تحميل رواية «بين غياهب الاقدار "في قبضةالاقدار الجزء الثاني"» PDF
بقلم نورهان العشري
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
يتحدثون دائمًا بأن الكتمان مؤلم وضريبته موجعة. ولكن هل اختبر أحدكم مرارة البوح؟ أن تُخرج ما بداخلك وتترك نفسك مثلما خُلقت أمام أحدهم وتكتشف بعد ذلك بأنك أعطيته السلاح الوحيد القادر على قتلك! للبوح أيضًا ضريبة ولكننا لا نملك تكلفتها. بلغ الوجع ذروته واشتدت آلام المخاض كما اشتد نزيف القلب. فعلاً صراخها حتى دوى رنينه في أرجاء السيارة التي كان يقودها سالم وبجانبه سليم الذي يجلس بقلب مرتاعب ممزق عاجز عن إخماد ألمها وإيقاف نزيف روحها التي لم تفلح كلمات فرح المهدئة في تضميدها. "أهدي يا حبيبتي خلاص قربن...
رواية بين غياهب الاقدار "في قبضةالاقدار الجزء الثاني" الفصل الحادي والعشرون 21 - بقلم نورهان العشري
رحلة العودة كانت هادئة. بعد أن قاموا بتوديع حلا، انطلق الجميع عائدين. سالم كانت ملامحه لا تبشر بالخير. وللمرة التي لا تعرف عددها، أوشكت أن تسأله ما به، ولكنها تراجعت في اللحظة الأخيرة. قررت أن تحادثه حين يعودون إلى المنزل لتحل تلك الأمور العالقة بينهما، فلم تعد تحتمل هجرًا آخر، يكفيها هذا القدر من العذاب.
توقفت السيارات أمام المنزل. وما أن ترجل الجميع منها، حتى تفاجأوا بذلك الصوت الذي زلزل أرجاء المكان حولهم:
"سالم يا وزان. موتك على إيدي…"
جاءت الكلمات تزامنًا مع طلقات الرصاص التي انطلقت فوق رؤوسهم. تعالت الشهقات وصيحات الخوف من حولهم. قام سليم بجذب جنة ووالدته للاحتماء خلف السيارة. وكذلك فعل سالم مع فرح، التي كانت ترتعب وهي تراه يشهر سلاحه بعد أن تفادى إحدى الرصاصات بأعجوبة. وما أن أوشك أن يصوب تجاه هذا الرجل، حتى قام الحرس بالإمساك به، بينما أخذ يصيح بغضب هستيري:
"هخلص عليك زي ما دمرتني. مش هتفلت من إيدي انت وهي…"
أخذ يتلوى بين يدي الحراس وهو يصيح ويتوعد. بينما التفت سالم إلى مروان قائلاً بلهجة آمرة:
"خد ماما والبنات على جوا…"
هرولت فرح تجاهه بأقدام متلهفة وقلب مرتعب، ولكنها توقفت إثر كلماته التي أغضبتها. فهبت معاندة:
"أنا مش هتحرك ولا خطوة واحدة وأسيبك مع المجنون ده…"
كان رعبها الجلي شفيعًا لعنادها ولهجتها الحادة. فالتفت ناظرًا إليها بنظرات مطمئنة، تنافت مع لهجته حين قال بصرامة:
"الموضوع خلص ومفيش حاجة تقلق. الحرس قبضوا عليه…"
عاندته بتوسل انبعث من عينيها أولًا:
"سالم…"
أمرها بلهجة أقل حدة:
"استنيني فوق يا فرح…"
تراجعت إلى الخلف دون حديث، فقط نظرات حزينة غاضبة تشبه خطواتها التي قادتها إلى باب المنزل، متجاهلة نظرات شيرين، التي لأول مرة تراها خائفة، وبجانبها همت، التي كان القلق مرتسمًا على ملامحها وهي تنظر إلى ذلك الرجل الذي لم تتعرف على هويته بعد. وحين أوشكت على الدخول إلى باب المنزل، تسمرت في مكانها حين سمعت كلماته المسمومة:
"مفكر إنك انتصرت عليا وخدتها مني؟ لا.. أنا اللي مش عايزها. سمعاني يا شيرين؟ أنا اللي مش عايزك…"
لم يكد ينهي جملته حتى تفاجأ بضربة قوية أصابت رأسه من الخلف، والتي لم تكن سوى لـ طارق الوزان، الذي كان قادمًا من الخارج حين سمع حديث أحمد (زوج شيرين).
"طارق…"
هكذا صاح مروان باندهاش حين رأى شقيقه. ونال كلا الشقيقين نصيبهما من الصدمة حين شاهدوا ذلك الذي لم تطأ قدماه أرض الوطن منذ أكثر من عشر سنوات.
اقترب مروان من شقيقه وقام بعناقه بشوق، بادله إياه طارق. بينما قام سالم بأمر الحرس أن يدخلوا أحمد (فاقد الوعي) غرفة المكتب الخاص به. وقام بمعانقة طارق قائلاً بسخرية:
"جاي في التوقيت المضبوط. أول مرة تعمل حاجة صح…"
بادله طارق سخريته حين قال:
"تلميذك يا كبير…"
"حمد الله على السلامة يا طروق. ليك وحشة يا غالي…"
هكذا تحدث سليم وهو يعانق طارق بحبور. فأجابه طارق بمزاح:
"الله يسلمك يا سولوم. ليا وحشة إيه يا عم، انتوا نسيتوني ولا إني من العيلة."
أجاب مروان بتهكم:
"إحنا أساسًا متبريين منك من زمان ومش معتبرينك من العيلة…"
"اومال مين الجدع اللي خرملك عينك كده؟"
هكذا تحدث طارق وهو يرمق مروان بسخرية. فأجاب الأخير بحنق:
"واحد سبحان الله بيفكرني بيك، نفس غباوتك…"
لم يكد ينهي جملته حتى تفاجأ بلكمة طالت عينيه اليسرى، أتبعها طارق قائلًا بتقريع:
"طب خد دي بقى عشان تبقى بعد كده قد المسؤولية…"
تأفف سالم بنفاذ صبر:
"أنا هدخل.. مش فاضي لهزارك السخيف ده.. ورايا يا سليم…"
تألم مروان وصرخ بحنق:
"إلهي يجيك كسر إيدك يا بعيد. أنا عملت إيه يخربيتكوا…"
طارق بحدة:
"دي أقل حاجة على استهتارك. امبارح يادوب وصلت من السفر وداخل البيت لقيت تعبان كان بينه وبين ريتال خطوتين، لولا ستر ربنا كان معايا سلاحي وضربته، كان ممكن قرصها."
انكمشت ملامحه بذعر ونسي آلامه وهو يقول بلهفة:
"انت بتقول إيه؟ طب هي عاملة إيه دلوقتي؟"
طارق بتهكم:
"وهي لو فيها حاجة كنت زماني سايبك لحد دلوقتي على رجليك…"
مروان بحنق:
"ودا من إمتى إن شاء الله؟ الأبوة نقحت عليك كده مرة واحدة! ما أنت سايبها وداير تلف في بلاد الله…"
طارق بتأفف:
"سيبك من الهري ده. هو إيه اللي داير هنا؟ الليلة دي على إيه؟"
مروان باستهزاء:
"على خيبتك!"
ما أن رأى أمارات الغضب بادية على ملامح أخيه، حتى تابع وهو يهرول بعيدًا عنه:
"والله ما أنا قايلك حاجة. هروح أطمن على أم أربعة وأربعين بنتك الأول."
***
"أنت أكيد مش جاي تنام لنا هنا!"
هكذا تحدث سالم بتأفف وهو يناظر أحمد، الذي بدأ باستعادة وعيه شيئًا فشيئًا. وحانت منه نظرة مطولة على المكان من حوله، ومن ثم التفت إلى سالم قائلًا بحنق:
"انتوا عملتوا فيا إيه؟"
سالم بفظاظة:
"لسه هنعمل.. متستعجلش على رزقك…"
أحمد بانفعال:
"هو في أكتر من اللي عملتوه!"
صاح بتأفف:
"اللي هو إيه؟ عندي فضول أعرف إيه اللي عملته خلاك تهبل كده؟"
كان الألم الذي يلون ملامحه يتنافى مع حدته وهو يقول:
"مفكر لما تأذيني في شغلي وأكل عيشي كده بتنتقم مني؟ هي دي الرجولة في نظرك!"
ضيق عينيه، بينما رسمت ملامحه تعبيرًا خطرًا يشابه نبرته حين قال بوعيد:
"أنا ممكن أوريك دلوقتي حالا الرجولة عاملة إزاي…"
انكمشت ملامحه من هذا التهديد وتلك النظرات المرعبة، التي جعلته يتراجع قائلًا:
"لو كل ده عشان أطلقها، فأنا مستعد أعمل ده من الصبح. هي أصلًا متلزمنيش…"
"اركنلي موضوع الطلاق على جنب دلوقتي. واشرب الليمون ده عشان نعرف نتكلم…"
هكذا تحدث سالم بنبرة فظة ونظرات تحمل خلفها الكثير، مما جعل أحمد يرتاب في أمره، ولكنه أطاعه بصمت. وبعد أن تجرع كوب الليمون كاملًا، قال بجفاء:
"كلامك ونظراتك مش مريحيني.. أنت عايز مني إيه؟ مش كفاية خربت بيتي."
سالم بنفاذ صبر:
"مبدئيًا كده، أيًا كان اللي حصلك مش أنا السبب فيه."
"والمفروض أصدقك؟"
"عنك ما صدقت. مش موضوعي…"
صاح أحمد بيأس:
"حرام عليك. المناقصة اللي ضاعت دي فيها شقا عمري. أنا هتحبس كده…"
"لو عملت حاجة مش هخاف منك، وأنت عارف كده كويس."
هكذا ألقى سالم كلماته بصرامة، جعلت الآخر يعلم بأنه يقول الصواب. فلو كان السبب وراء ما حدث له، لم يكن سينكر أبدًا. لذا أطلق تنهيدة خشنة قبل أن يقول بيأس:
"اومال مين ابن المؤذية ده؟ أنا مليش أعداء غيركم."
ألقى نظرة مطولة عليه، قبل أن يقول بفظاظة:
"مش مهم مين اللي عمل كده.. المهم هتقدر تخرج من المصيبة دي إزاي؟"
التفت أحمد يناظره بصدمة، وسرعان ما قال بترقب:
"تقصد إيه؟"
تشابهت ملامحه مع نبرته حين قال بجمود:
"هساعدك تخرج من اللي أنت فيه…"
كانت قنبلة ألقاها على مسامعه، يعلم بأن لها ضجيجًا سيكون وقعه كبير. لذا قال بارتياب:
"وأنت إيه مصلحتك؟"
"ميخصكش.. ليك تخرج من محنتك. وفي المقابل عايز منك حاجتين. أولهم تنسى موضوع الطلاق ده دلوقتي خالص…"
ارتسم الغباء على ملامحه، فقد كان يظن بأن الطلاق خلاصه من تلك الورطة. فإذا به يتفاجأ بطلبه، فقال بعدم فهم:
"انت بتقول إيه؟ أنا مش فاهم حاجة…"
تجاهل استفهامه وأخرج دفتر شيكاته وهو يقول بفظاظة:
"محتاج سيولة قد إيه عشان تخرج من الأزمة دي؟"
بلا وعي أجابه:
"عشرة مليون…"
قام سالم بتدوين الرقم على الشيك وقام بمده إليه. فالتقطه أحمد وهو ينظر غير مصدق لما يراه. وقبل أن يتيح له الفرصة للحديث، قال سالم بقسوة:
"هتخرج من هنا زي ما دخلت. نفس البروباجندا والتهديدات الفارغة بتاعتك دي، بس طبعًا من غير ضرب نار عشان مفجرش دماغك وأخلص…"
أحمد بعدم فهم:
"أنت.. أنت هتديني الفلوس دي أمشي بيها؟ مش خايف أغدر عليك؟"
سالم بثقة:
"مش هتقدر، وأنا وأنت عارفين كده كويس."
انكمشت ملامحه وجف ريقه، قبل أن يتابع باستفهام:
"طب إيه الحاجة التانية اللي أنت عايزها مني في مقابل مساعدتك؟"
سالم باختصار:
"هتعرفها في الوقت المناسب.. ومش محتاج أنبه عليك البيت ده رجلك متعتبوش. وعشان أبقى أصيل معاك. حماك العزيز هو ورا اللي بيحصلك. شوف بقى مين مسلمك ليه؟ يلا وريني عرض كتافك…"
تراجعت خطواته إلى باب الغرفة، فاستوقفته كلمات سالم الغامضة حين قال:
"متنساش تسبك الدور وانت خارج…"
لم يفهم المغزى من كلماته إلا عندما رأى شيرين، التي كانت تنتظر خروجه بقلب مرتعب. فتصاعدت أبخرة الغضب إلى رأسه، وخرج صوته متوعدًا:
"لو اضطريت إني أبيع هدومي برضه مش هطلقك. هسيبك كده متعلقة، وده أقل بكتير من اللي تستحقيه…"
جاءه صوت همت الغاضب من خلفه:
"ومين قال لك إني هسكت لك؟ أنا هعرف أطلقها منك إزاي، وفضيحتك هتبقى على إيدي…"
التفت إليها أحمد قائلًا بوعيد:
"قصدك فضيحتنا…"
سقط كف سليم القوي على جذع أحمد، وهو يقول بجفاء:
"نورت يا أبو حميد. ياريت متكررهاش تاني…"
لم يضيف شيئًا، بل توجه إلى الخارج، تاركًا براكين الغضب التي تقذف حممها بكل مكان. فما أن غادر، حتى توجهت شيرين إلى مكتب سالم، مغلقة الباب خلفها. بينما هناك من تشتعل من فرط الغيرة والألم معًا، بعد أن علمت هوية ذلك الرجل. إذن، فهو يسعى جاهدًا لطلاقها منه. ومن الواضح أنه يستخدم جميع نفوذه، وإلا لما جاء الرجل وأقدم على محاولة قتله.
التفتت متوجهة إلى غرفتها، وأخذت تدور بها كمن مسها الجنون، تريد الصراخ ولا يخرج صوتها. تريد البكاء ولا تطاوعها عبراتها. شعور مقيت من الألم الذي ينهش في صدرها بدون رحمة، يقتات على روحها المعذبة بعشقه الضاري، الذي توازى ضراوته غيرة هوجاء، كان ألمها يفوق قدرتها على التحمل.
فجأة، انفتح باب الغرفة ودخلت أمينة، التي كانت ملامحها لا تبشر بالخير، وتجلى ذلك في نبرتها حين قالت:
"شيرين مع جوزك في المكتب بتعمل إيه؟"
كانت الكلمات تمر بصعوبة على شفتيها، كذلك أنفاسها التي أحرقت صدرها، الذي كان يعلو ويهبط بعنف، حين قالت باختصار:
"معرفش!"
"يعني إيه متعرفيش؟"
هكذا تحدثت أمينة بحدة توازي حدتها، حين أجابت بنفاذ صبر:
"يعني معرفش. مانتِ شوفتي إيه اللي حصل من شوية؟ جوزها جه يحاول يقتله في عز النهار…"
أمينة بسخرية:
"ومش عندك فضول تعرفي إيه بيحصل؟ عادي عندك إنها تبقى معاه في مكان واحد؟"
كانت كلماتها كالأسهم التي تنغرس بقلبها الملتاع دون رحمة. فصرخت بغضب:
"مش عندي فضول أعرف حاجة…"
"عشان هايفة.. وغبية.. قاعدة تاكلي في نفسك هنا وسايبة الميه تمشي من تحتك…"
هكذا تحدثت أمينة بحدة، فتدلى فكها من الصدمة، خاصة حين تابعت أمينة بقسوة:
"البيت ده في يوم من الأيام هتبقي مسؤولة عنه. لو فضلتِ كده يبقى عليه العوض فيه.. فين فرح البنت القوية اللي مبيهمهاش حد. اللي جابت سالم الوزان على ملا وشه. التمستلك العذر مرة واتنين وتلاتة، بس لأ! فوقي. أنتِ كده بتخسري. دافعي عن بيتك وجوزك. متسمحيش للحية تدخل بينكوا…"
أخذت كلمات أمينة تتردد بأذنيها وهي تنهب درجات السلم، فتوجهت بخطٍ كان وقودها غضبها المشتعل بجوفها، وغيرتها الهوجاء التي لم تعد تتحمل نيرانها المستعرة، فقد بلغ السيل الزبى، ونفذ مخزون الصبر لديها، وأعلن قلبها الحرب. ولتحترق الفتنة ومن أشعلها في الجحيم.
فتحت باب الغرفة بقوة توازي قوتها، وهي تغلقه متوجهة بخطوات ثابتة ونظرات متعالية شملت بها تلك التي كانت تقف على بعد خطوات من زوجها. ودون أن تتيح الفرصة لأحد في الحديث، جهرت بصوت كان طابعه الشموخ:
"اديتك فرصة واتنين وتلاتة عشان تراجعي نفسك وتحترميها، بس للأسف الطبع دايما غلاب…"
بهتت ملامح شيرين حين سمعت حديث فرح المهين، فهبت صارخة:
"أنتِ مين اداكِ الحق تكلميني بالطريقة دي؟؟"
بكل هدوء امتزج بالشموخ الذي أطل من عينيها، حين أجابتها:
"الحقيقة هو مش حق واحد. دي حقوق. أولهم حقي لما أشوف حد بيتلزق في جوزي في الرايحة والجاية، أوقفه عند حده. والحق التاني إني مرات سالم الوزان، كبير العيلة دي، ومسمحش بقله ذوق تحصل في بيتي. وآخر حق هو إنك تقربي لجوزي وشايلة اسم عيلته وسمعتك، مهما كان تهمني!"
امتقعت ملامحها وتدلى فكها من فرط الصدمة، التي جعلتها تصيح باستنكار وهي تلتف إلى سالم، المتفاجئ من حديث فرح، على العلم من كونه يرى مقدار غيرتها، ولكن حديثها أذهله:
"عاجبك اللي مراتك بتقوله ده يا سالم؟"
وضع الأوراق في حقيبته، ثم التفت يناظرها بشمولية، قبل أن يتحدث بفظاظة:
"عايز تفسير لكلامك ده يا فرح؟"
أغتاظت من جموده وثباته واستفهامه، فهو يتجاهل ما يراه عمدًا. لذا صاحت بنبرة احتدت قليلًا:
"ده مش كلامي، دي الأصول! هو ينفع إنها تتواجد معاك في مكان مقفول عليكوا؟ أنت راجل متجوز وهي ست متجوزة، ده يصح؟"
حاول قمع ضحكة غادرة أوشكت على خرق قناع الجدية المرتسم على ملامحه، فحديثها كان غلافًا شفافًا لـ غيرة قاتلة تغزو غاباتها الزيتونية بضراوة. وقبل أن يتيح له الإجابة، تحدثت شيرين بتهكم:
"لا والله، على أساس إننا قاعدين في الشارع. إحنا في بيتنا.. وكل اللي فيه أهلنا."
فرح بسلاسة وهدوء:
"والبيت ده مش فيه خدم وحرس وناس داخلة وناس طالعة…"
تعاظم الغضب بداخلها، ولكنها حاولت قمعه قدر الإمكان، وهي تلتفت ناظرة إليه تستحثه على الحديث. فتشابهت نظرته مع نبرته الجليدية، حين قال:
"فرح عندها حق. دي الأصول والأصول متزعلش حد يا شيرين…"
تدلى فكها من فرط الصدمة، وخرجت الكلمات مذهولة من بين شفتيها:
"أنت بتعوم على عومها؟?"
عادت لتمسك بزمام الحديث مرة ثانية، فقد أخذت منه ما أرادت، وأتى دورها الآن، حين قالت بتسلية:
"عوم إيه وكلام فاضي إيه؟ ماهو قالك الأصول متزعلش.. وبعدين لو انتِ مش خايفة على سمعتك، أنا من حقي أخاف على سمعة جوزي. وخصوصًا إنه راجل محترم، حرام يتجاب سيرته بسبب حاجات تافهة…"
كانت تتحدث بشفتيها، بينما لملامح وجهها وعينيها حديث من نوع خاص، وصلت معانيه إلى شيرين، التي كادت أن تنفجر من فرط الغضب. فصاحت بوقاحة:
"اعترفي إنك غيرانة وهتموتي مني وخايفة أقرب منه لأ…"
قاطعتها فرح بصرامة:
"لحد هنا واستوب… الأسلوب البذيء ده مش بتاعي. واتفضلي اخرجي من الأوضة دي ومتعتبيهاش تاني…"
التفتت شيرين تناظر سالم، فوجدته مشغولًا بلملمة أوراقه ووضعها في حقيبته، متجاهلًا ما يحدث. فأجبرت نفسها على الرحيل، وهي ترسل نظرات متوعدة إلى فرح، التي ما أن خرجت شيرين، حتى تفاجأت بكلماته القاسية:
"لو خلصتي اللي جيتي عشانه، اخرجي واقْفِلي الباب وراكِ…"
كان قادرًا على التجاهل بطريقة مؤلمة جدًا، وقد تذكرت يومًا ما حين أخبرني بأن كبرياءه أمر لا يمكن المساس به، وأن الغفران ضل الطريق إلى قلبه. والآن أيقنت بأنه لم يكن يمزح.
الغضب كان كجمرات تحرق الفؤاد وتنهب خلايا جسدها بقوة، ولكنها تجاهلته وهي تتقدم إليه قائلة بأنفاس متلاحقة:
"لا مخلصتش.. عايزة أتكلم معاك…"
"مش فاضي…"
هكذا أجابها ببرود دون أن يكلف نفسه عناء النظر إليها، مما جعل غضبها يتعاظم حتى بدأ بالظهور على صفحة وجهها. فاقتربت منه قائلة بجفاء:
"يبقى تفضي…"
لم يجيبها، وقد كان صمته القشة التي قسمت ظهر البعير. فهمت بالاقتراب منه، ممسكة بالحقيبة التي كان يضع بها أوراقه الهامة، وقامت بجذبها وإلقائها في آخر الغرفة لتصطدم بالحائط، وهي تصيح بعنف:
"لما أكلمك، اياكِ تديني ضهرك وتسمعني…"
هالكة لا محالة. هكذا أخبرها عقلها، وهي تناظره. فتلك اللحظة الخاطفة كانت دربًا من الجنون الذي غلف عينيه، بينما اظلمت نظراته بشكل مرعب يشبه ملامحه وصوته، حين قال بهسيس:
"إيه اللي أنتِ عملتيه ده؟"
أتهرب من رجل حمل كل معالم الأمان بالنسبة إليها؟ أم أقف في مواجهة طوفان غضبه الضاري الذي أشعلته بقصد من قلبي الذي طرأ من جوف الوجع؟ استفهامه: هل من العدل أن احترق أنا بينما أنت تتوارى خلف جبال الثلج التي وضعتها حول قلبك؟
لم تنتظر الإجابة، ف قدماها حملتها إلى الأعلى بأقصى سرعة تمتلكها، ولأول مرة لا تهتم بالهزيمة أمامه. فليظنها خائفة، أهون من تواجه ما هو أقسى من غيرتها وهزيمتها.
أغلقت باب الغرفة خلفها، تحاول تهدئة ضرباتها التي كانت تدق بعنف، آلم ضلوعها. فوضعت يدها على صدرها تحاول تنظيم أنفاسها اللاهثة، فإذا بها تتفاجأ به يقتحم الغرفة، مغلقًا الباب خلفه بقوة، جعلتها تشهق بصدمة وهي تتراجع خطوتين للخلف، تناظر عينان اختلط بهما الغضب والعشق معًا. ففعلتها تلك جعلته لأول مرة يقف عاجزًا عن التفكير. غاضب حد الجحيم، عاشق حد الألم، وهو يتلظى بين كليهما. فتفرقت عينيه بين حقيبته الملقاة أرضًا وأوراقها المبعثرة، تمامًا كحال قلبه الذي انتفض معلنًا ثورة قوية بداخله، جعلته ينهب خطواته في طريقه إلى تلك التي فعلت به ما لم يستطع جيش من النساء فعله. وليحترق كل شيء في الجحيم، تمامًا كما يحترق هو منذ ذلك اليوم المشؤوم، ولكنه لم يعد يملك أدنى ذرة إرادة تمكنه من تحمل المزيد.
"لما أكلمك، اياكِ تديني ضهرك وتمشي وتسبيني.. فاهمه؟"
هكذا تحدث بصوت بدا مرعبًا كالبرق الذي ضرب قلبها بغتة، فأخذ يتخبط بعنف داخل صدرها، الذي عاندت ألمه قائلة بشفاه مرتجفة:
"ولو مفهمتش، هتعمل إيه يعني؟"
حاوط خصره بيديه، وكأنه يمنعهما من ارتكاب شيء خاطئ، بينما قست نظراته أكثر وشابهتها نبرته، حين قال:
"في مليون طريقة تخليكِ تفهمي، بس أنا واثق إن ولا واحدة فيهم هتعجبك!"
كانت حدة أنفاسه توحي مدى الجهد المبذول حتى لا يتخلى عن ثباته ويذيقها شيئًا ولو بسيطًا مما يجيش بصدره الآن. وخصوصًا حين تقاذفت العبرات من مقلتيها، وهي تقول بانفعال:
"وحضرتك برضه المفروض تفهم إنني مراتك وليا حقوق عليك، وأبسط حقوقي كزوجة إنك تحترمني وتقدرني وتخاف على شكلي قدام الناس."
كان حديثها صاعقًا بالنسبة إليه، فهو لم يفعل ما يجعلها تتفوه بتلك التراهات. فصاح مستنكرًا:
"وأنا إمتى قللت من احترام سيادتك!"
صاحت باندفاع:
"أنت أدرى!!"
تأفف بضيق:
"أنتِ مش واضحة، وأنا بكره اللف والدوران. كل الفيلم الهندي ده عشان إيه؟"
قال جملته الأخيرة بصراخ أفزعها:
"عشان بحبك وأنت مبتفهمش!"
غاب صوت العقل وتولى القلب دفة القيادة، فقد ضاق ذرعًا بنيرانه التي كان وقودها غيرة مجنونة وعشق أهوج فاض به صدرها، الذي كان يعلو ويهبط بقوة أمام عينيه، التي شملتها بنظرة قوية تشبه نبرته، حين قال:
"قلتِ إيه؟"
جف لعابها من نظرته التي بدت غامضة وملامحه التي لم تكن تفسر، ولكنها لن تتراجع، فليحدث ما يحدث، فقد خرج كل شيء عن السيطرة:
"قلت إنك مبتفهمش، ومصرة جدًا على رأيي…"
اقترب منها خطوتين وهو يعض على شفتيه السفلية ويهز برأسه، قائلًا بنبرة بدت متوعدة:
"تعرفي إنك عاوزة تتعلمي الأدب من أول وجديد."
قال جملته، بينما امتدت يديه تحتوي خصرها بقوة لم تكن مؤلمة بقدر ما كانت مربكة، وخصوصًا حين أردف بخفوت:
"وأنا هعلمهولك…"
أرهبتها لهجته المتوعدة، والتي كانت تتنافى بقوة مع عينيه، التي غمرتها بنظراته العاشقة المشتاقة، فغرقت في بئر الحيرة، وقالت بتوسل خافت:
"سالم…"
اخترق جموده توسلها الخافت ونظراتها، التي كانت تستجدي قلبه، الذي رق ل ذعرها الجلي على ملامحها. فاقترب بأنفاسه الحارقة من أذنيها، قائلًا بهمس:
"خايفة مني؟"
"مرعوبة…"
قالتها بصدق، فهي بداخلها تخاف، بل ترتعب من اقترابه. فهو رجل قوي صلب، كل ما به مفعم بالرجولة. تخشى أن لا تستطيع تحمل قربه، فهي بالرغم من سنوات عمرها التي اقتربت من الثلاثين، ما زال بداخلها طفلة بريئة خجولة، تفتقد وجود والدتها، ولا تجرؤ على إخبار أحد ب هواجسها.
صوته القاطع اخترق مسامعها، حين قال ساخرًا:
"ليكي حق تخافي…"
برقت عينيها للحظة، وما كادت أن تستوعب حديثه، حتى وجدت نفسها خاضعة تحت سطوة عشقه الضاري، الذي أخذ يسكبه فوق ثغرها وملامح وجهها بسخاء، حتى أغرقها معه في بحر من الشعور اللامتناهي من السعادة، التي جعلت دقات قلبها تتراقص على أنغام الشغف، الذي شعرت به بين ضلوعه، بينما كان يتراجع بها إلى مخدعهما، يحملها بكفوف صُنِعت من حب أتقن سكبه فوق الخدوش، التي حفرها الخوف بقلبها، الذي تناسى معه وبين يديه كل شيء. فلم تعترض حين أخذ يتخلص من كل شيء يعوقه عنها، فبدت مجردة أمامه من كل الحواجز، يحيط بهما غطاء صنعت خيوطه من لهيب الصبوة، الذي أشعل الهواء المحيط بهم. فخرج صوته لاهثًا، متبوعًا بأنفاس حارقة ألهبت عنقها، حين قال بجانب أذنها:
"بتقولي خايفة، بس قلبك بيقولي إنه مطمنش، ولا هيطمن غير في حضني."
حاوطت عنقه بذراعين حوت حنان العالم أجمع، وأيده قلبها، بينما عاندته شفاهها:
"أنت مغرور أوي. وبعدين قلبي مقالش حاجة، ولا هيقول غير بأمر مني…"
أضاءت ملامحه إحدى ابتساماته الرائعة، قبل أن يقول بلهجة خشنة:
"طب ولو خليته يعترف ويقولي على كل اللي جواه…؟"
مزيج مثير ومميز من الشعور، الذي يكتنفها، جعلها تتخلى عن كل الحواجز، التي كانت بينهم، حتى خجلها وخوفها لم يعد لهما مكان، إثر هذا السحر القوي، الذي يضمهما في تلك اللحظة.
"جرب!"
دعوة رائعة لم يكن يتوقعها من امرأة خلقت به شخصًا لم يكن يعرفه. أضاءت له دروبًا ظن أن أبوابها لم يخلق لها مفاتيح، إذا بأصادها تتحطم وتنهار أمام عشقًا لا يعلم كيف اكتنف قلبه واحتل كيانه، للحد الذي جعل الكلمات تنساب من بين شفاهه بعذوبة:
"بحبك يا فرح…"
لأول مرة يلامس وقع عشقه عليها بتلك الطريقة، فقد كان قريبًا للحد، الذي جعل دقاته تمتزج مع دقاتها، كسيمفونية عزفت على أوتار قلبها، الذي أعلن استسلامه بكل رحابة.
"وأنا بعشقك يا سالم يا وزان…"
فتحت أبواب الجنة على مصراعيها أمام ذلك، الذي كان ناسكًا زاهدًا في هذه الحياة، والآن حان وقت مكافأته، التي لم يكن يتخيل مدى روعتها. فقد كان لقاءً عاصفًا، مدججًا بكل أنواع المشاعر، التي لم تكن تتخيل وجودها. تلاقت الأرواح، وتعانقت القلوب، وتعَاظم الشعور، حتى ترك بصماته على كل شيء حولهم. وكلما خارت قواهم، جددتها أشواقهم من جديد، إلى أن شعر بها تستند على كتفه بأكتاف متعبه وجسد منهك. فقام بضمها، واضعًا قبلة حانية فوق جبهتها، تعبيرًا عما يجيش بصدره من امتنان لتلك، التي جعلته يتذوق الجنة بين أحضان عشقها. وقد كان هذا أروع عناق تلقته بحياتها، للحد الذي جعل العبرات تنبثق من بين عينيها، تأثرًا برجل الحب والجليد، الذي انصهر لأجلها، وصارت نيرانًا، لم تتذوق أشهى منها بحياتها.
***
"ريتال.. طمنيني عليكِ عاملة إيه؟"
هكذا تحدث مروان وهو يقتحم غرفة ريتال، التي كانت تجلس بأحضان سما، ولا زالت متأثرة بحادثة الأمس. وما أن رأت مروان، حتى ارتمت بين أحضانه وهي تقول ببكاء:
"شفت يا عمو اللي حصلي. التعبان الوحش كان هيقرصني. بس ربنا ستر…"
"اه للأسف ربنا ستر…"
هكذا تحدث باندفاع، وسرعان ما أعاد صياغة كلماته قائلًا:
"أقصد يعني.. الحمد لله إن المتسماش أبوكي جه في الوقت المناسب…"
"الحمد لله.. يالهوي إيه اللي حصل في عينك ده يا مروان؟"
هكذا تحدثت سما بصدمة، بعد أن رأت عينيه المتورمتين يحيط بهما هالة من اللون الأزرق القاتم. فبدا مظهره مريعًا، خاصة حين قال بنبرة متحسرة:
"دخل في قطرين، كل واحد فيهم أغبى من التاني. حسبي الله ونعم الوكيل…"
اقتربت سما منه بلهفة، تجلت في نبرتها، حين قالت:
"مش تخلي بالك.. استنى هجبلك القطن والمرهم وأدهنهولك، أحسن تورم أكتر من كده…"
أنهت كلماتها وهبت من مكانها، تاركة كلًا من مروان وريتال المصدومين من حديثها. وتعَاظمت صدمتهم حين شاهدوه وهي تجلب صندوق الإسعافات الأولية، وتقوم بفرد محتوياته على السرير. فخرجت الكلمات من فم مروان باندفاع:
"أنتِ هتعملي إيه؟"
"هعقملك الجرح وأحطلك مرهم عشان متلتهبش.. وبعد كده تحاسب على نفسك…"
قالت كلمتها الأخيرة بعتاب، فخرجت كلماته متلهفة:
"أحاسب على نفسي إيه؟ ده أنا بكرة هجيلك متخرط تحت جرار. مش هتعالجيني؟ بس.. هو ده المطلوب…"
أخفضت رأسها خجلًا. فنظر إلى ريتال المصدومة وقال بغباء:
"هي مكسوفة بجد ولا أنا بيتهيألي؟"
ريتال باندهاش:
"لا باينها مكسوفة بجد…"
مروان باندفاع:
"ده أنتِ واقعة بقى…"
لكزته ريتال في كتفه وهي تقول بخفوت:
"متكسفهاش عشان مش تطفش منك.. خليك ذكي."
قرب رأسه منها، قبل أن يقول بصوت خافت:
"عندك حق."
ثم قام بإرسال غمزة في الهواء، جعلت سما تقهقه بصخب على مظهره، وهي تقول بعدم تصديق:
"أنت مش معقول…"
"طبعًا مش معقول، أنا مروان الوزان يا بنتي…"
"سما.. أنتِ فين؟ بدور عليكِ… الله الله.. أنتِ بتعملي إيه هنا؟"
هكذا تحدثت همت، التي اقتحمت الغرفة تبحث عنها، فإذا بها تتفاجأ بسما، التي كانت تقوم بوضع المرهم فوق عيني مروان، وهي قريبة منه للغاية.
"أبدًا يا ماما، بحط لمروان مرهم على عينه عشان متورمش…"
صاحت همت بغضب:
"ما تورم ولا تتحرق، وأنتِ مالك…؟"
تدخل مروان قائلًا بانفعال:
"إيه يا عمتي الزفت اللي بينقط من بقك ده؟ الملافظ سعد، دا أنا ابن أخوكي. مش ابن ضرتك."
همت بحنق:
"وإنت اتشليت، ما تحطه لنفسك."
"وبعدين إيه الفال الوحش ده بقى؟ وربنا أجيب لك دول تتصرف معاك. أنتِ إيه؟ محدش مالي عينك ولا إيه؟"
"بتعلي صوتك على عمتك؟ دا البيه اللي قاعدة تمرهميه…"
هكذا تحدثت همت بانفعال، موجهة حديثها لسما، التي لم تتح لها الفرصة للحديث، إذ تدخل مروان قائلًا بصياح:
"إيه تمرهميه دي يا عمتي؟ لاحظي إن كلامك كبير."
"كبير ولا صغير، اتفضل قدامي، ومالكيش دعوة بالواد ده، كفاية اللي جرالنا من تحت راس العيلة دي…"
هكذا تحدثت همت بصرامة، فعاندها مروان قائلًا:
"أنتِ حد داسلك على طرف يا ست انتِ؟ وبعدين وربنا ما هي خارجة إلا لما تعالجني وتحطلي المرهم."
ما أن أنهى جملته، حتى تفاجأ الجميع من شيرين، التي دخلت الغرفة تتلوى من الألم:
"ماما.. معندكيش أي حاجة مسكنة؟ بطني بتتقطع من الألم…"
التفت الجميع حولها، فقال مروان بذعر:
"يخربيتك، أوعي تكوني بلعتي ريقك، أحسن تتسممي؟"
صرخت همت في وجهه:
"تسمم في عينك.. ليه تعبان؟"
أجابها مروان باندفاع:
"ده سؤال ولا إجابة؟"
لكزته سما في كتفه، واقتربت من شيرين تسندها، حتى جلست على السرير. خلفهم، وخرجت صرخة ألم قوية منها، تزامنتًا من دخول طارق، الذي قال باستفهام:
"مالها شيرين فيها إيه؟"
همت بذعر:
"معرفش يا طارق. فجأة لقيتها بتصرخ…"
كان العرق يتصبب من جبينها، فاقترب منها قائلًا بلهفة:
"لازم تروح المستشفى حالًا…"
"يالا يا ابني…"
أنهى كلماته، وقام بحملها بين يديه مهرولًا للخارج، وهمت خلفه. بينما أخذ مروان يتحدث إلى همت بتقريع:
"لا والنبي يعني طارق يشيل ويجري، وأنا مستخسرة فيا حتة مرهم. روحي يا شيخة، حسبي الله ونعم الوكيل فيكِ.. قال وأنا كنت بقول حد تطففلي في حياتي. دا حد مرجع فيها."
***
كان عشقًا لا يسعني تجاوزه أو الفرار منه. لطالما كنت شخصًا يعرف جيدًا ما يريد. لا تخطو قدميه عبثًا، ولا يتراجع عن قراراته أبدًا. ولكنه العشق! ذلك القيد الذي التف حول قلبي، فأخضعه، وأنا الذي لم أعرف الخضوع يومًا. وباتت روحي مسكنك. فكيف لي بنزعك منها بعد أن اكتمل شقها الناقص بوجودك…
***
"لسه مكلم الدكتور، وأخيرًا اداني عنوان الدكتور الألماني، وقالي كمان إنه حجز لنا معاه. والراجل بالرغم من إنه في إجازة، إلا إنه معترضش إنه يشوفك…"
هكذا تحدث سليم بحبور وهو يناظرها، بعد أن فعل المستحيل حتى يصل إلى ذلك الطبيب الألماني المختص بأورام الرحم. وقد شاءت الأقدار أن يكون في إجازة إلى القاهرة. وحين علم ذلك، قام بعدة محاولات حتى يصل إليه، وبالفعل أخذ موعدًا معه حتى يقوم بالكشف عليها.
"طب كويس…"
اقترب منها خطوة، قبل أن يقول باستفهام:
"هو إيه اللي كويس؟"
جنة بحزن حاولت إخفاءه:
"كويس إنك عملت كده، ووصلت له…"
"مالك..؟"
هكذا استفهم بلهجة هادئة ونظرات تخترقها. فحاولت الهرب من رجل تقف أمامه مجردة من كل شيء، حتى الحواجز التي تحاول بنائها بينها وبينه تعاندها وتنحني أمام حنانه، الذي لا تقدر على مقاومته.
"عادي.. تعبانة من السفر، حاسة إني عايزة أنام…"
قالت جملتها والتفتت تنوي الهرب. فقام بإمساك يدها وجذبها إلى داخل أحضانه، التي احتوت ظهرها، وقام بسكب عشقه في قبلة طويلة فوق خصلات شعرها. فلم تمانع، فقط أغمضت عينيها باستسلام، حين وصل صوته الحاني إلى أعماقها:
"أوعي تفكري إنك لما تكتمي جواكِ أنا مش هحس بيكِ. غلطانة.. أنا بعرف اللي جواكِ من قبل ما تقوليه."
عاندته بوهن:
"سليم أرجوك…"
حاوطتها ذراعيه لتقربها منه أكثر، وأخذ يسحب رائحتها العذبة إلى داخل رئتيه، ثم قال بصوت أجش:
"جربتِ تطيري قبل كده؟"
كست الحيرة معالم وجهها، وقالت باندهاش:
"إيه؟"
سليم بابتسامة:
"يبقى مجربتيش. حلو.. عشان أعلمك أنا."
"تقصد إيه؟"
قام بجذب وشاحها الملقي على المقعد خلفه، وقال بتخابث:
"هتعرفي كمان شوية…"
جذبها من يدها دون أن يعطيها الفرصة للاستفهام، وقام بالسير بها إلى خارج البيت، متوجهًا إلى الملحق، مما جعل الاندهاش يسيطر على ملامحها، والذي تعاظم أكثر حين شاهدته يتجاوز الملحق. وأخيرًا فطنت إلى وجهته، والتي كانت إلى مزرعة الخيل. فقالت بذعر:
"سليم استنى. أنا مش هعمل اللي أنت عايزه ده. أنا بحبهم بس من بعيد…"
لم يجيبها، بل قام بالتوجه إلى فرس بني اللون ذو شعر كثيف، وقد كان مظهره رائعًا، يحيط به هالة من القوة، جعلت دقات قلبها تتقاذف بعنف داخل صدرها. ولكن جاءت كلماته العابثة تبدد خوفها للحظات:
"خوفك ده عيب في حقي على فكرة. يرضيكِ الخيل تاخد عني فكرة إني مش مسيطر."
انكمشت ملامحها بحيرة من معاني كلماته، ولكن جاءت نظراته لتجعل الخجل يغزو خديها، فقد كانت تحمل نظرات خطرة لا تجرؤ على مواجهتها.
أخذت تناظره وهو يجهز الفرس، وبداخلها رعب لا تقدر عن التعبير عنه، والذي تبدد للحظات وهي تراقبه بإعجاب، وهي تراه يمتطي الفرس. وفجأة، وجدت نفسها تطير من الهواء، محمولة من خصرها بين يديه، التي وضعتها أمامه. فأخذت ترتجف من فرط الخوف، وصاحت برعب:
"سليم أرجوك نزلني. أنا هموت من الخوف…"
احتضنت يديه خصرها، وهو يقول بنبرة خافتة بجانب أذنها:
"واثقة فيا؟"
كان سؤالًا لا تحمل إجابته، أو بالأحرى لا تعرف كيف تصيغها. فهي تثق به أكثر من أي شخص آخر، ولكن ليست الثقة الكاملة. ولأنها كانت متخبطة ضائعة، أخذت تهز برأسها يمينًا ويسارًا. وحين شعرت بيديه تشدد من احتضانها، حتى خرج صوتها مبحوحًا حين قالت:
"أنت أكتر حد واثقة فيه في الدنيا. بس مش الثقة اللي تخلي قلبي قادر يتخلى عن خوفه…"
لم تكن إجابة رائعة، ولكنها كانت صادقة. وكان هذا كافيًا بالنسبة له، لذا قال بحب:
"سيبي الموضوع ده عليا…"
اتبع جملته وقام بضرب الفرس، الذي أخذ ينهب الطرقات، بينما هي تغمض عينيها بقوة، ودقات قلبها تتقاذف برعب. شعر هو به، فقال بجانب أذنها:
"افتحي عنيكِ وواجهي خوفك. دي الحاجة الوحيدة اللي هتخليكِ تهزميه…"
لم تطيعه، فأخذت ذراعيه تبتلعها أكثر بين أحضانه، وهو يشدد على كلماته:
"طول ما أنا في ضهرك، أوعي تخافي.. أنا جنبك ولآخر نفس فيا هفضل ساندك. افتحي عنيكِ يا جنة…"
تغلغلت كلماته إلى أعماقها، فلامست أوتار قلبها، الذي سئم الخوف وظلماته، التي تطمس بريق الأمل بداخلها. فحاولت أن تطiعه، وأخذت ترفرف برموشها. فحاول هو أن يهدئ من سرعة الفرس، حتى لا يزداد خوفها أكثر.
بينما هي تجاهد لتقف أمام خوفها، وأخيرًا فعلتها. وقد كانت وكأن نافذة إلى الجنة قد أطلت على قلبه، الذي ود لو يطير بها، كي يخبرها أي شيء هي بالنسبة إليه. و بالفعل، اقترب منها قائلًا بخشونة:
"مش نفسك تطيري بقى؟"
كان الهواء يلفح وجهها، بينما يحيط بهم الليل الهادئ، وتنير طريقهم نجومه اللامعة. فبدا الأمر رائعًا، وخصوصًا حين شعرت به يقوم بفك رابط شعرها، الذي كان وكأنه ينتظر إطلاق سراحه، ليرفرف حول وجهها بسعادة، لم تكن تتوقع أن تشعر بها. والتفتت إليه قائلة بابتسامة تخللتها عبرات غزيرة:
"نفسي أطير…"
"افردي إيديكِ.. وأوعي تخافي."
أطلق تنهيدة خشنة من جوفه، قبل أن يقول بنبرة خشنة:
"أنا ماسك فيكِ بإيدي وسناني.. وأفديكِ بعمري…"
أي شعور رائع قد قذفته كلماته العاشقة بقلبها، الذي أخيرًا هزم مخاوفه. وقامت بفرد أجنحتها، بينما قام هو برفعها من خصرها إلى الأعلى. فلفح الهواء بشرتها، وتناثر شعرها بجنون، بينما شعرت بالفعل بأنها تحلق بين الغيوم، وقد كان هذا شعورًا أقوى وأعمق من أن تستطيع وصفه.
***
كانت تجلس بجانب شيرين، التي كانت تعاني من آلام حادة في القولون والمعدة. وقد قام الأطباء بعمل اللازم لها، إلى أن تجاوزت نوبة الألم الحاد. ذلك وغفت بفعل هذا المحلول المغذي الموصول بذراعيها. وقد كان كلا من طارق ومروان وسما ينتظرون في الغرفة، بجانب همت، التي كان القلق يأكلها من الداخل على طفلتها.
"بقولكوا إيه؟ أنا هنزل أجيب حاجات من الكافتيريا. حد عايز حاجة أجيبهاله معايا؟"
هكذا تحدث مروان، مفرقًا نظراته بينهم. فأجابته همت بامتعاض:
"ليكَ نفس تاكل أوي يا خويا."
ناظرها مروان بتخابث وقال بنبرة خافتة مستفزة:
"هتموتي مني أنا عارف، بس أنا قاعد على قلبك…"
تحدثت شيرين بنبرة خافتة:
"ماما خليهم يخرجوا، وهدي النور ده، مش عارفة أنام…"
تحرك طارق ناصبًا عوده، وهو يقول بخشونة:
"لو احتاجتي حاجة يا عمتي، كلميني. إحنا قاعدين في الكافتيريا تحت…"
خرج الجميع. وبعد مرور خمس دقائق، تفاجأت همت بشخص ملثم يفتح باب الغرفة، ويقوم بغلقه بالمفتاح من الداخل. فخرجت منها شهقة قوية، وصاحت بذعر:
"حرااامي… الحقونا…"
تحركت شيرين من مخدعها، وهي تحاول تهدئة همت، قائلة:
"اهدي يا ماما، ده مش حرامي…"
كانت همت بواد آخر، وهي تقف أمام ذلك، الذي لم تتغير ملامحه بعد كل تلك السنوات، بل ازدادت وسامته بقدر تلك الشعيرات البيضاء، التي لونت ذقنه ورأسه. وكما لم يتغير إحساسها به، وكأن ما مضى لم يطمس عشقها الجارف نحوه.
"ناجي!"
"لسه بحب اسمي منك يا همت!"
***
في الأسفل، خرج طارق إلى باب المشفى، وهو يتحدث بالهاتف قائلًا:
"كل اللي قولناه حصل بالحرف الواحد. وزمانه فوق معاها دلوقتي…"
رواية بين غياهب الاقدار "في قبضةالاقدار الجزء الثاني" الفصل الثاني والعشرون 22 - بقلم نورهان العشري
كان عشقًا لا يسعني تجاوزه أو الفرار منه. لطالما كنت شخصًا يعرف جيدًا ما يريد. لا تخطو قدماه عبثًا ولا يتراجع عن قراراته أبدًا. ولكنه العشق! ذلك القيد الذي التف حول قلبي فأخضعه وأنا الذي لم أعرف الخضوع يومًا. وها أنا الآن عالق بك بالقدر الذي يجعل خلاصی منك دربًا من دروب المستحيل. فروحي باتت مسكنك. وكيف لي بنزعك منها بعد أن اكتملت بك وتعافت أوجاعها بوجودك.
"إيه اللي جابك هنا؟"
هكذا تحدثت بنبرة مرتجفة تشبه ضربات قلبها التي كانت تنتفض بشوق كبير داخلها. فاقترب منها خطوة وهو يقول باختصار:
"جيت عشانك!"
تسابقت أنفاسها مع دقات قلبها الهادرة إثر كلماته الصريحة والتي ضربت مقاومتها الهشة فكادت أن تطيح بها، ولكنها سرعان ما استعادت نفسها وارتدت قناع الغضب وهي توجه أنظارها إلى شيرين قائلة بحدة:
"افهم من كده إن كل اللي حصل ده كان فيلم بقى يا ست شيرين!"
شيرين بخفوت:
"يا ماما. متزعليش مني. أنا كان نفسي تتقابلوا أنتِ وبابا عشان..."
قاطعتها همت غاضبة:
"عشان إيه؟ مين اداكِ الحق تجبريني أعمل حاجة مش عايزة أعملها؟ سألتيني الأول؟ تجرجريني وراكِ على المستشفيات في نص الليالي ولا همك خضتي عليكِ ولا خوفي ويطلع ده كله فيلم؟"
توقفت الكلمات على أعتاب شفتيها جراء لمسة حارقة أصابت رسغها حين لامستها أنامله وجاء صوته القريب منها ليضفي الوقود على شوقها:
"همت كفاية.. كلميني أنا. أنا اللي خلتها تعمل كده.."
هناك مفترق طرق كتب على كل لافتة منهم العشق والكبرياء. وهي تقف عاجزة عن رد هجمات الألم المباغت الذي ضرب جدران قلبها. فلم تستطع إجابته ليتابع هجومه الشرس على ثباتها حين قال:
"مكنش قدامي حل غير ده. ومكنتش قادر أتحمل أكتر من كده. شوقي غلبني وخلاني دوست على كرامتي واترجيتها تعمل كده عشان أشوفك.."
"بس أنا مش هقدر أدوس على كرامتي وأقف أتكلم معاك. إن كنت زي ما بتقول شوقك بيعذبك فده عقابك على غدرك بيا زمان.."
اختارت أن تكمل الباقي من حياتها بكبرياء ولا تنخدع بعشق لم يجلب لها سوى العذاب وضياع أزهى سنوات عمرها. مما جعل الغضب يتعاظم بداخله. فنظرت إلى شيرين قائلًا بحدة:
"اطلعي استنينا بره.."
"استني.. متطلعيش. أنا مش هستنى مع راجل غريب في أوضة واحدة.."
هكذا أمرتها همت والتفتت تناظره بجمود كلفها الكثير لتضفيه على نبرتها حين قالت:
"اللي عايز تقوله قوله قدام بنتك.."
"ماشي يا همت. بس خليكي فاكرة إني حاولت وجيت على نفسي عشانك. لكن أنتِ لسه مصرة تدوسي عليا وعلى كل حاجة كانت بينا وأولها ولادنا."
ابتلعت غصة صدئة تشكلت في حلقها وقالت بجفاء:
"قول اللي عندك أو اخرج ومش عايزة أشوفك تاني.."
كان وقع كلماتها عليه كبير للحد الذي جعله يقول بقسوة:
"أنتِ فعلاً مش هتشوفيني تاني. حتى لو عملتي إيه. وإن كنت هقول اللي عندي فده عشان بناتي. عشان ميشوفونيش بالصورة الوحشة اللي رسمتوها لهم عني."
أنهى كلماته وقام بإخراج مظروف من جيبه وناولها إياه وهو يقول بجفاء:
"ده جزء من براءتي اللي رافضة تصدقيها."
التقطت الورقة وقامت بفتحها. وما أن وقعت عينيها على الكلمات المدونة أمامها حتى برقت عينيها وخرجت منها شهقة قوية تعبيرًا عن صدمتها التي جعلتها تجلس فوق المقعد. فلم تعد قدماها قادرتين على حملها.
"ها. صدقتي. شوفتي بعينك صاحبتك اللي كانت بتقول عليا خاين وهي بتقولي إنها بتحبني ومتتقدرش تعيش من غيري؟"
ارتفعت عينيها تطالعه بصمت. بينما ألف شعور يتقاذفها من الداخل. فشعر بأن خطته تأتي بثمارها. فاقترب منها محاولًا بث السم أكثر في قلبها:
"وهي اللي اتفقت مع البت السكرتيرة عشان تروح تقول قدام عمي ومنصور إن فيه علاقة بينا. وأدتها فلوس كمان. عرفتي بقى إنها كانت عايزة تدمر حياتنا. وأنتِ سمحتيلها بكده.."
ظلت نظراتها معلقة به ولم تنمحي صدمتها البادية على ملامحها. بينما أخذ يتابع حديثه المسموم حين قال:
"ومكتفتش بكده وبس. لأ، ده حقدها طال بناتي كمان. وده أنتِ شوفتيه بعينك وشوفتي عملت إيه مع سما وقبلها شيرين. لسه برضه مصدقاها؟"
لم تجبه. بل هبت من مقعدها وهي تنظر إلى شيرين قائلة بلهجة مرتجفة:
"يلا عشان نمشي.."
أنهت كلماتها وهرولت إلى الخارج حتى لا تنفجر في بكاء مرير كظمته بداخلها لسنوات.
***
انتصرت خيوط الصباح على دجى الظلام الذي لأول مرة كان يتمنى دوامه. فوجودها بين ذراعيه كان أشبه بحلم ظن أنه لن يتحقق يومًا وأن السعادة ضلت طريقها إلى قلبه. ولكن ليلة البارحة كانت دربًا من دروب الخيال. فقد أخذته حوريته إلى عالم مليء بالسحر الذي غلف لقائهم العاصف المدجج بمشاعر أعظم من أن توصف.
فلأول مرة بحياته يشعر بمثل هذا الصفاء وكأن روحه اكتملت بقربها.
فقد اختبر معها مشاعر لم يكن يتوقع وجودها بداخله. والآن هو مستيقظ منذ أكثر من ساعة يتأملها بهدوء وبأعين اختلط بها العشق والشوق معًا. يتذكر لحظات جمعتهم وكيف كانت رقيقة محبة على الرغم من قلة خبرتها وبراءتها. إلا أنه شعر معها بسعادة أعمق من أن توصف.
أخذت أنامله ترسم بحنو ملامح وجهها الذي يعشق كل شبر به. تليها شفتيه التي كانت تسكب عشقًا طارف. أخذ يروي به ملامحها التي انكمشت بقلق حين شعرت بلمساته العذبة فوق ملامحها. فأخذت تتململ في نومتها إلى أن أشرقت شمسها على قلبه حين رفرفت رموشها كاشفة عن جنتها الخضراء التي احتوت تقاسيمه الرائعة بنظرة حانية تجلت في نبرتها حين قالت:
"صباح الخير."
كانت عينيه تبحران فوق ملامحها بشغف تجلى في نبرته الخشنة حين قال:
"صباح الفرح.."
كانت عينيه تغازلها ويداه تتجول على كتفها بحنان دغدغ قلبها وألهب مشاعرها. وخاصةً تلك النظرات التي تقطر عشقًا فاض به قلبه. فتخضبت وجنتاها بخجل محبب جعله يشدد من احتضانها أكثر وهو يقول بغزل:
"حلو التفاح اللي على الصبح ده. الواحد يفطر بقى عشان جعان."
أنهى كلماته وقام بقضم خدها الشهي فتأوهت بألم:
"آه.. سالم بالراحة."
نظر إلى خدها الذي زاد احمراره جراء أفعاله وقال بنبرة خشنة:
"محدش قالك تبقي حلوة كده عالصبح.."
أنهى كلماته وهو ما زال يتابع أفعاله العابثة مما جعلها تقول بلهفة ممزوجة بخجل كبير:
"سالم. استنى. هقولك على حاجة."
سالم باختصار:
"مش فاضي. قولتلك بفطر.."
توسعت ابتسامتها وقالت بمزاح:
"أنت كده بتحلى على فكرة. وده مينفعش قبل الفطار."
توقف عما كان يفعله وارتفعت رأسه تناظرها وقد غلف المكر نظراته قائلًا بتخابث:
"تصدقي عندك حق.. نفطر الأول.."
لم تتفهم مقصده فقالت باندفاع:
"طب يلا نقوم نفطر."
ارتفع أحد حاجبيه قبل أن يقول بتخابث:
"ونقوم ليه؟ الفطار هنا أحلى.."
أنهى كلماته دافنًا رأسه بين طيات عنقها الذي ألهبته أنفاسه الحارقة. فوصل إليها المغزى من حديثه فـتراجعت عنه وهي تقول بلهفة:
"لأ. أنت فهمت إيه؟ أنا أقصد ننزل يعني.. تحت نفطر وكده.."
قالت جملتها الأخيرة بلهجة يخالطها البكاء. فاشتدت يديه حولها وهو يتذكر أفعالها البارحة وحديثها مع شيرين ثم إلقائها الحقيبة ووقوفها أمامه تعلن عشقها وغيرتها. فارتسمت بسمة رائعة على شفتيه أسرتها لثوانٍ واختطفت نظراتها إلى وسامته الصارخة:
"قلبنا قطة دلوقتي.. أومال فين شجاعة امبارح؟"
هكذا تحدث بخبث مختتمًا حديثه بغمزة عابثة جعلت الخجل يغمرها مرة أخرى فخرج الحديث مرتجفًا من شفتيها:
"تقصد إيه؟ وإيه قلبت قطة دي؟"
تفرقت يديه بين ملامحها وسائر جسدها تمارس فنون العبث. بينما قال بلهجة خشنة وعينين ترسلان نظرات تغازلها:
"الأسد بتاع امبارح اللي عمال يهدد هنا وهنا ومحدش قادر عليه. اعملي حسابك هتلمي الورق اللي بعترتيه ده ورقة ورقة.."
نجح في أن ينحي خجلها جانبًا وانفلتت ضحكة قوية من بين شفتيها وهي تتذكر ما فعلته وتناست كل شيء وهي تقول:
"بصراحة. معرفش عملت كده إزاي؟ أنا فجأة لقيتني بشيل الشنطة وبرميها ومفوقتش غير وأنت بتقولي إيه اللي عملتيه ده.. قولت بس آخرتك النهاردة يا فرح."
شاركها المزاح وعينيه تطالع ابتسامتها بعشق كبير:
"وعشان كده طلعتي تجري زي العيال الصغيرة. يا جبانة.."
"لأ طبعًا مش جبانة. أنت اللي كان شكلك مرعب.. وبعدين أنا كنت خلصت كلامي أصلًا.."
هكذا تحدثت بلامبالاة. فقال بتسلية:
"أصلًا.. لأ. بس أنا مقدر.. الغيرة صعبة مفيش كلام.. لكن حلوة وبتجيب نتائج مبهرة."
أنهى كلماته غامزًا. فاكتست ملامحها بالغضب وقالت مستنكرة:
"غيرة إيه لأ طبعًا. هغير من مين أصلًا. وبعدين أنا واثقة في نفسي جدًا. ومتخلقتش اللي تهزني.."
فاجأها حين قال بلهجة عابثة:
"طبعًا.. دي مفيهاش كلام. بس قوليلي بقى مين جاب سيرتي وخلاكِ اتعصبتي أوي كده؟"
انكمشت ملامحها بحيرة من حديثه وقالت باندفاع:
"مين جاب سيرتك؟ لأ معرفش.. تقصد إيه؟"
"أنا بسأل بس. أصلك كنتِ محموقة أوي على سمعتي امبارح فـ قولت أكيد حد جاب سيرتي بكلام بطال ولا حاجة.."
هكذا تحدث بخبث قاصدًا كشف الستار عن غيرتها التي ترفض الاعتراف بها. فكسا الخجل ملامحها وخاصةً نظراته التي كانت تطالعها بخبث مما جعلها تقول بنفاذ صبر:
"طيب. خلاص. أيوا كنت غيرة. إيه مش من حقي؟"
أضاءت ابتسامة رائعة ملامحه جراء اعترافها بغيرتها. فقال بنبرة خشنة:
"طبعًا حقك."
أسرتها إجابته القاطعة فقالت بدلال:
"أحسن تكون اتضايقت ولا زعلت من كلامي؟"
راق له دلالها كثيرًا وخصوصًا عندما حاوطت عنقه بذراعيها. فقال بنبرة رجولية لطالما أسرتها:
"أنا بتاعك يا باشا. تعمل وتقول اللي أنت عايزه.."
ارتجت جدران قلبه حين أطلقت ضحكة قوية كانت لها وقع السحر على مسامعه. وتنبهت لها جميع حواسه. فأظلمت عينيه بنيران الرغبة الممزوجة بعشق كبير تجلى في نبرته حين قال:
"ما تيجي نفطر بقى.."
تسارعت دقات قلبها مع أنفاسها حين قالت بلهفة:
"سالم. عايزة أسألك سؤال ممكن؟"
"ممكن."
هكذا أجابها بنفاذ صبر. فقالت باندفاع:
"عايزة أعرف موضوع شيرين ده من أوله لآخره.."
تراجع عنها واستند على المخدع خلفه واضعًا يده خلف رأسه وهو يقول بخشونة:
"بغض النظر عن إن توقيت السؤال غبي. بس هجاوبك. ملخص الحوار. جوازة زي أي جوازة مدبرة من الأهل. ولما مكملتش مفرقتش معايا."
لا زالت الغيرة تقرض قلبها. فقالت باستفهام:
"يعني محبتهاش؟"
أجابها بفظاظة:
"مكنتش قدرت ولا سمحت إنها تتجوز حد غيري."
"بس أنت عارف إنه.. يعني.."
قاطعها بصرامة:
"حتى لو إيه. مكنتش هقبل إنها تتكتب على اسم راجل غيري.."
"طب ليه قعدت الفترة دي كلها من غير جواز؟ يعني أكيد قابلت بنات كتير حلوة مفيش ولا واحدة عجبتك."
هكذا استفهمت بقلب يدق خوفًا من إجابته التي جاءت على عكس توقعاتها حين قال بفظاظة:
"الحلاوة مش كل حاجة. كتير أوي الإنسان مبيبقاش حاسس ولا شايف إنه ناقصه حاجة غير لما حد يلفت انتباهه لده أو يشوف بعينه الشيء اللي هو محتاجه.."
"بمعنى؟"
كانت تبغي اعترافًا مميزًا بالحب ولم يبخل عليها أبدًا. لذا أجابها قائلًا بخشونة:
"قبل ما أشوفك مكنتش شايف إن ناقصني حاجة. والجواز مكنش في حساباتي. بس لما قابلتك حسيت بالاحتياج لوجودك جنبي وكنت لأول مرة أحس إني محتاج حد. وإني حياتي باهتة ملهاش لا لون ولا طعم.."
قام بالاعتدال لتصبح عينيه تعتليها وكأنه أراد أن يؤكد على حديثه بنظراته العاشقة وكلماته التي حوت سحرًا أحاط بقلبها:
"أنا مكملتش غير بيكِ يا فرح.."
ارتفعت يديها تحتضن وجهه بحنان وعشق خالط نبرتها حين قالت:
"وأنا معرفتش يعني إيه فرح غير معاك.."
لثم شفتيه كفوف يدها بحب تجلى في نبرته حين قال:
"وعد مني هخلي الجاي من حياتنا كله فرح. يا فرحة قلبي اللي جتله بعد سنين شقى وتعب.."
خرجت الكلمات من أعماق قلبها الذي لأول مرة بحياته يتذوق معنى السعادة:
"بحبك يا سالم.."
اخترقت الكلمة أعماق قلبه الذي لن تسعفه الكلمات لوصف ما يحمله لها من عشق. ولأنه رجل اعتاد على الأفعال دون الحاجة للقول. فاقترب منها بنظرات شغوفة وأنفاس حارقة قائلًا بصوت أجش:
"يبقى تسبيني أفطر بمزاج.."
لم يمهلها الفرصة لخلق أي حديث آخر. فقد فاض الشوق وطغى. فأخذ ينهل من رحيقها العذب ويبثها أشواقه الضارية وأغدقها من عشقه بسخاء. بينما يديه كانت تحيطان بها برقة وكأنها قطعة كريستال ثمينة يخشى عليها من الخدش. فصارت تبادله أشواقه بشغف أشعل لهيب الصبوة بقلبه أكثر وأكثر. فأخذها معه في رحلة إلى عالم مليء بالسحر يقتصر عليهما فقط. وقد أسلمته روحها وقلبها وجسدها طواعية. فقد جعلها تشعر وكأنها أميرة متوجة على عرش قلبه. وهذا أعظم ما قد تشعر به الأنثى مع رجلها.
وهكذا اكتمل بها واكتملت به. وقد كان ما شعرت به بين أحضان عشقه أعمق وأقوى من أن تصفه الكلمات. فهذا الرجل أصبح مسكنها وسكنها وسكينتها…
***
كانت تجلس أمام الطبيب بترقب وجسد يرتعش تزامنًا مع دقات قلبها التي كانت في سباق مع أنفاسها وهي تنتظر منه أن يبدأ بالحديث. وفي خضم معاناتها شعرت به يغادر مقعده جاذبًا إياه ليصبح بجانبها وأخذت يديه تحتضنها بقوة. بينما قال بنبرة مشجعة:
"متقلقيش من أي حاجة طول ما أنا جنبك."
كلماته أضافت شعورًا من الارتياح القوي على قلقها وسكن جسدها وهدأت معه دقات قلبها. فقامت بالالتفات ورسمت ابتسامة هادئة على ملامحها. وقد كان مشهدهم رائعًا للحد الذي جذب أنظار الطبيب الذي قال بالإنجليزية: (طبعًا أنا هترجم 😂)
"أعتقد أنكِ بالفعل قد سلكتي طريق العلاج مع طبيبك الخاص سيدة جنة.."
التفتت تناظره بعدم فهم. فقال بابتسامة هادئة:
"أقصد ذلك العاشق.. الذي يستحق أن تقاتلي من أجله.."
وصلها المغزى من حديثه. فلون الخجل معالمها وقامت بإخفاض رأسها. فاقترب من أذنها قائلًا بمزاح:
"شايفة الدكتور بيحسدك عليا إزاي؟ احمدي ربنا عليا بقى.."
كان يتحدث بمزاح حتى لا يسمح للقلق أو الخوف أن يغزو قلبها مرة أخرى. فتفاجأت بها ترفع رأسها تناظره بخجل قائلة بخفوت:
"الحمد لله…"
يود لو يتخطفها الآن ويغلق عليها داخل قلبه الذي ارتج حين سمع كلمتها التي أوحت به بمقدار ما تحمله لأجله. وما أن أوشك بإجابتها حتى سمع الطبيب الذي تحمحم بخفوت جاذبًا انتباههم وقال بعملية:
"سوف نبدأ بالجلسات غدًا. لا أرى أي ضرورة لإضاعة الوقت.."
شدد سليم على كتفها وهو يقول بخشونة:
"أوافقك الرأي. نحن جاهزون أليس كذلك جنتي؟"
أنهى كلماته بغمزة عابثة هدأت من روعها كذلك تلك الياء التملكية التي أضافها لاسمها. فـأومأت بالموافقة ولكنها قالت باستفهام:
"هل يمكنني أن أعرف كم جلسة سـأحتاج؟"
"لا يمكننا الجزم بعدد الجلسات. حالتك ومدى استجابة جسدك للعلاج هو ما سيقرر."
"شكرًا أيها الطبيب.."
هكذا تحدث سليم والتفت إليها قائلًا:
"يلا يا حبيبي.."
أومأت دون حديث وتوجهت معه للخارج. وما أن وصلا للباب حتى أوقفهما نداء الطبيب على سليم الذي نظر إليها بطمأنة وتوجه إليه تاركًا إياها بعد أن اختارت أن تسبقه إلى السيارة:
"العلاج من المحتمل أن يجعل شعرها يتساقط. وحفاظًا على حالتها النفسية أقترح عليك بأن تجعلها تقوم بقصه."
شعر بقلبه يتمزق حين سمع حديث الطبيب وأومأ له قبل أن يتوجه بخطٍ مثقلة إلى حيث تنتظره. وحاول رسم ابتسامة هادئة على شفتيه حين استقل السيارة بجانبها. فتحدثت بنبرة مهتزة:
"ممكن أطلب منك طلب.."
جذب انتباهه حديثها فـالتفت كليًا يناظرها وهو يقول بلهفة:
"أنتِ متطلبيش أنتِ تؤمري.."
حاولت رسم ابتسامة على ملامحها وهي تقول بشفاه مرتجفة:
"عايزة أتمشى لوحدي شوية.. يعني ألف في البلد كدا وأتفرج على المحلات. ناقصني شوية حاجات عايزة أشتريها. ممكن تروح أنت. وأنا هرجع لوحدي…"
نجحت كلماتها في إشعال فتيل غضبه وتجلى في عينيه التي اشتعلت بحمرة قانية. ولكنه حاول بصعوبة التظاهر بالهدوء حين قال بفظاظة:
"على راحتك.. شوفي حابة أوصلك فين."
"أي مكان في محلات.. نزلني هناك.."
هكذا تحدثت باختصار. فهي لم تكن غافلة عن غضبه الذي يحاول قمعه والذي تجلى في يديه التي كانت تشتد على المقود وقيادته الجنونية. ولكنها لم تستطع إلا الابتعاد عنه في وضعها الحالي.
صف السيارة أمام أحد المحلات وقال بخشونة:
"لما تخلصي كلميني أبعتلك السواق يجي ياخدك."
"تمام.."
قالتها وترجلت من السيارة دون أن تلتفت إليه متوجهة إلى أحد المحلات. فقام بإدارة السيارة والمغادرة. فما أن شاهدته يغادر حتى انهمرت عبراتها تروي مقدار الألم الذي يحيط بقلبها. وبأقدام أثقلتها الألم توجهت إلى إحدى صالونات التجميل وداخلها حريق تصاعدت أبخرته إلى رئتيها فجعلت تنفسها مؤلمًا.
وعلى قدر ألمها جاء ألمه. فقد كان يتوقع هذا. فبعد أن تركها صف السيارة بعيدًا عن أعينها. قام بالترجل يراقبها من بعيد وداخله يتمنى أن يخيب ظنه. ولكن للأسف كانت تشعر بما أخبره به الطبيب ولم ترغب أن يكن بجانبها. وقد انفطر قلبه لتحملها كل هذا الثقل والألم وحدها. فانبثقت دمعة من طرف عينيه تحكي مقدار قهره. فوَد لو يتوجه إليها يعتصرها بين ذراعيه ويخبرها أمام العالم أجمع بأنها أجمل النساء بعينه وأنه لا يريد من العالم أحد سواها…
***
"ياسين. يلا عشان تفطر.."
هكذا تحدثت حلا مع ياسين الذي كان يقف في الشرفة يدخن سيجارة. فأجابها بفظاظة:
"مش جعان.."
وضعت صينية الفطور على المنضدة واقتربت منه قائلة بلهجة حانية:
"مينفعش يا ياسين. أنت من امبارح محطتش لقمة في بقك. وده غلط عليك.."
كان متألمًا حد الغضب الذي تجلى في نبرته حين قال:
"قولتلك مش جعان يا حلا. بطلي تضغطي عليا. مش عيل صغير قدامك أنا. هتعرفيني الغلط من الصح."
تألمت حين خاطبها بتلك الطريقة. وكعادتها تجاوزت عن ألمها قائلة بغضب:
"والله لو مش عايزني أعاملك. على إنك طفل صغير. بطل حركات العيال دي. لما تقطع الأكل كده اللي راح هيرجع؟"
صاح محذرًا:
"متستفزنيش يا حلا وروحي شوفي هتعملي إيه."
كان إنذارًا بهبوب عاصفة هوجاء يخشى عليها منها. ولكن كبرياؤها أبي أن تنصاع لتحذيره. فقالت ساخرة:
"لأ والله خوفتني بجد.. ولو ممشيتش هتعمل إيه؟"
أظلمت عينيه فجأة و قام برمي السيجارة من الشرفة. تجاهل الألم الذي يضرب سائر جسده وتقدم منها قائلًا بوعيد:
"هخوفك بجد.."
كانت ملامحه مخيفة وعينيه حمراء بشكل ملحوظ مما جعلها تتراجع خطوة إلى الخلف. لم تكد تخطو الثانية حتى وجدتة ينقض عليها بعنف لم تتخيله وأخذ يسكب غضبه على ثغرها وسائر جسدها بفظاظة آلمتها. وأخذ يخطو بها إلى المخدع خلفهم وهو ينتزع منها كل ما يحجبها عنه. بينما هي تصارع حتى تهرب من بين براثنه. وخاصةً تلك السخونة التي تنبعث من أنفاسه والتي لم تكن طبيعية. ولكن من فرط خوفها لم تلاحظ ذلك. فأخذت تتلوي وهي تدفعه بعيدًا عنها. ولكنه كان أقوى منها بكثير وقد أحكم تقييدها بيديه. بينما اقتنصتها شفاهه تسلبها القدرة على الحديث.
فانحبست أنفاسها داخل صدرها. وحين أوشك على النيل منها صرخت بملء صوتها:
"لأ يا ياسين.. متخلينيش أكرهك.."
اخترقت كلماتها المتوسلة أعماق قلبه الذي لم يكن مغيبًا كعقله الذي لم يكن يعمل في ذلك الوقت. فارتفعت عينيه تطالعها بنظرات غامضة. وقد شعر بعبراتها وكأنها جمر يحرق قلبه. وخاصةً ارتجافها الذي يوضح مدى رعبها منه. فقد أخذ صدرها يعلو ويهبط وتعالت شهقاتها. وفجأة برقت عينيها حين شعرت بيديه تحوط خصرها ورأسه يرسو فوق صدرها الذي شعر بسائل ساخن يبلله. فرفعت رأسها تناظره فوجدت عينيه مغلقة تنبعث منها عبرات حارقة. فمدت يدها تلامس وجهه الذي كان يحترق أسفل يدها فقالت بصدمة:
"ياسين.. أنت سخن كده ليه..؟"
لم يجيبها. فقد ابتلعته دوامة سوداء انتشلته من براثن الألم الذي أصاب جسده بحمى الفقد الذي لم يتحملها قلبه بعد فقدانه شقيقه الأصغر أمام عينيه. والآن رحل والده الذي كان سندًا له في تلك الحياة. فلم يستطع التحمل واستسلم للمرض. وعلى الرغم من ألمها لما حدث منه منذ لحظات. ولكنها رغمًا عنها أشفقت عليه. فقامت بـاحتضان رأسه بين ذراعيها وكأن حنانها لامس قلبه. على الرغم من غفوته. فأخذ يتمتم بكلمات لن تفهم منها سوى:
"سامحيني يا حلا.."
احتضنته بقوة وظلت على حالها للحظات قبل أن تحاول بصعوبة سحب نفسها من بين ذراعيه التي كانت تمسك بها كطوق النجاة. وما أن استطاعت التحرر منه حتى توجهت إلى الخزانة تخرج ملابس تستر بها جسدها وتوجهت للأسفل وهي تبحث عن تهاني التي كانت في مكتب عبد الحميد. فاندفعت تفتح المكتب دون أن تطرق الباب. فالتفتت الأعين تناظرها باستنكار انمحي حين صرخت قائلة بألم:
"ياسين سخن وتعبان أوي. حد يطلب دكتور ييجي يشوفه.."
هب عبد الحميد من مكانه وبجانبه تهاني التي صرخت بذعر:
"بتقولي إيه يا بتي؟ ولدي ماله؟"
بينما صرخ عبد الحميد في أحد الغفر قائلًا بأمر:
"مسعود. أجرى هات الحكيم بسرعة.."
ثم هرول ثلاثتهم إلى غرفة ياسين الذي كان يرقد وهو يهذي من الحمى والألم الذي لم يتحمله جسده..
***
خرج مروان مهرولًا للخارج على صوت الغفير وهو يتشاجر مع أحدهم. وقد تعالت الكثير من الأصوات والتي كانت لمجموعة من الشباب كانوا يتشاجرون مع شعبان الغفير أمام المزرعة. وما أن شاهدوا الحرس قادمين حتى هربوا بعد أن قاموا بالاشتباك بالأيدي. فأقبل مروان لمعرفة ماذا حدث:
"إيه يا عم شعبان حصل إيه؟"
شعبان بصوت مبحوح يكاد يكون مسموعًا:
"دول شوية عيال جلّات التربية يا بيه وجايين يرموا بلاهم علينا.. بس متخافش إني علمتهم الأدب."
مروان بسخرية:
"يا راجل علمتهم الأدب إيه ده أنت صوتك هرب من كتر الخوف.."
"لأ يا بيه خوف إيه ده أنا ربيتهم صح.."
مروان وهو يناظر ملامحه التي تلونت جراء تلك المعركة التي دارت بينه وبين أولئك المشاغبين وقال بتهكم:
"ماهي أثر التربية واضح عليك ما شاء الله. تقريبًا وأنت بتضربهم حد قالك اهو أنت الضربة لفت ولزقت في خلقتك.. وإيه دي بوسة دي ولا إيه."
"بوسة إيه يا بيه. لأ ده الواد الله يحرجه غفلني وناولني بونية ملحقتش أتفاداها.."
"لأ يا راجل.. دي ملحقتش تتفاداها والخريطة اللي على وشك دي كلها تغفيلات برضه. أنت كنت سكران ولا إيه؟ يالا مش مهم. قولي هما كانوا بيتخانقوا معاك ليه؟"
هكذا تحدث مروان فأجابه الغفير قائلًا:
"إني كنت في الجنينة سمعت صوت عربية بتزمّر والحرس كانوا بيفطروا. طلعت أشوف مين. لقيت العيال دول بيلعبوا بالمكن قدام المزرعة."
مروان باستفهام:
"مكن! مكن يعني مزز كان معاهم مزز ولا إيه؟ طب مش تناديني اخص عليك ده أنا حبيبك برضه."
الغفير باستنكار:
"مزز إيه يا مروان بيه. بجولك مكن. فيزبا موتسيكلات لامؤاخذة."
صاح مروان باندهاش:
"موتسيكلات.. آآه. طب مش توضح يا راجل. أصل دماغي بتروح في حتت شمال.. المهم وبعدين.."
"ولا جبلين.. طلعت أشوف مين دول لقيتهم جلوا أدبهم وكان في عربية سودا واقفة بعيد عنهم. ولما جنابك طلعت أنت والحرس فلجوا كلهم."
"إيه فلجوا دي معلش محسوبك مبيعرفش لغات؟"
هكذا استفهم مروان فأجابه الغفير بامتعاض:
"يعني چريوا.."
"مالك كده يا راجل. خلقك ضيق ليه؟ بستفسر بس.."
أنهى كلماته تزامنًا مع وصول سيارة سليم إلى المزرعة. فما أن رآه مروان حتى ترجل من السيارة وأعطى المفتاح لأحد الحرس ليصفها وتوجه إلى مروان الذي كان يعطيه ظهره. وما أن التفت حتى صاح بصدمة:
"أهو سليم جه اهو… إيه ده… سلامًا قولًا من رب رحيم. انصرف انصرف.."
هكذا صاح مروان بذعر ما أن وقعت عينيه على سليم الذي قام بحلق شعر رأسه حتى يساند حبيبته في محنتها وحتى لا تشعر بالخجل منه أبدًا. وما أن رأى رد فعل مروان حتى تعاظم الغضب بداخله وقال بحنق:
"إيه يا ظريف شفت عفريت؟"
مروان بصدمة:
"أنيل… شعرك راح فين؟ أقرعيت كده ليه؟"
سليم باستفهام:
"كده أحلى صح؟"
أجابه مروان بصراحته الفجة:
"أحلى إيه شكلك يقرف الكلب.."
لكزه سليم في كتفه وهو يقول بغضب:
"تعرف تخرس."
مروان بامتعاض:
"الساكت عن الحق شيطان أخرس. أضلك يعني؟ سألتني قولتلك رأيي."
"ده عشان أنت مبتفهمش.."
هكذا تحدث بضيق. فأجابه مروان:
"مبفهمش إيه أنا خايف عليك يا ابني وعلي مستقبلك. جنة لو شافتك كده هيجيلها صرع.. وهي كده كده مش طايقاك أصلًا."
غضب من حديثه وقال مستفهمًا:
"ليه شكلي وحش أوي كده؟"
"وحش بس ده أنت عديت ليفل الوحاشة بمراحل حاليًا داخل على ليفل البشاعة."
صاح سليم بانفعال:
"طب غور من وشي."
مروان بسماجة:
"طبعًا هغور. ناقص قرف مش كفاية عمتك همت اللي قرفاني في عيشتي."
سليم بشماتة:
"تستاهل."
اغتاظ مروان فقال قاصدًا استفزازه:
"الله يكون في عونك يا جنة هتتصبحي بالخلقة دي كل يوم الصبح."
تحدث سليم محذرًا:
"ملكش دعوة بجنة يا بغل أنت. وبعدين أنا حلقت شعري عشانها."
مروان بذهول:
"عشانها! لأ معلش مش فاهم. ده عقاب ليها مثلًا على عمايلها فيك. ولا قررت تصرعها؟"
"بطل غباوة.. النهاردة كنا عند الدكتور وطلب مني أخليها تقص شعرها عشان جلسات الكيماوي."
فطن مروان إلى مقصد سليم فقال باعتذار:
"آسف يا سليم والله مكنتش أقصد. بس حلوة الحركة دي منك. أي نعم هنبقى مضطرين نشوف خلقتك الغلط دي كل يوم. بس مش مشكلة. كله يهون عشان خاطر عيون الست جنة."
سليم بحنق:
"مالك ومال عينيها ياله…"
"صاحبتي يا عم.. مالك؟"
هكذا أجابه مروان بسلاسة. فقام بجذبه من تلابيبه وهو يقول بغضب:
"بقولك إيه يا زفت أنت. ملكش دعوة بيها وإياك تقول صاحبتي دي تاني.. سامع ولا لأ."
"طبعًا سامع."
كانت تستقل سيارة الأجرة تجتاز بوابة المزرعة. فتفاجأت بأحدهم يمسك مروان من تلابيبه. فأوقفت السائق بلهفة وقامت بإعطائه حقه وهي تهرول إلى مروان قائلة باندفاع:
"في إيه يا مروان. شيل إيدك عنه."
قالت كلمتها وهي تجذب يد سليم الممسكة بـ مروان. فإذا بصدمة قوية تصيبها حين التفت سليم ورآه. فسقطت الحقائب التي بيدها وتراجعت إلى الخلف تشهق بقوة واضعة يديها فوق وجهها. فخرجت الكلمات من فم مروان باندفاع:
"ادي البت اللي حيلتنا اتشلت.. كله بسببك."
"سليم.."
هكذا خرجت الكلمة مستفهمة من بين شفتيها. فهي لم تكن تصدق ما تراه. فأجابها باحراج ويده تمسح على رأسه:
"إيه رأيك في النيو لوك ده؟"
"ما قولتك يقرف الكلب.."
هكذا تحدث مروان باندفاع. فأرسل له سليم سهام نظراته الغاضبة. فأومأ برأسه معتذرًا ثم التفت إلى جنة قائلًا بغزل:
"إيه الحلويات دي يا أم حزومبول؟ الشعر القصير حلو عليكي أوي يا بت."
أنظارها كانت معلقة على ذلك الذي لا ينفك يفاجئها دائمًا بأنه قريب منها للحد الذي يجعله يفهمها من نظرة عينيها:
"شكلك زي القمر.. حلو أوي الشعر القصير عليكي."
هكذا تحدث وعينيه ترسلان نظرات إعجاب صريحة أخجلتها. فـأخفضت بصرها أرضًا. فـ تدخل مروان قائلًا بسماجة:
"شوف هي قصت شعرها بقت زي القمر. أنت قصيت شعرك بقيت زي القرد. سبحان الله."
ما أن أوشك على الحديث حتى تفاجأت بها تقول مندفعة:
"قرد في عينك. ده أنت اللي قرد."
كان اندفاعها للدفاع عنه أمرًا مثيرًا للحد الذي جعله يتجاهل حديث مروان ويناظرها بحب. فقطع مروان تواصلهما البصري قائلًا بسماجة:
"هنفضل متنحين لبعض كده طول النهار. الشمس هتسيح دماغه. بقي منه للسقف خلاص."
التفت سليم يناظره وهو يعض على شفتيه بغضب. فتدخلت جنة قائلة بخفوت:
"أنا تعبت من اللف وعايزة أدخل أرتاح شوية."
ناظرها سليم بلهفة تجلت في نبرته حين قال:
"طب يلا ندخل.. أنا كمان مصدع."
امتدت يده تمسك بخاصتها متوجهًا إلى الخارج تاركين مروان خلفهم وهو يقول بسخرية:
"جوز سحالي ماشيين على البحر ياخواتي."
التفت سليم ينوي الرجوع كي يوسعه ضربًا. فأوقفته جنة التي قالت في محاولة لتهدئته:
"سيبك منه."
طاوعها ودخل معها إلى القصر. فقال مروان بتحسر:
"وأنت هتمشي مأنكج كده امتى يا منيل؟ الله يسامحك يا عمتي. طب أحلق شعري طيب ولا أعمل إيه؟ لأ أحلق شعري إيه أنا ناقص تشويه في منظري.. أما أروح أشوف البت دي بتهبب إيه؟"
***
وضعت القهوة أمامه دون أن تنظر إليه. بينما كانت عينيه متعلقة بها وبكل همسة تصدر منها. وما أن همت بالمغادرة حتى استوقتها كلماته الصارمة:
"وقفي عندك.."
توقفت بمكانها دون حديث مرتدية قناع جليدي أغضبه بشدة. فقال من بين أسنانه:
"اللي حصل امبارح ده ميتكررش تاني سامعه ولا لأ؟"
تشابهت نظراتها مع نبرتها الجليدية حين قالت:
"لأ مسمعاش."
"ليه اطصنجتي (اطرشتي يعني 😂)؟"
هكذا تحدث بغضب. فأجابته بجمود:
"لأ. بس حديثك ميلدش عليا."
"ده ليه أومال؟"
صبت غضبها وألمها في قوالب الذنب التي ترسو فوق قلبه حين قالت:
"عشان إني معملتش حاجة عفشة ولا اتمسخرت. وعشان جنابك ماشي ترمي تهم على الناس بالباطل. من غير ما تتأكد. وعشان إني حرة حتى لو كنت عفشة فده ميخصش حد. ولا أنت أبويا ولا أخويا عشان تقول كده."
غضب من نفسه المندفعة ومنها. فهي بكل مرة تضعه في مواجهة مع نفسه وتطرح أسئلة لا يملك أجوبتها:
"كنك نسيتي إنك بتشتغلي عندنا وإن سمعتك من سمعة الدار دي.."
"كنت. كنت يا كبير بشتغل عندكوا ومشيت بعد اللي حصل. ولو كنت هنا دلوقتي فعشان الست الأصيلة اللي طبطبت عليا لما الديبة نهشت عرضي.."
لا تنفك أن تذكره بجرمه الذي يؤنب نفسه في اليوم مائة مرة عليه ويلعن اندفاعه الذي جعله يؤلمها هكذا. ثم يلعن نفسه لاهتمامه المريب بأمرها.
زفر بغضب قبل أن يقول:
"خلصنا بقى. الموضوع ده مش هيتجل؟"
"اتجل. تؤمرني بحاجة قبل ما أمشي."
هكذا تحدثت بأعين ناظرة إلى البعيد غافلة عن توسل عينيه التي غافلته وأرسلت نظرات ترجو السماح من قلبها. ولكن جاءت كلماتها لتثير غضبه من جديد. فصاح آمرًا:
"مش هتمشي."
"يعني إيه؟"
هكذا استفهمت باندهاش. فخرجت كلماته صارمة حين قال:
"مش هتمشي من هنا ولا هتشتغلي عند أي حد. وأنا بنفسي هضمن إن مفيش حد يشغلك في البلد كلها…"
ازدادت دهشتها والتي تحولت بعد ذلك لغضب تجلى في نبرتها حين قالت:
"إيه الافترا ده؟ أنت بتعمل كده ليه؟"
"ملكش صالح. نفذي الأوامر وبس."
هكذا تحدث هاربًا بعينيه من استفهام لا يستطيع الإجابة عليه. فجاءت كلماتها التالية كصاعقة أصابته:
"أقولك إني. عشان أنت ظالم ومفتري ومبتجيش غير على الغلابة اللي زيي. بس إني لأ ضعيفة ولا غلبانة زي ما أنت مفكر. ومش هنفذ أوامرك ولو حصل هطلع على المأمور. وهحكيله على عمايلك دي."
تعاظم الغضب بداخله حين سمع حديثها. فاقترب منها خطوتين وهو يقول بأعين تبلور بها الغضب فبدت مخيفة تشبه نبرته حين قال:
"لو طلعتي على مدير الأمن نفسه. برضه مش هتمشي من هنا. إيه قولك بقى."
جن جنونها فقالت بانفعال:
"اتقي الله. أنا بجري على أخواتي. هوكلهم منين."
"قولي لنفسك. خليكي اشتغلي هنا. وأنا أوعدك مش هضايقك أصل. بطلي عناد بقى أنا عمري ما شفت حرمة عنيدة كده."
تحدث بنفاذ صبر. فأجابته باستفزاز:
"يبقى أخلص مني وسيبني أغور وأني مش هوريك وشي أبدًا…"
باغتتها كلماته التي انفلتت من بين شفاهه باندفاع:
"ومين جالك إني ما عايز أشوف وشك."
تراجعت خطوة للخلف وقد تعثرت نبضاتها داخل قلبها إثر كلماته. وقالت بخفوت:
"تقصد إيه؟"
تراجع للخلف وشبك كفوفه خلف ظهره وهو يقول بفظاظة:
"متاخديش في بالك.. روحي شوفي شغلك."
كانت على وشك المغادرة. ولكنها تذكرت أمرًا فتوقفت تنظر إليه قائلة بجفاء:
"عايزة السلسلة بتاعتي."
كان ذلك السلسال رفيق لياليه الطويلة يذكره بها والشاهد الوحيد على معاناته. لذلك لم يرد التفريط به. فقال كاذبًا:
"معرفش راح فين.. باينه ضاع.."
"إيه؟ ضاع..!"
خرجت الكلمات متألمة من بين شفتيها. فهذا السلسال الذكرى الوحيدة من حياة لا تعلم عنها شيئًا انتُزعت منها منذ أن كانت صغيرة أصغر من أن تعرف هوية والداها اللذان توفيا في هذا الحادث الأليم. وقد وجدها ذلك الراعي ورباها كأنها ابنته.
جرت الدموع بانهمار على وجنتيها. فسقطت كجمرات حارقة على قلبه الذي هاله مظهرها. وخرج صوته متلهفًا حين قال:
"بتبكي ليه؟ ده سلسال هجبلك أحسن منه الصبح."
لأول مرة يتجلى الضعف بعينيها هكذا. فاخترقت سهام ضعفها قلبه. وخاصةً حين قالت:
"مفيش أحسن منه.. ده كل حياتي."
غزي الجنون عقله. فامتدت يديه تمسك بـ رسغها وهو يقول بريبة:
"ليه؟ مين اللي جابهولك؟"
ما أوشكت أن تجيبه. فسمع صوت صفوت الذي صاح يناديه:
"عماااار…"
***
كان يتقدم بخطٍ مثقلة بذنب عظيم لم يرتكبه ولا يقدر على حمله أو الفرار من بين براثنه. فما كاد أن يصل إلى بره الآمن حتى صفعته الحياة تلك الصفعة القاسية التي انطبعت آثارها بقلبه وقلب حياته رأسًا على عقب.
خطى إلى داخل غرفة وكيل النيابة. فإذا به يتفاجأ بوجودها أمامه. فهوى قلبه بين قدميه. وخاصةً حين رأى تلك النظرة المحتقرة تنبعث من عيونها. فاخترقت قلبه المكلوم كسهام مشتعلة. حتى أنه لم يلتفت حين تحدث وكيل النيابة بأنه سيتركهما سويًا لبعض الوقت. فما أن غادر حتى سمع صوتها المتألم يقول:
"آخر واحد في الدنيا كنت أتخيل أنه يبقى قذر بالشكل ده…"
تراشقت سهام كلماتها بقلبه. ولكنه حاول التظاهر بالجمود حين قال:
"أنا معملتش كده."
"كذاب."
هكذا صرخت بقهر. فأجابها بقوة:
"مبكدبش. معرفش مين البنت دي ولا عمري شفتها أصلًا."
ساندي بسخرية مريرة:
"أومال هي هتتبلى عليك كده. من الباب للطاق. هتقول اسمك وتوصف ملامحك إزاي وهي متعرفكش."
كان هذا سبب عذابه الذي كان يؤرق لياليه. فتقدم جلس بكل ثقله على المقعد خلفه واضعًا يديه فوق رأسه قائلًا بقلة حيلة:
"ده اللي هيجنني. تعرفني منين وليه تلبسني تهمة زي دي؟"
"كان ممكن اتخدع فيك وأصدقك لو مكنتش اتأذيت منك. لكن دلوقتي أنا شايفاك على حقيقتك."
لم يرفع رأسه. فلم يكن يملك ما يقوله. فقد بح صوته وهو يقول بأنه بريء من هذا الذنب العظيم. ولكن لم يسمعه أحد. ولكنها باغتته حين قالت بقسوة:
"طلقني.."
وثب قائمًا وهو يناظرها بصدمة. وخاصةً حين تابعت بقسوة:
"عمري ما هقبل أبقى زوجة لواحد مغتصب حقير زيك."
"اسكتي.. وامشي ومتجيش هنا تاني. مش عايز أشوفك. وخليكِ عارفة إن عمري ما هطلقك أبدًا."
هكذا صرخ بها من عمق الوجع الساكن بأعماقه. ويديه تمسكان باكتافها يهزها بقوة. فدفعته بعيدًا عنها وهي تصرخ بنبرة جريحة:
"ليه عملت كده؟"
وضع يديه فوق رأسه بقله حيلة. بينما عينيه تطوف بكل شيء حوله. إلى أن تعثر بضالته فهرول إلى المنضدة وقام بجلب المصحف الشريف. وقام بوضع يده فوقه وهو يناظرها بنظرات تحمل التوسل والألم معًا:
"بحق من أنزل هذا الكتاب معملتش كده.. أنا معرفهاش.. والله ما أعرفها.."
باغتتها فعلته للحد الذي جعلها تناظره بصدمة. فوضع المصحف الشريف جانبًا واقترب منها قائلًا بصوت مبحوح من فرط الألم:
"أنتِ أكتر حد في الدنيا يهمني إنه يصدقني.. حتى لو هيعدموني مش مهم عندي. المهم إنك متشوفنيش وحش كده."
رق قلبها رغمًا عنها لحديثه وتوسله. وتكالبت عليها أوجاعها فأهلكت كل ذرة ثبات بداخلها. فلم تشعر سوى وهي تندفع بين أحضانه تبكي قهرًا مارسته الحياة على كليهما. فأخذ يحتضنها بكل ما أوتي من حب تسرب إلى داخلها. فنكره عقلها الذي لم ينس خيباتها. فأخذت تضربه بكلتا يديها وهي تصرخ بألم:
"ليه..؟ ليه أنت بالذات؟ ليه؟ أنا مكنش عندي غيرك! ليييه؟"
كانت تصرخ وتضربه. وقد كان يتلقى ضرباتها بصدر رحب. تناسي كل ألمه وقهره وضمها بقوة إلى داخله. فاختلط نحيبها مع بكائه الصامت في لحظة مسروقة بين كل هذا الألم المحيط بهم…
***
هبط الدرج سويًا يد بيد بعد أن أقنعته بصعوبة بالغة بالنزول للأسفل. وقد وافق على مضض حتى يمكنه مباشرة أعماله. وقد كان أول من قابلاه هو سليم الذي كان متوجهًا إلى غرفة المكتب. فتفاجأ من مظهره. ولكن لم يعلق. فقد كان يرسل نظرات تحذيرية عن السؤال. فالتزم الصمت.
"داده نعمة اعمليلي قهوة.."
هكذا تحدث سالم إلى نعمة التي ما أن أوشكت على تلبية مطلبه حتى أوقفتها كلمات فرح التي قالت بخفوت:
"داده نعمة استني أنتِ. أنا هعمل أنا القهوة.."
انكمشت ملامحه بحيرة تجلت في نبرته حين قال:
"اشمعنى كده؟"
إجابته بدلال راق له كثيرًا:
"بمارس مهامي. مرات الكبير بقى وكده."
أضاءت ملامحه ابتسامة عذبة قبل أن يقول بعبث:
"طب ما تسمعي كلام الكبير وتيجي أخده وأطير من هنا."
لون الخجل ملامحها فبدت شهية للغاية. فاقترب أكثر قائلًا بخشونة:
"السكوت علامة الرضا. يلا بينا."
جذبها من معصمها فأوقفته قائلة بخفوت:
"طلعت عيني عشان تنزل ومكملناش ثواني وعايز تطلع. بطل استهبال بقى."
ضيق عينيه قائلًا بوعيد:
"مقولتش أنا إن لسانك ده عايز قطعه."
أرادت مشاكسته قليلًا فقالت بدلال:
"لساني أنا برضه اللي عايز قطعه!"
أجابها بوقاحة:
"طب تعالي نطلع فوق ونشوف مين هيقدر على التاني."
خدعته حتى أفلتت من بين براثنه. فقالت بنبرة مرتفعة:
"أيوا يا داده نعمة جايه أهو."
ضيق عينيه وهو يعض على شفته السفلية قائلًا بوعيد:
"هو إحنا فينا من كده؟"
وصل إلى مسامعها استفهامه. فالتفتت قائلة بدلال:
"أيوا فينا من كده."
تابع تهديده قائلًا:
"مبقاش سالم الوزان إن ما ربيتك من أول وجديد."
أطلقت ضحكة رقيقة سرقت لبه الذي يهيم بها ولهًا. تضاعف بعد تلك الليلة التي قضاها بين أحضان عشقها الدافئ.
توجه إلى غرفة الجلوس. فلفت انتباهه جنة التي كانت في طريقها إلى الصالون. فأوقفه مظهرها الجديد. وقد فطن الآن السبب لما فعله أخيه. فشعر بالشفقة تتسلل إلى قلبه على تلك الصغيرة التي ضاعف الحزن والمرض عمرها. فانتظر حتى أتت وقال بنبرة خشنة:
"عاملة إيه؟"
لطالما كانت تهابه كثيرًا على الرغم من أنه كان شخصًا حنونًا وقد ظهر ذلك في الكثير من المواقف. ولكن كانت هيبته تجعلها تخشى الحديث معه. لذا أجابته بخفوت:
"الحمد لله."
أومأ برأسه وتحمحم قليلًا قبل أن يقول بخشونة:
"لايقة عليكي أوي.. التسريحة الجديدة."
أضاءت ملامحها بابتسامة مشرقة قبل أن تقول بخفوت:
"بجد؟"
"آه فعلاً. شكلك زي القمر. خسارة في الواد سليم."
أخجلها حديثه كثيرًا. وفجأة جاء صوتًا عابثًا من خلفهم:
"قولها عشان مش مصدقاني. سلومة الأقرع اللي جوه ده ميستاهلكيش. اسمعي مني اهو البوص بذات نفسه قالك."
تعالت ضحكاتهم. فتابع مروان مزاحه قائلًا:
"أومال أنت حلو كده ليه يا كبير؟"
تحمحم سالم قبل أن يقول بفظاظة:
"أنا حلو على طول يا أبو لسانين."
مروان بخبث:
"لأ النهاردة غير. وشك مورد كده وعينك بتلمع. بركاتك يا فروحة."
ضيق عينيه بوعيد قبل أن يقول باستنكار:
"إيه؟"
تحمحم مروان وقال مصححًا:
"أقصد بركاتك يا آنسة فرح."
"آنسة فرح! طب ادخلي أنتِ يا جنة عشان في واحد صاحبنا هنا هيتروق."
هكذا تحدث سالم بوعيد. فـأطاعته جنة التي غمرها الخجل. فصاح مروان يوفقها:
"استني يا به. أنتِ بتبيعيني كده في لحظة. الصداقة بتلطم منك."
أوشكت يد سالم أن تطاله ولكنه أفلت بأعجوبة مهرولًا خلف جنة. فتبعهم سالم إلى الداخل وخلفه سليم الذي كان قادمًا من غرفة المكتب:
"بسم الله ما شاء الله إيه القمر ده يا جنة… يالهوي مين ده؟"
هكذا تحدثت أمينة ما أن رأت جنة. ولكنها سرعان ماتفاجئت حين شاهدت سليم الذي ارتسم الامتعاض على ملامحه. فقال بنفاذ صبر:
"مش هنخلص بقى."
أرسل سالم نظرة تحذيرية إلى والدته. فـتابعت موجهة حديثها إلى جنة:
"تعالي اقعدي جنبي يا جنة وريني الحلاوة والطعامة دي."
اقتربت جنة لتجلس بجانبها بخجل. وسرعان ما وجدت مروان يجلس هو الآخر بجانب جنة. فقالت أمينة بامتعاض:
"أنا بقول جنة إيه اللي مقعدك هنا؟"
مروان بتهكم:
"معلش يا مرات عمي بصي للترلتين اللي أنتِ مخلفاهم وأنتِ تعرفي."
التفتت إلى ولديها فوجدت نظرات التوعد التي تغلف عينيهم تجاه مروان. فقالت بخفوت:
"يخربيتك عملت إيه؟"
"معملتش حاجة هما اللي مفتريين وبيحقدوا عليا وأولهم سلومة الأقرع ده."
حين أطلق هذا اللقب على سليم. حتى انفجرت كلًا من جنة وأمينة في الضحك. فهب سليم غاضبًا:
"أنت بتقول إيه ياد بيضحكها كده؟"
مروان بحنق:
"مقولتش يا عم هي اللي بتتلكك عشان تضحك.. أنا جيت جمبك يا بنتي؟"
ثم أخفض صوته ونظر إلى أمينة قائلًا:
"شوفتي اهو غيران مني عشان بعرف أضحكها إنما هو كشري مبيعرفش غير يحمر لنا في عينيه."
"معلش استحملهم عشان خاطري."
هكذا تحدثت أمينة موجهة حديثها إلى مروان. بينما على صوتها وهي تنادي على أحد الخدم:
"اطلعي نادي على همت والبنات عشان الغدا."
رواية بين غياهب الاقدار "في قبضةالاقدار الجزء الثاني" الفصل الثالث والعشرون 23 - بقلم نورهان العشري
كلما سألته هل تحبني أجابني بأفعاله، ولكن تلك المرة اشتهيت سماعه يتغنى بعشقي. ولكنّه عاندني، فرجل الجليد يفعل أكثر مما يتحدث. ولكن في المقابل كنت أنا امرأة لا تعرف الامتثال أو الإخفاق، وخاصةً حين أغدق عليّ دلالًا لم أتذوقه بحياتي، فتخلى قلبي عن قناعته المعهودة وصار معه نهمًا لا يعرف الاكتفاء أبدًا. فتدللت كفراشة تغوي السنة اللهب كي تحرقها.
"لم تخبرني سابقًا كم تحبّني؟"
سابقًا كان معجمي خاليًا من عبارات العشق الذي لم أتخيل أن يزورني يومًا إلى أن قابلتها فتغير كل شيء. والآن تتدلل لتغوي قلبًا صار يدق باسمها وينبض بعشقها. فتنحيت جانبًا تاركًا له العنان ليروي ظمأ احتياجها، فانسابت الكلمات من بين شفتيه تعزف أنغام الهوى:
"لم أحبك فقط. الأمر أعمق من ذلك بكثير. فأنا أحببت حياتي معك. كسرت قواعدي لأجلك. تخليت عن صمتي وصار قلبي إلى جوارك ثرثارًا للحد الذي كان مدهشًا لي، ككل شيء متعلق بكِ. باتت أنفاسك أكسجيني الدائم وأحضانك ملجأي الوحيد. وجودك يعني أني على قيد الحياة وغيبتك تنهي وجودي…"
"عماااار"
التفت كلًا من عمار ونجمة إلى صفوت الذي ترجل من سيارته ويقف بانتظاره. فوجه أنظاره إلى تلك التي كان الحزن يغمرها كليًا وقال بصرامة:
"ادخلي على جوه وخليكي خابرة أن كلامنا لسه منتهاش."
لم تجبه إنما أومأت برأسها بخنوع لم يعتاده منها، وتوجهت إلى الداخل. وأثناء مرورها بهم استوقفها صفوت الذي تذكر تلك الفتاة التي كانت تبكي ذلك اليوم ولا يعلم لما شعر بأنه يريد محادثتها، فقال بلطف:
"إزيك يا بنتي عاملة إيه؟"
لامست قلبها كلمته التي لم تسمعها بهذا الحنو يومًا، فالتفتت تناظره ولأول مرة أرادت أن تخبر أحدهم بمعاناتها، وأن تجيبه قائلة: لست بخير! ولكن توقفت الكلمات على أعتاب شفتيها ولم تستطع سوى أن تومئ برأسها وتمتمت بخفوت:
"الحمد لله."
لم تطِل والتفتت متوجهة للداخل، وجاء صوت عمار القوي:
"أهلًا يا صفوت بيه.. نورتنا."
كانت نظرات صفوت تلاحقها إلى أن دخلت إلى البيت الكبير، فاخفض رأسه لا يعلم ما هذا الشعور الذي يغزو قلبه، ولكنه تجاهله قبل أن يجيب عمار الذي كانت نظراته مشتعلة بنيران غيرة قاتلة، فقد لاحظ نظرات صفوت إليها.
"البقاء لله.. شد حيلك."
أنهى حديثه وهو يمد يده ليصافح عمار، الذي ما أن هم بالحديث حتى تفاجأ من تلك المرأة التي ترجلت من السيارة ترتدي نظارة سوداء كبيرة تخفي ملامحها، ففطن إلى أنها من المحتمل أن تكون زوجته، فلم يطل بالحديث اكتفى بإجابة قاتمة:
"الدوام لله. اتفضلوا."
"يالا يا سهام.."
مد يديه إلى زوجته التي كان من الواضح أنها مترددة كثيرًا، ولكن جاءت يديه القوية لتجذبها حتى دخلت إلى المنزل. فاستقبلتهم تهاني مرحبة:
"أهلًا وسهلًا. نورتونا.. اتفضلوا."
حيّتها سهام بتحفظ، بينما حياها صفوت بحرارة:
"أهلًا يا حاجة أم ياسين. البقاء لله."
"الدوام لله."
هكذا تحدثت تهاني بحزن، فشعرت سهام بالحرج، وما أن أوشكت بإطلاق عبارات التعزية حتى توقفت نظراتها على تلك التي كانت تخرج من المطبخ وتحمل صينية بها طعام وتصعد الدرج، فضرب عقلها سيل من الذكريات التي جعلت بسمة خافتة تتسلل إلى شفتيها وهي غارقة بعالم آخر، فلم تشعر بكلمات تهاني التي أخذت تنادي عليها بعد أن تركها صفوت برفقتها وتوجه إلى مكتب عبد الحميد لتعزيته.
فجأة استفاقت من بحر ذكرياتها حين لامست يد تهاني كتفها، فقالت بحرج:
"أسفة. سرحت شوية."
"لا ولا يهمك.. تعالي نقعد جوه وأنا هشيع البنات ينادوا على حلا. بس أصل ياسين ابني كان تعبان شوية يا جلبي أمه متحملش الخبر."
هكذا تحدثت تهاني بحزن، فأجابتها سهام بخفوت:
"ألف سلامة عليه. البقاء لله شدي حيلك."
أومأت تهاني برأسها وتوجهت ومعها سهام إلى المجلس الخاص بالحريم، وما أن جلست سهام حتى استأذنتها تهاني قائلة بذوق:
"هشيع البنات ينادوا على حلا.. ويعملولك قهوة. بتشربيها إيه؟"
"سادة لو سمحتي."
توجهت تهاني إلى الداخل فوجدت نجمة التي كانت تهبط الدرج، فقالت:
"نجمة عايزة فنجان قهوة سادة من يدك للضيفة."
"حاضر يا حاجة."
لاحظت تهاني حزنها، فقالت باستفهام:
"مالك يا بتي؟ زعلانة كده ليه؟ حصل حاجة ولا إيه؟"
احتارت كيف تشكو حزنها الذي لم يتفهمه أحد غيرها، لذا قالت بخفوت:
"لا مفيش حاجة.. أنا بس كنت عايزة أطلب منك طلب لو مش هتغلى عليّ؟"
"اطلبي يا بتي لو في مقدرتي هعمله."
"تعيشي يا حاجة. أنا كنت عايزة أرجع أشتغل في الزريبة من تاني. وسايجة عليكِ النبي ما تسأليني ليه."
اندهشت تهاني من طلبها الغريب، ولكنها لم تكن في وضع يسمح لها بالسؤال، فيكفيها ما تعانيه، لذا قالت برفق:
"اللي تحبيه يا بتي. ولو إني مستغربة بس على راحتك.. اعملي القهوة ودخليها للضيفة وأنا هطلع أطمن على ياسين. وابقي روحي كملي شغلك هناك."
أومأت نجمة بامتنان تجلى في نبرتها حين قالت:
"تسلمي وتعيشي يا حاجة. عن إذنك."
أنهت حديثها وتوجهت للمطبخ، بينما صعدت تهاني الدرج في طريقها إلى غرفة ياسين.
***
بأيدٍ مرتعشة كانت تحمل الصينية لتضعها على الطاولة، فهي منذ البارحة تجلس بجانبه تخشى أن تغفو عينيها وترتفع حرارته من جديد. فقد انخفضت بأعجوبة بعد أن أعطاه الطبيب العقاقير والمحاليل المغذية، وطمأنهم بأنه عندما يستيقظ في اليوم التالي سيكون بخير. وبالفعل فهو استيقظ منذ لحظات بعد ليلة عصيبة قضاها غارقًا في هلوسات لم تفهم منها شيئًا. ولكن يبدو اليوم وكأنه استعاد وعيه، ولكن هل يتذكر شيئًا مما حدث البارحة؟
"الساعة كام؟"
هكذا تحدث بصوت متحشرج، فأجابته بنبرة قائمة مختصرة:
"اتناشر ونص."
وضع يديه فوق جبهته، فقد كان الصداع وكأنه يقيم احتفالًا صاخبًا برأسه، فأراحها على الوسادة أسفله وهو يقول بخشونة:
"أنا نمت كل دا؟"
ارتفع أحد حاجبيها قبل أن تقول باختصار وهي تجلب أدوية:
"تخيل!"
شعر بخطأ ما في لهجتها وعينيها التي بدت جامدة. فاحتار ماذا حدث، ولكن حيرته لم تدم، فقد استعاد بعضًا من ذاكرته لمشاهد بدت مشوشة، ولكن هناك جملة استقرت في قلبه لم يستطع نسيانها، وهي تتوسله قائلة:
"بلاش يا ياسين متخلينيش أكرهك."
زفر بقوة وشعر بغضب يتعاظم بداخله، وهو يتخيل حجم الجريمة التي كان على وشك ارتكابها والتي كانت ستكبده خسائر فادحة، أولها هي!
"يالا عشان تفطر وتاخد دواك."
هكذا تحدثت وعيناها تنظران في كل الأماكن ما عداه، ففطن إلى مقدار غضبها منه، فقال بلهجة خشنة:
"مش هتفطري معايا؟"
"لا مش جعانة."
هكذا أجابته باختصار، فقال بفظاظة:
"اركنى الفطار وهاتي الدوا."
توجهت أنظارها إليه بغضب تجلى في نبرتها حين قالت:
"مينفعش. لازم تفطر عشان تعرف تاخد الدوا. أنت بقالك يومين مأكلتش."
كان اهتمامًا يغلفه الغضب، مما جعله يقع فريسة بين أنياب الندم لما كان على وشك أن يفعله بها، ولكن حالته الصحية والنفسية كانت في أقصى درجات السوء.
"مانا مش هفطر لوحدي. وبالطبع مش هقدر أنزل أفطر معاهم تحت عشان تعبان."
اغتاظت من حديثه الذي يحمل الكثير من الصدق، وابتلعت غضبها الحارق، وقامت بحمل الصينية ووضعها على الفراش وهي تقول بجفاء:
"حركات العيال الصغيرة دي مابحبهاش.. اتفضل يلا عشان تفطر."
تفاجأت حين قام بحمل الصينية ووضعها على الجانب الآخر من السرير، ومد يديه إليها قائلًا بخفوت:
"تعالي."
تعثرت نبضات قلبها وهي ترى دعوته التي جاءت بطريقة مربكة، فعينيه كانت تحمل نظرات خاصة، هل كانت اعتذارًا؟ لا تعلم، ولكن لهجته دغدغت مشاعرها، وخاصةً حين أردف بخشونة:
"متفكريش كتير يا حلا وتعالي. أنا تعبان مش قادر أناهد."
حاولت التحلي بشجاعتها قدر الإمكان، وقامت بالجلوس على جانب السرير على مسافة منه، فلون الامتعاض ملامحه، وقام بالتململ في نومته وحاول الاعتدال وهو يمد يديه لتعديل الوسادة خلفه، ولكن فشل، فزفر بحنق. فتقدمت بعفوية وهي تحاول تعديلها بشكل يكن مريحًا له، فتفاجأت بيديه اللتين طوّقتا خصرها، وشعرت بحزمة من الوخزات الموترة تجتاح جسدها، حين سمعت صوته العابث وهو يقول:
"لازم أضحك عليكي عشان تقربي يعني! مينفعش تيجي من نفسك."
أيقنت بأنها وقعت في شباكه التي نصبها، وساعده في ذلك قلبها الغبي الذي يندفع إليه دائمًا، ولهذا تجاهلت النظر في عينيه اللتين كانتا تحوطانها بشكل مثير ومربك في آن واحد، فدّارت وجهها للجهة الأخرى وهي تحاول صبغ صوتها بالحدة حين قالت:
"ياسين لو سمحت سيبني!"
"مش قبل ما نتكلم."
"قول اللي عندك."
هكذا تحدثت بجفاء يتخلله الارتباك جراء قربها منه بهذا الشكل، فتابع عبثه حين قال بخفوت:
"مبعرفش أتكلم مع حد غير وأنا عيني في عينه. بصيلي."
زفرت بغضب كان ستارًا يحجب ضعفها أمامه، والذي بدأ يسري كالمنوم في أوصالها، ولكنها حاولت التحلي بالشجاعة والنظر إليه قائلة:
"ممكن تسيبني لو سمحت."
أسكتتها كلماته التي لم تكن تتوقعها أبدًا:
"أنا آسف.. حقك عليا."
تجمدت بين ذراعيه للحظات، استغلها هو وقام بوضع قبلة رقيقة فوق جبهتها، ثم عاود النظر إلى عينيها لثوانٍ قبل أن يقرب رأسه ويسند جبهته على مقدمة صدرها، مطلقًا زفرة قوية أحرقَت بشرتها كما أحرقَتْها كلماته المعذبة حين قال:
"معرفش عملت كده إزاي. بس أنا كنت في أسوأ حالاتي. حسيت جوايا نار عمالة تاكل فيا وكنت عايز أطفيها بأي شكل."
لم تكن يومًا ضعيفة، بل كانت قوية بنكهة غاضبة، لطالما كان طريق الغفران شائكًا، لهذا لم تكن تتبعه، ولكن الآن اختلف كل شيء، فقد وجدت ذراعيها تلتف حول عنقه بحنو لم تعهده مسبقًا، ولا تعلم من أي جهة تسرب إلى قلبها الذي كان يسيرها كـ المنومة مغناطيسيًا، لا تملك زمام أمرها لتردعه عن التفاعل مع ذلك الذي ما أن شعر بذراعيه تحاوطها حتى اشتدت يده حول خصرها، وهو يلثم موضع نبضها الذي ازدادت دقاته بدرجة جنونية، فكان وكأنه يمتص ارتباكه الناتج عن قربه منها، وبنبرة متحشرجة خاطبها:
"أوعدك اللي حصل دا مش هيتكرر تاني.. وعمري ما هقرب منك تاني غير برضاكِ."
كان الأمر مروعًا بالنسبة لها، فقد اختلط الشعور بداخلها من ارتباك وإثارة وخجل، لون خديها، فبدت كـ الفاكهة الشهية التي حرمها للتو على نفسه، والتي اشتهتها الآن بقوة، فتابع بصوت تغلغل إلى داخلها محدثًا زوبعة أخرى من المشاعر:
"لسه زعلانة مني؟"
لم تجد بداخلها أي قدرة على الحديث، فهزت رأسها نفيًا، فلم تروِ ظمأ شوقه إليها، فقال بنبرة شغوفة:
"عينيكِ بتقول إنك لسه زعلانة. وأنا مقدرش على زعلهم."
قرب رأسه منها، فاختلطت الأنفاس وتعانقت النظرات، واخترق صوته جدران ثباتها الواهي حين أردف:
"ممكن أ صالحهم؟"
كان استفهامًا يضعها في مأزق، فهي تشتهي قربه دون أن تعلن عن ذلك. تريد الحفاظ على كبريائها أمامه، وبنفس اللحظة تموت شوقًا أمام عينيه التي أسرتها. وهكذا اشتعلت حرب الكبرياء والشوق، ولكن خرج الأخير منتصرًا، فانفلتت الحروف من بين شفتيها بنبرة تكاد تكون مسموعة:
"ممكن."
لم تكن تنهي كلمتها حتى ابتلع باقي حروفها بجوفه، وأخذ ينهل من بحور العسل المذاب فوق شفتيها بضراوة، وداخله يلعن نفسه لكونه حرم جنتها عليه، مشترطًا رضاها المرهون بجنون أفعالها، فكيف يقاوم شوقه وعشقه في آن واحد؟ كيف يمنع نفسه عن تلك المشاعر الموقوتة التي تتفجر بداخله حين يصبح قريبًا منها؟ أخذ يقربها منه أكثر ويديه تحتويها بقوة، بينما واصل قطف ثمار ثغرها بنهم، مانعًا حتى ذرات الهواء من المرور إلى رئتيها التي كادت أن تنفجر من فرط ضغطه عليها، فشعرت بأنها على شفير الهلاك بين ذراعيه، حتى أنها استندت بكامل ثقلها فوقه، وكان هذا أكثر من محبب إليه، ولكن هدوءها جعله يدرك بأنه على وشك إزهاق روحها عشقًا، فتركها على مضض، وتفاجأ حين وجد وجهها يكاد ينفجر من فرط احمراره، وصدرها الذي أخذ يعلو ويهبط ساحبًا أكبر قدر من الهواء إلى داخل رئتيها، فخرج صوته متلهفًا حين قال:
"أنتِ كويسة؟"
"أنت مجنون؟"
هكذا خرج صوتها مبحوحًا، بينما عيناها تعكسان نظرات تحمل الغضب والرغبة معًا، فجاء صوته عابثًا حين أجابها:
"معلش الحرمان وحش."
أفلتت من بين براثنه وقالت بارتباك:
"حر.. حرمان إيه؟"
طافت عيناه عليها بنظرة ذات مغزى شملتها من أعلى رأسها إلى أخمص قدميها، قبل أن يقول ساخرًا:
"اسألي نفسك."
لم تكد تجيبه حتى سمعت طرقًا على الباب، الذي أطلت منه تهاني بعدما قامت حلا بالسماح للطارق بالدخول.
***
تجمعت العائلة لأول مرة منذ وقت طويل على طاولة الغذاء، وقد كان جمعًا مختلفًا خاصةً على قلبه، فقد قامت حبيبته بالإشراف على كل شيء يدور بالمنزل، حتى أنواع الطعام المُعد على الغداء، وقد كانت تدور بكافة أرجاء المنزل أمام عينيه كالفراشة التي تشتهي ألسنة اللهب اختطافها والاحتراق معها بعيدًا عن الأعين، ولكن للأسف مُحتم عليه الانتظار حتى ينتهي من أعماله.
"الأكل له طعم تاني النهاردة يا فرح.. تسلم إيدك."
هكذا تحدثت أمينة وهي تنظر إلى فرح التي تورد خديها خجلًا لإطراء أمينة عليها أمام العائلة بأكملها.
"بالف هنا يا ماما. أنا معملتش غير حاجات بسيطة.. وداية نعمة هي اللي كملت."
"كفاية وقفتك.. فكرتيني بنفسي وأنا قدك كده كنت أقف أشرف على كل حاجة بنفسي، وكان عمك الحاج الله يرحمه يقولي الأكل له طعم تاني يا أمينة."
تدخل مروان ساخرًا:
"طبعًا كان بيشتغلِك يا مرات عمي. هو لما تقفي على الأكل وهو بيتعمل طعمه هيتغير يعني! أنا لو من دادة نعمة أسيبلكوا البيت وأمشي. إيه الظلم ده."
ناظرته أمينة شزرًا وقالت بتقريع:
"ليه فاكراني نصاب زيك. وبعدين النفس الحلو بيبان لو حتى قليت بيضة.. وفرح نفسها ما شاء الله عليه."
أجابها مروان بمزاحه المعهود:
"ومين يشهد للعروسة. الله يباركلك يا فرح. ناوليني ورك فرخة من اللي قدامك ده."
ناظره سالم بوعيد تجلى في نبرته حين قال:
"بص في طبقك يا مروان أحسن لك."
عانده بسخط:
"معلش يا بوص أصل شكله مغري بصراحة. ولا أنت بيتعمل لك حاجات سبيشيال؟"
كان محقًا، فهي قامت بتحضير تلك الأكلة حين علمت بأنه يحبها، وقد أخبرتها والدته بذلك، فغضب من مروان لإصراره على تذوقها، فقال بتحذير:
"آه بيتعملي حاجات سبيشيال. عندك اعتراض؟"
"لا أنا أكيد معنديش. أنا يهمني صحتك. مانت الكبير برضه."
أنهى جملته واقترب من أذن أمينة قائلًا بخفوت:
"الحقي يا مرات عمي دا شكله هيحب أكل فرح أكتر من أكلك."
"لا طبعًا بتقولي إيه يا واد أنت؟ دا عمره ما يستطعم أكل حد غير أكلي."
"إزاي إذا كنتِ أنتِ نفسك عمالة تشكري له في أكلها.. بصي أنتِ مش عاجباني يا مرات عمي. وهتعرينا وسط الحماوات. لينا قعدة بعد الغدا."
وصل حديثه إلى مسامع سليم الذي كان يجلس على مقربة منه، فنظر إلى أخيه قائلًا بخفوت:
"بيسلط أمك عليك."
انكمشت ملامح سالم بغضب وصاح بلهجة فظة:
"لو سمعت صوتك تاني هخليك تقوم تاكل في المطبخ."
"ليه يعني هو أنا عملت إيه؟ بلاش أكلم مرات عمي اللي زي أمي ولا عشان أنا لوحدي هنا هتدهوسوا عليا؟ عاجبك يا مرات عمي."
تأثرت أمينة لحديثه، فنظرت إلى سالم قائلة:
"لا طبعًا مش عاجبني. إيه يا سالم الواد بيتكلم معايا متجيش عليه كده. هو إحنا عندنا كام مروان يعني؟"
أجابها سليم بسخط:
"واحد والحمد لله، وإلا كان زمان الواحد مات مجلوط."
أشار مروان على جنة التي كانت تجلس بجانب سليم في مواجهته، فاقتربت لتسمع حديثه حين قال:
"شايفة سلومة الأقرع جوزك بيقول عليّ إيه؟ عشان تعرفي إنه غيران مني."
لم تفلح في كبت ابتسامتها، فتدخل سليم غاضبًا:
"بتقولها إيه يا زفت أنت؟"
أشار مروان إليها بمعني أرأيتي، فالتفتت إلى سليم قائلة بغضب:
"على فكرة بقى مروان ده اللي مخلي البيت له طعم.. متزعلوش لو سمحت."
برقت عيناه حين رآها تدافع عنه، وتعاظم الحنق بداخله، فعض على شفتيه يكاد يدميها، فجأة صوت مروان الذي قال ببراءة:
"حبيبتي والله يا جنة. مش عارف من غيري كنتوا هتعملوا إيه في البيت الكئيب ده."
أجابه سالم بفظاظة:
"كان زمانا مرتاحين."
تدخلت فرح قائلة بصدق:
"لا حرام يا سالم. ده مروان سكر ودمه خفيف خالص."
تجمد بمكانه حين سمع حديثها، فالتفت يناظرها بصدمة تحولت إلى وعيد، وخاصةً حين وجد تلك النظرات المتشفية من جانب مروان، الذي قال بتهليل:
"اللهم صلي على النبي. مرات الكبير قالتها. مروان سكر ودمه خفيف. باااس أنا كده أخدت حصانة.. إلهي ما أتحرم منك يا أميرة يا بنت الأمرا."
ألقت فرح نظرات تحذيرية إليه، ولكنه لم يفهم، وتفاجأ بسما التي كان وجهها لا يفسر وهي تتراجع بكرسيها إلى الخلف وهي تقول:
"الحمد لله شبعت."
برقت عيناه وهو يناظرها تخرج من الغرفة، فالتفت ليصطدم بنظرات الشماتة تغلف عيني كلًا من سليم وسالم، الذي تراجع بكرسيه للخلف وهو يناظرها بنظرة ذات معنى، ومن ثم توجه إلى الخارج، فالتفتت إلى مروان قائلة بتقريع:
"عارف أنت لسانك ده عايز قصة."
"عارف."
قالها بحسرة بعد ما شاهد رد فعل سما، وما أن هم بالنهوض حتى رأى طارق الذي دخل الغرفة للتو مرحبًا بالجميع:
"مساء الخير. بالهنا والشفا."
أجابه الجميع، وأضافت أمينة:
"تعالى يا طارق عشان تاكل، واعمل حسابك أن الأكل له ميعاد متتأخرش تاني."
هكذا قالت موجهة حديثها إلى همت وشيرين بعد أن رأتهم يتوجهون إلى الطاولة، فتدخلت همت بجفاء:
"اللي قاعد في بيته ياكل وقت ما يحب. مفيش قوانين هنا."
استمهلت أمينة نفسها قبل أن تجيبها بهدوء:
"دي مش قوانين يا همت بس اتعودنا من زمان أننا بنتجمع كلنا على الأكل سوا. عيلة واحدة. ولا نسيتي."
"مبنساش حاجة يا أمينة اطمني. كل حاجة محفورة جوايا.. وخصوصًا اللي تخص العيلة."
جلس طارق بجانب مروان الذي قال بجانب أذنه بصوت خافت:
"اقعد. هيفوتك كتير. مصارعة المحترفين هتبدأ دلوقتي."
"هما مالهم بقوا عاملين كده ليه؟"
هكذا استفهم طارق، فأجابه مروان ساخرًا:
"هما لسه معملوش ده. استعراض قوات. اصبر دلوقتي هتلاقي عمتك انقضت على مرات عمك وعملت فيها فنش أندرتيكر."
عنفه طارق قائلًا:
"بطل هيافة."
"هما لحقوا يقسوك على أخوك يا طارق."
هكذا تحدث مروان بطريقة مسرحية، فناظره طارق بنفاذ صبر، فهب الآخر من مكانه قائلًا بسخرية:
"للأسف مضطر أحرمكوا من وجودي لأني شبعت… اقعدوا بالعافية."
قالها وهو يحاول قمع ضحكاته بصعوبة من مظهر كلًا من أمينة وهمت، التي قالت بسخط:
"في داهية."
"سمعتك يا عمتي. سمعتك. وقاعد على قلبك."
هكذا قالها مروان وهو يناظر همت باستفزاز، تجاهلته الأخيرة بسخط تحول إلى فرح التي هبت من مكانها قائلة:
"أنا كمان شبعت عن إذنكم."
ما أن غادرت فرح حتى تفاجأ الجميع من حديث شيرين حين نظرت إلى جنة قائلة:
"شكلك حلو بعد ما قصيتي شعرك. كده أحلى كتير."
بحثت جنة في ملامحها لترى أي بادرة سخرية قد تكون قاتلة لها، ولكن لدهشتها بدت صادقة، فقالت بتحفظ:
"شكرًا."
امتدت يد سليم تحاوط كفوف جنة وهو يقول بصوت يشوبه الجفاء:
"لو خلصتي أكل يالا نقوم عشان ترتاحي شوية."
"آه خلصت يلا."
خرج كلًا من سليم وجنة، وتبعتهما أمينة التي قالت بسخرية:
"بألف هنا انتوا. إحنا قاعدين من بدري."
لم يجيبها أحد، وبعد أن غادرت التفتت همت إلى طارق قائلة:
"شفت اللي بيحصل في البيت يا طارق. بقيت غريبة في بيت أبويا."
"أنتِ مش غريبة يا عمتي. أنتِ ليكي هنا زي ما ليهم بالظبط.. اللي يعاملك على إنك غريبة عامليه نفس المعاملة."
تركت همت الملعقة من يدها وقالت بحزن:
"أنا ماليش نفس. عايزة أخرج أشم هوا."
"ماما طب ممكن تستني شوية أنا لسه تعبانة ومش قادرة أخرج."
هكذا تحدثت شيرين، فأجابتها همت بجفاء:
"أنا مش عيلة صغيرة. هتخافي عليا أخرج لوحدي. خليكِ أنتِ أنا هلف شوية في البلد وارجع."
أنهت كلماتها وتوجهت إلى الخارج، وما أن استقلت عربية الأجرة حتى أمسكت هاتفها تجري مكالمة:
"أنا خرجت دلوقتي. وقدامي بالكتير ربع ساعة وأوصل."
***
في الداخل كانت تأكل بصمت لا يخترقه سوى صوت المعالق التي كانت تتخبط بين جدران الصحون محدثة جلبه بسيطة، ولكن كانت الجلبة الكبيرة في قلبها التي ازدادت دقاته حين سمعت حديثه الذي اخترق آذانها:
"ليه بتعملي في نفسك كده؟"
صدمها حديثه، فرفعت أنظارها لتشتبك مع نظراته التي كانت تنفذ إلى أعماقها بقوة، جعلتها تهرب وهي تنظر إلى الأمام قائلة بلامبالاة:
"تقصد إيه مش فاهمه؟"
"أنا شفتك وأنتِ بتاخدي الحبوب. معتقدش إنك كنتِ عايزة تموتي نفسك.. يبقى ليه خدتيها؟"
ارتبكت للحد الذي جعل الملعقة تسقط من يدها، قبل أن تحاول ازدراد ريقها وتقول بنبرة مرتبكة:
"انت بتقول إيه؟ حبوب إيه؟ إيه الكلام الفارغ ده؟"
شوهت ابتسامة ساخرة ملامحه الوسيمة، وأطلت نظرة قاسية من عينيه حين قال بخشونة:
"هو كلام فارغ فعلًا. بس الأكيد أنه حقيقي. وأتمنى يكون له تفسير قوي. ومت حاولي تهربي من الإجابة عشان مش هتعرفي."
لم يكن أمامها حل سوى الظهور بمظهر القوة للهروب من هذا الذئب الذي اخترقت نظراته جلدها الرقيق، فالتفتت تناظره بغضب تجلى في نبرتها حين قالت:
"مش مضطرة أبرر لك حاجة ولا أناقش الأوهام اللي في دماغك."
أنهت جملتها وهمت بالمغادرة، فامتدت يديه القوية تقبض على معصمها لتثبتها بمكانها، وهو يقترب منها قائلاً بهسيس:
"ومعتقدتش بردو إن الحب واجع قلبك للدرجة اللي بتحاولي تظهريها دي. بتعملي كده ليه؟"
صعقتها فعلته، ولكن نظراته جمدتها بمكانها للحظات، قبل أن تحاول نزع يدها من بين قبضته الغير رحيمة وهي تقول بغضب:
"سيب إيدي. وبطل جنان. وبعدين مسمحلكش تتدخل في اللي يخصني."
"ومين قالك إن استني منك إذن.. ولا أنتِ بتعملي كده عشان كلامي وجعك."
"أنت وكلامك على جزمتي."
على عكس ما توقعت، فبدل من أن يغضب، ابتسم ساخرًا قبل أن يجيبها بخشونة:
"لسه لسانك طويل. أيوه كده ارجعي شيرين اللي أعرفها. إنما الثانية المجروحة دي مش لايقة عليكِ."
"ومين قالك إني مش مجروحة؟ دخلت جوايا وشفت قلبي."
"دخلت!"
"لا يا شيخ!"
"متنسيش إني عشت سنين كتير بره، وهناك الحب مبيدراش يعني أقدر أعرف من عينيكِ إذا كنتِ فعلًا بتحبي ولا لأ."
هكذا تحدث بثقة جعلت ثباتها يهتز، ولكنها حاولت الصمود أمامه قائلة بسخرية:
"وإنت بقى جاي تطبق نظريات بره علينا هنا."
"متهربيش من أسئلتي. بتقللي من نفسك وتهينيها بالشكل ده ليه؟"
حاولت الإفلات من بين براثنه فلم تفلح، مما جعل الغضب يتعاظم بداخلها، فصاحت مكشرة عن أنيابها:
"مش هجاوبك على حاجة وبقك اللي بينقط قذارة ده ميتكلمش عني تاني."
لمعت عيناه بوميض خطر، وقام بالعض على شفتيه السفلية بوعيد تجلى في نبرته حين قال:
"إيه رأيك بقى أما أدوقك قذارته اللي بجد."
لم تفطن إلى ما يقصده، ولكنها تفاجأت حين جذبها بقوة، مختطفًا ثغرها بقبلة كانت ضارية للحد الذي أطاح بكامل ثباتها، حتى أنها لم تقدر على المقاومة، ولم تعرف أكان السبب صدمتها أم أنها استمتعت بتلك الزوبعة من المشاعر التي أثارها بها؟ وخاصةً حين أخذ يتعمق بداخلها أكثر، قاصدًا عقابها، ولكن لدهشته وجد نفسه مستمتعًا للحد الذي جعله يأخذ منحنى آخر أكثر رقة معها، متناسيًا كل شيء حوله، فمرت ثوانٍ وهو غارق معها بشيء لا يعرف كنهه ولم يختبره مسبقًا، بينما زاده خضوعها اشتهاءً لتقريبها منه أكثر، وفجأة دق ناقوس الخطر بعقله، فما الذي يحدث؟ وكيف هي مستسلمة له هكذا؟ دفعته بقوة، وقد ارتسم غضب جحيمي في عينيها، فقامت برفع كفها تنوي صفعه، فإذا بيده تقبض على معصمها بقوة، جذبتها لتلتصق به للحد الذي اختلطت أنفاسهم، فأحرقها لهيب ثاني أكسيد الشغف الذي ولدته قبلتها بداخله، والذي تجلى في نظراته التي شملتها بقوة، قبل أن يقول بتحذير خطر:
"إياكِ تفكري تعملي كده مرة تانية!"
كان متفوقًا عليها بكل شيء، والأهم من ذلك هو أنه جعلها تختبر مشاعر جارفة لم تتذوقها يومًا، وكأنه بفعلته أزال الستار عن جرح كبير كان يتوسط قلبها، نافضًا غبار التجاهل عن حرمان عظيم لطالما شعرت به، ولا تعلم ما السبب، ولكنها وجدت العبرات تتقاذف من مقلتيها كاشفة عن زيف قناع الجمود الذي تختبئ خلفه بقايا حطام امرأة لم تعرف الراحة يومًا.
أذهلته عبراتها التي بدت صادقة، وألمها الذي لون معالمها واغتتال ملامحها الجميلة، ولم يمانع حين سحبت يديها من قبضته وهي تقول بانهيار:
"حقير."
أنهت جملتها وهرولت إلى خارج الغرفة.
***
طافت أنظارها على الغرفة التي تحمل الطابع الصعيدي الجميل والمريح في آن واحد، ولكن لازال داخلها طنين لا يهدأ، تحاول الهروب منه ولكنه يتغلب عليها. شعور الفقد والخسارة لا يعادله أي شيء في العالم، وهي أكثر من تذوقه.
"اتفضلي يا ست هانم."
هكذا تحدثت نجمة إلى سهام التي كانت غارقة بأحزانها. فجذب انتباهها ذلك الصوت الذي بدأ مالوفًا لها، فالتفتت لتجد تلك الفتاة التي ذكرتها بوالدتها الراحلة، فقد كانت تملك تلك العينين الواسعتين بلونهما العسلي الذي يشبه لون عيني الريم بجمالهما، مما جعل الابتسامة تغزو ملامحها وهي تناظرها، ومدت يدها تمسك فنجان القهوة حين خرج صوتها مبحوحًا حين قالت:
"اسمك إيه؟"
لا تعلم لما رق قلبها لتلك السيدة التي تبدو وكأنها غارقة في الحزن حتى أذنيها مثلها تمامًا.
"نجمة."
ما أن قامت نجمة بلفظ اسمها حتى سقط الكوب من يدي سهام وتناثرت محتوياته على ملابسها وعلى الأرضية التي أصدرت صوتًا جراء سقوطه وتحطمه فوقها، فصرخت نجمة بذعر:
"حاسبي يا ست هانم."
لم تتفوه سهام بشيء، بينما أتى صوت غاضب خلفهم:
"حصل إيه؟ مش تحاسبي يا نجمة. حرّجتِ الست هانم. أجرى هاتي فوطة بسرعة."
"والله ما كنت أقصد يا ست تهاني. وجع منها هي والله."
هكذا تحدثت نجمة بذعر تزامنًا مع دخول صفوت وبجانبه كلًا من عمار وعبد الحميد، الذي قال مستفهمًا:
"حصل إيه؟"
ارتبكت نجمة وهبطت عبراتها رعبًا من رؤيته، فتدخلت تهاني قائلة برفق:
"مفيش يا أب الحج دي القهوة وجعت من يدها غصب عنيها."
ما أن سمع صفوت حديثها حتى هرول إلى سهام التي كانت عينيها معلقة على تلك التي كان جسدها يرتجف، وخاصةً حين عنفها عبد الحميد قائلًا:
"مش تحاسبي يا مخبلة أنتِ؟"
"والله ما كنت أقصد."
هاله حزنها كثيرًا للحد الذي جعل الكلمات تخرج من فمه رغمًا عنه:
"خلاص يا جدي أكيد يعني مكنتش تقصد. الحوادث دي بتحصل عادي."
هكذا تحدث عمار، فقال صفوت محاولًا تهدئة الموقف:
"محصلش حاجة يا حاج عبد الحميد.. متخافيش يا بنتي. محصلش حاجة."
قال جملته الأخيرة وهو ينظر إلى نجمة بطمأنة، وقد اخترقت كلمته عقل سهام التي رددت خلفه بخفوت:
"بنتي!"
لم يتحمل جسدها كم المشاعر التي اجتاحته في تلك اللحظة، وفقدت الوعي بين أحضان صفوت، الذي صاح برعب:
"سهااام."
اندفع الجميع تجاهها، فصرخ عبد الحميد على نجمة بغضب:
"عاجبك كده؟ روحي روحي جيبي بصلة ولا كالونيا نفوقوها."
حين سمعت حديث عبد الحميد هرولت للخارج باكية، فانفجرت براكين غضبه والتفت خلفها، فيما امتدت يديه تقبض على رسغها، قائلًا بخشونة:
"وقفي هنا."
"عايز مني إيه سيبني."
هكذا تحدثت من بين انهيارها، مما جعل طوفان من الألم يجتاح قلبه حين رأى حزنها، فرقت نبرته حين قال:
"كل ده بكي؟ ليه يعني حصل إيه؟"
"ولا حاجة. يارب تكون مبسوط دلوقتي وإني كل شوية كرامتي تتهان في دوارك. مش ده اللي انت عايزه؟"
صدمة حديثها ونظراتها المعذبة، فقال ينفي قلبه بشاعة اتهامها:
"لأ مش ده اللي أنا عايزه. إزاي بتفكري كده؟"
"اسأل نفسك. أنا بفكر كده من فراغ؟ ولا أمن عمايلك معايا."
كانت محقة للحد الذي جعله يعنف نفسه بشدة، هاي ما ارتكبه من حماقات بحقها، لذا قال بلهجة تحمل الألم والندم معًا:
"حقك عليا."
تفاجأت من كلمته التي لم تكن تتوقعها، وزاد اندهاشها حين رأت نظراته التي كانت حانية بدرجة لم تعهدها منه، مما جعل الخوف يتسرب إلى قلبها، فتراجعت عنه قائلة:
"هروح أجيب الكالونيا."
أوشكت على المغادرة، فـ أوقفتها يده التي امتدت تمسك برسغها مرة أخرى، وهو يقول بلهفة غير مسبوقة منه:
"بتهربي مني ليه؟"
تضاعف ارتباكها حين أجابته:
"وأنا ههرب منك ليه؟"
شعر بتهوره، فقال مصححًا الأوضاع:
"أنا أقصد إني عايزكِ ما تكونيش شايلة مني بسبب اللي حصل قبل كده. يعني نتعامل عادي."
"منتعاملش أصلًا يكون أحسن."
هكذا خرجت الكلمات منها باندفاع، مما جعله يكظم غيظه بصعوبة منها ومن نفسه، فصاح غاضبًا:
"هو أحسن فعلًا.. غوري من وشي."
أنهى جملته وعاود إدراجه للداخل، فخرجت كلماتها حانقة:
"جاك غوري ياخدك."
في الداخل قام صفوت بحمل سهام التي علقت بين النوم واليقظة، فلم تعد تدرك ما يحدث حولها، وقال معتذرًا:
"أنا آسف يا جماعة. سهام أصلها تعبانة شوية. وإحنا لازم نمشي."
"طب مش تستنوا اللول لما تفوق وتشوف حلا زمانها نازلة دلوقتي."
هكذا تحدثت تهاني، فقال صفوت بحرج:
"وقت تاني يا حاجة. الحالة دي لما بتجيلها بتقعد فترة على ما تفوق. وإن شاء الله حلا ليها زيارة تانية قريب أوي. عن إذنكم."
"إذنك معاك يا سيادة اللوا.. شرفت ونورت."
هكذا تحدث عبد الحميد، فشكره صفوت الذي حمل زوجته ليضعها في السيارة التي استقلها وغادر مسرعًا.
"كله من البجرة اللي جوه دي.. الغبية دي معدتش تخدم هنا واصل."
هكذا تحدث عبد الحميد غاضبًا، فصاح عمار مستنكرًا تحامله عليها:
"إيه يا جدي اللي بتقوله ده؟ هي كانت عملت إيه؟ ولا القهوة هي اللي خلتها غميت يعني؟"
تدخلت تهاني في الحديث قائلة:
"عمار عنده حق. الست يا حبيبة عيني حالتها متسرش من يوم ما ضاعت بتها منها.. دي كانت مبتخرجش واصل. أنا حتى مصدقتش لما شفتها داخلة معاه من الباب."
"الله يصبرهم.. وأنت تعال ورايا."
هكذا وجه حديثه إلى عمار، الذي كانت عينيه تنظران إلى الخلف، عله يلمحها بأحد الزوايا، ولكنها لم تظهر. يعلم بأن ما يحدث درب من دروب الجنون، فشعوره بها غريب يوازي غرابة تصرفاته بقربها، وإن لم ينتبه فسيغرق في الوحل أكثر.
***
الأمان يعني عينيك التي أسرتني وانتشلتني من بحور الظلام إلى نور أضاء عتمتي وبدل عالمي الرمادي إلى آخر مزدهر، فاندثرت سحبي وانقشعت غيمات الحزن بداخلي وأضحى كوني صافيًا وسماؤه متلألئة بنور وجودك.
"وأنت شايف إيه يا متر؟"
"والله يا سالم بيه أنا حاسس إن الولد ده مظلوم. وكمان اختفاء أهل البنت بالطريقة دي خصوصًا بعد ما وعدتهم إنك هتبنيها وتتكفل بيهم يؤكد لي إن فيه حاجة مش مظبوطة."
زفر سالم أنفاسه العالقة بصدره دفعة واحدة قبل أن يقول بفظاظة:
"عايزك تجيبهملي من تحت الأرض. وكمان عايزك تتولى الدفاع عن عدي. أنا زيك متأكد إنه معملش كده."
"اللي تشوفه يا سالم بيه. طب هتعمل إيه في الموضوع التاني يعني هتسيب الأمور كده؟"
"خليه يفكر إنه مغفلني ويلعب براحته. أنا عارف هضربه فين وإمتا.. وعمومًا أنا نازل القاهرة النهارده عشان أحضر التحقيق بتاع عدي، وهناك نتكلم."
أنهى حديثه تزامنًا مع دخول فرح الغرفة وهي تحمل كوب القهوة وتتوجه إليه، فأغلق الهاتف يناظرها بتوعد تجلى في نبرته حين قال:
"متفكريش إنك كده بتثبتيني؟"
اتسعت ابتسامتها وقالت برقة:
"أبدًا أبدًا، هو حد يقدر يثبت سالم بيه الوزان."
"للأسف بقى فيه."
وضعت قدح القهوة أمامه وهي تقول برقة:
"عملتهالك بإيدي على فكرة."
كانت ملامحها مختلفة كليًا عما سبق، تضيئها بهجة أضافت جمالًا أخاذًا على تقاسيمها، وأيضًا لمعة عينيها التي تشع كما لو أنها طفلة في الثامنة عشر من عمرها، إضافة إلى بسمتها الخلابة التي أسرتْه، فأصيب بلعنة الاشتهاء التي جعلته يشير برأسه إليها حتى تأتي إليه، فقالت بدلال:
"معلش يا سالم ورايا حاجات كتير مع ماما أمينة. فهضطر أسيبك بقى."
بلهجة خشنة تحمل طابع التهديد والعبث معًا أجابها:
"فرح أحسن لك تعالي. متخلينيش أقوم لك."
"لا وعلى إيه متتعبش نفسك."
هكذا تحدثت وهي تخطو بدلال إلى حيث يجلس، وما أن وصلت إلى مرمى يديه حتى جذبها بقوة لتسقط بين ذراعيه التي أسرتها، فأطلقت ضحكة خافتة حين سمعته يقول:
"بقي بتلاعبيني؟ ومش هامك حاجة ولا خايفة من العواقب."
بسمة جذابة زينت ملامحها حين أجابت بتحدي:
"تؤ تؤ. مش خايفة لا."
كانت تتحداه وهي تعلم كم يثيره هذا، فاقترب منها حتى تلامست أنوفهم وقال بعينين تشعان بنظرات متوعدة تشبه لهجته حين قال:
"ده أنتِ قلبك مات بقى؟"
تفاجأ حين قالت بخفوت:
"بالعكس. أنا محسيتش إن قلبي عايش غير معاك."
نجحت في تسديد سهم قاتل إلى قلبه، الذي انتفض جراء إجابتها التي ضربت ثباته في مقتل، فانهار أمامها وخرج صوته أجشًا حين قال:
"أنتِ عارفة عواقب اللي بتعمليه ده؟"
"إيًا كانت العواقب أنا في أمان وأنا معاك."
إن بحث داخله لمائة عام فلم يجد كلمات تعبر عن مدى عشقه لتلك المرأة، وهل يفلح الحديث في سرد تلك المشاعر الهائلة التي فاض بها قلبه في حضرة وجودها؟
اشتد حصاره لها يقربها منه بقوة، بينما أظلمت عيناه برغبة حارقة ولدها عشقًا جارفًا خلق لها وبها، صار يبثها إياه بضراوة، وبالمقابل لم تبخل عليه بعشقها الذي جعلها تطوق عنقه بقوة، وكأنه طوق نجاتها في هذه الحياة، فلم تدري أنها بفعلتها تلك ما زادته إلا جنونًا بها، فأخذ يعمق قربهما أكثر، بينما يديه تمارس فنون العبث والعشق فوق ساحة جسدها المستسلم لـ طوفانه الجارف. وفي حين أن القلوب لم ترتوي بعد، كان لـ رئتيهما رأي آخر، فقد كان كلًا منهما يتعلق بالآخر بصورة كبيرة تحول بين وصول ذرات الأكسجين إلى الرئتين التي هلكت بفعل ذلك العشق الضاري، فما أن تركها حتى صارت تلهث بقوة وصدرها يعلو ويهبط بعنف، حتى كادت ضلوعها أن تتحطم.
فـ أسندت رأسها على صدره الذي كان أكثر من مرحب بوجودها، وبعد أن هدأ كليهما، حتى خرج صوته عابثًا:
"مش هنجمد بقى شوية؟"
رفعت رأسها تطالعه بعدم تصديق، بينما تعثرت الكلمات على شفتيها حين قالت:
"أنت مفتري على فكرة."
خرجت منه ضحكة صاخبة كانت أكثر من رائعة، اتبعها قائلًا بخشونة:
"آدي آخرة الطبطبة.. بطلع مفتري في الآخر."
تحدثت بعدم تصديق:
"فين الطبطبة دي معلش."
أجابتها يديه التي أخذت تتجول على ظهرها تدغدغها، بينما أكدت شفتيه حديثهما حين قال بعبث:
"مانا بطبطب أهوة."
"سالم متهزرش بجد على فكرة."
هكذا تحدثت وهي تحاول تفادي أفعاله العابثة، فتابع بأمر:
"على ما أرجع من السفر تكوني شفتي لك حل في موضوع إنك بتغيري ده، وإلا الناس هتسمع بينا كل ليلة."
تجاهلت وقاحته، وقد دق قلبها حين سمعت حديثه عن السفر، فـ تبدلت ضحكتها إلى وجوم حين قالت:
"سفر إيه يا سالم؟"
كوب وجهها بين كفوفه بحنان انبعث من عينيه وتجلى في نبرته حين قال:
"مش عايز أشوف الحزن ملون ملامحك كده تاني. عايز أشوف ضحكتك الحلوة دائمًا. هي اللي بتنورلي حياتي."
"ضحكتي دي أنا كنت نسيتها من زمان. أنت اللي رجعت رسمتها على وشي تاني."
هكذا تحدثت بحزن آلمه، ولكنه حاول تجاهله مرتديًا قناع الجمود على ملامحه، وفي نبرته حين قال:
"أنا رايح يومين القاهرة في شغل يا فرح. الموضوع مش مستاهل كل ده."
اغتاظت من جموده وقالت بانفعال:
"يعني أنا بأفور مثلًا؟ وبعدين هو أنا مش زيي زي أي عروسة من حقي عريسي يفضل جنبي؟"
اقترب واضعًا قبلة قوية على إحدى وجنتيها قبل أن يقول بخشونة:
"بخصوص السؤال الأول فـ آه أنتِ مأفورة شوية، وبخصوص السؤال الثاني فـ أنا اللي ليا حق عندك وهاخده قريب أوي. أخلص بس من كل الدربكة دي وأفضالك."
لم يعجبها حديثه، فحاولت الإفلات من بين يديه وهي تقول بغضب:
"أنا هروح أشوف اللي ورايا."
لم يدعها تفلت منه، بل شدد على خصرها أكثر وهو يقول بفظاظة:
"لما ميعجبكيش الكلام ناقشيني بلاش تجري مني، عشان لما أجيبك هزعلك."
تحدته قائلة:
"متدارش."
"بلاش تتحديني يا فرح."
"هات أخرك يا عيون فرح."
ابتسم على شقاوتها ودلالها، وهي تردد إحدى كلماته المستفزة، فابتسم قائلًا:
"آهي عيونك الحلوة دي اللي بتشفع لك عندي."
ابتسمت على غزله الرقيق وقالت برجاء:
"خلي بالك من نفسك ومتتأخرش عليا."
"مقدرش أتأخر عنك."
غلفت عينيها طبقة كرستالية من الدموع، فقام بتقريبها إليه مفرقًا قبلات رقيقة فوق عينيها، بينما احتضنتها يديه بحنان، كان كالبلسم الذي داوى جراحها ورَمّم خدوش روحها.
***
في الخارج كانت جالسة تتشاجر مع أنفاسها تارة، وتعنف نفسها تارة أخرى، فلم تلحظ تلك التي جلست إلى جوارها قائلة بابتسامة هادئة:
"قد كده متضايقة؟"
تنبهت سما إلى جنة التي جلست بجوارها، ولكنها من فرط غضبها لم تلحظ ذلك ولم تعرف كيف تجيبها، فهي تشعر بالخجل منها كثيرًا، فأخفضت رأسها، بينما تحدثت جنة بخفوت:
"إحنا لسه متخاصمين؟ يعني لسه شيفاني عدوتك بردو؟"
"أنتِ عمرك ما كنتِ عدوتي يا جنة.. أنا اللي كنت غبية في وقت من الأوقات. بس اطمني دلوقتي فوقت وعقلت."
هكذا تحدثت سما بحزن، شاركتها به جنة التي قالت:
"كلنا بييجي علينا وقت نبقى أغبية. المهم إننا نلحق نفسنا."
"عندك حق.. أنا مدينة لكِ باعتذار."
قاطعتها جنة بحزم:
"إنسي. ولا أي اعتذارات. إحنا أصحاب والصحاب مفيش بينهم الكلام ده. صح ولا أنا غلطانة؟"
نظرت سما إليها بعينين مغرورقتين بالدموع، وأومأت برأسها بالإيجاب، فامتدت يد جنة تمسك بيدها وتشُد فوقها، فقالت سما بتأثر:
"أنتِ وفرح كويسين أوي في زمن مبقاش فيه حد كويس."
"أنتِ كمان كويسة يا سما.. وإلا مكنتيش هتعترفي بغلطك و تكوني عايزة تعتذري عنه."
"تفتكري أنا فعلًا حد كويس؟ يعني أستاهل إني أعيش حياة حلوة زي كل الناس؟ أستاهل ألاقي حد يحبني بجد؟"
كان استفهامًا مؤلمًا من شخص اعتاد على النبذ طوال حياته، وألا يجد شخصًا يحارب من أجله حتى في أحلك لحظاته، لم يجد عناق واحد يخفف عنه وطأة أحزانه، وقد تألمت جنة لحديثها، فقالت مشددة على حروفها:
"طبعًا تستاهلي. تستاهلي كده وأكتر كمان.. وبعدين أنتِ إزاي مش شايفة كل الحب اللي حواليكِ ده؟"
"تقصدي إيه؟"
استفهمت سما، فقالت جنة بنفاذ صبر:
"معقول يا بنتي. ده مروان…"
"هالو جيرلز. القطتين الحلوين بيعملوا إيه وجايبين في سيرة مروان ليه ياللي تتشكي في لسانك أنتِ وهي."
قاطع حديثها قدوم مروان الذي تدخل في الوقت المناسب من وجهة نظره، وقد ألقى نظرة متوعدة إلى جنة التي كانت على وشك إفشاء سره، فأغتاظت منه قائلة:
"بنقول إن لسانك طويل ومبيقولش غير الهيافات، إنما الحاجات المهمة لأ."
تفهم مقصدها، فأرسل نظرات تحذيرية وقام بالمسح على ذقنه في حركة توعد، فهمتها جنة، ولكنها لم تبالِ، فقال بتقريع:
"والله ده لساني وأنا حر فيه. أقول اللي أنا عايزه. أنتِ مالك أنتِ."
تحدته قائلة:
"وأنا برضه حرة أقول اللي أنا عايزاه."
أخذ ينظر حوله وهو يقول بتوعد:
"كان فيه فاس هنا راح فين؟"
"عايز الفاس تعمل بيه إيه؟"
"هفتح دماغ حد غايظني."
هكذا أجابها بحنق، فقالت جنة بتهديد:
"الفاس ده اللي سليم هيقطع بيه رقبتك لو جيت جمبي."
جاء صوتًا مستمتعًا خلفهم:
"وسليم جاي عشان ينفذ وهيبقى يوم المنى بصراحة. من زمان عايز أخلص منه."
تحدث مروان بامتعاض:
"أهو جه بقرعته يقرفنا. أنت بتشم اسمك من على بعد. ولا هي تماحيك؟"
"أنا هتمحك فيك أنت ليه إن شاء الله؟"
"عشان مروان ده سكرة العيلة واللي مخلي للبيت طعم."
استفزه حين كرر حديث جنة في الداخل، فقام سليم بإغلاق عينيه بقوة حتى لا يحطم أسنانه، فقالت جنة في محاولة لتهدئة الموقف:
"كنت بجاملك. على فكرة وغيرت رأيي.. دمك يلطش."
ناظرها مروان بسخرية قبل أن يلتفت إلى سما قائلًا بعبث:
"يرضيكِ تقولي عليا دمي يطلش. عاجبك الكلام ده وأنتِ حلوة كده؟"
غمرها الخجل من حديثه الصريح وتغزله بها، فتدخل سليم قائلًا بحدة:
"أنت هتعاكسها قدامي يا حيوان؟"
صاح مروان مستنكرًا:
"وأنت مالك يا عم أنت؟ مانت معاك موزتك عايز منها إيه؟"
"عمتك موصياني عليها."
صاح مروان مغتاظًا:
"الله يخربيتها. قرفاني في كل حتة."
"سما.. متقولش كده على ماما."
"اسكتي أنتِ أنا اللي عارف مصلحتك."
هكذا تحدث مروان، فقالت جنة بنفاذ صبر:
"أنا هطلع أنام عشان تعبت من المناهدة."
"خديني معاكِ يا جنة."
هكذا قالت سما، فصاح مروان مندهشًا:
"خديني معاكِ يا جنة! خدي يا بت هنا."
نهره سليم قائلًا:
"عاجبك كده؟ أهم طفشوا مننا بسببك."
التفت مروان يناظره بحنق تجلى في نبرته حين قال:
"والله قرعتك دي هي اللي جايبالنا الفقر."
صاح سليم مهددًا:
"والله لو جبت سيرة قرعتي تاني لـ هكون مخلص عليك."
أوشك مروان على الحديث، ولكنه تفاجئ حين سمع صوت سما تصرخ في أحدهم:
"أنت إيه اللي جابك هنا؟"
تحدث ناجي برجاء:
"سما. أنا أبوكي. حد يكلم أبوه كده؟"
"أبويا اللي بسببه عشنا عمرنا كله ضهرنا مكسور وحاطين راسنا في الرمل."
"كذب! كل اللي بيتقال عليا ده كذب. صدقيني."
"ابعد عني. مش عايزة أشوف وشك تاني."
قالت جملتها وانطلقت إلى الداخل باكية، وخلفها جنة، مرورًا بكلًا من سليم ومروان، الذي انطلق تجاه ناجي وقام بإمساكه من تلابيبه وهو يقول بغضب:
"عملتلها إيه يا حيوان أنت؟"
ناجي بانفعال وهو يحاول تخليص نفسه من بين براثن مروان:
"وأنت مالك دي بنتي وأنا حر فيها."
"بنتك بتكرهك ومش عايزة تشوف وشك."
هنا تدخل سليم لفض الشجار قبل أن يشتعل أكثر وهو يقول بصرامة:
"امشي من هنا يا ناجي يا وزان قبل ما أدفنك مكانك."
خلّص ناجي نفسه من بين يد مروان بمساعدة سليم وهو يقول بغضب:
"أنا لا جايلك ولا جايله."
"يبقى جاي لقضاك برجليك."
هكذا صدح صوت سالم من خلفهم وهو يتقدم إلى حيث يقف الثلاثة، فقال ناجي بسماجة:
"لا جيتلك عشان سمعت إنك بتدور عليا."
"لو بدور عليك كان زمانك تحت رجليا من زمان."
"الزمن اتغير يا سالم."
"والأخطاء اتضاعفت مع الزمن يا ناجي. عشان كده خلي بالك العقاب هيبقى أشد من زمان."
"ماظنش.. أصل اللي اتلسع زمان اتعلم الدرس كويس."
"لو اتعلم الدرس كويس مكنش جه برجله. لسه يلزمه درس كمان عشان يفكر ألف مرة قبل ما يهوب ناحية ولاد الوزان تاني."
"مانا منهم.. أنت نسيت ولا إيه؟"
"كنت منهم. دلوقتي لو دقيت على باب أي حد فيهم هيقرف يدخلك بيته. كبيره يرميلك عضمة تعض فيها."
نجح في التحقير منه وإصابته سهم إهانته في مقتل، فقال بوعيد:
"ماشي يا سالم. بس خليك فاكر إني جيتلك لحد عندك وأنت هنتني في بيتك. والإهانة مردودة وكله سلف ودين."
"الكلام ده للرجالة. أنت ملكش فيه. يلا وريني عرض كتافك."
غادر ناجي، فصاح مروان بانفعال:
"راجل قذر واقف يهددنا في وسط بيتنا مفكرنا ممكن نخاف منه."
تحدث سالم بغموض:
"بس إحنا لأول مرة لازم نخاف منه. المرادي أنا مش مطمن له."
***
عشقًا جارفًا يتملكني نحوك، فلا أنا بقادر على تجاهله أو حتى الثبات أمامه.
كل ما يسعني حياله هو أن أنجرف معه إلى حيث يأخذني طوفانه.
فإما الاحتراق بين أحضان عشقك؟
أو الهلاك شوقًا بنيران بُعدِك.
فـ يا فاتنة احتلت القلب وأسرته.
رفقًا بفؤاد ما ذاق يومًا الهوى ولا عرف لوعته.
فليسعد قلبي معكِ ولتهنئ روحي إلى جوارك.
وليسلم قدرًا أهداك لي قسرًا رغمًا عن عنادي وعنادك.
فما كان العشق يومًا أمرًا يمكن تجاوزه، وليست قلوبنا رهن قراري أو قرارك.
خرجت من المرحاض فوجدته أمامها يغلق باب الغرفة خلفه، فقد كان عائدًا للتو، فتوقفت أمامه لثوانٍ لا تعلم ماذا عليها أن تقول، فعزمت على الصمت وتجاهلته متوجهة إلى غرفة الملابس، وحين مرت به امتدت يديه توقفها، وجاء صوته ليخترق قلبها، وخاصةً ذلك الرجاء الخافت به، حين قال:
"هو إحنا متخاصمين ولا إيه؟"
تحمحمت بخفوت قبل أن تقول:
"لا… ليه بتقول كده؟"
جذبها لتقف أمامه قبل أن يقول بلهجة معاتبة:
"طول اليوم بتهربي مني.. أنا عملت حاجة ضايقتك؟"
هل تخبره بأن كل أفعاله ترضيها على نحو مخيف! تجعلها تحلق في السماء من فرط السعادة، ثم تعود مصطدمة بالأرض مرة أخرى حين تتذكر أحد ذكرياتها السيئة، ويتسلل الخوف إلى قلبها مرة ثانية من أن يغمره ظلام قدرها، ولكنها اكتفت بإجابة مختصرة:
"لا."
أخرج زفرة قوية تحكي مقدار غضبه الذي يحاول التحكم به، فجاء صوته فظًا حين سألها:
"طب تعبانة؟ حاسة بحاجة؟"
إجابته باختصار تعلم أنه سيشعل فتيل غضبه:
"لا."
تركتها يديه بغتة قبل أن يقول بجفاء:
"تمام. تصبحي على خير."
قال جملته متوجهًا إلى الحمام، تاركًا إياها خلفه لتنخرط في نوبة بكاء عنيفة، فهي عالقة في مأزق بين خوفها وذكرياتها السيئة، وبين عشق كبير خلق بقلبها له، والأصعب من ذلك أنها بكل مرة تريد الاقتراب منه تشعر بشيء ما يمنعها، وتتوقف الكلمات على أعتاب شفتيها. على الرغم من أنها أحيانًا تشعر بأنها ممتلئة بحديث لا تعرف كيف تصيغه؟ تريد الصراخ وإخراج ما بجوفها حتى يرتاح قلبها ولو ثوانٍ، ولكن لا تستطيع.. فتلجأ إلى مرارة الصمت الذي قد يقتلها يومًا.
انتهت من تبديل ملابسها وذهبت لتطمئن على صغيرها، فتفاجئت به يحمله بين يديه ويحادثه بحنو:
"عامل إيه يا بطل؟ وحشتني. طول اليوم مشغول عنك. بس معلش. أصل عندنا حد متعب هنا. معذبني ومبيسمعش كلامي."
أطلق زفرة قوية قبل أن يتابع بحرقة:
"معرفش ده عشان عارف إنه بحبه ولا عشان فعلًا كاره وجودي جنبه؟"
غامت عيناه بألم قبل أن يتابع:
"بحاول أقنع نفسي. إنه كل ده خوف أو قلق. أو حتى بسبب الضغط اللي بتمر بيه. بس بيني وبينك قلبي واجعني أوي. حاسس إني يائس لأول مرة في حياتي.. مش قادر أحط احتمال تالت للي بيحصل عشان مش هقدر أتحمل حياتي من غيرها."
أرجع رأسه للخلف قبل أن يضيف:
"عمك مش بس بيحب يا محمود. ده بيعشق التراب اللي هي بتمشي عليه."
"وهي كمان على فكرة."
هكذا صدح صوتها المعذب بخفوت من خلفه، مما جعله يتراجع للخلف يناظرها بتّ أعين لونتها حمرة قانية، لأول مرة لم تكن بفعل الغضب بل بفعل الألم الذي لم تعد تتحمله جفونه، فسقط على هيئة عبرات غافلته وانبثقت، وكان جسده أراد التخفيف عنه حتى لا ينفجر قلبه من شدة الألم.
"بتقولي إيه؟"
هكذا استفهم بلهفة، فـ تجاهلت سؤاله فهي لا تعلم كيف خرجت الكلمات من بين شفتيها، وتقدمت خطوتين لتقوم بالاقتراب من محمود، واضعة قبلة حانية فوق جبينه، ولكنها لم تروِ ظمأ قلبها، فقامت بحمله وضمته بقوة إلى صدرها، فبدا وكأنه شعر بها، فأخذ يركل بقدميه فرحًا بقدومها.
كانت لحظة خاصة بينها وبين طفلها، لذا تحرك ينوي الخروج من الغرفة، فسمعها تقول لطفلها:
"أنت بتخلف وعودك على فكرة.. مش قولتلي هتعلم الصبر عشانك؟ فين بقى؟ زهقت من أولها كده."
التفت إليها بلهفة، فوجدها تنظر إلى صغيرها وتحادثه، بينما كان الحديث موجه إليه، فزفر بقوة متوجهًا إلى الخارج، يجذب أحد الأغطية كما هي العادة، وقام بوضعه على الأرضية استعدادًا للنوم، فـ لمحها قادمة من غرفة محمود التي تعتبر جزءًا من جناحيهما، فتجاهل وجودها وقام بالتسطح على الغطاء واضعًا إحدى ذراعيه فوق رأسه، فأخذت تناظره و بداخلها رغبة ملحة في عدم تركه يغفو وهو غاضب منها، ولكنها لم تجد بداخلها أي شيء قد تحادثه به، فاخترق تفكيرها صوته الآمر حين قال:
"لو خلصتي ياريت تطفي النور عشان ننام."
"أنت عايز تنام؟"
هكذا تحدثت بنبرة خافتة، فجاءها صوته الفظ حين قال:
"آيو."
زفرت بيأس قائلة:
"طيب. تصبح على خير."
لم يجيبها فقد كان غاضبًا منها، فهو قد سمعها حين أكدت على عشقها له، ولكنه حين سألها تجاهلت سؤاله، وقد أغضبه ذلك، حتى وإن قرر التحمل لأجلها، فقد بلغ الغضب ذروته، يريد هدنة مع نفسه للقتال من جديد.
يأست من إجابته وتحركت من مكانها تنوي إغلاق الضوء، وما أن أغلقته عائدة إلى مخدعها حتى ارتطمت ساقها بالطاولة، فصرخت متألمة، فاخترق صراخها قلبه الذي هب من مكانه بلمح البصر، وقام بإسنادها وهو يقول بلهفة:
"حصل إيه؟"
"رجلي اتخبطت في الترابيزة."
قالتها بلهجة متألمة، بينما أسندت جبهتها فوق موضع نبضه الذي كان يدق بعنف تأثرًا بقربها، فحاوطتها يديه بقوة وجذبها لتجلس على السرير، وتفاجأ بعبراتها التي بللت صدره، فامتدت يديه تحيط بوجهها، يرفعه ناظرًا إليه بعشق خالطه الألم الذي تجلى في نبرته حين قال:
"بتعيطي ليه؟"
"عشان أنت زعلان مني."
هكذا أجابته بنبرة رقيقة، فنظر إلى الجهة الأخرى مطلقًا زفرة قوية، قبل أن يعيد أنظاره إليها وهو يقول بيأس:
"بتعملي فيا كده ليه يا جنة؟ ليه مُصرة تعذبيني؟"
اخفضت رأسها وهي تهمس:
"أنا آسفة."
اقترب واضعًا قبلة حارقة فوق جبهتها، قبل أن يقول بنبرة خشنة:
"أنا اللي آسف.. حقك عليا."
لامس أسفه قلبها بقوة، فبالرغم من كل أفعالها وخوفها، يعتذر هو! لم تستطع أن تمنع يديها من أن تحيط بخصره وهي تقول برجاء:
"متسبنيش يا سليم. أرجوك أوعى تسبني."
تفاجأ من فعلتها التي أيقظت جيوش شوقه الضارية، وقد أصبح الأمر خطرًا للغاية، فقد أوشكت الأمور أن تنفلت أمام قربها المهلك لثباته، فـ تحمحم بخشونة قبل أن يقول:
"أنا عمري ما أسيبك أبدًا.. يالا عشان تنامي أنتِ تعبتي أوي النهارده."
عاندته يديها التي تمسكت بخصره بقوة، تجلت في نبرتها حين كررت جملتها التي كان لها معانٍ أعمق مما تبدو:
"متسبنيش يا سليم."
شعر بالقلق عليها، وقام بالتشديد من احتضانها أكثر وهو يقول بلهفة:
"حبيبي. أنا جنبك. خايفة من إيه؟"
"خايفة أقوم في يوم ألاقيك زهقت مني ومشيت."
هكذا تحدثت بخفوت، فانفلتت ضحكة خافتة من بين شفتيه، قبل أن يقول بمزاح:
"أزهق من مين؟ ده أنا بقوم في الليلة خمسين مرة أتأكد إنك نايمة قدامي ومعايا في أوضة واحدة."
رفعت رأسها تطالعه بحب، لأول مرة تفصح عنه شفتيها:
"بكون حاسة بيك. وأول ما تغمض عينيك بفضل أبصلك وأحمد ربنا عليك كتير أوي."
"جنة."
همس باسمها غير مصدقًا لما تفوهت به، فـ باغتته حين همست بخفوت:
"بحبك يا سليم."
كان اعترافًا رائعًا بالحب لم يتوقعه أبدًا، بل لم يكن يتخيله حتى بأحلامه. ولكن أصبح الوضع هكذا أشد خطورة. فـ تلاحقت أنفاسه التي كانت حارقة من شدة النيران التي تعصف بقلبه وسائر جسده، فـ بلل حلقه قبل أن يتحدث بصوت أجش:
"جنة أنتِ عارفة
رواية بين غياهب الاقدار "في قبضةالاقدار الجزء الثاني" الفصل الرابع والعشرون 24 - بقلم نورهان العشري
"حاسة بأيه يا روحي؟"
استفهام مؤلم خرج من بين ثنايا قلبه الذي يحترق ألمًا عليها حين شاهد مقدار الضعف والوجع الذي يلون تقاسيم وجهها الرائع، فقد خضعت اليوم لأول جلسة كيماوي والتي تجاوزت الستين دقيقة، ولكن مرت الدقائق شائكة على قلبه الذي كان يُحصيها وكأنما يتقلب على جمر. لم يخفف من وطأة ألمه سوى وصية والدته التي أوصته صباحًا: "طول ما هي جوا متبطلش تستغفر وتحوقل يا سليم بنية أن ربنا يخفف عنها الوجع، وأنا كمان هعمل كدا. وربنا يجيب الشفا من عنده يا ابني."
لولا ذلك ما كان الوقت سيمضي، فقد كان يتضرع إلى الله بأن يخفف عنها وطأة الألم وأن يعجل بشفائها وتنتهي تلك الفترة الصعبة.
كانت تستند بثقلها بين أحضان حنانه الذي كان ينبعث من ذراعيه التي تحاوط خصرها، مُلقية برأسها على كتفه تحاول تنظيم أنفاسها المُحملة بألم كبير يُلم بسائر جسدها الذي كان ينتفض بين ذراعيه. فخرجت كلماتها مبعثرة من بين شفتيها المرتجفة:
"نار.. نار في جسمي."
شدد من احتضانها بيد، وبالأخرى أخذ يمسد أكتافها وما يطاله من جسدها، وشفتيه تسكبان السكينة التي تقطر من آيات الذكر الحكيم على أذنيها، عله يهدئ من وجعها ولو قليلًا. فأغمضت عينيها تستجدي الراحة من خالقها، فأتتها كلماته الحانية:
"ياريت لو بإيدي آخد كل ألمك جوايا ولا تتعبي لحظة واحدة."
لامست كلماته أوتار قلبها فسكن للحظات، فأخذت نفسًا قويًا حتى تستطيع الرد عليه، ولكنها لم تجد بداخلها القدرة على إجابته. فاحتضنت كفه المحيط بخصرها، قبل أن تواتيها رغبة قوية في القيء. فشعر بأنها غير مرتاحة، فقال بلهفة:
"إيه يا حبيبي؟ في حاجة؟"
خجلة من أن تخبره ما تريد، ولكن أحشائها أعلنت ثورة ضارية عليها فلم تعد تحتمل، فقالت بأمل أن يتفهم:
"اسندني أروح الحمام."
بلحظة كانت تسكن بحضنه يحملها، مما جعل الأمر يزداد سوءًا. فلم تستطع التحكم في نفسها وتقيأت بألم وخزي من حدوث ذلك معه. فحاولت كبت تفاعلات جسدها، فقال بلهفة:
"متكتميش جواكِ، خدي راحتك."
"وديني الحمام وسيبني."
رغمًا عنها أخذت تهز برأسها يمينًا ويسارًا علامة للرفض. فقال بلهجة قوية:
"اسمعي الكلام وخذي راحتك ومتكتميش جواكِ."
لم تسنح لها فرصة للرد، فقد تكالبت عليها ثورة جسدها وأخذت تفرغ ما في جوفها، محاولة الابتعاد عنه. ولكن يديه قربتها منها أكثر، وصارت تربت بحنان على ظهرها، وشفتيه ترددان عبارات التهدئة على مسامعها. إلى أن هدأت وذهبت نوبتها. فقام بإمساك أحد المناديل الورقية وقام بمسح وجهها وشفتيها وهو يقول بحنان:
"أحسن دلوقتي؟"
سالت مياه الألم والخجل من عينيها قبل أن تقول بخزي:
"بهدلتك خالص، أنا آسفة…"
لم يعطها الفرصة لإكمال أسفها الذي أغضبه، فقام بابتلاع باقي حروفها بجوفه، ليس لجعلها تصمت فحسب، بل ليؤكد لها بأنه يتقبل كل شيء منها، بل ويشتهيه بقوة. تمثلت في قبلته التي كانت شغوفة، وبنفس التوقيت حانية، حرصًا منه ألا يزيد من ألمها. ولكن على العكس، فقد سحبها معه في دوامة عشق كان له القدرة على انتشالها من بين براثن الألم الذي سكن بين ذراعيه، ودفء كلماته حين قال من بين أنفاسه المحمومة وهو يداعب أنفها بأنفه، بينما استند رأسها براحة على كتفه:
"بطلي تحطي حواجز بينا، عشان حبي ليكِ مفيش حاجة ممكن تقف قصاده يا جنتي."
شقت ابتسامة جميلة طريقها من بين دروب الألم وظهرت على شفتيها، فتابع وهو ينثر عشقه فوق ملامحها الجميلة:
"قولتهالك قبل كدا وهأكدهالك تاني وثبتيها في دماغك."
طالعته باستفهام، ليقوم بنقش حروف من عشق فوق جدران قلبها حين أردف بشغف انبعث من عينيه أولًا:
"سليم الوزان مملوكوش حد غيرك. يعني اعملي فيه كل اللي أنتِ عايزاه."
وكأنه يخبرها بأن لا شيء قادر على الصمود أمام عشقه الضاري لها، والذي كان أضعافه في قلبها، وترجمته شفتيها على هيئة حروف استقرت في منتصف قلبه:
"بحبك يا سليم… آه مش قادرة يا سليم."
انتهت جملتها تزامنًا مع ملامحها التي انكمشت وجعًا، استقر في قلبه الذي احتواها بضمة قوية وهو يقول بخشونة:
"قولي الحمد لله يا جنة. شوية شوية هيخف الألم."
توالت عبارات الحمد على شفتيها المرتجفة، بينما قام هو بإلباسها ملابسها، خالعًا عنها ثوب المشفى، وقام بتدثيرها جيدًا، وتوجه لاستدعاء فرح التي تنتظرهم في الخارج على جمر محترق. فلبت نداء على الفور، فقال آمرًا:
"خليكِ معاها عشر دقايق، هغير هدومي تكون ارتاحت شوية ونمشي."
أومأت برأسها وتوجهت إليها بخطٍ لهيفة وقلب ينتفض ألمًا، حالما رأت التعب البادي على وجهها. فاقتربت واضعة قبلة رقيقة أودعتها حنانًا جارفًا يتملكها نحو شقيقتها الغالية. ففتحت عينيها المرة قائلة بهمس:
"فرح."
حاولت أن تمازحها قائلة:
"أيوا فرح اللي نسيتيها يا ست جنة.. بقي أنا أقعد ساعتين بره والبه مش راضي يسمحلي أدخل وألزق هو فيكِ؟"
ابتسمت جنة بوهن، فتابعت فرح بغضب مفتعل:
"وقال إيه مراتي أنا اللي أكون جنبها وأنا اللي أعملها كل حاجة.. طب بالنسبالي مرات أبوكي ولا حاجة؟"
اتسعت ابتسامتها وقالت بخفوت:
"حقك عليا.. متزعليش."
"مقدرش أزعل. دانتي روحي. هو أنا لو مش عارفة أن بيعشقك فكرك كنت سكتله؟ وبعدين كلام بيني وبينك أنا عاذراه، حد يبقى متجوز القمر ده وميلزقش فيه..؟"
هكذا تحدثت فرح بمزاح، فابتسمت جنة ممسكة بيدها وهي تقول بامتنان:
"أنا معرفش من غيرك أنتِ وهو كنت هعمل إيه؟ أنا محظوظة بيكوا بجد، ربنا يباركلي فيكوا."
تحدثت فرح بحنان:
"قولي الحمد لله الذي رزقني هذا من غير حول لي ولا قوة.. دايمًا تحمدي ربنا على نعمه عشان تدوم.. وبعدين صدقيني إحنا اللي محظوظين بيكي يا جنة."
"الله الله، أسيبك معاها خمس دقائق أجي ألاقيكم قاعدين تعاكسي فيها؟ دي مراتي على فكرة وأنا بس اللي أعاكسها."
هكذا تحدث سليم بعدما قام بتغيير ملابسه وخرج ليستمع إلى جملة فرح، فقالت الأخيرة بغضب مفتعل:
"على فكرة بقي دي أختي قبل ما تبقى مراتك!"
"سليم بفظاظة: قبل بعد مش قضيتي. المهم دلوقتي أنها مراتي وحياتي كلها. ومسمحش لحد يحب فيها غيري.. روحي شوفي لكِ لعبة يلا."
أنهى جملته وهو يقترب من جنة ليلثم جبهتها بحنان تجلى في نبرته حين قال:
"أتأخرت عليكِ يروحي؟"
تولت فرح الإجابة قائلة:
"أتأخرت إيه، هو إحنا لحقنا نقول كلمتين حتى؟"
"سليم بمزاح: وتقولي ليه؟ وتصدعي حبيبي ليه؟ اسكتي أحسن."
"فرح باندهاش: لا يا شيخ أنا اللي هصدعها بردو؟ دانت على رأي مروان واكل ودنها طول الليل والنهار، الله يكون في عونها."
عبست ملامحه وقال بخشونة:
"متجيبيليش سيرة الحيوان ده، أنا هربت منه الصبح بالعافية. قال إيه عايز يكون جنب جنة؟"
أنهى كلامه وقد لونت الغيرة تقاسيمه، فبدا غاضبًا على نحو أسعدها، فرفعت رأسها قائلة بخفوت:
"متقولش عليه حيوان.. وبعدين إحنا أصحاب ومارو جدع."
قهقهت فرح على ملامحه المغتاظة وشفتيه التي كان يأكلها بحنق لا يستطيع التعبير عنه:
"صحيح ذنب ناس بيخلصه ناس."
تجاهل شماتة فرح الواضحة وقال مغلولًا:
"أنا بقول نمشي أحسن ما أتحجز في العناية المركزة بجلطة في المخ."
قهقهت فرح على ملامحه وكلماته، بينما قالت جنة باندفاع:
"بعد الشر عنك."
أجابها ساخرًا وهو يحملها كالعروس بين يديه:
"بعد الشر عنك أه! ارفعي ضغطي وترجعي تقولي بعد الشر عنك. يلا يا هانم."
تقدمت فرح أمامهم، فقامت بوضع قبلة رقيقة على جانب عنقه كاعتذار عن إزعاجها له، ثم قامت بدفن رأسها بين حناياه. فاقترب من أذنيها قائلًا بصوت أجش:
"لو متخيلة إنك كده بتصالحيني؟ تبقي غلطانة، عشان أنا عمري ما أزعل منك أبدًا.. بس ابقي فكريني لما نروح أقولك أنا باتصالح إزاي احتياطي!"
لم يرى خجلها، ولكن شعر به، خاصةً عندما زادت من دفن رأسها في كتفه. فابتسم بعذوبة وهو يضع قبلة حنونة فوق خصلات شعرها، حامدًا ربه أن أول جلسة مرت بسلام.
"عايزة حقي وحق العذاب اللي شفته طول الخمسطاشر سنة اللي فاتوا.. هتقدر تساعدني أرجعه؟"
هكذا تحدثت وهي تنظر إلى ذلك الثعبان الذي قال بنعومة تحوي أطنانًا من الشر في جوفها:
"العذاب مكنش من نصيبك لوحدك يا همت! أنا شفت أضعاف اللي شفتيه، وعشان كدا هساعدك لو على رقبتي."
تجاهلت كلماته التي تحمل مشاعر تحاول قدر الإمكان تجنب تيارها الجارف، وقالت بجفاء:
"في دماغك إيه؟"
"أنتِ عايزة إيه؟ والأهم من دا مش هتتراجعي في نص الطريق وتبيعيني زي ما عملتي قبل كدا؟"
ناظرته بجمود تجلى في نبرتها حين قالت:
"عايزة أكسر قلوبهم كلهم. أمينة وأولادها. ومتخافش مش هبيعك. مش بعد ما اتأكدت أن كلهم كانوا ضدي وكلهم خدعوني. مبقاش ليهم رصيد جوايا."
التمعت عيناه بوميض الضلال وقال بتخابث:
"حلو أوي دا.. قوليلي عايزة تبتدي بأيه؟"
"آخد حقي وحق بناتي من غير ما ينقص ولا مليم، وأرض تبقى ليا مش عايزة مكانها فلوس. وبعد كدا عايزاهم يخسروا كل حاجة عندهم.. زي ما أنا خسرت."
"ناجي بتخطيط: شيرين قالتلي إن سالم قال هيديكوا حقكم. خدي منه الفلوس واطلبي ضعف تمن الأرض مرتين وهو مش هيرفض."
عاندته غاضبة:
"قولتلك عايزة أرض مش مقابلها!"
"ناجي بتخابث: اتكي على الصبر. الموضوع مش هيتم بين يوم وليلة. سالم داخل مناقصة كبيرة، ومن غير الدخول في تفاصيل المناقصة دي تلزمني. ولو خسرها هيخسر كتير. مناقصة في التانية هيحتاج، وخصوصًا أنه لسه خسران مبلغ مش هين. وقتها هتدخلي أنتِ تعرضي عليه تاخدي الأرض مقابل الفلوس اللي هو محتاجها."
"طبعًا هيرفض!"
هكذا تحدثت بسخرية، فتابع بمكر:
"ماهو هنا الذكاء. هتقوليله ارهنلي الأرض، ولما ترجعلي فلوسي أبقى خد أرضك. وهنا مع الضغط واحتياجه هيقبل."
"همت بسخط: مين قالك إني هقبل أرجعهاله؟"
"محدش طلب منك دا."
"مش فاهماك. يعني بعد ما يقع أنا أقف جنبه ليه؟ ما أنا عايزاه يقع أصلًا. وبعدين لو جه قالي هاتي الأرض وخذي فلوسك، وقلتله أنا لا هيقلب الدنيا على دماغي."
قهقه بشر تجلى في نبرته حين قال:
"أنتِ كده مش بتساعديه، أنتِ بتغرقيه أكتر. عشان أنا مش هسيبه يقوم بعد ما يقع. ولا هيقدر يجمع فلوس الأرض عشان كل مناقصة هينط فيها هاخدها منه."
"إزاي هتاخد منه المناقصات؟ هو أنت مفكر سالم ده عيل؟ ده تربية جده رفعت الوزان! يعني يوديك البحر ويجيبك عطشان."
"ناجي بغموض: ماهو البركة فيكِ أنتِ بقى!"
"همت باستفهام: تقصد إيه؟"
قام بإخراج شيء ما من جيوبه وأعطاه لها وهو يقول:
"سالم بينزل كل حاجة تخصه وتخص شغله على اللاب توب بتاعه. ومطلوب منك إنك تحاولي توصلي له وتحطي الفلاشة دي فيه، دي عبارة عن هاكر هينسخ كل حاجة على الجهاز ويبعتها لي."
"همت بقلق: بس أنا معرفش أستخدم الحاجات دي."
"ناجي بطمأنة: أنتِ مش هتعملي حاجة غير إنك هتحطي الفلاشة في الجهاز بس."
"طب افرض منزلهاش على الجهاز ده زي ما بتقول؟"
"رفعت الوزان أبوكي ومن بعده أخوكي كانوا بيحطوا كل ورق المناقصات المهمة في الدرج اللي على اليمين من المكتب، عشان ده الدرج الوحيد اللي له مفتاح. لو سالم منزلش ملف المناقصة على الجهاز هتلاقي الورق نفسه في الدرج. مطلوب منك يا تصوريلي الورق بس."
زفرت بتعب:
"وده بردو حل صعب."
"مفيش حاجة هتيجي سهلة يا همت. خليكِ فاكرة أنها حرب. عشان تاخدي حقك وتنتقمي من كل اللي آذوكي."
أخفضت رأسها بتعب قبل أن تقول:
"حاضر."
التمعت عيناه بالسعادة قبل أن يقول باستمتاع:
"نيجي بقى للي بعد كدا."
"اللي هو؟"
"ناجي بتخطيط: ما هو إحنا مش هنبوظ بره بس! إحنا هنشتعل بره وجوه!"
دق قلبها بقلق تجلى في نبرتها حين قالت:
"لو عايزة تكسري أمينة يبقى عن طريق أولادها. مثلًا سالم هنضربه في شغله وهنجبها في الحلوة بتاعته. وسليم هنضربه بردو من ناحية مراته. اللي مش كتير يعرف إنها كانت متجوزة أخوه عرفي!"
"لعلمك سليم بيعشقها ولو الناس كلها عرفت موضوع الجواز العرفي ده مش هيفرق معاه عشان هو بيثق فيها جدا وعارف إنها ضحية أخوه."
أجابها ناجي بشر:
"يبقى ندمر الثقة دي! ونعرفه إنها مش ضحية ولا حاجة."
"إزاي؟"
"ناجي بغموض: هقولك.. بس ركزي في كل حرف هقوله عشان الغلطة هنا بحساب."
"همت بانتباه: معاك."
"والله يا سالم بيه ما عملت حاجة ولا حتى أعرف البنت دي ولا شكلها إيه؟ معرفش إزاي تتبلي عليا كدا؟"
هكذا تحدث عدي بيأس إلى سالم الذي كان يطالعه بجمود تجلى في نبرته حين قال:
"البنت ذكرت أوصافك بالحرف. يبقى إزاي متعرفكش ومتعرفهاش؟"
وثب الغضب إلى محياه وصرخ بقهر:
"ماهو ده اللي هيجنني! معرفش إزاي تقول كده؟ مرة حازم ومرة أنا!"
"سالم بفظاظة: أنت روحت مع حازم المكان ده قبل كدا؟"
"روحت مرة واحدة وفضلت مستنية بره عالشارع وهو دخل جوا…"
قطع حديثه المخزي، فتجهم وجه سالم وتابع بجفاء:
"أومال كنتوا بتجيبوا المخدرات إزاي؟"
غمغم بخفوت:
"كان الديلر بيجيلنا شقتي يجيبلنا اللي إحنا عايزينه.. وياخد فلوسه. هي مرة واحدة زي ما قولتلك اللي روحناله فيها وحازم اللي نزل وراحله، أنا استنيته على أول الحارة."
أخرج زفرة غاضبة من جوفه قبل أن يقول بفظاظة:
"في اليوم اللي حصلت فيه الحادثة كنت فين؟"
أخفض رأسه وهو يتمتم بمراوغة:
"مش فاكر!"
فطن إلى أنه يحاول إخفاء شيء، فتشدق ساخرًا:
"هتفتكر إمتى؟ لما حبل المشنقة يتلف حوالين رقبتك!"
"الموضوع ده حصل من أكتر من تسع شهور، أكيد مش هفتكر يعني حصل إيه؟"
تشابهت عينيه مع ملامحه حين قال بجمود:
"عندك حق! بس لما يكون اليوم ده خسرت فيه أعز أصحابك، يبقى أكيد هتكون فاكر ولو شوية تفاصيل صغيرة حتى."
التقمت عينيه الماهرة تخبطاته التي تجلت بوضوح على ملامحه ويديه التي كان يفركها بتوتر ونظراته التي كانت زائغة. كل تلك أشياء تشير إلى كذبه حين قال:
"لا. مش فاكر حاجة."
نصب عوده الفارع وقام بغلق زر بدلته قائلًا بلامبالاة:
"يلا مش مشكلة. كل واحد بياخد نصيبه. أنا كنت عايز أساعدك بس للأسف أنت قفلت كل الطرق في وشي. لكن أنا بردو هخلي المحامي بتاعي معاك في القضايا بتاعتك."
انكمشت ملامحه بحيرة تجلت في نبرته حين قال:
"قضايا؟ قضايا إيه؟ هي قضية واحدة."
زم شفتيه بملل تجلى في نبرته حين قال:
"شكلك لسه متعرفش. حماك العزيز هو وبنته رافعين عليك قضية طلاق للضرر."
سقط جالسًا مكانه من فرط الصدمة، فهل حقًا تخلت عنه بعدما أقسم لها بكتاب الله العزيز أنه لم يفعل شيئًا!
"متلومش عليه ولا عليها. أنت اتخليت عن نفسك ومساعدتهاش، منتظر منهم إيه؟"
صوته الفظ أخرج عدي من شروده وجعل الغضب يحل محل الصدمة، فاشتعلت عيناه واحتدت نبرته وهو يقول:
"أنا هقولك على كل حاجة…"
نجحت طريقته في إشعال غضب ذلك الشاب الذي بدا منكسرًا بطريقة مؤلمة، وأراد أن يفعل معه ما لم يستطع فعله مع شقيقه الراحل، لذا تقدم جالسًا في مكانه مرة أخرى ينتظر منه أن يبدأ بالحديث.
مرت دقيقة صمت قبل أن يشرع عدي في سرد تفاصيل ذلك اليوم الذي لم ينساه أبدًا:
"اليوم ده اتخانقت مع ساندي بسبب حازم.. كانت أعصابها تعبانة أنه بعد عنها بسبب جنة لدرجة خلتني أخرج عن شعوري. وسبتها وقعدت ألف في العربية لحد ما رجليا خدتني على كباريه. في مكان مش ولابد."
كان الخزي يقطر من بين كلماته، منكسًا رأسه وهو يسرد ماضيه الغير مشرف:
"كنت عايز أنسي الألم اللي جوايا واخترت أحقر طريقة لده وربنا أراد يديني درس. سهرت مع واحدة شمال وكنت هاخدها على شقتي، بس خوفت ألاقي مؤمن هناك وكمان شكلها مكنش مريح، فقلت لا وقعدنا في عربيتي. اتاريها كانت متفقة مع بلطجية طلعوا عليا وهددوني، سبتلهم العربية والفلوس وكل حاجة. أنا أصلًا مكنش فارق معايا حاجة."
أخرج تنهيدة حارقة من جوفه، فتحدث سالم بفظاظة:
"كمل."
تابع بقلب محترق:
"مكنتش عارف أروح فين ولا أعمل إيه. فضلت ماشي في الشارع ودموعي تنزل من غير ما أحس لحد ما سمعت أذان الفجر. فضلت أبص للمسجد وجوايا رغبة كبيرة أوي إني أدخل وفي نفس الوقت مش قادر. أنا مش طاهر، هقابل ربنا إزاي وأنا كدا؟ فضلت واقف شوية مش عارف أعمل إيه. أنا إنسان قذر، أقذر من إني أدخل مكان زي ده."
قام بمسح دمعة غادرة انبثقت من عينيه قبل أن يتابع بألم:
"فضلت واقف لحد ما سمعت صوت ورايا بيقولي مش هتدخل؟ ربنا بينادي عليك مش هتلبي النداء؟ فضلت باصص في الأرض مش عارف أقوله إيه؟ مكسوف أقوله أنا مش طاهر.. لقيته بيقولي تعالي معايا.. رحت معاه في بيت جنب المسجد ولقيته طلعلي جلابية نضيفة وقالي ادخل بسرعة خد لك دش وتوضى وتعالى نصلي في المسجد."
طوفان من العبرات اجتاز سياج عينيه دون وعي منه وهو يتابع:
"وعملت كدا فعلًا ودخلت المسجد معاه وصليت وأنا دموعي نازلة مش عارف أوقفها. وبعد ما خلصنا سألني الراجل مالك بتعيط ليه؟ معرفش إزاي لقيتني بحكيله على كل حاجة غلط في حياتي وعلى كل العذاب اللي شفته. والغريب إنه قعد يسمعلي من غير حتى ما يقاطعني. ومعرفش إزاي نمت وأنا عمال أعيط وأحكيله وقمت الصبح لقيت نفسي لسه في المسجد وهدومي اللي قلعتها عنده مغسولة ومكويه ومحطوطة جنبي. ولما شكرته قالي في أي وقت تكون تعبان أو مخنوق ومحتاج اللي يسمعك. تعالي نصلي سوا و تتكلم براحتك. ده كل اللي حصل."
كان الأمر مؤثرًا كثيرًا، فبالرغم من كل شيء، فحياة هذا الشاب بائسة كثيرًا، وأيضًا أفعال شقيقه وأخطائه التي لا تغتفر أبدًا جعلته يشعر بالخزي لأول مرة بحياته.
"اديني عنوان الراجل ده."
قال جملته وهو يمد إليه ورقة وقلم، فقال عدي بضياع:
"أنا مش فاكر العنوان أوي.. هو مكان غريب يعني معرفش وصلتله إزاي وحتى لما روحت هو اللي وصلني ولما طلبت رقمه قالي إنه معوش تليفون."
زفر سالم بحنق قائلًا بجمود:
"اكتب عنوان الكباريه اللي كنت فيه."
دون عدي العنوان وهب سالم ينوي المغادرة ولكنه توقف عند باب الغرفة قائلًا بخشونة:
"متقلقش أنا هعمل اللازم وربنا ييسر الأمر."
"عدي بتعب: مش قلقان. أنا واثق في ربنا وفيك.. وع فكرة شكراً."
تجاهل سالم حديثه وقال بفظاظة:
"باباك ومامتك بره عايزين يشوفوك."
"مش عايز أشوفهم."
هكذا تحدث عدي بنبرة قاطعة، فأجابه سالم بجفاء:
"مينفعش تبقى عايز ربنا يكرمك وأنت بتغضبه. الأب والأم ميتعاندوش. مهما كانت أخطائهم."
أنهى كلماته وخرج دون أن يضيف شيئًا أو يعطيه الفرصة لقول شيء، فقد تركه بعد أن قذف بقلبه جمرات الذنب التي لن يقوى على تحملها.
"والله يا سالم بيه ما عملت حاجة ولا حتى أعرف البنت دي ولا شكلها إيه؟ معرفش إزاي تتبلي عليا كدا؟"
هكذا تحدث عدي بيأس إلى سالم الذي كان يطالعه بجمود تجلى في نبرته حين قال:
"البنت ذكرت أوصافك بالحرف. يبقى إزاي متعرفكش ومتعرفهاش؟"
وثب الغضب إلى محياه وصرخ بقهر:
"ماهو ده اللي هيجنني! معرفش إزاي تقول كده؟ مرة حازم ومرة أنا!"
"سالم بفظاظة: أنت روحت مع حازم المكان ده قبل كدا؟"
"روحت مرة واحدة وفضلت مستنية بره عالشارع وهو دخل جوا…"
قطع حديثه المخزي، فتجهم وجه سالم وتابع بجفاء:
"أومال كنتوا بتجيبوا المخدرات إزاي؟"
غمغم بخفوت:
"كان الديلر بيجيلنا شقتي يجيبلنا اللي إحنا عايزينه.. وياخد فلوسه. هي مرة واحدة زي ما قولتلك اللي روحناله فيها وحازم اللي نزل وراحله، أنا استنيته على أول الحارة."
أخرج زفرة غاضبة من جوفه قبل أن يقول بفظاظة:
"في اليوم اللي حصلت فيه الحادثة كنت فين؟"
أخفض رأسه وهو يتمتم بمراوغة:
"مش فاكر!"
فطن إلى أنه يحاول إخفاء شيء، فتشدق ساخرًا:
"هتفتكر إمتى؟ لما حبل المشنقة يتلف حوالين رقبتك!"
"الموضوع ده حصل من أكتر من تسع شهور، أكيد مش هفتكر يعني حصل إيه؟"
تشابهت عينيه مع ملامحه حين قال بجمود:
"عندك حق! بس لما يكون اليوم ده خسرت فيه أعز أصحابك، يبقى أكيد هتكون فاكر ولو شوية تفاصيل صغيرة حتى."
التقمت عينيه الماهرة تخبطاته التي تجلت بوضوح على ملامحه ويديه التي كان يفركها بتوتر ونظراته التي كانت زائغة. كل تلك أشياء تشير إلى كذبه حين قال:
"لا. مش فاكر حاجة."
نصب عوده الفارع وقام بغلق زر بدلته قائلًا بلامبالاة:
"يلا مش مشكلة. كل واحد بياخد نصيبه. أنا كنت عايز أساعدك بس للأسف أنت قفلت كل الطرق في وشي. لكن أنا بردو هخلي المحامي بتاعي معاك في القضايا بتاعتك."
انكمشت ملامحه بحيرة تجلت في نبرته حين قال:
"قضايا؟ قضايا إيه؟ هي قضية واحدة."
زم شفتيه بملل تجلى في نبرته حين قال:
"شكلك لسه متعرفش. حماك العزيز هو وبنته رافعين عليك قضية طلاق للضرر."
سقط جالسًا مكانه من فرط الصدمة، فهل حقًا تخلت عنه بعدما أقسم لها بكتاب الله العزيز أنه لم يفعل شيئًا!
"متلومش عليه ولا عليها. أنت اتخليت عن نفسك ومساعدتهاش، منتظر منهم إيه؟"
صوته الفظ أخرج عدي من شروده وجعل الغضب يحل محل الصدمة، فاشتعلت عيناه واحتدت نبرته وهو يقول:
"أنا هقولك على كل حاجة…"
نجحت طريقته في إشعال غضب ذلك الشاب الذي بدا منكسرًا بطريقة مؤلمة، وأراد أن يفعل معه ما لم يستطع فعله مع شقيقه الراحل، لذا تقدم جالسًا في مكانه مرة أخرى ينتظر منه أن يبدأ بالحديث.
مرت دقيقة صمت قبل أن يشرع عدي في سرد تفاصيل ذلك اليوم الذي لم ينساه أبدًا:
"اليوم ده اتخانقت مع ساندي بسبب حازم.. كانت أعصابها تعبانة أنه بعد عنها بسبب جنة لدرجة خلتني أخرج عن شعوري. وسبتها وقعدت ألف في العربية لحد ما رجليا خدتني على كباريه. في مكان مش ولابد."
كان الخزي يقطر من بين كلماته، منكسًا رأسه وهو يسرد ماضيه الغير مشرف:
"كنت عايز أنسي الألم اللي جوايا واخترت أحقر طريقة لده وربنا أراد يديني درس. سهرت مع واحدة شمال وكنت هاخدها على شقتي، بس خوفت ألاقي مؤمن هناك وكمان شكلها مكنش مريح، فقلت لا وقعدنا في عربيتي. اتاريها كانت متفقة مع بلطجية طلعوا عليا وهددوني، سبتلهم العربية والفلوس وكل حاجة. أنا أصلًا مكنش فارق معايا حاجة."
أخرج تنهيدة حارقة من جوفه، فتحدث سالم بفظاظة:
"كمل."
تابع بقلب محترق:
"مكنتش عارف أروح فين ولا أعمل إيه. فضلت ماشي في الشارع ودموعي تنزل من غير ما أحس لحد ما سمعت أذان الفجر. فضلت أبص للمسجد وجوايا رغبة كبيرة أوي إني أدخل وفي نفس الوقت مش قادر. أنا مش طاهر، هقابل ربنا إزاي وأنا كدا؟ فضلت واقف شوية مش عارف أعمل إيه. أنا إنسان قذر، أقذر من إني أدخل مكان زي ده."
قام بمسح دمعة غادرة انبثقت من عينيه قبل أن يتابع بألم:
"فضلت واقف لحد ما سمعت صوت ورايا بيقولي مش هتدخل؟ ربنا بينادي عليك مش هتلبي النداء؟ فضلت باصص في الأرض مش عارف أقوله إيه؟ مكسوف أقوله أنا مش طاهر.. لقيته بيقولي تعالي معايا.. رحت معاه في بيت جنب المسجد ولقيته طلعلي جلابية نضيفة وقالي ادخل بسرعة خد لك دش وتوضى وتعالى نصلي في المسجد."
طوفان من العبرات اجتاز سياج عينيه دون وعي منه وهو يتابع:
"وعملت كدا فعلًا ودخلت المسجد معاه وصليت وأنا دموعي نازلة مش عارف أوقفها. وبعد ما خلصنا سألني الراجل مالك بتعيط ليه؟ معرفش إزاي لقيتني بحكيله على كل حاجة غلط في حياتي وعلى كل العذاب اللي شفته. والغريب إنه قعد يسمعلي من غير حتى ما يقاطعني. ومعرفش إزاي نمت وأنا عمال أعيط وأحكيله وقمت الصبح لقيت نفسي لسه في المسجد وهدومي اللي قلعتها عنده مغسولة ومكويه ومحطوطة جنبي. ولما شكرته قالي في أي وقت تكون تعبان أو مخنوق ومحتاج اللي يسمعك. تعالي نصلي سوا و تتكلم براحتك. ده كل اللي حصل."
كان الأمر مؤثرًا كثيرًا، فبالرغم من كل شيء، فحياة هذا الشاب بائسة كثيرًا، وأيضًا أفعال شقيقه وأخطائه التي لا تغتفر أبدًا جعلته يشعر بالخزي لأول مرة بحياته.
"اديني عنوان الراجل ده."
قال جملته وهو يمد إليه ورقة وقلم، فقال عدي بضياع:
"أنا مش فاكر العنوان أوي.. هو مكان غريب يعني معرفش وصلتله إزاي وحتى لما روحت هو اللي وصلني ولما طلبت رقمه قالي إنه معوش تليفون."
زفر سالم بحنق قائلًا بجمود:
"اكتب عنوان الكباريه اللي كنت فيه."
دون عدي العنوان وهب سالم ينوي المغادرة ولكنه توقف عند باب الغرفة قائلًا بخشونة:
"متقلقش أنا هعمل اللازم وربنا ييسر الأمر."
"عدي بتعب: مش قلقان. أنا واثق في ربنا وفيك.. وع فكرة شكراً."
تجاهل سالم حديثه وقال بفظاظة:
"باباك ومامتك بره عايزين يشوفوك."
"مش عايز أشوفهم."
هكذا تحدث عدي بنبرة قاطعة، فأجابه سالم بجفاء:
"مينفعش تبقى عايز ربنا يكرمك وأنت بتغضبه. الأب والأم ميتعاندوش. مهما كانت أخطائهم."
أنهى كلماته وخرج دون أن يضيف شيئًا أو يعطيه الفرصة لقول شيء، فقد تركه بعد أن قذف بقلبه جمرات الذنب التي لن يقوى على تحملها.
"والله يا سالم بيه ما عملت حاجة ولا حتى أعرف البنت دي ولا شكلها إيه؟ معرفش إزاي تتبلي عليا كدا؟"
هكذا تحدث عدي بيأس إلى سالم الذي كان يطالعه بجمود تجلى في نبرته حين قال:
"البنت ذكرت أوصافك بالحرف. يبقى إزاي متعرفكش ومتعرفهاش؟"
وثب الغضب إلى محياه وصرخ بقهر:
"ماهو ده اللي هيجنني! معرفش إزاي تقول كده؟ مرة حازم ومرة أنا!"
"سالم بفظاظة: أنت روحت مع حازم المكان ده قبل كدا؟"
"روحت مرة واحدة وفضلت مستنية بره عالشارع وهو دخل جوا…"
قطع حديثه المخزي، فتجهم وجه سالم وتابع بجفاء:
"أومال كنتوا بتجيبوا المخدرات إزاي؟"
غمغم بخفوت:
"كان الديلر بيجيلنا شقتي يجيبلنا اللي إحنا عايزينه.. وياخد فلوسه. هي مرة واحدة زي ما قولتلك اللي روحناله فيها وحازم اللي نزل وراحله، أنا استنيته على أول الحارة."
أخرج زفرة غاضبة من جوفه قبل أن يقول بفظاظة:
"في اليوم اللي حصلت فيه الحادثة كنت فين؟"
أخفض رأسه وهو يتمتم بمراوغة:
"مش فاكر!"
فطن إلى أنه يحاول إخفاء شيء، فتشدق ساخرًا:
"هتفتكر إمتى؟ لما حبل المشنقة يتلف حوالين رقبتك!"
"الموضوع ده حصل من أكتر من تسع شهور، أكيد مش هفتكر يعني حصل إيه؟"
تشابهت عينيه مع ملامحه حين قال بجمود:
"عندك حق! بس لما يكون اليوم ده خسرت فيه أعز أصحابك، يبقى أكيد هتكون فاكر ولو شوية تفاصيل صغيرة حتى."
التقمت عينيه الماهرة تخبطاته التي تجلت بوضوح على ملامحه ويديه التي كان يفركها بتوتر ونظراته التي كانت زائغة. كل تلك أشياء تشير إلى كذبه حين قال:
"لا. مش فاكر حاجة."
نصب عوده الفارع وقام بغلق زر بدلته قائلًا بلامبالاة:
"يلا مش مشكلة. كل واحد بياخد نصيبه. أنا كنت عايز أساعدك بس للأسف أنت قفلت كل الطرق في وشي. لكن أنا بردو هخلي المحامي بتاعي معاك في القضايا بتاعتك."
انكمشت ملامحه بحيرة تجلت في نبرته حين قال:
"قضايا؟ قضايا إيه؟ هي قضية واحدة."
زم شفتيه بملل تجلى في نبرته حين قال:
"شكلك لسه متعرفش. حماك العزيز هو وبنته رافعين عليك قضية طلاق للضرر."
سقط جالسًا مكانه من فرط الصدمة، فهل حقًا تخلت عنه بعدما أقسم لها بكتاب الله العزيز أنه لم يفعل شيئًا!
"متلومش عليه ولا عليها. أنت اتخليت عن نفسك ومساعدتهاش، منتظر منهم إيه؟"
صوته الفظ أخرج عدي من شروده وجعل الغضب يحل محل الصدمة، فاشتعلت عيناه واحتدت نبرته وهو يقول:
"أنا هقولك على كل حاجة…"
نجحت طريقته في إشعال غضب ذلك الشاب الذي بدا منكسرًا بطريقة مؤلمة، وأراد أن يفعل معه ما لم يستطع فعله مع شقيقه الراحل، لذا تقدم جالسًا في مكانه مرة أخرى ينتظر منه أن يبدأ بالحديث.
مرت دقيقة صمت قبل أن يشرع عدي في سرد تفاصيل ذلك اليوم الذي لم ينساه أبدًا:
"اليوم ده اتخانقت مع ساندي بسبب حازم.. كانت أعصابها تعبانة أنه بعد عنها بسبب جنة لدرجة خلتني أخرج عن شعوري. وسبتها وقعدت ألف في العربية لحد ما رجليا خدتني على كباريه. في مكان مش ولابد."
كان الخزي يقطر من بين كلماته، منكسًا رأسه وهو يسرد ماضيه الغير مشرف:
"كنت عايز أنسي الألم اللي جوايا واخترت أحقر طريقة لده وربنا أراد يديني درس. سهرت مع واحدة شمال وكنت هاخدها على شقتي، بس خوفت ألاقي مؤمن هناك وكمان شكلها مكنش مريح، فقلت لا وقعدنا في عربيتي. اتاريها كانت متفقة مع بلطجية طلعوا عليا وهددوني، سبتلهم العربية والفلوس وكل حاجة. أنا أصلًا مكنش فارق معايا حاجة."
أخرج تنهيدة حارقة من جوفه، فتحدث سالم بفظاظة:
"كمل."
تابع بقلب محترق:
"مكنتش عارف أروح فين ولا أعمل إيه. فضلت ماشي في الشارع ودموعي تنزل من غير ما أحس لحد ما سمعت أذان الفجر. فضلت أبص للمسجد وجوايا رغبة كبيرة أوي إني أدخل وفي نفس الوقت مش قادر. أنا مش طاهر، هقابل ربنا إزاي وأنا كدا؟ فضلت واقف شوية مش عارف أعمل إيه. أنا إنسان قذر، أقذر من إني أدخل مكان زي ده."
قام بمسح دمعة غادرة انبثقت من عينيه قبل أن يتابع بألم:
"فضلت واقف لحد ما سمعت صوت ورايا بيقولي مش هتدخل؟ ربنا بينادي عليك مش هتلبي النداء؟ فضلت باصص في الأرض مش عارف أقوله إيه؟ مكسوف أقوله أنا مش طاهر.. لقيته بيقولي تعالي معايا.. رحت معاه في بيت جنب المسجد ولقيته طلعلي جلابية نضيفة وقالي ادخل بسرعة خد لك دش وتوضى وتعالى نصلي في المسجد."
طوفان من العبرات اجتاز سياج عينيه دون وعي منه وهو يتابع:
"وعملت كدا فعلًا ودخلت المسجد معاه وصليت وأنا دموعي نازلة مش عارف أوقفها. وبعد ما خلصنا سألني الراجل مالك بتعيط ليه؟ معرفش إزاي لقيتني بحكيله على كل حاجة غلط في حياتي وعلى كل العذاب اللي شفته. والغريب إنه قعد يسمعلي من غير حتى ما يقاطعني. ومعرفش إزاي نمت وأنا عمال أعيط وأحكيله وقمت الصبح لقيت نفسي لسه في المسجد وهدومي اللي قلعتها عنده مغسولة ومكويه ومحطوطة جنبي. ولما شكرته قالي في أي وقت تكون تعبان أو مخنوق ومحتاج اللي يسمعك. تعالي نصلي سوا و تتكلم براحتك. ده كل اللي حصل."
كان الأمر مؤثرًا كثيرًا، فبالرغم من كل شيء، فحياة هذا الشاب بائسة كثيرًا، وأيضًا أفعال شقيقه وأخطائه التي لا تغتفر أبدًا جعلته يشعر بالخزي لأول مرة بحياته.
"اديني عنوان الراجل ده."
قال جملته وهو يمد إليه ورقة وقلم، فقال عدي بضياع:
"أنا مش فاكر العنوان أوي.. هو مكان غريب يعني معرفش وصلتله إزاي وحتى لما روحت هو اللي وصلني ولما طلبت رقمه قالي إنه معوش تليفون."
زفر سالم بحنق قائلًا بجمود:
"اكتب عنوان الكباريه اللي كنت فيه."
دون عدي العنوان وهب سالم ينوي المغادرة ولكنه توقف عند باب الغرفة قائلًا بخشونة:
"متقلقش أنا هعمل اللازم وربنا ييسر الأمر."
"عدي بتعب: مش قلقان. أنا واثق في ربنا وفيك.. وع فكرة شكراً."
تجاهل سالم حديثه وقال بفظاظة:
"باباك ومامتك بره عايزين يشوفوك."
"مش عايز أشوفهم."
هكذا تحدث عدي بنبرة قاطعة، فأجابه سالم بجفاء:
"مينفعش تبقى عايز ربنا يكرمك وأنت بتغضبه. الأب والأم ميتعاندوش. مهما كانت أخطائهم."
أنهى كلماته وخرج دون أن يضيف شيئًا أو يعطيه الفرصة لقول شيء، فقد تركه بعد أن قذف بقلبه جمرات الذنب التي لن يقوى على تحملها.
"والله يا سالم بيه ما عملت حاجة ولا حتى أعرف البنت دي ولا شكلها إيه؟ معرفش إزاي تتبلي عليا كدا؟"
هكذا تحدث عدي بيأس إلى سالم الذي كان يطالعه بجمود تجلى في نبرته حين قال:
"البنت ذكرت أوصافك بالحرف. يبقى إزاي متعرفكش ومتعرفهاش؟"
وثب الغضب إلى محياه وصرخ بقهر:
"ماهو ده اللي هيجنني! معرفش إزاي تقول كده؟ مرة حازم ومرة أنا!"
"سالم بفظاظة: أنت روحت مع حازم المكان ده قبل كدا؟"
"روحت مرة واحدة وفضلت مستنية بره عالشارع وهو دخل جوا…"
قطع حديثه المخزي، فتجهم وجه سالم وتابع بجفاء:
"أومال كنتوا بتجيبوا المخدرات إزاي؟"
غمغم بخفوت:
"كان الديلر بيجيلنا شقتي يجيبلنا اللي إحنا عايزينه.. وياخد فلوسه. هي مرة واحدة زي ما قولتلك اللي روحناله فيها وحازم اللي نزل وراحله، أنا استنيته على أول الحارة."
أخرج زفرة غاضبة من جوفه قبل أن يقول بفظاظة:
"في اليوم اللي حصلت فيه الحادثة كنت فين؟"
أخفض رأسه وهو يتمتم بمراوغة:
"مش فاكر!"
فطن إلى أنه يحاول إخفاء شيء، فتشدق ساخرًا:
"هتفتكر إمتى؟ لما حبل المشنقة يتلف حوالين رقبتك!"
"الموضوع ده حصل من أكتر من تسع شهور، أكيد مش هفتكر يعني حصل إيه؟"
تشابهت عينيه مع ملامحه حين قال بجمود:
"عندك حق! بس لما يكون اليوم ده خسرت فيه أعز أصحابك، يبقى أكيد هتكون فاكر ولو شوية تفاصيل صغيرة حتى."
التقمت عينيه الماهرة تخبطاته التي تجلت بوضوح على ملامحه ويديه التي كان يفركها بتوتر ونظراته التي كانت زائغة. كل تلك أشياء تشير إلى كذبه حين قال:
"لا. مش فاكر حاجة."
نصب عوده الفارع وقام بغلق زر بدلته قائلًا بلامبالاة:
"يلا مش مشكلة. كل واحد بياخد نصيبه. أنا كنت عايز أساعدك بس للأسف أنت قفلت كل الطرق في وشي. لكن أنا بردو هخلي المحامي بتاعي معاك في القضايا بتاعتك."
انكمشت ملامحه بحيرة تجلت في نبرته حين قال:
"قضايا؟ قضايا إيه؟ هي قضية واحدة."
زم شفتيه بملل تجلى في نبرته حين قال:
"شكلك لسه متعرفش. حماك العزيز هو وبنته رافعين عليك قضية طلاق للضرر."
سقط جالسًا مكانه من فرط الصدمة، فهل حقًا تخلت عنه بعدما أقسم لها بكتاب الله العزيز أنه لم يفعل شيئًا!
"متلومش عليه ولا عليها. أنت اتخليت عن نفسك ومساعدتهاش، منتظر منهم إيه؟"
صوته الفظ أخرج عدي من شروده وجعل الغضب يحل محل الصدمة، فاشتعلت عيناه واحتدت نبرته وهو يقول:
"أنا هقولك على كل حاجة…"
نجحت طريقته في إشعال غضب ذلك الشاب الذي بدا منكسرًا بطريقة مؤلمة، وأراد أن يفعل معه ما لم يستطع فعله مع شقيقه الراحل، لذا تقدم جالسًا في مكانه مرة أخرى ينتظر منه أن يبدأ بالحديث.
مرت دقيقة صمت قبل أن يشرع عدي في سرد تفاصيل ذلك اليوم الذي لم ينساه أبدًا:
"اليوم ده اتخانقت مع ساندي بسبب حازم.. كانت أعصابها تعبانة أنه بعد عنها بسبب جنة لدرجة خلتني أخرج عن شعوري. وسبتها وقعدت ألف في العربية لحد ما رجليا خدتني على كباريه. في مكان مش ولابد."
كان الخزي يقطر من بين كلماته، منكسًا رأسه وهو يسرد ماضيه الغير مشرف:
"كنت عايز أنسي الألم اللي جوايا واخترت أحقر طريقة لده وربنا أراد يديني درس. سهرت مع واحدة شمال وكنت هاخدها على شقتي، بس خوفت ألاقي مؤمن هناك وكمان شكلها مكنش مريح، فقلت لا وقعدنا في عربيتي. اتاريها كانت متفقة مع بلطجية طلعوا عليا وهددوني، سبتلهم العربية والفلوس وكل حاجة. أنا أصلًا مكنش فارق معايا حاجة."
أخرج تنهيدة حارقة من جوفه، فتحدث سالم بفظاظة:
"كمل."
تابع بقلب محترق:
"مكنتش عارف أروح فين ولا أعمل إيه. فضلت ماشي في الشارع ودموعي تنزل من غير ما أحس لحد ما سمعت أذان الفجر. فضلت أبص للمسجد وجوايا رغبة كبيرة أوي إني أدخل وفي نفس الوقت مش قادر. أنا مش طاهر، هقابل ربنا إزاي وأنا كدا؟ فضلت واقف شوية مش عارف أعمل إيه. أنا إنسان قذر، أقذر من إني أدخل مكان زي ده."
قام بمسح دمعة غادرة انبثقت من عينيه قبل أن يتابع بألم:
"فضلت واقف لحد ما سمعت صوت ورايا بيقولي مش هتدخل؟ ربنا بينادي عليك مش هتلبي النداء؟ فضلت باصص في الأرض مش عارف أقوله إيه؟ مكسوف أقوله أنا مش طاهر.. لقيته بيقولي تعالي معايا.. رحت معاه في بيت جنب المسجد ولقيته طلعلي جلابية نضيفة وقالي ادخل بسرعة خد لك دش وتوضى وتعالى نصلي في المسجد."
طوفان من العبرات اجتاز سياج عينيه دون وعي منه وهو يتابع:
"وعملت كدا فعلًا ودخلت المسجد معاه وصليت وأنا دموعي نازلة مش عارف أوقفها. وبعد ما خلصنا سألني الراجل مالك بتعيط ليه؟ معرفش إزاي لقيتني بحكيله على كل حاجة غلط في حياتي وعلى كل العذاب اللي شفته. والغريب إنه قعد يسمعلي من غير حتى ما يقاطعني. ومعرفش إزاي نمت وأنا عمال أعيط وأحكيله وقمت الصبح لقيت نفسي لسه في المسجد وهدومي اللي قلعتها عنده مغسولة ومكويه ومحطوطة جنبي. ولما شكرته قالي في أي وقت تكون تعبان أو مخنوق ومحتاج اللي يسمعك. تعالي نصلي سوا و تتكلم براحتك. ده كل اللي حصل."
كان الأمر مؤثرًا كثيرًا، فبالرغم من كل شيء، فحياة هذا الشاب بائسة كثيرًا، وأيضًا أفعال شقيقه وأخطائه التي لا تغتفر أبدًا جعلته يشعر بالخزي لأول مرة بحياته.
"اديني عنوان الراجل ده."
قال جملته وهو يمد إليه ورقة وقلم، فقال عدي بضياع:
"أنا مش فاكر العنوان أوي.. هو مكان غريب يعني معرفش وصلتله إزاي وحتى لما روحت هو اللي وصلني ولما طلبت رقمه قالي إنه معوش تليفون."
زفر سالم بحنق قائلًا بجمود:
"اكتب عنوان الكباريه اللي كنت فيه."
دون عدي العنوان وهب سالم ينوي المغادرة ولكنه توقف عند باب الغرفة قائلًا بخشونة:
"متقلقش أنا هعمل اللازم وربنا ييسر الأمر."
"عدي بتعب: مش قلقان. أنا واثق في ربنا وفيك.. وع فكرة شكراً."
تجاهل سالم حديثه وقال بفظاظة:
"باباك ومامتك بره عايزين يشوفوك."
"مش عايز أشوفهم."
هكذا تحدث عدي بنبرة قاطعة، فأجابه سالم بجفاء:
"مينفعش تبقى عايز ربنا يكرمك وأنت بتغضبه. الأب والأم ميتعاندوش. مهما كانت أخطائهم."
أنهى كلماته وخرج دون أن يضيف شيئًا أو يعطيه الفرصة لقول شيء، فقد تركه بعد أن قذف بقلبه جمرات الذنب التي لن يقوى على تحملها.
"والله يا سالم بيه ما عملت حاجة ولا حتى أعرف البنت دي ولا شكلها إيه؟ معرفش إزاي تتبلي عليا كدا؟"
هكذا تحدث عدي بيأس إلى سالم الذي كان يطالعه بجمود تجلى في نبرته حين قال:
"البنت ذكرت أوصافك بالحرف. يبقى إزاي متعرفكش ومتعرفهاش؟"
وثب الغضب إلى محياه وصرخ بقهر:
"ماهو ده اللي هيجنني! معرفش إزاي تقول كده؟ مرة حازم ومرة أنا!"
"سالم بفظاظة: أنت روحت مع حازم المكان ده قبل كدا؟"
"روحت مرة واحدة وفضلت مستنية بره عالشارع وهو دخل جوا…"
قطع حديثه المخزي، فتجهم وجه سالم وتابع بجفاء:
"أومال كنتوا بتجيبوا المخدرات إزاي؟"
غمغم بخفوت:
"كان الديلر بيجيلنا شقتي يجيبلنا اللي إحنا عايزينه.. وياخد فلوسه. هي مرة واحدة زي ما قولتلك اللي روحناله فيها وحازم اللي نزل وراحله، أنا استنيته على أول الحارة."
أخرج زفرة غاضبة من جوفه قبل أن يقول بفظاظة:
"في اليوم اللي حصلت فيه الحادثة كنت فين؟"
أخفض رأسه وهو يتمتم بمراوغة:
"مش فاكر!"
فطن إلى أنه يحاول إخفاء شيء، فتشدق ساخرًا:
"هتفتكر إمتى؟ لما حبل المشنقة يتلف حوالين رقبتك!"
"الموضوع ده حصل من أكتر من تسع شهور، أكيد مش هفتكر يعني حصل إيه؟"
تشابهت عينيه مع ملامحه حين قال بجمود:
"عندك حق! بس لما يكون اليوم ده خسرت فيه أعز أصحابك، يبقى أكيد هتكون فاكر ولو شوية تفاصيل صغيرة حتى."
التقمت عينيه الماهرة تخبطاته التي تجلت بوضوح على ملامحه ويديه التي كان يفركها بتوتر ونظراته التي كانت زائغة. كل تلك أشياء تشير إلى كذبه حين قال:
"لا. مش فاكر حاجة."
نصب عوده الفارع وقام بغلق زر بدلته قائلًا بلامبالاة:
"يلا مش مشكلة. كل واحد بياخد نصيبه. أنا كنت عايز أساعدك بس للأسف أنت قفلت كل الطرق في وشي. لكن أنا بردو هخلي المحامي بتاعي معاك في القضايا بتاعتك."
انكمشت ملامحه بحيرة تجلت في نبرته حين قال:
"قضايا؟ قضايا إيه؟ هي قضية واحدة."
زم شفتيه بملل تجلى في نبرته حين قال:
"شكلك لسه متعرفش. حماك العزيز هو وبنته رافعين عليك قضية طلاق للضرر."
سقط جالسًا مكانه من فرط الصدمة، فهل حقًا تخلت عنه بعدما أقسم لها بكتاب الله العزيز أنه لم يفعل شيئًا!
"متلومش عليه ولا عليها. أنت اتخليت عن نفسك ومساعدتهاش، منتظر منهم إيه؟"
صوته الفظ أخرج عدي من شروده وجعل الغضب يحل محل الصدمة، فاشتعلت عيناه واحتدت نبرته وهو يقول:
"أنا هقولك على كل حاجة…"
نجحت طريقته في إشعال غضب ذلك الشاب الذي بدا منكسرًا بطريقة مؤلمة، وأراد أن يفعل معه ما لم يستطع فعله مع شقيقه الراحل، لذا تقدم جالسًا في مكانه مرة أخرى ينتظر منه أن يبدأ بالحديث.
مرت دقيقة صمت قبل أن يشرع عدي في سرد تفاصيل ذلك اليوم الذي لم ينساه أبدًا:
"اليوم ده اتخانقت مع ساندي بسبب حازم.. كانت أعصابها تعبانة أنه بعد عنها بسبب جنة لدرجة خلتني أخرج عن شعوري. وسبتها وقعدت ألف في العربية لحد ما رجليا خدتني على كباريه. في مكان مش ولابد."
كان الخزي يقطر من بين كلماته، منكسًا رأسه وهو يسرد ماضيه الغير مشرف:
"كنت عايز أنسي الألم اللي جوايا واخترت أحقر طريقة لده وربنا أراد يديني درس. سهرت مع واحدة شمال وكنت هاخدها على شقتي، بس خوفت ألاقي مؤمن هناك وكمان شكلها مكنش مريح، فقلت لا وقعدنا في عربيتي. اتاريها كانت متفقة مع بلطجية طلعوا عليا وهددوني، سبتلهم العربية والفلوس وكل حاجة. أنا أصلًا مكنش فارق معايا حاجة."
أخرج تنهيدة حارقة من جوفه، فتحدث سالم بفظاظة:
"كمل."
تابع بقلب محترق:
"مكنتش عارف أروح فين ولا أعمل إيه. فضلت ماشي في الشارع ودموعي تنزل من غير ما أحس لحد ما سمعت أذان الفجر. فضلت أبص للمسجد وجوايا رغبة كبيرة أوي إني أدخل وفي نفس الوقت مش قادر. أنا مش طاهر، هقابل ربنا إزاي وأنا كدا؟ فضلت واقف شوية مش عارف أعمل إيه. أنا إنسان قذر، أقذر من إني أدخل مكان زي ده."
قام بمسح دمعة غادرة انبثقت من عينيه قبل أن يتابع بألم:
"فضلت واقف لحد ما سمعت صوت ورايا بيقولي مش هتدخل؟ ربنا بينادي عليك مش هتلبي النداء؟ فضلت باصص في الأرض مش عارف أقوله إيه؟ مكسوف أقوله أنا مش طاهر.. لقيته بيقولي تعالي معايا.. رحت معاه في بيت جنب المسجد ولقيته طلعلي جلابية نضيفة وقالي ادخل بسرعة خد لك دش وتوضى وتعالى نصلي في المسجد."
طوفان من العبرات اجتاز سياج عينيه دون وعي منه وهو يتابع:
"وعملت كدا فعلًا ودخلت المسجد معاه وصليت وأنا دموعي نازلة مش عارف أوقفها. وبعد ما خلصنا سألني الراجل مالك بتعيط ليه؟ معرفش إزاي لقيتني بحكيله على كل حاجة غلط في حياتي وعلى كل العذاب اللي شفته. والغريب إنه قعد يسمعلي من غير حتى ما يقاطعني. ومعرفش إزاي نمت وأنا عمال أعيط وأحكيله وقمت الصبح لقيت نفسي لسه في المسجد وهدومي اللي قلعتها عنده مغسولة ومكويه ومحطوطة جنبي. ولما شكرته قالي في أي وقت تكون تعبان أو مخنوق ومحتاج اللي يسمعك. تعالي نصلي سوا و تتكلم براحتك. ده كل اللي حصل."
كان الأمر مؤثرًا كثيرًا، فبالرغم من كل شيء، فحياة هذا الشاب بائسة كثيرًا، وأيضًا أفعال شقيقه وأخطائه التي لا تغتفر أبدًا جعلته يشعر بالخزي لأول مرة بحياته.
"اديني عنوان الراجل ده."
قال جملته وهو يمد إليه ورقة وقلم، فقال عدي بضياع:
"أنا مش فاكر العنوان أوي.. هو مكان غريب يعني معرفش وصلتله إزاي وحتى لما روحت هو اللي وصلني ولما طلبت رقمه قالي إنه معوش تليفون."
زفر سالم بحنق قائلًا بجمود:
"اكتب عنوان الكباريه اللي كنت فيه."
دون عدي العنوان وهب سالم ينوي المغادرة ولكنه توقف عند باب الغرفة قائلًا بخشونة:
"متقلقش أنا هعمل اللازم وربنا ييسر الأمر."
"عدي بتعب: مش قلقان. أنا واثق في ربنا وفيك.. وع فكرة شكراً."
تجاهل سالم حديثه وقال بفظاظة:
"باباك ومامتك بره عايزين يشوفوك."
"مش عايز أشوفهم."
هكذا تحدث عدي بنبرة قاطعة، فأجابه سالم بجفاء:
"مينفعش تبقى عايز ربنا يكرمك وأنت بتغضبه. الأب والأم ميتعاندوش. مهما كانت أخطائهم."
أنهى كلماته وخرج دون أن يضيف شيئًا أو يعطيه الفرصة لقول شيء، فقد تركه بعد أن قذف بقلبه جمرات الذنب التي لن يقوى على تحملها.
"والله يا سالم بيه ما عملت حاجة ولا حتى أعرف البنت دي ولا شكلها إيه؟ معرفش إزاي تتبلي عليا كدا؟"
هكذا تحدث عدي بيأس إلى سالم الذي كان يطالعه بجمود تجلى في نبرته حين قال:
"البنت ذكرت أوصافك بالحرف. يبقى إزاي متعرفكش ومتعرفهاش؟"
وثب الغضب إلى محياه وصرخ بقهر:
"ماهو ده اللي هيجنني! معرفش إزاي تقول كده؟ مرة حازم ومرة أنا!"
"سالم بفظاظة: أنت روحت مع حازم المكان ده قبل كدا؟"
"روحت مرة واحدة وفضلت مستنية بره عالشارع وهو دخل جوا…"
قطع حديثه المخزي، فتجهم وجه سالم وتابع بجفاء:
"أومال كنتوا بتجيبوا المخدرات إزاي؟"
غمغم بخفوت:
"كان الديلر بيجيلنا شقتي يجيبلنا اللي إحنا عايزينه.. وياخد فلوسه. هي مرة واحدة زي ما قولتلك اللي روحناله فيها وحازم اللي نزل وراحله، أنا استنيته على أول الحارة."
أخرج زفرة غاضبة من جوفه قبل أن يقول بفظاظة:
"في اليوم اللي حصلت فيه الحادثة كنت فين؟"
أخفض رأسه وهو يتمتم بمراوغة:
"مش فاكر!"
فطن إلى أنه يحاول إخفاء شيء، فتشدق ساخرًا:
"هتفتكر إمتى؟ لما حبل المشنقة يتلف حوالين رقبتك!"
"الموضوع ده حصل من أكتر من تسع شهور، أكيد مش هفتكر يعني حصل إيه؟"
تشابهت عينيه مع ملامحه حين قال بجمود:
"عندك حق! بس لما يكون اليوم ده خسرت فيه أعز أصحابك، يبقى أكيد هتكون فاكر ولو شوية تفاصيل صغيرة حتى."
التقمت عينيه الماهرة تخبطاته التي تجلت بوضوح على ملامحه ويديه التي كان يفركها بتوتر ونظراته التي كانت زائغة. كل تلك أشياء تشير إلى كذبه حين قال:
"لا. مش فاكر حاجة."
نصب عوده الفارع وقام بغلق زر بدلته قائلًا بلامبالاة:
"يلا مش مشكلة. كل واحد بياخد نصيبه. أنا كنت عايز أساعدك بس للأسف أنت قفلت كل الطرق في وشي. لكن أنا بردو هخلي المحامي بتاعي معاك في القضايا بتاعتك."
انكمشت ملامحه بحيرة تجلت في نبرته حين قال:
"قضايا؟ قضايا إيه؟ هي قضية واحدة."
زم شفتيه بملل تجلى في نبرته حين قال:
"شكلك لسه متعرفش. حماك العزيز هو وبنته رافعين عليك قضية طلاق للضرر."
سقط جالسًا مكانه من فرط الصدمة، فهل حقًا تخلت عنه بعدما أقسم لها بكتاب الله العزيز أنه لم يفعل شيئًا!
"متلومش عليه ولا عليها. أنت اتخليت عن نفسك ومساعدتهاش، منتظر منهم إيه؟"
صوته الفظ أخرج عدي من شروده وجعل الغضب يحل محل الصدمة، فاشتعلت عيناه واحتدت نبرته وهو يقول:
"أنا هقولك على كل حاجة…"
نجحت طريقته في إشعال غضب ذلك الشاب الذي بدا منكسرًا بطريقة مؤلمة، وأراد أن يفعل معه ما لم يستطع فعله مع شقيقه الراحل، لذا تقدم جالسًا في مكانه مرة أخرى ينتظر منه أن يبدأ بالحديث.
مرت دقيقة صمت قبل أن يشرع عدي في سرد تفاصيل ذلك اليوم الذي لم ينساه أبدًا:
"اليوم ده اتخانقت مع ساندي بسبب حازم.. كانت أعصابها تعبانة أنه بعد عنها بسبب جنة لدرجة خلتني أخرج عن شعوري. وسبتها وقعدت ألف في العربية لحد ما رجليا خدتني على كباريه. في مكان مش ولابد."
كان الخزي يقطر من بين كلماته، منكسًا رأسه وهو يسرد ماضيه الغير مشرف:
"كنت عايز أنسي الألم اللي جوايا واخترت أحقر طريقة لده وربنا أراد يديني درس. سهرت مع واحدة شمال وكنت هاخدها على شقتي، بس خوفت ألاقي مؤمن هناك وكمان شكلها مكنش مريح، فقلت لا وقعدنا في عربيتي. اتاريها كانت متفقة مع بلطجية طلعوا عليا وهددوني، سبتلهم العربية والفلوس وكل حاجة. أنا أصلًا مكنش فارق معايا حاجة."
أخرج تنهيدة حارقة من جوفه، فتحدث سالم بفظاظة:
"كمل."
تابع بقلب محترق:
"مكنتش عارف أروح فين ولا أعمل إيه. فضلت ماشي في الشارع ودموعي تنزل من غير ما أحس لحد ما سمعت أذان الفجر. فضلت أبص للمسجد وجوايا رغبة كبيرة أوي إني أدخل وفي نفس الوقت مش قادر. أنا مش طاهر، هقابل ربنا إزاي وأنا كدا؟ فضلت واقف شوية مش عارف أعمل إيه. أنا إنسان قذر، أقذر من إني أدخل مكان زي ده."
قام بمسح دمعة غادرة انبثقت من عينيه قبل أن يتابع بألم:
"فضلت واقف لحد ما سمعت صوت ورايا بيقولي مش هتدخل؟ ربنا بينادي عليك مش هتلبي النداء؟ فضلت باصص في الأرض مش عارف أقوله إيه؟ مكسوف أقوله أنا مش طاهر.. لقيته بيقولي تعالي معايا.. رحت معاه في بيت جنب المسجد ولقيته طلعلي جلابية نضيفة وقالي ادخل بسرعة خد لك دش وتوضى وتعالى نصلي في المسجد."
طوفان من العبرات اجتاز سياج عينيه دون وعي منه وهو يتابع:
"وعملت كدا فعلًا ودخلت المسجد معاه وصليت وأنا دموعي نازلة مش عارف أوقفها. وبعد ما خلصنا سألني الراجل مالك بتعيط ليه؟ معرفش إزاي لقيتني بحكيله على كل حاجة غلط في حياتي وعلى كل العذاب اللي شفته. والغريب إنه قعد يسمعلي من غير حتى ما يقاطعني. ومعرفش إزاي نمت وأنا عمال أعيط وأحكيله وقمت الصبح لقيت نفسي لسه في المسجد وهدومي اللي قلعتها عنده مغسولة ومكويه ومحطوطة جنبي. ولما شكرته قالي في أي وقت تكون تعبان أو مخنوق ومحتاج اللي يسمعك. تعالي نصلي سوا و تتكلم براحتك. ده كل اللي حصل."
كان الأمر مؤثرًا كثيرًا، فبالرغم من كل شيء، فحياة هذا الشاب بائسة كثيرًا، وأيضًا أفعال شقيقه وأخطائه التي لا تغتفر أبدًا جعلته يشعر بالخزي لأول مرة بحياته.
"اديني عنوان الراجل ده."
قال جملته وهو يمد إليه ورقة وقلم، فقال عدي بضياع:
"أنا مش فاكر العنوان أوي.. هو مكان غريب يعني معرفش وصلتله إزاي وحتى لما روحت هو اللي وصلني ولما طلبت رقمه قالي إنه معوش تليفون."
زفر سالم بحنق قائلًا بجمود:
"اكتب عنوان الكباريه اللي كنت فيه."
دون عدي العنوان وهب سالم ينوي المغادرة ولكنه توقف عند باب الغرفة قائلًا بخشونة:
"متقلقش أنا هعمل اللازم وربنا ييسر الأمر."
"عدي بتعب: مش قلقان. أنا واثق في ربنا وفيك.. وع فكرة شكراً."
تجاهل سالم حديثه وقال بفظاظة:
"باباك ومامتك بره عايزين يشوفوك."
"مش عايز أشوفهم."
هكذا تحدث عدي بنبرة قاطعة، فأجابه سالم بجفاء:
"مينفعش تبقى عايز ربنا يكرمك وأنت بتغضبه. الأب والأم ميتعاندوش. مهما كانت أخطائهم."
أنهى كلماته وخرج دون أن يضيف شيئًا أو يعطيه الفرصة لقول شيء، فقد تركه بعد أن قذف بقلبه جمرات الذنب التي لن يقوى على تحملها.
"والله يا سالم بيه ما عملت حاجة ولا حتى أعرف البنت دي ولا شكلها إيه؟ معرفش إزاي تتبلي عليا كدا؟"
هكذا تحدث عدي بيأس إلى سالم الذي كان يطالعه بجمود تجلى في نبرته حين قال:
"البنت ذكرت أوصافك بالحرف. يبقى إزاي متعرفكش ومتعرفهاش؟"
وثب الغضب إلى محياه وصرخ بقهر:
"ماهو ده اللي هيجنني! معرفش إزاي تقول كده؟ مرة حازم ومرة أنا!"
"سالم بفظاظة: أنت روحت مع حازم المكان ده قبل كدا؟"
"روحت مرة واحدة وفضلت مستنية بره عالشارع وهو دخل جوا…"
قطع حديثه المخزي، فتجهم وجه سالم وتابع بجفاء:
"أومال كنتوا بتجيبوا المخدرات إزاي؟"
غمغم بخفوت:
"كان الديلر بيجيلنا شقتي يجيبلنا اللي إحنا عايزينه.. وياخد فلوسه. هي مرة واحدة زي ما قولتلك اللي روحناله فيها وحازم اللي نزل وراحله، أنا استنيته على أول الحارة."
أخرج زفرة غاضبة من جوفه قبل أن يقول بفظاظة:
"في اليوم اللي حصلت فيه الحادثة كنت فين؟"
أخفض رأسه وهو يتمتم بمراوغة:
"مش فاكر!"
فطن إلى أنه يحاول إخفاء شيء، فتشدق ساخرًا:
"هتفتكر إمتى؟ لما حبل المشنقة يتلف حوالين رقبتك!"
"الموضوع ده حصل من أكتر من تسع شهور، أكيد مش هفتكر يعني حصل إيه؟"
تشابهت عينيه مع ملامحه حين قال بجمود:
"عندك حق! بس لما يكون اليوم ده خسرت فيه أعز أصحابك، يبقى أكيد هتكون
رواية بين غياهب الاقدار "في قبضةالاقدار الجزء الثاني" الفصل الخامس والعشرون 25 - بقلم نورهان العشري
حقًا لا أعرف متى تنتهي معاناتي مع الحياة؟
فتارة تجمعني بأُناس ينطفئ قلبي بوجودهم ولا أتحمل الحياة معهم.
وتارة تمنع عني أُناس لا تحلو الحياة إلا برفقتهم ولا يضيء قلبي إلا في حضرتهم.
ترى، هل يمكن أن أتصالح معها يومًا ما وأحتضن جزءًا كانت قد بترته مني، فتكتمل به روحي وأروي به ظمأ قلبي؟
ارتعب الجميع حين وقعت أعينهم على مروان، الذي كان يئن بألم وأسفله بقعة من الدماء، وبجانبه سما التي كانت تبكي بانهيار وترتجف ذعرًا مما حدث.
ولكن المشهد الأكثر رعبًا كان هذا الرجل المذعور الذي يمسك سكينًا ملطخًا بدماء بريئة لم ترتكب إثمًا لتطالها يد الغدر، تمامًا كما حدث مع ابنته التي تم اغتصابها بوحشية لترقد في غيبوبة لجأ إليها عقلها الذي لم يستطع تقبل تلك الفاجعة التي ألمت بها.
"أنت!"
هكذا صاح سالم حين رأى محمد، والد لبنى، راكعًا على ركبتيه ممسكًا سكينًا تقطر بالدماء التي امتزجت معها مياه عينيه، والحرس ينهالون بالضرب فوقه. فتفرق الجميع وانقسم جمعهم إلى مجموعتين.
إحداها، والتي كانت مكونة من أمينة وهمت وفرح وجنة وطارق، اتجهت إلى مروان الذي كان يئن بألم.
والأخرى كانت مكونة من سليم وسالم، الذي قام بجذب محمد من تلابيبه وهو يصرخ بزئير ارتجف له الجميع.
"عملت كدا ليه؟"
خرجت الكلمات مرتجفة تمامًا كحالته.
"بنتقم منكم لبنتي اللي غدرتوا بيها."
زمجر سالم بوحشية.
"مين اللي غدر بمين؟ مش انت اللي خدت بنتك ومراتك وهربت بعد ما غيرت أقوالها واتهمت واحد بريء ملوش ذنب؟"
شعر بالكلمات كالحوافر التي نبشت في جراح أبت الشفاء، فصرخ من عمق الوجع الكامن بصدره.
"كفاية افتري بقى! بنتي غيرت أقوالها بعد ما بعت رجالتك يهددونا!"
"إيه؟"
هكذا تحدث سالم بصدمة، تبددت لحظة اندفاع طارق نحو محمد يحاول الثأر لأخيه، الذي لحسن الحظ لم تكن إصابته خطيرة كما بدت للوهلة الأولى. فقد اخترق السكين كتفه فلم يلامس أي منطقة حيوية في جسده.
"هقتلك يا حيوان، وديني ما هسيبك."
تدخل سليم، الذي فطن للأمر، وقام بإيقاف طارق وهو يتحدث بصرامة.
"سالم هيتولى أمره يا طارق، بينا نودي مروان المستشفى."
تدخل سالم آمرًا.
"الحريم كلهم يدخلوا جوه. طارق انت وسليم ودوا مروان المستشفى، وأنا هحصلكم."
خرجت الكلمات منها بلهفة.
"أنا هروح معاهم يا أبيه سالم، أرجوك. مش هسيبه لوحده."
نظرت همت لابنتها بصدمة. فلم تعرها سما أي اهتمام، بل اندفعت حين سمح لها سالم خلف سليم وطارق، الذي كان يسند مروان المتألم.
الأعين يشوبها الكثير من الاستفهامات التي لم يفصح عنها اللسان، فقد كان غضبه مريعًا ولم يستطع أحد مناقشة أوامره، حتى هي!
أخذت تجوب الغرفة ذهابًا وإيابًا، والأفكار تطن برأسها كالذباب، عن أي شيء يتحدث هذا الرجل؟ ومن تلك الفتاة؟ وعن أي اتهام يتحدث؟
"كفاية لف ودوران، خيلتيني يا فرح!"
هنا تحدثت أمينة، فحالتها لم تكن تقل عن الجميع توترًا، ولكنها تحاول الثبات قدر الإمكان حتى يهدأ من حولها. فهبت جنة متوجهة إليها قائلة بهدوء.
"شكلك تعبان يا ماما، تعالي أطلعك فوق ترتاحي شوية."
"لا يا حبيبتي، أنا هستنى أطمن على مروان."
هكذا تحدثت أمينة بلطف. فصدح صوت فرح منادية على أحد الخدم، فجاءت إحداهن لتأمرها بلطف.
"اعملي كوباية لمون لماما الحاجة."
ثم تقدمت من أمينة وهي تقول بهدوء.
"حقك عليا يا ماما، أنا أصلي قلقانة أوي على سالم وهو مع الراجل ده جوا لوحدهم."
"ربنا يستر يا بنتي ويجيب العواقب سليمة."
***
"عملت كدا ليه؟ وإياك تكذب عليا، عشان وقتها هتشوف مني وش مش هيعجبك."
هكذا تحدث سالم بفظاظة، وهو ينظر إلى محمد، الذي كان منكفًا رأسه، الذي أثقله الذنب. فقد أصاب شخصًا لم يفعل له شيئًا، ولكن اليأس الذي اختلط مع ذلك القهر المستوطن في قلبه، فشوش الرؤية أمامه وغيب عقله، الذي كان يصرخ مطالبًا بالثأر بأي طريقة.
"الوضع اللي أنا فيه ميسمحليش أكذب، ولا يسمحلك انت كمان يا بيه. خلاص أنا خسرت كل حاجة، وانتوا السبب."
تعاظم الغضب بداخله، وخرج صوته مثقلاً به حين قال.
"السبب في إيه؟ انت هتستهبل! أنا اتفقت معاك اتفاق وانت اللي أخلت بيه وهربت بعد ما بوظت كل حاجة."
"هربت بعد ما بعت رجالتك يهددوني ويهددوا بنتي أنها لو مغيرتش أقوالها هيقتلونا كلنا! جيت في المستشفى ضحكت علينا بكلمتين، ودورت من الناحية التانية، وطعنتنا في ضهرنا. ليه عملت كدا؟ مصعبتش عليك البنت اللي قولت عليها إنها زي بنتك؟ يا أخي حسبي الله ونعم الوكيل."
توقف عقله عند جملته الأولى، التي وضعت سيف الحيرة الباتر على رقبته. فأغمض عينيه للحظات، قبل أن يقول بجمود.
"وأيه مصلحتي من دا؟ يعني انت من الأساس مكنتش هتقدر تعملي حاجة عشان اللي عمل كدا في بنتك مبقاش موجود. ليه أنا هعمل معاكوا كدا؟ كنت من الأول مسألتش فيكوا ولا انت إيه رأيك؟"
بدأ محقًا في حديثه، للحد الذي جعل الألم والحيرة ترتسم على وجه محمد، الذي وضع رأسه بين يديه بقهر تجلى في نبرته، وهو يقول.
"مبقتش عارف أقول إيه ولا إيه الصح. لطفك يارب."
تأثر داخليًا بمظهره، ولكن خرجت كلماته جافة حين قال.
"احكيلي اللي حصل بالظبط."
***
مرت الدقائق كساعات مع ذلك الانتظار المميت، الذي كان يأكلهم بصمت، لا يسمع فيه سوى أنفاس متوترة وصدور متأججة بنيران الخوف، الذي تعاظم حين دخل الحرس إلى المكتب ليخرجوا بعد لحظات محاوطين ذلك الرجل. فهرولت فرح إلى سالم، الذي كان يتأهب للمغادرة، فإذا بها تندفع إليه، فحاوطتها يداه بقوة، واتكأ برأسه على كتفها للحظات، قطعها سؤالها المرتبك.
"فيه إيه يا سالم؟ ومين الراجل ده؟"
زفرة قوية خرجت من جوفه، أتبعها قوله الصارم.
"متسأليش يا فرح. سبيني أرتاح في حضنك شوية."
لم تجرؤ على الحديث أمام تعبه، الذي بدا واضحًا من اتكائه عليها. فأخذت أناملها الحانية تهدهد أكتافه برفق، علها تزيل توتره الذي يأبى الإفصاح عنه. فمرت لحظات صامتة، اختطفها من براثن الزمن ليستكين بين ذراعيها، قبل أن يرفع رأسه قائلًا بخشونة.
"هروح أطمن على مروان. خلي بالك من ماما، ولو سألت حصل إيه، قولي لها عداوة مع ناس في الشغل."
لم يعجبها حديثه، فانكمشت ملامحها بامتعاض. تجاهله وهو يقول بصرامة.
"مش وقته كلام دلوقتي. فيه حاجات مهمة لازم أعملها."
زفرت بقلة حيلة. فاقترب واضعًا قبلة قوية بين عينيها، وامتدت أنامله تتأرجح على شفتيها برقة، حين قال بخفوت.
"عايز لما أرجع ألاقيكِ مستناني."
بنبرة يشوبها العتاب، أجابته.
"أنا دايمًا مستنياك."
شعر بعتابها، فقال بخشونة.
"حاسس بنبرة اعتراض."
"حاسس مش متأكد."
استفزته تلك النبرة التهكمية، فقال بفظاظة.
"عدي يومك عشان أنا على أخرى منك."
ارتفع أحد حاجبيها بسخط. تجاهله وهو يتقدمها، فأبت الصمت لتقول بنبرة يشوبها المكر.
"ابقى طمني على مروان."
لونت ملامحه ابتسامة بسيطة، قبل أن يشملها بنظرة متوعدة تشبه لهجته، حين قال.
"أفضالك يا فرح، وهربيكِ من أول وجديد. الصبر بس."
لم يعطها الفرصة للحديث، إنما انطلق إلى وجهته، ليتركها خلفه تتنفس النيران من أنفها. فهي تعشقه للحد الذي يجعلها تشعر بالسخط من كل تلك الأعباء التي تقيده وتجذبه بعيدًا عنها، تتلظى بنيران الشوق والغضب معًا.
خرجت تتشاجر مع خطواتها، لتصطدم بأمينة، التي قالت بلهفة.
"طمنيني يا فرح، قالك إيه؟"
عدلت من لهجتها لتبدو عادية، حين قالت.
"عداوة شغل يا ماما. اطمني، الموضوع اتحل."
تعلم بأن الأمر تكبر، وترتاب في حديث هذا الرجل عن تلك الفتاة المزعومة، ولكنها لن تناقش الآن.
"يالا يا حاجة، اطلعي عشان ترتاحي. الفجر قرب يأذن، وأنتِ منمتيش من امبارح."
هكذا تحدثت نعمة، فأومأت أمينة بصمت وتوجهت معها للأعلى. فاقتربت جنة من فرح قائلة بخوف.
"فرح، أنا حاسة إن اللي حصل ده وراه حاجات كتير أوي، متطمنيش."
احتضنت فرح كتفيها وهي تصعد للأعلى، قائلة بحنان.
"متقلقيش يا جنة. سالم طمني إن الموضوع مجرد عداوة في الشغل، وهو أكيد هيحل كل حاجة."
"اومال بنت مين اللي بيتكلموا عليها دي؟"
احتارت بماذا تجيبها، فقالت بطمأنة.
"متشغليش بالك يا جنة، موضوع بعيد عننا، وإن شاء الله سالم وسليم هيحلوه."
جنة بقلق.
"خايفة على سليم أوي. غضبه وتهوره بيخليني مش عايزاه يخرج من البيت حتى."
كان ألمها يلون ملامحها، فأرادت فرح التخفيف عنها قليلًا، فقالت بمزاح.
"الله الله، اومال إيه التطورات الرهيبة دي؟ والخوف والحنية دول من إمتى يا جنة هانم؟"
تجاهلت خجلها قائلة.
"أيوة طبعًا، مش جوزي حبيبي، ولازم أخاف عليه!"
ارتفع أحد حاجبيها الجميلين وهي تقول بمشاكسة.
"جوزي حبيبي مرة واحدة، دا في تطورات بقي وأنا معرفش! ويترى الغالي لسه بينام عالأرض، ولا عفيتي عنه خلاص؟"
اغتاظت من كلماتها، فقالت باندفاع.
"لا طبعًا، أرض إيه؟ بينام في حضني يا أختي."
ضحكت فرح بسعادة، وقالت بحماس.
"أوبا، يبقي حصل! فرحي قلبي وقولي إنه حصل."
لون الخجل ملامحها، وقالت بحدة مفتعلة.
"بطلي يا فرح."
"يبقي حصل.. اخس عليكِ وأنا معرفش.. سليم دا غيرك وبقيتي تخبي عني كل حاجة.. أنا لازم أوقع بينكوا."
هكذا تحدثت فرح بمزاح. فهبت جنة بلهفة.
"محدش في الدنيا يقدر يوقع بينا. وبعدين دي أسرار، يعني أنا مفروض أقول كل حاجة؟"
"عندك حق يا قلبي، أنا بهزر معاكِ. أسرارك أنتِ وجوزك متطلعش بره أوضة نومك. ربنا يهنيكوا مع بعض. فرحتلك أوي يا جنة. سليم بيحبك ويستاهل تنسي كل حاجة وتعيشي معاه في سعادة."
احتضنتها جنة بحب، وبادلتها فرح العناق بأقوى منه، وهي تحمد الله على سعادة شقيقتها.
"اسمحلولي أقاطع الحضن الأخوي ده وأسأل عن مروان؟"
برقت عينا فرح حين سمعت صوت شيرين من خلفهم، فحاولت تمالك نفسها قبل أن تلتفت قائلة باختصار.
"كويس!"
اغتاظت شيرين من حديثها، ولكن لم تعلق. بل التفتت أنظارها إلى جنة، ورقت نبرتها حين قالت.
"عاملة إيه دلوقتي؟"
خيم الاندهاش على ملامح الشقيقتين، وسرعان ما تجاهلته جنة قائلة بهدوء.
"الحمد لله، أحسن. شكرًا على سؤالك."
أومأت شيرين بابتسامة بسيطة، قبل أن تقول بلهجة جامدة.
"ياريت لو حد اطمن على مروان يطمني. سما للأسف ناسيه فونها هنا، مش عارفة أكلمها."
"حاضر، هكلم سليم وأطمنك."
أومأت شيرين وتوجهت إلى غرفتها، لتنظر إلى ريتال التي كانت تتوسط مخدعها نائمة بعمق. فقامت بتناول هاتفها، وقامت بإرسال رسالة نصية، صدح بعدها رنين الهاتف بإلحاح. تجاهلته بحنق، وتوجهت إلى المرحاض لتنعش جسدها بحمام ساخن تحتاجه بشدة.
***
جاء الصباح بنوره ليطغى على ظلام الأمس. فتوسطت الشمس كبد السماء، ناثرة أشعتها الدافئة على برودة قلوب أبت التسليم أمام أصفاد الماضي، لتعلن عن بداية جديدة مع يوم جديد لا تعلم خباياه. فقط تتضرع إلى الله أن يأتي حاملًا معه الخير.
"حمد لله عالسلامة."
هكذا تحدثت سما إلى مروان، الذي استيقظ لتوه. فكان صوتها العذب بلسمًا لجرحه المؤلم، الذي تجاهل أنينه والتفت إليها قائلًا بمزاحه المعتاد.
"إيه الحلويات اللي عالصبح دي؟ ولا أنا بايني مت وجت الجنة؟"
تقاذفت الكلمات من بين شفتيها بلهفة.
"بعد الشر عنك.. متقولش كدا."
ناظرها بصدمة، بينما ارتسم الغباء على ملامحه ولهجته حين قال.
"هو الراجل غزني في نفوخي ولا إيه؟ بت يا سما، أنتِ سخنة ولا أنا اللي جعان باين!"
لونت الإبتسامة ملامحها على مزاحه، الذي يخرجها دائمًا من حزنها.
"أنت مفيش فايدة فيك؟ حتي وانت في الحالة دي بتضحك وتهزر؟"
مروان بغزل.
"دانا اتقلب قرد عشان أشوف الضحكة الحلوة دي."
"أنت قرد من غير حاجة، مش محتاج تتعب نفسك."
اخترق صوت سليم الساخر حديثهم، فبدد أجوائه الرومانسية، مما جعل مروان يناظره بحنق تجلى في نبرته حين قال.
"دمك يلطش، وكلنا عارفين إيه لازمته تستخفه بقي؟"
سليم ساخرًا.
"شوية من اللي بتعمله فينا!"
تمتم مروان بحنق.
"عملك أسود ومنيل يا بعيد."
"لسانك الطويل رجع تاني، يبقي أنت كده خفيت."
كان هذا صوت سالم الساخر، الذي دخل الغرفة، يتبعه طارق، الذي قال بتهكم.
"على أساس أنه كان فيه حاجة أصلًا، ولا الخربوش ده يعتبر جرح."
وافقه سالم، موجهًا حديثه إلى مروان.
"أجمد شوية، هتشمت فينا الأجانب."
طافت عينه على ثلاثتهم، وقال بحنق.
"آه انتوا اتفقتوا عليا انتوا التلاتة.. فاكرين أن مفيش حد يدافع عني.. براحتكوا، بس حقي هعرف آخده."
طرقة خفيفة على باب الغرفة لفتت انتباههم، وسرعان ما لونت الدهشة ملامح الجميع، حين أطلت شيرين برأسها من الباب، وهي تلقي التحية، ثم تنظر إلى مروان قائلة باهتمام.
"عامل إيه دلوقتي؟"
تمتم مروان بسخرية.
"آه، هي ابتدت تندع.. تعالي يا شيري يا حبيبتي، أنا الحمد لله بقيت أحسن لما شوفتك."
قال جملته الأخيرة بنبرة أعلى، وعينه تلتقط تلك التي لون الامتعاض ملامحها، فابتهج قلبه كثيرًا، بينما اجتاحت شيرين موجة من الذبذبات المتوترة، التي تفشت في سائر جسدها، حين مرت بذلك الذي غافلته عينه، وحاوطتها باهتمام كبير، تحول لحنق لا يعرف كنهه، حين توجهت تجلس بجانب مروان، وهي تقول بالقرب من أذنه.
"بطل لسانك الطويل ده، واحترم نفسك، البت قاعدة جنبك من امبارح."
مروان بخفوت.
"بس يا بت، أنتِ من معسكر الأعداء، يبقي تخرسي خالص. أنا عارف بعمل إيه؟"
ناظرته بصدمة، سرعان ما تحولت لحزن، بددته كلمات طارق، الذي قال ساخرًا.
"ما تعرفونا بتقولوا إيه؟ ولا إحنا مش قاعدين معاكم؟"
"آه صحيح، انتوا إيه اللي مقعدكوا معانا؟ ما تهوونا شوية؟"
تحدث مروان، موجهًا كلماته للجميع، فنهره سالم قائلًا.
"اسكت أحسنلك."
"ماهو زي القرد أهو، كان لازم تجرجرونا ع المستشفيات وخلاص."
التفت الجميع على صوت همت، التي دخلت إلى منتصف الغرفة، وخلفها أمينة، وبجانبها كلًا من جنة وفرح، التي اشتبكت عينيها مع عينيه المشتاقة، فلبت دعوته على الفور، حين مد يديه لتتقدم وتجلس بجانبه، فحاوط كتفها بحب، لم تفصح عنه شفتاه.
"إيه اللي جاب الولية دي هنا؟"
كان هذا صوت مروان الممتعض، فحاول الجميع كبت ابتسامته، وخاصة أمينة، التي اقتربت تعانقه، وهي تقول بجانب أذنه.
"احترم نفسك واتلم، خليها تعدي على خير."
"أيوة بردو، يعني مش مكفيكم اللي أنا فيه، رايحين جايبنهالي هنا كمان."
هكذا تمتم بخفوت، ثم رفع عينيه لينظر إلى همت بابتسامة مزيفة، تشبه نبرته، حين قال.
"أهلاً يا عمتي، خطوة عزيزة. النجف بيرقص من الفرح عشان جيتي والله.. دا حتى جرحي التهب أول ما شوفتك."
همت بسخرية.
"عقبال لسانك يا قلب عمتك، لما يلتهب هو كمان عشان نرتاح."
تمتم مروان بخفوت.
"حسبي الله ونعم الوكيل في كل ظالم."
أجلس سالم والدته بجانب فرح، وهو يقول بعتب.
"تعبتي نفسك ليه يا ماما؟"
"وهتعب نفسي لاعز من مروان؟"
صاح مروان، يرد على أمينة.
"تعيشي يا مرات عمي يا أصيلة."
تغلب عليه شوقه حين رآها، وتقدم ليحتضنها بحنان، تجلى في نبرته، حين قال بجانب أذنها.
"أعمل فيكِ إيه على عدم سمعانك الكلام ده؟ مش قولتلك خليكِ، وإحنا هنجيبه ونيجي عالبيت."
ناظرته جنة بخجل من أفعاله أمام الجميع، وقالت بخفوت.
"مقدرتش أستنى في البيت لوحدي، قولت أجي معاهم، وبالمرة أطمن عليه."
"أهو زي القرد قدامك أهو."
تحدث سليم بصوت عالٍ، فصاح مروان بحنق.
"هو في إيه؟ انتوا جايين تزوروني ولا تقروا عليا؟"
أجابته فرح بمزاح.
"لا جايين نطمن عليك طبعًا، عندك شك في كدا؟"
مروان بسخرية.
"صدقتك، أنا وأنتِ قاعدة جمب حبيب القلب، ولا حتى قولتيلي سلامتك.. وكل مخططاتنا راحت في الفاضي صح؟"
تدخل سليم، موجهًا حديثه إلى سالم.
"على فكرة، كان بيوقع بينك وبينها طول ما أنت كنت مسافر، وعمال يسخنها عليك."
صاح مروان بإندفاع.
"اتقي الله يا مفتري.. بتحطني قدام القطر، ماشي ليك يوم."
اشتدت يديه المحيطة بها، وهو يشدد على كل حرف يخرج من بين شفتيه.
"محدش يقدر يوقع بيني وبين فرح.. ولا إيه؟"
لحظة تعانقت بها نظراتهم المشتاقة، قبل أن تجيبه بتأكيد.
"أكيد طبعًا."
"ما خلاص بقي. انتوا كلكوا عليه ولا إيه؟ طب والله البيت من غيرك وحش لدرجة أن محدش فينا قدر يقعد وأنت مش فيه، وجينا كلنا على هنا."
هكذا تحدثت جنة، فتمتم سليم حانقًا.
"الصبر من عندك يارب."
انطلقت الضحكات وسط مزاح مروان ومشاكسته للجميع. ولدهشتها، وجدت نفسها مستمتعة لجو العائلة الدافئ المحيط بهم. ولكن بدد الجو حولها اهتزاز هاتفها. فنظرت للمتصل، وهوى قلبها رعبًا. فحاولت تجاهله، ليعيد الهاتف اهتزازه، فتوجهت للخارج للإجابة على هذا الاتصال الملح، ظنًا منها أن لا أحد يلاحظ غيابها. ولكنها كانت مخطئة، فقد كانت عينه تلتقط كل همسة تصدر منها بلا وعي منه. ولم يستطع مقاومة فضوله حين رآها تخرج، فما هي إلا لحظات حتى قادته قدماه خلفها، ليجدها تتحدث إلى الهاتف وهي تقول بحنق.
"اللي حصل قولتهولك.. وأنا كنت هعمل إيه يعني؟ حتى دا كمان ليا فيه؟"
بدأ أنها تستمع إلى الطرف الآخر بحنق، تجلى في نبرتها حين قالت.
"أعتقد أن دي مش مشكلتي، ومش هتدخل تاني في حاجة زي دي.. كفاية اللي حصل قبل كدا."
أنهت جملتها، وقامت بإغلاق الهاتف، والتفتت لتنفلت منها شهقة خافتة، حين رأته يقف بطلته الخاطفة، واضعًا يديه في جيوب بنطاله، يناظرها بجمود، خالط لهجته حين قال.
"بتكلمي مين؟"
تجاهلت شيئًا مزعجًا يجذبها إليه، وقالت بجفاء.
"ميخصكش."
"مين قالك كدا؟ دا يخصني، وأوي كمان."
استفهم بفظاظة، فخرجت منها ضحكة مستنكرة، حين قالت.
"ده بأمارة إيه؟"
جاءت نبرته فظة دون أن يقصد، حين أجابها.
"بأمارة أنك اتطلقتي، وبقيتي من ضمن مسئولياتي!"
"مسئولياتي؟"
استفهمت باستنكار، متجاهلة تلك الضربات المتلاحقة بصدرها. فصحح كلماته قائلًا.
"أقصد مسئولياتنا!"
زفرت بحنق، تجلى في نبرتها حين قالت.
"أنا مش لسه طفلة صغيرة ولا مسئولية حد.. أنا مسئولة من نفسي، وياريت تبعد عني أحسنلك."
"وإلا؟"
نبرته كان يشوبها تحدٍ، أربكها. فقالت بتوتر.
"تقصد إيه؟"
طارق بفظاظة.
"كملي الجملة.. ابعد عنك أحسنلي، وإلا؟"
لم تجد ما تقوله، فقالت بنفاذ صبر.
"معنديش رد.. وماليش خلق للأفلام بتاعتك دي.. أنا ماشية."
أوقفتها يداه، التي قبضت على رسغها بقوة، شابهت نبرته حين قال.
"بما أنك معندكيش رد.. يبقي تسمعي المفيد."
سخرت قائلة.
"اللي هو؟"
تجاهل سخريتها، وقال مشددًا على حروفه.
"أنا واخد بالي منك أوي.. وبالمناسبة، أنتِ مش عجباني.. فخلي بالك من كل حاجة بتعمليها، عشان هحاسبك عليها.. ومن هنا ورايح، كل حرف وكل خطوة محسوبة عليكِ.. حطي كلامي ده حلقة في ودنك."
دق قلبها بقوة، لم تختبرها مسبقًا، وزحفت دماءها المحتقنة إلى خديها. فحاولت السيطرة على مشاعر غريبة اجتاحتها، حين لجأت إلى استفزازه، قائلة.
"وإلا؟"
نجحت في مسعاها، فشدد من قبضته ليؤلمها، قبل أن يقول بفظاظة.
"هكسر دماغك."
"بأي حق؟"
سؤالًا لا يعرف إجابته، ولا يحاول البحث عنها. لذا لجأ إلى المراوغة، حين قال.
"لو كنتِ ناسيه، أنتِ بنت الوزان، وده كفيل يديني ألف حق، إنك لما تتعوجي أعدلك."
سحبت يدها بعنف من يديه، وقالت غاضبة.
"أوعى تفكر تلمسني تاني.. ولا اسم الوزان بيديلك الحق تقل أدبك كمان؟"
للحظة، استرجع مذاق قبلتها، فسرت قشعريرة لذيذة بجسده، ولا إراديًا توجهت عينه إلى شفتيها، لتعبر قشعريرته إلى جسدها هي الأخرى، ودون وعي، تراجعت للخلف. فلونت ملامحه ابتسامة خافتة، قبل أن يقول بخشونة.
"كانت غلطة.. بس مندمتش ولا هندم عليها أبدًا."
لا تعرف ما عليها أن تفعله، فقد ضرب ثباتها في مقتل، ولعب على نقاط ضعفها ببراعة. لذا لم تجد مفرًا أمامها من الهرب، فتجاوزته وهرولت إلى الخارج، تنوي الابتعاد عنه قدر الإمكان.
"سالم، أنا جهزت عقود الصفقة، فاضل بس تشوفها وتقول لو عندك أي تعديل."
هكذا تحدث سليم، موجهًا حديثه إلى سالم، الذي قال بامتنان.
"عملت فيا خير.. لما أروح، هبقى أراجع عليها، وجهز نفسك عشان أنت اللي هتتولى إدارة المجموعة الفترة الجاية دي."
خرج استفهامها رغمًا عنها.
"ليه؟ وأنت هتكون فين؟"
نظر سالم إليها بطمأنة، قبل أن يقول بغموض.
"لما نروح هنتكلم."
أزداد توترها ما أن سمعت حديثهم، فقد جاء وقت التنفيذ، لذا تجاهلت ارتباكها، وقالت.
"عايزة أتكلم معاك يا سالم.. لوحدنا!"
التفت سالم إلى همت، إثر حديثها الذي أثار استفهام الجميع، فقال بفظاظة، قاطعًا أي مجال للحديث الجانبي.
"تعالي معايا."
خرج سالم برفقة همت، فتمتمت فرح بقلق.
"يا ترى عايزها في إيه؟"
أجابتها أمينة بنبرة مختنقة.
"أياً كان اللي عايزاه فيه، فهو مش خير."
لون الحزن معالمها، فتألم لرؤيتها هكذا، واستغل انشغال الجميع، فيما امتدت يديه تجذب انتباهها، وحين التفتت إليه، اقترب منها قائلًا بخفوت.
"بحبك."
برقت عينيها وهي تناظره، وانفلت اسمه من بين شفتيها دون وعي.
"مروان."
احتضنتها عينيه بحب، لا تعرف كيف غفلت عنه سابقًا، وانسابت الكلمات من بين شفتيه.
"عارف أنه مش وقته، بس أنا فعلًا بحبك.. عارف أني اتأخرت عشان أقولهالك، بس قلبي كان محتاج يطمن الأول."
خرجت الكلمات همسًا من بين شفتيها، حين قالت.
"وقلبك اطمن؟"
غازلتها عينيه، حين قال بهمس.
"لسه محتاج شوية إقناع."
اخفضت بصرها خجلًا، فتابع بخفوت.
"مش هتقنعيه طيب؟"
"تقنعك بإيه؟"
صدح صوت سليم خلفهم، مما جعل سما تنتفض إلى الخلف، وهي تنظر في كل الاتجاهات من فرط الخجل، بينما سب مروان بخفوت، قبل أن يلتفت قائلًا بحنق.
"وأنت مالك.. رامي ودنك معانا ليه؟"
سليم باستفزاز.
"أصلك غالي عليا، وفيه دين في رقبتي لازم يتسدد."
لكزته جنة في كتفه، قائلة بتقريع.
"بطل ترخم عليه بقي!"
أقترب من أذنيها، قائلًا بهمس.
"هاتي بوسة، وأنا أبطل."
غمرها الخجل، وروى خديها، فنبت الزهر فوقهما. فبللت حلقها الذي جف من كلماته، فقالت بخفوت.
"سليم، متستهبلش!"
غمرتها عينيه العاشقة، وشدد من احتضانه لكتفها، قبل أن يقول بغزل.
"سليم هيعمل إيه بس، ما أنتِ اللي حلوة وزي القمر.. حد قالك تبقي حلو كدا؟"
نهرته قائلة.
"بطل بقي، الناس حوالينا."
استغل كلماته ليقول بلهفة.
"يعني المشكلة في الناس.. طب يالا بينا."
أمسك يديها، وهب واقفًا، وهو يقول بعجالة.
"هاخد جنة وأروح عشان ترتاح.. هتيجي معانا يا ماما؟"
أمينة بسعادة من رؤيتهما.
"لا يا حبيبي، أنا هرجع مع السواق.. روحوا انتوا."
التفتت جنة، ناظرة إلى مروان بخبث، تجلى في نبرتها، حين قالت.
"كان نفسنا نقعد معاك أكتر من كدا، بس لازم نسيبك ترتاح.. ارتاح بقي وريح هاه!"
هب مروان مغتاظًا.
"بالسلامة، أنستونا ونورتونا.. اتكلوا على الله يالا.. يا بخت مين زار وخفف."
***
هل يمكن لقلب اعتاد القلق ألا يكن ممتنًا لمن رواه الطمأنينة بكفوف صُنعت من حب؟
طافت عينه العاشقة على ملامحها الهادئة، التي رواها الحب، فزادها بهاء. فوقع في عشقها للمرة التي لا يعرف عددها. فكل ما بها يجذبه كالمغناطيس. فقد كان يظن بأن النظر إليها مسرة، إلى أن خطى بقلبه إلى جنتها في الليلة الماضية. فقد تذوق معها النعيم، وعرف الهناء الطريق إلى قلبه، الذي هجره النعاس خشية أن يكون قربها حلمًا ساحرًا يتبدد بآخر حين يغلق جفونه.
"حلا…"
صدح صوته المشتاق، ليحثها على الاستيقاظ. فقد طغى شوقه وفاض به القلب. فتململت بنعومة، سلبت أنفاسه. فتابع بصوت أجش.
"اصحي بقي.. وحشتيني!"
اخترقت جملته قلبها، الذي اهتز حين طافت يديه بحرية تلامسها. فتدفقت الدماء بقوة إلى سائر جسدها، قبل أن ترفرف برموشها، ليأثره ذلك الشعاع الأخضر، الذي يطل من عينيها. فاقترب، واضعًا قبلات متفرقة فوقهما، قبل أن يقول بلهجة مبحوحة.
"وحشوني…"
أخجلتها كلماته وأفعاله، فقالت بخفوت.
"لحقوا؟"
ياسين بخشونة.
"لحقوا! دانا شوية وهحسد النوم اللي خدك مني."
حلا بإندهاش.
"أنت منمتش؟"
"لا؟"
"ليه؟ أنت كدا هتتعب.. اليوم طويل."
راقت له لهفتها، فعانق شفتيها بخاصته، قبل أن يرفع رأسه قائلًا بخفوت.
"مش مهم.. المهم إنك موجودة معايا، وده في حد ذاته راحة."
نقشت كلماته حروفها فوق جدران قلبها، الذي تقاذفت دقاته، فاهتزت نبرتها حين قالت.
"قد كدا بتحبني؟"
"بحبك أكتر من أي حاجة في الدنيا."
ارتج قلبها بعنف جراء كلماته الرائعة، والتي لم ترتوي منها أبدًا. فقالت بدلال.
"قولها تاني؟"
دلالها كان أكثر ما يمكن احتماله، فتبدد اخضرار عينيه، وازداد قتامة، وقال بأنفاس محمومة.
"أنا بقول كفاية كلام بقي.. فيه حاجات تانية أهم."
حلا بدلال.
"اللي هي؟"
"إنك وحشتيني."
حوت كلماته شغفًا قاتلًا، أتقن سكبه فوق تقاسيم وجهها، قبل أن يجرفها تيار عشقه إلى عالم ساحر، يقتصر على كليهما فقط.. عالم لم تستطع حكايات العشق أن تسطره أو تصل إليه. كان بارعًا في سلبها أنفاسها واللعب على ثباتها، الذي طار أدراج الرياح. فأي ثبات أمام رجل مثله! يعرف جيدًا كيف يجعلها تصل إلى قمة السعادة. تتقلب بين يديه على جمرات الشوق ولهيب الهوى. يعزف على أوتار قلبها بلمساته، التي تارة قوية شغوفة، وأخرى حانية مراعية. يقودها إلى الجنون، الذي تعزفه أناتها العاشقة. فيتجدد شوقه مرة أخرى، ويتعاظم الشغف بداخله، فيبثها إياه بكل ما أوتي من عشق لا ينضب أبدًا. فقد عرف الطمأنينة بجانبها، فهي الشخص الوحيد الذي احتوى جراحه وتخبطاته، وامتص جميع أوجاعه.
***
أخيرًا وصلا إلى غرفتهما. فقد ظن بأن ذلك اليوم لن ينتهي أبدًا. فقام بإغلاق الباب، مستندًا بكامل ثقله عليه، وهو يقول بتعب.
"مش مصدق أني وصلت لأوضتنا أخيرًا."
لامست تعبه الواضح، فقالت بحنو.
"معلش، عدت الحمد لله.. أدخل خد شاور على ما أجهزلك حاجة سريعة تاكلها، ونام لك شوية."
تأرجحت ابتسامة ساخرة على شفتيه، فأبرزت بعمق غمازتيه الرائعتين. واقترب منها بخطوات هادئة، تنافي قوة ذراعيه، وهي تحيط بخصرها، ليقربها منه، مستنشقًا أنفاسها العذبة، قبل أن يقول بخشونة.
"نوم إيه بس؟ دا إحنا يدوب هنقول كلمتين وهنزل، ورايا شغل كتير."
ناظرته بإستفهام، وشاب القلق نبرتها، حين قالت.
"فيه إيه يا سليم؟ قلبي واجعني أوي، وحاسة إن فيه حاجة كبيرة حاصلة، وإن موضوع مروان ده وراه مصيبة كبيرة.. ومين البنت دي؟"
قاطع حديثها اشتداد حصاره عليها أكثر، وهو يقول بخفوت.
"سلامة قلبك من الوجع.. متخليش دماغك الحلوة دي تفكر في حاجات وحشة.. وإن شاء الله كل اللي جاي خير."
قرب رأسه منها ليروي ظمأه، فإذا بهاتفه يرن. فحبس أنفاسه الغاضبة، وأسند جبينه على خصرتها، وهو يتمتم.
"حتى الكلمتين مش لاحق أقولهم."
لون الخجل ملامحها، واخفضت رأسها، فزينه بقبلة قوية، قبل أن يبتعد قائلًا بغضب، مخاطبًا هذا المتصل، الذي يعلم هويته جيدًا.
"خلاص يا سالم، هتوضى وأصلي.. ارحمني من العيلة دي يارب."
توقف إثر سماعه ضحكتها، والتفت مغازلًا.
"طب بزمتك حد يسيب الضحكة القمر دي، ويروح للأشكال الغلط دي؟"
اختلطت ضحكاتهم، وخرج سليم من الحمام، فتوجهت إليه قائلة بنبرة يشوبها الحرج.
"سليم…"
"لا سليم إيه؟ أنا متوضي يا بنتي."
اندهشت من كلماته، وصاحت مستفهمة.
"طب فين المشكلة؟ وأنا كنت عملت إيه؟"
سليم مغازلًا.
"كلك على بعضك مشكلة."
راق له خجلها، فتابع يشاكسها.
"طب يعني لما تقوليلي سليم الحلوة دي، مفروض اسكت مثلًا! حد قالك إني مابحسش ولا حاجة؟"
ارتدت قناع الجدية، وهي تقول.
"والله لو ما بطلت، ما هقولك عايزة إيه؟"
"لا وعلى إيه.. أؤمر يا قمر."
خرجت الكلمات من بين شفتيها بتمني، راق له كثيرًا.
"أنا نفسي نصلي جماعة مع بعض."
تعابيرها الطفولية، وطريقتها اللطيفة في الحديث، إضافة إلى طلبها، الذي أسعده بشدة. كل تلك الأشياء لها وقع السحر على قلبه، الذي يود لو يختطفها من العالم أجمع.
"انجلي يا جنة، روحي اتوضي."
قهقهت على لهجته، وتقاسيمه، التي لونها القهر، واتجهت إلى الحمام، توضأت، وخرجت، لتجده ينتظرها. وسرعان ما ارتدت جلباب الصلاة، وتوجهت لتقف خلفه. وما هي إلا ثوانٍ، حتى أقام الصلاة، ركعة تلو الأخرى، وسجدة تليها سجدة، ودعائها الذي لا يفارقها.
"سبحان الذي رزقني هذا من غير حول لي ولا قوة. يا مديم النعم، أدمه لي في حياتي، وأصلحني به، وأصلحه بي.. وهبنا ذرية صالحة، واحفظ لي ابني واجعله قرة عين لي وله، وأعنا على تربيته، واجعله ذرية صالحة لنا، واعفو عن أباه واغفر له، إنك أنت العفو الغفور."
لا تعلم لما كانت تدعو له، ولكنه، وبالرغم من كل سيئاته، فهو السبب لكل شيء جيد حدث لها، بداية من محمود، طفلها الحبيب، إلى سليم، رفيق الروح ووتين القلب.
أنهى سليم الصلاة، والتفت ناظرًا إليها، وقام بمد يده لها، فناولته يدها، لتتفاجأ به، وهو يقوم بختام الصلاة على أناملها، مرددًا.
"سبحان الله - الحمد لله - الله أكبر - لا إله إلا الله وحده لا شريك له.. له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير."
انبثقت العبرات من مقلتيها تأثرًا، حين أردف بخشونة.
"عايز نكون سوا في الجنة.. عايزك مراتي دنيا وآخرة."
أفصحت عينيها عن عشق جارف، وترجمته شفتيها، حين قالت بتأثر.
"أنا مكنتش أتخيل أن عوض ربنا ليا هيكون كبير أوي كدا."
سليم بحنو.
"عايزك تعرفي حاجة مهمة أوي يا جنة.. ربنا لما بيبتلي حد، بيبقى بيحبه، ولما بينزل البلاء، بيكون على قدر طاقة الإنسان. لقوله تعالي (لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها)."
تعلقت عينيها بحديثه المريح للنفس، فتابع بخشونة.
"ولما الإنسان يصبر، يقوم يشتد الكرب أوي، عشان ربنا بيختبر مدى قوة إيمان الإنسان فينا، ومدى تحمله، مع العلم أنه الكرب ده ممكن يكون باب خير كبير، بس إحنا منعرفش. ربنا قال (عسى أن تكرهوا شيئًا وهو خير لكم). وشوفتي هو ابتَلانا، بس بيطمنا في الآية اللي بتقول (واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا). تخيلي ربنا بعظمته بيقولك أنتِ في عنيه."
ترقرق العبرات في مقلتيها تأثرًا، فأضاف بحنو.
"وفي عز ما إحنا موجوعين وصابرين على الابتلاء، تقوم تنزل رحمة ربنا وتلطف بينا (إن مع العسر يسر). اوعي تفقدى إيمانك بربنا مهما حصل.. ربنا عوضه عظيم فوق ما تتخيلي.. سلمي أمورك ليه، ودايمًا قولي افوض أمري لله، والله بصير بالعباد. ده بقي راحة ما بعدها راحة."
كانت تناظره بعينين مشدوهتين بما تسمعه. فهذا الرجل تجاوز كل تخيلاتها بمدى روعته، فقد كانت كلماته تصف كل ما تعرضت له، وقد كان هو عوض الله الذي وعد بها بعد طول الصبر والألم.
لم تمنع نفسها وهي تستكين بين أحضانه، واضعة رأسها فوق موضع نبضه، الذي يخفق بقوة تأثرًا بقربها. وقام بوضع قبلة دافئة على مقدمة رأسها، حين سمعها تقول.
"الحمد لله على أنك موجود في حياتي.. أنا كنت طول عمري بصلي وبقرأ قرآن، بس بعد كلامك ده حسيت إني فايتني كتير أوي.. أنا محتاجة أعيد حساباتي من تاني وأقرب من ربنا بقلبي أكتر."
اشتد حصاره لها، وهو يقول بحنو.
"أول حاجة تبتدئي بيها، أنك دايمًا تحمدي ربنا على كل حاجة، عشان ربنا يباركلك فيها. ربنا قال (ولئن شكرتم لأزيدنكم)."
همست بخفوت.
"الحمد لله."
تابع بلهجة دافئة.
"واوعي تألفي النعم، فتشوفيها عادية، ولا تسلمي للشيطان، لما يقعد يشوهلك كل النعم اللي حواليك.. فيه ناس كتير تتمنى تعيش نص حياتنا دي."
التفتت تناظره، بحلا عينيها، التي توهجت فأضاءت وجهها الفاتن، وهمست بعذوبة.
"مش أنت وعدتني أننا هنحفظ قرآن سوي؟"
سليم بحب.
"وعدتك وهنفذ في أقرب وقت إن شاء الله."
عادت إلى أحضانه، وهي تهمس بحب.
"ربنا ما يحرمني منك أبدًا."
قاطع لحظاتهم الجميلة رنين الهاتف، فاستغفر سليم في سره، وانتزع نفسه منها على مضض، ليجيب. فجأة صوت سالم الصارم.
"دقيقة وألاقيك قدامي."
"طيب."
أغلق الهاتف، والتفت قائلًا بمزاح.
"ربنا عالظالم.. قولي لفرح، سليم بيقولك أنتِ مش مسيطرة خالص.. وشكلك وحش جدًا."
***
نزلت خطوات الدرج متوجهة إلى المطبخ لمتابعة الأعمال هناك، فتفاجئت جنة، التي نادتها.
"فروحة."
"قلب فروحة."
حاوطت جنة خصرها، كما اعتادت أن تفعل في السابق، وبادلتها فرح باحتضان كتفيها. فإذا بـ جنة تقول بمزاح.
"سليم باعتلك رسالة، ومحلفني أوصلهالك."
"خير.. العاشق الولهان باعتلي إيه؟"
جنة بمرح.
"بيقولك أنتِ مش مسيطرة.. وشكلك وحش."
انكمشت ملامح فرح بصدمة، فأردفت جنة باندفاع.
"والله سليم اللي قالي أقولك كدا."
"وأنتِ أي حاجة سليم يقولها، تيجي تقوليها كدا عادي؟"
لم تكد تجيبها، حتى سمعت صوتًا حادًا من خلفهم، فالتفتت الاثنتان، تناظران سالم، الآتي من غرفة مكتبه. فناظرته فرح بحنق لم تخفيه، وعلى عكسها، ارتعبت جنة من رؤيته، وقالت بإرتباك.
"والله يا سالم بيه.. ما كنت أقصد، أنا.."
سالم بحدة مزيفة.
"إيه؟ سالم بيه!! غلطاتك كترت يا جنة.. أنا مش هعاقبك.. هعاقبه هو."
"لا بالله عليك، بلاش هو.. ده طيب والله."
هكذا تحدثت جنة بإندفاع. فواصل سالم مزاحه، قائلًا.
"هو اللي طيب، ولا أنتِ اللي هبلة؟"
ابتسمت جنة، وقالت متصنعة الصدمة.
"أنا هبلة؟"
تدخلت فرح بمرارة.
"مش لوحدك يا حبيبتي.. إحنا الاتنين أهبل من بعض."
كانت تناظره بحنق لم تخفيه، فقابل حنقها بابتسامة مستفزة، فقد كانت تروقه بكل تعبيراتها، وخاصة الغاضب منها. لذا استغل هروب جنة، واقترب منها قائلًا بخشونة.
"متقوليش على نفسك كدا. فيه حد أهبل وحلو بالشكل ده؟"
سخرت بمرارة.
"تخيل!"
واصل استفزازه، قائلًا.
"أوعي تقولي إنك زعلانة من كلام سليم."
"وأزعل ليه، إذا كان بيقول الحقيقة؟"
لم يكن لا المكان ولا الزمان يسمحان له بأن يريها كم تؤثر به، ومدى سيطرتها على قلبه. لذا اقترب خطوة، وتحدث بلهجته الخشنة المثيرة.
"بقي أنتِ مش مسيطرة؟ أومال مين اللي واخد قلبي لحسابه؟"
لا تنكر أن كلماته أثرت بها كثيرًا، ولكنها لم ترد الاستسلام أمامه، لذا قالت بتهكم.
"لما تبقي تعرف، ابقي قولي."
أجابها بنفاذ صبر.
"فرح!!"
"عن إذنك…"
هرولت للأعلى، لا تعلم لما شعرت برغبة قوية في البكاء، ولم ترد لأحد أن يراها وهي تبكي، لذا قصدت غرفتها، وتحديدًا غرفة الملابس، التي أغلقتها بالمفتاح من الداخل، وهوت على السرير، لتنخرط في نوبة بكاء عنيفة.
***
دلف الثلاثة إلى المكتب، فصاح مروان باعتراض.
"بقي يا ربي تاخدوني من الدار للنار على طول كدا؟"
تجاهله سالم، وناظر سليم بحدة، تجلت في نبرته، حين قال.
"من بكرة هتنزل القاهرة، فيه شغل كتير متعطل لحد ما أخلص من موضوع الانتخابات ده."
سليم باختصار.
"تمام. طمني، عملت إيه مع الراجل المجنون ده؟"
سالم بفظاظة.
"هييجي هو وعيلته يعيشوا هنا في المزرعة."
أنهى كلماته، ثم توجهت أنظاره إلى مروان، وهو يقول بأمر.
"تشوفله شغل كويس وسكن يكون جنب شغله."
برقت عينا كلًا من مروان وسليم، الذي قال بصدمة.
"سالم، أنت عايز تجيب الراجل اللي كان عايز يموت ابن عمك يعيش هنا هو وعيلته؟"
تدخل مروان ساخرًا.
"أيوا، أصله معرفش ينشن المرة اللي فاتت صح، وجابها في كتفي. نديله فرصة المرة الجاية، يمكن تظبط معاه ويجيبها في قلبي."
تجاهل سالم سخريته، وقال بغموض.
"الراجل ده ضحية.. واللي ظلمه لازم يتعاقب."
مروان بسخط.
"اللي تشوفه.. اومال طارق فين؟"
سالم باختصار.
"في مشوار، وعالأغلب مش هيرجع في خلال يومين."
سليم باستفهام.
"مشوار إيه؟"
سالم بنفاذ صبر.
"سيبك من طارق، وخلينا في المهم."
سليم بسخط.
"وهو إيه المهم؟"
سالم باختصار.
"عمتك عايزة حقها.. وأربع أضعاف تمن الأرض بتاعتها."
خرجت صيحات الاستنكار من كلًا من سليم ومروان، الذي قال.
"أنا قولت الولية دي اتهطلت، محدش صدقني.. يا جدعان خطبوها ولا جوزوها، ولا شوفولها أي حاجة تتلهي فيها عننا. دي حالفة لا تشل العيلة كلها."
سليم بتهكم.
"أول مرة تقول حاجة صح في حياتك."
قاطع حديثهم، طرق الخادمة على باب الغرفة، تعلن عن وقت الطعام، فتحدث سالم آمرًا.
"طلعي العشاء بتاعي على أوضتي.. وانتوا يالا روحوا اتعشوا."
انصرف الجميع، فتوجه إلى الأعلى بخطٍ يحمل اللهفة. فقد مرت ساعتان منذ أن تركته، وصعدت للأعلى، وقد قرر إنهاء ذلك الخصام اللعين ومراضاتها. فقد انشغل عنها كثيرًا، ومن المؤكد أن كل ما تمر به جراء شوقها إليه، فهو مثلها يرغب في تحطيم كل تلك الأشياء التي تبعده عنها.
خطي إلى داخل الغرفة، فوجدها خالية، فاعترته الدهشة. فتوجه إلى الحمام يبحث عنها، فوجده خاليًا. فلونت وجهه ابتسامة لم تصل إلى عينيه، وهو يعيد خطواته إلى غرفة الملابس، وقد تعاظم الغضب بداخله، حين لمح نورها المنبعث من أسفل الباب. فقام بالطرق عليه بقوة، فلم يأتيه رد. وما أن هم بالطرق مجددًا، حتى سمع صوت أنغام آتية من الداخل، تلاها صوت فايزة أحمد، وهي تشدو معاتبة.
"بتسأل ليه عليا وتقول وحشاك عينيا؟ من امتا انتا حبيبي وداري باللي بيا. ياللي بتسأل عليا ملكش دعوة بيا… ياللي بتسأل عليا.. ملكش دعوة بيا.. بتسأل ليه ليه ليه بتسأل ليه عليا؟"
دهشة عارمة تملكتـه، حين سمع كلمات الأغنية، فقد شعر في تلك اللحظة بأن تلك المرأة تنوي إصابته بجلطة دماغية.
"هي حصلت يا فرح؟ مشغلالي فايزة أحمد؟"
تابع الطرق بصورة أقوى على الباب، وهو يزمجر غاضبًا.
"افتحي الباب يا فرح، بلاش شغل عيال."
شهقت مغتاظة منه، وتمتمت بحنق.
"شغل عيال! أنا بعمل شغل عيال.. وبيزعق كمان! طب والله ما أنا فاتحة.. مش فاتحة يا سالم، ومش عايزة أتكلم معاك."
علا صوتها، حتى وصل مسامعه، حين قالت جملتها الأخيرة. فانكمشت ملامحه بغضب قاتم، وبلحظة قام بضرب الباب بكتفه، لينفتح على مصرعيه. فهبت من مخدعها بصدمة، حين رأته يتوسط الغرفة، ويناظرها بعينين يتطاير منها الشرر، وهو يعض على شفتيه السفلية بوعيد. فحاولت تمالك نفسها، واستجمعت شجاعتها، قائلة بوقاحة.
"اخرج بره."
تجاوزت حدود المسموح بالنسبة إليه، فبرقت عينيه بدرجة أرعبتها، وبرزت عروق رقبته، وتجعدت ملامحه، قبل أن يزمجر بوحشية، وهو يقترب منها، ممسكًا برسغها، يهزها بقوة.
"أنا ميتقاليش أخرج بره.. فاهمه ولا لأ؟"
شهقة خافتة شقت جوفها جزعًا، فلأول مرة تراه غاضبًا بتلك الدرجة، فتقاذفت العبرات من مقلتيها، وشعرت بثورة عارمة في معدتها، فوضعت يدها فوق فمها، وانتزعت يدها الأخرى من بين يديه، وهي تهرول إلى الحمام، تفرغ ما في جوفها. فتابعها بخطوات قلقة، فوجدها تجثو على ركبتيها بتعب، فهوى بجانبها، يحتضنها بخوف، تجلى في نبرته، حين قالت.
"فيه إيه يا فرح؟"
لم تجبه، إنما أرسلت عينيها سهام العتب، الذي نال منه، فشعر بتأنيب الضمير تجاهها، وقام بحملها، متوجهًا إلى المرحاض، وفتح المياه، وأخذ يبلل وجهها بلطف. والتقط المنشفة، وجفف وجهها بحنو، ثم قام بحملها ليضعها على السرير، وهو يتوجه إلى الباب، ينادي بغضب.
"سليم…"
أطل سليم برأسه من الأسفل، فهدر سالم بأمر.
"اطلبلي دكتور بسرعة."
تنهي كلماته، وأغلق الباب خلفه، والتفت يناظرها، فقالت بخفوت.
"الموضوع مش مستاهل كل ده، ممكن شوية برد ويروحوا لحالهم."
أجابها بفظاظة.
"مش مهم بالنسبالك، لكن مهم بالنسبالي."
تمتمت بخفوت.
"ماهو واضح."
"فرح، أنا ماسك نفسي عنك بالعافية."
هكذا تحدث بحنق، فأجابته بانفعال.
"أنت اللي ماسك نفسك صح؟ أنت اللي بتدور عليا ومش لاقيني صح؟"
اقترب منها قائلًا بعتب.
"وهو ده بمزاجي؟ ولا أنا مبسوط وأنا بعيد عنك؟"
خرجت كلماتها متألمة، حين قالت بانهيار.
"طب شاركني، عرفني فيه إيه.. أنا معرفش حاجة ومش لاقياك، وحاسة إني مش طايقة نفسي ولا طايقة حد."
رق قلبه لحالها، فاقترب يحتويها داخل أحضانه، قائلًا بحنو.
"عندك حق.. بس صدقيني، أنا معنديش وقت أتنفس."
صاحت معترضة.
"مليش دعوة، عايزة وقت ليا لوحدي."
من ذا الذي يجد كل هذا الحب بعيون تشبه خاصتها، ولا يذوب!
"كل ده عشان وحشتك؟"
أومأت برأسها دون حديث. فزين جبهتها بقبلة اعتذار، لم تتجاوز حدود شفتيه. فحاوطت خصره بذراعيها، وقالت بخفوت.
"أنا حاسة إنك شايل حمل كبير أوي يا سالم. شاركني أرجوك، مش أنا مراتك حبيبتك؟"
"أنتِ روحي يا فرح."
اخترقت كلماته أعماق قلبها، ودكت جميع حصونها، فوجدت نفسها تحوي وجهه بين يديها، وهي تقول بخفوت.
"طب إيه بقى؟"
امتدت يديه تجلسها بين أحضانه، وقال بجفاء ونبرة تقطر حزنًا.
"مروان بيتجسس علينا لحساب ناجي."
***
حين يسكن اليأس في قلوبنا، فأنه ينهيها ببطء، يتغذى على دماء الروح، التي انشطر عنها أحد شقيها، فتناثرت دماءها قهرًا، لا يحكى ولا يُشكى، فقط يبكي!
لا يعلم إلى أين عليه الذهاب، فقد تقصى عنه في كل أرجاء البلد، لعله يجد طرف خيط يوصله لها، ولكن دون جدوى.
حتى أنه كان يسأل الناس من حوله، كما لو أنها طفلة صغيرة تاهت عن والدها. يشعر وكأن القدر يعاقبه على ظلمه لها وتجبره عليها. ولكن عقله اللعين كان جاهلًا بتلك المشاعر العميقة، التي جرفته نحوها. وحين فطن إلى مدى تعلقه بها، اختطفها منه بمنتهى القسوة، ليتركه بين براثن العذاب، الذي ينهش بصدره، حتى كاد أن يدميه.
أخذ يمشي ويمشي، دون أن يستطيع الاستقرار على وجهة آمنة، تحتضن خوفه، أو يد حانية تربت على جزع قلبه.
فجأة، وجد نفسه بالمقابر، تحديدًا أمام قبر والدته، التي غادرتـه هي ووالده، وهو طفل صغير، لم يكد يتجاوز الثالثة من عمره. طفل صغير بائس، يشعر بالشفقة عليه كل من حوله. لن يدركوا مقدار احتياجه للحنان والاحتواء. أن يمرر أحدهم يده فوق خصلاته ويخبره بأن كل شيء سيكون بخير. لم يعرف معنى الدفء يومًا، فقد رباه جده، الذي بذلك الوقت كان مثالًا للقوة والجبروت. فأخذ يبثه طباعه الحادة وقسوته اللا متناهية، ظانًا منه أن هذا يجعله رجلًا. ولكن حتى أعتى الرجال يحتاج، ولو لمرة واحدة في هذه الحياة، أن يلقي برأسه على صدر أحد يخبره بأن كل شيء سيكون على ما يرام.
"جوليلي، أعمل إيه يا أمه؟ جلبي واجعني جوي. حاسس بروحي بتروح. واني عاجز."
تدفقت العبرات من مقلتيه، تحفر وديان الألم فوق خديه. وقد خلع عباءة الكبرياء جانبًا، وأطلق العنان لضعفه أن يظهر على السطح. فلم يعد في الروح متسع، ولم يعد الجسد يتحمل أكثر من هذا. فالألم فاق حدود المعقول.
"نفسي أصرخ وأقول آه.. بس عارف إن محدش هيسمعني. جيتلك يمكن تسمعيني أنتِ. جوليلي ياما، أعمل إيه عشان أرجعها تاني؟"
تعالت شهقاته، التي تتنافى مع هيبته وضخامة جسده، الذي سقط على الأرض، لا حول له ولا قوة. وتابع بنبرة منكسرة.
"إني عارف إنك كنتِ قاسية عليها جوي. بس إني اتربيت عالقسوة. معرفش غيرها. لو ده عقاب من ربنا، إني راضي أتحرم منها، بس ترجع سالمة. جلبي بيحترق كل ما أتخيل إن حد ممكن يأذيها."
خرجت منه آه مشتعلة، قبل أن يتابع بقهر.
"هتجنن ياما.. عقلي هيشت مني. جلبت البلد حتة حتة، ملهاش أي أثر. نفسي أعرف مين اللي خطفها؟ مين اللي مد يده ونزع جلبي من بين ضلوعي وخباه مني؟"
تعالت أصوات بكائه، وهو ينظر للسماء، قائلًا بتضرع.
"أروح لمين بس يارب؟ يارب ماليش غيرك، دلني عالصح."
مرت الساعات مؤلمة، وكان عقاربها تلدغه، فصار يبكي دمًا، حتى هدأت ثورته قليلًا. وفجأة، طرأت على باله فكرة، لا يعرف كيف غابت عن عقله، وشرع على الفور بتنفيذها. فقاد سيارته بجنون، يتسابق مع الزمن. فكل دقيقة تمر بها وهي بعيدة عنه، لا يعرف مكانها أو مع من، تزيد من جنونه أكثر.
أخيرًا وصل إلى وجهته. فصف سيارته أمام ذلك المنزل الكبير، وهرول إلى الباب، يدقه بعنف. ففتح له الغفير، ليتجاوزه إلى الداخل، وهو يصيح.
"صفوت بيه.. يا صفوت بيه."
"إيه يا أخينا انت؟ البيه مش موجود."
سب عمار في سره، وهو يقول للغفير بحنق.
"وهيجي إمتى؟"
"معرفش."
"طب إني هستناه."
أدخله الغفير إلى المنزل، وأجلسه بغرفة الاستقبال. فقام بإخراج سلسالها الجميل، الذكرى الوحيدة الباقية منها. فأخذ يناظره باعتذار صامت. وما هي إلا دقائق، حتى أتى صفوت. فقام عمار بوضع السلسال في جيبه، وهب لملاقاته. فوجده يقول باندهاش.
"عمار.. فيه إيه؟ حلا حصلها حاجة؟"
عمار بنفي.
"لأ، متقلقش، حلا كويسة.. إني عايزك في موضوع يخصني أنا."
"موضوع إيه؟"
عمار بقلب محترق.
"فيه حد يعز عليا جوي. بدور عليه ومش عارف أوصله."
صفوت بعدم فهم.
"لا، أنا مش فاهم. اقعد كدا وفهمني تقصد إيه؟"
قص عليه عمار ما حدث، وأنهى كلماته، قائلًا.
"إني مستعد أدفع مال الدنيا كله، وأفديها بعمري، بس ألاقيها."
تذكر صفوت تلك الفتاة صاحبة المشكلة، التي قصها عمران عليه باختصار. فقد شعر بالأسى حولها، وازداد شعوره حاليًا. فنظر إلى عمار بشفقة، تجلت في نبرته، حين قال.
"طب هدي نفسك واشرب الليمون، وأنا هعمل اتصالاتي، وإن شاء الله خير."
ناوله صفوت كوب الليمون، فأمتدت يده تلتقطه باهتزاز، فسقط الكأس على جلباب عمار. فقال صفوت بلهفة.
"معلش، حصل خير.. اقلع الجلابية، هخليهم ينضفوهالك ويجيبوها على طول."
عمار برفض.
"لأ، سيبك من الجلابية دلوقتي، و خلينا في المهم."
صفوت بعناد.
"على ما أعمل كام تليفون، هيكونوا نضفوها وجففوها.. اسمع الكلام من غير نقاش."
أومأ عمار بصمت، وقام بوضع يده في جيبه، ملتقطًا سلسالها، وهو يخلع جلبابه. فتحدث صفوت، ممازحًا في محاولة منه لتهدئته.
"ده الموضوع طلع كبير بقي."
تشكلت غصة صدئة بجوفه، وقال بمرارة.
"دي آخر حاجة بجيت منها. رفضت أديهالها، زي ما يكون كان جلبي حاسس."
لا يعلم السبب، ولكنه وجد نفسه يمد يده إليه، ليرى السلسال. فتفاجأ عمار من فعلته، وقام برفعها أمامه، دون أن يلمسها. فتراقص السلسال أمام أعين صفوت، التي تحولت ابتسامته إلى صدمة قوية، وشعر بأن الكون توقف للحظة عن الدوران، حين رأى تلك النجمة، التي تتمايل أمامه. فامتدت يديه تنتزعها من يد عمار، الذي صاح بغضب.
"إيه يا سيادة اللواء، هات السلسال ده بتاعي."
لم يستطع الحديث، فقد اهتزت يديه، التي قامت بفتح السلسال، لتظهر صورة تلك الصغيرة، التي لم تفارق خياله أبدًا منذ أن فارقها. نعم، كانت طفلته، التي انتزعتها أيادي الغدر من بين يديه، دون شفقة أو رحمة.
يتبع….
بعد ما خلصتوا قراءة، ياريت تدعوا لأخواتنا في فلسطين ربنا ينصرهم وينتقم من عدوهم.
أتمنى ألاقي تفاعل مرضي على البارت، عشان فعلًا تعبت فيه.
متنسوش تعملوا (فوت + كومنت + فولو ليا ❤️ و كومنتات بين الفقرات اللي حبتوها ❤️)
•
رواية بين غياهب الاقدار "في قبضةالاقدار الجزء الثاني" الفصل السادس والعشرون 26 - بقلم نورهان العشري
متنسوش تدعوا أن ربنا ينصر اخواتنا في فلسطين و ينتقم من عدو الله و عدونا
بسم الله الرحمن الرحيم
🍓السادس و العشرون بين غياهب الأقدار ❤️🩹 🍓
هناك أشخاص في هذا العالم كالمصابيح يضيئون دروبنا المظلمة العثور عليهم صعب و التفريط بهم مستحيل . كذلك الذي يخبرك دائمًا بأنه سـ يغادرك ولكنه لا يجرؤ عن الإبتعاد أبدًا ..
و ذلك الذي يظهر فيك صفاتك الجميلة التي لم تلاحظها في نفسك يومًا ..
و ذلك الذي يتحمل رماديتك و مزاجك السيء بقلب رحب . وأيضًا هذا الذي يستمر بـ إخبارك بأنك الأروع في هذا العالم.
وعلى رأسهم هذا الذي يغفر جميع ذلاتك غضبك قسوتك إزعاجك و تذمرك الدائم. يوقن بأن كل تلك الأشياء عابرة بعيده عن طبيعتك و يدرك بأنه لا يوجد شخص كامل في هذه الحياة . كلما رأيت نفسك بعينيه تقع بعشقها ، بإستطاعته تبديد غيومك السوداء وإعادة الصفاء إلى سماءك من جديد لتبدو مشرقة.
نورهان العشري ✍️
🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁
انتهى الطبيب من فحصه لها تحت أنظار غلفها القلق ولكنه كعادته كان صامتًا إلى أن تحدث الطبيب بعملية :
" القولون عندها متهيج جدًا "
«سالم» بخشونة :
" و دا من إيه ؟ "
" قولون عصبي من الواضح أن مدام فرح عصبية جدًا و دا غلط .. الموضوع مش خطير بس متعب .. أنا هكتبلها على شويه أدوية و ياريت كمان تحافظ من لخبطة الأكل لحد ما الدنيا تهدي معاها .. و الف سلامه عليها "
انكمشت ملامحه بغضب أرسلته عينيه إليها ثم تحدث بإقتضاب :
" شكرًا يا دكتور.."
اومأ الطبيب قبل أن يرافقه 《سالم》 للخارج فوجد الجميع بانتظاره فوجه حديثه إلى شقيقه :
" وصل الدكتور يا سليم .."
أطاعه 《سليم》 بصمت وحين غادر مع الطبيب تحدثت 《أمينة》 بلهفه :
" طمني يا سالم .."
أجابها بإقتضاب:
" تعب عادي يا حاجة متشغليش بالك .. لو سمحتي خلي حد يطلعلنا العشا هنا "
خابت آمالها و تمتمت بخفوت :
" حاضر .. "
لم يضيف شيئًا إنما توجه للداخل مغلقًا الباب خلفه فقابلته بسيل الأسئلة التي تضج بعقلها كالذباب منذ أن ألقى بقنبلته في وجهها ثم قاطعهم قدوم الطبيب الذي انتظرت أن يمر لقاءه بسرعه حتى تفهم ماذا حدث؟
" ممكن تفهمني بقي إيه القنبلة اللي رمتها في وشي دي ؟"
تجاهل سؤالها وقال بحنق :
" أنتِ هتهتمي بصحتك امتى ؟"
لم تهتم لكلماته الغاضبة إنما هبت بنفاذ صبر متوجهه إليه وقامت بإحتواء كفه بين يديها لتجذبه وسط أنظاره المندهشة وقامت بإجلاسه على السرير و جلست بجانبه وهي تقول بإلحاح:
" سالم .. اركن كل حاجة على جنب دلوقتي و جاوبني .. إن كان قاولوني متهيج فأنا عقلي هيشت من كلامك .."
زفر بتعب قبل أن يقوم بجذب هاتفه و قام بفتحه و العبث به لثوان قبل أن يضعه أمامها لتجد فيديو مسجل 《لمروان》 الذي يقهقه بمرح مع رجل لا تعرفه ثم قال بجدية :
" كدا يبقي اتفقنا… نقرا الفاتحة بقي .."
ثم قام 《مروان》 بمد يديه ليصافح الرجل الذي لم ترتح لها نفسها و بعدها أخذ منه شيئًا لم يكن واضحًا و من ثم انتهى الفيديو فنظرت إلى 《سالم》 بصدمة انبثقت على هيئة حروف تتوسل له أن يكذب ما رأته :
" ماتقوليش أن الراجل دا هو ناجي ؟"
اومأ بخيبة أمل لخصها في كلمة مختصرة :
" هو .."
و كأن الكلمة كانت سيفًا شق قلبها لنصفين فقد إنهار العالم من حولها فكيف لذلك الشخص النقي المرح الذي ينجح دائمًا في رسم البهجة على وشوشهم أن يكُن كاذبًا مخادعًا و الأصعب من ذلك خائنًا ! هل يوجد أشخاص ماهرين في الخداع لهذة الدرجة ؟
التقمت عينيها جموده الظاهري و رق قلبها كثيرًا لمظهره فهذه هي حالتها فكيف هو حاله؟
دون أي مقدمات قامت بإحتوائه تجذبه إليها ليستقر برأسه بين ذراعيها فقد شعرت بحاجته إلى ذلك و قد صح ظنها فقد وجدته يعانق خصرها بقوة فتألم قلبها لهذا الجبل الذي يحمل أكثر بكثير من طاقة البشر !
زينت جبينه بقبلة قويه بثته فيها أمانًا يحتاجه فتجمدت للحظة بمكانها حين شعرت بشيء دافئ يبلل ذراعيها التي تحتضنه و انشق قلبها لنصفين ل عبراته التي هطلت بصمت تحكي مقدار الألم الهائل الذي يحجبه عن الجميع بينما يقف أمامهم شامخًا لا يتأثر ولكن داخله يحترق بصمت ..
مر قرابة الخمس دقائق من الصمت وهي تحتضنه بكل ما أوتيت من حنان حتي وجدته يعتدل محاولًا نفض هذا الضعف الذي يعتريه فمثله لا يليق به الهوان أبدًا ثم نصب عوده و وثب قائمًا ليتوجه إلى الحمام دون حديث فتضاعف الألم بقلبها و سالت مياه عينيها بقهر فكم ترغب لو تجذبه إليها مرة ثانية و تخبره بأن تلك العبرات ليست ضعفًا بل إنها أرهاق قلبه الذي يحمل الكثير ولكنها تعلم جيدًا بأنه لن يتقبل ذلك .. يكفيها تلك الدقائق التي تعرت فيها مشاعره امامها.
ألمًا هائلًا يجتاحه للحد الذي يصعب عليه التنفس يشعر بيد قويه تقبض قلبه و تمزق روحه والأكثر من ذلك أن مثله لم يعتد علي التعبير عن حزنه مما أعطى المساحه لهذا الألم الشديد لممارسة طقوسه السوداء على جسده الذي يشعر بوهن قوي لا يتقبله كبرياءه .. لولا تلك اللحظات التي قضاها بين ذراعيها لخر مغشيًا عليه من فرط ما يشعر به.
أخذته قدماه إلى حوض الإستحمام و قام بفتح المياه التي غمرت جسده و بللت ملابسه التي لم يخلعها عنه فقد أراد إطفاء نيرانه أولًا .
مرت قرابة الربع ساعة قبل أن يخرج و يقوم بالتخلص من ثيابه و الإستحمام ثم لف منشفة حول خصره يتوجه إلى الخارج فوقعت عينيه عليها وهي تدور مثل الفراشة في الغرفة و سرعان ما توقفت علي مظهره الرائع فقد كانت قطرات المياة تتدلل علي جسده الصلب المليئ بالعضلات التي تسلب أنفاسها .. وسامته الفظة و تلك الهالة من القوة البدائية التي تحيط به لها وقع السحر على قلبها الذي تعثرت نبضاته بقوة جعلت الدماء تتدفق بعنف إلى أوردتها فقادتها قدماها إليه و تسللت ذراعيها لتحيط بعنقه وفعلت ذراعيه المثل مع خصرها و تشابكت الأعين بحديث مثير لم يقطعه صوته الخشن حين قال :
" اوعديني تفضلي هنا علي طول .."
أطلقت العنان لقلبها بالحديث فعزفت شفتيها ألحان الهوى
" ماليش مكان غير هنا.. "
" حتي لو ليكِ .. متبعديش ابدًا "
تابعت العزف على أوتار قلبه قائلة بخفوت:
" وجودك حلم مستحيل مكنش عندي الجرأة احلمه .. تفتكر لما الحلم اتحول لواقع هقدر أبعد !"
زفر بحرقة قبل ان يضيف بعتب:
" أومال ليه بتعملي كده ؟"
جهرت بألم :
" عشان مش لقياك .."
" أنتِ أكتر حد عارف مسؤولياتي…"
قاطعته بوضع إصبعها فوق شفتيه لتقول بخفوت :
" انت بعيد بقلبك يا سالم و دا اللي واجعني .. عامل حاجز بيني و بينك .. بتبعدني عن كل حاجة معرفش بقصد منك ولا لا .. بس أنا عايزة أكون اقربلك حتى من نفسك .."
غازلتها عيناه و صرح بإستفهام يؤكد علي رجاءها:
" و مين قالك انك مش كدا؟"
" عشان أنا فعلًا مش كدا .. يعني لو مكنش اللي حصل دا حصل كنت هتحكيلي على موضوع مروان ؟"
لأول مرة يتوارى خلف صمته أمام عينيها فصاحت بتذمر:
" شوفت بقي.. عرفت إيه مزعلني .. "
" عرفت…"
أجابها بإختصار فتدللت كفوفها تحوى وجهه و أرسلت عينيها سهام عاشقه مستقرها قلبه وهي تقول بخفوت :
" محدش هيحبك في الدنيا قدي .. ولو فاكر إنك بتبعدني عن المشاكل تبقي بتظلمني و بتظلم نفسك .. عشان مفيش حاجه هتهون عليك غير حضني …"
لم يعتد على وصف شعوره بالكلمات و خاصةً إن كان ما يجول بصدره عميق إلى تلك الدرجة فقد التف ضماد حروفها حول جدران قلبه المتهالكة فتخدرت اوجاعه للحد الذي جعله يتناسي كل شيء و يقترب منها ليرمم شروخ روحه من شهدها المُسكِر فأخذها معه بعالمه الخاص يقتنص منها بلسمًا ل أوجاعه فهي محقة حضنها هي الشيء الوحيد الذي قد يهون عليه ثقل ما يحمله .. و قد أكدت أفعالها على كلماتها فقد تحملت قسوته الغير مقصودة بقلب رحب و صارت تقربه منها بطريقة دفعته إلى الجنون ليتعمق بقربها أكثر فقد بدا و كأنه يسلب روحها و يلقى بكامل ثقله على كاهلها و قد كانت أكثر من مرحبه لذلك ..
افلتها دون أن تتركها ذراعيه و أخذ ينظر إلى شفاهها التي تورمت وهو يقول بصوتًا أجش :
" قسيت عليكِ أوي ؟"
" فداك روحي .. "
أضاءت ملامحه إبتسامة رائعة وهو يجيبها محذرًا:
" خلى بالك دا إغراء قوي مش هقدر أقاومه .."
مازحته قائله بثقة :
" ياريت تبطل مقاومة بقي عشان أنا اللي هنتصر في الآخر.."
اتسعت إبتسامته وهو يستكين معترفًا:
" أنتِ انتصرتي أصلًا.."
إبتسمت بحب قبل أن تتحدث بإهتمام :
" تعالي عشان تغير هدومك و تتعشي .. تقريبًا من أول جوازنا متعشناش مرة لوحدنا .. أنا حقيقي ممتنة لقولوني اللي اداني الفرصة العظيمة دي"
شقت ضحكاته طريقها من أعماق الوجع الساكن بصدره إثر مزاحها و قال يشاكسها:
" فكريني أشكره بنفسي بعد العشاء .."
" عيوني .."
تفرقت قبلاته بين عينيها قبل أن يتوجه إلى السرير ليلتقط ملابسه التي اختارتها له متوجهًا إلى غرفة الملابس ليتركها تقوم بتزيين طاولة العشاء الخاصة بهم و بعد دقائق خرج ليجدها في انتظاره فارتفع إحدي حاجبيه إعجابًا تجلى في كلماته حين قال :
" ورد و شموع و جو رومانسي .. أعملي حسابك عايز كل يوم من دا .."
لونت السعادة ملامحها حين أجابته :
" أنا عن نفسي مستعده .. بس هينفع نتعشى كل يوم لوحدنا ؟"
اقترب ملتقطًا زيتونه من الأطباق أمامه وهو يقول بإختصار:
" ينفع "
" إزاي و الحاجه مش هتزعل؟"
لون المكر عينيه وهو يقول:
"لما الحاجة تلاقي مرات ابنها كل يوم مجهزاله عشا حلو زيها كدا أكيد هتفرح .."
《فرح》 بتخابث:
" اه قول كدا بقي عايزني كل يوم أعملك أنا الأكل .. أنت داخل على طمع بقي !"
" كلك على بعضك بتاعتي و محدش بيطمع في حاجته ولا عندك إعتراض !"
إبتسمت بسعادة حين إستطاعت أن تبدد تلك النظرة الحزينة من عينيه و قالت بحب :
" لا وهعترض علي ايه هو انا وقعت مع أي حد ؟ دا سالم الوزان بجلالة قدره .."
أقترب منها قائلًا بتخابث:
" حاسس أني محتاج أقنعك أكتر من كدا ."
لون الخجل تقاسيمها وقالت بخفوت :
" نتعشى و نشوف الموضوع دا بعد كدا "
جذبها لتجلس بقربه و أخذا يتناولان العشاء سويًا وسط دلالها و مزاحها الذي راق له كثيرًا و ما انتهوا حتى توجهت انظارها إليه و قد غمرتها الجدية حين قالت :
" نتكلم شويه بقي ؟"
" هاتي اللي عندك ؟"
تحمحمت بخفوت قبل أن تبدأ في الحديث قائلة بتعقل :
" مبدأيًا .. أنا مش مصدقة أن مروان يعمل كدا .. خلينا متفقين أني أول ما شوفت الفيديو انصدمت و الصدمة شوشت تفكيري لكن بعد ما هديت جه في بالي ألف سيناريو و سيناريو للي شوفته ممكن يكون واحد فيهم صح "
اختصر حديثه مستفهمًا:
" زي ؟"
واصلت إقناعه قائلة:
" زي مثلًا يكون مروان بيضحك عليه عشان يجيب آخره ؟ أو مثلًا يكون الراجل دا هدده بحاجة . "
تحدث بجفاء :
" وليه أنا معنديش علم بحاجة زي دي ؟"
انكمشت ملامحها بحيرة تجلت في نبرتها قبل أن تقول :
" الصراحة معنديش إجابه على سؤالك .. بس إحنا ممكن نصبر لحد ما نشوف إذا كان هيقولك ولا لا ؟ "
أجابها باختصار:
" لحد امتى ؟"
" مش محددة الوقت .. بس الحياة هتمشي زي ما هي و طبعًا لازم نكون حذرين في التعامل لحد ما نشوف اللي جاي مخبي إيه ؟"
لم يجبها إنما توجهت نظراته للبعيد ف انخرط لدقائق في التفكير قبل أن يقول باختصار :
" هنشوف .."
" أن شاء الله خير .. خليك متفائل .."
بدت لطيفة للغاية وهي تحاول بث التفاؤل بداخله فتبددت ظلمة عينيه التي حاوطتها بنظرات تغلغلت إلى داخلها قبل أن يعتقلها يديه وهو يقول بتخابث:
" تقريبًا كان في حاجة شويه حاجات كدا محتاج أقنعك بيها صح ولا أنا غلطان ؟"
اخفضت رأسها خجلًا و قالت بخفوت :
" مبتنساش حاجة أبدًا "
" كل حاجه في الدنيا دي قابلة للنسيان ألا أنتِ يا فرح .."
أخترقت كلماته جدران قلبها و خاصةً تلك النبرة المثيرة التي لها مفعول السحر على جسدها الذي غمرته نشوة العشق فهمست بخفوت :
" بحبك يا قلب فرح .."
لم تدع مجال للحديث فقد تراقص اللهب في عينيه و أيقظت كلماتها بداخله جيوش الشوق و العشق معًا فكان مزيجًا رائعًا من الشعور الذي غمرها به وهو يتخطي كل شيء جاذبًا إياها إليه فلم ينتبه لصينية العشاء التي سقطت ارضًا جراء ملحمتهم الضارية والتي أشعلت الهواء المحيط بهم فقد احترقا معًا بلهيب الصبوة الذي لم ينجو أي شيء منه و قد كان الإثنان و كأنهما في سباق من يعشق الثاني أكثر و قد كانت الغلبة له فقد بدا كمن أقسم أن يترك بكل مكان حولهم ذكرى خاصة بهم بهم فقد طبع لقائهم آثاره بكل ركن من أركان الغرفة التي شهدت على إكتمال أرواحهم التي اهتدت بعد طول عناء … و كلما خمدت الأشواق تجددت من جديد حتي هلكت الاجساد و استكانت تتوسل الراحة فشدد يديه من حولها و يحاول تنظيم أنفاسه قبل أن يقول بصوت أجش
" أنتِ اختصار لدنيتي بحالها يا فرح .. أنتِ دنيا اتمني أني أعيش و أموت فيها…"
وجودك هو الخيط الفاصل بيني وبين الهلاك .. تلك البقعة البيضاء في عالم مليء بالضباب .. النقاء وسط أنفس طمسها السواد و قلوب لوثها الجشع ..
نورهان العشري ✍️
🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁
*****************
صباحًا دلفت إلى الداخل بعد أن سمعت إذن «أمينة» لها بالدخول فما أن وطأت أقدامها أرض الغرفة حتى لمع وميض الدهشة في عينيها قائلة:
" إيه دا أنت هنا ؟"
تحدث سالم بخشونة:
" أنتِ شايفة ايه ؟"
تجاهلته ووجهت انظارها الي «أمينة» التي قالت بجدية زائفة :
" إيه يا ست فرح مش عارفه أقعد مع ابني شويه منك ؟"
شهقت متفاجئة :
" ماما أنتِ بتتكلمي جد ؟ أنا معرفش والله إنه هنا .."
غيرت دفة الحديث قائلة بتقريع:
" و في واحدة بردو متعرفش جوزها فين ؟ "
تراقص المكر بعينيه وهو يقول:
" في دي عندك حق يا حاجة.."
أيقظ جيوش التمرد بداخلها فـ سردت شكواها بضعف مستجد:
" و يرضيكِ يا ماما أن الواحد ميشاركش مراته في أي حاجة تخصه ! و يهمشها كأنها مش موجودة! "
كان أمرًا هو أكثر من نادم عليه وتعرف هي ذلك ولكنها أرادت رد الهجوم بهجوم مضاد فعض على شفتيه السفلية بتوعد و عينيه ترسلان سهام التهديد الصامت لتقطع «أمينة» حرب النظرات المتبادلة بينهم قائلة بنصح :
" لا في دي عندك حق .. مينفعش الراجل يخبي عن مراته حاجه .. مراتك دي جيشك اللي لو الناس كلها اتخلت عنك هي تبقي في ضهرك .."
صاحت مصدومة :
" لحظة واحدة .. أنتِ بتغيري كلامك يا ماما ! أومال فين بقي الراجل بيحب الست الضعيفة اللي متعملش رأسها براسه و كان ناقص تاخديني قلمين ؟"
إبتسمت «أمينة» بهدوء قبل أن تجيبها مازحة:
" أنا مازلت عند رأيي بس مع بعض التعديلات .. و بصراحة أنتِ كنتي غيظاني بلسانك الطويل دا .."
تمتم ساخرًا :
" والله لسانها دا مضايق ناس كتير ."
برقت عينيها إثر سخريته فتدخلت «أمينة» بجدية :
" بقولك إيه أنت وهي سيبونا من الكلام الفارغ دا أنا عايزة حفيد بقولكوا اهوة .."
تحدت بلهجته الفظة التي لامسها غرورًا يليق به :
" أنا عن نفسي عامل اللي عليا و زيادة .. قولي لها هي الكلام دا …"
امتزج الغضب و الخجل معًا فولدا مزيج مثير على ملامحها التي تخضبت بحمرة رائعة بينما تراقص اللهب في عينيها فتمنى للحظة لو كانا بمفردهما لكان قطف ثمار هذا الخجل و استبدل نيران غضبها بأخرى أشد لهبًا و لاحترق المكان من حولهم كما هي العادة .
" أنت هتقولي دا أنت سالم الوزان ابن منصور الوزان على سن ورمح . "
ود لو يطلق العنان لقهقاته إثر حديث والدته فهي لا تعلم أنه يقصد مشاكسة قطته التي تشتعل خجلًا الآن .. وثب قائمًا وهو يقول بفظاظة :
" هسيبك يا حاجة ورايا شغل كتير .. يالا يا فرح "
تدخلت «أمينة» قبل أن تسنح لها الفرصة لإجابته :
" لا سيبلي فرح عيزاها في كلمتين …"
" ماهي دانت معاكِ عند الدكتور الصبح ؟"
" مرات ابني و عيزاها يا سالم عندك مشكله ؟"
شملتهم عيناه بنظرات متفحصة قبل أن يومئ برأسه دون حديث متوجهًا للخارج أمام أنظار «أمينة» التي ما أن شاهدته يغلق الباب حتي قالت بلهفه :
" ها يا فرح عملتي اللي قولتلك عليه ؟"
«فرح» بهدوء :
" عملته يا حاجة .. بس …"
قاطعتها «أمينة» بصرامة:
" مابسش يا فرح .. لما الموضوع يخص الناس اللي بتحبيهم مينفعش نسيب حاجة للظروف …"
اومأت «فرح» بتفهم فشعورهم متبادل و مخاوفهم واحدة …
*****************
"مبترديش على تليفوناتي ليه يا شيرين ؟"
هكذا تحدث 《ناجي》 وهو يجلس أمام مقود السيارة و بجانبه 《شيرين》 التي كانت تخفض رأسها بتعب تجلى في نبرتها حين قالت :
" كنت تعبانه شوية !"
تكذب و هو أكثر من يعلم بذلك لذا تابع بحنان زائف :
" متخيلتش أن بنتي اللي بحبها أكتر من نفسي ييجي يوم عليها و تبقى بتتهرب مني ؟"
أرتفع رأسها بحدة بينما عينيها ترسلان سهام الخسة إلى خاصته وهي تقول :
" وإزاي تطلب من بنتك اللي بتحبها أكتر من نفسك أنها تعرض نفسها على واحد غريب !"
كانت ذلة كلفته الكثير فحاول جعل الأمر دراميًا حين قال :
" فاكرة البنت اللي حكتلك عليها و قولتلك أنها الوحيدة اللي حبتها ؟"
" مالها ؟"
《ناجي》 بألم حقيقي :
" تبقى سهام مرات عمك صفوت !"
انكمشت ملامحها بصدمة :
"إيه ؟"
لاح شبح ألم حقيقي في عينيه سرعان ما تجاوزه وهو يقول بنبرة خالية من الشعور:
" ابوكي الكل خذله و تحديدًا الخذلان جاله من أكتر ناس حبهم في الدنيا .. تخيلي أشوف حبيبتي في حضن أخويا بعد ما فضلته عليا لمجرد أنه هو ظابط ! و أنا الفاشل اللي في العيلة .. بالرغم من أني كنت بديرلهم كل أملاكهم .. لكن هي اختارت كل حاجه السلطة و العز و الجاة و في المقابل داست على قلبي .."
شعرت بالشفقة عليه ولكن ألمها منه كان أكبر بكثير لذا تحدثت بجفاء :
" و دا إيه علاقته بالي طلبته مني؟'
" كنت عايز اختبرك ؟ عايز اشوف إذا كنتِ فعلًا أهل لثقتي أو لا ؟"
لونت الصدمة تقاسيمها لحديثه فأردف بنبرة مخادعة :
" أنا معنديش غيرك .. أنتِ بير أسرارى .. تعرفي عني كل حاجة .. أنا مبثقش في حد غيرك .. ولا حتى أمك . "
لاح شبح السخرية علي ملامحها فقالت مبررًا:
" أمك معايا عشان عايزة تنتقم من اللي اتعمل فيها .. مش عشاني يا شيرين !"
زفرة قوية محملة بهواء ملوث بالوجع و الخيبة خرجت من جوفها قبل أن تقول بجمود :
" والمطلوب مني دلوقتي ؟"
" هتعملي اللي امك مش هتعرف تعمله."
《شيرين》 بجمود :
" ملف الصفقة ؟"
" بالظبط .. "
تحدثت يائسة :
" حاضر …"
" ضربتنا القاضية قربت.. و خلاص مبقاش فاضل كتير .."
هكذا تحدث بأعين تلمع بالشر الذي بث الذعر في قلبها فقالت بفزع :
" مش معقول تكون بتفكر تسلمه ليهم ؟"
《ناجي》 بتحفظ :
" أكيد لا في النهاية أهو كارت ممكن أحتاجه قدام .."
لم تسعفها الكلمات للحديث فقد ضاقت ذرعًا بكل ما يحدث ولم تعد تعلم من المخطئ ومن المصيب لذا قالت بجفاء :
" أنا هروح عشان اتأخرت .."
كانت رحلة العودة ثقيلة فقد أخذت تدور حول نفسها لساعات لا تعلم أين يمكنها الذهاب أو إلى من يمكنها اللجوء وفجأة طرأت صورته على بالها ذلك اليوم في المشفى.
عودة لوقت سابق
هرول الإثنان في رواق المشفي و《طارق》 يحمل 《ريتال》 بين ذراعيه فقد وقعت و جرحت قدمها وهي تعود إلى الخلف مذعورة حين رأت الأفعى التي حاولت الهجوم ولكن لاحقها 《طارق》 قبل أن تطال صغيرته . و ما أن وصلوا إلى قسم الطوارئ حتى أخذوا الفتاة إلى غرفة مغلقة مع سماع مقتطفات ما حدث من كليهما ثم دلف الطبيب إلى الداخل :
" هربيك يا مروان الكلب !"
هكذا تحدث 《طارق》 الذي كانت عروقه نافرة بشكل ملفت، و خصلاته السمراء تتدلل بخفه فوق جبهته العريضة البيضاء، بينما أضاء اللهب عينيه بنيران الغضب الذي جعله يذم شفتيه و كأنه يمنعها من إطلاق السباب، و قد كان كعادته منذ أن كان مراهق يفتح أزرار قميصه العلويه و التي أظهرت تقاسيم جسده الذي بدا و كأنه قضى السنوات الماضية في جولات تدريب قاسية لتجعله بهذا المظهر الصلب .. كان وسيمًا بطريقة خشنة تبعث الرعب و شيء آخر في النفس .
انتبهت لتحديقها به و تحمحمت بخفوت قبل أن تقول محاولة تهدئته :
" متقلقش يا طارق دي مجرد وقعه بسيطة .."
أجابها بجفاء يليق بقسوة ملامحه و خشونه مظهره:
" مكنتش هتبقي بسيطة لو مجتش في الوقت المناسب .."
لهجته القاسية أكملت صورة رجل العصابات في نظرها فقد كانت تلك المهنة تليق به كثيرًا :
" الحمد لله أنك جيت في الوقت المناسب .."
لوهلة استقرت عينيه عليها ثم تجاوزها ما أن خرج الطبيب من الغرفة قائلًا :
" حضراتكوا باباها و مامتها ؟"
جفلت من سؤال الطبيب ودت نفيه لتتفاجئ ب 《طارق》 الذي قال بفظاظة:
" أيوة .. أنا باباها وهي مامتها طمني حالتها عاملهإايه؟"
أردف «الطبيب» :
" هي حالتها الجسدية ممتازة يعني الجرح اللي في رجليها بسيط .. و هيروح على طول بس هي مخضوضة جدًا ومرعوبه بسبب الموقف اللي اتعرضتله عشان كدا عايزك أنت والمدام تتعاملوا معاها بحرص و إحتواء لخوفها دا .."
تمتم بجفاء :
" تمام .. أقدر اشوفها .."
" اتفضل.."
غادر «الطبيب» و أخذته قدماه إلى غرفة طفلته وحين التفت وجدها مازالت تقف بمكانها فجهر بملل :
" هتفضلي واقفه عندك كتير؟"
إجابته بإستياء :
" هو أنت ازاي تقول للدكتور أن أنا مراتك ؟"
أضاءت ملامحه إبتسامة ساخرة قبل أن يجيب بكسل :
" ماهو مش معقول هنقف نحكيله قصة حياتنا يعني !"
إجابته أغضبتها فتقدمت لتقف أمامه قائله بتهكم :
" أسخف إجابه لسؤالي !"
تراقص المرح في نظراته وهتف يشاكسها :
" الاسخف من كدا أنك تقفي عالواحدة .. شغلي دماغك الحلوة دي في حاجة مفيدة.."
" لسه رخم زي ما أنت!"
" و أنتِ لسه حلوة زي ما أنتِ .."
لامست كلماته اوتار قلبها فشعرت بوخزات موترة تنتشر على طول عمودها الفقري فهي لا تتذكر آخر مرة سمعت كلمات غزل ولو بسيطة من أحدهم..
قطع تفكيرها سؤاله حين قال بنفاذ صبر :
" اشيلك أدخلك الأوضة يعني ولا أعمل إيه ؟ "
لا تعلم لما اندفعت الدماء إلى خديها بقوة، فحاولت تجاهلها و توجهت تتشاجر مع خطواتها للداخل لتتخطاه بغرور قابله بنظرة متهكمه….
عودة للوقت الحالي
سالت مياة الألم من عينيها و لأول مرة تقف أمام نفسها بذلك العجز وهذا الكم الهائل من الشفقة على ذاتها التي فقدتها بدرب من دروب الحياة و تجهل السبيل إليه .
تقف بمفترق طرق كل واحد منهما يجذبها بأصفاد ساخنة تجذبها من عنقها وكلما قاومت اشتد الخناق عليها أكثر حتى ظنت أن ذلك الصراع سينهيها ذات يوم …
توقفت أمام باب المنزل و دلفت إلى الداخل فسمعت أصوات القهقهات الآتيه من غرفة الجلوس فلاحت إبتسامة ساخرة على ملامحها تحولت إلى دمعة انبثقت من طرف عينيها لعدم قدرتها أن تخطو إلى الداخل و حتمًا لم يفتقد وجودها أحدًا منهم.
أخذتها قدماها إلى الدرج ولكن سرعان ما تجمدت حين سمعت اسمها و ما ضاعف من صدمتها حين كان المنادي 《سليم》!
" شيرين .."
توقفت لوهله قبل أن تلتفت إليه ليتدلي فكها من فرط الصدمة حين قال بخشونة :
" مفيش السلام عليكم حتي ؟ دا إحنا أهل ولا إيه ؟"
توقفت أمام كلماته لا تعلم أهي سخريه أم تهكم ؟ لم يهتم لأمرها سابقًا و الآن يعاتبها هكذا بينما يديه تحتضن كتف 《جنة》 التي بدت غير متأثرة بما يحدث و كأن الماضي لم يعد موجودًا في تلك اللحظة !
لم تجد ما تقوله فتوجهت إليهم بخطوات ثقيلة وهي تقول بابتسامه باهتة:
" السلام عليكم.. "
رد الجميع السلام و تدخلت 《أمينة》 قائلة بتحفظ :
" تعالي يا شيرين اقعدي معانا .. الوقت لسه بدري معتقدش انك هتنامى دلوقتي ؟"
لا تعلم لما ارتفعت عينيها رغمًا عنها إلى《طارق》 تلاحظه ولكنها سرعان ما اختطفت أنظارها بعيدًا عنه ما أن لمحت شبح إبتسامة على شفتيه و نظرت لوالدتها التي بدت جامدة كعادتها ثم قالت بجمود :
" معلش تعبانة شوية و مصدعة… محتاجه أنام .."
تدخل 《مروان》 بمزاح :
" بقولك ايه مش هنتحايل عليكِ تعالي اترزعي هنا .. في كلام كبار هيتقال و أنا عارفك بتحبي كلام الكبار…"
رمقته بلوم وقالت باقتضاب :
" بس يا حيوان.."
تفاجئت من حديث همت التي قالت بلهجة يغلب عليها السخرية :
" تعالي يا شيرين اقعدي مع ولاد خالك شويه دي قعدتهم ترد الروح .."
تمتم بسخرية خافته:
" شوف الولية النصابة اومال لو مش قاعدة تزغرلنا كلنا .. "
نهره 《سليم》 قائلًا بتحذير
" حط لسانك في بقك احسنلك .."
تجاهل تحذيرات 《سليم》 وقال ساخرًا :
" تعالي يا شيري بس حاسبي و أنتِ داخله تتكعبلي في بوز عمتي اللي ضارب في الحيطة من وقت ما دخلت ! "
" معلش أصلك أول حاجة شوفتها لما دخلت … "
هكذا تحدثت موجهة نظرات نارية إلى 《مروان》 الذي لا يفهم سبب كل هذا الكره الجلي في عينيها ولكنه أبى التراجع عن استفزازها فقال بعنجهية:
" معلش هنعمل إيه بقى أصل مش كل الناس بتفهم وذوقها حلو .."
توقفت الأحاديث إثر دخول 《سالم》 الذي القى التحية قبل أن يشير ل《سليم 》بأن يتبعه إلى غرفة المكتب التي كانت بها 《فرح》 تقوم بمراجعة أوراق المناقصة فأندهش 《سليم》 حين رآها فأجابت على سؤاله الصامت قائلة بسخرية :
" عملت بنصيحتك وسيطرت .."
قهقه 《سليم》 بصخب و هو يتوجه إليها قائلًا :
" عملتيها أزاي دى ؟ دا أنتِ طلعتي مش سهلة .."
سخرت قائلة:
" مش سهلة إيه بس دا وافق بطلوع الروح أني أساعدك في الشغل. "
لون الامتعاض ملامحها و هي تتابع:
" أخوك دا محدش يقدر عليه .."
" غيرك .. "
هكذا جاء صوت 《سالم》 القادم تجاههم فتركت ما بيدها و توجهت إليه قائلة بمزاح :
" صدقتك أنا صح؟"
احتوى كفها تحت ذراعه بإبتسامة سرعان ما غابت وهو يناظر 《سليم》 بجدية انطبعت على نبرته حين قال :
" إيه الدنيا ؟"
" تمام أنا خلصت كل حاجة و فرح راجعت ورايا .."
اومئ برأسه قبل أن يوجه أنظاره إليها قائلًا بخشونة:
" عايز فنجان قهوة من ايدك .."
" عيوني .. بس خلي بالك كدا قهوة و عشا قلت أنت داخل على طمع مصدقتنيش ."
قالت جملتها الأخيرة بهمس فلون العبث نظراته حين قال بجانب أذنها:
"ما قولتلك كلك على بعضك تخصني .. و اثبتلك كمان ولا إثبات امبارح مكنش كافي .."
روت دماء الخجل وجنتيها فأنبتت زهرًا ود لو يقطفه في تلك اللحظة ولكن لولا وجود 《سليم》 الذي كان ينظر في الأوراق وهو يقول بعفوية:
" و أنا كمان يا فرح اعمليلي فنجان قهوة معاه.."
زمجر 《سالم》 بخشونة:
" اياكٓ تعمليله حاجه …"
ابتسمت 《فرح》 و غادرت بينما قهقه 《سليم》 على حديثه وقال ساخرًا :
" متقوليش إنك غيران والجو دا … "
《سالم》 بفظاظة :
" هو الحلاق أيده طولت على عقلك كمان ! حسك اتهطلت من وقت ما عملت العملة دي .."
《سليم》 بترقب :
" أنا حاسس إنك شايل مني يا كبير .."
《سالم》 بتقريع :
" بقي فرح مش مسيطرة ؟ بتوقع بينا !"
《سليم》 باندهاش:
" أوبا .. دي جنة طلعت فتانة وأنا معرفش ! "
قاطع حديثهم صوت رنين هاتف 《سالم》 الذي أجاب على الفور فأتاه صوت 《صفوت》 المرتعب :
" بنتي اتخطفت يا سالم …"
《سالم》 بصدمة :
" بنتك مين ؟ اقصد هو أنت لاقتها اصلًا ؟"
《صفوت》 بقهر :
" كانت قدامي شايفها بعنيا بس مكنتش أعرف أنها بنتي… و معرفتش غير لما راحت تاني يا سالم .."
كانت لهجته تقطر ألمًا وهو يتابع قص الأمر علي 《سالم》 الذي كانت ملامحه مشدودة و عينيه جاحظة يتعاظم بها الغضب حين اختتم «صفوت» حديثه قائلًا بقلة حيلة
" عرفت أن العربية دخلت القاهرة و بعد كدا معرفش راحت فين ؟ لأول مرة أحس نفسي عاجز و مكسور اوي يا سالم . "
زمجر بخشونة
" متقولش كدا يا عمي طول ما احنا موجودين في ضهرك الموضوع ميخصكش لوحدك . نجمة بنتنا و لازم أرجعها حتي و لو على رقبتي .."
كلماته أضفت شعور من الأمان والراحة علي قلب 《صفوت》 و خاصةً حين أضاف بفظاظة
" قعدتك عندك ملهاش لازمة دلوقتي . بما أنها في القاهرة . معدش في وقت نضيعه ."
《صفوت》 باستفهام
" سالم . انت في حاجه في دماغك ؟"
" لما تيجي هتعرف .. قولت لسهام حاجه ؟"
《صفوت》 بيأس
" لا طبعًا مقدرتش اقول اي حاجه .. هخاف عليها ممكن تقع متقومش المرة دي .."
" كويس . انا هعمل اتصالاتي هنا و في أقرب وقت تكون هنا انت وهي . و ان شاء الله هنلاقيها. "
أنهي 《سالم》 المكالمة تزامنًا من دخول 《مروان》 الذي قال باستفهام
" هي مين دي اللي هتلاقوها ؟ "
رمقه 《سالم》 بجمود تشابه مع لهجته حين قال
" نجمة بنت صفوت ."
وثب 《سليم》 قائلًا بتفكير
" مش دي بنته اللي ضاعت يوم الحادثة !"
《سالم》 باختصار
" هي .."
《مروان》 بسخرية
" و لسه فاكر يدور عليها دلوقتي ؟"
زفر 《سالم》 بملل قبل أن يسرد عليهم ما حدث فصاح 《مروان》 باندهاش
" يعني اتخطفت منه من تلتاشر سنه و جت اتخطفت منه تاني دلوقتي دا ايه البت المنحوسة دي !"
لم يبالي لسخريته إنما نظر إلى 《سليم》 وقال بفظاظة
" ابعتلي ملف المناقصة عالميل عشان لما ارجع اراجع عليه و اعمل حسابك انك هتروح انت وهو بكرة أن شاء الله بدالي . "
وثب 《مروان》 مستفسرًا
" ليه وانت هتبقي فين ؟
تعابيره جامدة تتنافي مع ضجيج غضبه الذي حاول كبته وهو يقول بجفاء
" رايح للهلالية عشان اسوي موضوع الانتخابات دا . مش عايزين عداوات اكتر من كدا .."
تحدث 《سليم》 مقترحاً
" انا جاي معاك . مش هسيبك تروح لوحدك ."
《سالم》 بسخرية
" ليه عيل صغير !"
" لا بس الطريق بينا و بين البلاد اللي قبلهم مقطوع و مليان قطاع طرق واحنا مش لاقيينك في الشارع .."
هكذا تحدث 《سليم》 بحنق قابله 《سالم》 ببرود وهو يلملم أشياءه و قد تجاهل منحني الرد و توجه للخارج مارًا ب《مروان》 الذي كان غارقًا في تأملاته فلم يلاحظ نظرات 《سالم》 القاتلة تجاهه…
" طول عمرك عنيد يا سالم.."
هكذا تحدث 《سليم》 بسخط فاضاف 《مروان》 ساخرًا
" بدل ما انت عمال تاكل في نفسك كدا سلط عليه اللي اقوي منه !"
" تقصد مين !"
مروان باختصار
" فرح .."
رمقه 《سليم》 شذرًا وهو يتمتم بحنق
" واحد عندي و راسه ناشفه و التاني متخلف. معندوش عقل صبرني يارب …"
《مروان》 بتهكم
" حوش مين اللي بيتكلم عن العقل . بلاش انت بقرعتك دي . عيني عليكِ يا جنة و علي بختك الأسود .."
هبت رياح غضبه فنثرها في وجهه بانفعال
" و انت مال اهلك و مال جنة يا بغل انت!"
" مش صاحبتي و اختي و يهمني مصلحتها…"
زفر 《سليم》 محاولًا كبت غضبه وهو يقول من بين أنفاسه
" لو قولت صاحبتي دي تاني هنشن انا علي قلبك و اريح الناس منك فاهم .. ؟"
《مروان》 بعتب
" كل دا عشان عايز مصلحتك . و بنبهك احسن ما البت تطفش منك ؟"
نجح في التعزيز من فضوله الذي جعله يقول مستفسرًا
" ايه اللي بتقوله دا ؟ هي شكيالك مني ولا ايه ؟
اقترب 《مروان》 قائلًا بتخابث
" بص دي أسرار أصحاب . بس انا هخدمك. شوف انت اوطي من الجزمة بس انا راجل اصيل … جنة عيد ميلادها آخر الأسبوع و دا اول عيد ميلاد ليكوا مع بعض . مش معقول تعديه ملط كدا ! لازم يكون مختلف .."
《سليم》 بتفكير
" أيوا عندك حق .. كويس انك نبهتني . طب تفتكر اعمل ايه ؟"
" فاكر الواد يوسف الحسيني «بطل رواية للعشق وجوه كثيرة» بتاع المسلسل اللي كانوا بيتفرجوا عليه الواد الحلو ابو عيون زرقا اللي انت مش شبهه خالص دا!"
《سليم》 بمراوغة
" تقريبًا .. ماله دا"
《مروان》 باندفاع
"معاه شويه مزز انما ايه لوز الجوز .."
نهره 《سليم》 قائلًا بجفاء
" انت يا بغل انت مش بتحب !!"
《مروان》 بعفوية
" اه بحبهم كلهم . الصراحة كلهم يتحبوا مش شبه القرود اللي عندنا لا …"
《سليم》 باندهاش
" تقصد أن سما قردة . "
"لا اقصد عمتك …"
رغمًا عنه ابتسم علي حديثه ولكن سرعان ما نهره قائلًا
" اخلص قول المفيد …"
《مروان》 بتذكر
" ايوا صح . فاكر لما كان عامل حفلة للبت الصاروخ اللي معاه دي ؟ "
" فاكر حاجه زي كدا "
《مروان》 بلهفه
" البت جنة كانت عينها هتطلع وهي بتتفرج عليهم . و اكيد بينها و بين نفسها قالت ايه ياربي نفسي في فارس أحلام زي الواد دا وسيم و رومانسي و غني و بيعمل مفاجئات . قوم يا قلب امها لبست فيك .."
ناظره 《سليم》 شذرًا قبل أن يقول بتحذير
" هلبس الطفاية دي في خلقتك .."
《مروان》 بلهفة
" لا و علي ايه خلينا في المهم . دلوقتي لازم تعملها مفاجأة زي دي في عيد ميلادها. وتحقق لها أمنيتها التي لم تفصح عنها. وبكدا تبقي البطل اللي هي بتتمناه اينعم أقرع و اهبل بس مش مشكلة شغال .."
عض 《سليم 》على شفتيه قبل أن يصبح غاضبًا
" امشي من وشي .."
قهقه 《مروان》 وهو يتجه الي الباب و سرعان ما توقف ليضيف بسخرية
" خدت الفكرة مني و غدرت عليا خليك فاكر بس و عد الجمايل . "
*********************
بأعين لامعة بعبرات الألم الي غلف مقلتيها أخذت تنظر إلي ألبوم صورها وهي طفلة صغيرة تتوسط أحضان والديها بسعادة غافلة عن ما تخبئه لها الأيام من تعثرات و مشقات لم تعد قادرة علي مواجهتها . فـ لحظها العاثر كانت هي الطرف السيئ في روايات المحيطين بها !
لطالما تمنت حياة طبيعية شخص تحبه و يحبها ، عائلة حنونة تحتضنها ، بيت دافئ بأطفال رائعين تكن هي والدتهم ولكنها دائمًا كانت تشاهد حلمها من بعيد يحياه غيرها. لهذا لجأت للطرف القوي أو هكذا ظنت حتي ولو كان يحوي الشر بين ذراعيه !
لأول مرة لم تستطع أن تخلع ثوب ضعفها فقد خارت قواها للحد الذي لم يجعلها قادرة علي اخراج صوتها و السماح للطارق بالدخول . و لم تهتز حين شعرت بباب الغرفة يفتح ولكنها جفلت حين سمعت صوت غريب فالتفتت لمعرفة ما الأمر فتفاجئت بجهاز غريب كـ سيارات الاطفال يدخل الي غرفتها و علي سطحه وردة حمراء بجانبها رسالة مطوية قامت بإلتقاطها بيد مرتجفة و أعين تراقص بهم الدمع وهي تقرأ الحروف المدونة بها
" مابعرفش اعتذر بس بعرف اصلح غلطي. هتديني فرصة ولا آجى أخدها انا بنفسي ؟"
رغمًا عنها لونت ابتسامة دافئة ملامحها و تابعت القراءة
" لو قررتي تديني فرصة اطلعي البلكونه هتلاقينى واقف تحت . و لو مش ناويه تديني فرصه استنيني انا هطلعلك اخدها فوق ."
قادتها قدماها الي الشرفة لتجده يقف بهالته الخاطفة واضعًا يديه بجيوب بنطاله فلم تستطيع قمع بسمتها التي أضاءت معالم وجهها خاصةً حين قال
" صافية يا لبن ؟"
حاولت رسم السخرية علي ملامحها و في نبرتها حين قالت
" حد قالك قبل كده انك ظريف ..؟"
" محدش يقدر !"
" دا ليه أن شاء الله ؟"
رفع ذراعيه في محاولة لإستعراض عضلاته وهو يقول بتهديد مبطن
" جربي و أنتِ تعرفي .."
" تصدق خوفتني !!"
" طب بما انك خايفه اعملي حسابك هاخدك أنتِ وريتال و نروح سينما. "
هبت معارضة
" لا طبعًا.."
تجاهل اعتراضها وقال بصرامة
" الساعه تمانيه تكوني جاهزة و بلاش وحياة اهلك اللبس بتاعك دا عشان ماليش خلق اتخانق .. "
انهي كلماته والتفت مغادرًا دون أن يُعير اعتراضها اي اهتمام ليتركها خلفه تتخبط بين مشاعر قوية تجتاحها و معارك دامية بين الأبيض و الأسود وما يترتب علي كلاهما .
********************
حل الليل و عم السكون في تلك المناطق الريفية و استكانت الكائنات الحية الي ملاجئهم بينما كان هو يغادر منزل الهلالية بعد أن تم الاتفاق معهم و أُزيلت تلك المشاحنات و الأجواء النارية بينهم و قد كان هذا الأمر مهمًا كثيرًا بالنسبة إليه . يكفيه أن يعلم بأنهم ليسوا أعداء ليستطيع التركيز مع عدوه الآخر..
استقل سيارته و انطلق بها يشق الطريق الترابي قاصدًا مزرعتهم وفجأة شاهد ظلًا في المرآة لشخص ملثم يجلس في الكرسي الخلفي و شئ حاد ينغرز بظهره من الخلف مع تحذيرًا شديد اللهجة من صوتًا بدا مألوف !
" ادخل أول يمين و اركن علي جنب .."
نظرة تقييمية طافت بها عينيه علي الوضع القائم فلم يجد حلاً سوي تنفيذ أوامر ذلك الغريب فما هي إلا دقائق و قد أوقف السيارة مثلما أخبره ليجد ذلك الملثم يلتف و يجلس بجانبه في المقعد الملاصق لمقعد السائق و يا لدهشته حين أسقط الغريب قناعه عمدًا فتفاجئ ب《مروان》 !!
لحظات من الصمت خيمت على جو السيارة بينما كان هناك حديث دائر بين الأعين قطعه صوت 《مروان》 المرح وهو يقول
"مبدأيًا كدا اعترف انك خوفت…"
تجاهل مزاحه وقال آمرًا
" عايز تفسير للي حصل دا ؟"
" طب مش لما تعترف الأول !!"
احتدت نبرته قائلاً بنفاذ صبر
" مش هكرر كلامي .."
زفر 《مروان》 بتعب قبل أن يقول بإذعان
" انا قابلت ناجي الأسبوع اللي فات !"
تجعدت ملامحه بفعل الغضب فجاء صوته فظًا حين قال
" مش هتنقطني . قول اللي عندك مرة واحدة.."
صمت 《مروان》 لثوان يسترجع ما حدث في ذلك اليوم
عودة لوقت سابق
" ألو مين معايا ؟"
هكذا أجاب 《مروان》 علي هاتفه فجاءه الرد علي الطرف الآخر
" انا ناجي يا مروان و اوعى تقفل السكة .. انا عايز اقابلك ضروري بخصوص سما . و الموضوع ميتأجلش . أياً كان اللي ما بينا سما ملهاش ذنب فيه ….."
كان ماهرًا في اللعب علي أوتار فضوله الذي دفعه للقول باختصار
" مكانك فين ؟"
اخبره 《ناجي》 بالعنوان فتوجه 《مروان》 علي الفور الي حيث ينتظره وما أن جلس علي المقعد حتي قال آمرًا
" قول اللي عندك بسرعه معنديش وقت اضيعه مع أمثالك …"
نجح في قمع غضبه وهو يخرج أحد الأوراق من جيبه يناولها ل《مروان》 الذي سرعان ما اهتاج كالثور و انقض عليه قائلًا بصراخ
" نهارك أسود معناها ايه الورقة دى ؟ انطق مين حاتم دا "
حاول 《ناجي》 تخليص نفسه من قبضته وهو يقول مختنقًا
" سيبني . و . اقعد .. عش .. عشان افهمك.. "
بصعوبة نجح في التحكم بغضبه و عاد إلي مقعده بينما انحصر هذا الغضب المقيت داخل عينيه التي كانت ترسل سهام التهديد بقلب 《ناجي》 الذي بدا غير متأثر حين شرع في الحديث قائلّا بسلاسة
" عشان اكون صريح معاك الورقة دي سما مضت عليها من غير ما تاخد بالها وهي بتعمل جواز السفر بتاعها . لما قررت انها تروح تقعد عند شيرين .. و حاتم دا واحد من رجالتي سما متعرفوش أصلًا "
" اه يا كلب.."
صاح 《مروان》 فقاطعه 《ناجي》 محذرًا
" لو مبطلتش كلامك دا مش هكمل و انت اللي هتخسر .. "
أجبر نفسه بصعوبه علي الصمت ليتابع 《ناجي》 حديثه المسموم
" طبعًا دي الحاجة الوحيدة الي كنت هعرف امسك بيها سما . "
《مروان》 باحتقار
" تمضيها علي ورقة جواز من واحد متعرفوش من غير ما تعرف !"
《ناجي 》مبررًا
" لما تكون حربي مع ناس زيكوا يبقي كل شئ مباح . "
《مروان 》بانفعال
" انت جايبني هنا ليه ؟"
" مش عايز اكتر من حقي .."
" اللي هو ؟"
اتكأ علي المنضدة أمامه وهو يقول بنبرة متحفزة
" ارد اعتباري قدام بناتي و ارجع لهمت وآحد ارضي من صفوت …"
انطلقت ضحكة خالية من المرح من فم 《مروان》 الذي استطرد قائلًا
" ايه القناعة دي ؟ كل دي طلبات ؟ لا و كلها اصلًا مش من حقك . يخربيت بجاحتك !! دانتا واخد ثانويه عامة في التناحه . و دكتوراه في الوقاحة . مش عايز حد يدعكلك رجليك كمان ؟"
《ناجي》 بحنق
" خلصت تريقه ؟"
" تريقة . دانا ماسك نفسي اني اسفلت وشك بالعافية.."
" لو مخرستش و سمعتني. اقسم بالله بكرة هتكون سما في بيت جوزها…."
ابتلع جمرات غضبه الحارق وقال بهسيس
" لو قلت الكلمة دي تاني مش هتلحق تكملها.."
《ناجي》 بخداع
" حلو . هو دا الزوج اللي اتمناه لبنتي .. بس ناقصك شويه حاجات كدا بسيطة .."
ارتفع حاجبه بسخرية فتابع 《ناجي》 بث سمومه
" انت متفرقش حاجه عن سالم و سليم . بس هما ابوهم عززهم و انت ابوك اضحك عليه ابوك مباعش ارضه لمنصور زي ما فهمكوا. "
انكمشت ملامحه بحيرة تجلت في نبرته حين قال
" ازاي ؟"
اجابه 《 ناجي》 بحقد
" منصور استغل أنه محتاج و خد الأرض بأقل من ربع تمنها . و ابوك لأنه مكنش عايش هنا و مكنش فاهم وافق . و باقي الأملاك اللي منصور قال إنه باعها عشان كانوا مديونين كلها لسه موجوده.. و أبوك عرف كل دا صدفة."
" مفروض اصدقك ؟"
استفهم 《مروان 》ساخرًا فأجابه 《ناجي》 بتهكم
" طب ايه رأيك تسأله ليه مبينزلش هنا خالص ؟ ولا اقولك انا .. عشان لما عرف وواجه منصور مأنكرش و قاله انت غريب و ملكش حاجه هنا .ابوك يومها حلف يمين ما ينزل البلد تاني و لا هيسامح في حقه .ولو مش مصدقاني اسمع منه يحكيلك .."
" لو فرضنا ان كلامك صح عايز ايه بردو؟"
" عايزك تاخد حقك منهم . مع إني واثق أن سالم ألعن من أبوه وعمره ما هيديلك حاجة بمزاجه .."
《مروان》 بسخرية
" يبقي ناخدها منه غصب عنه صح ؟"
" ابتديت تفهم .. مبدأيًا كدا انا مش عايز أذي لحد . انا عايز اعيش بسلام .."
《مروان 》بسخرية
" النووي و السلام ميتفقوش أبدًا !"
تجاهل سخريته وقال بجدية
" هتساعدني و اساعدك ولا اصرف نظر عنك خالص .."
《مروان》 بتهكم
" و مين هيساعدك لو صرفت نظر عني..؟"
" كتير . انا ليا عيون عليكوا في كل مكان . عارف كل الخبايا اللي في مزرعة الوزان . تحب اقولك أمارة ؟'
تنبه 《مروان》 لحديثه فتابع 《ناجي》 بانتصار
" البت اللي اسمها لبني حازم هو اللي اغتصبها مش صاحبه .. و مش لوحده الي عمل كدا . دا معاه واحد كمان .."
تدلي فكه من فرط الصدمة التي اصطبغت بها لهجته حين قال
" انت بتقول ايه ؟"
" انت اللي هتقول معايا ولا عليا ؟"
لم يجيبه 《مروان 》انما امسك الهاتف وقام بالاتصال بوالده الذي ما أن أجاب حتي قال بجمود
" بابا احنا لينا حق فعلًا في رقبة عمي منصور ؟"
《مهران 》بصدمة
" بتقول ايه يا مروان ؟"
" اللي سمعته و ياريت تجاوبني بصراحه . عمي منصور سرق حقنا فعلا و باعلك الأرض بربع التمن ؟ و نصب عليك في الباقي ولا لا ؟"
《مهران》 بخيبة أمل
" للأسف دا حصل .."
اغمض 《مروان》 عينيه بصدمة تعاظمت حين تحدثت 《مهران》 محذرًا
" اوعي تطالب ولاد عمك بحاجة . ولاد منصور اكيد زيه وشبهه وحتي لو ادوني مال قارون مش هسامحه بردو . كفايه أنه كسر ثقتي فيه و طردني من املاكي زمان …."
انهي 《مروان》 مكالمته الهاتفية وسط نظرات 《ناجي》 اللامعة بسعادة تضاعفت حين قال 《مروان》 بغضب
" انا مش هأذي حد هاخد حقي و حق ابويا و بس .. "
" موافق .. نقرأ الفاتحة "
قهقه 《مروان》 بصخب قبل أن يقول بوقاحة
" شكلك زي الكلب اللي لقي عظمة بالظبط .."
" لو قليت ادبك تاني اعرف انك مش هتطول ضافر سما بنتي ولا حتي في احلامك .."
أومأ 《مروان》 قبل أن يضيف بجدية
" سما قبل اي حاجه .."
" موافق .."
مد 《مروان》 يده إليه وهو يقول بجدية
كدا يبقي اتفقنا… نقرا الفاتحة بقي.."
عودة للوقت الحالي
انتهي 《مروان》 من سرد ماحدث و دام الصمت بينهما لثوان وقد كانت نظرات 《سالم 》جامدة تمامًا ك لهجته حين قال
" جاي تقولي الكلام دا ليه دلوقتي ؟"
《مروان》 باندهاش
" تقصد ايه ؟"
《سالم 》بعتب يغلفه الحدة
" بعد ما حطيت ايدك في ايد عدوي و اتفقت معاه عليا جاي تقولي كدا ليه ؟"
صمت للحظات قبل أن يقول
" عشان عدوك عدوي يا ابن عمي .."
لامست جملته أعماق قلبه فزفر بقوة قبل أن يقول بجفاء
" و أشمعني استنيت كل دا عشان تقولي ؟"
《مروان》 باقتضاب
" مكنش ينفع اقولك كدا في البيت . انا مبقتش اثق في حد . عمتك معاه وشيرين كمان انا حتي شكيت في سما .. كان لازم اقولك بعيد عن البيت عشان مخاطرش أنه يعرف "
" و حقك و حق ابوك ؟"
" حق أبويا لوحده. وهو حر مع اخوه. وان كان هو و اخوه خسروا بعض عشان الفلوس انا مش هعمل كده معاكم ."
تعمقت نظرات 《سالم》 تجاهه وقال مستفهمًا
" مضعفتش يا مروان ؟ محستش أنك فعلًا صاحب حق وعايز تاخده من باب رد الاعتبار حتي ؟"
اخفض رأسه أرضًا قبل أن يجيب بنبرة هادئة
" ضعفت . بس كان للحظة. حطيتكوا في كفة و الفلوس و رد الاعتبار اللي قولت عليه ده في كفة . بس كفتكوا غلبت يا ابن عمي .."
صمت لثوان قبل أن يضيف بصدق
" كنوز الدنيا كلها متساويش جمعتنا سوي ولا وقفتنا في ضهر بعض . مش كل الرزق فلوس.. "
احتدت نظراته و ازدادت قتامة قال يباغته بلهجة آمرة
" انزل…"
تفاجئ 《مروان》 من حديثه و قد هوى قلبه حين ظن بأنه لم يصدقه فقال برجاء
" سالم .."
قاطعه بحدة
" قولت انزل .."
تهدلت أكتافه و ترجل من السيارة بألم سرعان ما تبدد حين رأي《 سالم》 الذي ترجل هو الآخر ليقف أمامه فقال 《مروان 》باندهاش
" هو في أي…."
لم يكد ينهي جملته حتي قابلته قبضة 《سالم 》القوية التي طالت أنفه قبل أن يقول بغضب
" دي عشان وسخت ايدك وحطيتها فى ايد الكلب دا.. "
لم يكد يستوعب حديثه حتي تفاجئ من لكمة أخرى لا تقل قوة عن سابقتها وصوته الخشن يقول
" ودي عشان سبت الكلب دا يهددك و مكسرتش دماغه .."
واحدة ثالثة كانت أقوى من سابقيها و لكن اختلت نبرته الفظة و شابهها ضعف كان جديد كليًا عليه حين قال
" و دي عشان حسستني اني فشلت للمرة الثانية في تربية ولادي .."
هل شاهد حقًا تلك اللمعة الخاطفة في عينيه؟ هل《 سالم》 الوزان عينيه تلمعان بالعبرات ؟ هل هذا الضعف في نبرته حقيقي ؟ دارت كل تلك الأسئلة بعقله الي أن انتهي 《سالم》من حديثه عند كلمة " ولادي " والتي تحكي مقدار حبه له و أيضًا تشير الي 《حازم 》الذي يحمل نفسه ذنب أخطاءه فاندفعت العبرات من مقلتيه وهو يتجاوز ألمه و يهرول الي ذراعي 《سالم》 المفتوحين علي مصرعهما وهو يتحدث بتأثر
" متقولش كدا انت عمرك ما كنت فاشل أبدًا. حازم غلط عشان هو وحش دا مش ذنبك . انت طول عمرك عظيم . و مثل اعلي لينا كلنا و ليا انا بالأخص .."
اشتد عناق 《سالم》 له إثر كلماته المؤثرة فتابع 《مروان 》وهو يشدد علي حروف جملته
" انت طول عمرك قدوتي و ابويا اللي بفتخر بيه . عمري ما اخونك يا سالم لو السكينة على رقبتي…"
لم يعتد تلك المواقف ولكن كانت فرحته تبلغ عنان السماء ببراءة من يعتبره ابنًا له فخرج صوته مبحوحًا متأثرًا حين قال
" الدنيا دي كلها عندي متساويش ضافر واحد منكوا . انتوا ولادي يا مروان و الضنا دا غالي اوي عمره ما يهون .."
**************
تشابه الليل و النهار معًا و اختلطت جميع ألوان الحياة بنظرها لتصبح رمادية هكذا هو حالها منذ أن فقدت طفلتها وانطفئ بريق الحياة بعينيها حتي أنها منذ ذلك اليوم وهي تنتظر أجلها المحتوم فقد كان هو السبيل الوحيد لنجاتها.
رن الهاتف الملقي بإهمال الي جانبها فلم تعير اي اهتمام فعاد ضجيج صوته مرة ثانيه وثالثه و رابعه الي أن ملت و شعرت بالسخط علي ذلك الشخص الوقح الذي لم يستسلم أبدًا و قامت بالرد قائلة باختصار
" مين ؟"
جاءها الصوت الساخر علي الطرف الثاني لتتجمد الدماء بأوردتها
" لسه نفس التكبر بردو .مغيرتوش السنين !"
ابتعلت ريقها محاولة الإبقاء علي هدوءها وقالت بمراوغة
" مين معايا ؟"
عاتبها بتهكم
" معقول نسيتي صوتي ؟ ولا مش معقول ليه إذا كنتِ نستيني بعد ما كنتِ في حضني بيوم واحد و اتجوزتي اخويا .. يبقي هتفتكري صوتي بعد كل السنين دي ؟"
أخذت دقات قلبها تدق بصخب تجلي في نبرتها المرتجفة حين قالت
" لسه كنت بقول مين الوقح اللي بيتصل و مش عايز يبطل دا . قلبي كان حاسس .."
" وحشتيني .."
" اخرس .."
قهقه بصخب قبل أن يقول بجدية
" جوزك فين ؟"
" و انت مالك ؟"
زفر بحنق قبل أن يقول بتهكم
" سمعت أنه بيفكر يتجوز اليومين دول. وبصراحه انا عاذره أنتِ مقصره معاه اوي و الراجل كان اصيل و صبر عليكِ كتير .. إلا قوليلي يا سهام . مكنتيش بتديله حقوقه عشان حزينة علي بنتك ولا مكنتيش قادرة أنه يلمسك وأنتِ بتحبي اخوه ؟"
" غرور ولاد الوزان الحاجة الوحيدة اللي خدتها منهم.. بالإضافة للاسم.."
هكذا خاطبته بتهكم فأجابها بمرارة
" اهي حاجه خدتها منهم ماهم خدوا مني كل حاجه . حتي الحاجه الوحيده اللي حبتها في حياتي خدوها مني .."
اخترقت سهام كلماته جراحًا ظنتها شُفيت منذ زمن ولكن اتضح بأنها مختبئة خلف رماد العمر الذي مضى دون أن تلحظ
" متصل عايز ايه ؟"
" بنتك لسه عايشه . و معايا .."
لم تصدق أذنيها و تدلي فكها من فرط الصدمة التي تجلت في نبرتها حين قالت
" بتقول ايه ؟"
" اللي سمعتيه.. بنتك لسه عايشه و معايا .."
فخًا نعم إنه فخ . هكذا أقنعت نفسها و رددته شفاهها حين قالت
" كذاب . ايوا انت كذاب . و بتقول كدا عشان توجعني زي ما وجعتك زمان .."
تشكلت غصة صدئة بجوفه قبل أن يقول بمرارة
" مش أنتِ اللي وجعتيني يا سهام و إلا مكنتش هسيب نجمة عايشه لحد دلوقتي .. بس احنا لسه فيها.."
صرخه خرجت من اعماق وجعها متبوعة بتوسل مؤلم
" لااا . ارجوك يا ناجي وحياة اغلي حاجه عندك . تقولي بجد بنتي لسه عايشه .."
لم يدع مكان لتلك المشاعر الغبية التي اجتاحته ما أن سمع ألمها فقال بقسوة
" قولتلك لسه عايشه .. البنت الشغالة اللي في بيت عبد الحميد عمران"
توقف عقلها عن العمل للحظات وهي تسترجع ذاكرتها نعم. هي حدثها قلبها بلهفة فقد ذكرتها بوالدتها . دق قلبها لها دون أن تعرف هويتها. ولا يمكن لقلب الأم أن يكذب
" عايزة اشوف بنتي يا ناجي .. ارجوك أتوسل اليك عايز اشوف بنتي .."
كلماته كانت كسكين نافذ نحر عنقها دون رحمة حين قال بقسوة
" لو عايزة تشوفي بنتك تطلقي من صفوت و تجيلي …"
هالها ما سمعت فقالت بصدمة
" أيه ؟ "
" اللي سمعتيه…"
بشفاه مرتعشة و قلب ينتفض جزعًا جادلته
" ليه؟"
" هاخد حقي اللي مخدتوش زمان…."
يتبع…..
قراءة ممتعة
متنسوش (لايك+ كومنت+ ♥️)
رواية بين غياهب الاقدار "في قبضةالاقدار الجزء الثاني" الفصل السابع والعشرون 27 - بقلم نورهان العشري
بسم الله الرحمن الرحيم
تنويه هام
الفصل دا هو آخر فصل نزلته بس طبعا ضفت فيه فلاش باك بيحكي كل الأحداث اللي فاتت و دا لسببين
اولا عشان نبدأ الأنشودة من اول ظهور حازم من غير ما نرغي في اللي فات عشان عايزين أن شاء الله نخلصها قبل رمضان
و ثانيا لإني اكتشفت أن روايتي مسروقه علي كذا موقع و كذا مدونة و منهم مواقف بفلوس و الناس عادي نزلتها و استحلت تعبي و بتقبض قصاده كمان 💔
و طبعا التحديث دا هيمنعهم أنهم يسرقوا الأنشودة لأن الأحداث مش هتبقي كاملة
و حسبي الله ونعم الوكيل
اتمني أن الفلاش باك اللي ضفتها تكون شارحه الأحداث شرح وافي و أن شاء الله اول فصل من الأنشودة بكرا باذن ♥️ يوم الجمعه بإذن الله نتقابل في المعرض انا مشاركه بروايه قمر اوي اسمها تردي في العشق قتيلًا
هتعجبكم أن شاء الله ♥️
قرأءة ممتعة و مستنيه تفاعلكم و ايه رايكم في دماغ سالم باشا و الخواطر و الشعر متنسوش تقولوا رأيكوا فيه ♥️♥️
الفصل السابع و العشرون و الأخير (بين غياهب الأقدار 🍓 جزء أول
لا بأس إن أخطأنا بإختيارنا لبعض الأشخاص، لا بأس إن ظننا أن بعض العلاقات قد تدوم للأبد. لا بأس إن قدمنا قلوبنا قربان لمن ظنناه سيُعطيها قدرها ولكنه تفنن في إزهاقها، ولكن كل البأس يكمُن في أن نظن بأن الحياة ستقف عند هذه النقطة، وأن كل البشر سيئون. فذلك الظلام الذي يحيط بنا لابد وأن يتبعه شروق شمس الأمل على قلوبنا لتُعيد إليها السكينة والطمأنينة من جديد.
نورهان العشري ✍️
رواية (تردى في العشق قتيلًا - ورقي -)
🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁
بعد مرور أسبوع
لم يكن الذنب ذنبي بل كان قدرًا معتدًا لم أقوى على عصيانه
واخترت بكامل أرادتي أن أموت بعينيك حامله بقلبي سرًا لا يسعني سوي كتمانه..
كم كان الأمر مؤلمًا أن أفارق و بقلبي حنين و شوق و حلم لا يقوى قلبي على تجاوزه أو حتى نسيانه..
ليتني لاقيت حتفي بين يديك ولا اهلك بقلبك الذي لم أشتهي في الحياة سوي العيش بين بُطينانه؟
تُري يا حبيبي هل ستغفر يومًا؟ وهل تُبسِط لقلبي الأمل أن يحيا بعد أن أهلكه الذنب وشانه؟
ذريعتي الخوف و ذنبي هو الضعف و جزائي لا استحقه و قلبي يتضرع و ينشد بين ذراعيك الأستكانة …
نورهان العشري ✍️
🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁
بخطٍ مرتجفة توجهت إلى باب الغرفة و قامت بفتحه بأنامل مرتعشة تحكي هول ما يعتمل بداخلها فوجدت الغرفة مظلمة إلا من نور بسيط ينعكس على ذلك الجسد الذي يتكئ على الأريكة المقابلة للشرفة فزفرت بتعب قبل أن تقول بنبرة مهتزة:
" ياسين .. جيت من بره امتا؟"
اخترق أذنيها صوت تنفسه الحاد والذي كان غلافًا لمحاولته في التحكم في غضبه العنيف فتقدمت منه خطوتين قائلة بنبرة أقوى :
" ياسين مش بكلمك ؟"
" كنتِ فين طول النهار ؟"
رغمًا عنها تراجعت خطوة للخلف لا تعلم بسبب رعبها منه أم قوة دقاتها الهادرة هي من جعلتها تتراجع ولكنها حاولت الثبات وتحمحم بخفوت قبل أن تقول بإرتباك:
" كنت.. كنت. مع بنات أصحابي .."
نصب عوده و وثب قائمًا يتقدم منها بأعين يلتمع بها شيء غريب لم تره من قبل بينما كانت ملامحه مشدودة بطريقة بثت الذعر بقلبها و خاصةً حين تحدث بهسيس مرعب:
" وأنتِ في كام يوم لحقتي عملتي أصحاب هنا؟"
كان الأمر مُريبًا و الهواء معبًأ برائحة الغضب الذي يتجلي بعروق رقبته البارزة و صدره الذي يعلو و يرتفع و كأنه يتشاجر مع أنفاسه ولكنها تجاهلت ذلك كله و ارتدت قناع القوة وهي تقول بغضب يغلف خوفها الكبير :
" هو أنت بتحاسبني ولا إيه يا ياسين ؟ اه عملت أصحاب و خرجت معاهم إيه المشكلة ؟"
شوهت ملامحه إبتسامة مروعة و اشتدت قبضته وهو يتمتم بسخرية مريرة:
" صح فين المشكلة ؟ أقولك أنا فين المشكلة ؟"
قال جملته الأخيرة تزامنًا مع ارتفاع كفه بالهواء ليسقط بقوة فوق وجنتيها مما جعلها ترتطم بقوة في الأرضية الصلبة فلم تكد تتغلب على صدمتها حتى تفاجئت به يعتليها برأسه و يديه تمسكان بخصلات شعرها تكاد تقتلعه من مكانه وهو يهدر بغضب جنوني:
" اه يا كلبة يا رخيصة يا كدابه… بتكذبي عليا وأنتِ عينك في عيني .. يا قذرة دانا شايفك بعيني وأنتِ في حضن واحد غريب .. يا قذرة …"
لم تبالي بصفعته الثانيه و توقف الكون بها إثر جملته فخرج الكلام من شفتيها دون وعي:
" أنت شفتنا ازاي ؟"
انشق قلبه لنصفين فكان الألم لا يحتمل و كأنه يتقيئ روحه و هو يتخيل هذا المشهد الذي روع قلبه و هي بين أحضان آخر
عودة الى وقتًا سابق
كان يقف مع أحد زملائه بالعمل في المبنى الرئيسي للكلية وإذا بعينيه تلتقمان تلك التي كانت تهرول الى خارج المبنى هائمه علي وجهها حتي أنها لم تستمع الي نداءاته فاستأذن من صديقه و خرج خلفها فتفاجئ بها تخرج من البوابة الرئيسية للجامعة فاختلط بقلبه الفضول و القلق معًا و توجه يتبعها الي أن خرج فلم يجدها أمامه فظل يتلفت حوله باحثًا عنها فإذا به يشعر بطلق ناري يجتاح صدره حين وقعت عينيه عليها في الطرف الآخر من الطريق تحتضن رجل آخر في وضح النهار و أمام العالم أجمع !
ألم هائل اجتاح صدره حتي أفقده التنفس للحظات انحبست أنفاسه المحتقنة داخل صدره الذي تعاظم به الألم حتي كاد أن ينفجر وهو يراها تُشدِد من عِناقِها لذلك الشاب الذي كان يعطيه ظهره و لم يكد يتجاوز صدمته حتي وجد الشاب يمسكها من رسغها يجرها خلفه و يستقلون سيارة أجرة منطلقين في وجهه غير معلومة بالنسبة له فجن جنونه و هرع الي سيارته و أخذ يدور بها باحثًا عنهم في البلد بأكملها بأقصى سرعة يمتلكها حتي كاد أن يدهس أكثر من ثلاث أشخاص في مرات متفرقة من فرط غضبه الممزوج بألم قاتل وهو يتخيل ماذا تفعل زوجته مع هذا الرجل ؟
جن جنونه أكثر عندما لم يجد لهما أي أثر حتي أنه حاول الاتصال بها مرات ومرات فلم تجيبه فلم يعد يحتمل ما يشعر به و توقف بسيارته أمام الشاطئ الذي هرول إليه بخطْ مبعثرة تحكي مقدار الثقل الهائل الذي يرسو بصدره فلم يعد يحتمله أكثر من ذلك فأخذ يصرخ حتي جُرِحت أحباله الصوتية و قام بسحب رابطة العنق التي يرتديها و إلقائها ثم فتح ازرار قميصه العلوية فلم يعد يصل الهواء إلي رئتيه فكادت أن تنفجر لولا شلال العبرات الذي تدفق من مقلتيه فخفف من وطأة عذابه الفاحِش فتهالك جسده وخر علي ركبتيه ينتحب بصمت و مشاهد مروعة لزوجته بأحضان رجلًا آخر تجتاح عقله الذي لم يعد يحتمل فأخذ يضرب علي رأسه بقوة حتي يوقف هذا الفيلم المرعب الذي سيقضي عليه بأشنع الطرق .. وهكذا ظل قابعًا في مكانه وقتًا طويلًا لا يعلم مدته الي أن هب من مكانه ينوي الذهاب الي البيت و داخله عزم علي شئ واحد كان هو الحل القاطع لما حدث !
عودة إلى الوقت الحالي
سرعان ما تحول الألم الهائل الذي يعصف بصدره الي غضب مرير تعدي مرحلة الجنون فخرج كل شيء عن السيطرة و صاح بصوت هز أرجاء البيت:
" دا كل اللي هامك يا رخيصة .. يا كلبة .. أنا هموتك و أغسل عارك …"
كان يصرخ بعنف ويديه تقبضان على عنقها يعتصرها بقوة جعلت من مرور الهواء إلى رئتيها أمرًا مستحيلًا وقد تضاعفت قوته بفعل الغضب لتجعل من مقاومتها له أمرًا مستحيلًا فاستسلمت لنهايتها القاتمة وكان آخر ما شاهده بعينيها هي نظرات إعتذار لم تستطيع الشفاة التعبير عنه
" يالهوي بتعمل ايه يا ياسين أتچننت ..؟"
هكذا صاحت «تهاني» التي سمعت صوت «ياسين» الغاصب فهرولت لتري ماذا يحدث و إذا بها تجده كان قاب قوسين أو أدني من أن يجهز علي زوجته !
بصعوبة استطاعت تخليص «حلا» من يديه والتي اخت تسعا بقوة وهو يناظرها بسهام مشتعلة اختلط بها الاحتقار و الألم معًا ولم يجيب علي تساؤلات والدته التي أخذت توبخه بغضب
" حوصول ايه عشان تعمل في البنته أكده ؟ دي الأمانة الي أهلها امنوك عليها يا ضكتور؟ "
كان يطحن أسنانه بغل وهو يمنع سيل العبرات من المرور عبر شفتيه لا يريد الإفصاح عن جُرمها أمام والدته يشعر بالخزي منها و من ألمه و غضبه و ثورة مشاعره التي تكاد تقتله في تلك اللحظة..
" أنا خارج ارجع الاقيكي لميتي شنطة هدومك و غورتي في ستين داهيه من هنا . مبقتيش تلزميني …"
هكذا تحدث بقسوة تطل من عينيه و تتجلي في نبرته و قد عزم علي التخلص منها و من عار قلبه الموشوم بعشقها فاوشك علي إطلاق سراحها من أسر زواجهم
" أنتِ طا…."
" اجفل خاشمك و إياك تنطوجها يا ولد …"
ارتعب الجميع من صوت «عبد الحميد» الذي دخل الي الغرفة في التوقيت المناسب ليحول دون وقوع الكارثة وسط شهقات «حلا» التي ارتفعت حتي اوشكت أن تمزق جوفها واخذ جسدها يهتز بقوة بين يدي «تهاني» التي أخذت تشدد من احتضانها بشفقة علي حال تلك المسكينة التي كادت أن تُزهق روحها قبل لحظات
" أنا حر يا جدي و هي معدتش تلزمني.. "
هكذا تحدث بنبرة حاول أن تتضمن اكبر قدر من القسوة التي كانت الستار الوحيد الذي يخفي خلفها ألمه الهائل فصاح «عبد الحميد» بحدة
" كنك چنيت ولا اي ؟ ايه الحديت الماسخ ده ؟ كنه الچواز و الطلاج لعبة ولا اي؟"
طفح الكيل و تعاظم الغضب بداخله حتي أظلمت عينيه فصاح بشراسة
" انا قولت اللي عندي . أنا بكرهها مبقتش عايزها . كلم أهلها ييجوا ياخدوها. ارجع ملاقيهاش وإلا وعزة جلالة الله لهكون دافنها هنا …"
انهي كلماته و هرول للخارج مارًا بجده الذي فطن إلي أن الأمر جلل فحفيده ليس بشاب طائش ليفعل كل هذا دون أسباب قوية لذا لم يجادله و تركه حتي يهدأ قليلًا ثم القي نظرة جامدة يشوبها الشفقة علي تلك التي كانت ترتجف بشدة بين احضان «تهاني» وقد علا صوت بكائها مما جعل «تهاني» تشاركها البكاء وهي تقول بنبرة متحشرجة
" جوليلي حوصول ايه يا بتي؟ انا عمري ما شوفته أكده أبدًا .. طمني جلبي و جوليلي في ايه ؟"
رغمًا عنها ارتقت نظراتها الي «عبد الحميد» الذي كان الفضول يقرضه لمعرفة ماذا حدث ولكن ما أن رآي نظراتها حتي تراجع إلي الخارج بصمت فما أن سمعت «حلا» صوت إغلاق الباب حتي التفتت الي «تهاني» وهي تقول بلهفه
" أنا واقعه في مصيبة يا طنط . و مش عارفه اعمل ايه ؟ "
«تهاني» بذعر
" حوصول ايه يا بتي مصيبة ايه كفانا الله الشر.. جولي سيبتي ركبي .."
أغمضت عينيها تتذكر الساعات القليلة الماضية التي قلبت حياتها رأسًا علي عقب ..
عودة لوقت سابق
جالسة بالقاعة تدون أحدي المحاضرات فوجدت رقم مجهول يتصل بها فلم تعيره انتباه في البداية و تابعت ما كانت تفعله ولكن تفاجئت من رسالة نصية تصل إلي هاتفها فالتقطته تري فحواها الذي جعل حواسها كلها تتأهب
" حلا ردي عليا ضروري عايزك في حاجه تخص اخواتك .."
داهمتها حوافر القلق واحتارت ماذا تفعل ؟ و ما أن رن الهاتف مرة أخرى حتي انصاعت لفضولها القاتل و أجابت ولكن دون ان تتفوه بحرف و فجأة شعرت بالدنيا تدور بها حين سمعت صوتًا تحفظه عن ظهر قلب
" حلا . "
نفي عقلها تلك الحقيقة المستحيلة بينما أكدها قلبها الذي لم يخطئ في معرفة أحبابه
" ردي عليا يا حلا .. انا عارف انك مصدومة بس دي حقيقة انا لسه عايش مموتش .."
تخبطت سحب عينيها بقوة فأمطرت بينما كل خلية بجسدها ترتجف فوصله صوت بكائها فصاح بنبرة مختنقة
" بالله عليكِ تردي عليا .. اقولك لو مش مصدقاني انا قدام الجامعة عندك اخرجي من البوابة هتلاقيني واقف الناحية التانيه . تعالي و أنتِ هتتأكدي بنفسك .."
قادتها قدماها الي حيث وصفه وهي في حالة من اللا وعي و كأنها منومه مغناطيسيًا فلم تسمع نداءات «ياسين» لها فقد كان قلبها يقودها إلي الخارج بلهفة جعلت دقاته تتخطي المليون دقة في الثانية الواحدة ..
توقف بها الزمن للحظة وهي تري ذلك الظل الذي لم تخطئ عينيها في معرفة صاحبه ..
كان الامر دربًا من الجنون فلم تتمالك نفسها و هرولت غير عابئة لا بالسيارات التي كادت أن تدهسها ولا بصراخ الناس فقط تريد أن تتلمس ملامحه تستنشق رائحته ..
هل خابر أحدكم هذا الشعور ؟
شعورًا لا يضاهيه أي شعور في العالم.. أن يعود ذلك الغائب الذي هلك الفؤاد حزنًا علي رحيله ؟
أن تري فقيدك الذي جفت ينابيع الدمع ألمًا علي فراقه و اهترأت الروح لوعةً له و اشتياق ؟
(ياليت الغائبون يعودون يومًا 💔 رحم الله فقدائي و فقدائكم و جعلهم في الفردوس الأعلي )
عناق طويل وقوي كاد أن يحطم صدورهم و بكاء حار جعل المارة يتلفتون إليهم ولكنهم لا يأبهوا لذلك فقد طال الشوق و تعاظم بالصدور حتي أضناها ولكن همسات الناس من حولهم جعلته يتراجع عنها وهو يقول بتوجس
" تعالي معايا نمشي من هنا عايز اتكلم معاكِ .."
لم تفطن الي ما حدث فإذا به يأخذها ليستقلوا سيارة أجرة انطلقت بهم الي وجهة لا تعلمها فالتفتت تناظره بعد أن استعادت بعضًا من هدوءها و تيقظ عقلها لحقيقة عودته فقالت بصوت مبحوح من فرط البكاء
" انت ازاي مموتش يا حازم ؟ و كنت فين كل دا ؟ و ايه اللي حصل ؟"
سقط في بئر الهاوية الذي صنعته يداه فلم يعد يعلم من اي خطيئة سيبدأ لذا قال باستهلال
" الموضوع كبير و يطول شرحه يا حلا .. المهم عايزك تعرفي اني مظلوم و كنت ضحية لناس عايزين يأذوا اخواتك .."
جن عقلها من حديثه فصاحت بغضب
" انت كدا بتفهمني ولا بتقلقني و تلخبطني اكتر .."
صرخ بتأفف
" حلا اسمعيني مش وقت استجوابك . قولتلك هحكيلك علي كل حاجه .. "
قاطعته بحزم
" احكي سمعاك .. "
مسح صفحة وجهه بيدين ترتجف من فرط التوتر ثم هدر بيأس
" أنا كنت مسافر بره .."
"و بعدين .."
نكث رأسه في خزي وهو يقص عليها مقتطفات من جرائمه
" كان في بنت . وانا مكنتش في وعيي و بعدين فوقت لقيتها غرقانه في دمها. انا مكنتش حاسس بحاجه اقسم بالله.. معرفش ازاي عملت كدا . "
«حلا» بذهول
" بنت! انت تقصد جنة ؟ ولا دي بنت تانيه غيرها ؟"
ضيق عينيه حين سمع اسمها ثم قال بحشرجة
" لا . دي واحدة تانيه .. صدقيني أنا ماكنش قدامي حل غير اني اهرب .. انا .. انا "
برقت عينيها من حول ما استشفته من حديثه فقد اخذت ترتب قطع الأحجية حتي وصلت إلي حقيقة مروعة فخرجت كلماتها مذبوحة الأحرف حين قالت
" انت ايه يا حازم ؟ "
صاح مدافعًا عن جُـرمه العظيم
" أنا هربت عشان كنت خايف عليكوا من الفضايح ..أنتِ و اخواتك و ماما .. ماما كانت اكيد هتموت فيها لو عرفت حاجه زي دي.. خوفت عليكوا …"
تناثر القهر من عينيها علي هيئة عبرات أحرقت صفحة وجهها بسخونتها كما أحرقت كلماتها المشتعلة جوفها حين صاحت به
" خوفت علينا . بقي كل العذاب اللي عشناه و المرار الي دوقناه و احنا بندفنك بإيدينا و تقولي خفت علينا.. و ماما اليي كانت بتموت مننا و دخلت المستشفي كام مرة تقولي كنت خايف عليها ! دا انت لو قاصد تموتها مكنتش هنعمل كدا .. انت ايه شيطان .. ؟"
قالت جملتها الأخيرة صارخه حتي احترق قلبها فاحرقته حين صاحت وهي تضربه علي صدره بقبضتيها وهي تصيح بقهر
" ياريتك ما رجعت ..ياريتك كنت فضلت ميت .. ياريتك فضلت ميت .. ياريتك ما رجعت.. علي الاقل كنت هفضل احبك و حزينه عليك العمر كله .. "
حاول تهدئتها قدر الإمكان فصوت بكائها كان ينخر في عظام رأسه و لم يعد يحتمل لذا قال بيأس
" الله يخليكِ تسمعيني . أنا مقداميش حد غيرك يساعدني .. انا هضيع يا حلا . ابوس ايدك سامحيني .."
ناظرته بعينين يقطر منها الذهول و الاستفهام الذي انبثق من شفتيها علي هيئة حروف مبعثرة
" اساعدك ؟ انت عايز ايه ؟"
صاح بلهفه
" عايزك توصليني بسالم و سليم بعد ما تحاولي تحنني قلبهم عليا شويه . والله مكنش ذنبي دا ناجي الكلب هو اللي دبر لي كل دا .. "
" ايه ؟ ناجي ابو سما ؟ "
هكذا استفهمت بصدمة لونت معالمها فأجابها بتأكيد
" ايوا هو …"
قاطع استرساله في الحديث رنين هاتفه فما أن رأي المتصل حتي أطلق سُبة نابيه من بين شفتيه قبل أن يجيب بتأفف و يبدو أن ما سمعه علي الطرف الآخر أثار جنونه لذا هدر بقوة
" المرة دي اقسم بالله هقتلك يا ناجي .. استناني و اياك تعمل اي حاجه انا جايلك .."
اغلق «حازم» الهاتف فصاحت بذعر
" في ايه يا حازم ؟ عايز منك ايه الراجل دا ؟'
«حازم» بلهفه
" أنا هروحك دلوقتي واوعدك هكلمك و هجيلك تاني نكمل كلامنا. لكن أنا لازم امشي دلوقتي عشان الحق ابن الكلب داقبل ما يضيعنا كلنا .."
صاحت بعويل
" ابوس ايدك عرفني في ايه انا هموت من الرعب .."
«حازم» بطمأنه
" متخافيش . اوعدك كل حاجه هتتحل .. بس أنتِ اوعي تقولي لحد انك قابلتيني و خصوصًا جوزك دا ممكن يقتلني .."
" يا نهار اسود .. طب و الحل .."
اخذت تلطم خديها بذعر فصاح بها معنفًا
" بطلي لطم بقي و اسمعي اللي قولتلك عليه . و أنا هكلمك في اقرب فرصة .."
عودة الي الوقت الحالي
أنهت «حلا» سرد ما حدث وهي تقول بقهر
" ياسين شافني وأنا حضناه و افتكرني بخونه…"
" يا مُري .. بتجولي ايه . بجي حازم لساته عايش ؟ دي مصيبة و حلت فوج روسنا .. "
هكذا صاحت «تهاني» بعد أن قصت عليها «حلا» ما حدث و أخذت تولول فاوقفتها «حلا» قائلة من بين انهيارها
" ابوس ايدك متعمليش كدا .انا قولت أنتِ الوحيدة اللي هتساعديني .."
«تهاني» باستنكار
" اساعدك ! اساعدك في ايه ؟ ده مرار و هيحوط علينا كلاتنا. و اول اللي هيطوله المرار الطافح ده البنية الغلبانه اللي بجت متچوزة اتنين دلوق.. ولا اخوكي إلى عيعشجها هيعمل ايه ؟ ولا ولدي . اه علي ولدي اللي مش هيمرجها واصل .. يامري ياني .. يا مري ياني "
صاحت «حلا» في محاولة منها لتهدئها
" مانا بحمد ربنا أن ياسين شافه من ضهره . و إلا كان ممكن يرتكب جريمة قتل .."
«تهاني» بسخرية
" ماهو كان هيرتكب ياختي . ماني شايله يده من فوج رجبتك و أنتِ بتطلعي في الروح .."
اخفضت رأسها بألك وهي تتذكر نظراته الكارهه و المحتقرة لها و قالت بألم
" ياريتها تيجي علي قد موتي و كان كل شئ يتحل .. "
«تهاني» بغضب مقيت
" و ابني يبجي جتال جتلة عشان خاطرك أنتِ و اخوكي؟"
التف طوق الذنب حول عنقها حتي كاد أن يخنقها فقالت بقهر
" متقلقيش انا هخرج من حياته و همشي قبل ما يرجع زي ما هو قال .."
صرخت بها «تهاني» و قالت بصرامة
" اجفلي خشمك و بطلي تخربطي بالكلام . أنتِ مهتخرجيش من هنا واصل .. سامعه يا بت الوزان .. "
«حلا» بذهول
" أنتِ بتقولي ايه ؟ دا حلف لو رجع و لقاني هيموتني.."
«تهاني» بصرامة
" مش هيجدر يعمل أكده . لكن لو عرف أن المحروس اخوكي لساته عايش هيبجي بحر دم مالوش آخر . جعادك هنا الحل الوحيد اللي هيمنعه أنه يعمل اي حاچة.. "
فطنت الي ما تقصده «تهاني» و اخفضت رأسها بألم فما حدث لا يصدقه عقل و كذلك القادم سيكون سئ علي الجميع و من بينهم هي و تلك المسكينة «جنة» …
★★★★★★★★
الإيمان قوة لا تقهر . لا يضام من آمن قلبه بأن الله عز وجل لا يضيع أجر من أحسن عملًا . و الصبر على الابتلاءات هو أشد أنواع الإيمان . و إختبار ل معادن القلوب التي إما أن تضِل و تسير هائمه في دروب العبث و اللهو أو تنشد أصعب الحلول و أشقها وهو الصبر.
كان طريق الوصول سهلًا للحد الذي يبعث الريبة في النفوس بأن القادم لن يكُن هينًا.
اندفعت سيارات الدفع الرباعي عبر البوابة التي كانت مفتوحة على مصراعيها و كأنها في انتظارهم !
عادت به الذاك
لم يكُن هناك الكثير من الحرس وكأن من بالداخل يعلم مقدمًا بأنهم لم يأتوا لسفك الدماء أو ما بحوزته يغنيه عن استعمال السلاح !
" اول ما اديك الإشارة تخلي القوات تهجم . في حساب لازم اصفيه معاه الأول .."
هكذا تحدث 《سالم 》إلى《صفوت》 الذي تفاجئ به يترجل من سيارته في آخر صفوف السيارات وهو يزمجر بغضب :
" قصدك نصفيه يا ابن اخويا .. عمك مش عيل .. هيسيبك تدخل تنقذ بنته و مراته وهو واقف بره مستنيك .."
زفر 《سالم》 حانقًا :
" هتقدر تتحكم في اعصابك ؟"
《صفوت》 بقسوة:
" هو ونصيبه .."
كانت تلك آخر كلمة تفوه بها و هو يقف أمام 《سالم》 و 《طارق》 الذي هدر بعنف :
" لازم نهايته تبقي عبرة يا سالم .. اللي عمله الكلب دا مش قليل ! "
يعلم جيدًا مقدار ما يجيش بصدورهم من غضب لذا صاح مُحذرًا :
" مش عايز دم .. ولا اسم ناجي الوزان يتذكر اللي جوا دا دانيال روبرت .. ومش هسمح بأي خساير! مفهوم ؟"
ردد الجميع ما عداه فشدد على كلماته بنبرة أعنف:
" صفوت ؟"
قست عينيه و شابهتها لهجته حين قال :
" قول يارب .."
تقدم 《سالم》 بعينين سوداء يغلفهما الغضب و بدا و كأنه يتشاجر مع خطواته فقام بركل الباب الداخلي لهذا المبني المقيت و كلًا يحمل سلاحه و خلفهم مجموعة كبيرة من الرجال المُدججين بالسلاح فوجدوا القاعة خالية تمامًا بها درج كبير يصل للاعلي و على الجانب الأيسر يوجد ثلاثة أبواب مغلقة وعلى الجانب الأيمن ثلاثة أبواب أخرى و ساعة حائط كبيرة و التي كانت تدق بشكل مُثير للأعصاب فمشط 《سالم》 المكان بعينيه بصمت دام لدقائق فلم يتمالك 《طارق》 نفسه وقام بالتصويب على تلك الساعة اللعينة و فجأة سمعوا أصوات الأبواب و النوافذ المُحيطة بهم تُغلق و غمر الظلام المكان من حولهم . فقام الثلاث رجال بشد أجزاء أسلحتهم تحسبًا لأي شيء فتفاجئوا بدائرة ضوء تنحدر من أعلى الدرج أمامهم و بداخلها أكثر الأشخاص بغضًا لثلاثتهم!
" يا أهلًا بالحبايب .. متجمعين عند النبي (عليه أفضل الصلاه واذكى السلام) ان شاء الله "
انكمشت ملامحه غضبًا لدى سماعه صوت 《ناجي》 الذي بدا مُستمتعًا فأراد تعكير صفو شره حين قال :
" إحنا دايمًا متجمعين .. و دى أكتر حاجة تعباك ."
صوت 《سالم》 الفظ و ثباته الذي لطالما تمتع به إضافة إلى حديثه المقيت بالنسبة إليه جعلوه يقول محاولًا استفزازه :
" دا اللي أنت بتحاول تقنع نفسك بيه ! إنك الكبير اللي محاوط حبايبك و لاممهم حواليك بس الحقيقة غير كده .."
زفر بحنق أتبعه قوله الفظ وهو يشير للظلام حولهم:
" بقولك ايه بلاش شغل الافلام دا وأقف زي الرجالة نتكلم . عشان مجهزلك شويه مفاجئات انا واثق أنها هتعجبك "
《ناجى》 بإستمتاع :
" وماله .. انت تؤمر ! أصل أنا كمان مجهزلك مفاجأة ايه جبارة بس الأول خد البت مرات اخوك دي اللي صدعتني هي و ابنها عياط من امبارح "
قال جملته الأخيرة بتأفف وهو ينظر خلفه إلى《جنة 》التي كانت تحتضن 《محمود》 بين ذراعيها تهرول إلى 《سالم 》الذي احتضن كتفيها بيديه وهو يقول بإهتمام:
" أنتِ كويسة ؟"
اومأت برأسها وهي تقول بهمس
" كويسه.."
" عملك حاجه ؟"
صاح 《ناجي》 بملل :
" يا عم والله ما عملتلها حاجه .. دا أنا اللي أنقذت الواد الزنان دا . و بعدين انا كل اللي كنت عايزة أنها تحضر جمعتنا الحلوة دي .."
سالم بهسيس مرعب:
" حسابك تقل اوي ! "
《ناجي》 بنفاذ صبر :
" بقولك ايه يالا نبدا العرض "
فرقع 《ناجي》 بإصبعه فعم النور المكان ليتفاجأ الجميع بانفتاح أول باب ليظهر منه《 مروان》 الذي كان يقف بجمود مُشبِكًا يديه خلف ظهره فناظره كُلًا من 《صفوت 》و 《طارق》 بصدمة ترجمها الأخير دون وعي
" مروان !"
قهقه 《ناجي》 قبل أن يقول بغضب مفتعل:
" أخس عليك يا مروان .. مش كنت تخليني أمهد لهم الأول ؟؟ كدا تطلع في وشهم فجأة! "
《سالم》 بجفاء :
" مروان الخاين ؟ هي دي المفاجئة بتاعتك !"
ابتسم 《ناجي》 بتفاخر :
" لا دا أول كارت في اللعبة .. مروان باشا جوز بنتي الغاليه اللي باعك و باع عيلته عشان ست الحسن و الجمال ! و الشهادة لله نفذ المطلوب منه بالحرف الواحد . أنا كنت شاكك فيه لحد آخر لحظة بس كسب ثقتي لما عمل الكبيرة و مضي الباشا على ورق التنازل عن الأرض مهر سمسمه بنتي.. الحريم بردو ليهم تأثير جبار .. ها ايه رأيك يا كبير ؟"
أطلق تنهيدة قوية قبل أن يقول بفظاظة :
" هات كل اللي عندك؟"
《ناجي》 بتهديد :
" لا جامد .. سالم الوزان جامد بردو مش حتة عيل زي مروان دا يهزه.. بس أنا بردو واجب عليا أحذرك مش هتقدر على اللي عندي !"
" بطل لك النسوان دا و هات اللي عندك عشان أنا خلقي ضيق !"
هكذا أجابه 《سالم》 بملل فابتسم بتخابث قبل أن ينفتح الباب الثاني و تخرج منه 《هِمت》 التي كانت ملامحها جامدة و عينيها زائغة و لم تتفوه بحرف واحد فصاح《 ناجي》 بتهليل :
" همت هانم الوزان .. ملكة عيلة الوزان .. المدللة الأولى لأبوها و أخوها و البلد كلها .. مراتي ! اللي فاقت وعرفت قيمة جوزها .. و قد ايه اتظلم زمان .. و قررت انها أخيرًا تقف معاه.. و الشهادة لله شغلها كان على نضيف أوي و عرفت تخليك تبيع هدومك صح ! "
شيعها 《صفوت》 بنظرات الخسة قبل أن يقول بإحتقار:
" يا خسارة . الغالي رخص أوي !"
صاح 《ناجي 》معنفًا:
" عندك يا باشا .. انت اخويا الكبير اه بس إلا مراتي .. مش مراتك بس اللي خط أحمر ! مع أن ناجي الوزان نسوان الدنيا كلهم متقفش قصاده ! "
انكمشت ملامح 《صفوت》 بحيرة من حديث 《ناجي《 الذي لون الخبث عينيه التي توجهت إلى الباب الثالث فخرجت منه 《سهام 》تحتضن 《نجمة》 ابنتها بملامح واجمة و عينين شوهتها خطوط حمراء خلفها كثرة البكاء فجمدت ملامح 《صفوت》 بثوان قبل أن تخترق آذانه كلمات《 ناجى》 المسمومة:
" سهام هانم النجار .. حرم سيادة اللواء .. دي العشق بقي . أول حب في حياتي و أول حضن أول بوسة ، أول دقة قلب .. "
صمت لبرهة قبل أن يتابع بمرارة:
" و أول سكينة اتغرزت في قلبي .. بس الحمد ربنا هداها و صلحت غلطها و رجعتلي تاني ! بعد ما أطلقت منك .."
عودة الي وقتًا سابق
مين ؟"
جاءها الصوت الساخر علي الطرف الثاني لتتجمد الدماء بأوردتها
" لسه نفس التكبر بردو .مغيرتوش السنين !"
ابتعلت ريقها محاولة الإبقاء علي هدوءها وقالت بمراوغة
" مين معايا ؟"
عاتبها بتهكم
" معقول نسيتي صوتي ؟ ولا مش معقول ليه إذا كنتِ نستيني بعد ما كنتِ في حضني بيوم واحد و اتجوزتي اخويا .. يبقي هتفتكري صوتي بعد كل السنين دي ؟"
أخذت دقات قلبها تدق بصخب تجلي في نبرتها المرتجفة حين قالت
" لسه كنت بقول مين الوقح اللي بيتصل و مش عايز يبطل دا . قلبي كان حاسس .."
" وحشتيني .."
" اخرس .."
قهقه بصخب قبل أن يقول بجدية
" جوزك فين ؟"
" و انت مالك ؟"
زفر بحنق قبل أن يقول بتهكم
" سمعت أنه بيفكر يتجوز اليومين دول. وبصراحه انا عاذره أنتِ مقصره معاه اوي و الراجل كان اصيل و صبر عليكِ كتير .. إلا قوليلي يا سهام . مكنتيش بتديله حقوقه عشان حزينة علي بنتك ولا مكنتيش قادرة أنه يلمسك وأنتِ بتحبي اخوه ؟"
" غرور ولاد الوزان الحاجة الوحيدة اللي خدتها منهم.. بالإضافة للاسم.."
هكذا خاطبته بتهكم فأجابها بمرارة
" اهي حاجه خدتها منهم ماهم خدوا مني كل حاجه . حتي الحاجه الوحيده اللي حبتها في حياتي خدوها مني .."
اخترقت سهام كلماته جراحًا ظنتها شُفيت منذ زمن ولكن اتضح بأنها مختبئة خلف رماد العمر الذي مضى دون أن تلحظ
" متصل عايز ايه ؟"
" بنتك لسه عايشه . و معايا .."
لم تصدق أذنيها و تدلي فكها من فرط الصدمة التي تجلت في نبرتها حين قالت
" بتقول ايه ؟"
" اللي سمعتيه.. بنتك لسه عايشه و معايا .."
فخًا نعم إنه فخ . هكذا أقنعت نفسها و رددته شفاهها حين قالت
" كذاب . ايوا انت كذاب . و بتقول كدا عشان توجعني زي ما وجعتك زمان .."
تشكلت غصة صدئة بجوفه قبل أن يقول بمرارة
" مش أنتِ اللي وجعتيني يا سهام و إلا مكنتش هسيب نجمة عايشه لحد دلوقتي .. بس احنا لسه فيها.."
صرخه خرجت من اعماق وجعها متبوعة بتوسل مؤلم
" لااا . ارجوك يا ناجي وحياة اغلي حاجه عندك . تقولي بجد بنتي لسه عايشه .."
لم يدع مكان لتلك المشاعر الغبية التي اجتاحته ما أن سمع ألمها فقال بقسوة
" قولتلك لسه عايشه .. البنت الشغالة اللي في بيت عبد الحميد عمران"
توقف عقلها عن العمل للحظات وهي تسترجع ذاكرتها نعم. هي حدثها قلبها بلهفة فقد ذكرتها بوالدتها . دق قلبها لها دون أن تعرف هويتها. ولا يمكن لقلب الأم أن يكذب
" عايزة اشوف بنتي يا ناجي .. ارجوك أتوسل اليك عايز اشوف بنتي .."
كلماته كانت كسكين نافذ نحر عنقها دون رحمة حين قال بقسوة
" لو عايزة تشوفي بنتك تطلقي من صفوت و تجيلي …"
هالها ما سمعت فقالت بصدمة
" أيه ؟ "
" اللي سمعتيه…"
بشفاه مرتعشة و قلب ينتفض جزعًا جادلته
" ليه؟"
" هاخد حقي اللي مخدتوش زمان…."
«سهام» بذعر نشب مخالبه في قلبها الملتاع
" انت بتقول ايه يا ناجي ؟"
صرخ بصوت قاسٍ
" اللي سمعتيه .. دي آخر فرصة ليكِ عشان تشوفي بنتك و إلا هدبحها قدام عينك و عينه . "
" لا لا لا لا .. هعمل كل اللي انت عايزه .. "
هكذا صرخت بقهر فأرضاه جوابها كثيرًا فتحدث بحزم
" هكلمك بكرة في نفس الميعاد تقوليلي انك اتطلقتي و أنا هقولك تعملي ايه ؟"
لم يعطيها الفرصة لتجيبه فقد اغلق الهاتف فأخذت عبراتها تسقي الأرض أسفلها فهذا الحقير هو من تسبب في معاناتها طوال السنوات الماضية ؟ وهي التي كان الذنب يأكلها كونها لم تستطيع أن تدافع عن عشقهم في الماضي و أجبرت علي الزواج من أخيه و اتضح أنها نجت بالابتعاد عنه.
فأي وحشًا هذا الذي قد أحبته و سلمت له قلبها بيوم من الأيام ؟
" دا مش وقته يا سهام .. بنتك اهم من أي حد . لازم تعملي المستحيل عشان ترجعيها لحضنك تاني ."
هكذا حادثت نفسها وهي تكفكف عبراتها متوجهه الي الأسفل لتنفيذ ما طلبه منها هذا الوحش و ما أن وصلت إلي غرفة الجلوس حتي تسمرت بمكانها وهي تستمع الي كلمات «صفوت» المعذبة وهي يقول لسالم عبر الهاتف
" لا طبعًا مقولتلهاش حاجه . هخاف عليها دي ممكن تقع و متقومش المرة دي .."
رق قلبها لنبرة الخوف في صوته وانخرط قلبها في نوبة ألم عنيفة كادت أن تجهز عليها ولكنها ابتلعت غصتها الحارقة و تجاوزت ألمها لأجله مذكرة نفسها بأن سلامة ابنتها اهم من أي شئ و أي شخص ..
دلفت الي الداخل وهي تناظره بقسوة تجلت في نبرتها حين قالت
" من غير اي جدال ولا كلام كتير طلقني…"
تفاجئ «صفوت» من حديثها و زاغت نظراته الي «عمار» الذي شعر بالحرج فتحمحم قبل أن يقول بخشونة
" طب هستأذن أنا بقي يا صفوت بيه و ابجي أچيك وجت تاني .."
ما أوشك أن يتحرك من مكانه حتي أوقفته كلمات «سهام» الحادة
" استني عندك يا عمار. عشان تبقي شاهد عاللي هيتقال هنا …"
جهر «صفوت» بتحذير
" سهام … "
سهام بقسوة
" طلقني …"
التفت إلي «عمار» قائلًا بأمر
" امشي دلوقني يا عمار .."
صاحت بانفعال
" مش هيمشي و هتطلقني . "
تحلي بفضيلة الصبر و هو يحاول ألا يؤذيها بقول أو فعل قد يندم عليه فهو يعلم بأنها ليست في حالتها الطبيعية
" اهدي يا سهام وهعملك اللي أنتِ عيزاه …"
سهام بحدة خلفها قلب يحترق قهرًا من نظراته التي تتوسل لها بألا تحرجه أكثر
" حلو يبقي عمار يجيب المأذون و يشهد علي طلاقنا…'
" أنا لحد دلوقتي مش عايز افقد اعصابي . فبلاش تتمادي اكتر …"
علمت أنها لم تخرج ظافره في هذه الحرب الهوجاء لذا استخدمت أكثر الطرق خسة تاركه قلبها ينتحب في الزاوية
" طب ايه رأيك بقي انا هشهد عمار عليك .. قولي يا عمار . لما الراجل ميبقاش عارف يحمي بيته ولا مراته يبقي في عينيها راجل..؟"
أنهت كلماتها تزامنًا مع صفعة قويه نالها خدها من يد «صفوت» الذي انتفض كبرياءه الذي دهسته كلماتها فلم يستطيع التحمل أكثر بينما هي تركت روحها تحترق قهرًا علي جرمها في حق كبرياءه و التفتت تقول له بجمود
" طلقني …"
" أنتِ طالق …"
هكذا قالها «صفوت» كرد قاطع لم يتواني لحظة عن نطقه فانطلقت الكلمة كطلق ناري في منتصف قلبها الذي تناثرت أشلائه قهرًا تجاوزته بشق الأنفس وهي تقول بلهجة مرتجفة
" خلي عمار يجيب المأذون عشان يخلص …"
بعد مرور ساعتين انتهي المأذون من إجراءات الطلاق و هرولت هي إلي غرفتها هاربة من عتب لم يتجاوز حدود شفتيه انما ارسلته عينيه علي هيئة نظرات قاتلة لم تستطيع تحملها و هرولت الي الأعلي تلملم حاجياتها بعشوائية اخترقها رنين هاتفها فالتقطته من علي المنضدة وهي تجيب فتفاجئت حين سمعت صوته الذي تشوبه فرحة غامرة حين قال
" مبروك يا عروسه .. لو اعرف ان نجمة هتخليكِ تتصرفي بسرعة كدا كنت خطفتها من زمان .."
«سهام» بذهول
" انت عرفت منين ؟"
تجاهل استفهامها و اشتعل بجوفه شوق عارم مهما حاول قمعه لا يفلح فقال بصوتًا أجش و انفاس محترقه
" مش مهم .. المهم انا عايزك .. عايز اشوفك "
لامس الذعر قلبها عندما سمعت حديثه وما أوشكت أن تجيبه حتي تفاجئت حين سمعت الباب خلفها يفتح و صفوت يقترب منها باندفاع و قام بسحبها بقوة ليلصقها بالخزانه خلفها وهو يزمجر بألم
" ليه ؟؟"
لم تفلح في قمع عبراتها التي قذفها بركان وجعها الثائر فتعالت شهقاتها لتشق سمع الشقيقان فأردف «صفوت» بصراخ
" ليه عملتي كدا ؟ كنتِ قاصدة تكسريني قدامه؟ "
ازدادت عبراتها إنهمارًا تزامنًا مع كلماته الجريحة حين قال
" انا في نظرك مش راجل يا سهام ؟"
همست بألم من بين عبراتها
" أرجوك سيبني .. كفاية بقي .."
أي ألم هذا الذي يتجاوز حدود العقل فيجعل كل خليه في الجسد ترتجف حتي الحروف التي خرجت من بين شفتيها حين قالت
" كل شئ انتهي خلاص .."
لحظة ضعف أن تجاوزها سينجو و لكن كيف له أن يتجاوز تلك العينين التي وقع بعشقها منذ أكثر من خمسة و عشرون عاماً والتي كانت تصاحبه في لياليه الطويلة حين كان في كلية الشرطة و التي كانت حلمه الوحيد و لكن بعد أن وقع بعشقها احتلت كل شئ داخله وأصبحت حلمه الوحيد ..
نفضها من يده كمن ينفض قذاره علقت بثيابه و شيعها بنظرات تعانق بها الضدين الكره و العشق معًا و قال بنبرة قاسية
" عندك حق بس للأسف انتهي متأخر اوي. كان مفروض ميبتديش أصلًا "
أظلمت عينيه من فرط الألم الذي ضاق به الفؤاد فأراد أن تتجرع جزءًا ولو بسيطًا منه فهدر بقسوة
" أنتِ مكنتيش تستحقي غير واحد زي ناجي .. هو دا آخرك . "
أيا قلب قتله العشق ماذا أنت فاعلًا بنا أكثر ؟
ألا يكفيك تلك اللوعة و هذا الهوان الذي أصاب خيلائِنا في مقتل ؟
علِم الحبيب مكانته بين طيات الروح فولى و اعرض و علي هوانا تكبر !
هل يُرضيك عذابنا و جِراحنا أم أنك اعتدت علي الجوى ولم تعد به تتأثر ؟
فلتغربي يا شمس الهوى عن كوننا واخبري حبيبي أن الفؤاد الذي اكتوي بنار الشوق قادر علي تحمل كمد الفراق بل أكثر ..
نورهان العشري ✍️
🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁
انهي كلماته وخرج صافقًا الباب خلفه دون أن يدري وقع كلماته علي تلك التي انتفض جسدها كمن تلقت ضربة سوط قصمت ظهرها الي نصفين و تكومت علي الأرض وهي تعيد الهاتف الي أذنها حين سمعت صراخه يناديها فأجابت بصوت يتضور وجعًا
" سمعت.. عايز ايه تاني ؟"
هدر بكل ما يجيش بصدره من وجع
" الحقير .. جاي دلوقتي يقولك كدا .اومال خدك من ناجي ليه زمان . ؟ حرق قلبه وموته بالحيا ليه ؟ وديني لهخليه يندم باقية عمره .. هاخد حقي وحقك وحق قهرة قلبي عليكِ يوم ما اتجوزك و حرمني منك "
همسات بقهر
" كفاية بقي .. انا مش عايزة منكوا حاجه . عايزة بنتي وبس .."
تجاهل ضجيج الألم و حرقة الشعور و قال آمرًا
" هبعتلك عربية تاخدك .. مش هتباتي ليلة واحدة في بيته ..و متخافيش هو مش هيدور عليكِ بعد اللي حصل .."
عودة إلى الوقت الحالي
ناجى !!"
كان هذا صوت 《همت》 التي تفاجأت بل صعقها حديثه فلم يعلق عليه إنما كان مشغولًا بإشباع جراحه و التشفي من 《صفوت》 فخيم الصمت لثوان إلا من أنفاس الأخير المسموعه بوضوح وكأن هناك منازعات و حروب تجيش بصدره وهو يفرق عينيه بين 《ناجي》 الذي بدا الألم على وجهه و بين 《سهام》 التي كانت تنكث رأسها بتعب مما جعل الدماء تندفع إلى عروقه البارزة بوضوح في رقبته و كفوف يده التي قبضت على السلاح بعنف تجلي في نبرته وهو يصرخ بغضب مقيت:
" هقتلك يا حيواااان…"
فطن 《سالم》 إلى ما ينتويه فمد يده على الفور يقبض على ذراع 《صفوت》 قبل أن يطلق النيران على《 ناجي》 و هو يصيح مُحذرًا :
" اوعى تسمع له يا صفوت دا بيستفزك .."
انهى《 سالم 》كلماته وهو ينتزع السلاح من يد 《صفوت》 فقد التقمت عينيه تلك القناصات التي تحاوطهم من الأعلى :
" برافو يا سالم .. بالمناسبة طول عمري بيعحبني عقلك و حكمتك في التصرف تستاهل أنك تحكم عرش مملكة الوزان بصحيح .."
هدر 《صفوت》 بوعيد :
" وديني لهخليك تتمني الموت كل لحظة و متطولهوش .."
لونت ملامحه ابتسامة مريرة ترجمتها شفتاه حين قال :
" لو دا آخرك فأحب اقولك ان دا حصل من اتنين و عشرين سنه وانا شايف حبيبتي بتتزف لأخويا قدام عيني ! انا فعلًا كنت بتمني الموت كل لحظة. "
《صفوت》 بصراخ :
" ماتقولش حبيبتي دي تاني !"
《ناجي》 بمرارة نابعه من قلب يغزوه ألم حقيقي لا يزال يئن بعد مرور كل تلك السنوات :
" لا حبيبتي.. و انت كنت عارف أني بحبها بس انانيتك و غرورك خلوك تختارها من بين كل البنات و تروح تطلبها من أبوها و أنت عارف أنه عمره ما يقدر يرفض طلب لابن فريد الوزان .. و عرفت انها بتحبني و انضربت و اتبهدلت عشان مش موافقة عليك و مع ذلك اتجوزتها… "
برقت الأعين من حديثه المُدجج بالألم و القهر و تعلقت النظرات على 《صفوت 》الذي انتفض غاضبًا ينفض تلك التهم الملتصقة به منذ زمن :
" اتجوزتها عشان حبيتها .. وهي حبيتني بعد كدا.."
《ناجي》 بقهر شيعته نظراته أولًا :
" حبتك امتى ؟ يا راجل دا انت قعدت سنة كامله تحاول تقرب لها وهي مش راضيه .."
توجهت أسهم نظراته علي تلك التي تحتضر بصمت يتخلله عبرات غزيرة حفرت وديان الألم فوق خديها فتابع 《ناجى》 بإندفاع ينفي تلك التهمة عنها :
" متبصلهاش أوي كدا مش هي اللي قالتلى .. أنا سمعت الكلام دا لما كنت بتتكلم مع الحاجة الله يرحمها .. "
تدخل 《سالم 》محاولًا تغيير دفة الحديث و إنهاء ذلك الصراع الذي سينتهي بكارثة لو ترك العنان لهذا الرجل فسيدمرهم جميعًا :
" هو دا اللي عندك ! دا انت غلبان اوي !"
انقشعت غيمة الألم من عينيه وعادت تلك النظرة المظلمة وهو يقول :
" لاااا انا اللي عندي كتير . دي المازة بتاعت القاعدة إنما التقيل جاي ورا …"
التفت إلي الحائط الأيمن لينفتح أول أبوابه و الذي أطل منه 《أحمد 》طليق 《شيرين》 الذي كان منكث الرأس فصاح به 《ناجى》 بسخرية :
" ايه يا حماده حاطط وشك في الأرض ليه ؟ أرفع راسك كدا يا راجل دا انت بطل ! احمد بيه جوز شيرين بنتي .. بالمناسبة بعد ما أجبرته يطلقها كبر في نظري اوي لما خد فلوسك وخلع بيها فخليته يردها تاني يعني أي حد حاطط عينه عليها الباشا هيخلعهاله .."
قال 《ناجى》 جملته الأخيرة و عينيه تناظر 《طارق》 بخبث والذي لم يحتمل فكرة أنها لازالت مقترنة بذلك الرجل فهدر بعنف انبعث على هيئة سهام من عينيه و شفتيه معًا حين قال:
" وحياة امي لهرقدك أنت و هو جنب بعض زي النسوان.. و ابقي قول طارق الوزان قال.."
《ناجى》 بتهكم:
" الغيرة وحشة وانا حاسس بيك و منكرش اني خايف منك بس اللي مطمني أنك مش هتخرج من هنا على رجليك ! خلينا بقي في المهم و متقاطعنيش عشان فيه سيناريو في دماغي بخططله بقالي سنين و هنسى الكلمتين اللي ما صدقت جمعتهم.."
قال جملته الأخيرة بحدة ساخرًا فخاطبه 《سالم》 بفظاظة:
" اتمنى تكون خلصت تمثيليتك السخيفة عشان صدعت! "
" سلامتك يا كبير .. لا بس فرح هانم غيرتك .. كان بالك طويل و كنت العاقل…."
《سالم 》بهسيس مرعب:
" متنطقش اسمها على لسانك مره ثانيه عشان وشرف أمي ما هتلحق تكمله .."
《ناجى》 بخوف مفتعل :
" خُفت .. عارف لو مش القناصين اللي محاوطينكوا دول وربنا كنت اترعبت . يلا خلينا في المهم. احمد بيه صاحب شركه الفيروز اللي رسيت عليها المناقصة اللي كعيت فيها دم قلبك .. وطبعًا هو أسسها بفلوسك .. اللي ادتهاله كرم منك عشان تخليه يجيب رجلي قوم الناقص .. سوري يا حماده"
قال جملته الأخيرة وهو ينظر 《لأحمد》 باعتذار مسرحي ثم عاود النظر إلى 《سالم》 قائلًا بجدية:
" الناقص راح باعك ليا.. بس هو معذور اللي انا ماسكه عليه يا سالم يا خويا يخليه ميخرجش من بيته العمر كله …"
وجه أنظاره مرة أخرى إلى《أحمد》 بطريقة مسرحية وهو يقول :
" سوري مرة تانيه يا أحمد.."
زفر 《سالم》 بقوة قبل أن يقول بجفاء:
" الفلوس بتروح و تيجي يا ناجى . واللي ضيعته أنا كفيل ارجعه تاني . "
قهقه 《ناجي》 طويلًا قبل أن يقول بسخرية :
" ياخي يخربيت ثباتك .. دانا قربت اغير منك .. لا بس أنت بردو اتضايقت.."
كان محافظًا على جموده وحتى رفرفة عينيه كانت بحذر فتنهد يجيبه بملل :
" بصراحة ولا اتهزيت .. أنت فاشل .. للأسف خليتني اتحمست على مفيش ! "
استفزه جمود 《سالم》 و كلماته فصاح بكره تجلى بوضوح فى عينيه :
" ودي تيجي بردو .. الصبر .. لسه التقيل جاي ورا .."
وجه أنظاره علي الباب الثاني فاطلت منه 《شيرين》 التي كان وجهها باهتًا و كأن شبح ما تلبسها ليمتص منها جميع أنواع الحياة فبدت كتمثال جميل نُحت من حجر إلا من نظرة معاتبة كانت خاطفة لذلك الذي أخذ يهز برأسه ينفي فكرة أنها لازالت متورطه مع هذا الرجل .. أو أنها أرادت الإنتقام منه بأكثر الطرق بشاعة !
" الحصان الرابح بتاعي .. شيرين بنتي حبيبتي.. دي بقي اللي ظبطت الأداء صح ! شيرين هي اللي خدت ملف الصفقة الحقيقي من دولاب اوضة نومك ! "
انكمشت ملامحه لوهله فهلل 《ناجى》 قائلًا :
" اوبااا .. صدمة صعبة مش كدا ؟ و خصوصًا انك اتهمت فيها حبيبة القلب .. اللي يا حرام كانت جاية تقولك خبر حملها . و اللي بالمناسبة نزل بسببك ! "
انكمشت ملامحه بألم تجلى في عينيه التي اغمضهما لبرهه علي حديث 《ناجى》 المسموم:
" يجيلك قلب تضرب بنت الناس بالطريقة الوحشية دي لدرجة تخليها تنزف ! ياخي خلي في قلبك شوية رحمة . يالا معلش . خلينا في المهم .."
التمعت عينيه بسعادة مرضيه وهو يقول بتمهل :
" أحساسك ايه لما شفت ابنك عبارة عن دم عالأرض ؟ متقوليش متأثرتش ؟ ناهيك طبعًا عن أنها عمرها ما هتبص في وشك تاني .."
ارتسمت الشراسه بعينيه و تجعدت ملامحه حتي بدت مُخيفه و قال بلهجة أرسلت الرعب إلى أوصال 《ناجى》:
" هقولك احساسي ايه لما تقولي احساسك أنت أما تعرف أن كل العرض دا معمول علي شرفك …"
انكمشت ملامحه بحيرة فتابع 《سالم 》بقسوة:
" تخيل أنك كنت مجرد عروسة ماريونيت انا بحركها في أيدي .. حتي كروتك دي كلها أنا اللي كنت بحركها !"
حاول لملمة شتاته قائلًا بسخرية :
" دا كِبر ولا أنت اتجننت خلاص ؟"
لمع وميض الإنتصار بعينيه و قال بقسوة :
" لا دا ولا دا ! دي حقايق…"
كلمات مبهمة لم يلقي لها بالًا ولكن ما أدهشه هو التفاف الجميع نحوه و تلك الابتسامة المتشفيه على أفواههم فهوي قلبه بين ضلوعه وعاد بانظاره إلى《سالم 》الذي قال بفظاظة:
" ابدأ انا العرض بتاعي بقي .و بما اني مش رطاط زيك فهقولك بإختصار .. أنا فعلًا مضيت على تنازل عن الأرض لمروان بس بمزاجي هو مضحكش عليا زي ما فهمك.."
《ناجي》 بصدمة :
" يعني ايه ؟"
عودة إلى وقتًا سابق
التف الجميع لأول مرة منذ سنوات حول تلك المنضدة علي سطح القصر و التي شهدت طفولتهم و مراهقتهم و الآن تشهد علي تجمعهم مرة أخرى و هم رجال أقوياء
" سالم انت اشمعنا جبتنا هنا ؟ "
هكذا تحدث «سليم» بإستفهام فأجابه «سالم» باختصار وهو ينظر إلي «مروان»
" احكي "
انطلق «مروان» يروي لهم ما حدث بينه وبين «ناجي» ثم انهي حديثه قائلاً بتهكم
" عايز يجندني ابن الوارمة "
علق «طارق» بامتعاض
" الراجل دا هيفضل ناقص طول عمره …"
أطلق «سليم» جأشه مكبوته من صدره قبل ان يقول بحنق
" معدش ينفع نسكت يا سالم . لازم نوقفه عند حده …"
«سالم» بفظاظة
" احنا مش ساكتين يا سليم . أنا برقدله عشان يوم ما هضرب هتبقي هي القاضية …"
هب «مروان» مولولًا
" اه يا بختك الاسود يا مروان .. اروح فين وآجي منين يا ربي. ."
«سليم» بامتعاض
" بتولول ليه يا اخرة صبري .."
ناظره «مروان» بحنق تجلي في نبرته حين صاح و هو يفرق نظراته بينهم
" حضراتكوا قاعدين تفكروا و تخططوا و محدش حاسس بيا وبوكستي .. اه انا طول عمري نحس انا عارف .."
" بطل ياد انت وقول وكسة ايه قرفتنا .."
هكذا تحدث «طارق» بنفاذ صبر فكاد أن ينخرط في نوبة ولولة أخري ولكن أوقفته أعين «سالم» المحذرة وكذلك نبرته حين قال بجفاء
" مش هتحملك كتير . ادخل في الموضوع علي طول .."
اعتدل في جلسته وقال باندفاع
" دلوقتي من بين كل البنات اللي في الدنيا انا حبيت بنت الكلب دا .. والكلب دا حاطت جوازه من بنته في كفة و اني اساعده ينفخكوا في كفه اعمل ايه انا بقي في الورطة دي ؟"
ناظره «سليم» باستخفاف تضمن لهجته حين قال
" ولا ورطة ولا حاجه .. سما اصلا مش بتطيقه يعني كلامه ولا هيفرق معاها .."
«مروان» بحنق
" يا غبي ماهي عمتك معاه . و سما ماشيه زي البقرة ورا امها يعني تقدر تخليها متعبرنيش ولا تسأل عني . و كمان ورقة الجواز العرفي اللي معاه دي اكيد مش هيعملها حجاب يعني .."
تدخل «طارق» قائلّا بحكمة
" الفيصل في الموضوع دا هو سما .. لو بتحبك فعلًا و عوزاك محدش هيقدر يفرق بينكوا.."
«مروان» بسخرية
"دا لو بقي .."
أيد «سليم» حديث «طارق» قائلًا بخشونة
" طارق عنده حق .. و لو انت متعرفش مشاعرها من ناحيتك ايه تبقي دي الخيبة اللي تستحق تولول عليها .."
«مروان» بحسرة
" اه مانا عارف اني هولول للصبح .."
أضاف «طارق» بتقريع
" بصراحه يا مروان أنت كلك علي بعضك خيبة . بقي راجع من السفر داخل في سنه اهوة و مش عارف تلين دماغها . دا لو مراهق في ثانوي كان زمانه علقها .."
«مروان» بغل
" قصدك صايع في ثانوي . أنا مش صايع .. و بعدين كنت اعمل ايه يعني ؟ مانا راجل محترم عايز ادخل البيت من بابه .. ماليش في اللف و الدوران "
تأفف «سليم» و قال بحنق
" هو انت يا ابيض يا اسود . ما تمهدلها يا ذكي . الفت انتباهها ليك و حسسها انك بتحبها .."
صاح «مروان» ساخرًا
" ههه تعالوا شوفوا مين بيتكلم سلومة الاقرع بتاعنا بقي يفهم في الأحساس .. ايوا هي القرعة بتطلب احساس فعلا .."
أوشك «سليم» علي لكمه فتدخل «طارق» مانعًا إياه وهو يقول بنفاذ صبر
" بطل بقي استظراف ياد انت وانت يا عم الحساس اركن علي جنب هو لسه هيحسسها . نكون غرقنا .. بص يا ابني البنات بتحب الواد المخلص . يعني اول ما تشوفها تشدها من وسطها و تديها بوسه تدوخ و بعدين تقولها بحبك و عايز اتجوزك هتلاقيها سلمت علي طول و نخلص .."
برقت عين «سليم» و كذلك «سالم» المستمع الي حديثهم بترقب أما «مروان» فهب من مكانه ينتزع كفوف «طارق» و يبحث بسائر جسده قائلًا
" وريني ايدك كدا .. اديني قفاك طيب ؟ "
ابتسم «سالم» ساخرًا بينما تعاظم فضول كلا من «سليم» و «طارق» الذي قال مدهوشًا
" في ايه يا ابني ؟ بتدور علي ايه ؟"
تابع «مروان» استكشافه لجسد «طارق» وهو يقول
" استني بس هلاقيه .."
صاح «طارق» بغضب من أفعال شقيقة
" هو ايه اللي هتلاقيه يا بغل ؟"
صدمتهم كلمات «مروان» حين صاح بانفعال
" الوشم .. دقيت وشم ولا لسه يا طارق؟ "
لم يستوعب «طارق» سؤاله فأردف بصياح
" بااااس تبقي اتصهينت يا معلم … انا قولت دي اخلاق يهود بردو .."
انكمشت ملامحه بحنق وقال بتقريع
" اتصهينت ايه يا غبي انت و وشم ايه اللي بتدور عليه ؟"
اجابه «مروان» بتفكير
"طب ايه بقيت بوذي يعني؟ بتعبد العجل مثلًا ولا ايه؟ "
اغتاظ «طارق» من حديثه فتابع مروان بصياح
" ما تقولي جنس ملتك ايه ؟ ابوس مين و احضن مين؟ مفيش عندك اسلام خالص ؟ متعرفش أن في حرام و في حلال . هتشوي في نار جهنم بسببك . يخربيتك.. "
قهقه «سليم» علي حديث «مروان» الذي تابع ساخرًا
" يا شيخ دانا صلة الدم اللي بيني و بينها نقحت عليا و هقوم اسكع نفسي شبشبين. دانا لو مصاحب فتاة ليل مش هعمل كدا .. "
أوشك «طارق» علي لكمه ولكن لفت انتباهه الجملة الأخيرة فقال بتساؤل
" بغض النظر عن الدين عشان مش هنكر أنه كلامك فيه صح.. بس ايه علاقة انك تبوسها بأنها فتاة ليل ؟"
«مروان» بسخرية
" عشان مفيش واحده محترمة هتقبل ان واحد يقرب منها وهو مش جوزها . و مفيش واحد بيحب واحده وعايز يتجوزها هيعمل معاها كدا.. و يوم ما يعمل معاها كدا هتعرف أنه بيعتبرها زي ما قولتلك قبل كدا فتاة ليل أو صايعة أيهما اقرب؟"
شرد «طارق» للحظة وهو يتذكر «شيرين» التي غلف الألم نظراتها حين قبلها بتلك الطريقة و هنا شعر بالغضب من نفسه التي دهست علي كل شئ و جعلته يرتكب تلك الحماقة في حقها و حق صلة الدم التي تجمعهما .. استفاق من شروده علي كلمات «مروان» وهو يقول بتحسر
" يا ربي دانا محترم والله مردتش حتي امسك أيدها و قلت هحوش كل حاجه لحد ما تبقي حلالي .."
«سليم» بامتعاض
" متقرفناش بقي وبطل ولولة …"
«مروان» باستهجان
"بقولك ايه متكلمش عالقرف مدام مبصتش لنفسك في المراية. "
" خلصتوا ؟"
قطع صوته الحاد شجارًا كاد أن يندلع بين كلًا من «سليم» و «مروان» و التفت الجميع اليه فقال بجفاء وهو يوجه أنظار قاتلة الي «طارق»
" طيب انا هتغاضي عن الكلام اللي انت قولته دا و مش هحاسبك عليه وأنت بالمقابل تمحيه من ذاكرتك احسن ما امحيك أنا من علي وش الدنيا .. احنا مجتمع شرقي مسلم و عندنا ضوابط و التزامات . جو القطط والكلاب دا مش بتاعنا. مفهوم ..؟"
أومأ «طارق» بالموافقة فالتفت «سالم» إلي «مروان» قائلًا بخشونة
" أما أنت بقي فمن وسط غبائك و هريك الكتير جبت الحل.. و هديك فرصة العمر .."
صاح «مروان» باندفاغ
" الهي يسترك دنيا و آخرة حل ايه قول .."
«سالم» باختصار
" هجوزك سما النهاردة قبل بكرة .."
عودة للوقت الحالي
لون الاستمتاع ملامحه وهو يضيف ساخرًا
" و بصراحه سما ممانعتش أبدًا لما قولتلها ان جوازها من مروان هو الحل الوحيد .. و حصل .."
تدلى فاهه من فرط الصدمة فتابع 《سالم 》ساخرًا:
" اه صحيح واجب عليك تبارك لمروان عشان كتب كتابه هو و سما كان الاسبوع اللي فات .. بنتك أصيلة رجعت الحق لأصحابه الحمد لله مش طلعالك…"
«ناجي» بتحسر و صدمة
" بتقول ايه ؟
تدخل 《مروان》 بتهكم :
" بيقولك ان انا اشتغلتك .. ممكن اقولهالك بمعني تاني بس الكبير واقف عيب !"
ابتسم 《سالم 》على حديث 《مروان 》قائلًا بخشونة:
" هفهمك .. انا ادتله الأرض بمزاجي وهو كتبها لسما فعلًا وسما بعد ما كتبنا الكتاب عملتله توكيل و بالتوكيل دا باع ليا تاني و عملنا صحة توقيع عالعقد و الارض رجعتلي !"
كان يطالعه بابتسامة لم تصل لعينيه وخاصةً حين رأي تبدل مظهر 《ناجي》 فقد كان و كأنه يتشاجر مع أنفاسه وصدره يعلو و يهبط من فرط الغضب فتحدث《 سالم》 بفخر:
" عمتي بقي ! ملكة عيلة الوزان زي ما قولت .. و هتفضل كدا العمر كله .. مقدرتش تبيع ولاد أخوها .. و خصوصًا لو كان البديل رخيص أوي زيك كدا .."
عودة لوقت سابق (من الفصل الخامس و العشرين )
"عايزة اتكلم معاك يا سالم .. لوحدنا ! "
التفت 《سالم 》إلى 《همت》 إثر حديثها الذي أثار استفهام الجميع فقال بفظاظة قاطعًا أي مجال للحديث الجانبي:
" تعالي معايا .."
خرج «سالم» و برفقته «همت» من غرفة «مروان» بالمشفي متوجهًا إلي سيارته ليصعد الي مقعد السائق وهي بجانبه ثم التفت إليها بنظرة استفهام لتبدأ حديثها قائلة بندم
" في حاجات كتير عايزة احكيلك عليها بس قبل اي حاجه . عيزاك تسامحني "
«سالم» باختصار
" علي ؟"
اخفضت رأسها بخزي قبل أن تقول بندم
" غلطات كتير اولها اني حاولت اخلي جنة تسقط . "
«سالم» بفظاظة
" عارف . و مش انا اللي مفروض تطلبي مني اسامحك . اكيد عارفه تطلبي من مين ؟"
«همت» بحزن
" عارفه انك اكيد عرفت . و عارفه هطلب من مين السماح .. بس قبل كل دا لازم تعرف اني مش وحشة . أنا وقعت في فخ الشيطان . أنا بحبكوا اوي والله انتوا ولاد اخويا حبايبي . و عمري ما هرضي بالأذي ليكوا. "
تجاهل حزنه علي هذا الموقف الذي يراها به فعلي الرغم من كل شئ هو يحبها و يقدرها ولكن اخطائها اكبر من ان تغتفر لذا قال بخشونة
" و إيه اللي يثبت كلامك دا ؟"
ارتفعت عينيها تناظره بالم قبل أن تقول
" كنت عارفه انك هتقول كدا …وانا هثبتلك اني معنديش اغلي منكوا… "
صمتت لثوان قبل أن تتابع بنبرة متحشرجة
" ناجي كلمني و طلب مني اني اساعده ياخد حقه منكوا. "
أطلق الهواء المكبوت بصدره في زفرة قوية قبل أن يقول بخشونة
" هاتي اللي عندك يا عمتي .."
قصت عليه كل ما حدث يوم قابلته في المشفي و تلك الرسالة التي تأكدت من خطأها فانتفضت عروق رقبته تحكي مقدار غضب هائل يجيش بصدره ولكنه حاول قمعه قدر الإمكان حين قال بجفاء
" اتأكدتي أن الرسالة متفبركة ازاي ؟"
" روحت لخبير خطوط و خدت معايا رسالة تانيه بخط امك كانت كتبهالي اوديها لأبوك وهما مخطوبين و الخبير قالي ان الخط متقلد باحترافيه بس لا مش لنفس الشخص …"
أنفاسه الحارقة جعلت الجو يشتعل من حولهم فتشعب الخوف في أوردتها ولكن هذا هو الخيار الصحيح
" كملي و بعدين .؟"
تعلم أن القادم سيجعل غضبه جنوني ولكنها لا تملك سوي ان تخبره بما يحدث خلف ظهره
" بصراحه في حاجه مهمة لازم تعرفها .. انا عارفه انك هتتصدم بس للأسف مقدرش مقولكش .."
«سالم» باختصار
" قولي …"
اخرجت كلماتها دفعة واحدة و كأنها تتخلص من وطأتها علي قلبها
" مروان خاين . بينزل اخبارك لناجي .."
برقت عينيه بصدمة من حديثها فتابعت بلهفه
" وحياة بناتي ما بكذب عليك .. و لو مش مصدقني خد شوف الفيديو دا . دا ناجي وراهولي عشان يعرفني أن الكل معاه وان كفته هي الرابحه .."
كانت تتحدث بينما هو بعالم آخر لا يسعه من الصدمة و الخذلان الذي يجيش بصدره وهو يريد و يسمع حديث مروان مع ناجي ..
مرت دقائق من الصمت لا يسمع بها سوي صوت أنفاسه الحارقة و صدره الذي يعلو و يهبط من فرط الألم و لكن قطعها صوته الذي خرج قاسيًا يتناسب مع غضبه في تلك اللحظة
" ناجي طلب منك ايه ؟"
" عايز يرجعلي دي اول حاجه و طلب مني اطالبك بورثي كله فلوس حتي الأرض و اطلب أضعاف تمنها و اني اجبله ورق المناقصة اللي الشركة دخلاها و اداني فلاشه احطها عالجهاز و هي هتنسخ كل اللي عليه .. "
أنهت جملتها وهي تمد يدها إليه فالتقطها من بين يديها وهو يقول بجمود
" لو عايزة تثبتي انك باقيه علينا صح. تعملي اللي هقولك عليه .."
«همت» بصدق
" هفديكوا بروحي لو لزم الأمر .."
" حلو .. أنتِ هتنفذي كل اللي قالك عليه .."
هكذا تحدث «سالم» فشهقت مستنكرة
" انت بتقول ايه يا سالم ..؟"
«سالم» بغموض
" هتوافقي ترجعيله و هديكي الفلوس و هتحوليها علي اسم ناجي الوزان اللي لما يموت محدش هيورثه غيرك و كدا فلوسنا مخرجتش بره .."
استفهمت بشفاة مرتجفة
" هتقتله يا سالم ؟ "
«سالم» بقسوة
" هموته بالحيا…"
*************
عودة للوقت الحالي
ابتسمت 《همت 》بتشفي وهي تناظره بإحتقار تجلى في نبرتها حين قالت :
" فكرت أني ممكن اصدقك أن أمينة خانت منصور الله يرحمه !"
تسللت السخرية الي صوتها حين تابعت:
" أمينة اللي كانت روحها فيه .. و لا حتة الجواب اللي ادتهولي فكرت أنه ممكن يهز شعره فيا ؟ على فكرة أنا سمعتك وانت بتحاول معاها كذا مرة و هي تصدك . و كتمت في قلبي عشان ولادي. و آخر حاجه لما اتولدت سما و كنت مفكرها ولد و سبتني محمومة و مسألتش فيا و حاولت مع أمينة اللي ضربتك بالقلم و هددتك لو مبعدتش عنها هتقول لمنصور و بابا .. والجواب اللي انت ادتهولي دا أنا وريته لخبير خطوط هو وجواب تاني من اللي كانت أمينة بتبعته لمنصور وهما مخطوبين و قالي أن الجواب بتاعك دا مش خطها. طول عمرك كذاب و قذر …"
أنهت جملتها وهي تشيعه بنظرات الخسة وهو يبادلها بأخرى قاسية غاضبة فقطع 《سالم》 حرب النظرات المتبادلة بينهم وقال بفظاظة:
" عمتي جت قالتلي على كل حاجه .. و ورتني كمان الفيديو بتاع مروان اللي انت صورته وهو قاعد معاك ! وورتهولها و حاولت تقنعها أنه خاين عشان متوافقش على جوازه من سما .."
تخللت السخرية نبرته حين أردف بتشفي:
" على فكرة عمتي حولت الفلوس باسم ناجي الوزان اللي كان عليه أحكام تجبله علي الأقل اتنين إعدام وخمسة أشغال شقة مؤبدة و طبعًا دا ميلقش بينا قوم ايه؟؟ طلعنالك شهادة وفاة مزورة"
ابتسم بتسلية قبل أن يتابع:
" و بديهي أن اللي يورثك عمتي .. فمش محتاج اقولك أن فلوس الوزان في إيد أمينة! "
قال كلمته الأخيرة وهو ينظر إلى《همت》 التي بادلته الابتسامة بأخرى حانية فصاح 《ناجي》 بقهر:
" و أيه يعني مانا خدت منك ملايين في الصفقة الأخيرة . "
لمعت السخرية في نظراته و تجلت في نبرته حين قال:
" بتستعجل على رزقك و دا عيبك .. اللعب له أصول .. في التأنى السلامة يا دانيال روبرت! "
لون الفضول نظراته فتابع《 سالم》 وهو ينظر إلي 《أحمد》 و يقول بجفاء:
" أما أحمد بقي فهو مش ناقص ولا حاجه ! لأن كل اللي هو عمله دا باتفاق مني و الشركة دي أنا المالك الاول ليها و أحمد الواجهه بس.. حتى الرسالة العبيطه اللي بعتهالي و أنا في المستشفي لما بعتلي كلابك عشان يخوفوني و كنت عايز توقعني في الهلالية ! فاكر ؟"
لم يجبه انما توسعت نظراته بعدم تصديق فتابع 《سالم》 بقسوة :
" احمد بعتلي أنه طلق شيرين و أنه هرب بالفلوس عشان يخليك تثق فيه .. سهل أوى نتوقع أنك بتراقبه .. معرفش جايب غبائك دا منين !"
صاح 《ناجي》 بصراخ موجهًا أنظاره الى 《أحمد》:
" آه يا كلب ! وديني لهخلي فضيحتك على كل المواقع .."
《سالم 》بتسلية :
" بلاش كلام أنت مش قده .. ناهيك عن أنه في حمايتي و متقدرش تقرب منه بس أحب اقولك ان كأس السم اللي بعتهولي انا قلبته و بعتهولك عشان تشرب منه !"
《ناجي》 بذعر:
" تقصد ايه ؟"
《سالم 》وهو يوجه أنظاره إلى 《شيرين 》بفخر
" شيرين الوزان بنتنا ، تربية منصور الوزان اللي عملت المستحيل عشان تحولها نسخة منك و مفلحتش .. عشان أصلها الطيب و تربيتها غلبوها. "
عودة لوقت سابق
جالسة في الحديقة تناظر النجوم بأعين حزينة تشعر بأن كل شئ حولها لا ينتمي لها أو أنها هي من لا تنتمي الي هذا المكان .. فهي لطالما كانت وحيدة به. لا تعلم هل الخطأ يكمن بها أو بمن حولها ولكنها لم تكن سعيدة أبدا هنا .. حتي تلك الزيجة التي كانت ستجمعها بسالم ظنت أنها قد تكون سبب نجاتها و سعادتها كان الدافع الاول و الكبير لها والدها حتي يستطيع أن يتغلغل أكثر داخلهم ولكنها لم تكن سعيدة معه . كانت منبهرة بوسامته و هيبته ولكنها بحثت عن الحب خارجًا .. مخطئة و تعلم ذلك ولكن كانت روحها تنشد اي بادرة حنان وحب لطالما افتقدته حولها .
زفرت بقوة فاخطائها عظيمة و أفعالها مشينه هانت نفسها التي هي أمانة من الله ولكنها لم تصُنها بل أهلكتها و أهانتها بأفعالها الخرقاء المشينة والتي تجعل الخزي يحني رأسها و العار يثقل كاهلها ولكن أكثر مايؤلمها في الأمر برمته هو أن المتسبب في كل ذلك والدها .. !
ذلك الرجل الذي من المفترض عليه حمايتها من نفسها اولًا و تعنيفها أن سولت لها الخطأ كان هو من يزينه لها.. استخدمها كدمية رخيصة في أفعاله المشينة دون النظر الي اي شئ..
نشيجًا حارًا كان يمزق جوفها و عبرات محترقة تكوي بسخونتها وجنتيها و شهقات متألمة تفتت روحها كلمات كثيرة تتردد في عقلها حتي إصابته بالجنون ولكن من يستمع لإمرأة مثلها ؟
" ياتري اللي أنتِ فيه دا ندم ؟ ولا وجع ولا ايه بالظبط ؟"
هبت معتدله وهي تشهق بعنف حين سمعت صوته القاسي و كلماته المستفهمة فسارعت أناملها بمحو آثار ضعفها وهزيمتها وحاولت جعل نبرتها قوية حين قالت
" انت ايه اللي جابك هنا ؟ هو انا مش هخلص منك ؟"
اقترب منها بهدوء مثير للأعصاب قبل أن يقول بلهجة تماثله
" لا مش هتخلصي مني .. و جاوبيني علي سؤالي .."
تنحي الحزن جانبًا و اصبحت في مواجهه بين ضربات قلبها المتلاحقة و ذلك الشعور الغريب و المثير بقربه. و خاصةً حين تذكرت تلك القبلة الساحقة التي اغتالت عذرية شفاهها فداهمت جسدها رعشة قويه جعلت حدقتاها تهتز فلاحت ابتسامة خافتة علي شفتيه و قد فطن إلي أنها تذكرت قبلته وقد انتشي قلبه بذلك كثيرًا
" أنا هسيبلك المكان كله وامشي عشان حقيقي زهقت منك .."
ما كادت أن تلتفت تنوي المغادرة فأسرت معصمها قبضته القوية ونبرته التي تماثلها حين قال
" مش عايز أتجاوز حدودي معاكِ تاني عشان كدا اقفي نتكلم .."
تلك المشاعر الغريبة هي أكثر ما يستفزها لذا سارعت بجذب يدها من اسره و هي تلتفت قائلة بنفاذ صبر
" انت عايز مني ايه؟ "
" جاوبي علي سؤالي .. عامله في نفسك كدا ليه ؟"
لم تفلح في إيقاف سيل فيضان الكلمات التي أنسابت من بين شفتيها و انساب معها وجعّا قاتلًا يقتات علي روحها
" عايز تعرف عامله في نفسي كدا ليه .؟ حاضر هقولك. أنا اكتر واحده وحشه في الدنيا دي .. انا زفت و رخيصة و خاينه خنت خطيبي زمان مع صاحبه .. خونت عيلتي و الناس اللي عشت معاهم عمري كله… حاولت أأذي فرح و أبعدها عن سالم بكل الطرق .. حاولت أأذي جنة و ابعدها عن سليم و اتواصلت مع ابن عمها و عرفته كل اللي حصل بينها و بين حازم . بص علي قد ما تقول قول . مفيش حاجه وحشة معملتهاش .. "
كانت كلماتها تقطر ألمًا انبعث من عينيها علي هيئة عبرات غزيرة ارتج لها قلبه ولكنه لم يستطيع منع الكلمات التي خرجت من فمه قاسية توازي قسوة شعوره
" و متحمله نفسك كدا ازاي ؟"
صاحت بقهر
" مين قالك اني متحملاها ..انا اكتر واحده كارهه نفسها و بتأذيها في الدنيا دي. و اكتر واحده رخصت نفسها و حقرت منها… "
لم يتمالك نفسه وهو يهزها بعنف قائلًا بغضب مرير
" و ليه تعملي في نفسك كدا ؟ هاه . ليه تهينيها و ترخصيها كدا ؟ ردي عليا . ليه ؟؟"
صرخت بكل ما يعتمل بداخلها من قهر و ألم
" أنا مختارتش اعمل كدا.. مختارتش اي حاجه بإرادتي . مختارتش .."
انهت كلمتها الأخيرة وهي تتهاوي علي الأرض بين يديه التي لم تفلتها انما هبط معها ليجلس أمامها يناظرها بألم و حزن حين تعالت شهقاتها التي كانت تشق السكون حولهم
" مفيش حد بيختار يبقي وحش .. مفيش حد بيختار يبقي مجرد كومبارس او عروسة بخيوط الناس بتحركها.. "
هكذا تحدثت بألم ثم اخفضت رأسها وهي تتابع بخفوت
" بتسألني ندمانه ؟ ندمانه دي كلمه بسيطة علي اللي جوايا .. انا عندي استعداد اضحي بعمري كله قصاد أن الدنيا ترجع بيا عشان اصلح كل غلطاتي و بعدها اموت.. انا راضيه .."
لم يعد في مقدوره احتمال وجعها اكثر فمن الواضح أن تلك المرأة تعني له اكثر مما كان يتوقع لذا أخذ قراره و اشتدت يديه الممسكه بكتفيها و قال بقوة
" هتعيشي و هتصلحي كل اخطائك ..