مبروك يا عروسة.."
التفتت «فرح» مصدومة حين سمعت ذلك الصوت الملئ بالشر ولكنها لم تتفاجأ إذ كانت صاحبته «شيرين» فهي تعلم بأن تلك الفتاة تضع عينيها على زوجها وتريد التفريق بينهم وهي لن تسمح بذلك لذا التفت بهدوء تناظرها بجمود شابه نبرتها حين قالت:
"في حد يدخل على حد كده أوضة نومه؟ مش المفروض بنخبط قبلها ولا أنا غلطانة؟"
اغتاظت «شيرين» من إجابتها وتشدقت ساخرة:
"أوضة نومه!! ياه أوام لحقتي اعتبرتيها أوضة نومك؟ دانتي سريعة أوي."
لم تلتفت لسخريتها بل تابعت بجمود:
"أوضة نوم جوزي تبقي أوضة نومي.."
اقتربت منها «شيرين» قائلة بسخرية:
"جوزك! تعرفي إنك صعبانة عليا أوي يا فرح.."
رفعت «فرح» إحدى حاجبيها بتهكم فتابعت «شيرين» بث سمومها إذ قالت بلهجة منكسرة:
"آه والله صعبانة عليا. يمكن لو اتقابلنا في ظروف غير دي جايز كنا بقينا أصحاب. بس للأسف أنا وأنتِ وقعنا في حب راجل واحد. ومن سوء حظنا إن الراجل ده حبه عامل زي الوشم بينطبع في القلب مبيخرجش غير بالدم والقلب لما ينزف تبقى نهايته الموت.."
قالت جملتها الأخيرة ورفعت يدها الجريحة لتريه ذلك الضماد الذي يلفها فـ انكمشت ملامح «فرح» بغضب حاولت قمعه قدر الإمكان وهي تقول بجفاء:
"ومين قال إني عايزة حبه يخرج من قلبي؟ وبعدين بعد كلامك ده أنا اللي مفروض تصعبِ عليا مش العكس.."
«شيرين» بوقاحة:
"لا العكس.. عشان للأسف أنتِ دخلتي في لعبة انتقام أنتِ مش قدها.. انتِ تعرفي إن أنا وسالم كنا مخطوبين؟؟ وكنا خلاص هنتجوز."
«فرح» باختصار:
"عرفت وبصراحة ميهمنيش إيه حصل في حياته قبل ما يعرفني اللي يهمني حياته بعد ما دخلتها.."
قاربت على الوصول لمبتغاها فقالت بانكسار:
"كلها واحد يا فرح.. وجودك مغيرش كتير.. سالم بيحبني. ومش بس بيحبني ده بيعشقني لدرجة إنه اتجوزك بس عشان ينتقم مني ويكسرني ويردلي اللي حصل زمان.."
كان حديثها مسمومًا للحد الذي جعل قلب «فرح» ينتفض بداخلها ولكنها ظاهريًا بدت هادئة حين أجابتها:
"أنتِ تقريبًا الجرح أثر على دماغك ولا إيه؟"
تجاهلت «شيرين» حديثها واسترسلت في بث سمومها:
"كبرت واتربيت على إيده مكنتش أعرف راجل غيره. دايمًا كانوا يقولوا شيرين لسالم وسالم لشيرين وكان هو بالنسبالي كل حاجة في حياتي. سالم طول عمره حنين بس مابيحبش يبين. جامد من بره بس أرق إنسان من جواه وإلأني كنت صغيرة ومش فاهمه فكرت جموده ده قسوة وبقيت أدور عـ الحنية اللي مفتقداها معاه بره. لحد ما دخل شيطان بينا ادالي كل اللي كنت مفتقداه مع سالم. كنت مراهقة أقل كلمة بتأثر فيا وهو مكنش يعرف يعمل حاجة غير أنه يتكلم. وأنا طبعًا صدقته. ومن حظي السيء سالم عرف. وشاف بعنيه.. شافني راكبة معاه العربية. وخارجة معاه. كانت خروجة بريئة جدًا جايبلي فيها ورد وبيقول إنه بيحبني. بس طبعًا بالنسبة لسالم كنت وقعت في المحظور.."
انبثقت دمعة حقيقية من عينيها مسحتها بطرف إصبعها قبل أن تكمل:
"اليوم ده اتحولت حياتي لجحيم.. سالم يومها ضربني قلم لسه معلم في قلبي. وراح لبابا وخالي وقالهم إن متقدملي عريس وإني موافقة عليه. وأجبر أحمد إنه يتقدملي.. وأجبرني إني أوافق. عملت المستحيل عشان يسامح لكنه رفض بالرغم من إني سمعته بيبكي عشاني لكن كبرياؤه منعه إنه يكمل معايا. الحقيقة إنه كان شهم وداري عالموضوع ومحدش عرف اللي حصل غير ماما ومرات خالي بعد كده وطبعًا انتقامًا له منعتني إني أجي البيت بعد ما اتجوز. وفعلاً حصل.. طبعًا هتسأليني وتقولي إزاي هو اتحمل تكوني لواحد تاني غيره لو هو بيحبك.. أقولك أنا.. أحمد كان عنده ضعف جنسي. وتعب في القلب يمنعه إنه يقربلي. وسالم كان عارف ده عشان كده جوزني له وهو مطمن.. اتصدمتي صح؟"
كانت «فرح» تقف مشدوهة لا تقوى على الحديث أمام حديثها ولكن ما زاد من صدمتها حين قامت «شيرين» بمد تلك الورقة أمام عينيها والتي ما أن التقطتها حتى شاهدت ذلك التقرير الذي يفيد بأنها مازالت عذراء:
"متستغربيش.. بس الوجع يعمل أكتر من كده. وأنا وجعته. ووجعته أوي كمان.. ومش زعلانة منه أنا أستاهل أكتر من كده. واتحملت بهدلة ومرمطة من شخص مريض بالنقص اللي عايز يعوضه بأنه يذلني طول الوقت عشان عارف إني مقدرش أرجع لأهلي.. بس اللي كان بيهديني لما كنت بعرف إن سالم بيسأل عني.. كنت بتأكد إني لسه في قلبه.. على فكرة كان بيسأل مروة. اللي قابلتوها في شرم. يوم ما قالها إنه هيخطبك.. كان قاصد إن الكلام يوصلني.."
كانت الكلمات كـ طلقات نارية استقرت في منتصف قلبها الذي كان ينازع للبقاء حيًا فخرج صوتها مبحوحًا حين قالت:
"كل ده ميهمنيش. ومش مجبرة أصدقه. يعني قصتك تخصك. لكن أنا واثقة إن سالم بيحبني دلوقتي. وشخص عاقل زيه عمره ما هيتجوز لمجرد إنه يضايق حد واللي حصل ده ميدينوش في حاجة إنك تبقي خاينة ده عيب فيكِ مش فيه."
نجحت في غرس سهم إهانتها جيدًا فتجاوزت «شيرين» عن تلك الإهانة وقالت بنبرة لينة:
"عندك حق خيانتي متقللش منه. بس موضوع ثقتك في حبه ده أنتِ فعلًا غلطانة فيه.. وعلى الرغم إني فعلًا مكنتش عايزة أوجعك بس أنا هسمعك بودانك سالم وهو بيعترف لي بمشاعره."
قامت بجذب هاتفها وتشغيل مقطع صوتي له حين كانت تمسك الشفرة وتهدده بأنها ستقطع شرايين يدها:
"وحياة أغلى حاجة عندك تجاوبني حتى لو مش هتكون ليا.. وحتى لو جوازك هيكون في موتي بس عايزة أعرف الحقيقة أنت حبيت فرح فعلًا؟"
كانت اللحظة الفاصلة بين سؤالها وإجابته مرعبة والأكثر رعبًا حين سمعته يقول:
"لا ماحبتهاش.. لو عايزة تعرفي الحقيقة أنا محبتش حد غيرك."
صدح صوت «شيرين» المتألم:
"يعني هتتجوزها بس عشان تأذيني؟"
جاءها صوته القوي الذي قضى على أحلامها دفعة واحدة حين قال بفظاظة:
"أيوا.. هتجوزها عشان أوجعك. زي ما وجعتيني وزي ما قضيت سنين بتعذب وأنتِ في بيت راجل غيري جه وقتك عشان تتعذبي أنتِ كمان وأنتِ شيفاني معاها.."
صرخت «شيرين» بقهر:
"بس ده ظلم.. حرام. طب هي ذنبها إيه؟"
أجابه قاسية خرجت من شفتيه حين قال:
"حظها السيء رماها في سكتي. والوقت مفيش وقت للكلام معاد فرحي قرب وعروستي مستنياني.."
أغلقت «شيرين» التسجيل الصوتي تزامنًا مع سقوط «فرح» على المخدع خلفها فقد خارت جميع قواها وانهار عالمها فوق رأسها فقط كان هو.. صوته. فظاظته. قسوته التي رأتها سابقًا.. انهمرت عبراتها ممزوجة بنزيف روحها التي اشتهت الموت بكل جوارحها في تلك اللحظة. واقشعر جسدها حين شعرت بيد «شيرين» التي تربت على كتفها في مواساة مزيفة تشبه كلماتها حين قالت:
"مش قولتلك صعبانة عليا. دخلتي في حرب مش قدها.. وللأسف أنتِ الضحية الوحيدة. بس صدقيني أنا كمان بعاني لدرجة إني حاولت أموت نفسي قدامه. وعلى الرغم من إنه قلبه كان بينتفض خوف ولهفة وهو شايلني يوديني المستشفى إلا إنه مقدرش يقاوم قدام جبروته.. وكمل الفرح للآخر."
لم تستطع أن تخرج حرفًا واحدًا من بين شفتيها فقط نظرات ضائعة معذبة وقلب ينتفض مذبوحًا بخنجر الغدر الذي لم تتوقعه منه أبدًا.
"أنا قولت اللي عندي عشان مقدرتش أشوفك مخدوعة أكتر من كده. وصدقيني مش عارفة إيه الحل. وبتمنى من ربنا إنه ينزل رحمته علينا احنا الاتنين. عن إذنك.."
**عودة للوقت الحالي…**
انتهت من سرد ما حدث بأكتاف متهدلة وأنفاس مقطوعة وعينين تناظره بتوسل سرعان ما تحول لصدمة حين سمعت «شيرين» تقول:
"إيه الهبل ده؟ فويس إيه؟ أنتِ بتألفي؟"
التفت «سالم» ينظر إلى «شيرين» التي أتقنت رسم الصدمة على ملامحها وهي تفرق نظراتها بينهم فتحدث قائلاً بخشونة:
"تسجيل إيه اللي بتتكلمي عنه؟"
«فرح» بانفعال:
"اسأليها.. كانت هنا وفتحت موبايلها وسمعتهولي وأنت بتقولها إنك بتحبها واتجوزتني عشان تنتقم منها.."
ارتسمت السخرية على ملامحه حين تذكر إجابته على ذلك السؤال وما أن أوشك على الحديث حتى تحدثت «شيرين» بلهجة تقطر ألمًا انهمر من بين عينيها أولًا:
"ياااه.. هو أنتِ متخيلة إنه لو قالي كده أنا كنت سبته يجيلك؟"
التفتت تناظره بعينين شامته تتنافى مع لهجتها المعاتبة حين قالت وهي تتقدم منه:
"شفت بقي إنك زيي معرفتش تختار.. وأن كلنا معرضين إننا نغلط.."
كانت لهجته قاطعة كالسيف حين قال:
"شفت..!"
خرج صوتها جريحًا حين همست باسمه:
"سالم…"
رمقها بنظرة حوت القسوة والألم معًا ثم التفت إلى «شيرين» قائلاً بصرامة:
"ارجعي أوضتك.."
أومأت برأسها باستسلام قبل أن تتوجه إلى باب الغرفة وحين فتحته حانت منها التفاتة شامته إلى «فرح» متبوعة بابتسامة ماكرة استقرت بقلب تلك التي كانت كل خلية بها تنتفض ندمًا ووجعًا على غبائها ووقوعها كالشاة في هذا الفخ المحكم بعناية…
"هو في كده؟ في شر في الدنيا كده؟"
كان سؤالاً يحمل الجواب بين طياته ولكن الإجابة القاتلة جاءت منه حين قال:
"بعد الي شفته منك من شوية أقدر أقولك إن كل حاجة ممكنة في الدنيا دي.."
***
كانت تقف بمنتصف الغرفة لا تعلم ماذا عليها أن تفعل كل خلية بها تنتفض ذعرًا فقد غادر أهلها وبقت وحدها في مواجهته ولكنها مواجهة لم تكن عادلة فقلبها وروحها ينتميان إليه فأي جهة عليها أن تقاتل؟ وبأي سلاح ستقاتل فكل شيء خاضع وبقوة لعشقه الجارف.
"هتفضلي واقفة عندك كتير؟"
أخرجها من أفكارها صوته الخشن فهي لم تنتبه للباب حين انفتح واطل منه يطالع عروسه الجميلة التي كانت شاردة تتطلع أمام النافذة غافلة عن قلبه الذي ارتج بين ضلوعه حين رآها بثوب العرس كانت مثال للفتنة والجمال الذي لم ينقصه ضياع نظراتها وهي تطالعه فقد بدت شهية مغوية وهو ليس بناسك ليقاوم فاقترب منها بخطوات ثقيلة زادت من رهبتها فـ تراجعت خطوة للخلف وكادت أن تتراجع الأخرى لولا يديه التي امتدت تقبض على رسغها تجذبها لـ تصطدم بسياج صدره الخافق بعنف بين ضلوعه.
"هتهربي تروحي فين؟"
أنفاسه كانت حارقة على وجهها مما جعل الدماء تفور في أوردتها وتندفع إلى خديها الشهيين بقوة فنبت محصول التفاح على وجنتيها مما أشعل بـ جوفه نيران الرغبة الممزوجة بالشغف فانحني ناثرًا شغفه فوق خديها تباعًا فجاء صوتها ضعيفًا مبحوحًا حين قالت:
"لو سمحت ابعد."
لم يتزحزح من مكانه بل على العكس امتدت يديه تحاوط خصرها وهو يقول بصوت أجش:
"تؤ.. مسمحتش.. ومش هسمح تبعدي.."
تعمقت عينيها بعينيه إثر سماعها كلماته التي اخترقت قلبها وودت في تلك اللحظة لو تخبره بأنها لا تريد الابتعاد أبدًا ولكن أبت كرامتها عليها وحاولت رسم الجمود حين قالت:
"مش بمزاجك. إحنا متفقين إن الجوازة دي مش بالتراضي وأنها مجرد.. مجرد تصحيح للأوضاع الغلط اللي حصلت.."
كان يعلم بأن طريقهما طويل ولكن غمرة العشق جرفته رغما عنه فـ تراجع عنها وطافت عيناه على وجهها الجميل وعينيها المتألمة وقال بجفاء:
"اللي عايزله تصحيح فعلاً هو تفكيرك الغبي.."
اغتاظت من حديثه فـ اندفعت غاضبة:
"مسمحلكش تهيني وخليك فاكر إني بنت الوزان يعني لا أنت ولا أي حد يقدر يعملي حاجة."
نجحت في إثارة غضبه بجدارة فزفر بقوة قبل أن يقول بقسوة:
"عارفة يا حلا. أنتِ محتاجة تقويم وتربية من أول وجديد. واسم الوزان بتاعك ده مبيهزش فيا شعرة. فـ مالوش لزوم تفكريني بيه عشان دي أسوأ حاجة فيكِ."
انكمشت ملامحها بصدمة من إهانته لها ولعائلتها فخرجت الكلمات من فمها دون احتراز:
"انت اتجننت؟"
وضع يده حول كتفها يجذبها لتقف معه أمام النافذة فوجدت العمل في الأسفل على قدم وساق فشدد من يده الممسكة بأعلى كتفها وهو يقول بقسوة:
"شايفة كل البنات اللي بتشتغل تحت دي؟ كلهم ولاد ناس بسيطة أوي بس بنات متربية. البنت فيهم قبل ما بتروح بيت جوزها أهلها بيعلموها إزاي تحترمه. وبناءً عليه هو كمان بيحترمها ويقدرها."
أنهى جملته والتفت يقف أمامها يناظرها بجمود شابه لهجته حين أردف:
"الموضوع مش بالأصل ولا بالفلوس ولا باسم العيلة.. المتربي متربي وأنتم آخر حاجة بتفكروا فيها في عيلتكم هو موضوع التربية ده."
كانت إهاناته كطلقات الرصاص التي استقرت في صدرها دون رحمة فـ نزفت عينيها وجعًا قويًا اغتال جسدها دون رحمة فامتدت يديه تزيح عبراتها بحنان ظهر كوميض خافت في عينيه ونفته شفتيه حين تابع بقسوة:
"متزعليش أوي كده.. تربيتك عندي. أنا ياسين وفيق عمران جوزك اللي هيخليكِ تفكري في الحرف قبل ما تنطقيه. وتحطي نفسك مكان الناس قبل ما تجرحيهم.."
كان قلبه ينتفض ألمًا على مظهرها ويعنفه على ما تفوه به ولكن كان لابد له من إعادة تقويمها فهو يعلم جيدًا مدى تمردها وهو لن يقبل بذلك. ولكن قلبه لم يعد يحتمل رؤيتها هكذا فأردف بجفاء:
"يلا يا عروسة عشان تنامي.. ألف مبروك.."
***
انحنى يضعها برفق فوق المخدع وعينيه تطوف على وجهها المحمر بفعل النوم وملامحها الهادئة التي كانت مثالاً للبراءة الممزوجة بجمال صارخ تعجز إرادته القوية على مقاومته.. لم يكن رجلاً يهتم للنساء الجميلات ولم يخطفه جمال أحداهن من قبل ولكن تلك المرأة تجذبه بكل شيء بها. يشعر بأنه أمامها أعزل لم يستطع مقاومة توغلها إلى داخله بتلك الطريقة التي احتلته. صار كل شيء به ينطق باسمها. ختمت قلبه العاصي بعشقها فصار يلهث حولها دون تعب.
لأجلها تعلم فنون الصبر الذي لم يكن يطيقه. فقد كان سريع الغضب قليل الكلام والآن بجانبها يصبح حملاً وديعًا لا يبغي شيئًا سوى رضاها.
كان قريبًا منها بدرجة كبيرة لم يصل إليها من قبل عينيه تبحر فوق تقاسيمها بشوق و شفتيه التي أقبلت على وجهها تنثر عشقه فوق ملامحها بقبلات متفرقة تشبه الفراشات التي تتمايل بخفة على الورود.
وحين وصل إلى شفتيها توقفت جميع حواسه عن العمل وتعالت دقاته حتى صارت كطبول الحرب. نعم كانت حربًا ضارية بين قلبًا أضناه الشوق وتعاظمت بداخله الرغبة التي ولدها عشقه الجارف. وبين عقله الذي كان ينهره ويدق نواقيس الخطر فوق مسامعه عن ارتكابه خطأ قد يكلفه ألف خطوة للخلف في علاقتهما.
ولكنه أخيرًا بعد صراع مرير قاتل أخفض رأسه ساندًا جبهته فوق ذقنها وهو يقول بأنفاس مقطوعة وقلب ممزق:
"يارب.. اديني الصبر من عندك. عشان مأضعفش أبدًا.."
بشق الأنفس استطاع التحرك من فوقها بعد أن قام بتعديل وضعها حتى تبدو مرتاحة في نومتها ولكن تملكته الصدمة حين التقت عينيه رفرفة رموشها والتي تدل على استيقاظها. فخر قلبه يحمد الله على تحكمه في نفسه فقد كان قاب قوسين أو أدنى من التهامها لولا أنه استمع لصوت العقل وتراجع بآخر لحظة.
أغمض عينيه بتعب وبخط متلهفة توجه إلى المرحاض وما أن أغلق الباب حتى أخرجت نفسًا قويًا من داخلها فقد كانت تحبس أنفاسها بصعوبة حين شعرت به قريبًا منها إلى تلك الدرجة وهوى قلبها بين قدميها وهي تتخيل أن يقوم بـ إرغامها على فعل شيء لا تريده ولم تكن مستعدة له.
وجاهدت بقوة التحكم بذكريات سيئة كادت أن تظهر على السطح لتعيد شعور مقيت تجاهد على نسيانه دومًا وفيما أوشكت على أن توقفه عما ينتوي فعله تفاجئت بصوته الممزق وهو يتضرع إلى الله أن يلهمه الصبر..
شعور غريب ومميز اجتاح قلبها في تلك اللحظة فهذا الرجل يقاوم نفسه ورغباته فقط لأجلها. يستطيع بسهولة أن يأخذ مبتغاه ولكنه ابتعد! أي الرجال هو؟
بل كل الرجال هو.
هكذا صدح صوت قلبها الذي لأول مرة منذ وقت طويل يستكين هكذا.. ويشعر بأنه في الطريق الصحيح. الآن أدركت أنها فعلت الصواب بزواجها منه. فهي آمنة معه. ولكن يبقى تلك الندوب التي لازالت تشوه روحها ولكنها ستقاوم. لأجله ولأجل طفلها ستقاوم حتى مرضها اللعين لأجلهما..
صوت كريه اخترق أذنها وكان لرسالة نصية على هاتفها فقامت بالتوجه إلى الحقيبة الموضوعة على الطاولة والتقاط الهاتف وبيد مرتعشة فتحت تلك الرسالة فخرجت منها شهقة قوية حين رأت تلك الصورة الوحيدة التي كانت تضمها مع حازم مرفقة برسالة مسمومة:
"قبل ما تترمي في حضنه. افتكري إنك كنتِ في حضن أخوه قبله.."
وفي نهاية الرسالة رسمة لـ نيران مشتعلة فـ سقط الهاتف من يدها تزامنًا مع وصول «سليم» الذي تفاجئ من مظهرها فهرول إليها قائلاً بلهفة:
"مالك في إيه؟"
خرج اسمه همسًا مستنجدًا من بين شفتيها:
"سليم…"
احتوت كفوفه وجهها وهو يقول بخشونة:
"مالك يا قلب سليم؟"
تساقطت عبراتها بقوة وتوقفت الكلمات على أعتاب شفتيها ودون حديث ارتمت بين ذراعيه تشهق وتبكي بقوة أفزعته فصارت يديه تهددها كالطفل الصغير وداخله لا يعلم هل يفرح للجوئها إليه أم يغضب لمظهرها ولكونه يجهل ما حدث ودون أن تكون له الفرصة للحديث تعالت الأصوات والصرخات حولهم فانتفضت مذعورة بين أحضانه فحاول تهدئتها قائلاً:
"اهدي يا حبيبي.."
"إيه الصويت ده؟" هكذا استفهمت فتركها وتوجه إلى النافذة فهاله مظهر الحريق الآتي من الملحق فالتفت يخاطبها وهو يهرول للخارج:
"حريق في الملحق.."
سقط قلبها ذعرًا بين ضلوعها ووقع عينيها على تلك النيران المرتسمة في الهاتف بجانب تلك الحروف المسمومة وخرج صوتها مرتعباً حين صرخت قائلة:
"متسبنيش يا سليم.."
***
قاتل ذلك الألم الذي تشعر به وأنت تقف أمام شخصًا ظننته ذات يوم بوابتك لعبور واقعك المظلم إلى آخر مشرق فإذا بك تجده يسحبك نحو أعماق الجحيم واضعًا إياك في مواجهة أمام أسوأ صفاتك والتي ظننت يومًا بأنك استطعت التغلب عليها.
كانت تناظره بألم ولأول مرة بحياتها تعلم معنى أن يعض الإنسان أصابعه ندمًا.. بيدها وضعت ديناميت ناسف في علاقتهما فانفجر بوجهها محدثًا آلامًا عظيمة بين جنبات صدرها. ولكنه كان هو! تقسم أن هذا صوته. نعم لم يكن مفبركًا أو مزيفًا تعلم لكنات صوته حتى مخارج الحروف تحفظها عن ظهر قلب..
أي حيرة لعينه وقعت هي؟ ماذا يحدث يجب أن يكون هناك تفسيرًا منطقيًا.
فجأة هبت من مكانها متوجهة إلى ذلك الذي كان يقف أمام النافذة ينظر إلى السماء بقلب ينفطر ألمًا يتضرع إلى خالقه أن يخفف عنه وجعًا ينخر عظامه دون رحمة.
كان صامتًا لا يقوى على الحديث لا يعلم كيف سيلتفت وينظر إليها دون أن يحتجزها بين قضبان ذراعيه؟
كان يهرول يسبقه قلبه ليرتمي بأوجاعه دفعة واحدة بين أحضان عشقها. كان ينوي لأول مرة بحياته خلع ثوب الكبرياء جانبًا والتنعم بكل شيء معها. كان سيكشف لأول مرة عن وجهه الآخر وجهه العاشق. سيعري روحه أمامها ويخبرها ماذا تعني له ولكنه تفاجئ بخذلان قاتل. نال قلبه وآدمي روحه وأهلك كبرياؤه كل ما تبقى منه جسد أجوف يقاتل حتى ولا ينهار.
"سالم.."
حروف اسمه من بين شفتيها نقشت وجعًا من نوع آخر فوق جدران قلبه الذي كان يود لو يلتفت مرتميًا بين أحضانها ولكن على عكس ما يشعر ظل متجمدًا في مكانه لم يلتفت إليها فاقتربت منه بخطٍ متباطئ تقف أمامه وهي تقول بألم:
"صدقني هي فعلًا سمعتني فويس ليك بتقول الكلام ده.."
"لسه بتكذبي.." هكذا قالها بجمود فـ صرخت بقهر:
"أقسم بالله ما بكذب.."
التفتت تنظر إلى المنضدة وقامت بجلب كتاب الله ووضعت يدها فوقه وهي تقول بتأكيد:
"بحق من أنزل هذا الكتاب حصل.. سمعتني فويس ليك بتقول إنك بتحبها هي واتجوزتني عشان تنتقم منها.."
كانت فعلتها عظيمة ولكن وجعه أعظم فخرج صوته جريحًا حين قال:
"ماشي. هصدقك. هعتبر إنها فبركت فويس ليا. قلبك مقالكيش إنه مش أنا؟"
انكمشت ملامحها بألم قبل أن تقول من بين عبرات حزينة:
"كنت أنت.. أنا عارفه صوتك.. أنا كنت هموت لما سمعته.. أنا مش عارفه ده حصل إزاي؟ أنا هتجنن يا سالم هتجنن.."
أخرج الهواء المكبوت بصدره دفعة واحدة وتحدث بملامح حيادية لا تعكس شعوره:
"خلصت يا فرح.. اللي حصل حصل.."
سقط قلبها بين صدرها رعبًا حين سمعت كلماته وبشفاه مرتعشة تحدثت:
"لا مخلصتش.. أنا. أنا. غلطت. يعني. معرفش اللي حصل حصل إزاي. بس.. هي خدعتني. يمكن أنت قلت كده في لحظة غضب منها قولي وأنا هسامحك."
"مقولتش…" هكذا صرخ غاضبًا من إصرارها على إلصاق تلك التهمة به ظنا منه بأنها تريد الهرب من ذنبها فأردف بقسوة:
"لما أقول محصلش يبقى محصلش."
صرخت بقهر:
"إيه اللي محصلش يا سالم؟ إيه بالظبط اللي محصلش؟ الماضي ولا الحاضر؟"
تحدث بجفاء فقد بلغ غضبه الذروة:
"الماضي ميخصكيش. مش من حقك تسألي عنه.. اللي يخصك تعرفيه إنها فعلًا وقفت قدامي وسألتني اتجوزتك ليه؟ بس إجابتي متستحقيش تسمعيها…"
كانت نظراته أشد قسوة من كلماته فهمست متوسلة:
"سالم.."
"أنتِ عندك حق. اللي سمعتيه حقيقي. والفويس اللي معرفش طلعتي بيه منين ده حقيقي. ولو عايزة تطلقي حالًا وتصححي غلطك أنا جاهز…"
شهقة قوية خرجت من جوفها إثر كلماته القاسية فقد أوقعها للتو بين شقي الرحى وألقى بها في صحراء حارقة تتلظى بنيران تحاوطها من كل حدب وصوب دون أن يرف له جفن من الشفقة وحين أوشكت على الحديث تعالت الصرخات حولهم في كل مكان فاندفع «سالم» الذي ما أن رأى تلك النيران التي تصاعدت فوق سقف الملحق حتى هرول للخارج دون أن يكلف نفسه عناء الالتفات إليها فهرولت هي الأخرى خلفه فوجدت الجميع في حالة من الهرج والمرج في الخارج فاندفع سالم وبجانبه مروان إلى الملحق فتقابلا بالحرس في الخارج يحاولون إطفاء الحريق الذي لا يعلمون كيف اندلع؟
وبعد مرور ما يقرب ساعة كانوا بالفعل قاموا بإطفائه بعد أن نال منهم التعب مبلغه توجه الرجال الثلاثة إلى المنزل وما أن خطوا إلى الداخل حتى صاح «مروان» في «سالم»:
"سالم إيدك اتحرقت ولا إيه؟"
تكالب التعب الجسدي مع الإنهاك العاطفي الذي كان يعيشه فلم يشعر بوجع ذلك الحرق الذي نال من يده اليسرى فجميع الحرائق لا توازي نيران قلبه المشتعلة و خاصةً حين وقعت عيناه عليها تطالعه بندم وحسرة تجاهلهما وطافت عيناه على الجميع ثم توجه إلى الأعلى بجمود وملامح تنذر بأن من يقترب منه سينال عقابًا قاسيًا. فتابع الجميع صعوده بصمت وعلى الرغم من كل خوفها لم تتحمل أن تتركه هكذا وهرولت إلى الأعلى خلفه فوجدته يحاول فك قميصه بيده السليمة فاقتربت منه تحاول مساعدته وما أن أوشكت يدها على ملامسته جاءها صوته القاطع كالسيف:
"إياكِ.."
شهقة خافتة خرجت من جوفها إثر كلمته الصارمة وتعَاظم الخوف والألم بصدرها حين التفت يناظرها بملامح لم ترها هكذا من قبل ونبرة قاسية تمامًا كـ نظراته حين قال:
"متفكريش تقربي من مكان أنا فيه.."
"سالم.."
قاطع حديثها ولم يهتم لـ عبراتها المنسابة كالأنهار على خديها وقال بقسوة:
"الدريسنج فيها سرير هتنامي فيها. ومن هنا ورايح تتجنبيني. مفهوم؟"
"ارجوك خليني أعالج جرحك…"
جذب قميصه من فوق جسده بعنف وقام بإلقائه على الأرض وهو يصرخ بزئير أفزعها:
"مفهوووم…"
تراجعت بصراخ خوفًا من بطشه فقد كانت هذه النسخة الأشرس التي تراها منه والتي لم تكن تتوقع وجودها على الإطلاق فـ حاوطت نفسها بذراعيها وهي ترتجف قائلة بـ شفاه مرتعشة:
"مف. مفهوم.."
تجاهلها وتوجه بخط ثابت إلى المرحاض تاركًا إياها فريسة لذئاب الندم والألم والحسرة فكانت روحها ضحية لكل ذلك فخطت إلى حيث نفاها وارتمت على السرير وهي تنتحب بكل ما أوتيت من قوة…
***
"كل حاجة تمت زي ما اتفقنا وأكتر كمان.."
هكذا تحدثت «شيرين» بنبرة قاتمة فجاءها صوت «ناجي» الذي قال ساخرًا:
"يعني العرسان هيقضوا ليلة كحلي النهاردة.."
«شيرين» بسعادة:
"سالم آه. سليم معرفش.."
قهقه بشر قبل أن يجيب:
"وسليم أكتر منه."
"ليه أنت عملت إيه؟"
تجاهل الإجابة قائلاً:
"متشغليش بالك.. المهم دلوقتي سما.."
لم تكد تجيبه حتى تفاجأت بباب غرفتها الذي انفتح بوساطة «أمينة» التي قامت بإغلاقه خلفها بعنف وتقدمت بقوة لا تعلم من أين جلبتها جسدها الواهن وقامت برفع يدها وهوت بصفعة قاسية فوق خد «شيرين» التي لم تتوقع ما حدث فـ تراجعت للخلف إثر تلك الصفعة التي اتبعتها «أمينة» بسم كلماتها حين قالت:
"لو مفكرة إنك جاية عشان تهدّي البيت ده فلا ده بعيد عن خيالك يا بنت ناجي.."
شهقت «شيرين» بقوة فتابعت «أمينة» بوعيد:
"فكراني مش هفهم.. فكراني مش هعرف.. كنتِ ناوية تعملي إيه في العيل الصغير اللي لسه حتة لحمة حمرا؟ هاه.. ردي عليا؟"
"أنتِ بتقولي إيه؟" هكذا تحدثت بذعر فأجابتها «أمينة» بقسوة:
"بقول اللي سمعتيه. و هتجاوبيني عليه دلوقتي قبل ما أطلع بروحك. كنتِ عايزة تعملي إيه؟ ولما لقيتيني خدته معايا في حضني روحتي ولعتي في الملحق؟"
«شيرين» بصدمة:
"حرام عليكي اللي بتقوليه ده ملحق إيه اللي أولع فيه؟ أنا كنت في أوضتي زيي زيكم و…"
"اخرسي يا كذابة.. اللي حصل ده أنتِ ليكي يد فيه. مين وراكِ أبوكي النصاب الحرامي ولا جوزك اللي هتلاقيه متفق معاكي ع اللعبة دي كلها. ومنيمانا و قال إيه جايه هربانة منه؟ انطقي يا بت أنتِ"
قالت كلمتها وهي تمسك بخصلات شعرها بينما ارتعبت «شيرين» وارتجفت من حديثها الذي يحمل الكثير والكثير فأخذت تصرخ بين يديها:
"حرام عليكي يا مرات خالي والله ما عملت حاجة. ولا بكلم بابا ولا أعرف طريقه حتى.. وأحمد ده أنا بكرهه كره العمي أقسم بالله.."
"كذابة. كذابة وحقيرة.. أنا عارفة إنك السبب في كل اللي بيحصل وعارفة إنك عملتي مشكلة بين سالم وفرح. عايزة إيه. عايزة تضيعي كمان أربعين سنة من عمره بسببك. دانا أدفنك حية.. لو فكرتي إني كبرت وخرفت. يبقى غلطانة أنا اللي هقفلك.."
كانت تتحدث وهي تجذب خصلات شعرها بعنف فتعالت صرخاتها للحد الذي جعل «همت» تسرع إلى غرفة ابنتها فتفاجئت مما يحدث فقامت بالتدخل على الفور لتخليص «شيرين» من يد «أمينة» التي تركت خصلاتها على مضض إثر حديث «همت» التي صرخت بها:
"أوعي إيدك من على بنتي.. إيه فكرتي إن ملهاش حد يدافع عنها."
«أمينة» بانفعال:
"قصدك ملهاش حد يربيها… وأنا بقى اللي هتولي المهمة دي."
"بنتي متربية أحسن تربية. بنتي دي ضحية لابنك. عايزة منها إيه كفاية اللي عملوه فيها.."
«أمينة» بتقريع:
"قصدك مشيها البطال هو اللي عمل فيها كده."
"عندك يا أمينة. أوعي تفكري تغلطي في بنتي وإن كنتِ فكرتي نفسك كبيرة البيت ده فلا أنتِ غلطانة. دا بيتي وبيت أبويا. ومن هنا ورايح هاخد مكاني الصح فيه.. وهحارب عشان بناتي ومش هسمح لحد أبدا ييجي عليهم.."
تراجعت «أمينة» بصدمة سرعان ما تجاوزتها وقالت بسخرية:
"والله وطلع لك صوت يا همت.. بقي عايزة تاخدي مكانك في بيت أبوكي؟ طب والله حلو وريني بقى هتعملي إيه؟"
"هعمل كتير. وهتشوفي."
ناظرتها «أمينة» باحتقار تجلى في نبرتها حين قالت:
"حلو.. اعملي اللي يلد عليكي بس اتحملي بقى.."
أنهت كلماتها وخرجت من الغرفة بينما التفتت «همت» إلى ابنتها وناظرتها بغضب تجلى في نبرتها حين قالت:
"لينا كلام كتير يا بت بطني وخليكِ فاكرة إني مش هطاوعك عـ الغلط حتى لو كنتِ اتظلمتي.. يالا عشان تنامي."
أنهت كلماتها وخرجت من الغرفة تاركة «شيرين» التي كانت تلعن كل ما يحدث وفجأة وقعت أنظارها على الهاتف الذي كان ملقى على أرض الغرفة ومازال الخط مفتوحًا فالتقطته وقالت بانفعال:
"سمعت اللي حصل فيا.."
تجاهل حديثها وفاجأها حين قال:
"عايزة أرجع لأمي يا شيرين…"
******************
انتصف الليل ونال التعب من الجميع وخاصةً هي فمنذ أن أعلنوا عن هذا العرس وكل الجميع على قدم وساق في التحضيرات إلى أن مر بسلام وقد اعتمدت عليها «تهاني» في الكثير من الأعمال التي أرهقتها ولكنها كانت سيدة طيبة للغاية وكريمة معها وأيضًا كانت كل الأعمال هينة على ذلك العمل المقرف الذي كلفها به هذا الطاغية. وأخيرًا حان وقت مغادرتها بعد أن نظفت كل شيء فأخذت تلملم حاجياتها لتتوجه إلى منزلها وهي في الطريق سمعت أصواتًا وهمهمات آتية من إحدى حظائر الخيل المهجورة.
فتسللت خلسة لترى ما يحدث وياليتها لم تفعل ذلك فقد رأت ذلك الخفير الخاص ب«عمار» والذي يدعى «مرعى» في وضع مخل مع إحدى الفتيات فخرجت منها شهقة خافتة وقالت بصدمة:
"يا شندلتي.."
وصل صوتها إلى مسامعهم فانتفض الاثنان من مكانهما وحين رأتهم هرولت لتختبئ عن أعين ذلك البغيض الذي ارتدى جلبابه على عجالة وأخذ يبحث بعينيه هنا وهناك عن ذلك الشخص الذي رآهم وحين لم يجد أحد توجه إلى حيث تنتظره الفتاة التي أخذت تولول وتندب حظها فصرخ بها:
"اجفلي خشمك يا بت.."
"أجفله إزاي؟ دي فضيحتي هتبقى بجلاجل."
"ولا فضيحة ولا حاجة. البسي هدومك وانجري من هنا. محدش شاف حاجة إني طلعت بنفسي ملقتش حد.."
"متأكد؟" أجابها بحنق:
"أيوا متأكد.. يالا بجولك.."
أطاعته الفتاة وهرولت للخارج وهو بجانبها وفي الظلام تسللوا للخارج ظناً منهم بأنه لم يرهم أحد..
أخيرًا استطاع أن يجلس براحة في الركن المخصص له في الحديقة بعد انقضاء كل شيء وانتهاء تلك المراسم اللعينة التي أصر عليها جده ولم يكن أمامهم حيلة سوى طاعته..
أغمض عينيه طالبًا الراحة ولدهشته طرأت صورة تلك الفتاة سليطة اللسان على باله فقد رآها الليلة حين كان يمر بجانب مجلس الحريم كيف كانت تتمايل باحترافية على أنغام إحدى الأغاني التي يطلقونها في الأفراح.
كانت جميلة بخصلاتها المشعثة وجسدها الذي أبرزته تلك العباءة التي لم يرها بها من قبل.
لم يدم الأمر لدقيقة فسرعان ما أدار رأسه ولكنها كانت لحظات خاطفة انطبعت في مخيلته طوال الحفل. حاول كثيرًا طردها من باله ولم يفلح. وأخذ يتذكر حين رآها أول مرة متنكرة في ثياب رجل فقد خطفت أنفاسه حين جذب العمامة من فوق رأسها. كان قاسيًا معها يعترف ولكنها تثير بداخله شعور غريب لا يعرف كنهه حتى أنه كان دائمًا يراقبها وهي تعمل هذا العمل الشاق الذي كلفها به وبكل مرة يريد أن يثنيها عن فعله ولكن تمنعه هيبته من الاقتراب منها فقد كان لسانها سليطًا للغاية.
وأيضًا حين كانت تجلس بجانبه وهو طريح الفراش فقد كان يختلس النظرات إليها فيرى بعينيها شيئًا غريبًا يعرفه ولا يعرفه. كانت نظرة حزينة للغاية على الرغم من أنها طوال الوقت في وضع دفاع إلا أن ذلك لم يكن سوى خوفًا أتقن ترجمته من نظراتها الضائعة..
كانت لغزًا كبيرًا أرهقه فـ زفر بتعب وفرد عوده على الأريكة الخشبية ناظرًا للسماء ونجومها المتلئلئة التي تشبه عيونها هذه الليلة. وحين كان في خضم تخيلاته اخترق أذنه صوتًا قويًا لأحد الغفر فقال بغضب:
"فيه إيه يا بغل أنت؟ وطي صوتك طرشتني.."
كان الغفير يلهث من فرط التعب وقال من بين لهاثه:
"الحج يا كبير. مصيبة."
اعتدل في جلسته وقال بصراخ:
"مصيبة إيه يا وش البوم أنت."
"شيخ الخفر مرعي. كان لامؤاخذة معاه واحدة وطالعين من الزريبة المهجورة.."
انكمشت ملامحه بغضب كبير وصرخ باستنكار:
"انت عتقول إيه يا جحش أنت؟"
"وكتاب الله يا كبير حصول إن إني شايفةهم بعيني اللي عياكلهم الدود دول.."
"آه يا كلب… ومين البت اللي كانت معاه دي تعرفها؟"
القي الغفير قنبلته حين قال بقوة:
"أيوا أعرفها البت نجمة بنت الجنايني…"
******************
دقت الساعة السابعة ودق معها جرس الباب فتقدمت الخادمة لتفتح فإذا بها تتفاجأ بمجموعة من رجال الشرطة أمام الباب تزامنًا مع خروج «سالم» من غرفة مكتبه التي قضى بها ليلته فلم يتحمل وجوده معها بمكان واحد وأرهقه بكاؤها الذي وصل إلى مسامعه طوال الليل فهبط إلى الأسفل ليقضي ليلته على الأريكة بـ غرفة مكتبه.
توجه إلى باب القصر يقف أمام رجال الشرطة قائلاً بخشونة:
"خير يا حضرة الظابط؟"
"ده منزل حازم منصور الوزان؟"
أجابه «سالم» باختصار:
"أيوا. إيه المطلوب؟"
"معانا أمر بالقبض عليه؟"
«سالم» باندهاش:
"نعم.. تقبض على مين؟"
"مانا قولتلك. على حازم منصور الوزان.."
«سالم» باستفهام:
"بتهمة إيه؟"
ألقى الضابط قنبلته المدوية على مسامعه حين قال:
"اغتصاب بنت قاصر والشروع في قتلها…"
رواية بين غياهب الاقدار "في قبضةالاقدار الجزء الثاني" الفصل السابع عشر 17 - بقلم نورهان العشري
لم اعتد يومًا على المبالغة.. بل كنت أتجنب الكثرة في كل شيء! في الحزن، الغضب، التعلق، وحتى في الفرح. ولكن معكِ تخليت عن خارطتي التي كنت أمشي على نهجها طول حياتي، ووجدتني غارقًا في الكثير من الحب، اللهفة، والشغف. وهنا بدأت معاناتي، فعلى قدر كثرة شعوري نحوك كان ألمي عظيمًا وجراحي غائرة، وأبواب الغفران مصفّدة بسلاسل الكبرياء الذي يقف معاندًا أمام ثورة قلب لا يبغي سواكِ. سلاحه الوحيد عشق أهوج يجتاحني كطوفان لا أقدر على مواجهته أو الفرار منه. وبنهاية تلك الحرب الضارية أجد نفسي أمام حقيقة ثابتة.. أنني أريدك وبشدة. فما الحل؟
***
لبنى محمد عبد العزيز.. خرجت يوم 15 ديسمبر تشتري دواء لوالدها المريض، كان حوالي الساعة 11 بالليل واتأخرت. قلقت والدتها عليها، طلعت تدور. ولأنهم في مكان شعبي، انتشر خبر اختفائها. وبعد حوالي 4 ساعات لقوها في خرابة بتنزف، وللأسف تعرضت لمحاولة اغتصاب وحشية. والبنت من وقتها في غيبوبة.. ولسه فاقت منها من يومين. ولما فاقت طلبنا منها أوصاف الشخص اللي عمل كده، واللي طلعت بتنطبق على حازم أخوك، بالإضافة لأنها كانت بتعرفه. وقالت إنها شافته كتير في الحتة عندها مع واحد ديلر هناك، وحاول يتعرض لها لفظيًا قبل كده وهي صدته.
هكذا انتهى وكيل النيابة من سرد تلك القصة المروعة على أذن سالم، الذي كان جسده يقشعر أمام كل حرف يقع على مسامعه. فخطايا وذنوب أخاه لا تنتهي أبدًا.
زفر بتعب قبل أن يقول بخشونة:
"البنت حالتها عاملة إيه دلوقتي؟"
أجابه وكيل النيابة بسخرية:
"سؤال غريب.. طفلة عندها سبعتاشر سنة اغتصبت بوحشية لدرجة أنها تقعد في غيبوبة تسع شهور.. هتبقى حالتها عاملة إزاي؟"
أغضبته الإجابة، إضافة إلى نبرته الساخرة والتي تتنافى مع وحشية الأمر. فاحتدت نظراته وقال بفظاظة:
"ومش غريبة إنكم تيجوا تدوروا على شخص ميت بقاله تسع شهور؟ إيه السيستم مهنج عندكم ولا إيه؟"
تنحنح الرجل وقال باختصار:
"غلطة غير مقصودة.. وارد تحصل.."
لم تعجبه الإجابة، ولكن تغاضى عنها ووثب من مكانه ناصبًا عوده الفارع، وزرّ وثاق بدلته وهو يقول بفظاظة:
"حازم الله يرحمه وكده الجاني مش موجود عشان يُطبق عليه القانون. وأنا هتواصل مع أهل البنت وهنوصل معاهم لحل يرضيهم.."
أنهى تلك المقابلة وتوجه للخارج بشموخ يتنافى مع ما يحمله من أعباء وهموم لا تنتهي، ناهيك عن أعباء قلبه الذي ما زال يتذكر ما حدث البارحة وتتكرر تفاصيله أمام عينيه بكل ثانية. يود الهرب منها ولكنها تلاحقه مع أنفاسه التي زفرها بحدة عله يتخلص من وجعه بها، ولكنها كانت أمنية مستحيلة. فما أن وطأت أقدامه باب المنزل حتى تفاجأ بالجميع ينتظر في الصالة الكبيرة، والأعين تطالعه، إحداها بفضول والأخرى بشماتة. تجاهلها وتوجه إلى مكتبه لأول مرة هاربًا من أي استفسارات مرهقة. ولكن هيهات، فما أن دلف إلى الداخل حتى وجد كلًا من سليم ومروان، الذي أغلق الباب خلفه تزامناً مع حديث سليم القلق:
"حصل إيه يا سالم؟"
"الكلام اللي هقوله ده ميخرجش بره الأوضة دي، مفهوم."
إيماءة صامتة تلقاها منهما، فأخذ يسرد ما حدث بعجالة، متجاهلاً نظراتهم المصدومة وتعابيرهم التي لا تفسر، وأنهى كلماته قائلاً:
"الكلام ده حصل قبل ما يموت بيوم واحد.."
أطلق جأشه المكبوت داخل صدره قبل أن يضيف:
"النهاردة بالليل هسافر عشان أروح لأهل البنت أطمن عليها وأشوف هعمل معاهم إيه؟"
ارتسم الجنون بعيني سليم، الذي صاح بانفعال:
"هو في إيه؟ هو إحنا كنا مربيين معانا شيطان واحنا منعرفش؟ يغتصب بنت قاصر! أنا مش مصدق اللي بسمعه.."
تجاهل حديث أخاه وألقى بجسده المنهك على المقعد خلفه، فيما تابع مروان قائلاً بحنق:
"أنا مش قادر أتخيل إنه اتجرد من كل مشاعر الإنسانية للدرجة دي.. دا مفكرش إننا عندنا بنات. ونازل مرمطة في بنات الناس."
نالت كلماته من قلب سليم، الذي احتدت نظراته واكفهرت معالمه رغمًا عنه. وحين أوشك على الحديث، جاءهم صوته الصارم:
"خلصت. معدلوش لازوم الكلام ده. دلوقتي هو بين إيدين ربنا."
هب سليم من مقعده وكل خلية بداخله تنتفض غضبًا، تجلى في نبرته حين قال:
"كويس أوي أنه عند ربنا عشان أقسم بالله لو كان لسه عايش لكنت دفنته بإيدي حي.."
كان الغضب ينهش بداخله من تلك الأفعال النكراء التي لا يفعلها سوى شيطان رجيم. ولسوء حظهم، كان هذا الشيطان أخاهم.
"اهدّي يا سليم، وزي ما قال سالم، معدلوش لزوم الكلام ده. خلينا نشوف هنعمل إيه مع الناس دي وهنعوضهم إزاي؟"
"نعوضهم! أي شيء في الدنيا ممكن يتعوض، إلا الشرف يا مروان. مهما عملنا مش هنقدر نعوضهم. إحنا انكتب علينا نشيل العار طول عمرنا بسببه."
كان سالم ينظر إليه ويود لو يصرخ بألف اعتراض، فقلبه يؤلمه من قسوة كلماته على أخيهم الراحل، ولكنه يعلم أنه محق، فأفعاله المروعة لم تترك لهم مجالًا للحديث. بل وكتب عليهم لملمة قذاراته التي لا تنتهي. لذا أخذ منحنى الصمت وترك لمروان مهمة تهدئته.
"عصبيتك دي مش هتحل حاجة.. لازم نهدي ونفكر، وبعدين محدش فينا له ذنب في حاجة."
"الذنب في رقبتنا ليوم الدين عشان معرفناش نربيه.."
هكذا أجابه سليم بقلب يحترق تتجاذبه النيران من كل حدب وصوب، فلم يحتمل وجوده معهم فاندفع إلى الخارج بعد أن استمع لحديث سالم الصارم:
"زي ما قلت من شوية، مش عايز حد يعرف حاجة. وأنا هروح للبنت وأهلها، وبإذن الله هحاول أرضيهم على قد ما أقدر.."
شيعه مروان بنظرات الشفقة، فقد شعر بمدى ثقل المهمة التي أُلقيت على عاتقه، فحاول تخفيف حدة الأمر قائلاً بسخرية:
"عيني عليها فرح. مش عارفة تتهنى بالعريس. ربنا يستر متطبقش في زمارة رقبتنا لما تعرف إنك هتسافر النهاردة وتسيبها.."
خفقة وجلة ضربت قلبه حين سمع اسمها، وكم اشتاق في تلك اللحظة أن يضع رأسه على صدرها يشكو لها أوجاعه وثقل أحماله. يتمنى لو كان بإمكانه أن يهرول إليها كطفل صغير يختبئ بين أحضان والدته من وحشة هذا العالم، ولكنه لا يستطيع تجاوز رفضها المهين لقربه. لذا أخذ نفسًا طويلًا قبل أن ينظر إلى مروان قائلاً بخشونة:
"في حاجة مهمة عايزك تعملها."
"رقبتي يا كبير.."
***
كان يدور في الغرفة كمن مسه الجنون، يمسك بذلك السلسال الذي يشبه اسمها، والذي رآه أكثر من مرة يحيط بعنقها، وفقد كان يلفت انتباهه كثيرًا. والآن هو بين يديه بعد أن عثر عليه الغفير في موقع تلك الجريمة التي ضربت عقله كصاعقة، كلما تذكر حديثه:
"انت اتجننت يا بغل انت؟ نجمة مين؟"
"وكتاب الله يا كبير ما بكذب. إني بعد ما مشيوا دخلت الزريبة ولجيت السلسلة دي جنب السور، ودي بتاعت البت نجمة. إني متوهش عنها واصل.."
اجتاحت نيران الغضب عقله وهاجت أخرى بقلبه، فأخذ يدور حول نفسه كالملدوغ، لا يقدر على التفكير. جل ما يريده أن يذهب الآن ويفرغ رصاصات سلاحه بصدرها حتى يهدأ. ولكن فجأة طرأ على باله أحد المواقف حين كان مريضًا وطلب منها كوبًا من الماء، وبالخطأ امتدت يده لتحتضن يدها الممسكة بالكوب، فانتفضت بشدة جعلت الماء ينهمر فوق رأسه. وحين عنفها، صاحت به غاضبة:
"إيه الحركات دي يا كبير. مش عيب!"
"عيب إيه يا بهيمة أنتِ؟ مش شايفة زين؟"
احتدت نظراتها وشابهتها نبرتها حين قالت:
"شوف أما أقولك الحركات دي إني خبراها زين.. ولازم تعرف إنني من عيلة وبت ناس قوي. وماليش في المسخرة وجلة الحيا دي. بعد كده تفتح عينيك زين، أومال لو مش عينيك خضر كنت عملت إيه؟"
صاح غاضبًا، فهو لم يتوقع ثورتها تلك من ملامسة بريئة.
"أنتِ اتجننتي يا به؟ أنتِ مفكراني هبص لواحدة زيك ولا أعاكسها؟ وبعدين تعالي هنا عيلة إيه يا أم عيلة؟ ده أبوكي مش معروف إذا كان بني آدم ولا لا من الأساس؟"
"بني آدم ولا جرد المهم إنه أبوي. وبعدين ده جنايني جد الدنيا. من غيره الدود هيطلع عليكم من الشجر ياكلكم."
هب من مكانه، فإذا بالآلام تضرب جسده بقوة، فصاح غاضبًا:
"غوري من وشي بدل ما أقطع خبرك.. غوري.."
ابتلع ريقه بصعوبة وهو يتذكر ملامحها في ذلك الوقت. لم تكن تتصنع، يقسم بذلك، ولكن ما هذا الذي يحدث؟ يكاد يجن من فرط التفكير، ولكنه سيسعى جاهدًا لمعرفة ما حدث.
"مسعود.. أنت يا زفت يا مسعود..؟"
هرول الغفير إليه يلبي نداءه، فصرخ به:
"الزفت اللي اسمه مرعي، تروح تجيبه من جفاه على هنا طوالي."
"حاضر يا جناب الكبير…"
أنهى كلماته وهرول للخارج، فوجد مرعي يقف يتحدث مع نجمة، التي كانت آتية إلى العمل كما هو المعتاد. وحين مرت به، استوقفها قائلاً بغزل وقح:
"الغزال اللي رايح جاي يتمختر، إمتى يحن عليا بقى؟"
شيعته بنظرات الخسة والاحتقار، قبل أن تتابع طريقها دون أن تعيره انتباهًا. فتقدم يقف أمامها وهو يقول بوقاحة:
"ما كفاكي جلّ عاد. إني قلبي مولع نار ومش قادر أتحمل."
لون الامتعاض ملامحها وتجلى في نبرتها حين قالت:
"قلبك المولع ده ديته شبشبين يفوجوه، وهو هيبقي زي الفل. وحظك حلو المداس لسه جديد.. لو تحب دلوقتي أطفيلك الحريقة معنديش مانع، ولا تاخد بعضك وتخفي من وشي أحسن؟"
غضب من حديثها ورفضها الدائم له، فصاح مهددًا:
"أنتِ عايزة تضربيني بالمداس يا بت الجنايني؟ طب والله لأعملك مداس في رجل الناس، وبكرة تيجي تتحايلي أبص لك بس."
رمقته شذرًا وهي تقول باحتقار:
"أتحايل عليك انت يا معفن؟ ده أنت الهدومة اللي عليك جرفانة منك. غور داهية تاخد خلقتك العفشة. يا غراب البين، وحياة شنب أبويه اللي ما بحلف بيه باطل لو مخفتش من وشي، لهكون مفرجة عليك الناس، وهقول للكبير على جرفك. هاه، عارف جرفك يا بتاع الزرايب؟"
قالت جملتها الأخيرة وهي توعد له، ففهم الآخر ما ترمي إليه، وهوى قلبه ذعرًا بين قدميه، وخاصة حين تفاجأ بمسعود، الذي قال بلهث:
"أنت فين؟ قلبت الدنيا عليك. الكبير عايزك ضروري؟"
ارتعب من أن تكون تلك الفتاة قد اشتكت عليه وأخبرته بما شهدته البارحة، فقال بذعر:
"والكبير عايزني ليه دلوقتي؟ هو حصل حاجة ولا إيه؟"
"انت أدرى باللي حصل يا مرعي. إني ما عليا إلا البلاغ. اتفضل فوت قدامي، واستلج وعدك يا خفيف.."
هنا تيقن من أنها أوشت به بالفعل، وخاصة عندما رأى وجه عمار، الذي كان مرعبًا بحق، ونبرته التي بثّت الذعر بقلبه حين قال:
"كنت بتعمل إيه في الزريبة المهجورة بعد الفرح ما خلص؟"
"معملتش حاجة. كنت بمر زي كل يوم، وبعدين روحت.."
هوى عمار بصفعة قاسية على وجه مرعي، الذي تراجع للخلف بذعر حين صاح به:
"وكمان بتكذب يا كلب… ده أنت موتك على إيدي النهاردة."
انتفض مرعي وقال ببكاء:
"حقك عليا يا كبير. والله ما هكذب عليك واصل؟"
موجه كهربائية كانت تسري في جسده حين قال بأنفاس مقطوعة:
"مين اللي كانت معاك امبارح في الزريبة؟"
أضاء الشيطان عقله بفكرة الانتقام منها، فقال بلهجة قاطعة:
"نجمة.. نجمة بنت الجنايني.."
كانت تعد الطعام بالمطبخ الكبير وسط الخادمات اللائي كن يضحكن تارة ويغنين تارة، وقد كانت هي أكثر من يغني من فرحتها حين أخبرتها تهاني بأنها ستعمل معهم بالبيت الكبير من اليوم، وقد أسعدها ذلك كثيراً، وظهرت سعادتها على هيئة ابتسامة مشرقة أضاءت عينيها الجميلة. ولكن فجأة صدح صوت دوي زئيره في أرجاء البيت الكبير للحد الذي ارتجت جدرانه:
"نجمة…."
سقطت الملعقة من يدها حين سمعت اسمها بتلك الطريقة، وحين التفتت لترى ماذا يحدث، فإذا بوحش كاسر يقتحم المطبخ بهيئة مرعبة، فتسمرت بمكانها حين وجدته يقبل عليها ويرفع يده الضخمة ويهوي فوق خدها بأقصى صفعة نالتها بحياتها…
***
كانت تجلس بالحديقة تنظر إلى ريتال التي كانت تلهو حولها، فإذا به يقتحم جلستها ويباغتها قائلاً:
"عايزة تصلحي الغلط اللي غلطتيه؟"
تفاجأت سما من حديثه وناظرته بصدمة تجلت في نبرتها حين قالت:
"تقصد إيه؟"
"عايزة تصححي غلطك ولا لأ؟"
هنا خاطبها بنبرة حادة انكمش لها جسدها، ولم تفلح الحروف في العبور من بين شفتيها، فأومأت برأسها.
فاقترب مروان منها وقام بمد يده جاذبًا إياها من مرفقها، وهو يقول بنبرة هادئة متبوعة بنظرات عاشقة:
"أنا شايف وعارف اللي جواكِ كويس أوي. وعارف إنك عمرك ما كنتِ وحشة. وإنك ضحية للبيت ده واللي فيه. وعشان كده بقولك أنا جنبك وهفضل جنبك."
تكونت طبقة كرستالية من الدموع في مقلتيها، فقد كانت كلماته حانية بدرجة لم تتخيلها، نفذت إلى قلبها كسهم مشتعل. ولكنه لم يمهلها الفرصة لإجابته بأن هذا أكثر بكثير مما تمناه، وذلك حين أردف بجمود:
"كصديق.. أو كأخ.."
لا تعلم لماذا أحزنها هذا الوصف، ولكنها أومأت برأسها تحاول إخفاء خيبة تملكتها في تلك اللحظة. فلم يستطع هو تفسير ملامحها ولا تلك النظرة الغريبة في عينيها، فتجاهل كل ذلك وشرع يسرد لها ما يريد. ومع كل كلمة يتفوه بها كانت ملامحها تتبدل ما بين الرفض والخوف والذنب. ولكنه اختتم كلماته قائلاً:
"خليكِ فاكرة إن في دين في رقبتك، وجت فرصتك عشان تسديه، والفرصة مبتجيش غير مرة واحدة. ها، قولتي إيه؟"
نجح في غرس سهم الذنب في قلبها، والذي لم يعد يحتمل ذنوبًا أخرى، فأطلقت تنهيدة متعبة قبل أن تومئ برأسها وهي تقول بهمس:
"حاضر.."
سلبت كفها من بين يديه، فشعر برجفة باردة اخترقت جسده لدي رؤيتها تغادر منكسة الرأس. فإذا به يجد ريتال، التي قالت بعفوية:
"صديق وأخ.. أنت بتكذب يا عمو؟"
انكمشت ملامحه بامتعاض تجلى في نبرته حين قال:
"جتك خيبة أنتِ وهي. بدل ما تديني رصية ولا بنية في وشي وتقولي أخ إيه؟ بتهزلي رأسك. رجالة العيلة دي باينهم موعودين بالستات الغبية، ولا إيه؟"
صمت لثوانٍ قبل أن يضيف بتحسر:
"- وبعدين بقي في العيلة اللي هتضيع مستقبلي دي، ولا فاهم أحب ولا أعلق البت ولا أتنيل أعمل حاجة.."
***
كانت ليلة صعبة بكل ما تحمله الكلمة، حتى أنها تركت بصماتها على وجهها الذي كان باهتًا يلائم تورم عينيها من كثرة البكاء، وانطبع الحزن الساكن قلبها على ملامحها، فبدت مروعة تمامًا كالألم الذي ضرب سائر جسدها. فكانت تجر أقدامها جرًا للوصول إلى المرحاض، وهي بمنتصف الطريق توقفت إثر دقات الباب. فعدلت وجهتها وقامت بفتحه، ولحسن حظها كانت شقيقتها هي من بالخارج، والتي ما أن رأتها حتى اندفعت إليها تحتضن وجهها وهي تقول بلهفة:
"فرح مالك؟ في إيه؟"
لأول مرة بحياتها تهزم هكذا. فلم تجد ما تقوله، توقفت الكلمات على شفتيها. فاستعادت جنة سؤالها بنبرة أكثر لهفة يشوبها حنان كبير:
"فرح، ارجوكِ ردي عليا، حصل إيه؟"
لامس قلبها خيط الحنان الذي يتجلى في نبرة شقيقتها، فألقت بنفسها بين أحضانها وهي تقول بنبرة متألمة يخالطها نوبة بكاء عنيفة:
"أنا بموت يا جنة…."
كانت كلمتها كالسهم الذي اخترق قلبه حين كان يتوجه إلى غرفته حتى يتجهز استعدادًا للسفر. وحين وضع يده على مقبض الباب، تفاجأ بحديثها الذي آدمى قلبه وفتت روحه. فأغمض عينيه للحظة غير قادر على الحركة. يود لو يدخل إليها، يختطفها من بين براثن الألم الذي يتساقط من نبرتها، والذي يشاطرها إياه قلبه. ولكن مشهد البارحة يقف أمامه بوضوح، يذكره برفضها المهين له بألا يلمسها. كانت كلمة قوية كطعنة نافذة أصابت رجولته وقلبه وكبرياءه، الذي أجبره على النزول إلى غرفة المكتب مرة ثانية، فلا طاقة له بتحمل رؤيتها بهذا الشكل، وليدع لها الفرصة للتحدث براحة مع جنة، التي يأمل أن تستطيع تهدئتها ولو قليلًا..
في الداخل، انتهت فرح من سرد ما حدث، فشهقت جنة بصدمة تجلت في نبرتها حين قالت:
"أنتِ مجنونة يا فرح؟ إيه اللي أنتِ عملتيه ده؟ معقول تصدقي الشيطانة دي؟ أنا مش حذراكِ منها قبل كده؟"
تخبطت سحبها، فامطرت ألمًا تجلى في نبرتها حين قالت:
"غصب عني يا جنة. بقولك صوته. سمعته بودني. عقلي وقف عن التفكير. وحسيت الدنيا ضلمت في عيني، وقلبي ده كأن نار قادت فيه. معرفش عملت كده إزاي. فجأة لقيتني مش طايقاه يقرب مني أو يلمسني."
أشفقت جنة على شقيقتها وقالت بعتب:
"كلامك ورفضك ليه بالشكل المهين ده صعب أوي يا فرح. وخصوصًا إن سالم شخصية مش سهلة، وأنتِ ضربتيه في مقتل. هنتيه وجيتي على كبرياءه. الموضوع اتصعب أوي.."
هبت من مكانها غاضبة:
"عارفة. والله عارفة. وده اللي قاهرني. لو شفتيه وهو بيقولي قلبك مقللكيش إنه مش أنا؟ وأنا بغبائي قولتله كنت انت. معرفش حصلي إيه وقتها. هتجنن.."
اقتربت جنة منها تحتضنها برفق وهي تقول لتهدئتها:
"طب اهدي. كل مشكلة وليها حل إن شاء الله."
تبلور التصميم على ملامحها، وأطلقت نيران الانتقام من عينيها، وقالت بقسوة:
"أنا هعرف أجيب حقي كويس، وأعرفه إني مكذبتش عليه."
"هتعملي إيه؟"
هكذا استفهمت جنة، فأجابتها بجفاء:
"هسمعه الفويس اللي هي أنكرت إنه موجود.. يمكن لما يسمعه بودنه يبقى بداية الطريق إنه يسامحني.."
قالت جملتها الأخيرة بنبرة أرق، ومن ثم نظرت إلى جنة وأردفت بتوسل:
"جنة محتاجة مساعدتك.."
انكمشت ملامحها بحيرة تجلت في نبرتها حين قالت:
"إزاي؟"
"هقولك…"
***
يدور في غرفته بلا هوادة، لا يعرف الراحة ولا يملك حتى حق تمنيها. كل خلية بداخل جسده تتوسل أن يصل إلى مبتغاه حتى يستطيع أن يهدئ نيران غضبه الموقدة ولو قليلاً.
تدخل سليم، الذي شاهد حالته المزرية، فملامحه كانت باهتة وعينيه جاحظة، وصدره يعلو ويهبط من شدة الانفعال، ومع ذلك فهو كعادته صامت.
"إن شاء الله كل حاجة هتتظبط يا سالم. أنت بس هدي نفسك.."
لم يجبه، اكتفى بإيماءة بسيطة من رأسه، الذي ارتفع بلهفة حين رأى مروان، الذي فتح باب الغرفة وبيده أحد الهواتف. فخرجت الكلمات من فمه مندفعة:
"عملت اللي قولتلك عليه؟"
"أه. دورت في التليفون. وبصراحة ملقتش حاجة.."
تعاظم غضبه، فاغمض عينيه بقوة قبل أن يعيد فتحه وهو يحاول التحلي بفضيلة الصبر حين قال بخشونة:
"أنا عارف إنك أكيد مش هتلاقي عليه حاجة. سؤالي هنا: افحصه وشوف فيه حاجة اتحذفت منه ولا لأ؟"
جفل مروان من لهجته وقال مبررًا:
"والله فحصته كام مرة على اللابتوب وجبت كل حاجة اتحذفت منه في خلال أسبوع، وبرضه ملقتش أي فويسات أو أي حاجة تخصك."
أطلق زفرة حارة من جوفه، فأردف مروان بحنق:
"لو عايز رأيي، أنت غلطان. كان مفروض من امبارح خدت التليفون منها وفحصته وشفت حوار الفويس ده.."
شيعه سالم بنظرات غاضبة، اتبعها بقوله الساخر:
"وابقى مشيت على الخطة اللي هي رسمتها لنا بالضبط. مش كده؟"
ناظره سليم بعدم فهم وقال مستفسرًا:
"تقصد إيه؟"
وثب من مكانه قائمًا، ويديه بجيوب بنطاله، وكأنه لا يريد أن تطال أي شيء فتحطمه من فرط غضبه، الذي تجلى في نبرته حين قال:
"بقولك إنكرت وجود أي فويسات، يبقى هتسيبه على التليفون إزاي يا بني آدم؟"
نظر الاثنان، مروان وسليم، إلى بعضهما البعض، فتابع سالم بحنق:
"شغلوا دماغكم شوية. مش طالبة غباء.. بديهيًا أي حد في مكاني كان مسك التليفون يشوفه، واكيد مش هلاقي حاجة، ماهي الهانم عاملة حسابها وماسحة الفويس. ووقتها تبقى هي المظلومة، وفرح الوحشة اللي بترميها بالباطل، ومش بعيد كانت تقولي هات لي حقي من مراتك. وأنا وقتها وربي كنت هفرغ سلاحي في دماغها…"
"يخربيت دماغك يا أخي.. تصدق عندك حق.."
هكذا تحدث مروان، فأجابه سالم حانقًا:
"مكفياش اللي عملته، لا كمان عايزة تشمت فيها لآخر لحظة وتثبت لي أنها كذابة.."
تدخل سليم مستفهمًا:
"طب وبعدين يا سالم هتعمل إيه؟"
ناظر أخاه بتيه، لأول مرة بحياته لم يعد يعلم ماذا يفعل. ولكنه أراد المراوغة، فنظر إلى مروان قائلًا بفظاظة:
"ملقتش أي حاجة على الزفت ده مريبة؟"
"وربنا وحياة غلاوة دول عندي ما لقيت حاجة. ده تليفون مهجور أصلًا. مكالماته كلها هبلة ورسايلها اللي فيه أهبل.."
لمعت نظراته المطلة على مروان ما أن تفوه بآخر كلمة، وصمت لثوانٍ قبل أن يقول بنبرة ذات مغزى:
"طب ما ده في حد ذاته مريب!!!"
***
ترتشف قهوتها في غرفة الجلوس وهي بأقصى درجات سعادتها، فقد نالت مبتغاها في تخريب علاقتهم، والتي متأكدة من أنها ستبقى على حالها لوقت طويل. لذا كانت تشعر بلذة قوية تغلبت على ألمها مما حدث وما فعله بها. وحين كانت تسترسل في ذكرياتها الأليمة، تفاجأت بـ جنة، التي اقتربت منها تناظرها بغضب حاولت قمعه قدر الإمكان، وقالت بلهجة حاولت أن تبدو صافية:
"صباح الخير.. لقيتك بتشربي قهوتك، قولت نشربها سوي.."
زوت ما بين حاجبيها وأخذت ترسل نظرات متفحصة لـ جنة، وسرعان ما رسمت ابتسامة متصنعة على شفتيها وقالت بسرور مفتعل:
"ده إيه الصباح النايس ده. عروستنا الحلوة جايه بنفسها تشرب القهوة معايا. ده سليم الوزان هيغير مني بعد كده."
فهمت جنة ما ترمي إليه، فجلست وعينيها تطوف المكان حولها بتفحص، قبل أن تقول بلهجة عادية:
"لأ، متخافيش.. سليم عاقل.."
"الحب بيجنن. اسأليني أنا.."
حاولت رسم ابتسامة متكلفة على ملامحها قبل أن تقول:
"وإنتِ بقي تعرفي منين؟ حبيتي قبل كده ولا إيه؟"
ابتسمت شيرين بخبث وهي ترى جنة التي أمسكت بهاتفها تعبث به لثوانٍ، فأجابها بتسلية:
"ومين فينا ما حبش؟ وانكوى بنار الحب.."
هكذا قالت شيرين جملتها الأخيرة بنبرة خبيثة تشبه نظراتها كثيراً، ففهمت جنة على الفور المغزى خلف حديثها، ولكنها تجاهلت ذلك وقالت بسخرية:
"لأ بس واضح إنك انكويتي أوي."
"أوي.."
ارتشفت من الكوب الخاص بها قبل أن تقول بخبث:
"طب ولما أنتِ كده مبتحاوليش تصلحي ما بينكوا ليه؟ أو حتى تخلي سالم بيه يتدخل يصلح.. أنا سمعت إن جوزك صاحبه.."
نجحت في إغضابها، ولكن شيرين كانت بارعة في التجاوز وتزييف كل شيء، لذا قالت بحزن مفتعل:
"للأسف سالم رافض. قولتله أديله فرصة تانية، قالي على جثتي. حتى أحمد عمال يبعت نبه عليا، مردش عليه.. معرفش دماغه فيها إيه؟"
كانت تتحدث وعينيها تتابع شيئًا ما في الأعلى، فأرادت جنة جذب انتباهها حين قالت بحنق:
"والله لو بتحبي ومكويه أوي، لـ سالم بيه ولا غيره يقدر يقف قدامك.. أنتِ بس روحي قوليله سيبني أرجع لجوزي، واريح وأستريح.."
ناظرتها شيرين باستهزاء وقالت بمكر:
"بمناسبة الراحة، هستأذنك آخد الدوا بتاعي عشان صدعت.."
هوى قلب جنة بمكانه، وما أن أوشكت على إيقافها حتى أطلقت الأخرى ساقيها للريح، وهي تنوي اغتنام تلك الفرصة التي قدمت لها على طبق من ذهب. وبالفعل قامت بفتح باب غرفتها بقوة لتجد فرح، التي كانت يدها تمتد لتلتقط هاتف مخفي بين طيات ملابسها. وهنا صرخت شيرين بذعر مفتعل:
"بتعملي إيه في أوضتي؟?"
شهقت فرح وتراجعت للخلف بصدمة، فلم تتوقع أن تمسك بها تلك الأفعى متلبسة. فقد أرسلت جنة لاختطاف هاتفها دون أن تلاحظ. ولكن الأخيرة لم تجده، فـ أرسلت رسالة هاتفية تفيد أنه ليس معها، فظنت بأنها ربما تركته في غرفتها، فتوجهت على الفور إلى هناك بعد أن أرسلت تخبر شقيقتها أن تعيقها قدر المستطاع. ولكن كانت حيلة التقطتها على الفور شيرين، التي اقتربت قائلة بصوت أعلى:
"ردي عليا، بتعملي إيه في أوضتي؟"
ارتجفت فرح ولم تسعفها الكلمات في الحديث، فاقتربت شيرين منها قائلة بخبث:
"مدام القطة أكلت لسانك. يبقى هجيب اللي هيعرف يقررك كويس.."
صاعقة قوية ضربتها حين فطنت إلى ما ترمي إليه شيرين، التي اندفعت إلى باب الغرفة وهي تصيح بملء صوتها:
"سالم… يا سالم. يا مرات خالي. يا ماما…"
تجمهر الجميع إثر ندائها، وكان هو آخر من وصل، فتفاجأ من تلك التي كانت ترتجف في منتصف الغرفة، وبلمح البصر وصل إليه سبب وجودها، فوأشك على إطلاق مسبة بذيئة من فمه، ولكنه أعرض عنها في آخر لحظة، ولون الغضب نظراته واكفهرت معالمه حين تحدثت شيرين بانفعال:
"كنت تحت بشرب فنجان قهوتي، ولقيت جنة جايه عمالة ترغي في حاجات هايفة ملهاش لازمة. ولما استأذنت أطلع أوضتي، منعتني. ولما أصريت وطلعت، اتفاجئت بالست فرح هانم مراتك في أوضتي وبتدور في دولابي…"
شهقة قوية خرجت من جوف هُمّت، التي ناظرت فرح بغضب قائلة:
"حرامية؟"
جاءها الرد القاطع من أمينة، التي قالت بحدة:
"اخرسي.. أنتِ مش عارفة بتتكلمي عن مين ولا إيه؟"
أضافت شيرين بحدة:
"أمال تفسيرك إيه يا مرات خالي للي حصل؟ ادي أنتِ جيتي بنفسك لقيتيها في نص أوضتي ودولابي مفتوح. رأيك إيه؟ ولا بلاش أنتِ، سالم رأيك إيه؟"
كانت أنفاسه تحرق صدره من شدة الغضب، وخاصة وهو يراها في هذا الموقف الصعب ترتجف بهذا الشكل، وهو عاجز كليًا عن احتضانها وتهدئة خوفها. فقد وضعته ووضعت نفسها في مأزق كبير مع تلك الحية التي لم تمرر ما حدث بسهولة، وستحاول النيل منها بكل الطرق.
"رأيي إنك تخرسي وتدي فرصة للناس تتكلم.."
هكذا أجابها بقسوة، وقام بالالتفاف إلى فرح، التي كانت ترتجف من هول الإحراج، ولكنه حاول طمأنتها بنظراته ولهجته التي رقت قليلاً وهو يقول:
"كنتِ جايه لشيرين ليه يا فرح؟"
كانت كلماته كالبوصلة التي وجهتها إلى طريق الهرب، الذي التقطته على الفور، ونظراته التي جعلت عقلها يعود إلى العمل. فخرجت كلماتها ثابتة إلى درجة كبيرة حين قالت:
"أبداً. أنا جيت أشوفها كانت عايزاني ليه؟ ولما دخلت الأوضة ملقتهاش، فكرتها في الحمام، روحت أخبط، ملقتش حد. وفجأة لقيتها داخلة من باب الأوضة بتزعق فيا.."
برقت عينا شيرين من هذا الكذب، وقالت بسخرية:
"لأ والله. دخلت عليا الكذبة؟ أنا اللي كنت عايزتك؟ وده من امتى؟ وهعوزك أعمل بيكِ إيه إن شاء الله؟"
كانت غبية برغم شرها، وقد وقعت في براثن الفخ الذي أحكمت فرح نصبه جيدًا، حين قالت ببساطة:
"قبل الفرح بكام يوم أنتِ كلمتيني وقولتي إنك عايزاني في موضوع ضروري. حتى إنك جيتي مخصوص من إسماعيلية يومها عشان تقابليني، وأنا كان عندي بروفة الفستان ومعرفتش أقابلك، وقولتلك قدامنا وقت طويل نتكلم فيه بعد الفرح. وعشان كده جيتلك دلوقتي أشوف كنتِ عايزاني ليه؟"
أطلق نفسًا هادئًا لدى سماعه حديثها، الذي كان أكثر من رائع وقعه على شيرين، التي امتقع وجهها لدى سماعها حديث فرح، والذي اتبعه سالم حين قال بخشونة:
"ده أكيد موضوع مهم أوي اللي يخليكِ تنزلي من إسماعيلية للصعيد مخصوص عشان تقابلي فرح. وعندي فضول بصراحة أعرف أنا كمان.."
رسمت الحية شباكها حول نفسها، تلك المرة، فها هي تقف أمامه كالبلهاء، لا تستطيع التفوه بحرف. فتلك اللعينة نجحت في لف الحبل حول عنقها جيدًا.
"بصراحة وأنا كمان يا سالم عايزة أعرف، يا ترى كنتِ عايزة فرح في إيه يا شيرين؟"
هكذا تحدثت أمينة بتهكم، جعل الدماء تفور حارة في أوردتها، وخاصة وهي تحت ميكروسكوب نظراتهم التي غلفتها السخرية. فرفعت رأسها تحاول الفرار من هذا المأزق، حين قالت بتلعثم:
"أبداً. أنا. كنت. يعني. عايزة أشوفها. لو. لو محتاجة أي. مساعدة.. بس."
أطلقت أمينة سهام سخريتها قائلة:
"يااه بقي تسافري لها من إسماعيلية للصعيد عشان بس تشوفيها عايزة مساعدة ولا لا؟ دانتِ طلعتي خدومة أوي وإحنا منعرفش؟"
التفتت شيرين بحدة وعينيها تطلقان سهام الغضب نحو أمينة، التي تابعت شن هجومها الساخر لتنال من كرامتها قدر الإمكان:
"إلا قوليلي يا شيرين، أنتِ جاية من بيت جوزك بالهدومة اللي عليكي. إزاي تفكري إن فرح ممكن تسرقك، وإيه هتسرق منك؟ لأ كدا بصراحة وحش في حقك تبقي خدومة كده، وتظني في الناس الظن الوحش ده. لأ أنا كده زعلت منك.."
ارتسمت ابتسامة شامته على ثغر فرح، التي كانت تود الركض وعناق أمينة بقوة على ما فعلته بشيرين، التي امتقع لونها وبهتت ملامحها. ولكن أتت المفاجأة حين تدخل قائلًا بصرامة:
"أول وآخر مرة المهزلة دي تحصل هنا. وبعد كده خلي بالك بتقولي إيه ولمين؟"
كانت نظراته وحدها تهديد عظيم، نجحت في فهمه. ولكنها شعرت بقلبها يتمزق لنصفين حين رأته يمد يده لغريمتها وهو يقول بلهجة هادئة:
"يالا يا فرح.."
كانت مفاجأة لم تتوقعها أبدًا، أن يمد يده إليها هنا أمام الجميع، و تحديدًا تلك الشيطانة التي ذاقت الجحيم بسببها في الليلة الماضية، ويتناسى خطأها الجسيم في حقه، لهو أمر عظيم. فإن كانت سابقًا تحبه، فاليوم وفي تلك اللحظة تحديدًا هي عاشقة له حد النخاع. ولهذا أرادت أن توصل له ما تشعر به، فمدت يدها إليه تشبك أصابعها بين تجويف أصابعه وتقبض بقوة على كفه، بينما عينيها تشابكت مع خاصته في نظرة خاطفة جعلت النبضات تتعثر بقوة داخل قلبه. ولكن اضطر لقطع تلك النظرة الخاصة التي يترقبها كل تلك الأزواج من العيون، ولم ينس إلقاء قنبلة أراد منها الانفجار في وجه شيرين، حين قال بسخرية موجها حديثه لفرح:
"بعد كده تتعلمي إن مش أي حد تعملي له قيمة وتسمعي كلامه.."
***
دَلفت إلى داخل الغرفة وهي تتشاجر مع خطواتها ولسانها لا يكتفي من السب واللعن في تلك الأفعى كما أسمتها. وكان هو خلفها يناظر انفعالها بنظرات إعجاب لم يحاول إخفاءها. فالتفتت تناظره فوجدته يبتسم بهدوء. دق قلبها بقوة آلمتها، وغزي الخجل ملامحها المفعمة بالغضب، مما جعل محصول الطماطم الشهي ينبت فوق خديها. فتسلحت بالغضب حتى تخفي إحراجها قائلة:
"مش شايفه أي حاجة تضحك في الموضوع، إلا إذا كان عجبك عمايل بنت عمتك؟"
لم يخفِ ابتسامته، ولكنه أجاب بهدوء:
"اللي عاجبني بصراحة شكلك وأنتِ متعصبة."
كان صريحًا بدرجة محرجة، وقد نجح في تعزيز من خجلها أكثر بحديثه. فهذا الشخص تستطيع إعطاءه جائزة الدولة في الصراحة والوضوح، فهو لا يخفي أي شيء ولا يترك شيئًا بقلبه، وهذا ما يفاجئها وجود أشخاص مثله في تلك الحياة.
"أنا مش متعصبة.. أنا هطق.."
هكذا تحدثت حتى تخفي خجلها. فاقترب منها قائلاً باستنكار:
"تطقي مرة واحدة؟ لا ده الموضوع خطير بقى.. ده أنا أروح أجيب لك شيرين ترنيها علقة محترمة ولا تزعلي نفسك أبدًا.."
لمعت عينيها ببريق خاطف وهي تقول بحماس:
"طب والله فكرة…"
قهقه على مظهرها قبل أن يقول غامزًا بعبث:
"يا واد انت يا شرس؟"
جفلت من حديثه وتلك الغمزة التي بعثت قشعريرة قوية إلى سائر جسدها، فـ تراجعت للخلف. فقام هو بالاقتراب بينما يديه ما زالت في جيوب بنطاله، وكأنه يخشى أن تغدر به وتحتضنها بقوة، وهو لا يريد إخافتها، خاصةً بعد ما حدث البارحة.
"كان مالك امبارح؟"
هوى قلبها بين قدميها حين باغتها بهذا السؤال، الذي لم تكن تملك أي إجابة عليه، فإجابته الوحيدة تخشاها كثيرًا وتخشى عواقبها، لذلك التفتت تنظر في الجهة الأخرى تهرب بنظراتها منه وهي تقول بتوتر:
"أبدًا.. أنا.. يعني.. مكنتش.. عايزة أضايقك بس.. كنت.. خايفة.."
شعر بها تراوغ، فتابع استجوابه قائلاً بإلحاح:
"خايفة من إيه؟"
رطبت حلقها قبل أن تجيب بتلعثم:
"اصل.. كابوس.. شفت.. كابوس.. وكنت.. خايفة."
كان شبه متأكد من أنها تكذب، فقد رآها أنها لم تكن نائمة من الأساس. ولكن لم يرد الضغط عليها أكثر، فيكفيه فزعها الليلة السابقة. فقد طلبت منه أن يظل جالسًا أمامها حتى تذهب إلى النوم، وبالفعل أخذ يراقبها طوال الليل. فقط تركها لدقائق حين تأكد من نومها للذهاب ورؤية ماذا حدث في الأسفل، ومن ثم بعد أن اطمئن على انطفاء الحريق، عاد مرة أخرى لمراقبتها، حتى أنه غفى على المقعد دون أن يدري.
"الكابوس من الشيطان. دايمًا عودي نفسك تنامي على وضوء وتقرأي المعوذتين وآية الكرسي وخواتيم البقرة قبل ما تنامي. ومفيش أي حاجة هتفكر تقرب لك.."
انتبهت إلى حديثه الذي لاقى صدى كبير داخل قلبها، فتحدثت بانبهار:
"انت بتصلي يا سليم؟"
ابتسم بهدوء قبل أن يجيب بسلاسة:
"أكيد طبعًا.. إيه السؤال ده؟"
"لأ، أصلي اتفاجئت يعني. معرفش مشوفتكش بتصلي قبل كده.. وكمان يعني حياتكوا الفلوس والعيلة و…"
توقفت عن الاسترسال في حديثها حين سمعت ضحكته الساخرة، الذي اتبعها قائلاً:
"طب والحاجات دي تمنعني ليه إني أصلي. دي المفروض تقربني من ربنا أصلًا."
"إزاي؟"
سألته باندهاش، فأجابها بسلاسة:
"عشان دي كلها نعم من ربنا عليا، والمفروض الإنسان يشكر ربنا على نعمه ويطلب منه يديمها. مش يجحد بعطاء ربنا ويبعد عنه."
انبهرت حين لامست نزعته الدينية، وفاجأها أكثر حين قال:
"وعلى فكرة أنا بحفظ قرآن كمان. وناوي إن شاء الله أختمه حفظ وتجويد في أقرب وقت.."
انتشي قلبها بحديثه، فخرجت الكلمات من فمها باندفاع:
"طب ممكن أحفظ معاك؟"
لم يسعه الكون فرحًا لطلبها، فأجاب بتأكيد:
"طبعًا ممكن.. أنتِ تؤمري.."
ابتسمت بخجل، لم يستطع منع نفسه من التقدم منها ووضع قبلة حانية فوق رأسها وهو يقول بخفوت:
"كل اللي نفسك فيه هنعمله سوا. وكل المستحيل هيبقى ممكن عشان خاطرك. وده وعد من سليم الوزان بذات نفسه اللي عمره ما وعد غير ونفذ.."
طوفان من المشاعر المختلطة ضرب قلبها الهش، فانتفض بين ضلوعها التي دوت بها دقاته بعنف، وخاصة حين رأت تلك النظرة بعينيه التي تعلقت بشفاهها التوتية بطريقة أرهبتها. وما أن شعرت باقترابه منها حتى انتزعت نفسها من بين أحضانه وهي تقول بتلعثم:
"هنزل.. أشوف.. أشوف فرح.."
أنهت جملتها وهرولت للأسفل، تاركة خلفها كتلة من النيران التي أحرقت جسده حتى صارت عضلاته تؤلمه كحال قلبه الذي يشتهي قربها بطريقة تعجز الكلمات عن وصفها..
***
فتح باب الغرفة ودلف معها إلى الداخل، ومازالت يدها بيده تأبى تركها، وقد شعر هو بذلك، ولكن الغضب بداخله كان قويًا لدرجة أنه قام بالتشديد على يدها وهو يديرها إليه لمواجهته قائلاً بغضب:
"الموقف اللي حصل ده لو اتكرر تاني هتزعلي مني أوي يا فرح؟"
كانت قبضته الغير رحيمة تقبض على قلبها أولًا، فخرجت الكلمات منها متألمة:
"أكتر من كده؟"
وثبت الدهشة إلى ملامحه، ولكنها سرعان ما انمحت وحل محلها الغضب الذي جعله يقول بجفاء:
"أكتر بكتير.."
عاتبته بألم:
"متخيلتش إنك ممكن تكون قاسي كده؟"
لمس عتابها أوتار قلبه النازف، فلونت الخيبة ملامحه قبل أن يقول بعتاب خفي:
"ولا أنا!"
شعرت بمدى جرحه الذي تساقط من نظراته التي كانت تحاصرها بنظرات معاتبة اخترقت قلبها، فقالت بندم:
"أنا عارفة إني غلطت لما صدقتها. وعارفة إن كلامي كان صعب."
"مش كلامك بس اللي كان صعب.."
هكذا تحدث بأنفاس متلاحقة وصدر يعلو ويهبط، وكأنه ينازع لخوض هذا الحوار معها وأمامها. فبالرغم من كل شيء، فهو يشتاقها ويشتاق دفء عناقها ليرمم جراحًا غائرة تنزف بقوة، ولكنه لا يستطيع أن يخطو خطوة واحدة تجاهها. وقد شعرت هي بذلك، فاقتربت منه أكثر وعيناها تمطران ألمًا تجلى في نبرتها حين قالت:
"معرفش إزاي عملت كده.. بس صدقني.."
"اسكتي.. متكمليش. قلة الكلام في اللي حصل أحسن.."
استفهمت بنبرة متوسلة:
"يعني هنفضل كده؟"
ماذا يخبرها؟ أينزع عباءة الكبرياء جانبًا ويخبرها عن مدى معاناته وأنها وحدها القادرة على لملمة شتات روحه المهترئة؟ أم يخبرها عن ذلك الثقل الذي يحمله على عاتقه، ومدى الجرم الذي أحدثه شقيقه الراحل، ومن المفترض عليه معالجته، وهو حتى لا يعلم كيف السبيل لذلك؟ أخذ يناظرها طويلًا بعينين غلفهما الوجع وأظلمهما الغضب، ولكنه بالنهاية قطع تلك النظرات قائلاً بفظاظة:
"أنا مسافر كمان شوية. هقعد يومين أو أكتر. لسه مش عارف. لما أرجع نبقى نتكلم.."
أفصحت عن أنهار الألم المدفون بداخلها، وقالت باستنكار من بين انهيارها:
"هتسيبني وتمشي يا سالم؟ وفي الوقت ده؟"
ود لو يخبرها بتلك الأصفاد التي تكبله وتجذبه من عنقه حتى كادت أن تنحره، ولكنه لم يعتاد على الضعف أبدًا، لذا قال بخشونة:
"الموضوع للأسف ميتحملش أي تأجيل. وخلينا نعتبرها فرصة كل واحد يفكر فيها براحته.."
أنهى جملته وتوجه إلى غرفة الملابس لإعداد حقيبته، بينما هو في الحقيقة يهرب منها ومن ألمه وشوقه الضاري لها. فوقف في منتصف الغرفة ينظر إلى السرير الذي احتضن ألمها وعبراتها الليلة الماضية، والتي لا تنمحي ذكراها من مخيلته أبدًا. فحاول تشتيت انتباهه في تجهيز ما أراد، وحين انتهى وقعت عيناه على كنزة ملقاة بإهمال على الأريكة، فاقترب منها وقام بالتقاطها وتقريبها من أنفه، فغزت رائحتها العذبة رئتيه، فانتشي سائر جسده وهو يتخيلها قابعة بين أحضانه، وقام بإغمام عينيه لثوانٍ يستمتع بحلاوة الشعور، ودون أن يدري وجد نفسه يقوم بوضعها بين طيات ملابسه في الحقيبة، وقام بإغلاقها متوجهًا للخارج. فوجدها جالسة على المخدع بإهمال وعينين فاض بهما الدمع، وحين رأته قادمًا شيعته بنظرات معاتبة وأخرى معتذرة. فتقدم بخطٍ سلحفي يقف أمامها، فرفعت رأسها إليه، فتحمحم بخشونة قبل أن يقول:
"خلي بالك من نفسك. وحاولي قدر الإمكان تتجنبي عمتي وشيرين.."
نهضت بتكاسل وكأنها لا تقوى على حمل جسدها الواهن من فرط الألم الذي تجلى في نبرتها حين قالت:
"حاضر.."
كان استسلامها مؤلمًا كثيرًا، إضافة إلى حزنها الذي يقتله، فلم يستطع منع نفسه أن يقول بخشونة:
"البيت ده أنتِ مرات الكبير بتاعه. ياريت تتصرفي مع الناس اللي فيه على الأساس ده.."
رفعت رأسها تناظره بلهفة لم تغادر حدود شفتيها، التي ارتجفت أمام أنظاره، فلم يعد يحتمل البقاء معها دون أن يفعل ما قد يندم عليه، لذا أردف بفظاظة:
"خلي بالك من نفسك.."
أنهى جملته والتفت متوجهًا للخارج. وحين خطى إلى خارج الغرفة، سمع أنينها الخافت باسمه:
"سالم…"
توقف للحظة طاحنًا ضروسه من فرط الألم، تتقاذفه رغبة ملحة في الالتفات ومعاقبة شفتيها على نطق اسمه بتلك الطريقة المهلكة لمشاعره وحواسه، والنيل منها على ما جعلته يعيشه من ألم وعذاب، وإفراغ جميع شحنات غضبه وألمه وعشقه بها. ولكن للحظة أشفق عليها من عقاب لن تتحمله، ومشاعر من فرط قوتها حتمًا ستؤذيها، لذا تجاهل همسها وتوجه للأسفل. فوجده نداء والدته التي استنكرت ما رأته وقالت بصدمة:
"سالم.. أنت رايح على فين؟?"
توقف سالم بمنتصف الصالة وهو يزفر النيران من أنفه، فلم يعد لديه طاقة للحديث، وخاصة تبرير ما يفعله. ولكنه احترم نداء والدته والتفت يجيبها:
"في مشكلة كبيرة في فرع القاهرة، ولازم أسافر دلوقتي حالًا.."
انكمشت ملامحها بصدمة، وخاصة حين رأت ملامحه المكفهرة وشفتيه المذمومة كخيط رفيع، وكأنه يريد الالتزام بالصمت طوال حياته. فتلك هي أقصى درجات الغضب لديه، ولذلك لم تحاول التطرق إلى أشياء قد تزيد وطأة ما يحدث، فقالت بنبرة لينة:
"ربنا يعينك يا ابني. بس يعني.. فرح؟ مش حرام تسيبها يوم صبحيتها كده؟"
ود لو يخبرها بأن أقصى درجات الحرام ما يحدث معه، فهو سيذهب تاركًا معها قلبه وروحه ووجدانه، سيذهب بهذا الجسد المثقل بالهموم التي لا يعرف كيف سيعالجها. ولكنه اكتفى بالقول:
"فرح عاقلة وبتقدر يا ماما. متقلقيش.."
رنت جملته بأذنيها مرورًا بقلبها الذي ارتج لدى سماعها جملته التي تحوي مديحًا مبطنًا، فلم تقدر على خذلانه، وجاء صوتها الهادئ يؤازره:
"سبيه يا ماما. سالم عنده شغل مهم ومش مينفعش يتأجل، وأنا مش زعلانة أبدًا.."
لامست حروف كلماتها قلبه الذي يود لو يلتفت في تلك اللحظة، يعصرها بين قضبان ذراعيه حتى ترى ماذا تفعل به مجرد حروف بسيطة من شفتيها التي يشقى وهو أمامها يناظرها كتفاح الحرام الذي لا ينفك يغويه.
"اديكِ سمعتي بودانك. همشي أنا بقى عشان متأخرش.."
لم يكن يخفي عليها ماذا يحدث، ولكنها لم تطل في الحديث، وخاصة حين التقطت عينيها تلك التي تراقب ما يحدث بشر. فعلى صوتها وهي تقول:
"روحي يا فرح وصلي جوزك…"
أومأت فرح بالإيجاب، وقد تفهمت نظرات أمينة المحذرة، وتوجهت خلفه إلى أن وصلت إلى باب المنزل، وقام بفتحه قبل أن ينظر إليها بجمود سرعان ما تبدل لصدمة حين وجدها تقترب منه محاوطة رقبته بذراعيها في عناق كان رقيقًا يشبه أنفاسها العطرة التي لامست رقبته للحظة بدت خاطفة سلبت إرادته، وانساق خلفها إذ حاوط خصرها بيديه التي كانت قوية بقدر لينها، مما جعل دقات قلبها تقرع كالطبول، تشاطرها دقات قلبه الذي اهتاج بداخله من فرط ما يعتريه من شوق يحتاج أكثر من هذا العناق. ولكنه استخدم كل ذرة مقاومة لديه لنزعها من بين براثنه، وأهداها نظرة بدت غامضة بقدر ما تحوي من مشاعر تعجز الكلمات عن وصفها. فشيعته هي بنظرات نادمة مشتاقة إليه، قبل أن يبتعد. وخرجت الكلمات من بين شفتيها دافئة حين قالت:
"أشوف وشك بخير.."
كان ما يحدث أقصى ما يمكن احتماله، لذا أومأ برأسه قبل أن يستمع إلى باب أحد الغرف يغلق بقوة، فعلم بأن التمثيلية قد انتهت، لذا تراجع سريعًا والتفت مغادرًا دون حديث..
***
ما أن غادر حتى سمعت صوت أمينة الصارم يناديها، فالتفتت فوجدت جنة تهرول من الأعلى وكأن أحدًا يلاحقها، وتفاجأت بـ سليم الذي كان يخرج من الغرفة ووجهه لا يفسر:
"انتوا الاتنين تعالوا ورايا.."
قالتها أمينة وهي تفرق نظراتها بينهم، مما جعل سليم يتوقف، فنهرته قائلة:
"على شغلك."
"ماما…"
هكذا ناداها، فهو يعلم حالتها تلك، فأصرت على موقفها قائلة:
"كل واحد يشوف شغله.. يالا اتفضل على شغلك.."
كان المشهد غريبًا على كلا الفتاتين، ولكن سليم لم يستطع منع ابتسامة عابثة من الظهور على ثغره، اتبعها بغمزة توجهت إلى قلبها مباشرة وهو يلتفت دون حديث.
دلفت أمينة إلى داخل الغرفة وخلفها الفتاتين، وما أن أغلقت الباب حتى التفتت إليهم وهي تقول بحدة:
"بصوا بقى انتوا الاتنين. الكلام اللي هقوله دلوقتي يتسمع ويتنفذ بالحرف الواحد. ومش هسمح لحد أنه يناقشني فيه.."
كان حديثها صادمًا لكليهما، وخاصة نبرتها الحادة وعينيها التي كانت تطلقان سهام بدلًا من النظرات، فكان أول المتحدثين فرح، التي قالت باندهاش:
"حاجة أمينة حضرتك بتتكلمي ليه كده؟"
أجابتها أمينة بصرامة:
"مسميش الحاجة أمينة. اسمي ماما أمينة. مش أنا حماتك ولا بيتهيألي؟"
تفاجؤوا للحد الذي جعلهم صامتين، فقط إيماءة بسيطة كانت إجابة على سؤالها، فـ أردفت بتصحيح:
"يبقى تقولولي ماما. الحما عندنا بيتقال لها يا ماما. ودي أول نقطة. نيجي بقى لتاني نقطة. البيت اللي انتوا شايفينه ده مش قايم على عمدان، ده قايم على كتاف ولادي. ومش بس البيت، دي العيلة كلها قايمة على كتافهم. ولو مكنش فيه حضن محاوط على الكتف اللي شايل ده، هيتعب وهيقع. فاهمين قصدي ولا أوضح أكتر؟"
تحدثت فرح أولاً:
"أنا فاهمة.."
"و أنتِ؟"
هكذا استفهمت أمينة بحدة، فأجابت جنة على الفور:
"وأنا كمان فهمت. آه والله العظيم.."
استطردت أمينة قائلة بصرامة:
"حلو. نيجي للنقطة اللي بعد كده. أنا عشت عمري كله محاوطة على جوزي وولادي وعلى البيت باللي فيه. لدرجة أن البيت مكنش يمشي من غيري. لو تعبت يوم يقف. بس أنا دلوقتي كبرت وفعلاً تعبت. ومش هقبل أن البيت يتهد. عشان كده عايزكم في ضهري. اللي جاي مش سهل. وفي حرب قذرة دايرة، بدايتها كانت من زمان أوي من قبل ما تتولدوا حتى. ودلوقتي الشيطان راجع يهدد حياتنا من تاني بعد ما طردناه وارتحنا منه.."
انكمشت ملامح الفتيات بحيرة تجلت في نبرة جنة حين قالت:
"طب هو حضرتك ممكن توضحي أكتر. أنا مش فاهمة حاجة."
أجابتها أمينة بهدوء:
"الشيطان ده ناجي جوز همت. وابن عم منصور جوزي. أخو صفوت."
شهقات خافتة خرجت من أفواههن، تجاهلتها أمينة وتابعت:
"طول عمره الفرع المعووج في العيلة وطول عمره بتاع مشاكل وبييبص للي في إيد غيره. عمي الله يرحمه كان مكافح كبر ثروته ومكنش عنده غير ولدين وبنت، عشان كده نصيبهم من تركته كان كتير. أما ناجي أبوه كان عنده ست ولاد وورثه ونصيبه كان يدوب ملاليم. وعشان كده كان بيحقد على منصور وأخوه. وطمعه خلاه يقرب من همت ويوهمها إنه بيحبها، لأنه كان عارف غلاوتها عند أبوها. وفعلاً حبته ونجح في اللي بيخططله واتجوزها. وعمي شغله معاهم إكرامًا لبنته. بس للأسف بقى جشع أكتر وحاول يأذيهم في شغلهم ويشتغل لحسابه. ومن حسن حظنا إنه اتكشف، والبنت السكرتيرة اللي كان مجندها لحسابه بعد ما خلى بيها جت وفتنت عليه وحكت كل حاجة قدام همت.."
"يا حرام.. زمانها اتصدمت جدًا.."
هكذا تحدثت جنة بشفقة، فتابعت أمينة:
"اتصدمت وانهارت. ودخلت المستشفى شهر. وفي خلال الشهر ده هو عمل المستحيل عشان يشوفها ويقنعها. وعمي موافقش، بس هو ميأسش وعمل اللي عايزه ووصلها بعد ما جاب البت السكرتيرة ورضاها بقرشين عشان تغير كلامها وتقول إن منصور هو اللي خلاها تيجي وتقول كده عشان يطلق همت منه. لكن همت مصدقتوش عشان كانت عارفة إن منصور استحالة يعمل كده. وكمان أي ست تقدر تحس إذا كان جوزها بيخونها ولا لأ؟ وهي كانت حاسة إنه مش مظبوط…"
"دي مطلعتش وحشة زي ما إحنا متخيلين. صعبت عليا أوي بعد كل اللي شافته.."
هكذا تحدثت فرح، فهي اختبرت شعورًا مشابهًا ليلة أمس، وياله من شعور مريع، لهذا أشفق قلبها على تلك المرأة التي طالها الأذى من زوجها.
"همت مش وحشة. همت عبيطة وده أسوأ. سهل أوي ينضحك عليها منه مرة تانية، وخصوصًا إنه بيستخدم نقطة ضعفها بناتها، أو خلينا نقول شيرين بس. سما زي أمها. أما شيرين واخدة منه كتير أوي.."
تدخلت جنة بنفاذ صبر:
"إيه الحرب دي؟ طب ما تخليها تاخد بناتها وتمشي. إيه لازمته يعيشوا معاكوا بدل كل التعب ده؟"
أجابتها أمينة بجمود:
"مش بمزاجنا يا جنة، ولا بالسهولة دي تتخلصي من الشر. همت لما اختارت أبوها وأخواتها ورفضت تصدق ناجي. أبوها عشان يجبر بخاطرها ويراضيها، قسم أملاكه على ولاده التلاتة بالتساوي بما فيهم المزرعة دي، كل واحد الثلث ما عدا الأرض. وصي لو همت بناتها اتجوزوا من العيلة تاخد الأرض طين، ولو خرجوا منها ياخدوا الثلث برضه بس فلوس. مكنش عايز الغريب يحط إيده على أرضه.."
"ده عقد الموضوع أكتر.."
هكذا تحدثت فرح، فأجابتها أمينة بتعب:
"قولتلك دي حرب وبادئة من زمان أوي.. عشان كده عايزكم جنبي وجنب سالم وسليم. البيت ده لازم يفضل رافع راسه العمر كله. والشيطان ده لو حط رجله هنا تاني هتبقى نهايتنا كلنا.."
تحدثت فرح بعدم فهم:
"إزاي ييجي هنا وحضرتك بتقولي إنها عارفة حقيقته؟"
"الشيطان مش وحش عشان بيوسوس لنا بالغلط يا فرح، ده كمان بيزينه. وناجي ده الشيطان يقوله يا عمي، ووارد يرجع يلعب بدماغها تاني، وهي دلوقتي حاسة إننا ضدها ومحتاجة حد يقويها، وشيرين ممكن تلعب على النقطة دي وتحاول تميل دماغها."
"طب وإيه الحل يا ماما؟"
هكذا تحدثت جنة بلهفة، فأجابتها أمينة بتخطيط:
"هقولكم. بس خليكم فاكرين إن مفيش مجال للغلط. ولو مطلعتوش قد المسؤولية هاخدكم من إيديكم وأرجعكم لأهلكوا، ومعايا ورق طلاقكم. فاهمين ولا لأ؟"
بالرغم من أن حديثها يبدو جامدًا ولهجته متوعدة، ولكن الفتيات فطن إلى ما ترمي إليه، وبأنها لا تريد سوى الصالح للجميع، لذا خرجت الكلمات من أفواههن في آن واحد:
"فاهمين ياماما…"
اللمعت عينيها بالسعادة التي تجلت في نبرتها حين قالت:
"حلو. يبقى اسمعوني كويس.."
***
تفتكر يا سليم سالم هيعمل إيه مع البنت دي وأهلها؟" هكذا تحدث مروان وهو يقف بالشرفة إلى جانب سليم، الذي كان يرتشف قهوته المرة التي لم تفلح في جعله يتناسى ما حدث. فـ أطلق زفرة حادة من جوفه قبل أن يقول:
"لحد دلوقتي مش عارف، ولا هو كمان عارف.."
"الموضوع عمال يتصعب بشكل غير طبيعي. أنا حاسس إن عقلي واقف مش عارف أفكر.. معقول تفضل في غيبوبة كل ده، وبعد ما كانت بتموت تصحى تحكي على كل اللي حصل. شوف، والقدر إن العملة السودة دي يعملها قبل ما يموت بيوم، ضيع البنت، الله يسامحه."
هكذا تحدث مروان بسخط، فأجابه سليم بغضب:
"كل حاجة هينة في الدنيا دي، إلا اللي تخص الشرف يا مروان. دي الحاجة الوحيدة اللي لو اتمست، ملهاش أي دوا."
"كلامك بيقلقني أكتر يا سليم. بس هرجع وأقولك عندك حق. مهما عمل سالم، حتى لو اداهم فلوس الدنيا والآخرة، ده مش هيعوضهم عن شرف بنتهم اللي ضاع على إيد حازم."
كان حديث مروان شائك للغاية، فلم يتحمله واندفع غاضبًا:
"اسكت يا مروان، الله يبارك لك. أنا من غير حاجة جوايا نار قايدة.."
التفت مروان يناظره بشفقة على حاله، وحاول أن يغير دفة الحديث، إذ قال باستفهام:
"بس مش غريبة إنهم يجوا يقبضوا على شخص متوفى؟ يعني مفروض يكون عندهم علم إنه متوفى أصلًا.."
خيمت الحيرة على ملامحه قبل أن يقول بجفاء:
"هي غريبة طبعًا. بس غلطة وارد تحصل. وممكن يكون مقصود. أنا مبقتش فاهم حاجة.."
التقمت أذنيها تلك المحادثة السرية بينهما، حين كانت تنوي التوجه للشرفة، ولكنها تسمرت لدى سماعها حديثهم الذي جعل الذهول يخيم على ملامحها، فـ تراجعت بخفة إلى الأعلى، وقامت بجذب الهاتف السري الذي تملكه وأجرت اتصالًا هاتفيًا. وما أن جاءها الرد حتى صاحت بصدمة:
"بابا.. الحق حازم طلع مغتصب بنت قبل ما يموت بيوم، والبوليس جه هنا وسأل عليه.."
أجابها ناجي بتسلية:
"وإيه كمان؟"
اندهشت من تقبله للأمر، فقالت باستفهام:
"انت كنت عارف حاجة زي دي؟"
"أبوكي مفيش حاجة ميعرفهاش. المهم، قوليلي متعرفيش هيتصرفوا إزاي؟"
أجابته شيرين بغضب:
"والله معرفش. أنا سمعت إن سالم راح يقابل أهل البنت، وأكيد هيعرض عليهم فلوس."
قهقه ناجي بشر وقال باستمتاع:
"حلو أوي كده، الصنارة غمزت. خليهم يتلهوا في العظمة شوية لحد ما أبعتلهم القاضية.."
***
كانت تنتفض إثر تلك الصفعة التي تلقتها وجنتها الرقيقة، التي انطبعت فوقها أصابعه الخشنة، فجرحت جلدها الرقيق. فأخذت ترتجف رعبًا وهي تقول بتلعثم:
"إني.. معملتش.. حاجة."
صاح بها بقلب يرتجف ألمًا زاد من حدة غضبه، فدفعها بعنف على الأرض الصلبة، حول شهقات الجميع حوله، وصاح بها غاضبًا:
"وكمان ليكي عين تتكلمي يا خاطية…"
أنهى كلماته وقام بإخراج سلسالها وإلقائه بوجهها وهو يقول باشمئزاز:
"تخصك دي، مش أكده؟"
التقطتها بيد متلهفة وهي تقول:
"أيوه.. دي سلسلتي وضاعت مني امبارح…"
"قصدك وجعت منك.. وأنتِ منتيش دريانة. أقولك وجعت فين ولا افتكرتي؟"
هكذا تحدث بلهجة تقطر ألمًا، وصدر يعلو ويهبط بفعل النيران المندلعة به. فهالها مظهره وحديثه، فقالت بذعر:
"لأ، مفكرانيش. إني روحت امبارح ملجتهاش في رجبتي.. معرفش وجعت فين؟"
صاح بنبرة متألمة ولكن خافتة:
"أقولك إني.. لجينها جار الزريبة المهجورة.."
فجأة برقت عينيها حين جاء على ذكر ذلك المكان الذي شاهدت به تلك الواقعة المشينة، ولكن مهلًا، ماذا ظن بها؟ هل يظن أنها هي من كانت؟؟
"في إيه يا ولدي؟"
هكذا تحدثت تهاني بصدمة مما تراه، وجاء خلفها صوت عبد الحميد، الذي قال بفظاظة:
"هتعمل إيه يا عمار؟ أنت اجنيت ولا إيه؟"
"بايني أكده.."
هكذا تحدث وهو يطحن ضروسه ألمًا، فصاح به جده:
"احكيلي حصل إيه؟ بتضرب البت دي ليه؟"
وقع سؤال جده على مسامعه كسوط جلد قلبه، الذي لم يتحمل مرارة النطق بما حدث، وخاصة حين أخذت تهز برأسها يمينًا ويسارًا، وعينيها تتوسله، وقد ظن بأنها تتوسل لألا يفضح ما حدث، ولكنها كانت تتوسله ألا يظلمها. وعبراتها منهمرة ك
رواية بين غياهب الاقدار "في قبضةالاقدار الجزء الثاني" الفصل الثامن عشر 18 - بقلم نورهان العشري
"البت دي لازمن تموت…"
تعالت الشهقات و الصيحات من حوله، وترددت عبارات المنع من جده و تهاني، ولكن بدا التصميم جليًا في عينيه، مما جعلها تتأكد أنها هالكة لا محالة. فأغمضت عينيها بقهر، انبثق منها على هيئة عبرات تزامنًا من انطلاق الرصاصة من فوهة سلاحه، لتصيب رأسها. وبعد أن استعدت للموت، ودوي صوت الرصاص بقلبها، تفاجأت بأنها مازالت على قيد الحياة.
فتحت عينيها ترفرف برموشها الكثيفة، وإذا بها تصطدم ببركة من الدماء السابحة بمقلتيه، وبجانبه ياسين الذي تدخل في اللحظة الحاسمة ليرفع فوهة سلاحه إلى الأعلى، فاخترقت رصاصته سقف الغرفة بدلًا من رأسها.
"إيه يا عمار، أنت اتجننت ولا إيه؟"
هكذا صرخ ياسين على عمار، الذي كانت عيناه معلقة على تلك التي كانت ترتجف بشدة، وعيناها تتوسل نافيه تلك التهمة البشعة التي ألصقت بها عنوة، ولُطخت بها ثوب روحها الطاهرة.
فتعالت شهقاتها حين سمعته يقول بقهر غلفه الغضب: "سيبني يا ياسين. الموضوع ده أنت ملكش صالح بيه."
"صالح إيه وزفت إيه؟ عايزني أسيبك ترتكب جريمة زي دي وأسكت؟"
هرولت تهاني إلى تلك التي كانت كل خلية بها ترتجف خوفًا وألمًا وقهرًا، خرج من بين طيات صوتها المعذب حين قالت: "حرام عليك.. أنا معملتش حاجة عفشة. أنت اللي ظالم، ومفتري."
لا تعلم كيف واتتها الجرأة لنطق تلك الكلمات التي جعلت عينيه تبرقان من شدة الغضب، فقام بدفع ياسين وهو يصيح بزئير: "بعد يا ياسين، هقطع لسانها.."
لم يطعه ياسين، وصرخ به عبد الحميد معنفًا: "وجف عندك. وحالا دلوقت تخبرني حوصول إيه، وإلا تصرفي مش هيعجبك."
تفرقت نظراته بينها وبين جده وجميع الموجودين، ومن بينهم حلا، التي كانت تناظره ببغض كبير، وتشفق على تلك الملقاة كالشاة بأرضية الغرفة، تحترق قهرًا ووجعًا. فإذا به يصرخ بانفعال في وجه الخدم المحيطين بهم: "بره. اخرجوا كلكم بره. مش عايز أشوف حد في الدار واصل."
طاوعه الخدم، وهرول الجميع إلى الخارج، بينما طالعته الأعين بفضول كان مقيتًا بالنسبة له، والأكثر من ذلك هو عدم قدرته على الحديث أو إخبارهم شيئًا.
"هنستنى كتير على ما تفكر تحكي اللي حوصول؟"
هكذا تحدث عبد الحميد، موجها حديثه إلى عمار، الذي ضاق ذرعًا بما يحدث، فقد تشكلت غصة صدئة بداخل حلقه تمنعه من الحديث. فقام بالصراخ على مسعود، الذي أتى مهرولًا، فصاح به: "هاتلي الكلب اللي اسمه مرعي هنا حالا."
"أوامرك يا كبير."
وبالفعل، ما هي إلا دقائق حتى جاء مسعود برفقة مرعي، الذي ارتعب ما أن رأى تجمهر الجميع. ولكن حانت منه نظرة شامته على تلك الملقاة على أرض الغرفة، ترتجف بأحضان تهاني.
"احكي يا مسعود شفت إيه بعد الفرح امبارح."
"كنت بنام زي كل ليلة، وشفت مرعي خارج من الزريبة المهجورة، ولامؤاخذة يده بيد واحدة. ولما دخلت الزريبة، لقيت سلسلة نجمة واجعا جنب السور. جبتها وجيت طوالي. قلت لعمار بيه."
شهقات متفرقة خرجت من أفواههن، فصرخت نجمة بقهر: "انت شفتني بعينك يا ضلالي؟"
مسعود بصدق: "لأ.. بس دي سلسلتك صح؟ وإني بعيني شايفك وأنتِ لبساها."
هنا تحدث عبد الحميد بوقار: "فين السلسلة دي؟"
على مضض، تقدم عمار وأعطاه إياها، فتحدث موجهًا سؤاله إلى نجمة: "السلسلة دي بتاعتك يا بت أنتِ؟"
نجمة بخفوت: "أيوااا.. بس والله العظيم يا سعادة البيه ما كنت أنا."
صاح بها عمار بغضب جحيمي رج جدران المكان حولهم: "ولما مش أنتِ، إيه اللي وداها هناك ووجعها ورا السور؟"
شهقات متتالية خرجت من جوفها قبل أن تجيبه بنبرة جريحة: "إني.. إني.. خلصت كل شغلي.. وكنت راجعة دارنا.. وأني ماشية.. جار الزريبة المهجورة.. سمعت صوت جاي من هناك. جولت أبص أشوف فيه إيه.. وحطيت جالبين طوب.. ووقفت عليهم أشوف.. وووو.."
أخفضت رأسها خجلًا، غير قادرة على إكمال حديثها. فحثها ياسين على الحديث: "كملي يا نجمة شوفتي إيه؟"
أخفضت رأسها وهي تكمل: "شفت الغفير مرعي.. في وضع.. يعني.. وضع.. عفش.. مع بنته.. وفجأة جوالب الطوب اتحركت من تحتي وكنت هجع.. ولما حسيت بيه طالع يشوف مين، جريت استخبيت.. لا يشوفني.. ولما روحت البيت ملجيتش السلسلة في صدري… ومعرفش وجعت مني فين… والله العظيم ده اللي حوصول."
توقف لثوانٍ حين التفتت تناظره وهي تقسم بأن هذا ما حدث. ولدهشته، وجد شعورًا قويًا يتسلل إلى داخله بأنها تقول الصدق. ولكن جاء صوت مرعي، الذي صاح نافيًا حديثها بخسة: "متصدقهاش يا عمار بيه.. ده هي اللي كانت معايا وبتجول الكلام دا.. عشان تلبسني التهمة وتنفع هي منها…"
"اخرس ياد أنت.."
هكذا تحدث عبد الحميد، وهو يعاود أنظاره إلى نجمة، التي صرخت بقهر: "أتجي الله يا ظالم. أنت مش عندك ولايا تخاف عليهم؟"
"اخرسي يا بت.."
صاح بها عبد الحميد هي الأخرى، وضمن لثوانٍ قبل أن يضيف: "الموضوع ده مش هيعدي بالساهل، ده شرف. وعشان كده هنجيب الحكيمة تكشف عليكِ. لو فعلا أنتِ شريفة زي ما بتجولي هيبان، ووجهتها حقك عندي.. ولو كنتي خاطئة زي ما بيقول، هدَفنك حية."
كان الأمر برمته مهينًا، ولكن حتى لو كان طريق الحقيقة أشواكًا ستغرز بكرامتها وكبريائها، ستخطو به وتتجرع مرارة الألم في سبيل إثبات براءتها. أومأت بقهر وهي تخفض عينيها، قائلة بصوت يخلو من الحياة: "وأني موافقة…"
"كل واحد على شغله.. يلا.. وأنت يا مسعود اجري جيب الحكيمة على هنا.. وحسك عينك مخلوق يعرف حاجة من اللي حصلت دي، فاهم ولا لأ؟"
"فاهم يا حاچ عبد الحميد…"
بدأت جيوش الندم تغزو قلبه، وهو يناظر قهرها ورجفة جسدها الذي كان ينتفض بصمت، بينما انسابت عبراتها تحفر وديانًا من الوجع فوق خديها. ولأول مرة بحياته، يشعر بهذا الشعور المقيت بالألم يجتاح فؤاده، والذي لم يتحمله، فتوجه إلى الخارج. وحين مر بها، سمع صوتها المبحوح من فرط الألم: "بيني وبينك ربنا، هأقف قدامه يوم القيامة، وهشتكيله ظلمك وجبروتك."
انغرست أسهم حديثها المشتعلة بمنتصف قلبه، الذي ارتج من فرط الصدمة والألم معًا. فالتفت يناظرها، فهاله مظهرها وعينيها التي سددت إليه نظرات مشبعة بالكراهية، فكان لهذا وقعًا قويًا على قلبه، مضيفًا إلى ألمه ألمًا جديدًا، ولكن من نوع خاص لم يتخيله أو يختبره طوال حياته…
لم يتحمل ما يحدث، وخرج مهرولًا بأقدام هاربة من ألم ظن أنه باستطاعته الهرب منه، ولكنه أي هرب من ألم يستوطن أعماق الروح..
كان كل هذا يحدث أمام حلا، التي تفرقت نظراتها ما بين ياسين ونجمة، وكأنها تخبره أي أناس هم؟ ومن ثم تجاهلته، وتوجهت إلى تلك المسكينة تحتضنها دون حديث. ولدهشته، وجد عبراتها تنهمر بغزارة على وجنتيها، بينما كانت شفتيها ترتجف بقوة، وكأنها تحاول منع شهقاتها من الخروج علنًا.
فتحدثت تهاني بلطف: "خديها عندك فوق يا بتي لحد ما الحكيمة تيجي. دي بت غلبانة، وإني متأكدة أنها مظلومة."
أومأت حلا بصمت، وقامت بمساعدة نجمة في الحركة، وتوجهت إلى الأعلى في صمت ينافي حديث الأعين الذي تساقط على وجنتيها…
***
بأقدام مثقلة بالخيبات، وقلب يتضرع إلى خالقه أن ينجح في مسعاه، توجه إلى داخل المشفى قاصدًا غرفة تلك الفتاة التي لا يعرف من أين ألقى بها القدر في طريقهم. وما الذي يخفيه لها ولهم؟
توقف أمام الرواق، وعيناه تبحث عن رقم الغرفة المنشودة، والتي كانت تجلس أمامه سيدة في العقد الرابع من عمرها، وبجانبها زوجها الذي بدا كهلًا رغم أنه لم يبلغ العقد الخامس بعد، ولكنها الخيبة وعواقب الخزي الذي لحق بهم.
"السلام عليكم."
هكذا ألقى السلام عليهم، قبل أن يتابع بخشونة: "دي أوضة لبنى محمد عبد العزيز؟"
أومأ الرجل، فتدخلت المرأة بقلق: "مين حضرتك؟"
تشابهت عينيه ونبرته حين قال بجمود: "سالم الوزان.. أخو حازم."
قال الأخيرة بنبرة أهدأ، ملحقة بخيبة أخفاها داخل قلبه، وكما توقع، فقد انفعلت السيدة وصاحت بانهيار: "انت أخو الشيطان اللي ضيع حياة بنتي، ودمر مستقبلها…"
تدخل الرجل في محاولة لتهدئة زوجته: "اهدي يا رضا.. الراجل ملوش ذنب. بعدين وطي صوتك، البنت تسمعك وهي مش متحملة…"
تحدث سالم بنبرة هادئة تنافي غضبه المتقد بداخله: "سيبها تقول اللي نفسها فيه. هي عندها حق، ولو قالت أكتر من كده، أنا عاذرها…"
التفت إليه الرجل وهو يقول بجفاء: "حضرتك جاي لنا ليه؟ إحنا بينا وبينكم الحكومة، وأنا اشتكيت على أخوك، وهجيب حق بنتي حتى لو حصل إيه؟"
ابتلع غصة صدئة تشكلت في حلقه، قبل أن يجيب بخشونة: "جيت عشان أجيب لك حق بنتك بنفسي.. لأن لو عملت إيه، مش هتعرف تجيبه."
لون الغضب تقاسيم الرجل، وصاحت زوجته: "انت جاي تهددنا؟ ليك عين يا ظالم؟"
زفر الهواء المكبوت بصدره دفعة واحدة، قبل أن يقول بتحذير: "أنا مبهددش ولا حاجة. ومبهددش كلامي للحريم."
زحف الندم إلى قلبه حين احتد في حديثه، فتابع بلهجة أهدأ: "وعشان ننهي جدال عقيم مالوش لازمة.. أنا جيلكم النهاردة عشان حازم أخويا توفى بعد حادثة بنتكم بيوم واحد.."
شهقة قوية شقت جوفها حين سمعت حديثه، بينما ارتسمت معالم الصدمة على زوجها الذي قال: "انت بتقول إيه؟"
لم يجبه، إنما أخرج شهادة وفاة شقيقه وأعطاها له. فالتقطها الرجل بيد مرتعشة لقراءة الحروف المدونة بها، والتي أثبتت أن هذا الشيطان قد رحل. فسقط على الكرسي خلفه بأكتاف متهدلة، وملامح لونتها الخيبة التي تساقطت من بين حروفه، حين قال: "يعني البنت ضاع مستقبلها. وحتى حقها مش هنعرف نجيبه.. فوضت أمري ليك يا رب."
اقتربت منه زوجته تحتضنه وهي تقول بألم: "حسبي الله ونعم الوكيل. متعملش في نفسك كده، إحنا ملناش غيرك…"
ود لو يعتذر ألف مرة على تلك الفاجعة التي ضربت حياتهم، والتي للأسف كان السبب بها هو شقيقه.
"أنا عارف يا أستاذ محمد، إن أي حاجة هعملها مش هتمحي أبداً الكارثة اللي حصلت. لكن أنا تحت أمرك في أي حاجة. شوف إيه اللي يرضيك وأنا معاك فيه."
التفتت الأعين تناظره بيأس، تجلى في نبرته حين قال: "هتعمل إيه؟ هتقدر ترجع شرف بنتي اللي ضاع؟ ولا ترفع راسنا قدام الخلق بعد اللي حصل؟ هتقدر تخلي المجتمع يحترمها ويتعامل معاها على أنها ضحية مش مذنب؟ هتقدر تعمل إيه يا بيه؟ العمل عمل ربنا."
كانت كلمات الرجل كشاحنة ثقيلة دهست على قلبه المشبع بمرارة الذنب الذي لم يعد يتحمله، فاحتدت نبرته وهو يقول: "يولع المجتمع اللي هيعاقب طفلة بريئة على ذنب ملهاش يد فيه. أنا مش هنا عشان الناس. أنا هنا عشان البنت اللي جوه دي، وزي ما قولتلك مستعد أعمل أي حاجة عشان خاطرها."
"يبقى تكتب عليها."
هكذا خرج صوت رضا، والدة لبنى، التي كانت تناظره بغضب وحرقة. وأصابتها كلمته في الصميم. فبالرغم من أنه كان يتوقع ذلك، إلا أنه غضب بشدة من عرضها الأمر بتلك الطريقة، فأجابها بخشونة: "انت شايفه إن الحل ده في مصلحة بنتك؟"
"طبعًا.. على الأقل هتقدر ترفع راسها بين الناس بعد كده."
هكذا أجابته، فتصاعدت أبخرة النيران المندلعة بقلبه، وتحدث قائلاً بفظاظة: "بردو كل تفكيرك في الناس؟ يا مدام أهم حاجة ابنتك. فكري فيها وفي مصلحتها قبل ما تفكري في أي حد."
"انت جاي عشان تعجزنا؟ نفكر في إيه؟ هو ده الحل الوحيد للكارثة دي؟"
"الحل إنك تجوزيها واحد قد أبوها. عشان تنقذي سمعتك وترفعي راسك وسط الناس؟"
كان حديثه حادًا يشبه ملامحه، مما جعل الزوجين ينظران إلى بعضهما بخجل. فتابع بفظاظة: "لبنى عندها سبعتاشر سنة، وأنا عندي أربعين. بيني وبينها ٢٣ سنة. يعني لو كنت اتجوزت بدري شوية كان زمان عندي قدها.. اللي انتوا بتفكروا فيه ده جريمة أكبر من جريمة اغتصابها."
أحنى الرجل رأسه بقلة حيلة، تجلت في نبرته حين قال: "والله ما بقيت عارف أفكر. إيه العمل طيب؟"
أشفق على مظهره كثيرًا، ولكن لم يظهر ذلك، بل تابع بجفاء: "أنا هتبنى لبنى."
ارتفعت الرؤوس تناظره بصدمة، تجاهلها وأردف بلهجة لا تقبل الجدال: "لبنى من النهاردة بنتي. هتكفل بعلاجها وتعليمها وكل حاجة تخصها لحد ما أسلمها بإيدي لجوزها."
برقت الأعين وهي تناظره، فحديثه كان كالقنبلة الموقوتة التي لم يكن يتوقعها أحد. فتابع بخشونة: "ومش لبنى بس. لبنى وإخواتها. ولو المكان اللي انتوا فيه الناس بتضايقكم بسبب اللي حصل. اختاروا أي مكان تحبوا تكونوا موجودين فيه، وأنا تحت أمركم."
"انت ليه بتعمل كده؟ يعني أخوك مات، وإحنا مش في إيدينا حاجة نعملها. ليه تعرض عرض زي ده وتلزم نفسك كده؟"
هكذا استفهمت رضا، التي لم تكن تتخيل عرضه أبدًا، والذي جعل الشك يتسلل إلى قلبها. وقد شعر هو بذلك، فقال بفظاظة: "كل راعٍ مسؤول عن رعيته، وحازم الله يرحمه كان مسؤول مني. حتى لو هو مبقاش موجود، فأنا موجود، وواجبي عليا أرد الحقوق لأصحابها."
كانت إجابة لم تتوقعها من رجل تبلورت به كل مظاهر الشهامة والرجولة، فخرجت كلماتها صادقة حين قالت: "انت إنسان محترم. واللي زيك قليلين. أنا مش عارفة أقولك إيه؟"
تجاهل ثناءها وقال بخشونة: "مش محتاجة تقولي حاجة. وزي ما قولتلك ده واجبي."
تحدث الرجل باعتذار: "ربنا يكتر من أمثالك. ويجازيك خير."
أومأ برأسه وقال بعملية: "حساب المستشفى مدفوع وزيادة. والكارت ده فيه رقمي الخاص. أول ما تشد حيلها كلموني عشان ننسق مع بعض هنعمل إيه."
أخذت منه رضا الكارت الصغير وهي تومئ برأسها، فتابع مؤكدًا على حديثه: "متشيلوش هم حاجة أبدًا. من اللحظة دي لبنى بقت بنتي زيي زيكم. وأنا اطمنت على حالتها الصحية من الدكتور، وهو هيعين دكتورة نفسية تساعدها إنها تخرج من الحالة اللي هي فيها."
كان أكثر ما يمكن فعله لإنقاذ حطام السفينة التي ضربتها صاعقة قوية مباغتة، فأراد لملمة شتاتها وترميم صدوعها، وقد نوى أن يفعل ذلك كما يجب أن يكون، حتى ولو كان هذا آخر ما سيقوم به طوال حياته…
***
"سيد الحبايب يا ضنايا أنت.. يا كل أملي ومنايا أنت.. يا أحلى غنوة في دنيا حلوة. يا أحلى غنوة في دنيا حلوة.. غنت وقالت معايا أنت.. سيد الحبايب يا ضنايا أنت."
كانت تلك كلمات الأغنية التي أخذ صوتها العذب يشدو بها، وهي تحمل طفلها الجميل وتداعبه بكل ما أوتيت من حنان سُكب فوق قلبها، الذي بالرغم من كل ما تعرضت له، ما زال نقيًا بريئًا قادرًا على الحب.. الحب الذي كان أقل وصف يمكن أن يوصف به شعوره نحوها، وهو يراها تحمل رضيعها بكل هذا الحنان الذي كان ينبعث من صوتها الرائع، الذي يشبه كثيرًا ملامحها الجميلة، التي يقع بعشقها كل مرة تقع عيناه عليها.
"يا بختك يا محمود.."
هكذا صدح صوته الخافت من خلفها، فتجمدت بمكانها، فقد كان قريبًا منها لدرجة أن أنفاسه الساخنة دغدغت عنقها الأبيَض. فابتلعت ريقها بصعوبة، وحاولت الثبات بقدر الإمكان، حين التفتت تناظره، فأسرتها عيناه العاشقة للحد الذي جعلها غير قادرة على الحديث.
فأردف هو بخفوت: "مكنتش أعرف إن صوتك حلو أوي كده."
تنبهت لحديثه وتحديقها به، فتحمحمت بخفوت، قبل أن تعيد أنظارها إلى طفلها، وهي تقول بتوتر: "ولا حلو ولا حاجة. عادي يعني."
تابع شن هجومه العاطفي على مشاعرها، حين أجابها بلهجة خطرة: "لأ طبعًا مش عادي… بس تعرفي إنه لايق عليكِ أوي."
ارتفعت نظراتها تطالعه باستفهام، فأردف بخفوت: "يعني الملامح دي أكيد لازم يبقى صوتها بالرقة والجمال ده."
رجفة قوية ضربت جسدها من غزله الصريح، فبللت حلقها، قبل أن تقول بمراوغة: "مش ملاحظ إنك بتبالغ شوية.. وبتجامل شويتين."
ابتسم قبل أن يجيبها مازحًا: "يكون في علمك أنا أكتر حد في الدنيا مبيعرفش يجامل.. اللي في قلبي بقوله."
لونت السخرية ملامحها، قبل أن تقول بتهكم: "آه طبعًا مصدقاك. أنا أكتر واحدة جربت."
وصل إلى نقطة لا يريدها، لكنه سيستغلها لأجل القضاء على بثور الماضي. فانتظر حتى وضعت محمود في مهدِه، ثم تناول كفها، يديرها إليه، وهو يقول بخشونة: "لسه منستيش؟"
"أكذب لو قلت لأ.."
باغتها حين صرح قائلاً: "طب ولو قلت آسف؟"
كان صريحًا وجريئًا لدرجة تخيفها، ولهذا حاولت التملص من بين يديه التي أحكمت الطوق عليها. وتابع بصوته الذي كان يحرقها من الداخل: "طب بلاش أسف. خليها بحبك…"
ارتج قلبها حين خرجت تلك الكلمة من بين شفتيه. كان لها وقعًا ساحرًا على مسامعها وروحها، التي بدأت بالالتئام رويدًا رويدًا. ولكن الماضي.. وآه من الماضي وظلمته، التي كلما تسرب النور إلى قلبها، حاصرها ماضيها وأغرقها في ظلام الذنب أكثر. فهي في تلك اللحظة تريد أن ترمي بنفسها بين ذراعيه تنشد السلام، ولكنها خائفة.. تخشى مواجهته بتلك الرسالة التي تحمل صورًا من ماضٍ قد يعلمه، ولكن أن يراها أمام عينيه، هذا ما لا تستطيع المجازفة به.
أن يراها بجانب شقيقه كان أمرًا مريعًا، فهي تعلم كم دماؤه حارة وغيرته قاسية. تخشى أن يكرهها أو يتولد بداخله شعور بالرفض تجاهها. ولذلك ابتلعت غصة الصمت، وأخفضت رأسها تخفي صراعها المرير بين كونها لن تعد تريد إخفاء شيء بقلبها، وبين خوفها من أن يرفضها قلبه.
فشعر هو بمعاناتها، فامتدت يده تحوطها بحنان، تجلى في نبرته حين قال: "الصراع اللي في عينيكِ ده آخره إيه؟"
"مش عارفة.."
هكذا أجابته، وهي تستند برأسها فوق صدره النابض بعشقها. فتابع بنبرة هادئة: "كتير عليكِ تتحمليه لوحدك. خليني أشيل عنك. إحنا اتفقنا إننا قبل أي حاجة أصحاب."
رفعت رأسها تناظره، علها تجد بنظراته شيئًا آخر غير الحنان.. أي شيء يمكن أن يردعها من أن تخبره. ولكن كانت عينيه منبعًا للأمان الذي تريده. ف تراجعت للخلف، وتوجهت إلى المنضدة، تمسك بهاتفها وتضيئه، متوجهة إليه، وهي تقول بنبرة جريحة: "في حاجة لازم تشوفيها.. يمكن تغير رأيك في حاجات كتير. بس.. معدش عندي استعداد أخبي حاجة. تعبت من العيشة في خوف وقلق."
أنهت كلماتها التي كانت صادمة له، وقامت بوضع الهاتف في وجهه. فبرقت عيناه من شدة الصدمة حين وجدها في الصورة بجانب أخيه الراحل.. لم تكن في وضع مشين أو يبعث على الريبة، ولكن القلب وغيرته وجنونه عشقه الذي أضرم النيران في نظراته، وجعل لهجته تحتدم قليلاً، وهو يقول: "الصورة دي كانت فين وإمتى؟"
بصدق، قررت أن تتخذه مذهبًا طوال حياتها. أخبرته: "يوم لما قرر إنه يبدأ علاج.. وافقت لما قعد يترجاني عشان نوثق اللحظة دي…"
بلمح البصر، وجدت الهاتف يُلقى في الحائط فتحطم إلى أشلاء، مما جعلها تتراجع للخلف بذعر. ازداد حين وجدته يقترب منها، قائلاً بلهجة خشنة: "آخر مرة هنتكلم في الموضوع ده. انسى. انسى حازم بكل اللي حصل معاه. أو إوعي تفتكريه حتى بينك وبين نفسك. اعتبريه كابوس بشع صحيتي منه للأبد. مفهوم كلامي؟"
كلماته كانت واضحة، ولكن معانيها غامضة. لا تعلم هل كان غاضبًا منها أو يغار عليها. لا تعلم شيئًا، ولم تكن تملك الجرأة لتسأله. فظلت على صمتها، ولكنها تفاجأت حين وجدته يحتضنها بقوة أذابت عظامها، خاصةً حين قال بلهجة مبحوحة من فرط ما يعتمل بداخله: "أنتِ مراتي.. حبيبتي.. انسى أي حاجة تانية في الدنيا. لو في قلبك أي ذرة مشاعر تجاهي، اعملي اللي بقولك عليه…"
من بين انغماسها في روعة شعورها وهي بين أحضانه حصنه المنيع، أجابته: "حاضر.."
شدد من احتضانها، قبل أن يقول بلهجة خشنة: "من بكرة هجبلك تليفون أحسن من ده ألف مرة. وأي حاجة تحصل زي دي تعرفيني…"
"حاضر…."
كان انسيابها هكذا بين يديه مثيرًا بحق، وخاصةً أن تكون مطيعة هكذا. وما أن أوشك على الاقتراب من وجهها، حتى صدح صوت بكاء محمود، الذي أخرجهم من لجة مشاعرهم الجارفة، ف تلقفته جنة بيد متلهفة، بينما هو توجه إلى الخارج، ملتقطًا هاتفه، يجري مكالمة هاتفية. وما أن أجابه سالم، حتى قال حانقًا: "سالم. اللي حصل في الملحق ده بفعل فاعل…"
***
كانت تجلس على المقعد تمسك كوب الليمون بيد، وبالأخرى تجفف عبراتها التي لا تتوقف عن السقوط، رفضًا لهذا الظلم الواقع عليها. فاقتربت منها حلا قائلة برفق: "ممكن تهدي شوية. كل حاجة هتتحل إن شاء الله."
لم تجبها، إنما أومأت برأسها بصمت، سرعان ما تبدد حين سمعت الطرق على الباب، الذي انفتح واطلت منه تهاني، وخلفها الطبيبة. فعلت دقات قلبها، الذي شعرت به يتمزق من الداخل، وهي تخضع لذلك الاختبار العنيف، ولكنه أقصر الطرق وأصعبها لإثبات براءتها.
"قومي يا بتي. معلش. إني خابرة زين إنك مظلومة، بس لازم نقطعوا الشك باليقين."
تسابقت العبرات في الانهمار على وجنتيها، وأخذ جسدها يرتجف بعنف، وتعالت شهقاتها. وبالكاد استطاعت أن تتحرك في طريقها إلى السرير. فلم تحتمل حلا ما يحدث من قهر وظلم، وهرولت إلى الخارج. فلن تتحمل أن تشهد واقعة كتلك. وأثناء مغادرتها بتلك الطريقة، اصطدمت بياسين، الذي سقط قلبه رعبًا عليها، حين شاهد مظهرها المبعثر وانهيارها بهذا الشكل. ف حاوطها بذراعيه، وهو يقول بلهفة: "حصل إيه يا حلا؟ مالك؟"
تعلقت نظراتها به، دون أن تكون لها القدرة على الحديث. فأخذت تشهق بقوة، وانهمرت عبراتها كالمطر. فقام بغرسها بين أحضانه بقوة، وهو يقول بحنان: "طب اهدي. اهدي وبطلي عياط، متقلقنيش.. حصل إيه لكل ده؟"
تمسكت بقميصه بقوة، وهي تنتحب بعنف، فقد كانت تبكي كل شيء، ألمها وغضبها منه، ومن نفسها، ومن تلك الواقعة المريعة. أرادت أن تبكي حتى تجف ينابيع عينيها، وقد كانت أحضانه الدافئة أكثر من مرحبة لاحتضان ثورة انهيارها..
بعد عدة دقائق، استطاعت أن تتغلب على ثورتها، وبدأت تتمالك نفسها قليلاً. ف تململت بين أحضانه، التي كانت ترفض ابتعادها، ولكنه اضطر أن يتركها على مضض. ولكن يديه ظلت ممسكة بكتفيها، وهو يقول بنبرة قلقة: "حصل إيه لكل ده؟"
خرجت الكلمات متلعثمة من بين شفاهها المرتجفة: "صعبان.. عليا.. البنت.. دي أوي.. منظرها.. يقطع القلب…"
برقت عيناه لثوانٍ وهو يناظرها. هل كل تلك العبرات لأجل فتاة لا تعرف عنها شيئًا؟ أين تلك المتعجرفة سليطة اللسان، التي لا يهمها أحد ولا تهتم لمشاعر الآخرين؟
"كل الدموع دي عشان الخدامة؟"
تراجعت عنه بغضب، تجلى في نبرتها حين قالت: "هي الخدامة دي مش بني آدمة زيها زينا؟"
"بني آدمة طبعًا. بس أنتِ متعرفيهاش عشان تتأثري بالشكل ده."
هكذا أجابها بهدوء، فتابعت بانفعال: "مش شرط إني أكون عارفاها عشان أتأثر بالموقف. أصعب حاجة في الدنيا هي الظلم."
لمعت عيناه بطريقة خاطفة. فهي على الرغم من تمردها وتعاليها، ولكنه تملك قلبًا رقيقًا من الداخل. فقط تحتاج لأن تحجم ذلك الاندفاع الذي يتملكها في الكثير من المواقف.
"كويس إنك عارفة.. الظلم وحش جدًا. بس اللي أوحش بقى إنه يكون من حد بنحبه…"
هكذا أجابها بلهجة تحمل عتبًا لا تفهمه. ولكن دقات قلبها التي تعالت بصخب، مما جعل الكلمات تخرج مهزوزة من بين شفتيها: "الظلم وحش أيًا كان مصدره. والأوحش إننا مندّيش الإنسان فرصة إنه يدافع عن نفسه."
"صح. أنا بصراحة مكنتش أعرف إنك حقانية أوي كده."
هكذا تحدث بهدوء، بينما عيناه كانت تطالعها بعبث، جعل الخجل يزحف إلى وجنتيها. ولكنها قد قطعت عهدًا على نفسها بألا تضعف أبدًا، لذا قالت بغرور: "وأنت تعرف إيه عني أصلًا عشان تحكم إذا كنت حقانية ولا لأ؟"
كان تحديها مثيرًا، كملامحها الفاتنة، التي لم تتأثر بحزنها. وقد كان عاشقًا، وليس على العاشق حرج.
اقترب منها خطوة واحدة، وعينيه تبحران فوق ملامحها بشغف، تجلى في نبرته وهو يقول: "يبقى نتعرف…"
عاندته بتكبر: "تؤ. مش عايزة أعرفك."
"بس أنا عايز…"
هكذا تحدث أمام شفتيها همسًا، جعل طبول الحرب تدق بقلبها. فواصلت تحديها له، إذ قالت: "مش بمزاجك."
واصل تقدمه نحوها، ف تراجعت للخلف بخوف حاولت إخفاءه، بينما كانت عينيها أسيرة لنظراته المغوية. وخاصة حين قال هامسًا: "بمزاجي. بمزاجك. مش هتفرق.. في الحالتين أنتِ خلاص بقيتي تحت رحمتي.."
خربش الخوف جوانب قلبها، وتجلى في نبرتها حين قالت: "تقصد إيه؟ أوعى تفكر إن هسكتلك لو فكرت تعمل حاجة تضايقني.."
واصل تقدمه منها، وقد أظلمت عينيه، وهي تناظرها بنظرات غامضة شملتها كليًا، لتتوقف أخيرًا عند شفتيها، التي ولدت بداخلها جوعًا قاتلًا. فخرج صوته أجشًا حين قال: "حلو ده. وريني هتعملي إيه؟?"
لم تكد تستوعب حديثه، تفاجئت بنفسها محموله بين ذراعيه، بيد، وبالأخرى قام بفتح باب الغرفة المجاورة وإغلاقه. لتجد نفسها مسنودة عليه بجسدها، الذي حوصر بين باب الغرفة وبين جسده. وما أن رفعت رأسها تناظره، حتى أسرها بين براثن عشقه الضاري لها، الذي أخذ يسكبه بقوة فوق ثغرها التوتي، الذي كان مذاقه رائعًا، فأخذ ينهل منه بلا هوادة..
غيبت العقول للحظات، كانت أكثر من رائعة، يكللها عشقًا خالصًا، صار ينثره برقة فوق قسمات وجهها، ويديه تحتويان جسدها بحنان لم تكن تتوقعه. ولكنه اخترق حدود قلبها، الذي أحرقه لهيب الصبوة، فلم يعد يستطيع المقاومة. فقضيتها خاسرة أمامه، فكل شيء بها يشدو بعشقه..
كانت مشاعره جامحة، على الرغم من أنه حاول التحكم بها قدر المستطاع حتى لا يؤذيها. ولكن أي إرادة قد تقف أمام طوفان العشق الضاري. فحين رفع رأسه يطالعها بعينين يغلفهما الشغف، تفاجأ من قطرات الدماء التي تتساقط من بين حبات التوت خاصتها. فامتدت أصابعه تزيلها برفق، تجلى في نبرتها حين قال: "بتوجعك؟"
كان صدرها يعلو ويهبط من فرط الشعور، الذي لم يكن صدرها يتحمله، فقد أوشك على الخروج من بين ضلوعها، تأثرًا بما حدث. مما جعل الكلمات تخرج مبحوحة من بين شفتيها المرتجفة: "ليه عملت كده؟"
فاجأها حين قال: "عشان سببين. أولهم اعتذار عن كلامي ليكِ امبارح.. عارف إني زودت العيار شوية. بس أنتِ استفزتيني.."
ترقرقت العبرات في مقلتيها، حين جاء على ذكر حديث البارحة. فتألم قلبه لألمها، وأردف بخشونة: "مكنتش أحب إن ده يحصل.. بس أنتِ وصلتينى لأقصى درجات الغضب."
حاولت كبح جماح عبراتها قدر الإمكان، حتى لا تظهر ضعفها. ولكن جاء صوتها المرتجف، يعكس مدى تأثرها، حين قالت: "والسبب التاني."
امتد كفه الأيمن يلامس خدها الأيسر، وهو يقول بنبرة رقيقة: "إنك حلوة أوي.. أول مرة أشوف حد اسم على مسمى كده."
نجح في إخماد حزنها بروعة كلماته، التي جعلت الخجل يزحف إلى وجنتيها، التي ازهرت ورود حمراء، أضافت جمالاً آخاذًا على ملامحها. وتلألأت عينيها حين تابع: "أنا عارف إنك مش وحشة. عيبك الوحيد إنك متسرعة. وأنتِ كمان لازم تبقي عارفة إن إني مش وحش. وكل اللي حصل ده له تفسيرات وتبريرات. مهم أوي إنك تعرفيها."
خطى بأنامله على جرح يتوسط قلبها، فخرجت كلماتها معذبة، حين قالت: "مفيش أي مبررات في الدنيا ممكن تمحي بشاعة اللي حصل.. الليلة اللي عشتها هنا في بيتكم وأنا مخطوفة كانت أشبه بالموت."
كلماتها كانت سوط جلد قلبه، الذي ارتج لحزنها، وخرج صوته متلهفًا: "والله ما كنت أعرف.. أنا اتفاجئت باللي حصل. أنا حتى مكنتش عارف إن جدي على علم بموضوع جنة.."
"بس كنت عارف بالتمثيلية الحقيرة اللي عملها جدك عليا. ده ابتزني عشان أوافق اتجوزك.. قالي لو خايفة على أخواتك توافقي."
انكمشت ملامحه بغضب، حاول قمعه، قبل أن يجيب: "عارف إنه كان صعب عليكِ. بس الناس هنا تفكيرهم غير تفكيرنا، وكانت دي الطريقة الوحيدة اللي هتنقذ شكل العيلة قدام الناس، وهترد كرامة جنة."
لونت الصدمة معالمها، وجاءت كلماتها مستنكرة: "و بالنسبة لكرامتي؟ مفرقتش معاكوا صح؟"
"لأ مش صح.. محدش جه جنب كرامتك، ولو قارنتي اللي حصل مع جنة واللي حصل معاكِ، هتعرفي إن اللي حصلك كان ولا حاجة جنب اللي حصلها."
هكذا أجابها بحدة، اخترقت جدران قلبها، الذي نزف ألمًا جراء حديثه. وقد ظنت بأنه يوافق على ما فعله جده، فهبت مستنكرة: "أنا ذنبي إيه؟ أتقارن بيها ليه؟ كل واحد يشيل شيلته. هي غلطت واتجوزت عرفي، أنا معملتش كده عشان أتعاقب."
خرج صوته غاضبًا، حين قال: "خلي بالك من كلامك يا حلا. وافتكري إن جنة مظلومة، والشيطان أخوكي هو السبب في كل ده."
كان محقًا، ولكن آلمها أن يحملها ما لا ذنب لها به. وأيضًا دفاعه عن ابنة عمه أمامها لامس أوتار غيرتها، التي جعلتها تدفعه بقوة من صدره، وهي تصيح غاضبة: "تمام أوي. خليك فاكر إني أخت الشيطان اللي أذى بنت عمك. وأوعى تفكر تقرب مني تاني."
قالت كلماتها بقلب ممزق وروح محترقة، ومن ثم هرولت إلى خارج الغرفة. وسرعان ما تجمدت خطواتها، حين رأت تهاني، التي كانت تقف بجانب عبد الحميد وتخبره شيئًا ما بجانب أذنيه، جعل ملامحه تتحول إلى غضب كبير، وهو يصيح بعنف: "عمااار…"
كان بغرفة مكتبه، ينهش بأقدامه أرض الغرفة من كثرة الذهاب والمجيء. بداخله وحوش تنهش ببعضها البعض، وهو واقع كالفريسة بينهم. ينظر إلى ساعته بين الفينة والأخرى، والتي كانت تلسعه عقاربها بكل ثانية تمر عليه. يتقاذفه الشعور من كل حدب وصوب، يتلظى في حيرة متقدة، ما بين إحساسه القوي بأنها مظلومة، وخوفه الضاري من أن تكون مذنبًا!
اخترق صوت جده أذنيه، مرورًا بقلبه، الذي كان يسبقه متلهفًا إلى الخارج. وبأنفاس مقطوعة، وصل إلى أسفل الدرج، فصاح به عبد الحميد: "هاتلي الكلب اللي اسمه مرعي ده وجهزلي الساحة الكبيرة. لازم يبكي عبرة لكل اللي يفكر يظلم وليه تاني."
كان كمن سقط بقوة من ارتفاع شاهق، يتوقع أن يصطدم بالأرض في أي وقت، فيتحطم متحولًا إلى أشلاء. وفجأة، إذا بيد خفية تمسكه بقوة، مانعة سقوطه.
أطلق زفرة قوية من جوفه، الذي هدأت نيرانه، واستطاع أن يتنفس بحرية من جديد. فنيرانه الآن تحولت من مؤلمة إلى أخرى، يعززها الانتقام الذي يسري في أوردته. فتوجه إلى الخارج، وقام بتوجيه ركلة قوية إلى بطن مرعي، الذي كان يقف مرتجفًا، مما أوقعه بنفسه به. فإذا به يتفاجأ بذلك الذي أنهال عليه ضربًا مبرحًا، وكأنه يخرج كل ما بجوفه من ندم وغضب وألم…
وبأمر من عبد الحميد، قام الغفر بتخليص مرعي من يد ذلك الثور الهائج، وقاموا بجره وصلبه على إحدى الأشجار التي تتوسط ساحة المنزل الكبيرة. وقد تجمهر الناس بأعين يأكلها الفضول، لمعرفة ماذا حدث. فوقف عبد الحميد في منتصف الساحة، يحاوطه حفيداه، بينما تولى هو مهمة الحديث، إذ قال بوقار ونبرة قوية: "الكلب ده اتجرأ ورفع عينه في بت من بناتنا، وعشان كده لازمن ياخد جزاءه ويبكي عبرة. وده أول عذاب (عقاب) بعد كده.. اللي هيغلط هيندفن حي."
أنهى كلماته، وألقى نظرة ذات مغزى على عمار، الذي كان يمسك بالسوط بيده، ويتوجه إلى حيث مرعي، الذي كان ينتحب مثل النساء، وخاصة حين شاهد ذلك الذي كان يعض شفتيه باستمتاع، وعينيه تطلق سهام الشر، الذي كان يغذيه بقوة، تجلت في ضرباته المريعة، التي تلقاها ظهر مرعي، الذي تعالت صرخاته. فلم يشفق عليه أحد. وأخذ عمار يضربه حتى خارت قواه وسقط مغشيًا عليه، فصرخ في أحد الغفر: "ودي الكلب ده للحكيم يعالجه. عشان ياخد باقي عذابه."
"حاضر يا كبير.."
أنهى عمار جملته، تزامنًا مع وصول سيارة صفوت، خلفها عدة سيارات كانت تحمل صباحية العروس، التي تكفل هو بها، نظرًا لزواج الأخوين في نفس التوقيت، وبعد المسافة بين البلدين.
ترجل من السيارة ينظر بذهول لما يحدث، فتقدم تجاه عمار قائلاً باستفهام: "إيه يا عمار؟ إيه اللي بيحصل هنا؟"
عمار بجفاء: "ده واد خاين وخد جزاءه.. متشغلش بالك."
عنفه صفوت قائلاً: "انت هنستهبل يا عمار.. انت ناسي إن في حكومة ولا إيه؟"
تدخل عبد الحميد، الذي أقبل وبجانبه ياسين، للترحيب بصفوت: "لأ طبعًا منقدرش ننسى يا صفوت بيه. بس أصل الموضوع حساس شوية. مينفعش نتكلموا فيه هنا.. اتفضل جوه."
أطاعه صفوت بصمت إلى الداخل، فوجد النساء اللاتي كن يتابعن ما يحدث في الخارج من الشرفة، وكان من بينهن حلا، التي اندفعت إلى أحضان صفوت، وكأنه زورق النجاة بين هؤلاء البشر.
"عمو صفوت.."
"صباحية مباركة يا عروسة.."
عانقه صفوت بحب، بينما عيناه التقطت تلك الفتاة المبعثرة، التي تقف خلفها مباشرة، تحني رأسها، فشعر بوخز في قلبه على مظهرها.
"الله يبارك في حضرتك.."
"عايزين فنّانين قهوة من يد عروستنا الحلوة. على ما نقولوا الكلمتين أنا وصفوت باشا.."
هكذا تحدث عبد الحميد، موجهاً حديثه لحلا، التي لم تكن تطيق النظر إلى وجهه، ولكنها وافقت على مضض. فتوجهت إلى المطبخ، ليجد نفسه وجهًا لوجه معها.
فاقترب خطوتين، يقف أمامها بعقل فارغ من أي حديث يمكن أن يمحو بشاعة ما حدث، بينما ضميره كان يواصل هجومه الضاري نحوه، معززًا شعور الذنب الذي يقرضه من الداخل. ولكنه تجاهل ذلك، وقال بنبرة خشنة: "جبتلك حقك من الكلب اللي ظلمك، وخلّيته عبرة للناس كلها."
رفعت عينيها، التي كانت كبركة من الدماء، التي ما كانت إلا نزيف روحها، التي اهترئت بفعل اتهامه القاسي والمشين نحوها. فخرج صوتها متحشرجًا، يحمل راية الاتهام: "وحقي منك؟ مين هيجيبه؟"
اخترقت كلماتها قلبه، الذي كان يخشى من هذا الاستفهام كثيراً، ولا يجد له إجابة. لذا حاول المراوغة، حين قال: "حق إيه؟ إني معذور. أي حد مكاني كان هيعمل كده."
"تقصد أي حد ظالم كان هيعمل كده."
احتدت نظراته، ولعن تهوره حين سمع حديثها، الذي كان صحيحًا. لأول مرة يعترف بذنوبه ويجابه بها عقله، الذي لم يسعفه في الحديث. فتابعت تطوق عنقه بحلقة من نيران الذنب: "لو أنت اديت لنفسك العذر تظلمني. فاعرف إن في رب كريم فوق، قادر يسلط عليك اللي يعمل معاك زي ما عملت معايا.. ولازم تعرف إن إني عمري ما هسامحك واصل."
كانت تغرس أسهمها بقلبه، الذي نزف ألمًا وندمًا. خالط لهجته حين قال: "خلي بالك من كلامك. إني غلطت لما تهورت. وده لإني شفت سلسلتك بعيني. والكلب ده أكد على الكلام. وبعدين اتراجعت عن غلطي."
"بعد إيه؟ بعد ما كنت هتموتني؟"
هكذا قالت صارخة من أعماق وجعها، الذي جعلها تتناسى طريقتها في الحديث معه، والذي كان يتقبلها، لا يعرف لماذا، بل إنه تابع بلهجة لا تشبه عجرته وغروره: "ربنا أراد إنه ينصر الحق، وياسين اتدخل، والحمد لله جيت سليمة.. وعرفنا الحقيقة. يبقى إيه لازمة حديثك ده دلوقتي."
"صح.. مالوش لزوم.. عن إذنك…"
هكذا تحدثت بشفاه مرتعشة، ثم التفتت تنوي المغادرة. فخرج حديثه متلهفًا، حين قال: "رايحة على فين؟"
إجابته دون أن تلتفت إليه: "رايحة على بيتي. ماليش شغل في الدوار هنا. في بيت الظلمة."
"الظلمة دول جابولك حقك.. وردوا كرامتك.."
هكذا تحدث بيأس، فلم يكن يعرف أي الطرق عليه أن يسلك حتى يصحح هذا الخطأ اللعين، الذي ارتكبه برعونة. فجاءت كلماتها حتى تقضي على آخر آماله: "يردوا كرامتي بعد ما دهسوها تحت رجليهم؟ مستني مني إيه يا كبير.. أشكرك على اللي عملته معايا؟؟ حاضر. شكرًا.."
أتقنت غرس سهامها في صدره، الذي كان يتألم بشدة، ولا يقدر على مجابهة ألمه أو حديثها، الذي أجهز على قلبه، حين تابعت بصوت فاقد لكل معاني الحياة: "بس خليك فاكر. إني لو بيني وبينك الجنة، هرمي نفسي في النار، ولا إني أسامحك!"
***
بعد مرور ثلاثة أيام، عاد الغائب إلى موطنه، وبداخله قلب أضناه الشوق، وأحرقه الألم، الذي لا يزال ينخر بعظامه، ويفتت روحه. ولكنه كعادته، لا يظهر أي شيء. فقد كانت ملامحه جامدة كعادتها، حين خطى إلى داخل المنزل. فكانت هي أول من وقعت عليها عينيه، التي لمعت بوميض الشوق للحظة خاطفة، سرعان ما عادت إلى جمودها، التي زلزلته فعلتها. حين هرولت إليه بقلب لهيف، تردد بشوق:
"سالم…"
لم تحسب خطواتها، ولا تعرف كيف واتتها الجرأة لما فعلته، ولكنها كانت عاجزة أمام شوق جارف يجتاحها كفيضان ضرب ثباتها الهش. فوجدت نفسها تندفع إليه رغماً عنها، تحيطه بذراعيها، وكل خلية بها مشتاقة لدفء وجوده، وعذوبة رائحته، التي افتقدتها كثيرًا..
كان استقبالاً حاراً لم يتوقعه، حتى بأحلامه. فطوال طريق سفره، كان يفكر كيف سيرآها دون أن يحتجزها بين ذراعيه، يبثها أشواقه العاتية؟ من أين يأتي بتلك الصلابة، التي تجعله يتجاهل وجودها؟ وأخذ يشدد بقوة على قلبه، ويذكره بجراحه النازفة منها، حتى لا يضعف. ولكنها فاجأته بحق.
احتواها بين ذراعيه للحظات، هدأ بها قلبه، وكأنه كان يحتاج هذا العناق لتهدأ روحه وتستكين من كل تلك الأعباء التي يحملها على عاتقه. فأخذ يسحب أكسجينها الدافئ، يود لو يحتجزه بين رئتيه، لتظل رائحتها عالقة بصدره للأبد.
"حمد لله عالسلامة.."
هكذا تحدث بعدما تراجع ببطء عن حدود ذراعيه. فهي لم تكن تتخيل أن تفعل ما فعلته لتوها. ولكن ما حيلتها أمام عشقها وذنبها، الذي لا تعرف كيف تكفر عنه. بغبائها، ألقت بوجهه رفضًا مهينًا، تحاول مداواته بقرب لا تستطيع التفوه به، وتخجل عن الإفصاح عنه، فلم تجد حلاً سوى أن تريه كم قربه محبب إليها.
"الله يسلمك…"
هكذا أجابها، بينما التقطت عينيه تلك، التي كانت تناظر ما يحدث بغضب مقيت، لم تستطع التحكم به، إذ قالت بلهجة تقطر سمًا: "طولت الغيبة عن العروسة يا ابن أخويا، لدرجة مبقتش قادرة تسيطر على مشاعرها، ولا محترمة وجود الناس حواليها."
تعاظم الغضب بداخله لدى سماعه حديث همت، الذي لاقى صداه على ملامحها، التي بهتت وامتقعت خزيًا، مما جعله يقول بفظاظة: "والله العروسة في بيتها تعمل اللي يعجبها، واللي عنده دم وبيكسف، يدور وشه الناحية التانية، ويحط لسانه في بقه."
كان ردًا عنيفًا، لكنها استحقته، وأيدته أمينة، التي قالت بسخرية: "بالراحة يا سالم، عمتك متقصدش، بس أصل المشاعر والإحساس دي حاجة جديدة عليها. فتلاقيها مستغربة بس."
امتقع وجه همت من حديث أمينة، التي كانت تقصد به ما حدث بالماضي. فالتفتت تناظرها بحنق، تجلى في نبرتها حين قالت: "ومين يشهد للعروسة. وعلى رأيك، عمته غلبانة معشتش المشاعر دي، عشان فضلت أبوها وأخواتها على سعادتها، وطرمخت على حاجات كتير أوي كانت ممكن تقلب الموازين. وقالت يا بت بلاش خراب بيوت."
تحفزت أمينة وانتفخت أوداجها غضبًا من حديث همت المسموم. وقبل أن يتيح لها الفرصة للحديث، صاح سالم بجفاء: "مش عايز هري كتير.. كل اللي عنده كلمة يخليها لنفسه.. واللي مخبي حاجة في قلبه، يخليها جواه أحسن له."
أنهى كلماته، والتقطت عينيه سليم، الذي كان يهبط الدرج. فوجه حديثه إليه قائلاً: "تعالى ورايا على المكتب…"
أطاعه سليم، ودلف الاثنان إلى المكتب. وكان أول من تحدث هو سليم، الذي قال بنفاذ صبر: "الأوضاع في البيت مش مريحة. عمتك عاملة حزب، هي وشيرين، وأمك وفرح وجنة حزب. وكده مش صح."
أجابه سالم بفظاظة: "سيبك من هري الحريم ده، وقولي نويت تنزل القاهرة امتى؟"
"كلمت الدكتور امبارح، ومفروض هنروح آخر الأسبوع عشان يحدد معاد بداية الجلسات."
أنهى جملته، بينما زاغت عيناه، مما جعل الشك يتسرب إلى قلبه. فقال بنفاذ صبر: "هات اللي عندك كله يا سليم."
تحدث سليم بهدوء: "بصراحة حسيت إن جنة محتاجة فرح تكون جنبها، خصوصًا في الأول. مش عارف الحل بس."
"الحل إنك متحسش..!"
هكذا قاطعه سالم بحنق، ثم أردف بفظاظة: "عايش عمرك كله من غير إحساس، وكنت شغال زي الفل. كمل بقى على كده."
أوشك سليم أن يطلق ضحكة قوية على ملامح أخيه، الذي كان الامتعاض يلون معالمه، ولكنه حاول قمعها بشتى الطرق، ولكن لم يفلح، خاصةً حين سمعته يتمتم بحنق: "قال عايزة فرح معاها.. أنا لو سارق فلوس الجوازة دي، مش هيحصل معايا كده."
أفلتت ضحكة قوية من بين شفتيه، فشيعَه سالم بنظرات حانقة، جعلته يقتلها في مهدها. ثم أردف بجدية: "المهم.. عرفت أهل البنت إني هكون على تواصل معاهم…"
"عرفتهم.. ومش محتاج أحذرك. أوعى جنة تحس بحاجة."
سليم بلهفة: "لأ طبعًا. وأنا أهبل."
ناظره سالم بسخط، قبل أن يقول بجفاء: "مروان فين؟"
"انجري قدامي.. بنت مين في مصر عشان يجيلك مقالم وكراريس بـ تلت آلاف جنيه…"
هكذا كان يتحدث، وهو يجذب ريتال من ملابسها. فصاحت الأخيرة قائلة بتصحيح: "مقالم وكراريس إيه يا عمو، اسمها سبلايز."
"إيه سا إيه يا عنيا؟"
"سابلايز. الله يرحم أبوك. كان بيروح المدرسة بشنطة بلاستيك."
هكذا تحدث حانقًا، فقالت غاضبة: "متقولش على بابي كده."
"بابي.. عيشي عيشة أهلك يا ريتال. عشان اللي جاي مرار يا بنتي. وأنتِ مقبلة على الحياة أوي، وده مش صحيح."
هكذا تحدث بامتعاض، فأجابته بعفوية: "يعني أعمل إيه؟ مروحش المدرسة مثلًا؟"
"وهو يعني اللي اتعلموا خدوا إيه؟ أنا مثلًا قدامك أهو. قعدت في ابتدائي تمن سنين، وفي إعدادي ستة، وفي ثانوي خمسة، وفي جامعة ييجي خمسة عشر، وفي النهاية خدت إيه يعني؟ حتى حتة البت اللي بحبها مش عارف أعلقها.. حاجة تحزن."
انفلتت ضحكة قوية من فم ريتال، التي قالت باندهاش: "قعدت كل ده في التعليم يا عمو؟"
"أيوه بس ده مش معناه إني كنت خايب! لأ طبعًا كنت شاطر لدرجة إنهم كانوا ماسكين فيا، مكنوش عايزيني أخلص تعليم. كل سنة يسقطوني عشان أفضل معاهم."
"والله إنك مسخرة. بتحكي للبت على مصايبك."
التفت مروان على إثر ضحكتها الخلابة، التي أثرت فيه للحد الذي تعلقت عيناه بها للحظات، قبل أن يجيب بعبث: "أحلى مصايب دي ولا إيه؟"
ما زالت الابتسامة تضيء ملامحها، حين قالت ساخرة: "طب راعي إنك قدوتها. دي لو سمعت كلامك، يبقى عليه العوض ومنه العوض في البت."
كان يراقب تعابيرها المرتاحة، ونظراتها الصافية بقلب مشتاق، تصدعت جدرانه من فرط العشق، الذي كان بلا أمل. ولكن الآن بدأت تنقشع الغيوم رويدًا رويدًا.
"لأ بس البت حلوة. وضحكتها حلوة. ودمها سكر. تعليم إيه بقى؟ كله في الفاضي…"
كانت عيناه تنفي مزاحه، وتغازلها بطريقة جعلت دقات قلبها تدق كالطبول. كان شعورًا رائعًا، بقدر ما استنكره عقلها، فهي طوال حياتها كانت تراه أخاها لا أكثر. فما الذي يحدث الآن؟
أنقذها رنين الهاتف، الذي التقطه مروان وأجاب بابتسامة، اتبعها قائلاً بغزل ساخر: "القمر اللي ضلم إسماعيلية ونور الصعيد. عاملة إيه في غابة الوحوش يا سنو وايت. اتكعبلتي في الأقزام السبعة ولا لسه؟"
كانت معتادة على مزاحه مع حلا، ولكن الآن كان الوضع مختلفًا، فقد أغضبها للحد الذي محى الابتسامة من على ملامحها، وجعلها تلتفت مغادرة، وهي تتشاجر مع خطواتها، مما جعل الاندهاش يلون ملامحه من انقلاب حالها إلى النقيض بتلك الطريقة..
***
جالسة تنظر إلى البعيد، وداخل قلبها حرائق متقدة، لا تعلم السبيل لإطفائها. أرادت الانتقام وظفرت به، ولكنها لم ترتح كما ظنت. فهي منذ أن كانت جالسة أمام الشيخ، الذي سألها مرارًا وتكرارًا: "يا بنتي أنتِ موافقة على الجوازة دي؟"
التقطت عيناها بعيني أبيها المتوسلة في تلك اللحظة. فأرادت خذلانه، كما فعل معها. وتحدثت بقوة: "موافقة.."
لم تريد النظر إلى عينيه في تلك اللحظة، خشية أن ترى بهما نظرات انتصار تكره رؤيته. فهي ما اختارته إلا ليقينها بأن والديها يكرهانه بقدر ما تكرهه هي. ولكنها أرادت أذيتهما.
"متأكدة؟ لو في حد جابرك، قوليلي؟"
هكذا أكد عليها الشيخ سؤاله. فمظهرها كان مريعًا بذلك الفستان الأسود، والملامح التي لم تتعافى كليًا من تلك الجروح، بل كان أغلبها متورمًا بطريقة تؤذي النظر. وقد ظن بأنها يمكن أن تكون تعرضت للإجبار على إكمال تلك الزيجة.
"قولتلك موافقة.."
"اللي أنتِ شيفاه.."
تم عقد القران وسط حزن عميق من كلا والديها، وخاصة والدها، الذي بعد أن غادر الشيخ، حتى نظر إلى عدي بنظرات قاتلة، تشبه لهجته، حين قال: "اللي فات مش زي اللي جاي. وحتى لو هي كارهة وجودنا دلوقتي، أنا هفضل وراها لحد ما تتقبلنا، وأصلح غلطنا في حقها. ولو فكرت إنك عشان اتجوزتها غصب عني، إني هسمحلك تمس شعرة منها، تبقى غلطان."
"انت اللي غلطان لو مفكر إني ممكن أأذيها.. طريقنا واحد، بس أنت بتكابر عشان هي اختارتني غصب عنك. منصحكش تكمل في تفكيرك ده. لو فعلاً عايز تساعدها، يبقى نحط إيدينا في إيد بعض…"
هكذا أجابه عدي بصدق ارتسم بعينيه. أولاً، فبدا متحفزًا من بعيد. فالتفتت تناظر والدتها، وهي تقول بسخط: "هما بيقولوا إيه؟"
منال بحنان: "أكيد بيوصيه عليكِ.."
حانت منها ابتسامة ساخرة، تجلت في نبرتها حين قالت: "ضحكتيني. بيوصيه عليا! على أساس إنه أب زي الآباء وكده؟"
منال بحزن: "يمكن مكنتش زي أي أب وأم. بس إحنا لسه فيها، وعرفنا غلطنا، ومني عنينا إنك تسامحينا، وتسيبنا نعوضك عن كل اللي شفتيه.."
كانت بسمتها الساخرة أكثر من مؤلمة، خاصةً أنها لم تعلق، وكأن الأمر أقل من أن تعطيه اهتمامًا. وفجأة، صدح صوت رنين الباب، فتوجه عدي لفتحه، وإذا به يتفاجأ بمجموعة من رجال الشرطة. فاندهش قائلاً: "أي خدمة؟"
"انت عدي عبد الرؤوف؟"
عدي باندهاش: "أيوا أنا، في حاجة؟"
التفت الضابط إلى العساكر، وهو يقول آمرًا: "اقبضوا عليه.."
صدمة قوية ضربته كصاعقة، حين التف العساكر حوله يقيدوه. فصاح بذعر: "يقبضوا عليا ليه؟ أنا عملت إيه؟"
الضابط باحتقار: "اغتصاب بنت قاصر، والشروع في قتلها…"
يتبع….
بارت ٧٠٠٠ كلمة، أتمنى يعجبكم، وأتمنى ألاقي تفاعل مرضي عليه.
متنسوش (لايك + كومنت♥️)
♥️ •
رواية بين غياهب الاقدار "في قبضةالاقدار الجزء الثاني" الفصل التاسع عشر 19 - بقلم نورهان العشري
"هو في إيه بيحصل بره؟"
هكذا استفهمت ساندي لدى سماعها أصوات شجار في الخارج، فحاولت النهوض لترى ماذا يحدث، فتدخلت والدتها التي قالت بتوتر:
"خليكِ، أنا هشوف فيه إيه."
أطاعتها بصمت، فتوجهت منال للخارج، فرأت زوجها الذي كانت الصدمة تلون معالمه بالكامل، وهو يناظر عدى الذي كان ينتفض غضبًا وهو يخاطب رجال الشرطة:
"والله ما عملت حاجة. اغتصاب مين وكلام فارغ إيه؟ سيبوني."
تدخل سعد قائلًا باستفهام:
"حضرت الظابط، ممكن تفهمني فيه إيه؟ اغتصاب إيه ومين البنت دي؟"
الضابط باختصار:
"هتعرف كل حاجة في القسم. هاتوه."
وبالفعل قام رجال الشرطة بأخذه، وهرول سعد خلفه بعد أن التفت إلى زوجته قائلًا بتحذير:
"أوعي تجيبي سيرة لساندي، وأنا هروح أشوف الزفت ده عمل إيه. ربنا يستر."
أومأت منال قائلة بلهفة:
"حاضر، متقلقش بس متنساش تطمني."
أومأ بالإيجاب واندفع خلف عدى، بينما قالت هي بتردد بحسرة:
"يا عيني عليكِ وعلى بختك يا بنتي. استرها من عندك يارب."
"فيه إيه يا ماما؟"
هكذا تحدثت ساندي، فالتفتت منال بلهفة وخرجت كلماتها مبعثرة:
"إيه.. لا. مفيش. حاجة. دا... دا باين أبوكي. راكن غلط. والناس.. طلعت.. تشكي فراحوا.. يشوفوا فيه إيه.. متقلقيش. شوية وهتطلع."
لم ترتح لإجابتها، ولكنها لم تكن في وضع يسمح لها بالحديث أكثر، فقد بدأ الألم بالزحف إلى جسدها بعد انتهاء ميعاد المسكن، فشعرت والدتها بذلك وتقدمت منها قائلة بحنان:
"ميعاد أدوية. يالا عشان تاخديها."
لامس حنان والدتها زاوية ما بقلبها، ولكن عقلها رفض هذا الإحساس بشدة، فتراجعت خطوة للخلف قبل أن تقول بجفاء:
"متشغليش بالك. أنا عارفة مواعيد أدوية وهاخدها."
أنهت كلماتها وتراجعت إلى غرفتها، تاركة خلفها منال التي أخذت تتخبط بين الندم والحسرة والألم.
***
كانت أيامًا ثقيلة يحاول تجاوزها بشق الأنفس، فكل ما يحيط به يُنذر بالسوء. بالرغم من كونه شخصًا مؤمنًا وذو عقيدة راسخة بأن رب الخير لا يأتي إلا بالخير، ولكن بداخله شعور قوي بأن السوء قادم. قد يكون هذا الشعور تولد نتيجة لألمه الداخلي، والذي يحاول بقوة الصعود على السطح، وهو يقاومه، دافنًا نفسه بين طيات الأوراق، يحاول الانغماس في العمل حتى ينسى تلك اللحظة التي سيدخل بها غرفته وحده. يعلم بأنها قريبة كل القرب منه، ولكن لا تطالها يده. يتلظى بنيران الشوق والألم معًا، ولا يستطيع التعبير عن ذلك، فقد كان صامتًا على الرغم من ثرثرة عقله التي لا تتوقف.
انتصف الليل وهلك الجسد، فلم يعد يتحمل أكثر، فزفر بإرهاق ونهض ناصبًا عوده، فأعلن جسده عن ما ألم به من تعب عن طريق طقطقة قوية لعظامه التي تنشد الراحة، ولكن أي راحة، الألم الحقيقي منبعه القلب؟
بأقدام متثاقلة دلف إلى داخل غرفته، فوجدها سابحة في الظلام، إلا من نور تسلل من غرفة الملابس، يعلن بأنها لازالت مستيقظة. أدار وجهه إلى الجهة الأخرى، فقلبه بدأ نوبة تمرده، يغويه بالتوجه إلى مكانها، ولكنه قام بردعه والتوجه إلى الحمام لأخذ حمام منعش يزيل عنه آثار وأعباء هذا اليوم الطويل. وبعد أن قضى أكثر من ربع ساعة أسفل المياه الدافئة، خرج ينوي الذهاب رأسًا إلى السرير حتى يحمي نفسه من إغواء أفكار قلبه المتمرد، ولكن دائمًا تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن. ف حين التفت ليرتدي ملابسه، تفاجأ بأنه لم يجلب أي شيء يستر به جسده، الذي كان يحيطه بمنشفة صغيرة تطوق خصره لتصل إلى ركبتيه، وملابسه هناك في غرفة الملابس، التي هي أكثر مكان يود الفرار منه الآن.
زفر بقوة قبل أن يأخذ قرارًا بأن يذهب إلى هناك، وليكن الله بعونه، حتى تمر تلك الدقائق بسلام.
كانت جالسة على السرير تستند برأسها على ظهره، وهي تتذكر كل ما حدث معها، وكيف أخطأت بحقه، وها هي تدفع ثمن خطأها ألمًا وشوقًا، لا تعلم كيف تعبر عنه؟
هبت واقفة حين سمعت صوت باب الغرفة يفتح، فعلمت أنه أخيرًا جاء، فأخذ قلبها يدق بعنف، آلمها، تود لو تخرج إليه وتخبره كم هي آسفة، بل نادمة على ما حدث، لكنها كانت تخشى أن تتلقى منه رفضًا قد لا تتحمله. ترى بعينيه تعبًا وألمًا، تعلم أنها أحد أسبابه، ولهذا لا تجرؤ عن سؤاله عما به. تريد فقط أن تخفف أحماله التي تعلم أنها ترهقه، كما تعلم أنه أبدًا لن يشتكي. فهي طبيعته.
زفرت بقوة جراء تلك المعركة الدائرة بداخلها، والتي لا تسفر عن أي نتيجة، فهي بالنهاية حائرة، خائفة، لا تجرؤ على اتخاذ القرار.
"يارب، حلها من عندك بقي. أنا تعبت ومبقتش قادرة أتحمل."
هكذا خرجت الكلمات منها معذبة، وما أن انتهت حتى تسمرت بمكانها لدى سماعها ذلك الطرق الخفيف على باب الغرفة، فالتفتت تناظر الباب بلهفة، وهي غير مصدقة، هل فعلًا سمعت طرقًا أم أن حمى الشوق بقلبها جعلتها تتخيل؟
عاد الطرق مرة أخرى، فارتسمت ابتسامة بلهاء على شفتيها، فهي لم تكن تتخيل، وبخط متلهفة توجهت إلى الباب وقامت بفتحه، فتجمدت عينيها على صدره العاري الذي يعج بالعضلات التي اختطفت بصرها لثوان. كما اختطف أنظاره مظهرها الرائع، وهي بذلك اللباس البيتي المكون من قطعتين، إحداهما بنطلون من الستان وبلوزة صيفية من نفس القماش بندقية اللون ذو حملتين رفيعتين تغرقان ببحر من الحليب الذي يلون كتفيها، التي تحيط بها خصلات شعرها المتمرد، فبدت فاتنة بحق.
وقد كان هذا أكثر ما يخشاه، إغواء قاتل قد لا يقدر على مقاومته، وحتى إن تغلب على جيوش شوقه ورغبته، فهذا سيكون هلاكًا من نوع آخر.
ولكنه لم يكن وحده من يتعذب، فرؤيته بهذه الطريقة كانت أكثر من مهلكة على قلب اختلط به العشق والشوق والندم معًا، فكان من المفترض الآن أن تكون بين ذراعيه تنعم بعشقهم الجارف معًا، تقف تناظره من بعيد بشوق ضارٍ لا تقدر عن التعبير عنه، كجائع يعرض أمامه أشهى أنواع الطعام، ولكن محظور عليه حتى الاقتراب منه. هذا كان حالها.
طال الصمت عن المعتاد، وكان كلًا منهما يشكو معاناته للآخر بسيل من النظرات القوية، التي قطعها صوته الجاف حين قال:
"معلش لو صحيتك، بس كنت عايز هدوم... عشان ألبسها... هدومي كلها هنا."
بللت حلقها الجاف، وقد فطنت لسبب قدومه الذي كان مخيبًا لآمالها، ولكنها حاولت أن تخفي ذلك قدر الإمكان حين قالت:
"آه طبعًا. اتفضل. أنا مكنتش لسه نمت."
خطت أقدامه إلى الداخل، يحاول تجاوز وجودها المهلك ورائحتها الشهية، وتقدم من أحد الأرفف ساحبًا أحد السراويل القصيرة بعجالة، ثم عاد أدراجه إلى الخارج، ولكنه توقف. لا يعلم لما؟ ولا ماذا سيقول؟ فقط أراد أن يطيل الحديث معها. يقر عينيه برؤيتها لمدة أطول، فالتفت قائلًا بنبرة خشنة:
"جنة هتسافر آخر الأسبوع، عشان الجلسات. عرفتي؟"
"آه عرفت. هي قالتلي. بس بتقول هيكلموا الدكتور عشان الجلسات تكون هنا وأقدر أكون موجودة معاها."
هكذا تحدثت بلهفة، فقال بفظاظة:
"لو حابة تروحي معاها. براحتك."
لو لم تكن تعلم سابقًا من شقيقتها بأنه رفض هذا العرض، لكانت ماتت ألمًا، فهي من أخبرتها بأن تطرح هذا الأمر على سليم لترى ردة فعله، ولكنها الآن تعلم أنه ما زال غاضبًا، بل متألمًا بسبب ما حدث، لذا تحدثت بثبات:
"لا. أنا هستنى لما تروح وترجع، ومدام سليم معاها أنا مطمنة."
ارتاح قلبه لإجابتها، ولم يعلق، اكتفى بإيماءة بسيطة من رأسه، وأوشك على الالتفات، فجاءت كلماتها التي جعلته يتوقف بمكانه:
"اتعشيت ولا أجهزلك العشاء؟"
أراد أن يخبرها بأن جوعه لم يكن للطعام، ولكن اكتفى بالقول:
"لا. مش جعان."
"بس غلط كده. أنت فين من ميعاد الغدا؟ عدى أكتر من ثمان ساعات."
هكذا تحدثت بلهفة، فقد كانت تريد أن تطيل معه الحديث قدر الإمكان، ولا تعلم بأنها تضعه في تحدٍ عنيف بين ثباته التي بدأ يتلاشى، وبين شوقه الضاري لها، وخاصةً وهي بتلك الهيئة، فحاول التماسك قدر الإمكان قائلًا بفظاظة:
"أنا بحب أنام خفيف."
"غلط على فكرة. إن لبدنك عليك حق."
عاندته حين رأت عروقه النافرة التي تدل على مقاومته الضارية لمشاعره نحوها، وقد تذكرت حديث أمينة التي قالت بتعقل:
"جوزك بيحبك. يعني قلبه في صفك. كل راجل وله طريقه، آه. بس الرجالة كلها بتجتمع في نقطة الغريزة، فلما تجمعي بين قلبه وغريزته يبقى أنتِ ملكتيه العمر كله. ولو معرفتيش تستغلي دا يبقى أنتِ غبية."
علمت أنها في الطريق الصحيح، لذا قررت اللعب بشتى الاتجاهات حتى تعيده إلى أحضانها من جديد.
"متشغليش بالك. أنا متعود على كده."
هكذا أجابها بفظاظة، فقد ضاق ذرعًا بعنادها وأراد الهرب من بين براثن إغوائها القاتل، فتوجه إلى داخل الغرفة، فتبعته قائلة:
"أنت بتقاوح في الغلط ليه؟"
توقف بمنتصف الغرفة وقال بخشونة:
"عايز أغير هدومي. لو حابة تفضلي عندك تتفرجي أنا معنديش مانع."
تسمرت بمكانها لدى سماعها كلماته التي جعلت فكها يتدلى من فرط الصدمة، وخرجت شهقة قوية من جوفها لدي رؤيتها يده التي امتدت تمسك بطرف المنشفة، فالتفتت بلمح البرق إلى غرفة الملابس، مغلقة الباب خلفها بعنف، فلم ترى ضحكته العابثة ولا ذلك النفس القوي الذي خرج حارقًا من جوفه.
***
وقعت فريسة لذكرياتها المؤلمة بقدر روعتها، فباتت ليلها تضحك تارة وتبكي أخرى، وهي ترى صورًا من الماضي تعكس لحظات لن تعود ولن تحيا مثلها أبدًا.
جاء الصباح وهي غارقة ببحور العذاب، حتى أنها لم تنتبه لشروق الشمس الذي أضاء الغرفة، فقلبها كان غارقًا في ظلام الوجع الذي بعد مرور تلك السنوات لم يهدأ أبدًا.
طرق قوي على باب الغرفة جعلها تقوم بلملمة أوجاعها ودفنهم بصندوقها السري الذي أتقنت إخفاءه في خزانة ملابسها، وقامت بكفكفة عبراتها قبل أن تقول بصوت مبحوح:
"ادخل."
أطلت شيرين برأسها من الباب، لتقع نظراتها على همت التي كانت عينيها تحكي مقدار الألم الذي تحاول جاهدة إخفاءه، حين قالت بجفاء:
"خير عالصبح."
تقدمت شيرين من والدتها تناظرها بقلق تجلى في نبرتها حين قالت:
"مالك يا ماما؟ فيه إيه؟"
همت بجفاء:
"مفيش. جايه ليه؟"
"لسه بردو زعلانة مني؟"
أدارت رأسها الناحية الأخرى وهي تقول بنبرة قاسية:
"مش عايزة أتكلم في حاجة."
عاندتها بتوسل:
"طب عشان خاطري. خلينا نتكلم واسمعيني. بعد كده لو عايزة تضربيني أنا موافقة."
التفتت تناظرها بحدة تجلت في نبرتها حين قالت:
"أضربك؟ فكرك بالكلام ده هتضحكي عليا؟ اديني سبب واحد مقنع يخليكِ تعملي في نفسك اللي عملتيه دا؟"
"كان غصب عني."
هكذا أجابتها وهي تخفض رأسها، فصاحت همت غاضبة:
"كذب. أنتِ قبلتي بالوضع ده عشان تثبتي لسالم أنك مش هتموتي من غيره. تموتي نفسك بالبطيء عشان خاطره. زي برضه ما حاولتِ تموتي نفسك قدامه عشان ميروحش الفرح، ومهمكيش دموعي ولا وجع قلبي عليكِ. ليه بتبهدلي في نفسك كده؟ ردي عليا... ليه هاينة شيرين عليكِ كده؟"
استفزها حديث والدتها بشكل كبير، وللحظة أوشكت على إخبارها بكل شيء، ولكنها تراجعت بآخر لحظة وقالت بنبرة متألمة:
"عشان معنديش حد غيره. محبتش حد غيره. هو كان بالنسبالي كل حاجة. قبلت بعقابه، أنا حتى فرحت بحالة أحمد. لأني فعلًا مكنتش هتحمل راجل غير سالم يقرب مني. ورجعت عشان متحملتش يكون لوحدة غيري. وبموت وأنا بتخيله معاها."
"وغلطك معاه من الأول ليه؟ ماهو كان جنبك ومعاكِ وكان زمانك متجوزاه ومخلفة منه. أنتِ اللي اتملعنتي ولعبتي بديلك."
هكذا أجابتها همت بقسوة، فصاحت شيرين بغضب:
"حرام عليكي تعيدي وتزيدي في الموضوع من تاني. شرحتلك ألف مرة أني غصب عني غلطت. إيه اللي يغلط عندكوا يندبح؟"
همت بنبرة جريحة:
"إحنا اللي بنندبح من غلط اللي بنحبهم. عشان كده مستحيل نقدر نسامح."
"أنتِ زيه وشبهه على فكرة. زي ما هو عاقبني ورماني، أنتِ عاقبتي بابا واتخليتي عنه."
تألمت بقوة حتى أن عينيها فاضت بعبرات غزيرة انهمرت على وجنتيها حين قالت:
"وأنتِ للأسف زي أبوكي. عايزة تاخدي كل حاجة، مش مهم بتدوسي على مين؟ وعايزة برضه الناس تسامحك على كل اللي بتعمليه. من غير ما يكون ليهم حق حتى يتألموا. زمان هو خانني واستكتر عليا أتعذب من خيانته."
خرج صوتها جريحًا معذبًا حين قالت:
"مخانش. بابا مخانكيش أبدًا. هما اللي ضحكوا عليكِ وفهموكي كده زمان عشان يبعدوكي عنه."
همت بسخرية مريرة:
"الوحيد المضحوك عليه هو أنتِ. لو كنتِ ماشية وراه هتندمي عشان أبوكِ معندوش لا عزيز ولا غالي."
شيرين بألم:
"حرام عليكي. أبويا عاش عمره كله على ذكراكِ. بالرغم من أنك اتخليتي عنه. وصدقتيهم."
"عشان هما مكذبوش."
هكذا صرخت همت بقهر، ف تراجعت شيرين للخلف مصدومة، فتابعت همت بألم:
"لو هما كذابين فإحساسي عمره ما هيكذب."
"طب ولو أثبتلك بالدليل أنهم كذبوا. ولو وريتك بعينيكِ أنهم كذابين تقبلي ترجعيله تاني؟"
كانت تتحدث بثقة نجحت في زعزعة ثبات همت للحظات، ولكنها صاحت برفض:
"أي حاجة منه عارفة أنها كذب. أبوكي يقدر يزيف الحقائق والعكس بمنتهى الاحترافية."
شيرين بقوة:
"مش كل حاجة ينفع تتزيف يا ماما. بابا مش خارق. وعمومًا أنا هوريكِ بعينك أن بابا اتظلم منهم زمان وأن اللي كانوا عاملين حبايبك هما اللي طعنوكي في ضهرك."
همت بريبة:
"تقصدي مين؟"
"أمينة. تنكري أنك كنتِ عارفة أنها آمنت بتحب زمام قبل ما أتجاوز خالي؟"
تراجعت همت بصدمة:
"إيه؟"
***
كان يسير بعربته بين الأروقة والطرقات، لا يعلم وجهته ولا يفهم ذلك الضيق الذي يملأ قلبه منذ البارحة.
حديثها ونظراتها المتألمة وقهرها الكبير يدميان قلبه. لم يكن من أصحاب القلوب اللينة، لطالما كانت الناس تخشاه نظراً لقسوته وعنفوانه، ولكن ماذا جرى له؟
هناك مشاعر قاسية وغريبة من نوعها تجتاحه كفيضان لا يقدر على مقاومته. نيران الذنب تحرق أحشاءه من الداخل، وكلماتها تُعاد على مسامعه كل لحظة، فيزداد ألمه تشعبًا داخل صدره. فلم يعد يحتمل البقاء بغرفته وخرج منذ الصباح يجوب الطرقات، لا يعلم عما يبحث، ولكنه يحاول الهرب من ذلك العذاب الذي طرد النوم من عينيه الليلة الفائتة.
خفقة قوية ضربت قلبه حين شاهد تلك التي كانت تمشي بخطٍ مثقلة وملامح واجمة، وهي تحمل بيدها وعاء به أسمنت وتقوم بنقله إلى موقع أحد الأبنية، وبجانبها الكثير من مثيلاتها ممن يقمن بهذا العمل الشاق، فتحفزت كل خلية به وتصاعدت أبخرة الغضب إلى رأسه، خاصةً حين وجد أحد الرجال يناظرها بنظرات وقحة، فأوقف عربته بعنف جعل الخيل يصهل بقوة، وقام بالقفز من فوقها وهو يتوجه بعينين ترسلان سهامًا مشتعلة، وقام بلگز ذلك الرجل في كتفه وهو يقول بغضب:
"واقف قدام الحريم أكده ليه يا بغل أنت؟"
تراجع الرجل بذعر من رؤيته وقال بتلعثم:
"إني... إني بشرف عليهم يا عمار بيه."
"طب غور من وشي. وشوفلهم حرمة غيرك تشرف عليهم."
أطاعه الرجل دون حديث، مبتلعًا إهانته بصمت، بينما توجه هو إلى تلك التي ضربت رجفة قوية جسدها بالكامل حين سمعت صوته، ولكنها لم تحاول الالتفات حتى، بل تابعت طريقها إلى حيث تضع ما بيدها، ولكنها تفاجئت منه حين قام بجذب ذلك الوعاء بقوة وإلقاءه أرضًا وهو يقول بفظاظة:
"بتعملي إيه أهنه؟"
التفتت بأعين جامدة تشبه لهجتها حين قالت:
"چنابك شايف إيه؟"
أغتاظ من حماقة استفهامه، فتجاوز عن إجابتها وقال آمرًا:
"تعالي عايز أتكلم معاكِ في موضوع مهم."
"لأه."
فاجأته ردها القوي والصارم، فأكفهرت معالمه واحتدت عينيه وشابهتها لهجته حين قال:
"أنتِ اچنيتي يا بت. بجولك عايز أتكلم معاكِ تجوليلي لأه."
أكدت على حديثها قائلة بجفاء:
"أيوه لأه. إني مش فاضية للحديث مع حد ورايا شغل وكمان مفيش بيني وبينك حاجة نتكلموا فيها."
ابتلع جمرات غضبه وقال من بين أسنانه:
"شغلك موجود. أنا موافجتش إنك تسيبيه. ودلوق انجري جدامي مفيش شغل ليكِ أهنه ولا أنتِ عاجبك الرچالة اللي عينها هتطلع عليكِ أكده؟"
كانت كلماته مسمومة بقدر غضبه من نظرات ذلك الرجل لها، وقد جاءت في أكثر الأوقات خطأ، فسددت سهمًا آخر لها، فردته هي بحرفية لم تكن مقصودة حين قالت:
"والله ده شيء ميخصكش. اللي يبص يبص. إيه مزعلك؟"
كان سؤال وجهه لنفسه أولًا، والتي هربت من إجابته، والآن أعادته هي على مسامعه، فهل يهرب؟ أو السؤال هنا كيف يهرب؟
"لسانك طول. وصار لازم ينجطع. فوتي جدامي."
"لأه."
هكذا أجابته بقوة وإصرار، فتحولت عينيه إلى بركة من الدماء الغاضبة، فتابعت هي بجفاء:
"بعد عني يا كبير. ولو مفكر إنك بفلوسك وسلطتك تجدر تبيع وتشتري في الخلج فمش كل اللي ينشرى ولا كل اللي ينباع. عن إذنك."
ألقت كلماتها بوجهه، ثم شيّعته بنظرات ساخطة، قبل أن تقوم بالعودة إلى عملها، تاركة خلفها كتلة من النيران التي أخذت تأكله من الداخل، ولأول مرة بحياته يشعر بأنه لا يعرف ماذا يقول ولا كيف يتصرف؟ فقط ظلت عينيه معلقة عليها بصمت وانهزام، كان الأول لقلبه.
***
"لسه بردو متصالحتوش؟"
هكذا تحدثت جنة مع فرح، التي كانت سابحة بخيالها وهي ترتشف قهوتها الصباحية برفقتها في الشرفة المطلة على الحديقة، والحقيقة أنها كانت بعالم آخر يقتصر عليه فقط، ولكن جاءت كلمات جنة لتعيدها إلى واقع أليم، فتنهدت بحرقة وهي تجيبها:
"لا. ومش باين لها صلح."
"ليه بتقولي كده؟"
لون الامتعاض ملامحها وقالت بتحسر:
"معرفش. سالم محتاج وقت طويل على ما يقدر يسامحني ويرجع يتعامل معايا زي الأول، وخصوصًا أن شكل فيه حاجة كبيرة حصلت وهو مش عايز يقول عليها، وطبعًا مش هقدر أسأله."
انكمشت ملامح جنة بقلق تجلى في نبرتها حين قالت:
"حاجة زي إيه؟"
"مانا قولتلك معرفش. وماليش عين أسأل. أنا كل ما أبصله بلاقي عتاب كبير أوي في عينيه. زي ما يكون كل ما يشوفني يفتكر اللي حصل. أنا بس نفسي أكون جنبه وأخفف عنه شوية."
هكذا تحدثت بحزن لون ملامحها بوضوح، فرق قلب جنة لحالها، وفجأة لمعت عينيها بحماس تجلى في نبرتها حين قالت:
"بصي لو هو مش هيقول أنتِ تعرفي من بره، ووقتِها تحددي."
"وهعرف منين؟ وإزاي؟"
هكذا تحدثت بيأس، فتابعت جنة بحماس:
"هو واحد بس اللي ممكن يساعدنا نعرف فيه إيه؟ وبناءً عليه هنقرر الخطة اللي هتمشي عليها عشان تخليه يسامحك."
التفتت فرح تناظرها بعدم فهم، فأردفت جنة بحنق:
"فرح فتحي مخك شوية. أنتِ أولًا لازم تصالحيه زي ما زعلتيه. بس قبل ما تعملي كده لازم نعرف فيه إيه؟ خصوصًا أن سليم هو كمان شكله مش مظبوط ومخبي حاجة، وأنا برضه هموت وأعرف إيه الحاجة دي؟ بس برضه مش قادرة أسأل، فنعرف الأول وبعد كده نشوف هتعملي إيه؟"
"طب برضه هنعرف إزاي؟"
"سيبيها عليا."
هكذا تحدثت جنة، وما أن انتهت حتى أتاها صوتًا عابثًا من خلفها:
"يا ساتر استر يارب. متجمعين كده يبقى بتفسدوا. مانا عارف تجمع الستات دا آخره مصايب سودا."
التفتت جنة لدى سماعها صوت مروان الساخر، فهبت من مقعدها تناظره بصدمة تجلت في نبرتها حين قالت:
"يخربيتك. أنت جيت منين؟ ده أنا كنت لسه هقوم حالًا أدور عليك."
جلس مروان على الكرسي بين الشقيقتين وهو يقول بترقب:
"أكيد حظي المنيل هو اللي جابني دلوقتي. انجزي كنتِ هتقومي تدوري عليا ليه؟"
اقتربت جنة تجلس أمامه وهي تقوم بوضع قطعة كيك في الطبق وتقديمها إليه قائلة بصوت رقيق ونبرة هادئة:
"طب فطرت الأول. دي الكيك دي اللي أنت بتحبها على فكرة وأنا اللي عملاها."
"استر... آهو أنا بقى مبخافش غير من الدخلات دي."
هكذا صاح مروان بشك، فرسمت جنة الحزن على ملامحها وتجلى في نبرتها حين قالت:
"اخس عليك. وأنا اللي قولت تيجي تفطر معانا وعملت الكيك اللي بتحبه."
مروان بتهكم:
"ماهي دايماً المصايب بتبتدي كده. جُر رجل الزبون وبعدين زحلقة وقعه على دماغه. انجزي عايزة إيه. وهاتي الكيك دا أما أدوقه."
ناولته جنة طبق الكيك، فأخذ منه قطمة تلو الأخرى، وبدأ عليه الاستمتاع بطعمه، فقال بريبة:
"الكيك طعمه رائع، ودا في حد ذاته يقلق."
انكمشت ملامحها بحيرة تجلت في نبرتها حين قالت:
"يقلق إزاي؟"
"عشان اللي هييجي بعده هيبقى مرار. جمال الكيك يتناسب طرديًا مع فداحة المصيبة اللي بتيجي بعده. واللي مخلياكِ قاعدة لي كده زي قرد قطع عينك في كل قطمة بحطها في بقي، لما هيجيلي تلبك معوي. اخلصي عايزة إيه؟"
أخذت الفتاتان تناظرنه بصدمة تجلت في كلمات فرح حين قالت لـ جنة:
"أنتِ فاهمة حاجة؟"
جنة بغباء:
"لأ."
رمقهما بسخرية وتابع يأكل بنهم إلى أن توقف الأكل بحلقه، فسعل بقوة، فهبت جنة تناوله كوب الماء بلهفة وهي تصيح:
"ادي آخرة التفاصه."
مروان من بين سعاله:
"قصدك آخرة عينك اللي تندب فيها رصاصة."
قهقهت جنة على مظهره، و خاصةً حين جلب قطعة أخرى إلى طبقه وهو يقول وكأن شيئًا لم يكن:
"ها يا ستي قوليلي عايزة مني إيه؟ عجبني الكيك ونويت أساعدك خلاص."
اقتربت جنة منه تشير إليه بالاقتراب، وهي تقول بصوت لا يسمعه سوى ثلاثتهم:
"سالم وسليم مالهم؟ فيه إيه شاغلهم اليومين دول ومخليهم مش على بعضهم؟"
توقف الطعام بفمه وهو يناظر عينيهم المسلطة بقوة عليه، فصاح بمراوغة:
"بيقولك بقى لما تحطي شوية خل على الكيكة بيخليها هشة كده وعاملة زي الهوا. إنما الكيكة دي مكتومة. لأ مش قد كده. أنا بقول أقوم أروح لدادا نعمة أخليها تعملنا صينية كيكة من بتوعها وبالمرة تعلمك الطريقة. عن إذنكم."
أوشك على الفرار، فوجد يد جنة التي امتدت تمسك ساعده، وعينيها التي ضيقتها بشر تجلى في نبرتها حين قالت:
"اقعد. بتصيع عليا. طيب يكون في علمك أني مش أنا اللي عاملة الكيكة. وبعرفش أعمل كيكة أصلًا. نعمة اللي عاملها. ابقى اتجرأ وقول الكلمتين دول قدامها. ودلوقتي بقى. نتكلم بصراحة ومن غير لف ولا دوران. فيه إيه مخبيينه علينا. انطق وإلا متلومش غير نفسك."
كانت تحادثه ويدها تلهو في حركة استعراضية بسكين الفاكهة، تريد بث الرعب في قلبه، وقد نجحت في ذلك، فقد بهتت نبرته وتراجع قائلًا:
"شوف ياخي وأنا أقول برضه. دي استحالة تكون عمايل إيديكِ انتِ تعملي قلقاس. بصارة. خبيزة، إنما كيكة لأ طبعًا."
تدخلت فرح بنفاذ صبر:
"انجزي هتقولنا ولا لأ؟"
زل لسانه وهو يقول بحدة مفتعلة:
"انتوا عايزيني أبيع ولاد عمي وأطلع أسرارهم بره؟"
صاحت جنة باندفاع:
"أنا قولت. يبقى أسرار فعلًا وإحنا منعرفهاش."
أغمض عينيه للحظات يلعن غباءه، فتدخلت فرح قائلة برفق:
"مروان. سالم مش متظبط خالص. وأنا حاسة أن فيه حاجة والحاجة دي تخصني وهو كالعادة مبيقولش. فقلنا نسألك أنت بتعتبرنا إخواتك وأكيد هتساعدنا."
مروان بتهكم:
"وأنا مين هيساعدني لما يعلقني على البوابة ويبيع الكيلو مني بقرش؟"
"أوف بقى. ما تنشف كده ولا حد يقدر يعمل معاك حاجة وإحنا موجودين. وبعدين مش إحنا إخواتك زي ما قولت؟"
مروان باستنكار:
"هموت وأعرف قلت إمتى الكلام ده! إخواتي منين؟ أنا ليا أخ واحد وأمريكا بحالها مكنتش واخدانا إحنا الاتنين، طفشت منه وجيت. بعت معايا المخفية بنته عشان تكمل مشواره في تنغيص حياتي. مين قالك إني عايز إخوات أصلًا؟"
فرح بخيبة أمل:
"طب خلاص يا مروان. مش عايزة أعرف حاجة."
كان مظهرها محزنًا للغاية، ف تحدث بنفاذ صبر:
"إيه ده أنتِ زعلتي ولا إيه؟ لأ بقولك إيه أنا نقطة ضعفي الوحيدة ألاقي مزة زعلانة."
تدخلت جنة معنفة:
"طب ما تقول لنفسك. ما هي مقهورة قدامك أهيه."
زفر بقوة وقال بنفاذ صبر:
"طب بصي اديني فرصة آخد وأدي من نفسي كده وأشوف أنا ينفع أقول إيه وإيه اللي مينفعش أقوله. دي أسرار برضه."
برقت عيني الفتاتين وصحن في آن واحد:
"يعني فيه أكتر من حاجة مش حاجة واحدة؟"
هنا أدرك هفوته، فقام بضرب رأسه بظهر يده وهو يتمتم بحنق:
"يا وقعتك السودا يا مروان."
"مروان يا بتاع سما. انجز وقول فيه إيه أحسن ما هخلي البيت كله يعرف المستخبي. وأنت عارفني مجنونة وأعملها."
"هششششش. اخرسي الله يخربيتك. هتوديني في داهية."
هكذا تحدث بلهفة وهو يتلفت بكل الاتجاهات، فلمعت عينيها بخبث تجلى في نبرتها حين قالت:
"يبقى تتعدل وتقول فيه إيه؟"
"جنة.. جنة.."
صدح صوت سليم خلفهم، فالتفت الثلاث إلى الخلف، وما أن رآه مروان حتى هب من مكانه وهو يقول بلهفة:
"سليييم. حبيبي قلبي. بدور عليك من الصبح. عايزك في موضوع مهم ميتأجلش ثانية واحدة."
كانت فرصته الوحيدة في الهرب من بين براثنهم، فهرول إلى سليم، الذي تفاجأ به يجلس بينهم، ثم وثب قائمًا تجاهها يجره بعيدًا عنهم.
"فيه إيه يا ابني جررني وراك كده ليه؟"
مروان بلهث:
"أصلك متعرفش. أنا كنت في حلقة استجواب مع المحقق كونان وأنت جيتلي نجدة من السما."
سليم بنفاذ صبر:
"أنا مش فاهمك حاجة يا ولد انت. استجواب إيه وكونان إيه. ده مش ناوي تعقل شوية؟"
"كونان دي يبقى الهانم مراتك."
هكذا أجابه مروان بتهكم، ف انكمشت ملامحه بغضب وقال بتقريع:
"مالك ومال مراتي يا حيوان؟"
مروان باستفزاز:
"السؤال الأصح هي اللي مالها ومالي. الهانم شقطتني وأنا ماشي في حالي وهات يا دلع وأشي كيك وشاي وطلعت في الآخر عايزة تستجوبني."
أمسك سليم به من تلابيبه وهو يصيح غاضبًا:
"كيك ودلع هي حصلت. ده أنا هدَفنك حي النهارده."
كاد أن يختنق بين يديه، فحاول الحديث قائلًا من بين أنفاسه المتلاحقة:
"افهم يا أبو مخ مصدي. بقولك بتستدرجني عايزة تقررني وتعرف سالم ماله وإحنا مخبيين عنهم إيه؟"
أفلتُه سليم بغتة وقال بلهفة:
"أوعى تكون قلتلهم حاجة؟"
مروان بغرور:
"عيب. عيب تقول على صاحبك وحبيبك وكاتم أسرارك كده. لأ طبعًا توهتهم لحد ما أنت جيت وخلعت. بس جنة دي مش سهلة دي فقستني وأنا مش هسلك معاها. وأساليبها كلها مغرية وأنا بصراحة بضعف."
لكمة قوية كادت أن تصيب فمه، ولكنه تفاداها ببراعة وهو يقول بلهفة:
"مش كل مرة يا برنس عيب."
فصاح سليم غاضبًا:
"ده أنا هكسر صف سنانك. أساليب إيه يا بغل اللي مغرية؟"
صحح مروان حديثه إذ قال بسلاسة:
"تصدق الحرمان وحش برضه. يا ابني افهم. دماغك بتروح فين؟ أقصد جابتلي كيك. قالتلي أنا اللي عملته بإيدي وأنت زي أخونا وبنحبك والكلام اللي أي حد حمار ممكن يتثبت بيه."
"وطبعًا أنت اتثبت؟"
هكذا تحدث سليم ساخرًا، فأجابه مروان باندفاع:
"طبعًا بقولك أساليب مغرية جدًا."
"بقي الست هانم بتثبتك عايزة تعرف منك. دي مفكرتش حتى تسألني؟ ماشي يا جنة."
هكذا تحدث سليم حانقًا، فأجابه مروان بمزاح:
"دي غيرة ونفسنة ولا أنا بيتهيألي؟"
تراجع خطوتين إثر نظرات سليم النارية، فآثر تغيير الموضوع إذ قال بجدية مفاجأة:
"بس قولي تفتكر سالم ليه مصارحش فرح بموضوع الإيميل اللي اتبعت من على اللاب بتاعها ده؟ تفتكر كان شاكك فيها؟"
نجح في تشتيت انتباهه، فتحدث سليم بحيرة:
"والله معرفش. وهو مش مرسيني دماغه فيها إيه؟ أي حاجة تخص فرح مبيصارحش بيها."
هنا تراجعت خطوة إلى الخلف بعد أن استمعت لحديثهم بتحريض من جنة، التي كانت بواد آخر وهي تتخيل سليم غاضبًا منها لما حدث مع مروان، ولكنها تنبهت على حديث فرح، التي قالت بعدم فهم:
"إيميل إيه؟ وإيه حكاية شكه فيا دي؟"
"جنة" بعدم فهم:
"معرفش. وموعدكيش إني أقدر أعرف. لو عايزة رأيي اسأليه دا حقك مدام الموضوع كله يخصك."
ارتسم التصميم على ملامحها ونبرتها حين قالت:
"عندك حق."
أنهت جملتها وتوجهت رأسًا إلى مكتبه، وقامت بدق الباب، وحين أتاها أمره بالدخول، قامت بالدلوف على الفور وهي تتوجه بخطوات ثابتة إليه، تشبه نبرتها حين قالت:
"عايزة أتكلم معاك في موضوع مهم."
رفع رأسه يطالعها بصمت دام للحظات، قبل أن يقول باختصار:
"سامعك."
"إيه حكاية الإيميل دا اللي اتبعت من ع اللاب بتاعي دا؟"
احتدت نظراته لثوانٍ، قبل أن يقرر الحديث بصراحة:
"من فترة اتعرضنا لعملية نصب. حد اتعاقد مع شركة ألمانية باسمنا وبعت من على إيميل الشركة أوردر للمخازن أنها تطلع البضاعة وتمن الصفقة والفلوس اتحولت على حسابه، ولحد دلوقتي معرفناش مين الشخص ده."
انكمشت ملامحها بعدم فهم، سرعان ما تحول لصدمة ما أن وصل مغزى حديثه إلى عقلها، والذي لسوء حظها أكدته كلماته حين تابع بخشونة:
"إيميل الشركة كان مفتوح عندي وعند سليم. وعندك!"
تراجعت خطوة للخلف وهي تقول بصدمة:
"تقصد..."
قاطعها حديثه الجاف حين أكمل:
"مروان فحص التلت أجهزة. اكتشفنا أن الإيميل اتبعت من عندك."
كلماته اخترقت قلبها كسهام مشتعلة نفذت إلى أعماقها بقوة آلمتها، وتجلى ذلك الألم على وجهها وتقاسيمها التي امتقعت، فخرجت الكلمات من فمها مبعثرة تمامًا كحالها في تلك اللحظة:
"أنا. أنت.. أنت.. تصدق.. أن.. أنا.. أعمل.. حاجة.. زي دي؟ أنا.. عمري.. ما.."
قاطعها بلهجته الخشنة وملامحه التي قست حين رأي ألمها الجلي على وجهها:
"الكلام ده عدى أوانه خلاص."
بشفاه مرتعشة أجابته:
"تقصد إيه؟.. لحظة. أنت سألتني عن اللاب بتاعي قبل الفرح.. يعني..."
زفر بقوة قبل أن يعيد كلماته السابقة:
"قولتلك الكلام عدى أوانه خلاص."
وصل المغزى خلف حديثه، فهو لم يشك بها قط، وإلا لما تابع مخططه بالزواج منها، فتقدمت منه قائلة بحزن:
"أنت مش شاكك فيا أصلًا. أنا متأكدة من ده."
تجاهل ألمه وأجابها بفظاظته المعهودة:
"طبيعي تكوني متأكدة. ماهو مفيش واحد هيتجوز واحدة شاكك فيها. وإلا يبقى غبي."
كانت تعلم ما يرمي إليه جيدًا، وقد تعاظم شعور الندم بداخلها على خطأها الجسيم بحقه، وقد هالها نظراته المعاتبة الجريحة، فهو لم يشك بها أبدًا حتى لو رأى بعينيه، وهي التي صدقت كلمات تلك الشيطانة وانساقت خلف مخططاتها بكل غباء. ياليت الزمن يعود إلى ذلك اليوم، فتنفض كل هذا العبث وترتمي بين أحضانه ولن تفارقها أبدًا.
اقتربت خطوتين وهي تقول بشفاه مرتعشة:
"سالم. أنا عارفة إني غلطت في."
قاطعها بقسوة كانت جديدة كليًا عليه:
"اسكتي يا فرح."
هبت معاندة:
"سالم."
قاطعها بصرامة:
"امشي يا فرح."
توقفت إثر اختراق الكلمة قلبها الذي اهتز، حين تابع قائلًا بجفاء:
"معنديش استعداد لأي نقاش دلوقتي ومش ضامن نفسي. ولا عايز يطولك أذايا. فالأحسن تمشي."
بشفاه مرتعشة وقلب محترق أجابته بخفوت:
"حاضر. همشي."
لا تعلم كيف جرت قدماها للأعلى، ولكنها لم تتوقع أن يطلب منها المغادرة بتلك الطريقة. نعم خطأها فادح وعواقبه وخيمة، ولكن طلبه منها بالرحيل كان أقسى ما يتحمله قلبها. جل ما تريده الآن أن تغادر هذا المنزل لأبعد مكان تختفي به لتلعق كبرياءها الجريح وقلبها النازف.
لا تعلم ماذا كانت تضع بالحقيبة، ف عبراتها حجبت الرؤية أمامها وشهقاتها تعالت، حتى أنها جذبت أسماع أمينة التي دخلت إلى الغرفة لترى ماذا يحدث، فتفاجأت بتلك التي تحمل حقيبتها تنوي المغادرة، فاستوقفتها قائلة بصدمة:
"رايحة فين يا فرح؟"
أجابتها بنبرة جريحة من فرط الألم:
"ماشية."
أمينة باستنكار:
"ماشية فين أنتِ اتجننتِ؟"
فرح بنبرة متقطعة من بين شهقاتها:
"لا. متجننتش. سالم اللي طلب مني أمشي."
بهتت ملامح أمينة وقالت بصدمة:
"إيه؟ سالم اللي طلب منك تمشي؟"
"قالي لو مش عايزة يطولك أذايا امشي. امشي يا فرح."
قالت جملتها الأخيرة وانفجرت في نوبة بكاء مريرة، رق لها قلب أمينة التي احتضنتها بحنان يتنافى مع تعاظم الغضب بداخلها، وأخذت تربت على كتفها في محاولة لتهدئتها، وحين لاحظت سكون جسدها قليلًا تراجعت تناظرها وهي تقول بصرامة:
"استنيني هنا. وأوعي تفكري تخطي بره باب الأوضاع بالشنطة دي. اللي مش قادر يسيطر على غضبه هو اللي يمشي. معندناش ستات تسيب بيتها."
أوشكت على مقاطعتها، فنهرتها أمينة بغضب:
"ولا كلمة. استنيني هنا."
في الأسفل كان يشعر وكأن الكون كله يضيق به. التنفس كان ثقيلًا للحد الذي جعله يقوم بفك ربطة عنقه وحل أزرار قميصه ليستطيع الأكسجين المرور إلى رئتيه التي كادت أن تنفجر من كثرة الضغط عليها.
"أنت فعلًا طلبت من فرح تمشي وتسيب البيت؟"
هذا كان استفهام أمينة الغاضب، حين اقتحمت الغرفة دون أن تستأذن، ولكنه لم ينتبه سوى لحديثها الذي جعل جميع خلاياه تتحفز، وقال بنبرة مستنكرة:
"تمشي وتسيب البيت؟ مين قالك كده؟"
"محدش قالي. دخلت الأوضة لقيتها منهارة وبتلم هدومها وماشية. أما سألتها قالت إنك قولتلها كده."
وثب قائمًا من مكانه، وقد غلف الغضب عينيه ولون تقاسيمه، وصدح صوته في أرجاء الغرفة وهو يقول بحدة:
"إيه التهريج ده؟"
ما أن خطى خطوتين باتجاه باب الغرفة، حتى تسمر بمكانه إثر سماعه صوت صراخها الذي اخترق أعماق قلبه.
رواية بين غياهب الاقدار "في قبضةالاقدار الجزء الثاني" الفصل العشرون 20 - بقلم نورهان العشري
"انت فعلًا طلبت من فرح تمشي و تسيب البيت؟"
هذا كان استفهام «أمينة» الغاضب حين اقتحمت الغرفة دون أن استئذان. ولكنه لم ينتبه سوي لحديثها الذي جعل جميع خلاياه تتحفز وقال بنبرة مستنكرة:
"تمشي وتسيب البيت؟ مين قالك كدا؟"
"محدش قالي. دخلت الأوضة لقيتها منهارة وبتلم هدومها وماشيه. أما سألتها قالت إنك قولتلها كدا."
وثب قائمًا من مكانه وقد غلف الغضب عينيه ولون تقاسيمه. وصدح صوته في أرجاء الغرفة وهو يقول بحدة:
"إيه التهريج دا؟"
ما أن خطى خطوتين باتجاه باب الغرفة حتى تسمر بمكانه إثر سماعه صوت صراخها الذي اخترق أعماق قلبه. الذي كان يسبق خطواته المتلهفة التي حملته إليها بسرعة البرق. فقام بدفع باب الغرفة ليتفاجئ بها تقف أمامه بجسد مرتجف وعينين تمطران ألمًا. فهرول إليها يحتضن كتفيها بيديه وبصوت يحمل اللهفة والقلق معًا خاطبها:
"إنتِ كويسة؟ حصل إيه؟"
تشابهت رجفة جسدها مع شفتيها حين قالت:
"عمو وفيق مات!"
تحدث بنبرة يشوبها التعاطف:
"لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. البقاء لله يا فرح."
تسابقت عبراتها في الانهمار على وجنتيها. وقامت بخفض رأسها. فشعر بقلبه ينشق إلى نصفين حين رأى الوجع يهزمها بهذا الشكل. فتجاهل كل شيء ونحى خلافهم جانبًا جاذبًا إياها لتستقر بين أحضانه ملجأها. الذي ما أن لامست دفئه حتى انخرطت في نوبة بكاء عنيفة. استقبلها صدره بكل رحابه حتى أنه صار يهدهدها كطفل صغير. إلى أن هدأت عواصف الألم بقلبها وأفرغت سحبها كل ما تحمله من أوجاع. فقام برفع رأسها وهو ينظر إلى عينيها التي لونت خضرتها بدماء الحزن. الذي كان أضعفه بقلبه. فقام باحتواء وجهها بين يديه وهو يقول بنبرة رقيقة:
"وحدي الله يا فرح.. محدش فينا له في نفسه حاجة."
لم تكن كلمات عاشقة بقدر ما كانت حانية. لامست أوتار قلبها الذي استعاد ذكرياته المريرة من آلام الفقد واللوعة التي تجلت بنبرتها حين قالت:
"ونعم بالله."
احتوت يديه خصرها وهو يقول بحزم:
"تعالي."
تركت له نفسها فهو خير من يؤتمن عليها. فدلف بها إلى الحمام وقام بفتح الصنبور. ومد يديه وأخذ يبلل وجهها بأنامل حانية كانت تخشى عليها من نسمة الهواء. فقد كان يصب الحنان على قلبها صبًا. بالرغم من أنه لم يتحدث ولكن أفعاله كان لها وقع البلسم على وجعها الذي لا يسكنه سوى وجوده.
"غيري هدومك.. وجهزي شنطتك عشان نلحق نحضر الدفنة."
برقت عينيها حين سمعت كلماته التي لا تقبل الجدال. فخرج سؤالها مندفعًا من بين شفتيها:
"إنت هتروح تعزي؟"
انكمشت ملامحه تعبيرًا عن استنكار لم يتخطي حدود شفتيه. بل إنه تخطاه حين قال بخشونة:
"يلا اجهزي مقدمناش وقت كتير. وأنا هخلي الجماعة يجهزوا على ما أحجز تذاكر الطيران."
كان هذا آخر ما تفوه به قبل أن ينخرط في دوامة انشغالاته لكي ينهي الأعمال المتراكمة عليه قبل أن يذهبوا إلى هناك. فلم تره سوى بعد مرور ساعتين حين كانت تستقل الطائرة برفقة «أمينة» و «مروان» و «سليم» و «جنة». التي كانت حزينة من أجل ذلك الرجل الذي لا زالت تتذكر ملامحه منذ أن رأته وهي تغادر مع أسرتها. والتي لا تشبه تلك الصورة المؤلمة التي رأته بها آخر مرة حين ذهبت إلى مزرعته للعيش بها.
شعرت بيد قوية تطوق كفها برفق. فألتفتت لتجد «سليم» الذي خاطبها بلهجة خافته:
"براهنك على الحصان الخسران على فكرة."
كانت تعلم المغزى خلف كلماته ولكنها آثرت المراوغة. فقالت مدعية عدم الفهم:
"تقصد إيه؟"
كان يرى داخلها بوضوح. ولكن قرر مجاراتها حين قال بخشونة:
"الحصان اللي كنتِ عايزة تخرجي بيه الصبح ضعيف. مش قد كدا.. لو كنتِ قولتيلي كنت جبتلك حصان أحسن. على الأقل ابقى ضامن إنه ميوقعكيش."
كان لحديثه معانٍ مبطنة تختلف كليًا مع ظاهره. ولكن لعبته أعجبتها. وقررت أن تذهب معه حتى النهاية. إذ قالت بخفوت:
"اصل انت مكنتش فاضي. ومحبتش أشغلك بحاجات تافهة."
"اشغليني بعد كدا." قالها آمرًا. فحاولت قمع ابتسامة أضاءت عينيها في تلك اللحظة. فالتفتت تناظره بخجل تجلى في نبرتها حين قالت:
"افرض كان عندك شغل أو…"
"هفضي نفسك حتى لو ورايا إيه. مش هيكون أهم منك."
كان تصريحًا تاقت إلى سماعه. بالرغم من يقينها من أنه لن يتأخر ولو ثانية لتلبية ندائها. ولكنها كانت تشتاق لسماع ذلك دون أن تخبره ذلك صراحةً. فلونت حمرة جميلة خديها. الذي اشتهى تقبيلهم في تلك اللحظة. ولكن ليس أمام الجميع هكذا. ولهذا أراد مشاكستها قليلًا حين قال بنبرة خافتة بجانب أذنيها:
"وعلى فكرة بقبل الهدايا وبموت في الرشاوي."
التفتت تناظره بصدمة تجلت على محياها بوضوح. مما جعله يتراجع إلى الخلف يستند برأسه وهو يحاول قمع ضحكته بصعوبة. حين أتاه صوتها المصدوم وهي تقول:
"يعني إيه دا؟"
ضيق عينيه وهو يقول بنبرة متهكمة بينما عينيه ترسلان نظرات عابثة:
"يعني مثلًا أنا بحب كيك البرتقال أوي. وياسلام لو كان من إيديكِ الحلوة دي. يبقى كيك بالبرتقال والعسل. وتستغليني بقى. يعني معلومة كده. معلومة كده. هقر على طول."
أدارت وجهها إلى الجهة الأخرى غير قادرة على النظر إلى وجهه. فهي تعلم ماذا يقصد. وعلى الرغم من ذلك فقد كانت لكلماته مفعول السحر على قلبها. الذي أخذ يدق بعنف. جعل الدماء تتدفق بقوة في سائر جسدها. الذي شعر هو برجفته. فقام بالتشديد من قبضته الممسكة بكفها وهو يقول بجانب أذنيها:
"عدي الجمايل بقى."
انكمشت ملامحها بحيرة تجلت في نبرتها حين قالت:
"تقصد إيه؟"
كانت عينيه تحمل العبث بينما أجابها بنبرة هادئة:
"إحنا طايرين بقالنا ربع ساعة."
شهقة كادت أن تفلت من بين شفتيها حين وصل إلى عقلها المغزى وراء حديثه. فهذا الماكر أخذ يتلاعب بالكلمات حتى يشغلها عن إقلاع الطائرة الذي تخشاه. فتعاظم الحنق بداخلها من مكره. فهي تعلم بأنه كان مستمتعًا بإرباكها. لذا قالت بجفاء:
"ياريت تنام أحسن."
أطلق تنهيدة قوية من أعماقه وهو يقول بتحسر:
"هو طول ما إنتِ ورايا هشوف النوم."
***
بأقدام مرتعشة دلفت إلى الغرفة التي كانت مُعبأة برائحة الموت. حتى أن جدرانها كانت باهتة تشبه بهوت معالمها التي لونها الذعر. فهي بحياتها لم تر شخص فارق الحياة أبدًا. وكم كانت تخشى رؤية الجثث حتى في العروض السينمائية كانت تُدير رأسها. ولكن كما يقولون الحب يفعل المستحيل. فهي لم تستطع البقاء في الغرفة وتركه في هذه اللحظات العصيبة. وبأمر من قلبها الذي كان له سلطة قوية على سائر جسدها خطت إلى الداخل. وحين رأته يجلس منكف الرأس منحني الجزع تبدد كل شعور لديها. وحل محله الألم على رؤيته هكذا. وانتحب قلبها تزامنًا مع صوت بكائه المكتوم الذي شعرت به. فامتدت يدها تلامس كتفه برقة تجلت في نبرتها حين قالت:
"ياسين.. شد حيلك."
خيط من السكينة بدأ بالتسرب إلى قلبه رويدًا رويدًا حين سمع صوتها. فقام بإرجاع رأسه للخلف. فإذا به يتفاجئ بها سندًا لوجعه الذي احتضنته ذراعيها. وطوقته بكل ما أوتيت من حب تجلى في نبرتها حين قالت:
"أنا عارفة إنك بتتعذب. الفراق صعب.. صعب أوي. بس افتكر إنه دلوقتي مرتاح. مفيش ألم ولا وجع."
كلماتها هونت من وجعه قليلًا. فهي محقة. فقد كان يتألم بحق ولا يوجد سبيل للراحة. وكانت رؤيته هكذا تؤلم جميع من حوله. الآن هو هادئ وملامحه ساكنة. لأول مرة منذ زمن طويل يرى هذا السلام بادٍ على محياه. وهذا ما جعل وجعه يسكن قليلًا. ولكن ألم الفراق قاتل ينخر العظام ويذيبها. وخاصةً حين يأتيك بغتة دون أن تكن مستعدًا له.
خرج صوته متحشرجًا حين قال:
"كان نفسي أودعه… آخر مرة شفته كان امبارح الصبح. قعد يبصلي كتير. كأنه كان بيودعني بس أنا مفهمتش.. لو أعرف مكنتش سبته."
انخرط قلبها وجعًا على حديثه الذي ذكرها بمصابهم. حتى وإن كان شقيقها سيئًا. ولكنها كانت تحبه وافتقدت وجوده كثيرًا. ولكنها لم تفصح عما يدور بداخلها. بل قامت بتمرير يدها على ذراعيه بحركات دائرية صعودًا على كتفيه في محاولة لتهدئة عضلاته المتشنجة. وهي تقول بصوت عذب:
"محدش يعرف الغيب غير ربنا. وانت كنت دايمًا جنبه مسبتوش أبدًا. ودا عمره. ادعيله بالرحمة."
خرجت الكلمات مُعذبة من فمه حين قال:
"ربنا يرحمك يا بابا…"
تزاحمت الذكريات بقلبها. فخرجت على هيئة أنهار جرت على خديها. فقامت بالانحناء واحتضان رأسه بذراعيها. وهي تقول بهمس بجانب أذنه:
"عندي فكرة حلوة. إيه رأيك أجيب المصحف ونقعد نقرأ قرآن جنبه لحد ما ييجي معاد الغُسل."
كانت قريبة منه لا بجسدها فقط بل بقلبها. حتى أنه شعر بروحه تعانق روحها في تلك اللحظة. فقامت يديه باحتضان يديها والتشديد عليها تعبيرًا عن امتنانه. ثم قال بنبرة معذبة:
"هاتي المصحف بتاعه. هتلاقيه في الرف التاني من الدولاب."
على مضض تركته يديها. فشعر بالجليد يحيط به. وكأن انسحابها عنه سلب دفء جسده. فصارت عينيه معلقة بها. إلى أن جلبت المصحف وجاءت بشال والدته المُلقى على أحد المقاعد. وقامت بلفه على خصلات شعرها المسترسلة على ظهرها. والتفتت لتجلس بجواره. وما هي إلا لحظات حتى خرج صوتها العذب وهي تقرأ آيات الذكر الحكيم. الذي كان له مفعول السحر على قلبه. الذي استكان وهدأ لدقائق. حين أتمت سورة البقرة. من بعدها ناولته الكتاب العزيز ليقول بتلاوة ما تيسر من آيات الذكر الحكيم.
***
"يا بابا بقولك اتكلمت معاها وهي رافضه خالص حتى النقاش."
هكذا صدح صوت «شيرين» في الهاتف. فأجابها «ناجي» بسخرية:
"دا المتوقع منها عشان متعرفش حاجة. لكن أنا هثبتلها إن كلامي صح."
زفرت بقوة قبل أن تقول بتحذير:
"بابا لآخر مرة هسألك. كلامك عن طنط أمينة حقيقي؟ يعني أنا بصراحة مش مصدقة. حاسة إن في حاجة غلط. ولو فعلاً احساسي صح فأتأكد إني مش هساعدك في المخطط الحقير دا."
صرخ «ناجي» بغضب:
"حتى أنتِ يا شيرين مش مصدقاني! مش مصدقة أبوكي؟"
تراجعت «شيرين» وقالت بخفوت:
"يا بابا كلامك مش معقول بصراحة. إزاي طنط أمينة كانت بتحبك. وهي من وهي صغيرة كانت مخطوبة لخالي زي ما قالولنا."
«ناجي» بغضب:
"أمينة كانت بتحبني أنا. ولما لقت إن منصور نصيبه أكتر مني عشان أبوه معندوش غير ولدين وبنت وكدا نصيبه هيكون كبير من التركة. سابتني وراحت اتجوزته. وبعدها أنا حبيت أمك واتجوزتها. وأمينة كانت هتموت لما شافتنا سعدا ومبسوطين مع بعض. وهي اللي خططت ودبرت لكل إللي حصل عشان تطلعني خاين وتبعدني عن أمك. أمك اللي طول عمرها ماشية وراها مغمضة."
تعاظم الغضب بداخلها بعد أن نجح الشيطان في إشعال نيران الفتنة بقلبها. فقالت بانفعال:
"يبقى ماما لازم تعرف كل ده. ولو معاك الأدلة زي ما بتقول يبقى توريهالها."
«ناجي» بحنق:
"أوريلها إيه وهي رافضة تسمع حتى اسمي!"
«شيرين» بتفكير:
"سيب الموضوع دا عليا. أنا لازم أستغل فرصة إن محدش هنا وأخليك تشوفها."
"حلو أهو أنتِ كدا بنت أبوكي بصحيح…"
"النهاردة بالليل أنا هاخدها ونخرج كأننا رايحين نشتري أي حاجة. وهكلمك قبلها أعرفك هنتقابل فين بالظبط."
التمعت عينيه بشر قبل أن يقول:
"هستناكي."
أنهت مكالمتها وتوجهت للشرفة تستنشق الهواء النقي. فإذا بها ترى «ريتال» التي كانت تلهو في الحديقة. ولكن فجأة تسمر جسدها وكأن هناك صاعقة برق ضربتها. حين شاهدت أفعى سوداء تقترب من الطفلة ببطء. فلم تشعر بنفسها سوى وهي تصرخ بملء صوتها:
"ريتاال حاسبي…"
التفتت «ريتال» تناظر «شيرين» التي كان الذعر يجتاحها بقوة. دفعتها لأن تهرول إلى الأسفل وهي تصيح:
"دادة نعمة. عم عبدو. انتوا فين؟"
كان صراخها يرن في أنحاء القصر وهي تهرول إلى الحديقة. وفجأة سمعت صوت صرخة قوية كانت لـ «ريتال». فهوى قلبها رعبًا بين قدميها. وصاحت بذعر:
"ريتاال…"
شهقة قوية خرجت من جوفها لدى رؤيتها ذلك الظل الضخم لرجل كان يحتضن «ريتال» بقوة وبيده سلاح ناري. فتوجهت عينيها تلقائيًا إلى الأفعى الغارقة بدمائها. فطنت إلى أن ذلك الغريب قام بقتلها بسلاحه. ولكن كيف؟ فهي لم تسمع صوت لطلق ناري؟ تقدمت عدة خطوات مقتربة منهم. في البداية لم تتعرف إليه. ولكن ما أن أصبحت على بعد خطوتين حتى تفاجئت حين علمت هوية ذلك الضخم. فخرج صوتها مصدومًا:
"طارق!"
***
أخيرًا وصلوا إلى ذلك المنزل الكبير الذي اتشح بالسواد. فقد كان الحزن يحيط به من كل جانب ينعي فقيده الراحل. والذي رحل وترك خلفه قلوب تتعذب. كان على رأسهم «عبد الحميد» الذي لون الحزن ملامحه التي بدت أكبر بكثير من سنوات عمره الخمس والسبعون. فتبدل من ذلك الرجل القوي الصارم الذي يهابه الجميع إلى آخر أحنى الوجع قامته وهدم جبال صلابته. فحين وقعت عيني «سالم» على مظهره تأثر كثيرًا وشعر بالتعاطف معه.
"شد حيلك يا حاج عبد الحميد.. البقاء لله."
هكذا تحدث «سالم». فأجابه «عبد الحميد» بنبرة حاول أن تكون ثابتة:
"الدوام لله.. تعبت نفسك يا سالم بيه."
«سالم» بخشونة:
"ولا تعب ولا حاجة. إحنا أهل.. البنات جوا مع الحريم ومعاهم الحاجة."
«عبد الحميد» بتأثر:
"فيها الخير.. منجيلكوش في حاجة عفشة."
التفت «سالم» يناظر «عمار» الذي كان وجهه مكفهرًا والغضب بادٍ على محياه وينبعث من نظراته. وكانت هذه طريقته في التعبير عن غضبه. فقام «سالم» بمد يده يصافحه وهو يقول بفظاظة:
"البقاء لله."
كانا رجلين صالحين. ولكن فواجع أقدارهم هي من جعلتهم يومًا خصمين. والآن لم يكن يتوقع «عمار» أن يأتي أحد لحضور مراسم العزاء. فإذا به يتفاجئ بالجميع. ومن بينهم ذلك الذي ظنه خصمه ذات يوم. فمد يده يصافحه بخشونة تجلت في نبرته حين قال:
"الدوام لله… جيت يعني؟"
«سالم» بفظاظة:
"وإيه اللي مش هيخليني آجي؟ إحنا أهل وبينا نسب لو ناسي!"
لم ينسى. ولكنه كان دائمًا مندفعًا يصيب الآخرين بسهام ظنونه السيئة. ولكن مؤخرًا بدأ بالتعرف إلى طباعه الخاطئة. وإن لم يكن قد أخذ القرار بتصحيحها بعد.
"لا منسيتش.. اتفضلوا."
في الداخل التفت الفتيات حول «تهاني» التي كانت تبكي بحرقة وهي تتجهز لفراق زوجها الغالي ورفيق دربها. الذي وبالرغم من مرضه الشديد إلا أنها كانت ترفض وبشدة فكرة خسارته. وحين استيقظت صباحًا شعرت بشيء سيئ جعل قلبها ينقبض. فالتفتت متلهفة إلى مخدعه تريد الاطمئنان عليه. فإذا به تجد وجهه ساكنًا يلون السلام معالمه. فشعر قلبها بأن تلك الراحة البادية على ملامحه هي علامة الموت.
لم تصرخ ولم تصيح. فقط اكتفت بعبرات حارقة خرجت من أعماق قلبها وهي تخبر ولدها بالخبر المشؤوم. وداخلها يحترق حزنًا على وجعه الذي لم يستطع إخفاءه عن عينيها. فأخذت تبكي الحي والميت وهي تتضرع إلى الله عز وجل أن يلهمهما الصبر والسلوان على مصابهم.
"شدي حيلك يا طنط."
هكذا تحدثت «فرح» وهي تربت على كتف «تهاني» بمواساة. فأجابتها الأخيرة بخفوت:
"الشدة على الله يا بتي."
بينما لم تستطع «جنة» الحديث. فقد كانت تشعر بالاختناق من أصوات البكاء ومظاهر الحزن حولها. فشعرت بالدوار يلفها. فاقتربت منها «فرح» قائلة بقلق:
"جنة أنتِ كويسة؟"
أومأت برأسها دون حديث. ولكن كان وضعها يزداد سوءًا. ف قامت «فرح» بجلب هاتفها والاتصال بـ «سليم» الذي ما أن رأي اسمها على الشاشة حتى أجاب بلهفة:
"في حاجة يا فرح؟"
"جنة تعبانة…"
لم تكد تنهي «فرح» جملتها حتى هب واقفًا متوجهًا بأقدام مرتعبه إلى الخارج وهو يقول بلهفة:
"إنتوا فين؟"
"إحنا في البيت جوا مع الحريم. أنا هسندها ونطلعها لحد فوق."
أجابها بحزم:
"أنا مستنيكِ بره قدام الباب."
أنهت جملتها واستأذنت من «تهاني» التي لم تعارض. وقامت بإسناد «جنة» إلى خارج الغرفة. ف لمحها ذلك الذي كانت كل خلية به ترتعب خوفًا عليها. وخاصةً حين رآها مستندة على كتف «فرح». فساقته خطواته الفهدية إليها. وما أن وصل قربها حتى امتدت يديه تحاوطها بلهفة تجلت في نبرته حين قال:
"جنة."
كان يتحدث ويد تحيط بخصرها. والأخرى تربت بخفة على ملامحها. فرفرفت برموشها وهي تهمس باسمه:
"سليم."
لم يحتمل قلبه همسها المتعب. وقام بثني ركبته ووضع يده الأخرى خلف ظهرها وحملها بخفة. وهو يوجه حديثه لـ «فرح»:
"اطلعي قدامي وريني الأوضة بتاعتها."
أطاعته «فرح» بصمت. وما أن وصل إلى الغرفة حتى وضعها برفق فوق المخدع. وهو يقول بنبرة ترتجف ذعرًا:
"خليكِ جمبها وأنا هكلم الدكتور ييجي يشوفها. شكلها ميطمنش."
ما أن أوشك على الانسلاخ عنها حتى تفاجئ بها تمسك بكفه تأبى تركه لها. وهي تقول بصوت متعب:
"متسبنيش.. أنا خايفة."
فعلتها تلك أضرمت النيران بأوردته. تمسكها به لجوئها إليه وتصريحها بذلك كانت أشياء لم يكن يتخيل حدوثها. وخاصةً في هذا الوقت. وبأمر من قلبه قام باحتضانها بقوة. وكأنه يثبت بالبرهان بأنه بجانبها ولن يتركها أبدًا. فرق قلب «فرح» وتسرب السرور إليها حين رأت ما حدث. وقالت بخفوت:
"خليك جمبها أنت.. هي تلاقيها تعبت من الجو العام. جنة طول عمرها بتهرب من المواقف دي ومبتتحملش. هخلي حد من البنات يعملها حاجة تهديها. وأن شاء الله هتبقي كويسة."
لم يكن يملك قدرة على الحديث. فطاقته بالكامل كرسها في بث الأمان والطمأنينة في قلب تلك التي سكنت بأحضانة. وكأنه بيتها التي لا ملجأ لها إلا هو.
***
تمت مراسم الدفن وانقضى اليوم الطويل. ودلف «عبد الحميد» إلى الداخل. وخلفه حفيديه ورجال عائلة الوزان على رأسهم «سالم» الذي ما أن خطي إلى الداخل والتقمتها عينيه حتى تعاظم الشعور بداخله. واختلط عشقه بالحزن على ملامحها الزابلة. وخاصةً حين رآها وهي تعانق جدها الذي لأول مرة يراه منكسرًا بهذا الشكل.
"البقاء لله يا جدو."
"الدوام لله يا بتي."
تشابكت نظراتهم. وكأنها تخبره لقد خابرت هذا الشعور من قبل. بينما هو يعتذر عن كونه كان غائبًا وتركها تتحمل كل هذا بمفردها حين توفي والداها.
تحمحم «عبد الحميد» بخشونة. وخرج صوته متحشرجًا حين قال:
"انتوا تعبتوا النهاردة. خدي جوزك واطلعي عشان ترتاحوا."
رجفة قوية ضربت سائر جسدها حين سمعت كلمات جدها. وتلقائيًا تشابكت نظراتها مع خاصته. ولكنها سرعان ما نظرت إلى الجهة الأخرى إلى «أمينة» التي صافحت «عبد الحميد» وقامت بتعزيته. قبل أن تقول بنبرة شبه آمرة:
"جدك عنده حق. خدي جوزك واطلعي ارتاحوا فوق يا فرح."
لا تعرف ماذا تفعل. فالجميع يطالعها وهي عاجزة عن الحديث أو الحركة. فجاء صوته لينقذها من حيرتها إذ قال بخشونة:
"يالا يا فرح.. إنتِ تعبتي من السفر. بكرة الصبح ابقي اقعدي مع جدك براحتك."
بدأ عذرًا مقبولًا لحيرتها وتخبطها الذي ظهر بقوة على ملامحها. بينما هي أطاعته بصمت. وداخلها سؤال ملح لا تعرف إجابته: "كيف ستنام معه بغرفة واحدة؟"
دلف إلى الداخل وهي أمامه. وقام بإغلاق باب الغرفة وهو لا يتطلع إليها. فقد كان يعلم ما يدور بخلدها. لذا توجه مباشرة إلى الحقائب التي جاءت إلى هنا مسبقًا. وقام بإخراج ملابس النوم وهو يقول بخشونة:
"هدخل أغير في الحمام. خدي راحتك."
نظرت إلى باب الحمام الذي أغلقه خلفه. وقامت بسحب نفس قوي إلى داخل رئتيها. بينما ضجيج قلبها لم يهدأ. واختلط بذكريات سيئة تجاهد حتى تتغلب عليها. فقامت بجر قدميها حتى تصل إلى حقيبتها. وقامت بإخراج ثوب قطني باللون الكحلي يصل إلى أسفل ركبتيها. وكإنسان آلي أنهت تغيير ملابسها. وذهبت رأسًا إلى السرير. فلا تملك أدنى طاقة للحديث أو حتى النظر إليه دون أن تركض إلى أحضانه بكل ما تحمل من آلام وأوجاع تكالبت عليها.
حاولت التظاهر بالنوم حين سمعت صوت الباب يغلق. وفجأة برقت عينيها حين شعرت بثقله على السرير. فأخذت دقات قلبها تقرع كالطبول. وتنبهت جميع حواسها. وحمدت ربها أنها كانت تعطيه ظهرها ل ألا يرى وجهها الآن.
سكنت لثوانٍ غير قادرة حتى على التنفس. فهو قريبًا منها لدرجة لم تختبرها من قبل. بينما كان بعيد كل البعد عنها ومحرم عليها حتى الاقتراب منه. تكالبت جميع أوجاعها على قلبها. الذي كان في أضعف حالاته. فتقاذف الدمع من عينيها بغزارة. بينما كانت تحاول جاهدة ألا تخرج صوتًا يدل على مدى ضعفها واحتياجها إليه. ولكن القلب للقلب يحن والروح بالروح تشعر. خرج صوته الذي كان محشو بالحنان حين شعر بألمها وبكائها الذي تحاول كتمانه. فهمس باسمها:
"فرح."
أخذت نفسًا قويًا تحاول منع نوبة انهيارها. ولكنه لم يعطها خيار. فشعرت بلمسته الحارقة على ذراعها. فلم تستطع الصمود أكثر. فقامت بالالتفات إليه وهي تقول من بين شهقات لم تفلح في كتمانها:
"سالم. ينفع تاخدني في حضنك!"
لم تكد تنهي جملتها حتى وجدت ذراعيه تحيطها بكل ما أوتي من عشق. تجاهل لأجله كل شيء. حتى أن كبرياءه لم يصمد أمام ضعفها هذا. فصار يهدهدها برقة لم يتخيل أنه يملكها. بينما تعالي بكائها حتى صار نحيبًا. أخذ يتردد بين جنبات صدره. الذي كان يخفق بعنف تأثرًا بانهيارها. الذي كان أكثر من مؤلم له ولقلبه.
***
دلف إلى الغرفة وهي خلفه. فقام برمي ثقله على المقعد الذي اهتز قليلاً. بينما أرجع رأسه للخلف وهو يغمض عينيه بتعب نابع من قلب يتألم بشدة. وقد كانت تنتظره بعينين اختلط بهم العشق مع الأسى على حاله. فقامت بالاقتراب منه ومدت أناملها الرقيقة لتلامس جوانب رأسه. وهي تحركها بحركات دائرية أضفت بعض الراحة إلى ضجيج عقله. وهدأ ذلك الصداع المميت الذي كاد أن يفتك به. فارخت معالمه قليلاً. فجاء صوتها الحاني حين قالت:
"أجهزلك الحمام؟"
"لا."
"طب مش هتاكل أي حاجة بردو؟"
استفهمت بنبرة يائسة. تجاهلها وقال بصوت محشو بالوجع:
"حلا. عايز أنام في حضنك."
أنهى جملته تزامنًا مع هطول دمعة يتيمه من طرف عينيه تحكي مقدار وجعه الذي فتت قلبها. فقامت بمد يديها وجذبته من يده. وتوجهت إلى السرير وجلست نصف جلسة. بينما فتحت ذراعيها مرحبة باحتضان وجعه. فارتمى بكامل ثقله بين أحضانها وهو يرتجف من شدة البكاء. الذي شاطرته إياه. فاختلطت عبراتهم كما تعانقت أرواحهم في تلك اللحظة التي لن تنسى أبدًا. فالقلب لا ينسى أبدًا تلك اليد التي انتشلته من بحور الألم وربتت على أوجاعه ولملمت شتاتها. وكانت ملجأه في أكثر لحظاته جزعًا.
***
جاء الصباح وانتصرت أشعة الشمس على دجى الظلام الذي خيم على القلوب التي أضعفها الألم وشوه معالمها الحزن. لولا وجود تلك اليد الحانية التي رممت أوجاع الماضي وحاكت بأناملها شقوق الروح لما كنا تجاوزنا.
هكذا كانت تشعر وهي تنظر إلى نفسها في المرأة. فهي لولا انهيارها بين ذراعيه ليلة البارحة لما كانت الآن على قيد الحياة. فالألم حتمًا كان سيجهز عليها. وبالرغم من ذلك فهي لا تعلم كيف ستنظر إلى عينيه؟ يغمرها خجل كبير أن تقف أمامه بعد أن طلبت منه أن يحتويها بين ذراعيه. نعم هو زوجها ولكن!
"أوف بقى. وبعدين يا فرح. ماشي لسه متجوزتوش. بس هو جوزك بردو. اتعاملي عادي ومتجيبيش سيرة امبارح خالص."
هكذا أخذت قرارها. وبناءً عليه استجمعت قوتها وخرجت من الحمام لتتفاجئ به يقف أمامها يناظرها بعينين تغزوها اللهفة التي خالطت نبرته. حين اقترب منها قائلًا:
"عاملة إيه دلوقتي؟"
تحمحت بخفوت قبل أن تجيبه بارتباك:
"الحمد.. الحمد لله. أحسن."
كانت نظراته تحثها على الحديث. الذي خرج منها رغمًا عنها ضاربة بعرض الحائط جميع قراراتها:
"سالم.. يعني.. بخصوص. امبارح.. أنا."
لاح شبح ابتسامة على شفتيه حين سمع حديثها. ولكنه قاطعها بحزم قائلًا:
"امبارح عدا… خلينا في النهاردة. متأكدة إنك بقيتي كويسة؟"
رفع من عليها الحرج. فهتأت نبرتها كثيرًا. وخرج صوتها ثابتًا حين قالت:
"مش أحسن حاجة. بس أكيد مش زي امبارح."
جاء سؤاله مباغتا. فهي لم تتوقع أن يشعر بها بتلك الطريقة:
"كنتِ لوحدك لما والدك توفي؟"
لامست نبرته وترًا حساسًا داخلها. وأعاد استفهامه ألمًا تجاهد بقوة حتى تنساه. فأومأت برأسها بالإيجاب. بينما تجمعت طبقة كريستالية من الدموع في حدقتيها حين قالت بخفوت:
"مشهد امبارح دا اتكرر كتير أوي على فكرة. بس مكنتش بلاقي حد يحضني كدا.. أنا كنت لوحدي في كل حاجة."
"بس أنتِ دلوقتي مش لوحدك يا فرح."
قال جملته بينما امتدت يديه تمسكانها من أكتافها. وعينيه تناظرها بنظرات اجتمع بها ألف شعور. بينهم الحب واللهفة والألم. وأخيرًا الأمان الذي غلفها للحظات. لسوء حظهم قطعها صوت الهاتف الذي بدد الأجواء حولهم. ف تحمحم «سالم» بخفوت قبل أن يلتقط الهاتف مجيبًا:
"أيوا يا متر. طمني عملت اللي قولتلك عليه؟"
المحامي بصدمة:
"سالم بيه. في حاجة مهمة حصلت ولازم تعرفها."
«سالم» بتوجس:
"حصل إيه؟"
"البنت اللي اسمها لبنى قدمت شكوى في عدى صاحب حازم بيه الله يرحمه إن هو اللي اغتصبها وأجبرها تقول على إن حازم هو اللي عمل كدا."
«سالم» بصدمة:
"إيه!!!"
تجاوز عن صدمته لدى رؤية الفضول الذي لون معالمها. فأشار لها بيده بأنه سينزل إلى الأسفل. وما أن خرج من باب الغرفة حتى قال بغضب:
"إنت متأكد من الكلام دا؟"
"طبعًا متأكد.. أنا حتى روحتلهم زي ما حضرتك قولتلي لقيتهم عزلوا من المنطقة أول امبارح بالليل."
لم يستطع تصديق ما تسمعه أذناه. فما يحدث مريب للغاية. ولكن لابد له من أن يصل إلى نهاية تلك الدوامة في أسرع وقت. لذا قال بصرامة:
"هما أكيد هيقبضوا على عدى."
"هما فعلاً قبضوا عليه."
«سالم» بحنق:
"عايزك تحضر التحقيق ضروري. بصفتك المحامي بتاعه. وأنا بكرة بالكتير هكون عندك."
أنهى مكالمته وتوجه إلى الداخل. فوجدها جالسة على مخدعها. وأمارات الغضب بادية على محياها. فقال بفظاظة:
"فرح. معلش أنا لازم أكون في القاهرة بكرة ضروري. فمش هقدر أحضر أيام العزي كلها."
زحف الألم إلى قلبها. فقد كانت تعلم بأن هناك شيئًا يحدث معه. ولكنها لا تجرؤ على السؤال. تعلم بأنه حتمًا لن يجيبها. وعلى ذكره للرجوع تذكرت أنها باللحظة التي عرفت هذا الخبر المشؤوم كانت على وشك مغادرة المنزل. فماذا تفعل الآن وهو لم يذكر شيئًا. وخاصةً حين سمعته وهو يحادث «سليم» ليتجهز حتى يغادروا بعد ساعة من الآن.
اقتربت منه وهي تقول بنبرة مرتعشة وقلب مرعب:
"أنا.. يعني.. قبل ما أعرف الخبر كنت.. أقصد.. كنت ناويه أمشي. يعني.. إنت.. قلت…"
كان يلملم أشياءه بيد وبالأخرى يعبث بالهاتف. وفجأة التفت يناظرها وهو يقول بفظاظة:
"فرح. معلش مش مركز معاكِ. ورايا حاجات مهمة لازم أخلصها قبل ما نتحرك. أجهزي دلوقتي ونبقى نكمل كلامنا في الطيارة واحنا راجعين."
أنهى كلماته وتوجه إلى الخارج. حتى لا يلتفت ويقوم بتوجيه لكمة قوية لرأسها الغبي. ولم يتسن له رؤية ابتسامتها التي أضاءت وجهها. فقد كانت تعلم بأنه تجاهل حديثها عن المغادرة عمدًا. فحين قال جملته الأخيرة لمعت عيناه وكأنه يخبرها بأنه حتمًا لن يغادر من دونها. وقد كان هذا أكثر ما تتوق إليه.
***
كان يقف بالخارج يستند على سيارته بملل. فقد خاطبه «سالم» يخبره بأنهم سيعاودون أدراجهم اليوم. وقد خرج ليستنشق بعض الهواء النقي. فإذا به يرى تلك الفتاة المجنونة التي اتهمته ذلك اليوم بأنه سفاح حين رأته يحاول إسعاف ذلك الرجل «عمار».
"إنتِ يا نيزك.. عاملة إيه؟"
هكذا تحدث «مروان» مازحًا. فناظرته «نجمة» بنظرة شاملية من أعلى رأسها حتى أخمص قدميه. فأردف ساخرًا:
"إيه ياختي.. شكلي مش عاجبك ولا حاجة؟ بتبصيلي من فوق لتحت كدا ليه؟"
«نجمة» بامتعاض:
"افتكرتك. مش إنت الچدع اللي كنت بتحاول تقتل الكبير؟"
تعاظم الحنق بداخله وقال مستنكرًا:
"هو إنتِ يا بنتي. إنتِ الغباء عندك مُركز؟ بقولك كنت بنقذه."
أجابته بامتعاض:
"ومالك فخور أكده ليه؟ كنك عملت حاجة زينة. دانت بلّيت الدنيا بيه."
قهقه «مروان» على حديثها وقال بمزاح:
"آه صح أنا نسيت إنك مش بتطيقيه.. الصراحة هو مينطقش."
نهرته قائلة:
"مالك فشتك عايمة أكده ليه. احترم الموت اللي إحنا فيه؟"
فصاح منزعجًا:
"إنتِ مش طيقاني كدا ليه يا بت. إنتِ ما تيجي تاخديلك قلمين أحسن؟"
"لاه وأنا هبلة. أحسن الأجي معاك سنجه ولا حاجة تخلص عليا.. إني مش مستغنية عن عمري."
«مروان» باستنكار:
"سنجه! إنتِ مدية نفسك حجم كبير أوي. دانتِ آخرك قصافة ونخلص الدنيا من لسانك الطويل دا."
«نجمة» بانفعال:
"شفت.. اهو إني مغلطتش لما جولت إنك سفاح.. وبعدين إيه جصافة دي. ليه سوحلية ولا سوحلية يعني؟"
«مروان» باستنكار:
"سوحلية! إلا هي إيه السوحلية دي يا أبلة نجمة؟ اختراع جديد وصلتيله بذكائك؟"
"بتتريج.. هجول إيه مانت چاهل!"
هكذا أجابته بسخرية. فتابع بنفس لهجتها:
"طبعًا جاهل. أي حد جمبك هيكون جاهل. ودا عشان إنتِ منبع المفهومية كلها."
"أيوا دي حقيقة…"
"التواضع عايز منك إيه؟ بالك إنتِ لو مش حلوة شوية كنت ناولتك كف خماسي طيرت صواميل مخك.. وكنت ريحت البشرية من غباوتك."
شهقة قوية خرجت من جوفها جذبت أنظار ذلك الذي كان يقف مع الرجال. ولكن انتفخت أوداجه غضبًا حين وجدها تقف مع ذلك الشاب هناك. فترك الرجال وتقدم يتشاجر مع خطواته. فاخترقت كلماتها مسامعه فجن جنونه أكثر:
"كنك بتعاكسني إياك!"
لم يكد «مروان» يجيبها حتى صدح صوت محشو بالغضب خلفهم:
"واقفة عندك بتعملي إيه يا بت إنتِ؟"
انتفضت في وقفتها حين رأته. وخرج صوتها مرتعبًا حين تمتمت:
"إني مبعملش حاجة؟ كت معدية جام وجفني."
تكلم «مروان» بخفوت:
"جالك الموت يا تارك الصلاة."
"بتوقفها ليه يا چدع إنت؟"
هكذا سأل «عمار» بغضب. مما جعل «مروان» يستاء من صراخه هكذا. فقال بنبرة حانقة:
"عادي كنت بسلم عليها."
جفلت ملامحه لدي ذكرها لتلك الحادثة. ف تراجعت للخلف خطوتين وهي تقول بخفوت:
"ماله ده. هو إني اللي كنت ضربته ولا إيه؟"
صاح «مروان» يعنفها:
"الله يخربيتك.. إنتِ بتفكريه!"
"بصيلي إني يا بغل إنت؟ إني سامعها وهي عتِجولك بتعاكسني؟"
هكذا صاح «عمار». فقال «مروان» بغضب:
"محصلش يا عم إنت. هو إنت واقف رامي ودانك معانا ولا إيه؟"
وتدخلت «نجمة» لتهدئة الأوضاع:
"أيوا محصلش حاجة. دا أهبل حد ياخدله على حديت."
لم يزده حديثها إلا جنونًا. فقد ظن أنها تدافع عنه. فقام بجلبه من تلاليبه وهو يقول بغضب بلغ حد الجنون:
"إني بجي هعجله."
صاح «مروان» يمنعه من أي فعل طائش:
"بقولك إيه.. أنا لحد آخر لحظة مش عايز أمد إيدي عليك.. وإنت إيدك طارشة وممكن تأذيني. ما صدقت عيني تخف الله يخربيتك.. مش هعرف أشقط البت اللي مستنياني هناك دي."
«عمار» بوعيد:
"تشقط البت.. مش لما تدور على حد يشقطك من يدي اللول."
أنهى كلماته وقام بتوجيه لكمة قوية كانت من نصيب عين «مروان» اليمنى. فأخذت «نجمة» تصيح هنا وهناك. فهرول الجميع على صوتها. وكان أول من تواجد هو «سالم» الذي انتزع «مروان» من يد «عمار» وقام بتكبيله. وهو يقول بغضب جحيمي:
"شيل إيدك عنه بدل ما أكسرهالك."
وما أن أوشك على توجيه لكمة قوية إلى «عمار» تدخل الغفر و «سليم» حتى يمنعوا اشتباكهم. فصاح «عمار» بغضب:
"قبل ما تيجي تتعارك ربي البغل ده اللي عم يعاكس حريمنا."
توقف «سالم» مصدومًا مما حدث. فالتفت يناظر «مروان» الذي اسودت عينه اليمنى بفعل تلك اللكمة. وقال بنبرة متوعدة:
"الكلام دا حقيقي؟"
«مروان» بلهفة:
"تعرف عني الكلام دا بردو؟"
التفت «سالم» يناظر «عمار» الذي صرخ في نجمة:
"عاكسك ولا لاه؟"
«نجمة» بمراوغة:
"عاكسنيش چوي يعني."
"انطجي الحجيجة يا بت."
كانت عينيه ترسل سهام التحذير. فصرخت قائلة بذعر:
"عاكسني.. وجالي يا جمر."
برقت عيني «مروان» وقال بتحسر:
"الهي يجيكِ ويحط عليكِ يا بعيدة.. هتروحي من ربنا فين؟ أقوله كنتِ بتقولي عليه إيه؟"
"أوقف المهزلة دي فورًا…"
هكذا صدح صوت «سالم» الصارم. والذي نظر إلى «عمار» قائلًا بفظاظة:
"عندي دي يا عمار. وعمومًا إنت اديته اللي فيه النصيب. وإحنا أصلًا ماشيين."
"همرجها المرادي لكن لو اتكررت…"
قاطعه «سالم» بصرامة:
"مش هتتكرر تاني. الموضوع انتهي. خلاص. يالا عالعربيات…"
كانت جملته الأخيرة موجهة لكلا من «سليم» و «جنة» و «فرح» ووالدته و «مروان» الذي قست النظرة الموجهة إليه. فأخذ يتمتم بتحسر:
"أنا في حد تففلي في حياتي والله. تاني مرة أتشلفط قبل ما أروح أعلق البت. شكلك فقر يا سما الكلب إنت."
***
رحلة العودة كانت هادئة. فبعد أن قاموا بتوديع «حلا» والجميع انطلقوا عائدين. وقد كان «سالم» ملامحه لا تبشر بالخير. وللمرة التي لا تعرف عددها توشك أن تسأله ما به. ولكنها تتراجع في اللحظة الأخيرة. وقد قررت أن تحادثه حين يعودوا إلى المنزل لتحل تلك الأمور العالقة بينهم. فلم تعد تحتمل هجرًا آخر. يكفيها هذا القدر من العذاب.
توقفت السيارات أمام المنزل. وما أن ترجل الجميع منها حتى تفاجئوا بذلك الصوت الذي زلزل أرجاء المكان حولهم:
"سالم يا وزاااان. موتك على إيدي….."
جاءت الكلمات تزامنا مع طلقات الرصاص التي انطلقت فوق رؤوسهم. وووووو….
يتبع….