تحميل رواية بين سطور العشق بقلم سيليا البحيري pdf
بقلم سيليا البحيري
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
فيلا عيلة النجار – صالون واسع بيغرقه نور الصبح في هدوء الصبح، الفيلا الفخمة في ضواحي القاهرة كانت رايقة، وصوت العصافير جاي من البلكونة، وريحة القهوة مالية المكان. في الصالون، كانت حلا قاعدة على الأرض، ضهرها وراكن على الكنبة، وفي إيدها كشكول أسود شكله متهالك شوية. عنيها بتلمع من الحماس، وبتكتب كأنها عايشة جوّا القصة… وكأن العالم كله في دماغها، وهي بتحاول تطلعه على الورق. دخل زياد الأول، لابس قميص أبيض مفتوح من فوق، وكاميرا متعلقة في رقبته. زياد (بضحكة خفيفة): صباح الفرفشة يا آنسة شكسبير! بتكتبي ن...
رواية بين سطور العشق الفصل الأول 1 - بقلم سيليا البحيري
فيلا عيلة النجار – صالون واسع بيغرقه نور الصبح
في هدوء الصبح، الفيلا الفخمة في ضواحي القاهرة كانت رايقة، وصوت العصافير جاي من البلكونة، وريحة القهوة مالية المكان.
في الصالون، كانت حلا قاعدة على الأرض، ضهرها وراكن على الكنبة، وفي إيدها كشكول أسود شكله متهالك شوية. عنيها بتلمع من الحماس، وبتكتب كأنها عايشة جوّا القصة… وكأن العالم كله في دماغها، وهي بتحاول تطلعه على الورق.
دخل زياد الأول، لابس قميص أبيض مفتوح من فوق، وكاميرا متعلقة في رقبته.
زياد (بضحكة خفيفة):
صباح الفرفشة يا آنسة شكسبير! بتكتبي نهاية العالم؟ ولا قصة حب هتولّع الدنيا؟
حلا (بصّت له بحدة وضحكة صغيرة):
لا نهاية ولا ولعة… دي رواية جديدة، وهتبقى تريند إن شاء الله.
زياد (بيضحك):
يا بنتي خلّي ترينداتك في الجامعة الأول… لسه ما دخلتيش الكلية وعاوزة تبقي أحلام مستغانمي الجيل؟!
دخل ريان، حاطط سماعة واحدة في ودنه، وماسك مجّ القهوة.
ريان (بكسل):
أحلام مستغانمي؟ دي عاوزة تبقى جي كي رولينج النسخة المصري!
حلا (بثقة):
وماله يعني؟ عندي أفكار كتير، وعندي موهبة… ناقصني بس شوية دعم.
ريان (وهو بيقرب منها):
بصي، أنا أكتر واحد بيحبك في البيت ده، بس خليني أقولك الحقيقة… الكتابة مش مصدر دخل! روحي ادرسي هندسة برمجيات، اشتغلي، اعملي قرشين… وبعدين اكتبي زي ما تحبي.
حلا (بتنهيدة):
بس أنا مش عايزة أعيش علشان أشتغل… أنا عايزة أعيش علشان أكتب!
فجأة دخل مهاب، شايل شوية أوراق، لابس فورمال كالعادة، وهيبته سابقة خطوته.
مهاب (بصوته الهادي الواضح):
جالي إيميل من جامعة القاهرة… فيه قبول مبدئي لهندسة البرمجيات.
حلا (اتلفتت له بسرعة، عنيها اتسعت):
إنت قدمتلي من ورايا؟!
مهاب (ببروده المعتاد):
قدّمتلك، علشان لازم تبقي في مكان يضمن مستقبلك… مش تضيع وقتك في قصص مالهاش لازمة.
حلا (بحزن وزعل):
القصص دي مش تفاهة يا مهاب! دي حلمي… دي حياتي. أنا مش فاضية ولا كسلانة علشان تهين حلمي كده.
زياد (بيحاول يهدي الجو):
يا جماعة، حلا عندها شغف، بس برضو مهاب عنده وجهة نظر.
ريان (بابتسامة خفيفة):
أنا عندي حل… خدي سنة تكتبي، لو عملتي حاجة كبيرة، إحنا كلنا وراكي. لو لأ، تسمعي كلامنا.
حلا (بعناد):
مش هستنى سنة… أنا قررت خلاص. وهبدأ قريب جدًا.
مهاب (بصوته القوي):
على جثتي يا حلا… مش هسيبك تدمّري مستقبلك بإيدك.
سكت الكل… والدنيا اتكتمت في الصالون.
وقلب حلا كان بيخبط في صدرها.
عارفة إن الطريق صعب… بس خلاص، مافيش رجوع.
*************
حلا طلعت جري من قدّام إخواتها، وشها محمّر من الزعل، ودموعها كانت على طرف عنيها. طلعت السلم بسرعة، وقلبها بيصرخ من جوّه...
دخلت أوضتها وقفلت الباب بعنف، وبعدين رمت نفسها على السرير وهي مكسورة من الغضب والخذلان.
في الدور اللي تحت، ساد سكوت تقيل كده كام ثانية...
ريان (بيبص للسلم، وبيتنهد):
يمكن كنا جامدين عليها شوية...
مهاب (واقف، حط الملف على الترابيزة ووشه مكشّر):
جامدين؟! يا ريان، أنا مش بتكلم عن حلم وهوا! أنا بتكلم عن مستقبل… دي أمانة أبويا وأمي، ومش هسيبها تضيّع نفسها كده.
زياد (قاعد على الكنبة وباصص لأخوه):
هي مش بتضيّع نفسها، يا مهاب… دي بتحاول توصل لحلمها. بصراحة، أنا اتفاجئت من شغفها… الكتابة بالنسبالها مش تسلية.
مهاب (صوته فيه توتر، بس بيحاول يخبّيه ورا بروده المعتاد):
وأنا أكتر واحد بيحبها فيكوا… حلا مش بس أختي، دي زي بنتي. اتربّت قدّامي، وأنا شايف اللي هي مش شايفاه… الدنيا برا مش سهلة، وممكن تجرحها جامد لو مشيت ورا الحلم ده من غير عقل.
ريان (بصوت هادي وفيه رجاء):
بس يا مهاب… لما تحبسها وتكسر حلمها، كده انت مش بتحميها، انت بتوجّعها. كن ذكي… سيبها تجرّب، بس خليها تحس إنك سند ليها، مش عدوها.
مهاب (بيبص في الفراغ، كأن كلامهم لمس حاجة جواه):
الكلام اللي بتقوله سهل وانت واقف تتفرّج… بس أنا اللي هشيل الشيلة لو حصلها حاجة. انت نسيت أنا وعدت ماما بإيه قبل ما يسافروا؟ قلتلها: "حلا أمانة في رقبتي." ومش هفرّط فيها، حتى لو كرهتني.
زياد (بهدوء):
بس لو كرهتك النهاردة… يمكن ما تسامحكش بكرة.
نظرات متبادلة بين الإخوة، والجو مشحون…
في الدور اللي فوق، حلا كانت قاعدة على سريرها، حاضنة كشكولها بكل قوتها، وهمست لنفسها:
حتى لو الدنيا كلها ضدي… مش هسيب حلمي، مش هتنازل.
*************
أوضة حلا كانت ساكتة سكوت يخوّف، مفيش غير صوت نفسها المتقطّع وبكائها المكبوت.
قاعدة على الأرض جنب السرير، حاضنة مخدة صغيرة كإنها بتحاول تهرب من الدنيا كلها. الكشكول البنفسجي بتاعها – اللي مليان حكايات وشخصيات – مفتوح قدامها، وعلى أول صفحة عنوان كبير مكتوب بخط إيدها:
"لما يبقى الحلم ممنوع"
حلا (بصوت مبحوح وهي بتعيط):
ليه؟ ليه دايمًا لازم أكون زي ما هما عاوزين؟
ليه مش من حقي أختار طريقي؟!
أنا مش لعبة في إيدهم… أنا عندي حلم، وحلمي مش هزار!
تمد إيدها المرتعشة، تمسك القلم، وتكتب سطر بيتهز على الصفحة البيضا:
"ولو مافيش حد آمن بيا… أنا هكون أول واحدة تؤمن"
بتقف فجأة، تمسح دموعها بـ Sleeve البلوزة، وتاخد نفس عميق، تبص لنفسها في المراية.
وشها حلو بس باين عليه التعب، عنيها منفخة من العياط… بس فيها لمعة إصرار.
حلا (بهمس متحدّي):
أنا حلا أحمد النجار…
وحلمي مش هيتكسر، ومش هتنازل عنه.
ولو كل الدنيا وقفت في وشي…
هكمل طريقي.
تروح لمكتبها، تفتح الدرج اللي تحت، وتطلع منه الملف اللي فيه ملخص الرواية اللي بتحبها، تحطه في ملف شيك، وتبص له كإنها شايفة فيه بكرة.
حلا (بابتسامة صغيرة وهي لسه بتدمّع):
وأول خطوة… هاروح له… حتى لو هاروح لوحدي.
الأنوار تقل شوية شوية، والمشهد ينتهي على وش حلا… فيه حزن، بس كمان فيه أمل وقرار.
*************
في الدور الأرضي من الفيلا الفخمة، ريحة القهوة كانت مالية الجو، مع صوت زقزقة العصافير من الجنينة، وشمس الصبح داخلة من الشبابيك ومالية المكان بنور دافي.
فارس، والد أدهم، قاعد بيقرا الجرنال الورقي بهدوء، ونادية، مراته، كانت بترتّب آخر حاجة على ترابيزة الفطار.
أدهم قعد على الترابيزة، بشعره الأشقر العسلي اللي نازل على جبينه وملامح وشه الهادية، حواليه صمت معتاد، بيشرب قهوته السادة وبيبص في موبايله.
نادية (بحنان):
يا أدهم، مش ناوي تفطر؟ ولا ناوي تعيش على القهوة بس؟
أدهم (من غير ما يبص ليها):
القهوة كفاية دلوقتي يا ماما… عندي شغل لازم أبدأه.
فارس (وهو بيبص في الجرنال):
شغل جديد؟ مشروع ولا فيلم؟
أدهم (بيرد ببرود):
لسه بدوّر على فكرة لفيلم جديد. الملل بقى متعب أكتر من الشغل نفسه.
نادية (بابتسامة):
طب ما تعمل فيلم رومانسي بقى؟ من زمان ما شفناش حاجة فيها مشاعر كده.
أدهم (بنظرة باردة):
الرومانسية من غير واقع ما تنفعش… والواقع دايمًا بيبوّظ كل حاجة.
في اللحظة دي، نزل من على السلم أخوه الصغير مازن، وهو بيربط زرار قميصه وبيمضغ لقمة بسرعة.
مازن (بحيوية):
صباح الفل يا أحلى عيلة!
أنا طاير على الجامعة، ريان مستنيني من بدري، عندنا مشروع بنشتغل عليه من أسبوع!
نادية (بفضول):
ريان؟ ده صاحبك اللي بتصوّر معاه؟
مازن:
لا لا، ده صاحبي في الكلية. بيحلم يبقى بيزنس مان جامد، وعنده أخت دايمًا بيتكلم عنها… اسمها حلا.
أدهم بيرفع حواجبه سنة صغيرة، من غير ما يعلّق، ويرجع يبص في موبايله.
فارس (بابتسامة):
طيب سلّم لي عليه، شكله شاب شاطر وطموح.
مازن:
طموح جدًا، وأخته على ما يبدو… بتحلم تبقى كاتبة مشهورة!
نادية (بفضول):
بنت وعاوزة تكتب؟ حلو ده… زمان البنات كانوا عايزين يبقوا دكاترة ومهندسات، دلوقتي بيطلعوا كُتّاب.
أدهم (بصوت غامض وهو بيقوم من على الترابيزة):
في أحلام بتخلي الناس تتحرك… وفي أحلام بتضيع الوقت وبس.
نادية (بصّت له بحنان وهو بيبعد):
عمرك ما كنت مؤمن بالأحلام يا أدهم… يمكن علشان لسه ما قابلتش الحلم اللي يغيّرك.
مازن (ساخر):
ما تقلقيش يا ماما، هيقابله… ويمكن تلاقيه فجأة واقع في حب بطلة رواية!
يضحك ويخرج بسرعة، وفارس يهز راسه وهو بيبتسم.
*************
في حرم جامعة القاهرة – كافيه الجامعة – بعد الضهر، الساعة واحدة.
ريان قاعد على الترابيزة المعتادة جنب الإزاز اللي بيطل على الجنينة، بيلعب بكوباية العصير اللي قدامه من غير ما يشرب.
وشه باين عليه الزهق والتفكير.
مازن بيقرب، شايل كوباية قهوة، وبيقعد قصاده، وبيبصله بصمت شوية.
مازن (بفضول):
- مالك يا عم ريان؟ وشك عامل كإنك خارج من فيلم رعب!
ريان (بتنهيدة تقيلة):
- مش فيلم رعب... دي رواية حزينة بطلها مهاب، وضحيتها حلا.
مازن (بيرشف من قهوته):
- أختك حلا؟ مالها؟
ريان (بيأس):
- بتحلم تدخل أدب، وتبقى كاتبة روايات... بس مهاب مصر يدخلها هندسة.
شايف إن الأدب مضيعة وقت، وإنها لازم تدخل مجال مضمون.
مازن (بحزن):
- بس مش إنت كنت دايمًا بتقول إنها موهوبة؟
ريان:
- هي فعلًا موهوبة، وموهبتها مش كلام فاضي...
أنا قريت اللي كتبته، والله يا مازن ساعات كانت بتخليني أعيط من كتر ما إحساسها صادق.
مازن (بيتنهّد):
- يعني المشكلة مش فيها، المشكلة في الخوف.
ريان:
- بالضبط... مهاب بيحبها أوي، وبيخاف عليها كإنها بنته مش أخته.
وأنا فاهم ده، بس الخوف لما بيزيد عن حده... بيخنق مش بيحمي.
مازن (بعد لحظة سكوت، بصوت هادي وحزين):
- من زمان والناس ما بتسألش البنات عايزين إيه...
الكل بياخد القرار بدلهم.
ريان (بيبصله بنظرة عميقة):
- عارف؟ أول مرة حلا اتكلمت عن حلمها، وقالت إنها عاوزة تبقى كاتبة مشهورة،
عنيها كانت بتلمع كإنها شايفة عالم تاني.
مازن (بهدوء):
- يمكن هي فعلًا شايفة عالم تاني...
عالم هي تستحق تعيش فيه.
ريان:
- نفسي أقدر أساعدها... بس حتى أنا ساعات بحس إني تايه،
لا عارف أوقف جنبها، ولا قادر أشرح لمهاب.
مازن (بيحط إيده على كتفه):
- يمكن لسه في أمل...
ويمكن الحلم اللي هي بتحارب عشانه، يفرض نفسه في الآخر.
ريان (بيبتسم ابتسامة خفيفة كلها حزن):
- يمكن... بس يا رب ما يكونش فات الأوان.
يسكتوا هما الاتنين، وكل واحد فيهم غرقان في تفكيره...
ونسمة خفيفة تعدي من شباك الكافيه، كإنها بتهمس: لسه الحكاية ما بدأتش.
رواية بين سطور العشق الفصل الثاني 2 - بقلم سيليا البحيري
رواية بين سطور العشق الفصل الثاني 2 - بقلم سيليا البحيري
فصل 2
في لوكيشن تصوير داخلي – ستوديو خاص بشركة إنتاج أدهم – الساعة اتنين الضهر تقريبًا
الهدوء مالي المكان، والمساعدين بيتحركوا بحذر واضح… أصل "أدهم فارس" موجود، وده لوحده كفاية يخلي الكل في حالة توتر ساكت.
أدهم كان واقف ورا الكاميرا، بيراقب المشهد على الشاشة قدامه، عنيه العسلية سابته عليها، مركز لأقصى درجة، ملامحه جامدة، كأن مفيش أي حاجة حواليه غير الكادر اللي قدامه.
(ريم، واحدة من مساعدات الإنتاج، كانت ماشية رايحة جاية قصاده من أول التصوير، لبسها كان ملفت أكتر من اللازم بالنسبة للشغل، وواضح إنها متعمّدة تتشاف.)
ريم (بصوت ناعم وهي بتقرب):
– أستاذ أدهم، تحب أجيبلك قهوتك زي كل يوم؟
ولا تحب أعملهالك بنفسي النهارده؟ ☺️
(أدهم ما لفش، بس فجأة بص لها ببطء… نظرته كانت حادة وساقعة كإنها طلعت من فريزر. ريم وقفت في مكانها، والضحكة اللي كانت على وشها بدأت تتهز وتختفي واحدة واحدة.)
أدهم (بصوت هادي لكن قاطع):
– ركزي في شغلك يا ريم.
أنا مش فاضي لتفاهات.
(رجع يبص للشاشة تاني، كإنها أصلاً ما كانتش موجودة. ريم بلعت ريقها وسحبت نفسها بسرعة من غير ما تنطق، شكلها محروج ومتوترة.)
(واحد من الفنيين اللي واقف جنبه، حاول يخبي ضحكته.)
الفني (بهمس):
– ربنا يكون في عون اللي يفكر يقرب من الأسد ده…
(أدهم رفع السماعة وقال ببرود):
– عيدوا اللقطة… الكادر التاني في الدقيقة ١٢ بايظ.
(وكمل بصوته الجاف المعروف):
– مفيش حاجة اسمها غلطة… إحنا بنصور فن، مش بنلعب
***********************
الدور اللي فوق – مكتب مهاب في شركة العيلة
مهاب كان قاعد ورا مكتبه الكبير، الورق مترتّب قدامه بنظام، وبيراجع تقرير في صمت، وعلى وشه الجدية المعتادة.
دخلت سمر، لابسة هدوم شيك وكعبها بيطق طقطقة في الأرض، وضحكة مصطنعة على شفايفها.
سمر (بصوت ناعم متصنّع):
– صباح الفل يا حبيبي… مشغول كالعادة، صح؟
مهاب (من غير ما يبص):
– صباح الخير، في حاجة يا سمر؟ أنا فعلاً مشغول.
سمر (قعدت قدامه وحطّت رجل على رجل، ومتكلفة):
– الصراحة… آه. كنت بفكّر بس في أختك حلا.
يعني بصراحة، شايفاها عنيدة شوية، وبتضيع وقتها في أحلام مالهاش لازمة.
اللي زيها محتاج حد يوقفه عند حدّه بدل ما يتعود يعمل اللي هو عايزه كده وخلاص.
(مهاب رفع راسه ببطء… ونظراته كانت نار.)
مهاب (بصوت هادي بس فيه تهديد):
– قولي اللي قلتيه تاني… بس خلي بالك من كل كلمة.
سمر (بتتوتر):
– أنا بس قصدي إنها محتاجة حد يوجّهها يعني… مش أكتر.
(مهاب قام من مكانه، صوته اتقل وبقى خشن):
– اسمعيني كويس يا سمر…
أنا خطبتك علشان مصلحة، مش علشان حب… بس ده ما يديكيش الحق تتكلمي عن أختي كده.
(قرب منها خطوة، وهي غصب عنها رجعت في الكرسي.)
مهاب (بنبرة فيها غليان مكبوت):
– حلا دي بنتي قبل ما تكون أختي…
وأي كلمة زيادة عنها، أو حتى نظرة فيها تقليل…
اعتبريها نهاية كل حاجة… الخطوبة، والاتفاق، والصفقة.
سمر (بتحاول تضحك وتتماسك):
– إنت مكبّر الموضوع… أنا كنت بهزر بس!
مهاب (ببرود):
– أنا ما بهزرش… خدي بالك من كلامك.
وما تتجاوزيش حدودك تاني.
لف وشه ورجع قعد، ومسك القلم تاني بهدوء قاتل
مهاب:
– الباب من هناك، يا آنسة سمر.
سمر خرجت من المكتب، متضايقة ومهزوزة… نار بتاكلها من جوه، بس ساكتة.
أما مهاب، قعد يبص على صورة قديمة ليه مع حلا وهي بيبي
ضحكة خفيفة عدّت على وشه، بس اختفت بسرعة، ورجع وشه جامد تاني
****************
في كافيه صغير وهادي على أطراف المدينة
كانت حلا قاعدة على ترابيزة خشب صغيرة جنب الشباك، عينيها سارحة في الغروب، وقدامها كباية عصير برتقال بالكاد لمستها.
جنبها كانت ندى، حاضنة كباية الكابتشينو في إيديها، وناحية تانية كانت سيرين بتظبط الكادر علشان تصوّر كبايتها بطريقة "شيك" لمّا تنزل الصورة على إنستجرام.
ندى (بحنان وهي تميل ناحيتها):
– يا روح ندى، مالك؟ من أول القعدة وإنتي ساكتة كده… وشك مخضوض ومكسور!
حلا (بصوت مخنوق):
– مهاب مصمّم يدخلني هندسة… وشايف إن الكتابة تضييع وقت.
حتى ريان… اللي كنت فاكراه أقرب واحد ليا… بقى واقف ضدي.
سيرين (بضحكة خفيفة فيها سُخرية):
– يعني لسه ماسكة في حكاية الروايات دي؟
كام واحدة نجحت فعلاً؟
إنتي بتكتبي شوية خيال وبعدين؟!
الدنيا مش ناقصة أوهام يا حلا… الناس عايزة تعيش، مش تحلم.
ندى (بصّت لها بنظرة فيها نار):
– مش لازم كلنا نبقى نسخة من بعض، يا سيرين!
فيه ناس عندها شغف، بتحب حاجة من قلبها…
وحلا مش بتطلب حاجة مستحيلة.
سيرين (بابتسامة بايخة):
– أنا بس خايفة عليها… لما الدنيا تلطّشها بالقلم، مش هتلاقي لا أدهم ولا فارس من قصصها ينقذوها!
حلا (بهدوء وهي تبص لها):
– أنا مش طالبة حد ينقذني…
أنا عايزة بس أكتب… أبقى أنا.
ندى (تمسك إيدها وتربّت عليها):
– وأنا مصدقة فيكِ… وهتبقي كاتبة مشهورة، غصب عن كل اللي بيحاولوا يطفيوا نورك.
سيرين (تزم شفايفها وتهمس في سرها):
– مش طول ما أنا موجودة…
(حلا رجعت تبص للشباك، ونظرتها اتغيرت. في عينيها بريق بدأ يرجع… بريق التحدّي.)
جواها، كانت بتقرر إنها مش هتسكت…
هتكتب، وهتواجه… حتى لو العالم كله ضدها
*******************
ندى (بتحاول تغيّر الجو):
– بصّوا بقى، شوفتوا إعلان المهرجان السينمائي الجديد؟ نازل عليه ضيوف تقال أوي… حتى أدهم الراوي هيكون موجود! 😍
سيرين (ترفع حاجبها ببرود):
– أدهم؟ المخرج اللي فاكر نفسه فوق الناس؟!
اللي لا بيرد على حد، ولا بيبص على سكريبتات حد!
حلا (بتنتبه فجأة، وعينيها بتلمع):
– أدهم الراوي؟… إنتي متأكدة إنه هيحضر المهرجان؟
ندى (بابتسامة):
– أيوه، شُفته في الإعلان ع الصفحة الرسمية للمهرجان… ده حتى كاتبين إنه رئيس لجنة التحكيم. ليه؟!
حلا (بهمس، وهي بتفكر بصوت مرتعش):
– علشان… لو في حد ممكن يحوّل حلمي لحقيقة… هو أدهم الراوي.
سيرين (بتضحك بسخرية):
– يا بنتي فوقي! ده ما بيشوفش حد من الأساس،
بيشتغل مع الكتّاب الكبار بس… وانتي لسه ما نشرتيش ولا حرف!
ندى (بفخر):
– بس حلا بتكتب من زمان! وعندها قصص تخلّي الواحد يعيط من جمالها.
ولو قابلته… أكيد هيحس بده.
حلا (بصوت ثابت):
– أنا هاروح المهرجان.
هكتب له جواب… وهسلّمه الرواية بإيدي.
مش هستنى الفرصة تيجيلي… أنا اللي هخلقها بإيديا!
ندى (بحماس):
– آي لوف يو يا بنت! دي الروح اللي على المزاج!
سيرين (بهمس وغيظ وهي تبصلها):
– نوبة جنان جديدة…
بس حلا ما كانتش سامعة أي حاجة…
كانت ماسكة موبايلها، بتدخل بسرعة على صفحة المهرجان، بتدوّر على الميعاد والمكان…
وفي قلبها شعور غريب…
إن اللحظة دي ممكن تكون بداية حياتها الجديدة
*☆يتبــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــع
•تابع الفصل التالي "" اضغط على اسم الرواية
رواية بين سطور العشق الفصل الثالث 3 - بقلم سيليا البحيري
قدّام مبنى شركة الراوي للإنتاج والتصوير – الساعة 10 الصبح
كانت خطوات حلا سريعة شوية من كتر الحماس والتوتر، وبينما كانت داخلة المبنى، رجّلها اتعلقت في طرف السلم الرخامي، وكانت هتقع...
بس إيد رجالية قوية وأنبَقة مسكتها في آخر لحظة.
أدهم (بصوت هادي، فيه لمحة استغراب):
– على مهلك... إنتي كويسة؟
(حلا رفعت وشها بسرعة وهي بتنهج، إيديها بترتعش شوية من المفاجأة، وخدودها احمرت من الخجل. قدامها راجل طويل، أنيق، شعره الأشقر العسلي بيلمع تحت الشمس، وعيونه العسلية بتبصلها بتركيز غريب)
حلا (بخجل واضح):
– آه... آسفة... ماكنتش واخدة بالي... وشكرًا... شكرًا إنك لحقتني...
أدهم (وهو مركز فيها أكتر من اللازم، كإنه نسي يتنفس):
– مفيش داعي تعتذري... رجلك وجعاكي؟
حلا (تهز راسها بسرعة وبصّتل الأرض):
– لا لا... تمام... بس متوترة شوية.
أدهم (بضحكة خفيفة وصوت هادي أكتر):
– متوترة؟ أول يوم شغل؟
حلا (بتضحك بتوتر):
– مش بالظبط... عندي ميعاد هنا... مع الأستاذ أدهم الراوي.
(اتفاجئ أدهم للحظة، بس ما بيّنش قوي... مجرد نظرة سريعة عدّت في عينه قبل ما يرجع لطبيعته)
أدهم (بابتسامة جانبية):
– يبقى إنتي الكاتبة الصغيرة اللي بعتتلي الإيميل؟
حلا (اتسعت عينيها بدهشة):
– إيه؟ حضرتك... أنت الأستاذ أدهم؟
(هز راسه بهدوء، ولسه عينه ما بتفارقها... في حاجة فيها شدّته: عينيها الواسعة، خجلها، صوتها، وبراءتها اللي مش شبه حد)
أدهم (وهو بيمد إيده بابتسامة خفيفة):
– تشرفنا يا آنسة... حلا، صح؟
حلا (بتضحك بتوتر وهي بتسلم عليه بسرعة):
– الشرف ليا... مش مصدقة إن حضرتك قدامي بجد.
أدهم (بصوت واطي كأنه بيهمس):
– وأنا مش مصدق إني قابلتك صدفة... بالشكل ده.
(لحظة سكون قصيرة بينهم، بس عيونهم قالت كتير، قبل ما يشاور لها تدخل معاه)
أدهم (وهو بيفتح لها الباب وبيبتسم):
– اتفضلي، نبدأ من آخر سطر في رسالتك... يا كاتبتنا الصغيرة.
دخلت حلا، وقلبها بيدق بسرعة... ما كانتش متخيلة إن أول مقابلة هتبقى كده، ولا إن الراجل اللي بهرها... هيكون بداية كل الحكاية.
– جوّه مكتب أدهم الواسع – بعد شوية
(أدهم قاعد ورا مكتبه، وحلا قاعدة قدّامه على الكرسي الجلد البني، بتحاول تخبي رعشة إيديها بس مش قادرة. عنيها كانت بتلمع من الحماس، وطلّعت من شنطتها دفتر وردي تقيل وملف مليان ورق مطبوع.)
حلا (وهي بتحط الورق قدّامه بلهفة):
– ده... ده شغل كتير من كتاباتي. في روايات قصيرة، أفكار لمسلسلات، وشخصيات... كل ده أنا كتباه بإيدي، من وأنا عندي 14 سنة لحد دلوقتي.
أرجوك... بس اقرأهم، إديني فرصة واحدة بس!
(أدهم رفع حاجبه، وبص في عينيها المتوسلة باستغراب ممزوج بإعجاب، كأن البنت الخجولة اللي كانت هتقع من شوية، بقت دلوقتي نار من الإصرار.)
أدهم (بهدوء وهو بياخد الورق):
– بالراحة كده يا آنسة حلا، دي نفس البنت اللي كانت مكسوفة من شكري من شوية؟
(حلا ابتسمت بخجل، وغطّت وشها بإيدها لحظة، وقالت بعفوية فيها روح طفلة:)
– آسفة... بس لما أبدأ أتكلم عن الكتابة، بنسى خجلي وكل حاجة... أنا بس عايزة حد يسمعني، وحد يصدق فيّ... فرصة، حلمي كله في الفرصة دي!
(أدهم بدأ يقرأ شوية من الورق، يقلبه بهدوء، وبعدين رفع وشه وبص لها.)
أدهم:
– إنتي فعلاً كتبتي كل ده لوحدك؟
حلا (بثقة ناعمة):
– آه... محدش شافهم قبل كده، حتى إخواتي... كله ده متخبي جوايا بقالي سنين.
(أدهم سكت شوية وهو بيقرأ جزء من صفحة، وقال بصوت واطي فيه لمحة إعجاب خفية:)
أدهم:
– أسلوبك ناعم... صادق... فيه براءة كده وشفافية، وده نادر أوي.
(عنيها اتفتحت بدهشة، كأنها مش مصدقة إن أدهم الراوي نفسه بيقول كده عن شغلها.)
حلا (بحماس):
– يعني... يعني ممكن تديّني الفرصة؟ حتى لو صغيرة، حتى لو مش نجحت... أنا عايزة أبدأ، بس أبدأ.
(أدهم حط الورق على المكتب، شبك صوابعه وبص لها بتركيز.)
أدهم:
– طب ليه أنا؟ ليه ما رحتيش لدار نشر أو كاتب كبير؟
حلا (بابتسامة هادية):
– علشان إنت مختلف... علشان شغلك دايمًا بيشبه كلامي، بيشبه القصص اللي بكتبها.
كنت بحس وإنت بتخرج أفلامك إنك بتحكي حواديت من عالمي أنا.
وقلت لنفسي... لو ما طرقتش باب أدهم الراوي، مش هطرق باب حد تاني.
(بصلها أدهم نظرة طويلة، عميقة... كأن الزمن وقف لحظة، وبعدين قال بصوت دافي:)
أدهم:
– ماشي يا حلا... ليكي فرصة واحدة، زي ما طلبتي.
بس على فكرة... الفرصة دي مش قصيرة.
(حلا شهقت من الفرحة، وغطّت بقها بإيديها، كانت هتعيط من الفرحة.)
حلا:
– بجد؟!
أدهم (بيبتسم):
– هنبدأ من أول رواية ليكي... وهنحوّلها لسيناريو.
حلا (بلهفة):
– شكرًا... شكرًا من قلبي بجد... مش هتندم!
(أدهم قام من مكانه ووقف قدامها، مدّ لها إيده تاني علشان يسلم عليها، وبصلها في عنيها وقال:)
أدهم:
– عندي إحساس... إن الرواية دي مش بس هتبقى بدايتك إنتي...دي كمان هتبقى بداية لحكايتنا إحنا الاتنين.
(حلا نزلت بعنيها بسرعة، ووشها احمر جدًا، وابتسمت من غير ما ترد...)
وشها، والخجل البريء فيه، ووشه هو، وفيه إعجاب صامت... بداية حلمين، بيتقاطعوا في أول مشهد حقيقي.
– في ساحة الجامعة – وسط الضهر
ريان ومازن قاعدين على واحد من الكراسي قدّام الكافيتيريا، كل واحد في إيده كوباية قهوة، والضحك مالي الجو حواليهم.
ريان (وهو بيضحك وبيبهدل شعره بعشوائية):
– والله يا مازن، لو حطّوا مادة اسمها "فن التزويغ من المحاضرات" كنت جبت فيها امتياز مع مرتبة الشرف!
مازن (يضحك ضحكته المميزة):
– عندك حق، وأنا بقيت دكتور في الحضور الرمزي… أحضر أول خمس دقايق و"أخلع بهدوء النينجا".
ريان (يمسكه من كتفه وهو بيهزر):
– بس أوعى تنسى امتحان يوم الخميس… عندنا دكتور بيحب يفاجئنا بأسئلة من كوكب تاني!
مازن (بجدية مفاجئة):
– والله صح… لازم نراجع شوية بعدين. وإلا نروح في داهية.
(فجأة، بنسمع صوت كعب عالي بيخبط في الأرض، كأنه إعلان خطر.)
صافي (جاية ناحيتهم، لابسة لبس ضيّق وملوّن أوي، وابتسامتها مصطنعة):
– صباح النشاط يا شباب… أوووه! مازن و... ريااااان.
ريان (بنظرة ميتة ووش جامد):
– صباح الخير.
مازن (ببرود وهو يبص لريان):
– يا ساتر… الحلقة الجديدة بدأت.
صافي (بتميل بجسمها شوية وبتتكلم بدلع مفتعل):
– كنت معدّية بس... قلت أعدّي أقول صباح الخير للولاد الحلوين…
ريان، سمعت إنك شاطر أوي في الإدارة... ممكن أحتاج مساعدتك في بحثي، لو مش مانع يعني.
ريان (بيبص لمازن بسرعة وبعدين بيرجع يبصلها ببرود):
– للأسف، عندي مانع… مانع كبير كمان.
مازن (بيكتم ضحكته وهو يهمس):
– واضح إن "كشك المساعدة" مقفول دلوقتي.
صافي (بتحاول تتجاهل الرد):
– معليش، بس يعني حرام تضيع وقتك في القعدة كده... خلينا نستفيد بحاجة مفيدة!
ريان (بيقوم من مكانه فجأة):
– بصراحة… أنا قررت أضيع وقتي مع صاحبي، مش في أبحاث مالهاش لزمة. عن إذنكِ.
(وبيبدأ يتحرك مع مازن، وصافي واقفة مكانها مصدومة ومغلولة من جوّا.)
مازن (وهو ماشي جنبه وبيغمز له):
– شكلك خرّجتنا من مصيدة الغرور النهارده… بس كانت محتاجة صفارة إنذار قبل الاقتراب.
ريان (وهو بيضحك وبيفتح موبايله):
– والله لو هدّور على بنت، تكون طبيعية… بنت ناس، تحترم نفسها، مش ماشية عاملة إعلان عطر متحرّك.
وبيضحكوا سوا وهما بيكمّلوا مشيهم وسط جو الجامعة اللي بقى أدفى بصحبتهم الجميلة.
– في باحة الجامعة، بعد ما خلصت محاضرة الاقتصاد
ريان ومازن طالعين من المدرّج وسط زحمة الطلبة. ريان لسه بيضحك على نكتة قالها مازن من شوية، وفي نفس الوقت، صافي واقفة مع شلة البنات بتبص على ريان من بعيد والغيظ باين في عنيها.
صافي (بصوت واطي للبنات وهي بتبص للبنات التانيين باحتقار):
– شفتوا غزل؟ لابسة كأنها طالعة من فيلم أبيض وأسود… والله غلبانة، مش قادرة تواكب الزمن اللي إحنا فيه.
(ضحك مكتوم من الشلة، لكن غزل اللي عدّت من قدامهم سمعت الكلام… وشها احمّر من الكسوف، بس كملت طريقها من غير ما ترد.)
(ريان لمحها بالصدفة، ووقف تدريجياً وهو بيتابعها بعينه. كانت ماشية بخطوات هادية، شنطتها على كتفها، وملامحها رقيقة. لبسها بسيط وشيك، ومحجبة بأناقة. شايلة كذا كتاب وبتحاول توزنهم.)
ريان (بصوت واطي لمازن):
– مين دي؟ أول مرة أشوفها.
مازن (بيبص على اللي ريان بيبص عليه):
– دي غزل… سنة أولى أدب، شاطرة جدًا… وكتومة لدرجة الناس بينسوا إنها موجودة أصلًا.
(غزل فجأة كتاب بيقع منها، بتتوتر وبتنزل بسرعة تلمه وهي مكسوفة.)
ريان (يتحرك فورًا ويمشي ناحيتها من غير تفكير):
– استني، سيبيلي… أنا أساعدك.
(غزل تبص له بسرعة، وشها يشعل خجل، بتحاول تتكلم بس مش قادرة تطلع صوت. ريان بينزل يلم الكتب ويساعدها بهدوء.)
غزل (بصوت واطي خالص):
– شكرًا… شكرًا قوي.
ريان (بابتسامة دافية ما ظهرتش على وشه قبل كده):
– العفو… إنتي اسمك غزل صح؟ شوفتك كذا مرة، بس… أول مرة أخد بالي إنك بتلمعي بالهدوء ده.
(غزل وشها بيزيد احمرار، بتنزل عينيها ومش عارفة ترد.)
ريان (بيضحك وبيقول بصدق):
– على فكرة… الهدوء ساعات بيبقى أقوى من كل الدوشة.
(بيبعد شوية، وهو بيديها الكتب تاني، وبيرجع ناحية مازن وهو بيغمز له.)
مازن (يهمس لنفسه وهو مش مصدق):
– يااااه… أخيرًا لقيت حاجة تسكت ريان عن الرغي… بنت صوتها واطي.
(غزل تمشي بخجل، وصافي من بعيد شايفة المشهد وبتغلي من جواها، شدّة الشنطة في إيدها باينة.)
صافي (بهمس مليان غيظ):
– والله لو كانت "أم ملاية" مش هتاخده مني… نشوف بقى!
قاعة فخمة لحفل زفاف
زياد بيتمشى بالكاميرا وسط الزينة والأنوار، ووشه كله تذمر.
زياد (بيتمتم لنفسه):
– والله العظيم العروسة دي طالبة إضاءة تكفي فرح في باريس مش قاعة! وأنا اللي شايل الكاميرا بقيت فانوس بيمشي!
يقرب من ركن الورود اللي متزينة بفخامة، وهناك بنت واقفة بتركّز وهي بترتب الورود… دي ضحى.
(زياد مش واخد باله، يخبط في صندوق جنب رجليها)
زياد (متضايق):
– يا نهار أبيض! مين العبقري اللي سايب الحاجات دي في نص السكة؟
ضحى (من غير ما تبصله):
– اللي بيعرف يمشي، يبص تحت رجليه قبل ما يصوّر السما!
زياد (يرفع حاجبه وبيضحك وهو بياخد صورة عشوائية):
– بس السما اللي شفتها من شوية... الجمال الحقيقي طلع واقف قدامي! إنتي المصممة؟
ضحى (تلف له بنظرة كلها صرامة):
– لأ، أنا اللى بزيّن القاعة… بس مش لازم أكون عروسة عشان أعرف أشتغل باحتراف، صح ولا إيه؟
زياد (يضحك بخفة):
– لأ لا، حقك عليا… بس أول مرة أشوف حد بيزيّن، وقلبي يقول "كليك"!
ضحى (تحاول تكتم ضحكتها):
– حافظ كام جملة حلوة كده وبتوزعهم على كل واحدة تعدي قدام الكاميرا؟
زياد (يقرب منها شوية ويمثّل الجدية):
– أنا مصور يا آنسة، مش شاعر… بس إنتي خلّيتيني شاعر، وعايز أكتب قصيدة أولها: الورد انحنى لما حضرتك عديتي!
ضحى (تضحك لأول مرة):
– خلّص شغلك وصوّر قبل الفرح، وساعدني في ترتيب الورد بدل الغزل!
زياد (بمزاح):
– أنا أزرعلك ورد في نص القاعة كمان، بس بشرط… تاخدي رقمي بدل كارت الشكر!
ضحى (وهي بترفع وردة وتحطها في الفازة الأخيرة):
– خليك في كاميرتك يا أستاذ مصور… وسيبني أنا في شغلي، واللي فيه النصيب… تزيين!
زياد يضحك بهدوء، وياخد لها صورة من بعيد من غير ما تحس.
زياد بيتنقل بالكاميرا وسط الضيوف، شكله مركز جدًا ومندمج. تيجي طفلة صغيرة وتشده من بنطلونه.
الطفلة الصغيرة:
– عموو، صورني وأنا بعمل قلوب بإيدي كده!
زياد (ينزل لمستواها بسرعة وهو بيضحك):
– آه طبعًا! بس لو كسبتي بأجمل صورة، هخليكي مساعدتي في كل الفرح!
(بيصورها… وفجأة ضحى تقرب من بعيد وهي شايلة صندوق ورد. تعدّي من وراه وتخبطه خبطة خفيفة على كتفه من غير ما يشوفها)
ضحى:
– بتصور أطفال؟ كنت فاكراك بتصوّر عرايس وموديلات بس!
زياد (يلف بسرعة):
– إنتي! الحمد لله، كنت فاكر الحفلة هتعدّي من غير زينة بشرية!
ضحى (تميل عليه وتهمس بخبث):
– لو ما سكّتش لسانك، هزرعك مكان الورد فوق الكوشة!
زياد (يمثّل الرعب):
– يا نهار أبيض! دي زينة بخطر مزدوج: ديكور وسلاح ناري بالكلام!
(العروسة تعدّي من وراهم وهي ماشية بصعوبة في فستانها الكبير... تتلخبط في حاجة)
العروسة:
– ياساتر! في حد ماسك سلك في الأرض ولا إيه!
زياد (يجري بسرعة يساعدها):
– يا عروسة! أنا ماسك كاميرا مش لغم أرضي!
ضحى (تضحك لحد ما دموعها تنزل):
– إنت العريس الوحيد اللي ممكن يقع من فستان مش من زوجة!
(بعد شوية، تبدأ الموسيقى. نادل يعدي بصينية عصير، يخبط في زياد بالغلط، والعصير ينسكب على قميصه)
زياد:
– أنا جاي أصور الفرح… مش أتحول لفستان سبرتاية متلوّن!
ضحى (تمد له منديل وهي بتمسح له القميص):
– ما تخافش، القميص مش هيطلع في الصور… بس وشك المصدووووم؟ ده اللي هيضحك عليه العرسان الجايين لعشر سنين قدام!
(زياد يبص لها وهو بيبتسم ابتسامة واسعة، عينه كلها إعجاب)
زياد:
– يعني من الآخر… إنتي مش بس بتزيّني القاعة، إنتي بتزيّني اللحظة… حتى لو كانت كارثة!
رواية بين سطور العشق الفصل الرابع 4 - بقلم سيليا البحيري
في مكتب مهاب – شركة العيلة
الصبح – هدوء تام في الدور كله.
مهاب قاعد ورا مكتبه، لابس بدلة شيك، مركز في شغله على اللابتوب… شكله جاد جدًا.
(الجو ساكت خالص… مافيش غير صوت الكيبورد…)
(وفجأة… الباب بيتفتح بعنف!)
صوت عالي وضحكة جامدة:
– مهاااااب يا نسر العيلة!
(مهاب بيرفع عينه بشويش… بنظرة كلها تحذير… بس أول ما يشوف اللي داخل، وشه بيتغير فجأة)
مهاب (مندهش بصوت واطي):
– يوسف؟!
يوسف (رافع إيده وهو داخل بخطوات استعراضية):
– اللورد يوسف رجع من نيويورك… مفاجأة مش كده؟
مهاب (بيقوم من مكانه مذهول):
– بتهزر؟! إزاي ماحدش قاللي إنك جاي؟!
يوسف (رافع حواجبه وهو بيضحك):
– ما أنا بحب الدخول الدرامي… غموض وإثارة كده على الصبح!
(يوسف بيقرب وبيبوس مهاب، اللي بيرد التحية بس كأنها على مضض)
مهاب (ببرود ساخر):
– جيت فجأة، بس صوتك سبقك بخمس أدوار.
يوسف (قاعد على طرف المكتب وهو بيضحك):
– ولسه بارد يا مهاب زي ما أنت! والله وحشتوني كلكم… أخبار حلا إيه؟ زياد؟ ريان؟
مهاب:
– إحنا تمام… بس ما قلتليش، راجع على طول؟ ولا زيارة كده وتطير تاني؟
يوسف (بيغمزله):
– راجع… ومعايا مفاجآت، وفي واحدة منهم ممكن تقلب حياتك يا ابن خالتي.
مهاب (رافع حاجبه):
– أنا ما بحبش المفاجآت… خصوصًا لما تكون من ناحيتك.
يوسف (يعمل فيها زعلان):
– يا نهار أبيض! كده يا مهاب؟ بعد سنين الغربة؟ دا أنا كنت بفكر فيك كل يوم! وكنت بقول أكيد نسيّتني أول ما وقعت أول عقد!
(مهاب بياخد نفس طويل وهو بيحاول يخبي ابتسامته)
مهاب:
– يلا قعد… وطلع اللي في جعبتك، غير إنك داخل عامل زي إعلان كوكاكولا.
يوسف (يضحك):
– جايبلك خير… ويمكن شوية وجع دماغ على الماشي… تحب أبدأ بالحلو؟ ولا أرميلك المفاجأة مرة واحدة؟
(مهاب يبصله بنظرة تقيلة جدًا)
مهاب:
– لو فيها صداع… خلّيها لبُكره.
(يوسف يضحك بصوت عالي، ويفتح الشنطة الصغيرة اللي جاي بيها…)
*******************
فيلا العيلة – أوضة المعيشة
(ضحك خفيف مالي المكان، يوسف بيحكي موقف كوميدي حصل له في نيويورك، وزياد بيضحك لدرجة إنه هيشرق، و ريان ممدد على الكنبة بيهز راسه وهو بيضحك، أما مهاب كالعادة قاعد ساكت، بيراقب كله بعنيه اللي ما بتفوتش حاجة)
يوسف (وهو بيضحك):
– والله العظيم الظابط كان هيحبسني فاكرني مهرّب فاكهة من السوق!
زياد (وهو بيكاد يموت من الضحك):
– أكيد كنت لابس القميص الفاقع بتاعك! افتكروك فاكهة بنفسك!
(الكل يضحك من قلبه… وفجأة الباب بيتفتح…)
ريان (بيلتفت):
– أخييييرًا! الهلال بان… إنتي فين يا بنت من الصبح؟
حلا (داخلة وهي باين عليها التعب شوية):
– كنت… مشغولة شوية.
(تبص حواليها… تشوف يوسف… تتصدم لحظة، وبعدين وشها ينور)
حلا (بفرحة):
– يووووسف!!!
(بتجري عليه وتحضنه بحماس شديد)
حلا:
– مش مصدقة! إنت هنا؟ من غير ما تقول؟ والله واحشتني جدًا يا يوسف!
يوسف (وهو بيضحك وبيرد الحضن):
– وأنا كمان يا أمورتي الصغيرة… كبرتي يا شيخة! آخر مرة شفتك كنتي بتعيّطي علشان فستانك اتبهدل من الآيس كريم.
حلا (بتضحك):
– وإنت وقتها لبّستني كيس بلاستيك بدل الفستان!
(الكل بيضحك، والمكان بقى دافي كده كأن العيلة اتجمعت بعد غياب)
مهاب (بيبصلها بهدوء، لكن عنيه فيها ريبة):
– طب بجد بقى… كنتي فين من الصبح؟ إحنا كلنا رجعنا، وإنتي؟
(حلا تسكت فجأة… كل العيون عليها… تتوتر وتحاول تبلع ريقها)
حلا (متوترة وبتبص بعيد عن عنيه):
– كنت… في المكتبة. بدور على روايات و… مراجع.
ريان (رافع حاجه مستغرب):
– من الصبح لحد دلوقتي؟ روايات إيه؟ كتبها غاليليو ولا إيه؟
زياد (بيهزر):
– أكيد بتحضّر رسالة الدكتوراه من دلوقتي!
(حلا تضحك ضحكة باهتة وتحاول تغيّر الموضوع)
حلا:
– المهم يوسف رجع! خلينا نفرح شوية بوجوده.
(مهاب بيضيّق عنيه وهو بيراقبها بصمت… يهز راسه ومابيقولش حاجة)
يوسف (عايز يخفف الجو):
– بصوا، طالما رجعتوا كلكم، بكرا ع الغدا عايز أكلة من إيدك يا حلا… لسه فاكر طاجن المكرونة اللي حرّقتيه؟
حلا (بتضحك):
– ما كنتش حرّقته! إنت اللي طلبت جبنة زيادة و… اتقلب فحمة!
التوتر يروح، والضحك يرجع من تاني… بس مهاب لسه عينيه عليها، فيها نظرة شك معرفش يخبيها…
*****************
في فيلا عيلة الراوي
(باب الفيلا بيتفتح، وأدهم داخل وشه باين عليه التعب، ملامحه جامدة وتعبانة... لسه بيحط شنطته على الترابيزة، وفجأة يسمع صوت ناعم بس عالي ومتصنّع):
لوسيندا (بصوت مفعوص ومتكلف):
– آآآدهممم! أخيرًا جيت! وحشتني موووت!
(بتنط عليه فجأة وتتشعلق في دراعه كإنها في مشهد دراما سخيف. أدهم بيقف متجمد، عينه وسعت من الخنقة)
أدهم (ببرود وبنبرة ناشفة):
– لوسيندا… ابعدي فورًا.
لوسيندا (بتضحك بدلع تقيل):
– آه دايمًا مكشر كده! مش عايز حد يضحّكك؟ افرفش شوية!
(من وراهم، مازن بيحاول يكتم ضحكته، رافع كباية العصير عشان يخبي ملامحه، ونادية بتبص من بعيد بقلق، وفارس رافع حاجه ومتنرفز)
شريف (بياخد نفس وبيقول بقلق):
– لوسيندا يا بنتي بلاش الحركات دي، أدهم شكله مرهق… وكده مش لائق.
لوسيندا (بعناد زي العيال):
– بابا، بهزر معاه بس!
أدهم (بيشد دراعه من إيدها بعصبية، وبيبصل شريف بنبرة محترمة بس حاسمة):
– عمي شريف… آسف، بس اللي حصل ده تجاوز. ومش هقبل أي تمثيلية تاني بالشكل ده.
(شريف يتحرج، وينزل عينه لتحت)
شريف (بلُطف):
– معاك حق يا ابني… أنا آسف… هتكلم معاها بعدين.
(أدهم يلف وبيطلع السلم من غير ما يبص لحد، وسيبه وراه الجو كله مشحون. لوسيندا واقفة مكانها وبتغلي، بتعض شفايفها بغيظ)
لوسيندا (بتهمس لنفسها وهي بصّة فوق):
– مش هتفضل تهرب مني طول الوقت يا أدهم الراوي…
المشهد بيقفل على صمت مشحون، وشريف بيعدّي إيده على وشه بإحراج وهو بيبص لابنته بكسرة قلب.
******************
فيلا نصار – لندن
(جيلان تقفل الموبايل بعصبية، وتحدفه على الترابيزة الزجاج اللي في نص الصالة، عينيها مولّعة نار وكأنها هتحرق السجادة الفخمة تحتها)
جيلان (بانفعال وصوت عالي):
– رفضونا؟! أحمد الرايق المحترم يقول "لأ"؟! أنا جيلان نصار يتقاللي "لأ"؟!
نادر (قاعد برواقة، بس بيكسر السيجار في إيده):
– طبعًا... كنت متوقّعها من أحمد. راجل حذر وفاهم إننا عايزين نجوز ابننا للبنت عشان نربطهم بالفلوس.
جيلان (بتسقف بإيدها بسخرية):
– وكإن حلا دي أميرة متوّجة! آه، بنت شكلها حلو، بس إحنا اللي نضيف لهم شرف مش هم!
وائل (قاعد على الكنبة ممدد، لابس قميص مفتوح، ماسك موبايله وبيضحك بخبث):
– أنا أصلاً مش فارق معايا. البنت شكلها تحفة، بس شوية دلع وهتيجي ركض. ده لو أنا فاضيلها أصلاً.
جيلان (بتبص له بنظرة نار):
– هو ده ردّك؟ بعد ما فضايحك كانت السبب في رفضهم؟ كل الناس عارفة تاريخك! حتى أحمد قالها صريحة: "مش هارمي بنتي لوحش زي وائل"!
وائل (بيقوم من مكانه وبيضحك بسخرية):
– آه والله؟ تبقى بنته هي اللي خسراني. أنا اللي البنات واقفينلي طوابير! حلا؟ تيجي خير، ما جاتش؟ في ألف زيها!
نادر (بيزعق):
– اسكت! كفاية عبط! أنت السبب في اللي حصل! كل مرة ألاقي لك بنت محترمة، تبوّظ الجوازة بفضايحك وسمعتك اللي زي الزفت!
وائل (بسخرية):
– كلكم بتفكروا في الموضوع كصفقة! ما حد فيكم فكر البنت عايزاني ولا لأ؟ وهي؟ ما شافتنيش حتى! بتحكم عليا من كلام الناس؟ حلو أوي!
جيلان (بصوت واطي وشرير):
– ما شافتكش؟ بس هتشوفك… وهتندم إنها قالت لأ.
(سكون مرعب يملأ المكان، نادر بيقوم ببطء، عينه مركّزة في نقطة بعيدة)
نادر (بصوت تقيل ومليان خبث):
– وائل… خليك ذكي. البنت دي… لازم تاخدها، بس بطريقتك. مش لازم جواز…
(وائل يبتسم ابتسامة باردة)
وائل (بغمزة):
– فهمت يا بابا.
المشهد بيقفل على نظرة جيلان المليانة غلّ، ونادر بيفرك دقنه بتفكير خبيث، ووائل بيرجع مكانه ويحط رجل على رجل بثقة تخوّف.
********************
في أستراليا – منزل هادئ يطل على البحر
مساء لطيف – الغروب يلوّن الأفق بذهبيّته.
أسماء امرأة راقية في الخمسينات، هادئة، حزينة النبرة ولكن متماسكة، و جريس خادمة بريطانية وفية، تعيش مع أسماء منذ سنوات.
أسماء تجلس على كرسيّ خشبي في شرفتها، ترتشف كوب شاي بالعسل والنعناع، وفي يدها دفتر ذكريات جلدي قديم. نسيم البحر يلعب بخصلات شعرها الاشقر الذهبي.
أسماء (تنظر في الأفق وتتمتم):
"بعض الندوب لا تُشفى... لكنها تُعلّمك كيف تعيش."
تدخل جريس، تحمل بطانية خفيفة وتضعها على كتفي أسماء برقة.
جريس (بلطف):
"تفكرين فيه مجددًا، أليس كذلك؟"
أسماء (ابتسامة باهتة):
"أحيانًا، لا أفكر فيه... بل في تلك الفتاة التي كنتها قبله.
فتاة كانت تظن أن الوعود لا تُكسر، وأن الحب يحميك من الخيانة."
جريس (تجلس إلى جانبها):
"هل ما زال يؤلمك؟"
أسماء (تهز رأسها ببطء):
"لم يعد ألمًا يا جريس... صار كأنه ظل، لا أراه لكنني أشعر به في الخلف دائمًا.
لم أعد أبكي عليه، بل على تلك التي وثقت بقلبٍ لم يكن لها."
جريس (بشيء من الغضب):
"لقد خذلكِ في أسوأ توقيت... يوم زفافكما.
من يفعل هذا؟ من يجرؤ على تمزيق قلب امرأة مثلك؟"
أسماء (تبتسم بهدوء، بنبرة ساخرة):
"من كان يقول إنه لا يستطيع العيش بدوني.
لكنه فعل... وعاش، وكأن شيئًا لم يحدث."
(لحظة صمت. يُسمع صوت موج البحر في الخلفية)
جريس (بحزن):
"ربما آن الأوان... أن تعودي. أن تنفضي عنك رماد هذا الماضي."
أسماء (بهمس):
"ربما يا جريس...
ربما لم أعد تلك المحطمة، بل امرأة تعلّمت ألا تُلدغ مرتين."
جريس (بابتسامة):
"وسيعرف يومًا... أن خسارته لك، كانت أكبر من أي نصر توهمه."
تغلق أسماء الدفتر ببطء... تنظر نحوه للحظة قبل أن ترفعه وتضعه في أحد الأدراج.
ثم تنهض، تنظر إلى البحر بعينين هادئتين... متصالحتين، وإن لم تُشفَ تمامًا.
رواية بين سطور العشق الفصل الخامس 5 - بقلم سيليا البحيري
بعد كام يوم
في مكتب أنيق في شركة "الراوي للإنتاج"
(أدهم قاعد ورا مكتبه، قدامه ورق كتير ونسخة مطبوعة من رواية حلا. حلا قاعدة قصاده، متوترة شوية بس عينيها فيها لمعة حماس)
أدهم
(بنبرة هادية وهو بيقلب في الورق)
الرواية فيها روح حلوة، وسردك ناعم، والحبكة مشوّقة جدًا... خصوصًا تطور البطلة وعلاقتها بأبوها... حسّيته واقعي وموجّع.
حلا
(بخجل)
فرحانة إنها عجبتك... أنا كتبتها من قلبي، من حاجات شُفتها حواليّا... كنت عايزة أوصل إحساس، مش مجرد حكاية.
أدهم
(بيرفع عينه ليها ونظرته فيها إعجاب)
ونجحتي.
(يسكت لحظة، وبعدين يكمل بجدية)
بصي... لو هنحوّلها لمسلسل، لازم نعيد ترتيب شوية حاجات، خاصة أول كام حلقة. لازم أول ٣ حلقات يبقوا ضربات قوية... يشدوا الناس من أول دقيقة.
حلا
(بحماس)
تمام! أنا معاك... أنا عندي أفكار أصلاً أطور بيها البداية وأخليها مشوّقة أكتر.
أدهم
(بيبتسم)
جميل... كمان لازم نختار ممثلة تمثّل الدور صح. شايف إن البطلة مش لازم تبقى نجمة مشهورة ولا تريند... عايزين وش جديد، في عينيه نفس البراءة اللي في بطلتك.
حلا
(بتضحك بهدوء)
كنت ناوية أقولك كده... ياريت ما نجيبش اسم كبير يبوّظ روح القصة.
أدهم
بالظبط... وعجبني إنك فاهماه.
(بيسحب ملف من جنبه ويديهولها)
دي نسخة من العقد المبدئي. هنتعامل كشُركا إبداع... هتاخدي نسبة من الأرباح، وكمان هتبقي معانا كمستشارة درامية وقت التصوير.
حلا
(باندهاش وهي تبص للملف)
أنا؟ مستشارة؟ بجد؟
أدهم
(بنظرة فيها عمق)
إنتي صاحبة الحكاية... ما ينفعش نكمل من غيرك. وبصراحة... نفسي أشوف القصة دي وهي بتنجح من خلال عينك إنتي.
(يسود صمت خفيف... حلا تبص له متفاجئة من كلامه)
حلا
(بصوت واطي)
شكرًا... مش مصدقة إن حلمي أخيرًا بيبتدي...
أدهم
(يبتسم)
وأنا كمان مش مصدق إن أول مشروع أحس فيه بروح... جالي من كاتبة لسه بتبدأ... بس مختلفة أوي.
(تنتهي أول جلسة ما بينهم... بس الشرارة ولعت، من غير ما ياخدوا بالهم القصة دي رايحة لفين)
********************
(حلا قاعدة جنب أدهم، وبينهم لابتوب بيعرض صور لممثلات مقترحة للدور)
أدهم
(وهو بيتنهّد وبيقفل اللابتوب بعد ما قلب شوية صور)
ولا واحدة تنفع... كله تمثيل وتصنّع، مفيش فيهم واحدة عندها العفوية والبراءة اللي إنتِ كاتباها فالبطلة.
حلا
(بتتكلم وهي محتارة)
والله أنا كمان حاسة كده... في حاجة ناقصة بس مش قادرة أوصفها.
أدهم
(بيبص لها نظرة طويلة، بيركّز في وشها، في لمعة عنيها، وبراءة ملامحها)
لأ... أنا عارف أوصفها.
حلا
(بتبص له باستغراب)
تقصد إيه يعني؟
أدهم
(بيبصلها في عنيها على طول)
إنتي... إنتي البطلة.
حلا
(بتتجمد مكانها)
إيييييه؟! أناااا؟! لأ لأ لأ... أنا كاتبة مش ممثلة!
أدهم
(بهدوء وابتسامة خفيفة)
أنا بعرف أميز اللي يقدر يوصّل الإحساس... إنتي كتبتي البطلة من قلبك، وعنيكي بتقول كل كلمة في الرواية... مش محتاجة تمثلي، بس كوني نفسك.
حلا
(بتقوم من مكانها مرتبكة وإيديها بتترعش)
مستحيل! إخواتي مش هيوافقوا... خصوصًا مهاب، ده أصلًا مش طايق فكرة الكتابة! لو عرف إني كمان همثّل؟!
أدهم
(بيقوم بهدوء وبيقف قدامها)
أنا مش طالب منك تقرري دلوقتي... فكّري. أنا مش شايف حد غيرك. ولو قلتي لأ، مش هلاقي بطلة بسهولة.
(يسكت لحظة وبعدين يتكلم بصوت أهدى)
ولو حبيتي... أكلم إخواتك. أشرح لهم، وأحاول أقنعهم.
حلا
(بصوت واطي)
لأ... ماينفعش. مهاب عنيد جدًا... بيعتبرني بنته مش أخته. هيشوف إن ده عار!
أدهم
(يقرب منها شوية ويتكلم بهدوء)
طيب... إبقي بس في البروفات الأولانية، نجرب سوا. ما نحكمش من أول مرة. ولو حستي إنك مش مرتاحة... نوقف كل حاجة.
(حلا بتتنفس بعمق، بتحاول تلم نفسها، وتقف ساكتة شوية، وبعدين تهز راسها بخجل)
حلا
هجرب... بس لو إخواتي عرفوا... أنا مش مسؤولة عن اللي هيحصل!
أدهم
(بيبتسم ابتسامة خفيفة كده فيها نَفَس انتصار)
وأنا المسؤول... عن كل حاجة.
(المشهد بينتهي بنظرة طويلة بينهم... مليانة توتر وخوف، بس في نفس الوقت، فيها دفء ولسّه الطريق بيبدأ)
********************
في فيلا عيلة الراوي - أوضة المكتب
(فارس الراوي قاعد ورا مكتبه، الموبايل في إيده ولسه قافل المكالمة. ملامحه شارده، وعينيه فيها لمعة حزن تقطع القلب)
(نادية مراته تدخل عليه بهدوء، في إيدها كباية شاي)
نادية
(وهي بتقرب منه)
كانت أسماء اللي كلمتك... مش كده؟
(يهز دماغه بـ "آه" من غير ما يبص لها، وساكت شوية)
نادية
(وهي بتحط الكباية قدامه)
بقالك نص ساعة ما نطقتش بكلمة... حصل إيه للمسكينة دي؟
فارس
(بصوت واطي وتعبان)
لسه واقفة عند نفس اللحظة... كإن الزمن واقف بيها. 28 سنة، يا نادية... 28 سنة شايلة وجع ما بيتحكيش.
نادية
(بحزن)
يمكن عشان كانت بتحب بصدق... والصدمة كانت أكبر من الحب.
فارس
(بيبص في الفراغ)
لسه فاكرة كل حاجة... اليوم، الكلمة، النظرة... حتى فستان الفرح لسه في الدولاب، ما قدرتش تلمسه من ساعتها.
نادية
(بتقعد على طرف المكتب، وبصاله بحنية)
كلنا انكسرنا في وقت من الأوقات... بس هي كإنها اتكسرت ورفضت تتصلح.
فارس
(بغصة وجع)
لأنها اتكسرت من أقرب الناس ليها... من اللي وعدها يكون أمانها.
(يسكت شوية، ونادية سايباه ياخد وقته. باين عليه بيقاوم دمعة حارقة)
نادية
(بهدوء)
ولسه مش عايز تقولّي مين هو...
فارس
(بيبصلها أخيرًا، بنبرة واهية)
اسمه مش مهم يا نادية... اللي يهم إنه ما يستاهلش حتى نذكره. أسماء محتاجة حد يرجعلها ثقتها في الدنيا... مش حد يفتح جرحها تاني.
نادية
(بتحط إيدها على إيده)
ويمكن ربنا يبعَت لها ده قريب...
فارس
(بيبصلها بنظرة فيها أمل كداب)
يا رب... بس قلبي مش مرتاح بقاله كام يوم. في حاجة جاية... حاجة هتفتح الماضي كله تاني.
نادية
(بقلق)
خير يا فارس؟!
فارس
(بيقوم وهو بياخد نفس عميق)
معرفش... بس اللي متأكد منه... إننا لازم نفضل جنب أسماء، مهما حصل.
(يخرج من المكتب بهدوء، ونادية تبص له والقلق مالي وشها...)
*********************
في ساحة الجامعة - نص اليوم
الشمس كانت واقفة فوق في السما، والطلبة رايحين جايين بين المباني والساحات كأن مفيش حاجة تهم غير المحاضرات والدرجات...
بس ريان، اللي كان قاعد لوحده على دكة في الركن، كان بيبص على الدنيا بنص تركيز ونص شرود.
وفجأة... شافها.
ريان
(بهمس مش سامع نفسه)
غزل...
ظهرت من بعيد... ماشية بخطوات خجولة، راسها لتحت، والطرحة مغطية نص وشّها...
بس الهوا لعب لعبته، ورفع طرف الطرحة... وظهر اللي كانت بتحاول تخبّيه...
وشّها عليه كدمات سودة وبنفسجي... خدها مورّم وتحت عينها فيه زرقة باينة...
ريان
(قام واقف فجأة، قلبه اتشل)
غزل؟! إيه دا؟ مين اللي عمل فيك كده؟!
غزل ما ردتش... بس دموعها كانت نازلة وهي باصة له تارة، وبتبُص في الأرض ألف تارة...
وفجأة، ضحك عالي جه من وراهم...
صافي ظهرت هي وشِلّتها، بتضحك بصوت عالي ومليان سخرية:
صافي
(بوقاحة)
إيه الرعب دا؟! دا فيلم رعب ببلاش كده؟ (تضحك وهي بتشاور على وشّ غزل) قولولنا اسم الفيلم إيه؟ كدمات الغرام؟ ولا ليلة في الرعاية المركزة؟!
واللي معاها انفجروا ضحك بصوت بشع وقاسي...
لكن ريان ما ضحكش...
ريان
(بعين مولعة نار وهو بيقرب منها)
اسكتي... اسكتي قبل ما أنسى إني واقف في جامعة، مش في خناقة بلطجية!
صافي
(بغرور)
إيه؟ بتدافع عن دي؟ عن بنت عبيطة؟!
ريان
(بصوت عالي سامعينه كل الطلبة)
أيوه، بدافع عنها! دي أنضف وأنقى وأشرف بنت شافتها الجامعة دي!
واللي هيقوّل كلمة عليها... يبقى بيكلمني أنا شخصيًا!
وبعدها لفّ ناحية غزل، وإيده بترتعش وهو بيحاول يطبطب على كتفها بلين:
ريان
(بصوت واطي)
تعالي... ما تفضليش واقفة وسط الوحوش دول... تعالي نروح من هنا، أرجوكي.
غزل بصّت له... والدموع نازلة من غير صوت...
لحظة سُكوت... طويلة، تقيلة... وبعدين:
غزل
(بهمس منكسر)
أنا آسفة... ماكانش المفروض أجي النهارده...
ريان
(بحسم وصدق)
لا... أنا اللي آسف إني سايب جامعة بيطلع منها أمثال دي يتكلموا...بس بوعدك... من النهارده، مش هتكوني لوحدك تاني.
ومسك إيدها بلُطف، ومشي معاها بعيد... وسط سكون غريب ساد الساحة كلها...
أما صافي، فوقفت تتفرج، مغيوظة، كأن السما وقعت على دماغها.
*******************
في حديقة عامة - بعد الظهر
كانت الشمس ترسل أشعتها الذهبية على الأشجار، والنسيم يلاعب أوراقها الخضراء في هدوء ناعم...
وفي ركن هادئ من الحديقة، جلست ضحى على المقعد الخشبي، تحت ظل شجرة، تحدّق في الأرض بعينين غارقتين في الهم.
شاردة، متوترة، والدمعة محبوسة لا تريد أن تُذلّها...
تفكر في أختها الصغيرة، وفي الغد المظلم الذي ينتظرها إن لم تجد حلاً.
وفجأة...
صوت مألوف جاء من بعيد، مرح، دافئ، مليء بالحياة:
زياد
(بابتسامة واسعة وهو يقترب)
يااااه... مش معقول! مش قلبي عم بيخبط؟! ولا حضرتك ضحى ديكور العرسان؟!
ضحى رفعت رأسها بدهشة...
رمشت مرتين كأنها لا تصدق.
ضحى
(بخجل مفاجئ)
أنت... المصور؟
زياد
(يجلس على المقعد بجانبها دون استئذان، يضع يديه خلف رأسه بثقة)
آه يا ستي! مصور، شاعر، فنان، وبالمرة... مزوّج العرسان لو حبيتي!
(يضحك ثم ينظر إليها ويتوقف فجأة حين يلاحظ شرودها)
بس إيه؟... إنتي زعلانة ليه؟ وشك مش زي ما شفته في العرس... كنتي منورة!
ضحى
(تخفض رأسها بصوت خافت)
مفيش حاجة... بس تعب شوية.
زياد
(بقلق حقيقي)
تعب؟ ولا همّ الدنيا على قلبك؟ عينيك بتحكوا حكاية كاملة، وعيوني محترفة تقرا وجوه...
ضحى
(بنبرة حزينة، كأنها فقدت السيطرة)
أختي... غزل... أبويا بيجبرها تتجوز راجل بعمره... وهي لسه صغيرة، ورفضت... وضربها... وأنا... مش عارفة أعمل إيه.
صمت...
زياد توقّف تمامًا عن مزاحه، وحدّق فيها بنظرات جدية ما اعتادت ضحى أن تراها من رجل غريب.
زياد
(بهدوء لكن بصلابة)
بصّي... أنا ممكن أكون كلامي هزار طول الوقت، بس مش لما يكون الموضوع جد كده...
أختك عندها حق... ومحدش في الدنيا له سلطة يكسر بنت... مش لأي سبب.
وإنتي... مش لوحدك.
ضحى
(بدهشة)
يعني إيه؟
زياد
(ينهض بحماس)
يعني لو احتجتي أي حاجة... أنا هنا.
والمصورين مش بس بياخدوا صور، بياخدوا مواقف كمان!
(ثم يغمز لها بمزاح ليخفف التوتر)
وما تقلقيش... مش هعملك فوتوسيشن حزينة، أوعدك بالضحك الجاي قريب...
ضحكت ضحى رغم دمعتها، لأول مرة من أيام...
ضحى
(بابتسامة صغيرة)
شكراً يا زياد... معرفش ليه، بس كلامك ريّحني.
زياد
(بمرح وهو يشير لقلبه)
ده لأنّي زي السكر... بس بدون سكر زيادة!
(ثم يشير إلى السماء)
ربنا هيفكها يا ضحى... أنا واثق. وهبقى أسألك عن أختك قريب، تمام؟
*********************
قص في سطح فيلا العائلة - مساء هادئ، النسيم يحرّك الستائر البيضاء، والنجوم تلمع في السماء.
(يوسف يجلس على الكرسي الخشبي، كوب قهوة في يده، بينما يقف مهاب قرب الحاجز، ينظر إلى الأفق بتوتر)
يوسف
(بنبرة هادئة)
شايف حلا كيف لمعت عينيها لما قالتلي عن فكرتها الجديدة؟ البنت عندها شغف حقيقي، يا مهاب.
مهاب
(من دون أن يلتفت)
عارف... بس الشغف وحده ما بيأكل عيش. الروايات؟ إحنا في زمن الحسابات الدقيقة. البنت لازم تفكر بمستقبلها، مش تضيع وقتها تحلم!
يوسف
(يضحك بهدوء)
إنت اللي بتحبها بزيادة لدرجة إنك مش شايف قوتها... حلا مش بنت عادية، ومش قاعدة تحلم عبث. كتبت رواية كاملة، وبأسلوب ناضج رغم سنها. مش لازم نخنق موهبتها بحجّة الخوف.
مهاب
(يلتفت إليه بنظرة حادة)
مش بخنقها، أنا بحميها. مش كل اللي يكتب رواية يصير نجيب محفوظ! الحياة مش وردية زي اللي بتكتبها هي!
يوسف
(بابتسامة ساخرة قليلاً)
وأنا مش طالب منها تترك كل شي وتراهن عليه... بس ادعمها، شجّعها، خلّيها تحس إنها مش لوحدها. إنت أقرب الناس لقلبها، وخوفك بيخنقها حتى لو ما قلت شي.
مهاب
(يتنهد ويعود للنظر للأفق)
أنا بس مش عايزها تصدم... ما أقدر أتحمل شوفة خيبتها لو فشلت.
يوسف
(يقترب منه، يضع يده على كتفه)
ولو فشلت؟ تتعلم. تنهض. وتكتب من جديد. النجاح ما بيجي من أول مرة، ولا بيجي من الخوف... بيجي من التجربة، ومن إنك تكون في ضهرها.
مهاب
(بصوت خافت)
هي صغيرة، وطيبة بزيادة... والناس بره مش طيبين.
يوسف
(بحنان وابتسامة صادقة)
وعشان كده هي محتاجة حد يكون درعها، مش قيدها.
(يصمت الاثنان للحظة، قبل أن يرفع مهاب رأسه ويتنهد بعمق)
ما بوعدك... بس ممكن أجرب أكون درع، مش قيد.
يوسف
(بابتسامة راضية)
ده هو الكلام... ومش هتندم.
**********************
في أوضة السفرة الكبيرة، الترابيزة الخشب الأنيقة متحوّطة بالعيلة، والأطباق مترتبة بعناية.
الكل قاعد بيتعشى.
زياد
(وهو بيغرف في طبقه)
الجو النهاردة غريب... كإني حاسس إن في حاجة هتحصل، صح يا ريان؟
ريان
(بيضحك)
أكيد... يمكن مهاب أخيرًا يبتسم؟
يوسف
(بابتسامة خفيفة)
مش بعيد، خصوصًا لو سمع خبر يفرّح.
حلا
(بتبلع ريقها بصعوبة، وصوتها واطي)
أنا... عايزة أقول حاجة مهمة.
(الكل بيبصّ لها، والملاعق بتقف في الهوا)
مهاب
(بقلق)
في إيه يا حلا؟
حلا
(بتحاول تتمالك نفسها)
قدّمت روايتي لشركة إنتاج... للمخرج "آدهم الراوي".
و... وافقوا يحوّلوها لمسلسل.
(سكوت تقيل يعمّ الأوضة، عيون زياد و ريان اتوسّعت، يوسف بيبتسم باندهاش بسيط، ومهاب واقف مش مصدّق)
مهاب
(بصوت عالي وغضبان)
إييييه؟! عملتي كده من ورا ضهري؟! من غير ما تاخدي رأيي؟!
حلا
(بخوف)
كنت خايفة تقولوا لأ... يوسف شجّعني، وقاللي دي فرصة!
مهاب
(بيبصّ ليوسف بعصبية)
يوسف؟! أنت اللي دفعتها تعمل كده؟!
يوسف
(بيحاول يهديه)
أنا شجّعتها عشان موهوبة، والرواية تستاهل تتشاف.
مهاب
(بيخبط بإيده على الترابيزة)
لأ! دي صغيرة ولسه بريئة، ومتعرفش الدنيا فيها إيه! ولو ما دخلتيش هندسة زي ما اتفقنا...ما تعتبرينيش أخوكي من النهاردة!
(عيون حلا بتدمع، شفايفها بتتهز، بس ما بتعيّطش، بتهمس بصوت مكسور)
حلا
أنا آسفة... ماكنتش عايزة أزعلك...
(زياد بيركن الشوكة على الطبق ويتنهّد، و ريان بيهمس بحزن)
ريان
مهاب، على مهلك شوية...
يوسف
(بحزم وهدوء)
مهاب، ما ينفعش تهددها كده. دي أختك، مش مشروع لازم يمشي على مزاجك.
مهاب
(متمسّك بكلامه)
أنا خايف عليها! مش كل حاجة موهبة وشهرة! الدنيا صعبة ومابتديش أمان.
(سكوووت... الجو تقيل، حلا باصة في طبقها مش قادرة تاكل، والهدوء عامل زي الصرخة المكبوتة وسط العيلة.)
***********************
طاولة العشاء - الجلسة مشحونة بعد كلام مهاب القاسي.
حلا
(صمتت لدقائق، عيناها تدمعان لكنها تحاول التماسك. ثم فجأة تنهض من مكانها بعنف وتصرخ بصوت مختنق)
كفاية!!! أنا مش طفلة! دايمًا شايفيني صغيرة، بريئة، ما بفهمش! بس أنا تعبت! تعبت منكم كلكم!
(العيون تتسمر عليها بصدمة، لم يعتادوا منها هذه النبرة)
حلا
(تواصل بانفعال)
أنا عندي حلم! عندي طموح! ليه لازم دايمًا أمشي ورا اللي انتو عايزينه؟! ليه لازم أدخل كلية هندسة؟ عشان بس أكون الأخت اللي ترضى غروركم؟!
مهاب
(يحاول التحدث)
حلا، أنا...
حلا
(تقاطعه بعينين دامعتين)
لا تقاطعني يا مهاب! أنت أكتر واحد بحبه، بس كمان أكتر واحد وجعني... لما قلتلي (مش هتكوني أختي)، كسرتني... كأنك ما تعرفش أنا قد إيه بخاف أزعلك!
زياد
(بهدوء)
حلا...
حلا
(تلتفت إليه)
زياد، طول عمرك ساكت! ساكت على كل حاجة بتحصل، حتى لما شافوني بصغروني وبيكتموني، ما دافعتش عني!
يوسف
(بصوت منخفض)
بس إحنا خايفين عليكِ، يا حلا...
حلا
(بغصة)
أنا كمان بخاف على نفسي! بس تعبت من العيشة اللي كلها أوامر ونصايح وانتقادات! أدهم الراوي شاف فيّ حاجة محدش منكم شافها! هو آمن بيا، وانتو خفتوا!
ريان
(بصوت منخفض)
وإنتي ناوية تعملي إيه؟
حلا
(بصوت حاسم وهي تنظر إليهم جميعاً)
أنا قررت أسافر عند ماما وبابا في لندن... يمكن هناك ألاقي حالي... ألاقي اللي يسمعني من غير ما يخليني أحس إني غلطة!
(صمت ثقيل يخيم على الطاولة، الكل مصدوم، ومهاب يحدق بها بدهشة، بينما تتراجع هي للخلف بخطوات بطيئة، ثم تهرب إلى غرفتها والدموع تغرق وجهها)
**********************
في القعدة العائلية، الجو ساكت ومشحون بعد ما حلا قالت إنها عايزة تدرس أدب وتسافر...
مهاب
(مكشر ورافع دراعاته)
يعني باختصار... عايزة تسيبي كل حاجة وتروحي تكتبي روايات وتلفّي العالم؟
حلا
(بصوت مكسور)
مش بسيب كل حاجة... بحاول أحقق حلمي، أعيش اللي بحبه.
مهاب
(بعصبية)
يا حلا، أحلام إيه؟! إحنا عندنا مستقبل نخططله، شغل، مهنة، مش لعب وتهجيص ونرجع نندم بعدين!
ريان
(يحاول يهدّي)
بس يا مهاب، هي مش هتبطل دراسة... هي بس حابة تدرس أدب أو إعلام، مش قاعدة في البيت يعني.
مهاب
(مصرّ)
ومين قال إن الأدب فيه مستقبل؟ وبعدين موضوع السفر ده! شايفينه طبيعي يعني؟ بنت تسافر لوحدها كده؟ علشان إيه؟
زياد
(بيطبطب على كتف حلا)
اسمعها بس للآخر يا أخويا... دي مش طفلة. كتبت ونشرت ونجحت... يمكن هي شايفة طريقها.
يوسف
(بيبص لمهاب بجدية)
مهاب... إنت دايمًا بتفكر بعقلك، بس قلبها المرة دي بيتكسّر... بص عليها.
حلا
(بتنفجر في عياط، وتغطي وشها بإيديها)
أنا مش بلعب... أنا بحلم! زيكم لما كنتوا في سني... بس دايمًا لازم أبرر، كل خطوة بعملها كأنها غلطة... تعبت، والله تعبت.
(سكون... نفسها بقى متقطع وهي بتبعد وتقعد في الركن)
ريان
(بصوت واطي)
مش حرام تشوف دموعها وتسكت يا مهاب؟ دي أختنا... المفروض نكون معاها مش ضدها.
مهاب
(بيبص لها لفترة، ملامحه بدأت تتغيّر، والعصبية بتقل شوية شوية)
يعني... روايات وسفر وكل ده على مزاجك؟
حلا
(بتقرب منه بتردد، وتمسح دموعها)
أنا ممكن أتنازل عن السفر... بس تسيبني أدرس اللي بحبه... وأكمل كتابة... من غير خوف... بالله عليك.
مهاب
(بياخد نفس طويل، ويتكلم بهدوء)
خلاص... اسمعي يا حلا...
هتدرسي، بس هنا في بلدنا... وتدخلي كلية محترمة، مش أي كلام... هندسة إعلام، أي حاجة كويسة، بس تتعلمي بجد.
والكتابة؟ كمّلي... بس شغلك يبقى قدامي.
وأي حاجة تخص نشر أو توقيع مع الناس دول... نقعد أنا وإنتي والراجل بتاع الإنتاج ده... اسمه إيه؟ أدهم الراوي؟ لازم أعرف مين بيتعامل معاك.
حلا
(بتشهق من الفرح وبتصرخ)
ابييييييه!!! والله بحبك!!!
(بتنط فجأة وتحضنه جامد، وتبوسه بسرعة على خده، وهو واقف متجمد ومصدوم، بس بيبتسم غصب عنه)
مهاب
(بيبص لها بحنية مخفية)
يا مجنونة... خليكِ عاقلة شوية.
زياد
(يضحك)
أهي بدأت تفضّي كل الشحن اللي كانت مكتملاه من شهور!
يوسف
(ضاحك)
ومهاب وقع في الفخ العاطفي زي أي حد فينا!
ريان
(بمزاح)
أكيد مش لأنك طيب... أكيد بس عشان كنت خايف من دموعها تغرقنا.
مهاب
(يضحك أخيرًا، ويهز راسه)
إنتو عصابة... ربنا يعيني.
حلا
(بتنط وتلف حوالين نفسها بفرحة)
أووووه! مش مصدقة! ابيه وافق! أنا أسعد بنت في الدنيا!
************************
في فيلا أدهم - بالليل
(باب الفيلا الفخمة بيتفتح، وأدهم داخل بخطوات تقيلة، لابس بدلة رمادي شيك، بيقلع الجاكيت ويرميه على الكنبة من غير ما يبص، بس عنيه بتدوّر لوحدها... بتدور على السكون... على هدوء مش لاقيه.)
(مازن نازل من الدور اللي فوق، لابس كاجوال، والموبايل في إيده، والضحكة الشقية مش سايباه.)
مازن
(وهو بيتاوب تمثيل)
أهلاً أهلاً بالسيد المدير... رجعت بدري النهاردة! الساعة لسه سبعة!
أدهم
(من غير ما يبص له)
كان يوم تقيل.
مازن
(بيقرب منه، وعنيه بتلمع بمكر)
تقيل؟ غريب... أصل أنا شفتك مبتسم النهاردة في الشركة! وده حدث تاريخي يا صاحبي!
مشهد نادر، يتحط في كتب التاريخ!
أدهم
(بيبص له بحدة، بس من غير عصبية)
مازن...
مازن
(رافع حواجبه بخبث)
مين البت؟
أدهم
(بيحاول يتماسك)
بت مين؟
مازن
(بيضحك)
آه كده؟ طيب نعيد السؤال تاني بس أوضح شوية... مين "الجميلة أوي اللي كانت قاعدة جنبك في اجتماع التسويق النهاردة؟"
اللي خلتك تنسى تمسك القلم... ونسيت تبص في الساعة كل شوية!
أدهم
(كأن ابتسامة خفيفة هربت منه)
زميلة جديدة... اسمها حلا.
مازن
(يصفق ببطء)
حلا... اسمها حلو على شكلها كده واضح.
(يقرب منه ويقعد جنبه، ونظراته كلها حب أخوي ودفا.)
مازن
(بصوت هادي)
أدهم... أنا مش متعود أشوفك كده.
بس حلو إن في حاجة... أو "حد" بيغيّر فيك شوية.
أنا بس عايز أقولك... لو هي فعلاً تستاهل، ما تبوظهاش ببرودك اللي متعودين عليه.
أدهم
(ساكت شوية، وبعدين يهمس)
هي مختلفة يا مازن... مختلفة خالص.
(يسكتوا شوية، ومازن بيكتفي بابتسامة هادية كأنه بيقول "أنا فاهمك".)
*******************
- غرفة حلا - ليلاً - الأضواء خافتة
حلا نائمة بعمق على جانبها، وجهها هادئ رغم آثار الدموع الجافة على خديها... الباب يُفتح بهدوء شديد ويدخل مهاب بخطوات مترددة
(يقف عند الباب للحظة، ينظر إليها بحنان، ثم يقترب ببطء ويجلس على طرف السرير دون أن يوقظها)
مهاب
(بصوت هامس، شبه مبحوح)
كنتي بتحلمي تكتبي روايات، صح؟ دايمًا كنتِ تقولي إنك عايزة الناس تقرأ قصصك، تعيشيهم معاكي كل التفاصيل... كنتِ تبني عالم من خيالك، وتخلّي الناس تحس وتبكي وتضحك.
(ينظر إليها بتأثر... لحظة صمت.)
مهاب
(بصوت أهدأ)
أنا مش ضدك... والله العظيم أنا مش ضدك، أنا بس خايف... خايف عليكي من الناس، من الخذلان، من إنك تتألمي بسبب اللي بتحبيه... إنتي مش أي حد، إنتي أختي الصغيرة، جوهرتي... الأمانة اللي سابهالي بابا وماما.
(يتنهد ويخفض رأسه قليلًا.)
مهاب
أوقات بنخاف لدرجة إننا نخنق اللي بنحبهم... بس إنتي علّمتيني النهاردة إني لازم أسيبلك المساحة، أصدقك، وأكون ظهرك بدل ما أكون الجدار اللي يمنعك.
(ينظر إليها بابتسامة صغيرة حزينة.)
مهاب
كمّلي حلمك يا حلا... اكتبي، وخلّي الدنيا تسمع صوتك. وأنا... هكون أول قارئ، وأكبر مشجّع.
(ينهض بهدوء، يلمّ الغطاء على جسدها، ويطبع قبلة خفيفة على جبينها دون أن توقظه.)
مهاب
(بهمس وهو يخرج)
نامي كويس... بكرة حلمك هيبدأ.
(يخرج من الغرفة ويغلق الباب بهدوء... الكاميرا تبقى على وجه حلا - رغم أنها نائمة، دمعة دافئة تنزل من زاوية عينها... وكأنها سمعت كل شيء.)
*******************
- بالليل - جوّه بيت العيلة - أوضة الصالون
النور خافت، والتوتر مالي المكان، غزل قاعدة على الكنبة ووشّها باين عليه الخوف والذهول، ضحى واقفة جنبها وقلقانة. أبوهم داخل من الباب بعصبية.
الأب
(بصوت عالي)
غزل! حضّري نفسك، كتب كتابك بعد تلات أيام. الموضوع خلص، ومفيش مناقشة!
غزل
(بتقوم من مكانها ببطء، ووشها بين الصدمة والاشمئزاز)
عليه؟! على الراجل العجوز ده؟! أنا مش هتجوزه، سامع؟ مستحيل!
الأب
(بيقرب منها بخطوات سريعة وغاضبة)
بتقولي إيه؟ مستحيل؟! إنتي بتتحديني؟!
غزل
(بجراءة مفاجئة)
أيوه بتحدّاك! مش هبيع حياتي لحد زيه عشانك! ده مش جواز... دي عقوبة! وأنا مش هقبلها.
ضحى
(بتدخل وهي بتحط إيدها على دراع أبوها)
بابا، اسمعها بس لحظة... غزل خايفة ولسه صغيرة، بلاش تجبرها بالشكل ده...
الأب
(بينفض إيد ضحى بعنف)
إنتي اسكتي! متدخليش! أنا أبوكم، وأعرف مصلحتكم أكتر منكم!
ضحى
(بصوت حازم وهي بتحاول تهديه)
بس أنا أختها الكبيرة، ومسؤولة عنها برضو! اللي بيحصل ده ظلم! غزل عندها أحلام، حياتها مش لازم تروح كده...
الأب
(بيتحرك ناحيتهم بسرعة، وبيلطم غزل بالقلم)
هي دي نهاية التمرد! بكرة تتجوزي غصب عنك، ومفيش حد هينقذك!
غزل
(بتترنح من الضربة، بس بترفع راسها وفي دمعة في عينها)
اضربني زي ما إنت عايز... بس كرامتي مش هبيعها. مش هبقى لعبة في إيدك.
ضحى
(بتجري على غزل وبتحضنها)
كفاية! نسيت إنها بنتك؟! دي إنسانة، مش صفقة ولا ملكك!
الأب
(بيتنهّد بغضب ووشّه محمّر)
لو البنات دي ما سكتوش... البيت ده هيخرب على إيديكم!
غزل
(بصوت متقطع وهي بتبصله)
أنا مش بخرب بيت... إنت اللي بتهدّ مستقبلي بإيدك.
ضحى
(ماسكة إيد غزل وبتسحبها بعيد)
تعالي... تعالي يا غزل، خليه يهدى... مفيش كلام يتقال دلوقتي.
الأب
(بيزعق من وراهم)
اهربوا زي ما إنتوا عايزين! كتب الكتاب هيتم... ولو على جثتي!
*******************
أوضة غزل، بالليل - وغزل منهارة على سريرها، بتعيط، وضحى قاعدة جنبها، قلقانة وبتفكر.
غزل
(شهقة وهي بتعيط، وشها مفيهوش روح)
ليه بيحصلي كده يا ضحى؟ أنا عملت إيه عشان أستاهل الذل ده؟ والله قلبي بيتقطع... مش قادرة أستحمل أكتر من كده!
ضحى
(بتمسح دموع أختها بحنية)
أنا جنبك، ومش هسيبك. بس لازم نلاقي حل... لازم قبل ما الوقت يفوت.
غزل
(بصوت مخنوق)
مستعدة أهرب... حتى لو هنام في الشارع. بس مش عايزة أتجوز الراجل العجوز ده... ده مش جواز، ده سجن مدى الحياة.
(ضحى بتقوم، وبتتمشى في الأوضة بتوتر، بتحاول تفكر بسرعة، وفجأة بتقف وتبص على غزل)
ضحى
(بهمس كأنها افتكرت حاجة)
استني... في حد ممكن يساعدنا!
غزل
(بترفع راسها، وفي لمعة أمل في عينيها)
مين؟
ضحى
(بتفتح شنطتها وبتدور فيها)
زياد! المصوّر اللي كان في فرح رنا ، كان لطيف واتكلم معايا كتير، وخلاني أضحك وسط الزحمة. إداني رقمه وقال لو احتجت حاجة أكلّمه.
غزل
(وعيونها مليانة دموع، شهقت)
بتثقي فيه؟
ضحى
(بصّت لها بإصرار)
معنديش اختيارات كتير... بس إحساسي بيقولي إنه هيساعدنا. ماكانش شكله بني آدم وحش. كان محترم وذكي... يمكن يكون أملنا الوحيد.
غزل
(بخوف)
بس لو بابا عرف؟ هيقتلنا!
ضحى
(بصوت حاسم)
مش هيعرف... مش دلوقتي على الأقل. لازم نتحرك بهدوء. كل دقيقة بتعدّي بتقرّبنا من الكارثة.
(ضحى تلاقي الرقم مكتوب على ورقة صغيرة، تتردد شوية، وبعدين تطلع الموبايل وتتصل. غزل بتبصلها بقلق)
زياد
(بيرد بعد شوية، صوته لسه خفيف ومريح)
ألو؟ مساء الفل! مين معايا؟
ضحى
(بصوت متوتر بس جاد)
زياد؟ أنا ضحى... كنت مسؤولة التزيين في فرح رنا... فاكرني؟
زياد
(ضحك بخفة)
طبعاً فاكرِك! إيه؟ ندمتي إنك ما كلمتنيش قبل كده؟
ضحى
(ابتسمت ابتسامة متوترة، لكن رجعت للجدية بسرعة)
زياد... بالله عليك، محتاجة مساعدتك. الموضوع خطير... جدًا. مش عارفة أروح لمين غيرك.
زياد
(بصوت بقى جدي فورًا)
إيه اللي حصل؟ قوليلي، أنا سامعك.
ضحى
(بتاخد نفس عميق)
أختي الصغيرة، غزل... أبوها عايز يجوزها بعد ٣ أيام... لراجل كبير في السن، شبه جدها. وهي مش موافقة، وبيعاملها بعنف وبيمد إيده عليها، وأنا مش قادرة أعمل حاجة...
زياد
(بهدوء)
إنتو فين دلوقتي؟
ضحى
(بصّت لغزل، وبعدين ردت)
في البيت، بس ما بقاش فيه وقت. أنا مش بطلب منك تهربنا أو تعمل حاجة مجنونة، بس بالله عليك... ساعدني أفكر، ساعدنا نخرج من اللي إحنا فيه.
زياد
(بصوت مطمئن)
ضحى... مش هسيبكوا في الموقف ده. هلاقي طريقة. بس محتاج أعرف كل التفاصيل... ساكنين فين؟ وإيه اللي مخططين يعملوه؟
ضحى
(صوتها فيه شوية أمل وشوية خوف)
هقولك على كل حاجة... بس وعدني إنك ما تتهورش، ومتحكيش لحد.
زياد
(بحزم)
وعد... بس خليكي قوية، وصدقيني، غزل مش هتتجوز غصب عنها، وأنا جنبكم.
رواية بين سطور العشق الفصل السادس 6 - بقلم سيليا البحيري
الجو ساكن، والبيت كله ساكت. غزل قاعدة على السرير وعيونها حمراء من كتر العياط، وضحى بتبص للساعة بقلق، وحاطة شنطة صغيرة جنب الباب.
ضحى (بهمس وهي قرب الشباك):
"قاللي هيكون تحت الشباك كمان خمس دقايق... لازم نكون جاهزين."
غزل (بصوت تعبان):
"حاسّة قلبي هيوقف... مش مصدقة إننا بجد هنخرج من هنا..."
ضحى (وهي ماسكة إيدها):
"متخافيش، أنا معاكي. مش هسيبك للذل ده، حتى لو هنضطر نهرب آخر الليل."
فجأة صوت خبط خفيف على الإزاز، زلطه خبطت في الشباك.
ضحى (بحماس واطي):
"هي دي الإشارة! يلا بسرعة!"
فتحت الشباك بالراحة، وبصّت لتحت. شافت زياد واقف تحت لابس كله إسود، شايل شنطة على ضهره وبيشاور لهم ييجوا.
زياد (بهمس عالي شوية):
"يلا بسرعة! إدوني الشنطة الأول!"
ضحى نولت له الشنطة، مسكها بسرعة وحطها على الأرض.
زياد:
"دلوقتي، واحدة واحدة... ضحى، إنتِ الأول، وبعد كده تساعديني ننزل غزل."
ضحى نزلت بحذر، ماسكة في الماسورة اللي جنب الشباك، وزياد ساعدها تنزل.
غزل (بهمس وهي خايفة):
"مرعوبة... رجليا مش شايلاهني..."
ضحى (من تحت):
"متخافيش! أنا وزياد ماسكينك... ثقي فينا، يلا يا حبيبتي!"
غزل قربت من الشباك، مسكت في الأطراف، وزياد فتح دراعه عشان يمسكها، اتزحلقت شوية بس هو مسكها.
زياد (وهو بيبتسم وبيهمس):
"ولا يهمك، أنا معاكي."
غزل (بتتنفس براحة):
"زياد... مش عارفة أشكرك إزاي..."
زياد (بضحكة خفيفة وهو بيشاور ع العربية):
"تشكريني بعد ما نوصل مكان آمن، يلا نركب قبل ما حد يحس بينا."
التلاتة جريوا بهدوء نحية العربية، زياد فتح لهم الباب ورا.
ضحى (وهي بتركب):
"زياد... إحنا رايحين فين؟"
زياد (وهو بيشغل العربية):
"عند خالتي، برا المدينة، هناك آمان، وهترتاحوا كذا يوم."
غزل (بتحط راسها على كتف ضحى):
"مش مصدقة... أخيرًا خرجت..."
زياد (وهو بيبصلهم في المراية):
"ومش هترجعي غير وإنتِ حرة، بكامل إرادتك. بوعدك."
العربية مشيت في الضلمة، بعيد عن العذاب، نحية بداية جديدة.
***
في جنينة فيلا أدهم – الساعة عشرة بالليل
السماء مليانة نجوم، والقمر بدر منور الجنينة بنور فضي ناعم. الهوا البارد بيحرّك ورق الشجر بخفّة، والأنوار الهادية المعلقة على الأعمدة ناشرة جو من الراحة.
أدهم قاعد على دكّة حجر في آخر الجنينة، في إيده كباية قهوة نصها فاضي، ووشّه سارح جدًا، وعينيه مركّزة في نقطة مش واضحة في الضلمة.
أدهم (بيفكر بصوت واطي):
"حلا... ليه سيطرت على دماغي كده بسرعة؟ جات منين؟ عملت فيا إيه؟"
بيرشف من القهوة في سكون. ابتسامة خفيفة تطلع على شفايفه، بس تروح بسرعة وهو بيرجع الكباية على الترابيزة الصغيرة اللي جنبه.
أدهم (بهمس):
"مش من طبعي... بس هي غير... نظرة عينيها، وقفتها، حتى سكوتها فيه كلام."
وفجأة...
يطلع صوت أنثوي متصنّع من وراه، مزعج وسط السكون:
لوسيندا (بضحكة ناعمة مصطنعة):
"آه، لقيتك أخيرًا! ماكنتش متخيلة إنك بتحب السهر في الجنينة."
أدهم يغمض عنيه في ضيق واضح، يتنهّد ببطء وبعدين يلف نص لفة ناحيتها.
أدهم (ببرود):
"عايزة إيه يا لوسيندا؟"
لوسيندا (بتقرب وتقعد على طرف الدكّة من غير ما تستأذن):
"يعني إيه؟ جايه أقعد معاك... القمر، والجو الحلو، وإنت... يعني ماينفعش نضيّع اللحظة دي كده."
أدهم (بيبص بعيد عنها، بنبرة باردة):
"كنت قاعد لوحدي ومرتاح كده."
لوسيندا (بتتظاهَر بالدهشة):
"ليه البرود ده؟ إحنا قرايب، ومفيش مانع نقعد ونتكلم شوية."
أدهم (بيقوم بهدوء من على الدكّة، وواقف من غير ما يبص فيها):
"من فضلك... خليكِ في حدود الضيافة... وكفايانا كلام فاضي."
لوسيندا (بضحكة مصطنعة ومخبية الغيظ):
"ماشي يا أدهم... بس يمكن يوم تفهمني..."
أدهم (بيرمقها بنظرة جامدة وهو بيقلب وشّه):
"أنا فاهمك من أول يوم شُفتك... وكفاية كده."
وبيمشي بخطوات واثقة في الضلمة، وصوته بيختفي وسط نسيم الليل، سايب وراه لوسيندا بتغلي من جوّا.
لوسيندا (بهمس لنفسها، بأسنان مكسورة من الغيظ):
"في واحدة تانية في حياتك، مش كده؟ بس لأ... اللعبة لسه في أولها."
***
قدّام فيلا زياد – بعد نص الليل
العربية وقفت بهدوء قدّام بوابة حديد كبيرة شيك، فتحت لوحدها وكأنها بتستقبل الضيوف، وراها طريق من الحجارة الناعمة حوالينه شجر ورد مرتب كأننا في فيلم أجنبي، والأنوار عاملة جو ذهبي كده يخلي المكان شكله فخم وراقي.
ضحى (وهي ماسكة إيد غزل بقلق):
"غزل... إنتي متأكدة ده بيتو؟ ده مش بيت، ده قصر يا شيخة!"
غزل (بصوت متوتر):
"يا لهوي... ده أغنى من عريسنا العجوز اللي هربنا منه! إحنا ورطنا نفسنا في إيه ده؟"
زياد (بيضحك وهو بيطفي العربية):
"آه، ده بيتنا... ماتقلقوش، مش هيطلع علينا تنين من البوابة ولا حاجة."
ضحى (وهي بصّة على البيت بذهول):
"بيتكم؟ يعني إنت ساكن هنا؟!"
زياد (بابتسامة وهو نازل من العربية):
"طبعًا، مش هينفع أخليكم تناموا في أوضة على السطوح بعد اللي حصل النهارده!"
غزل (وهي نازلة من العربية بحذر):
"بس بجد يا زياد... شكرًا والله، بس كان ممكن شقة صغيرة؟ يعني كده فجأة في فيلا فخمة؟ لو حد شافنا؟"
زياد (وهو بيضحك وبيفتح باب الفيلا):
"ما تقلقوش، كله نايم، وماما وبابا مسافرين... ولو حد شافكم، أنا اللي هاتصرف."
ضحى (بحذر):
"بس إنت مين بقى بالظبط؟ يعني مصوّر، بس الفيلا دي؟ الفخامة دي؟"
زياد (بيخد نفس وواقف عند الباب بيبصلهم بابتسامة):
"آه مصوّر، بس كنت أقدر أشتغل مع أبويا في الشغل بتاعه... بس أنا حبيت أمشي بطريقي."
غزل (مندهشة):
"يعني عيلتكم تقيلة؟"
زياد (ببساطة):
"جدي كان راجل أعمال معروف، وأبويا ماشي على نفس السكة، وأخويا الكبير كده برضو، وأخويا التاني لسه في الجامعة، وأختنا الصغيرة لسه في ثانوي... وأنا الوحيد اللي قررت أمشي ورا الكاميرا بدل الصفقات."
ضحى (بصوت واطي):
"ما كناش نعرف... شكلك بسيط."
زياد (بابتسامة واسعة):
"البساطة ملهاش علاقة بالفلوس... ليها علاقة بالقلب."
غزل (بصراحة):
"بجد متشكرين أوي يا زياد... لو ماكنتش ساعدتنا..."
زياد (بيقطعها وهو بيهزر):
"بلا شكر بقى... إحنا لسه في أول السكة... يلا خشوا جوا، في أوضة جاهزة ليكم، تاكلوا، تتغسلوا، وتريحوا. وبكرة نشوف حل مناسب."
---
ضحى (بقلق):
"لأ يا زياد، آسفة... ماينفعش نقعد هنا."
زياد (باستغراب):
"ليه؟ في أوض فوق، وهتبقوا مرتاحين ومحدش هيزعجكم."
ضحى (بجدية):
"وجودنا في بيت فيه رجالة ما نعرفهمش؟ دي حاجة صعبة، حتى لو إنت نيتك طيبة. إحنا مقدرينك، بس ماينفعش نخالف مبادئنا."
غزل (بتوافق):
"إحنا شاكرين فضلك، بس لو نلاقي أي مكان تاني، شقة صغيرة، أي حاجة... بس هنا صعب."
زياد (يتنهد ويمسح وشه بإيده وبيضحك):
"أنا فاهم ومقدّر كلامكم... بس في حاجة لازم تعرفوها. أنا مش لوحدي في البيت."
ضحى (بتوتر):
"في حد من أهلك موجود؟"
زياد:
"آه، أختي الصغيرة، حلا، ساكنة معانا. وكمان مهاب وريان، إخواتي. بس والله كلكم على راسي والبيت كبير، وفي جناح كامل ليكم لوحدكم."
غزل (بصوت واطي لأختها):
"ضحى..."
ضحى (بتفكر، وبعدين تبصله):
"أختك حلا... عندها كام سنة؟"
زياد (مبتسم بفخر):
"هتدخل الجامعة السنة الجاية، آخر العنقود بقى، مدلعة ومحبوبة."
ضحى:
"يعني في بنت في البيت... ده بيطمن شوية."
زياد:
"وبكرة حلا تتعرف عليكم وتحبكم كمان، وهتبقوا صحاب على طول."
غزل (بابتسامة خفيفة حزينة):
"إحنا آسفين إننا حطيناك في الموقف ده."
زياد (بحنان):
"ما تقولوش كده... أنا اللي مبسوط إني قدرت أساعد. كنتم هتروحوا فين بس الساعة دي؟ ولو حبيتوا، بكرة ندور على مكان تاني لو مش مرتاحين هنا."
ضحى (بهدوء):
"خلينا نرتاح الليلة، وبكرة نقرر. بس عايزين الجناح يبقى منعزل خالص لو سمحت."
زياد (بابتسامة مطمئنة):
"حاضر. الجناح الشرقي ليكم، ولا حد بيقرب منه."
وحلا أول ما تصحى هتيجي تسلم عليكم، أكيد هتفرح إن في بنات في البيت أخيرًا.
غزل (وهي ماشية جنب أختها، تهمس):
"فيلا... حياة تانية خالص."
ضحى (بهمس):
"بس برضه... لازم نلاقي حل نهائي، مش هنقعد هنا على طول."
زياد (سامعهم وبيقول بهزار):
"يمكن تغيروا رأيكم بعد ما تدوقوا فطار حلا."
******************
– جوه الفيلا، بعد نص الليل
(زياد بيفتح باب الفيلا بهدوء، وبيشاور للأختين إنهم يمشوا وراه بالراحة. النور خافت، والهدوء مالي المكان كأن الزمن واقف. حتى صوت خطواتهم على الرخام كان باين في السكون.)
زياد (بهمس):
"امشوا ورايا على أطراف صوابِعكوا... ماينفعش نصحي حد، خصوصًا مهاب، لو صحى... ربنا يستر علينا 😓"
ضحى (بهمس):
"البيت ده كأنه قصر فعلاً... سبحان الله!"
غزل (بصوت واطي):
"حتى النفس له صدى هنا."
زياد (يهمس وهو بيضحك):
"ده صدى الفلوس يا جماعة... هتتعودوا عليه حبة حبة."
(بيكمل ماشي في الممر اللي بيودّي للجناح الشرقي، بخطوات مترددة، وكل شوية يبص حواليه كإنه خايف من طيف يطلعله...)
وفجأة...
صوت تقيل وبارد جاي من الضلمة:
؟؟؟
"كنت فين طول الليل يا زياد؟... ومين البنات اللي معاك؟"
زياد (بيصرخ بفزع وهو بيلف بسرعة):
"يا نهار إسود! 😱إنت بني آدم ولا عفريت؟!!"
(ضحى وغزل اتجمدوا في مكانهم، وصرخة زياد خوفتهم أكتر من الصوت نفسه.)
زياد (بيتنفس بسرعة وبيمسك صدره):
"كنت هموت يا مهاب... حرفيًا قلبي وقف!"
مهاب (بيظهر من الضلمة واقف على السلم، حافي، ووشه عبوس وصوته سايق تلج):
"سألتك... مين البنات دول؟ وجايبهم الساعة 3 الفجر ليه؟"
غزل (ماسكة دراع أختها بخوف):
"ده واضح إنه مش بيهزر خالص..."
زياد (بيحاول يهدى نفسه):
"اسمعني بس... خليني أشرح قبل ما تحكم."
مهاب (واقف بإيديه ورا ضهره وصوته حاد):
"إشرح... وهاتلي سبب مقنع يخليك تدخل بنات غُرب لبيتنا من غير ما ترجع لحد."
زياد (بيبص على البنات وبعدين على مهاب):
"الموضوع كبير، بس باختصار... البنات دول كانوا في خطر، وشوفت حاجه ماقدرتش أعديها، اتدخلت، وخدتهم من مكان وحش، وماكانش في وقت أفكر، ولا أرجعلك، بس صدقني... اللي عملته كان لازم."
مهاب (عيونه بتديق):
""ماكانش في وقت"... الجملة اللي دايمًا بتقولها وانت بتتصرف من دماغك."
"الموضوع مش هزار يا زياد... فيه سمعة وناس وبيت."
ضحى (بصوت مهزوز):
"لو سمحت... إحنا ماجِيناش نعمللكوا مشاكل."
غزل:
"مش طالبين غير مكان ننام فيه الليلة، ولو ده هيسببلكوا إزعاج، ممكن نمشي دلوقتي."
مهاب (بيبصلهم بنظرة حادة بس من غير قسوة):
"أنا ماقولتش تطلعوا بره... بس كان لازم ترجعلي قبل أي تصرف."
زياد (بندم):
"معاك حق... بس ماكانش في حل تاني."
مهاب (بيتنهّد وبيلف ناحيتهم):
"عندك ساعة بكرا تشرحلي كل حاجة... بالتفصيل."
"دلوقتي... خُدهم على الجناح الشرقي، ومش عايز أسمع حتى نفس!"
زياد (بهمس ساخر):
"حاضر يا "دارث فيدر"... لا نفس ولا حتى شهيق 😮💨"
مهاب (بصوت تهديد وهو ماشي من غير ما يبص):
"سمعتك."
زياد (بيضحك بتوتر):
"وأنا كمان سمعتك... بوضوح يا باشا."
(زياد بيتحرك مع الأختين للجناح الشرقي، وضحى تهمس لأختها.)
ضحى:
"ده مهاب؟!"
غزل:
"أظن لو حد شافه في حلم، هيصحى مفزوع."
زياد (بيهمس وهو بيضحك):
"ما تحكموش عليه بسرعة... هو طيب، بس مرعب وهو طيب."
رواية بين سطور العشق الفصل السابع 7 - بقلم سيليا البحيري
السماء لونها رمادي، وزجاج الكافيه بيعكس هدوء شوارع لندن في الصبح بدري. صوت الملاعق وهي بتخبط في الأكواب، والنادلة الأنيقة بتعدي ووشها مفهوش تعبير.
في ركن بعيد من الكافيه، قاعده فيروز بكامل شياكتها، فنجان القهوة قدامها ما اتلمسش، والغضب باين في عنيها رغم إن شكلها هادي.
على الناحية التانية من الترابيزة، قاعده جيلان، بتبتسم ابتسامة مصطنعة وهي بتقطع كرواسون، كأنها مش واخدة بالها من الجو المشحون حواليها.
جيلان (بهدوء متعمد):
مش فاهمة بصراحة يا فيروز... وائل ابني على آخر حلاوة، وانتي بنفسك قولتي إن حلا تستاهل راجل في مكانته.
وفجأة... ترفضوا؟ من غير حتى سبب مقنع؟!
فيروز (بنفور وهمس):
وطي صوتك شوية، إحنا في مكان راقي، مش في سوق الجمعة!
جيلان (بضحكة متكبرة):
متخافيش، مش هزعق... على الأقل مش قبل ما تقوليلي سبب منطقي.
فيروز (بتشد على الكوباية، وعنيها مولعة):
أنا ما قلتش لأ... أحمد هو اللي رفض.
وافهميني... مليش سلطة عليه! مقدرش أضغط عليه!
جيلان (تضحك بسخرية):
من إمتى فيروز، اللي ما كانتش بتخاف من حد، تقول "مقدرش"؟
ولا أحمد بقى هو الملك بتاعكم؟
فيروز (بحدة):
بلاش تجربي صبري يا جيلان... أحمد مش سهل، وقراراته نهائية، خصوصًا لما الموضوع يخص حلا.
جيلان (بتحط الكوباية وتقرّب بحدة):
أحمد بيبالغ! حلا مش ملاك، وانتي عارفة.
وائل مفيهوش عيب، وسيرته بين الناس ممتازة.
فيروز (بتتنفس بعمق، بتحاول تمسك نفسها):
سيرته بين الناس؟
ابنك كل أسبوع في خروجة، وكل بنت يعرفها تفتكر نفسها خطيبته، ولا انتي مش شايفة؟
جيلان (وشها بيضحك بس عنيها نار):
ومين قالك إن حلا بريئة؟
أنا عندي ناس هنا في لندن... والكلام كتير.
فيروز (تتصدم، تقوم بهدوء، تقرب منها وتهمس):
حلا بنتي، ومش هسمحلك تتكلمي عنها نص كلمة!
احترمي نفسك.
جيلان (ببرود):
انتي كنتي بتحلمي تبقي من عيلتنا، بس الظاهر بنتك طموحها أكبر.
ولا يمكن أحمد رافض عشان في واحدة تانية في دماغه؟
فيروز (ملامحها تتغير، وتتراجع):
تقصدي مين؟ في حد في بالك؟
جيلان (ترفع حواجبها وتبتسم غموض):
أنا ما قصدتش حد... بس سكوتكم غريب.
وسكوت الغريب يقلق.
فيروز (باحتقار):
اللي المفروض تقلقي منه هو أخلاق ابنك... مش إحنا.
***
جيلان (بتتظاهر بالبراءة وهي بتقلّب المعلقة في فنجان القهوة):
بصراحة يا فيروز، حلا كبرت وبقت قمر... ومفيش حد بيراقبها هناك!
يعني لوحدها في مصر، وإخواتها ولاد، مش زي البنات، مش هيعرفوا يلاحظوا تصرفاتها...
فيروز (بترفع عنيها فجأة بحدة، حاسّة إن ورا الكلام حاجة مش مظبوطة):
تقصدي إيه بالكلام ده؟ اتكلمي واضح.
جيلان (بتتنهد كأنها "بتنصح من قلبها"):
لأ طبعًا مش قصدي حاجة وحشة... بس سُمعة البنت أهم حاجة فـ الجواز...
وإنتي عارفة الناس مبترحمش، واللي لوحده بيتعرض لأي حاجة...
وأنا... سمعت كلام...
فيروز (بتخبط بإيدها على الترابيزة فجأة بصوت عالي):
سمعتي كلام!؟
انتي بتلمّحي لإيه بالظبط يا جيلان؟
بتشكي فـ بنتي؟!
جيلان (بتتظاهر بالتوتر، وبتحاول تهدي الموقف):
لأ لأ! والله ما أقصد أتهمها! بس يعني... الاحتياط واجب!
وفيه كلام بيتقال، والناس بتتكلم، وأنا قلت أنبّهك كصاحبتك...
فيروز (بتقوم واقفة فجأة، وبصتلها من فوق لتحت، غضبها مولّع):
صاحبتك؟!
انتي عمرك ما كنتي صاحبتي، انتي ست حقودة، وغيورة، وقليلة الأصل!
جاية تتلمي على بنتي بكلام مالوش لازمة؟
حلا أطهر وأشرف من إنك حتى تنطقي اسمها!
جيلان (بتحاول تتمالك نفسها، وبتضحك بتوتر):
فـيروز، مش كده... انتي فهمتي كلامي غلط، أنا بس خايفة عليكم!
فيروز (بصوت بارد، لكن بيترعش من الغضب):
من النهارده، حتى لو أحمد وافق على ابنك، أنا مش ممكن أوافق!
مش هاجوز بنتي لزير نساء، وأمه ست بتشكك فـ شرف البنات من غير دليل!
جيلان (بتتلخبط، وبتحاول تمسك إيد فيروز):
استني! فيروز! لحظة بس... والله ما كنت أقصد أجرحك... إحنا عشرة عمر، ليه تكبّري الموضوع كده؟
فيروز (بتسحب إيدها بعصبية):
الصحاب ميطعَنوكِش فـ العرض!
انسي كل حاجة... لا جوازة، ولا حتى عشرة بينا من النهارده!
جيلان (بتقعد مكانها، عينيها متسعة من الصدمة):
فيروز... بلاش تكوني غبية وتضيعي فرصة زي دي!
فيروز (بتميل عليها بكلام ناعم بس سام):
الفرصة اللي فيها إهانة، أرميها تحت رجلي.
(بتدور وتبدأ تمشي بخطوات ثابتة، تشيل شنطتها على كتفها وتخرج من القهوة من غير ما تبص وراها...)
جيلان (بتفضل قاعدة مكانها، وعينيها مولعة من الغيظ، وبتتمتم بأسنانها):
خسرتيني يا فيروز؟ماشي... نشوف مين اللي هيخسر في الآخر...
***
فيلا العائلة – مصر – غرفة الجلوس في الطابق الأرضي.
الجو متوتر… الكل مجتمع حول حلا التي تحتضن غزل المرتجفة، وضحى جالسة بجوارها، تنظر للأرض بخجل.
مهاب يقف بجانب الشباك، متشنج الوجه، يضغط على فكه.
زياد يجلس على طرف الأريكة، متوتر، وعيناه تدوران بين الوجوه.
ريان يجلس بصمت، نظراته لا تفارق غزل.
يوسف ابن خالتهم، مستند بذراعه إلى الجدار، يراقب ما يحدث بعينين لامعتين.
مهاب (ينفجر غاضبًا وهو يلتفت نحو زياد):
إنت اتجننت يا زياد؟ تدخل بيت الراجل ده لوحدك؟!
تفتكر كان هيحصل إيه لو شافك؟ كان ممكن… كان ممكن ما تخرجش!
زياد (يرد بخفوت، خائفًا من رد فعل مهاب):
ما قدرت أسكت… شفت ضحى وهي بتبكي…
ما قدرت أتحمل فكرة إنه ممكن يسلّم غزل لراجل أكبر من أبوها!
مهاب (يصفق بكفيه ويقترب منه):
إحنا في دولة قانون يا زياد، مش غابة!
كان لازم نتصرف بعقل…مش نرمي نفسنا في التهلكة علشان بنتين… ما نعرفش أصلهم من فصلهم!
ضحى (ترفع رأسها فجأة، عيناها تمتلئان بالدموع، وتقول بصوت مكسور):
قصدك إيه؟
يعني إحنا ما نستاهلش الخطر علشاننا؟
كلامك واضح… زياد أهم… وإحنا؟ إحنا ولا حاجة؟
مهاب (يتنهد، ويقول بحدة دون أن يعتذر):
أنا ما قلتش كده… بس أنا مسؤول عن زياد، عن أخويا…مش عن… أي حد تاني.
حلا (تقول بهدوء وهي تحتضن غزل):
بس همّ مش "أي حد تاني" يا مهاب…
ضحى وغزل اتعرضوا لظلم كبير… وأبوهم… لو فعلاً عايز يسلّم غزل لراجل كبير، ده جُرم.
غزل (بصوت مرتجف):
هو قال… يا أوافق… يا…
(تسكت وهي تبكي في صدر حلا)
ريان (يرفع عينيه نحوهم ببطء، صامت… تفكيره واضح على ملامحه. يوسف يلاحظ ذلك ويبتسم ابتسامة خفيفة، يقطع الصمت...)
يوسف (بهدوء ومكر):
في حلّ يوقف كل دا…
الراجل مش هياخد بنته لو كانت متجوزة.
والموضوع هيبقى قانوني… محدش يقدر يقرب لها.
مهاب (ينظر له بدهشة):
تقصد إيه؟ إننا نجوزها لأي حد وخلاص؟!
يوسف (بنظرة لامعة نحو ريان):
مش لأي حد… ريان.
ريان هيتجوز غزل… وهو كده بيحميها بشكل شرعي وقانوني…
ولو أبوها لقاها، مش هينفع يعمل حاجة، لأنها صارت على ذمة زوجها.
ريان (يصمت قليلاً، ثم ينظر نحو غزل وهي تبكي في حضن حلا):
أنا…
(يصمت، يتنفس ببطء، ثم يحسم أمره)
أنا موافق.
مهاب (ينتفض واقفًا):
إنت اتجننت؟
إنت مش بتفكر؟ إحنا ما نعرفش عنها أي حاجة، إزاي تتجوزها فجأة؟!
حلا (بهدوء ودموع في عينيها):
تخيل يا مهاب… إنّي أنا مكان غزل…
تحمّلت الضرب والإهانة والتهديد…وما لقيتش حد يحميها، غيركم…
هتقبل ترجع تاني لجحيم زي دا؟
هتقبل تترمّى في حضن راجل أكبر من والدها؟
ريان ما عملش حاجة غلط… هو بس قرر يكون سند.
مهاب (ينظر لها طويلًا، مترددًا… يضغط على شفتيه بقوة… ثم يهز رأسه بتردد):
أنا… مش مرتاح للفكرة.
بس… يمكن عندكم حق.
ما فيش حل غير كده.
يوسف (بابتسامة):
وكمان… زياد ممكن يتزوج ضحى…
واضح جدًا إنه بيحبها، وراهن بحياته علشانها.
ضحى (تفغر عينيها، تصرخ بدهشة):
لا! أنا مش… مش جاهزة أتجوز!
إيه اللي بيحصل؟ إنتو بتقرروا عنا كأننا مش موجودين!
غزل (ترفع رأسها ببطء، تقول بخوف):
هو دا الحل فعلاً؟
يعني… أتجوز علشان أهرب؟
مهاب (يضحك بسخرية، ناظرًا لضحى):
طب إقترحي حل تاني، يا أستاذة.
لو عندك خطة تانية، ياريت تنقذينا بيها.
لأن اللي قدامنا دلوقتي… يا زواج، يا خراب.
ضحى (تصمت، تنظر نحو الأرض… لا تجد جوابًا…)
ريان (ينظر إلى غزل بلطف، يقترب منها):
ما راح أضغط عليكِ…القرار قرارك…
بس إذا قبلتِ…أنا أكون زوجك… وسندك.
غزل (بهمس، تبكي وهي تنظر له):
وليه؟ ليه توافق تتجوزني؟
أنا… مجرد بنت هاربة.
ريان (ينحني قليلاً، صوته خافت):
لأني ما عاد أتحمّل أشوفك تبكي… من غير ما أقدر أحميك.
***
في – شركة "أدهم للإنتاج الفني" – الدور العلوي – الساعة 10 الصبح
(شمس الصبح بتتسلل من الإزاز الكبير اللي مغطي المكتب، وبتنعكس على المكاتب اللي شكلها فخم ولامع. أدهم قاعد ورا مكتبه الضخم، صباعه بيخبط على الترابيزة الخشبية برتابة، وعينه مركزة على موبايله كإنه مستني حاجة مش جاية.)
(بياخد نفس طويل، وبيلف الكرسي بتاعه عشان يبص من الإزاز على زحمة القاهرة، بس دماغه مش مع الشارع، دماغه كلها مع "حلا" اللي ماجتش زي ما كانت قايلة.)
أدهم (بيهمس لنفسه بقلق):
"انتي فين يا مجنونة؟ معقول أول مرة تتأخري كده؟ حتى من غير مسج ولا حاجة؟!"
(قبل ما يغوص أكتر في أفكاره، باب المكتب بيتفتح فجأة من غير حتى خبطة، وبيدخل شاب وسيم، وشه عليه ابتسامة واسعة وثقة كبيرة.)
تميم (بيهزر وهو فاتح دراعاته):
"وأخيييراً! رجعت من الغردقة ألاقيك مدفون في مكتبك كالعادة!"
أدهم (بيقوم بسرعة وهو بيضحك وبيحضنه بحرارة):
"تميم! وش السعد والله! واحشني يا أخويا… كنت فين متداري أسبوع كده؟!"
تميم (وهو بيقعد):
"تصوير وشغل وجلسات ما بتخلصش… بس خلاص، قلت أعدي أطمن عليك قبل ما أرجع للزحمة تاني."
أدهم (بيضحك وهو بيقعد قدامه):
"وعدتني ترجع من 4 أيام، شكلك اتزنقت في حاجة!"
تميم:
"أيوه، اتزنقت جامد… بس قوللي إنت، أخبارك إيه؟ وأخبار العم فارس والخالة نادية؟ ومازن؟ كله تمام؟"
أدهم (بابتسامة دافية):
"الحمد لله… بابا كويس، زي ما هو دايمًا مشغول، وماما بقالها يومين بتشتكي من ركبتها شوية، بس الحمد لله عملت فحوصات وطلع كله تمام… أما مازن؟ لازق لريّان اليومين دول، فمرتاحين منه شوية!"
تميم (بيضحك):
"واحشني البيت عندكم… بيتكم ده بيتي أنا كمان، مش بالكلام بس."
أدهم (بنظرة امتنان):
"طبعًا يا صاحبي… إنت مش مجرد صاحب، إنت أخويا التاني، ماما دايمًا تقول: لو خلفت ولد تاني، كان هيبقى اسمه تميم."
تميم (بيتأثر وبيبتسم):
"كلامها بيدفيني كل مرة… ربنا يخليهالكم ويحفظكم لبعض."
(أدهم بيرجع يبص للموبايل تاني وبيبان عليه القلق راجع)
أدهم:
"على فكرة، أنا مستني واحدة… كاتبة رواية، كنا هنتفق نحول الرواية لمسلسل، بس ماجتش ولا ردت على مكالماتي."
تميم (بيرفع حواجبه):
"كاتبة؟ شكلها مهمة… بس أنا شايفك قلقان عليها أكتر من إنك قلقان على الميعاد!"
أدهم (بنزرة حادة بسيطة وبعدين بيبعد عينه):
"مش كده بالضبط… بس هي أول مرة تتصرف بالشكل ده، وحاسس إن في حاجة مش مظبوطة."
تميم:
"اسمها إيه؟"
أدهم:
"حلا."
تميم (بيردد الاسم بهدوء):
"حلا… عندي إحساس إن البنت دي مش سهلة."
أدهم (بابتسامة مريرة):
"لأ… دي مش سهلة خالص… وهي بالذات مش عارف أقراها."
تميم (وهو بيقوم وبيطبطب على كتف أدهم):
"ما تشيلش هم… لو عندها ظرف، هتتواصل… ولو لأ، كل حاجة هتبان في وقتها. يلا بينا نفطر قبل ما تنسى نفسك في القلق!"
أدهم (وهو بيقوم):
"تمام، بس بشرط… الفطار على حسابك!"
تميم (يضحك):
"أنا اللي راجع من السفر، إنت اللي لازم تعزمني!"
أدهم (يضحك):
"ماشي، بس هطلب أغلى حاجة في المنيو!"
تميم:
"كفو! نزل ميزانية الشركة كلها عالفطار، بس المهم ترجع تضحك زي زمان!"
(بيخرجوا سوا من المكتب، ولسه نظرة القلق باينة في عين أدهم… لكن وجود تميم خفف عنه شوية.)
***
– قهوة هادية في حي راقٍ من أحياء القاهرة –
المكان فيه صوت همس الزباين، وريحة القهوة مالية الجو، والشمس بتودّع آخر خيوطها على الإزاز الكبير اللي في القهوة.
ندى قاعدة على ترابيزة في الركن، قدّامها كوباية لاتيه، وعينيها على باب القهوة، مستنيّة.
بعد شوية، دخلت سيرين، لابسة نضارة سودا رغم إن الإضاءة خفيفة، ماشية بخطوات واثقة، كأنها داخلة مسرح.
سيرين (وهي بتقلع النضارة وتقعد):
آسفة على التأخير، كنت عند المسّاج واتأخرت شوية... بس إنتي عارفة، الجمال ليه تمن ولازم يتصان.
ندى (بهدوء):
ولا يهمك... أهم حاجة إنك جيتي.
سيرين (بتتأفف وهي بتبص في المنيو):
بصراحة؟ أنا جاية النهاردة عشان أتكلم عن حلا... مخنوقة منها!
ندى (بهدوء وهي بترشف من الكوباية):
ليه؟ عملتلك إيه؟
سيرين (بتضحك بسخرية):
أيوه، موجودة! فاكرة نفسها ملاك! الكل بيحبها، الكل شايفها مميزة... وأنا؟ ولا كأني هنا! محدّش بيشوفني وهي حوالينا!
ندى (بصة ليها بنظرة هادية بس فيها حِدّة):
يمكن علشان حلا ما بتتملّقش... طبيعية وبسيطة... والناس بتحس بصدقها.
سيرين (بضحكة سخرية وهي بتقلب في السكر):
بسيطة؟ بريئة؟ يا ندى، إنتي طيبة زيادة!
حلا دي بتلعبها صح! عارفة تضحك على الكل، حتى على أدهم! وإنتي؟ شايفاكي عاملة فيها أمها! كأنك اللي مخلفاها!
ندى (بهدوء تقيل):
أنا فعلاً بحبها زي بنتي... ومشفتش منها غير كل خير...
لكن إنتي، كلامك كله غِلّ.
سيرين (رافعه حواجبها ومتمثلة براءة):
غِلّ؟ لأ طبعًا! أنا بس بقول الحقيقة اللي الكل مش شايفها.
ندى (بصة مباشرة فيها وجع):
يا سيرين... في مثل بيقول:
"القلب السَود عمره ما يكسب، حتى لو ضحك سِنة."
إنتي ماشية في طريق غلط...وحقدك هو اللي هيكلك، مش حلا.
سيرين (بضحكة باردة وهي بتلوّح بإيدها):
آه يا ندى... دايمًا بتحبي تلعبي دور الحكيمة!
بس للأسف، الطيبة ما بتحميش من السذاجة. أنا مش زيك، ما بستناش الناس يحبوني...
أنا باخد اللي أنا عايزاه.
ندى (بصوت فيه وجع):
بس في حاجات يا سيرين ما تتاخدش...
الحاجات دي ربنا اللي بيهديها...زي المحبة، وزي النية الطيبة...
ولو فكرتي تأذي حلا، هتكتشفي إنك إنتي اللي هتقعي في الآخر، مش هي.
سيرين (وعينيها فيها شر):
حنشوف... الأيام جايّة يا ندى...وكل واحد بياخد جزاه... حتى حلا.
ندى (بصة ليها نظرة فيها حزن وهمس):
وإنتي كمان... حتى إنتي.
(لحظة صمت تقيلة، بترنّ في المكان، قبل ما ندى تقوم بهدوء، وتسيب سيرين لوحدها على الترابيزة، تحت نور القهوة الخافت... وعيونها مليانة ظلال تقيلة.)
***
– خارج باب المقهى –
خرجت ندى بخطى سريعة وغاضبة من المقهى، يدها ترتجف وهي تبحث في حقيبتها عن هاتفها، تحاول السيطرة على الغليان الذي تركته سيرين في صدرها. لم تكن ترى أمامها من شدة انشغالها بما قيل… حتى—
اصطدمت بجسد قوي أمامها، وسقط منها الهاتف على الأرض.
ندى (بانفجار):
مش شايف قدّامك ولا إيه؟! هو لازم الواحد يتهزّ كل ما يمشي خطوتين؟!
تميم (يرفع حاجبيه وهو يلتقط الهاتف وينحني بهدوء):
هو أنا اللي مش شايف؟! حضرتك اللي نازلة كأنك طالعة حرب!
ندى (تأخذ الهاتف منه بعنف):
أنا مش طالعة حرب… أنا خارجة من معركة!
تميم (يبتسم وهو ينظر لها باستغراب):
واضح… وحتى شكلك فايزة فيها بسلاح نووي!
ندى (تتنهد بحدة وهي تضع الهاتف في حقيبتها):
مش ناقصة سخرية كمان، خليني في حالي لو سمحت.
تميم (يرفع يديه بتسليم ساخر):
حاضر يا قائدة المعركة… بس كان ممكن كلمة "شكرًا" بدلًا من الانفجار النووي اللي نزل على رأسي.
ندى (تتوقف لحظة، تنظر إليه لأول مرة بتركيز… فتلمح وسامته وهدوءه):
آسفة… بس فعلاً مش أنت السبب… شخص تاني خلاني أفقد أعصابي.
تميم (يلوح بإصبعه ممازحًا):
شايف؟ بدأنا نتفاهم… طيب، تنفسي بعمق… وعدّي لعشرة.
ندى (بنظرة جانبية):
ما بحب العدّ… بحب المواجهة.
تميم (يضحك ضحكة خافتة):
واضح… بس المواجهة لازم تكون مع العدوّ، مش المارّين المسالمين زيّي.
ندى (تشعر بالإحراج وتعدل وقفتها):
أنا ندى… ما كنت أقصد أزعجك.
تميم (يمد يده بلطافة):
تشرفنا… تميم.
ندى (تصافحه بسرعة):
أنا داخلة آخذ نفس، مش أفتح صفحة تعارف.
تميم (بغمزة خفيفة وهو يبتعد):
ولا يهمك… بس لو احتجتي سلاح جديد للمعارك الجاية، أنا موجود.
ندى (تتمتم لنفسها بعد أن يدير ظهره):
مش ناقصني وسيم ودمّه خفيف كمان!
رواية بين سطور العشق الفصل الثامن 8 - بقلم سيليا البحيري
فصل 8
عند المأذون
المكان صغير، ريحة الورق القديم مالية الجو، والمروحة السقف بترفرف ببطء.
المأذون قاعد ورا مكتبه الخشب العتيق، عينيه على الورق قدامه، والكل ساكت وصوت الصمت تقيل.
غزل قاعدة جنب ريان، عينيها في الأرض، وشها شاحب، وصوابعها بتلعب في طرف فستانها كأنها بتحاول تهدي رعشة إيديها.
ريان كان بيكتم ابتسامة صغيرة، قلبه بيدق بسرعة، بس ملامحه ثابتة وجادة.
ضحى قاعدة جنب زياد، في عينيها نفس الحزن المكبوت، وكأنها بتقول من غير كلام:
"أنا ماكنتش عايزة ده… بس النصيب كده."
زياد على غير العادة قليل الكلام، بيرمي لها نظرات جانبية بين وقت والتاني، كأنه بيحاول يفهمها من غير ما ينطق.
حلا واقفة جنب يوسف ومهاب، بتبص على المشهد بقلق، قلبها مقبوض على غزل وضحى، وفي نفس الوقت فرحانة إن إخواتها مش هيدخلوا في مشاكل مع أبو البنات تاني.
المأذون (رافع راسه من الورق):
"نبدأ بالعريس الأول… ريان أحمد."
ريان مد إيده ياخد القلم، خد نفس عميق ووقّع بثبات، وبص لـ غزل وقال بهمس ما حدش سمعه غيرها:
"ما تخافيش… أنا هكون سندك طول عمرك."
غزل ما رفعتش عينيها، بس إيديها كانت بترتعش وهي بتمضي.
المأذون:
"العريس التاني… زياد أحمد."
زياد ابتسم ابتسامة خفيفة، وحب يخفف الجو:
"يا جماعة، إحنا أول إخوات في التاريخ نتجوز في نفس اليوم… وبنات من نفس العيلة!"
بس محدش ضحك، فبلع ضحكته ووقّع.
ضحى خدت القلم بتردد، كتبت اسمها ببطء، وسلمت الورقة من غير ما تبص لحد.
يوسف (بصوت واطي وهو مايل على مهاب):
"شكلهم مش مستوعبين اللي بيحصل."
مهاب (بصوت هادي وجاد):
"المهم نحميهم… والزمن بعدين كفيل يغير كل حاجة."
حلا في اللحظة دي كانت حاسة إن قلبها نصه فرحان إن الأمور هديت، ونصه التاني حزين لأن الجواز ده جه من باب الظروف، مش من باب الحب.
المأذون قفل الملفات وقال بنبرة رسمية:
"مبروك… ربنا يتمم بخير."
ريان بص لـ غزل وابتسم لها برفق، بس هي ما ابتسمتش.
زياد مال على ضحى وقال بهمس:
"أوعدك مش هتندمي."
ضحى ما ردتش… قامت ومشيت مع أختها ووشها ثابت من غير أي تعبير.
حلا بصت لـ مهاب ويوسف، وبعدين للعرسان الأربعة وهما بيخرجوا من المكتب… وفي قلبها دعوة إن الجواز ده يكون بداية خير، مش حمل تقيل عليهم.
أمام مكتب المأذون
الشمس بدأت تميل نحو الغروب، والهواء الدافئ يمر بين الأزقة الضيقة. خرجوا واحدًا تلو الآخر، وكل واحد يحمل بداخله مشاعر متناقضة.
ريان كان يسير بجانب غزل، يحاول أن يخفف الجو:
"تحبي نمر على مكان نشرب فيه عصير قبل ما نرجع؟"
غزل (دون أن تنظر إليه):
"لا… عايزة أروح."
صمت ريان للحظة، ثم ابتسم بهدوء وكأن الرفض لم يزعجه:
"زي ما تحبي… المهم ترتاحي."
زياد بدوره اقترب من ضحى، ابتسامة خفيفة على وجهه:
"إنتِ عارفة إني مش كنت السبب في اللي حصل… صح؟"
ضحى (ببرود):
"السبب مش مهم دلوقتي… المهم خلّصنا."
زياد رفع حاجبيه بدهشة، لكنه فضل الصمت، يعرف أن الوقت ليس مناسبًا للمزاح.
حلا كانت تمشي خلفهم بصحبة مهاب ويوسف. نظرت إلى يوسف وهمست:
"مش قادرة أفرّق إذا كنت فرحانة أو حزينة."
يوسف (بابتسامة صغيرة):
"طبيعي… لأن قلبك طيب."
مهاب الذي كان يستمع بصمت قال بصوت حاسم:
"المهم إنهم تحت سقف آمن… الباقي مش مشكلتنا دلوقتي."
وصلوا إلى السيارات، ريان فتح باب السيارة لغزل وهو يقول:
"تفضلي."
نظرت إليه للحظة، ثم ركبت بصمت.
زياد فتح الباب لضحى، وهي لم تعطه حتى نظرة واحدة.
زياد (بصوت منخفض):
"أوعدك… هخليك سعيدة."
ضحى:
"الكلام سهل."
ركب الجميع، وتوزعوا بين السيارتين.
في السيارة الأولى، جلس مهاب في المقعد الأمامي بجانب السائق، وحلا ويوسف في الخلف. حلا كانت تراقب من النافذة ريان وغزل في السيارة الأخرى، وتتساءل بصوت خافت:
"يا ترى… هيقدروا يلاقوا السعادة بعد البداية دي؟"
يوسف نظر إليها وقال:
"يمكن… لو كل واحد فيهم قرر يدي فرصة."
مهاب ظل صامتًا، لكن نظرته في المرآة الأمامية كانت تراقب كل شيء… وكأنه لا يريد أن يترك أي احتمال للمشاكل.
شركة أدهم
المكتب الواسع بزجاجه بيطل على المدينة، وضوء النهار داخل من الشبابيك الكبيرة.
أدهم واقف عند مكتبه، بيقلب في شوية ملفات، بس كل شوية عينه تروح على الساعة… كأنه مستني حاجة.
فجأة الباب اتفتح، ودخلت حلا بخطوات مترددة، ووراها ماشي مهاب بهدوءه وهيبته المعتادة.
عيني أدهم وقعت على حلا فورًا… كأن لون المكتب اتغير، وابتسامة خفيفة حاول يخفيها طلعت على وشه.
أدهم (بهدوء وهو بيقرب):
"أخيرًا… افتكرتي الطريق."
حلا (بتوتر وهي بتحاول تبرر):
"امبارح… كان عندي ظروف عائلية."
أدهم بص لها نظرة طويلة فهمت منها إنه كان قلقان عليها بجد، وبعدين لف على مهاب ورجع جديته:
"أهلًا… أظن حضرتك أخو حلا؟"
مهاب (مد إيده ببرود):
"مهاب…"
أدهم صافحه بثبات:
"أدهم فارس… مخرج الشركة."
قعدوا كلهم، حلا اختارت كرسي على الجنب كأنها بتحاول تبعد عن خط النار اللي بين الرجالة.
أدهم (باصص على مهاب):
"حلا قالتلي إنك حابب تتعرف على طبيعة الشغل قبل ما تكمل معانا."
مهاب (بصوت ثابت):
"طبيعي… أنا مسؤول عنها، ومش عايزها تشتت وقتها في حاجات ملهاش لازمة."
أدهم هز راسه باحترام:
"فاهم حرصك… بس اللي بنعمله هنا مش تضييع وقت، دي فرصة حقيقية تنمّي موهبتها."
مهاب اكتفى ببصة ساكتة كأنه بيقيس كلام أدهم.
أدهم فضل هادي، وابتدى يشرح خطوات الشغل… من تحويل النصوص لسيناريو، لاختيار الممثلين، لحد التصوير.
حلا بتبص عليهم بقلق، وعينيها رايحة جاية بينهم كأنها بتتفرج على ماتش من غير صوت.
فجأة أدهم وقف الشرح، وبص لها بابتسامة خفيفة:
"وإنتِ… فين وصلتي في الفصل الجديد من الرواية؟"
حلا اتلخبطت وهي مستغربة إنه لسه فاكر التفاصيل:
"تقريبًا خلصت…"
مهاب بص لها بصة جانبية كأنه بيقولها "اسكتي"، فوطّت راسها.
أدهم لاحظ، بس ما علّقش… واكتفى بنبرة هادية:
"تمام… هنناقشه قريب."
بعد ما خلصوا الجولة في الشركة، خرج مهاب وحلا، وأدهم فضل واقف عند باب مكتبه يبص عليهم لحد ما اختفوا… وعينه بتقول بوضوح:
"وحشتيني… حتى وإنتِ قدامي."
فيلا جيلان، لندن
السماء ورا الشبابيك الكبيرة مليانة سحاب، والمطر بيخبط على الإزاز بنغمة باردة.
جوه الصالون الفخم، جيلان قاعدة على كنبة مخمل لونها نبيتي، قدامها فنجان قهوة ساقع من ساعة ما الشغالة حطته وممدتش إيدها عليه.
صوابعها الرفيعة بتخبط بسرعة على دراع الكنبة، وعينيها بتلمع بغِل مكتوم.
الريحة التقيلة لعطرها مالية المكان… بس الجو كله مشحون بالكراهية.
جيلان (بصوت واطي مليان حقد):
"فيروز… يا متكبرة… تقفلي الباب في وشي؟! دي إنتي كنتي بتجري ورا صداقتي زمان… ودلوقتي فاكرة نفسك أحسن مني عشان اتجوزتي أحمد النجار؟!"
سكتت لحظة، وبعدين ضحكت ضحكة قصيرة مافيهاش أي فرحة:
"تمنعي وائل عن حلا؟!… لأ، أنا اللي هخلّي بنتك الصغيرة تندم على اليوم اللي اتولدت فيه."
ساعتها باب الصالون اتفتح، ودخل وائل بخطوات واثقة، لابس بدلة أنيقة رغم الوقت المتأخر.
ريحة عطره الرجولي سبقت دخوله، وعلى وشه ابتسامة كسولة فيها سخرية ولا مبالاة.
وائل (بيتمطّى وهو بيرمي موبايله على الكنبة اللي قدامها):
"مسا الخير يا ماما… أو صباح الخير، مش عارف. واضح إنك صاحيه من الفجر."
جيلان (فجأة بتنفجر فيه):
"كفاية استهتار بقى يا وائل! كنت على وشك أظبطلك أحلى جوازة في لندن، ودلوقتي بفضل رفض فيروز… كل حاجة بازت!"
وائل (بابتسامة جانبية وهو بيقعد):
"أحلى جوازة؟ تقصدي أحلى صفقة… ماما، إنتي عايزاني أتجوز حلا عشان هي بنت أحمد… لا أكتر ولا أقل."
جيلان (بغضب وهي بتبص له):
"وإيه العيب في كده؟! أحمد النجار معاه فلوس ما تحلمش بيها، وحلا حلوة كفاية تبقى مراتك، بس إنت كعادتك… تضيع الفرص وتلعب بأي بنت نختارهالك لحد ما تبوظها!"
وائل (ببرود وهو بيبص على ضوافره):
"أنا ما ببوظش… أنا بس بكون نفسي. وبعدين حلا مش من النوع اللي هيقع في غرامي… الموضوع واضح."
جيلان (مصرّة):
"لما تتجوزها، هتتعلم تحبك. لكن لأ… فيروز قررت تقفل الباب! هي وأحمد فاكرين نفسهم فوق الكل… بس أنا هخليها تدفع تمن الرفض ده."
وائل (ساخر):
"أمي، نسيتي إن كل مرة تحاولي تزبطيلي مع بنت… أنا اللي بطلع كسبان؟ نلاقي لعبة جديدة أحسن، الحكاية دي بقت مملة."
جيلان (بتقرب منه وبتتكلم ببطء وحقد):
"اللعبة لسه ما بدأتش يا وائل… بس صدقني، لما تبدأ… هتكون إنت جزء من خطتي، غصب عنك."
ابتسامة سخرية ارتسمت على وشه وهو بيرجع لورا، عارف إن أمه ما بتهزرش… بس برضه، ما خدش الكلام بجدية كاملة… لسه.
شركة "الراوي" للإنتاج – بعد الضهر
بعد ما مهاب خرج من المكتب بخطوات ثابتة ووشه جامد، الصمت سيطر لثواني.
حلا لسه قاعدة على الكرسي اللي قدام مكتب أدهم، صوابعها متشابكة بتوتر، وعينيها لسه فيها بقايا قلق من المواجهة اللي حصلت قبل شوية… لكن جواها إحساس غريب بالراحة عشان كل حاجة ما وقعتش.
أدهم قعد ورا مكتبه، مميل شوية لقدام، صوته هادي بس عينيه مثبتة عليها:
"إذن… هنبدأ أول خطوة لتحويل روايتك لمسلسل. بس عندي نقطة مهمة قبل ما نكمّل."
حلا (بحذر):
"نقطة إيه؟"
أدهم (بهدوء مقصود):
"كنت ناوي أخلي البطلة إنتِ… لكن فكرت، وأظن الأحسن نجيب ممثلة محترفة."
فيه بنت اسمها ليان، ملامحها بريئة، قريبة من الصورة اللي إنتِ رسمتيها للبطلة.
ابتسامة صغيرة وقفت مكانها على وش حلا، إحساس بالخيبة عدى في قلبها، لكنها خبّته بابتسامة مصطنعة:
- أكيد... أهم حاجة الشغل يطلع بأحسن صورة.
أدهم لمح لمعة بسيطة في عينيها، لكنه عمل نفسه مشغول بيرتب أوراق.
وفجأة الباب اتفتح بسرعة، ودخل تميم، صاحبه المقرّب، بابتسامة عريضة وصوت مليان حيوية:
- يا نهار أبيض! هو المكتب منوّر كده ليه؟
حلا وقفت نفسها عن التنفس لثانية، وعينه راحت عليها بدهشة واضحة:
- إيه ده؟ ما عرفتناش على القمر ده ليه من زمان يا أدهم؟
ما كملش الجملة غير لما حس بنظرة أدهم الحادة زي السهم، تحذير صامت: "إوعى تكمل."
تميم ابتسم بارتباك ورفع إيديه كأنه بيستسلم.
حلا (بخجل وهي بتبتسم بخفة):
- أهلًا... أنا حلا.
تميم:
- تشرفنا يا آنسة حلا.
لكنها ما استنتش رد تاني، مسكت شنطتها وقامت بسرعة، قلبها بيدق بطريقة غريبة:
- عن إذنك... عندي شغل لازم أخلّصه في البيت.
خرجت وهي بتحاول ما تبصش وراها، وسابت وراها صمت قصير بين الاتنين، وصوت خطواتها بيتلاشى في الممر.
تميم (بابتسامة فيها مكر):
- واضح إنك مخبّي عليّ كتير.
أدهم (ببرود بس عينيه بتقول حاجة تانية):
- هتتأخر يا تميم ولا نبدأ الاجتماع؟
تميم ابتسم أكتر، فاهم إن الحكاية لسه ما بدأتش... لكن شكلها هتبقى ممتعة.
قدّام مكتب أدهم - في ممر الشركة
حلا خرجت من مكتب أدهم بخطوات سريعة، راسها لتحت وعقلها لسه بيلف في موضوع المسلسل و"ليان". قلبها بيدق جامد من لحظة تميم ونظرات أدهم... ومخدتش بالها من البنت اللي جاية من الناحية التانية.
خبط جامد خلا أوراق كانت في إيد البنت تقع على الأرض وتتبعتر.
حلا (بتلف بسرعة):
- آسفة... ما كنتش شايفة—
قبل ما تكمل، صوت حاد مليان تكبّر قطع كلامها:
لوسيندا:
- إنتي عمياء ولا إيه؟!
حلا رفعت راسها، وشافت قدامها بنت طويلة، شعرها أشقر دهبي سايباه نازل، عنيها خضرا حدّة زي السكاكين، ملامحها مزيج بين جمال يخطف ونظرة متعالية. حضورها تقيل، كأنها متعودة الكل يفسحلها الطريق.
حلا (بخجل وتوتر):
- آسفة... والله ما كانش قصدي.
لكن لوسيندا ما رجعتش لورا، بالعكس... خطت خطوة لقدام وهي بتمسحها من فوق لتحت بعينيها، وفيهم لمعة غيرة ظهرت فجأة:
- وإنتي مين أصلًا؟ إيه اللي جابك هنا؟
حلا (بتتلخبط):
- أنا... جاية أقابل أستاذ أدهم... في شغل.
لوسيندا ثبتت نظرتها عليها، كأنها بتحاول تقرا كل تفصيلة في وشها، وبعدين ضاقت عنيها ببطء:
- شغل؟ ولا حاجة تانية؟
حلا ارتبكت أكتر، حسّت الدم بيجري في وشها. الست اللي قدامها دي ليها هيبة وجمال لافت، لكن فيه رهبة... كأنها ممكن تسحق أي حد بكلمة.
لوسيندا (بصوت واطي بس حاد):
- إبعدي عن طريقي... وعن أماكن مش بتاعتك.
حلا هزت راسها بسرعة، وشدت شنطتها بإيدها وانطلقت بخطوات شبه جري وهي تبعد، قلبها بيدق بسرعة من الخوف.
لوسيندا فضلت واقفة مكانها لحظة، بتبص وراها بعينيها الضيّقة، وجواها نار غيرة مولعة:
- دي مين... وإيه اللي بيعمله أدهم معاها؟
ابتسمت ابتسامة باردة وهي ماشية ناحية مكتب ابن عمها، وعينها على حاجة واحدة: تعرف كل حاجة.
بعد فترة قصيرة
كان أدهم يجلس خلف مكتبه، يتصفح بعض الأوراق مع تميم الذي يقلب في ملفات المسلسل الجديد، حين فُتح الباب فجأة دون طرق.
أدهم (يرفع رأسه بحدة):
- إيه ده؟!
دخلت لوسيندا بخطوات واثقة، ابتسامة مغرورة ترتسم على وجهها، وكأن المكان ملكها. كانت ترتدي فستانًا أنيقًا جدًا، مصمم بعناية ليخطف الأنظار.
أدهم (ببرود ممتزج بالانزعاج):
- لوسيندا... إنتي بتعملي إيه هنا؟
لوسيندا:
- وحشتني يا ابن عمي... قولت أجي أشوفك.
تميم ألقى نظرة سريعة عليها ثم عاد للملفات وكأنها غير موجودة، لكن عينيه لم تخفيا نفورًا واضحًا.
لوسيندا (تنظر لتميم من أعلى لأسفل باحتقار):
- ممكن تسيبنا شوية لو سمحت؟ محتاجة أكلم أدهم لوحدنا.
أدهم (بصوت بارد حاد):
- لو عندك كلام، قولي قدام تميم... تميم مش غريب.
ارتبكت لوسيندا للحظة من الرد، لكنها أخفت ذلك بابتسامة متكلفة وجلست على المقعد المقابل.
لوسيندا:
- كنت حابة أسألك... مين البنت الغريبة اللي كانت خارجة من هنا قبل شوية؟
أدهم رفع حاجبه، يعرف تمامًا عن من تتحدث، ونبرته ازدادت برودة:
- مالكش دعوة.
لوسيندا (بابتسامة لزجة):
- بس واضح إنها... قريبة منك.
ألقى أدهم القلم على المكتب بصوت خافت لكنه حمل تهديدًا:
أدهم:
- اسمعيني كويس يا لوسيندا... أي اقتراب منك منها، حتى بكلمة، هتخليني أعمل حاجات مش هتعجبك... فاهمة؟
تغير وجه لوسيندا، لم تكن معتادة على هذا النوع من المواجهة منه، لكن غرورها دفعها لترد ببرود مصطنع:
لوسيندا:
- واضح إني لمست وترًا حساسًا.
تميم (بابتسامة ساخرة):
- ده لوتر... أوتار كتير، وإنتي مش هتعرفي تعزفي عليهم.
رمقته لوسيندا بنظرة نارية ثم نهضت، وقالت قبل أن تدير ظهرها:
لوسيندا:
- تمام يا أدهم... لكن صدقني، اللعبة دي مش هتنتهي زي ما إنت عايز.
وغادرت بخطوات سريعة، فيما تبادل أدهم وتميم نظرة متفاهمة مليئة بالانزعاج، وأدهم قبض على قلمه مجددًا محاولًا تهدئة غضبه.
في أحد شوارع أستراليا
كانت أسماء تمشي بخطوات ثابتة، تحمل حقيبة تسوق صغيرة، وملامحها الهادئة تخفي وراءها سنين طويلة من الجراح الصامتة. شَعرها الذي بدأ يغزوه الشيب كان مربوطًا للخلف، وعيناها تحملان ذلك البريق الذي لم تنطفئه الخيبات.
بينما هي تعبر الطريق، اصطدمت بكتف رجلٍ طويل القامة.
أسماء (باعتذار تلقائي):
- آسفة... ما انتبهت.
رفع الرجل رأسه، والتقت عيناه بعينيها.
تجمّدت هي في مكانها.
وتجمد هو أيضًا.
أسماء (بصوت منخفض متحشرج):
- ...نادر؟
تسمر نادر، وجهه شاحب للحظة، ثم قال ببطء وكأنه لا يصدق:
نادر:
- أسماء...!
صمت ثقيل غمر المكان. أصوات السيارات والناس من حولهما بدت وكأنها اختفت.
نظراتهما معلقة... لا تصدق.
وفجأة، انفتحت أبواب الذاكرة في رأس أسماء.
رأت نفسها قبل 28 عامًا، في قاعة زفاف مزينة بالزهور البيضاء، ترتدي فستانها وتنتظر عريسها... نادر.
لكن بدلًا من أن يتقدم نحوها، كان يسير بخطوات واثقة نحو امرأة أخرى... جيلان.
رأت المشهد بكل تفاصيله: الزغاريد، الصدمة في وجوه المدعوين، انهيار والدها محمود، ذراعا أخويها فارس وشريف وهي تسقط فاقدة الوعي... ثم عينيها تفتحان في سرير المستشفى، والدموع تحرق وجهها، والخبر القاطع: "سافر... مع زوجته الجديدة."
الآن... بعد 28 سنة، يقف أمامها.
اللحظة الحاضرة اختلطت بالماضي حتى لم تعد تفرق بينهما.
تراجعت خطوة إلى الخلف...
وتجمد الزمن عند هذه النقطة.
رواية بين سطور العشق الفصل التاسع 9 - بقلم سيليا البحيري
فصل 9
نادر (بصوت متردد، بيحاول يهدّي الجو): أسماء… اسمعيني بس، اللي حصل من 28 سنة… كان ليه أسبابه، ما كانش بإيدي.
أسماء (بابتسامة ساخرة ونبرة باردة): أسبابه؟! فاكر إني طول السنين دي كنت بدوّر على "أسبابه"؟! كنت بدوّر على تفسير يرجعلي كرامتي، على كلمة واحدة تهدي قلبي… بس لا إنت، ولا ضميرك، كان عندكم وقت تقولوا الحقيقة.
نادر (بيحاول يقرب منها، صوته واطي): أنا كنت مضطر… الظروف كانت أقوى مني، وكل واحد وقتها كان بيدوّر على نفسه…
أسماء (بتقاطع بنظرات مليانة اشمئزاز): بالظبط! كنت بتدوّر على نفسك… ومش غريب، لأنك عمرك ما عرفت تحب غير نفسك، حتى وأنا جنبك ما كنتش إلا وسيلة تلمّع صورتك!
نادر (بيحاول يبرر أكتر، صوته متوتر): كنت خايف… خايف أخسر كل حاجة…
أسماء (رافعة حاجبها ببرود): وأنا؟! كنت إيه بالنسبة ليك؟! مجرد "حاجة" مش مهمة لو خسرتها؟!
نادر (بيمد إيده ناحيتها): أسماء… أنا ندمت، والله ندمت… لو كنت أقدر أرجع الزمن…
أسماء (بتتراجع خطوة، نبرتها حادة وحاسمة): حتى لو رجع الزمن، أنا مش هرجع… إنت كسّرت حاجة ما بتتصلّحش، ولو ركعت قدامي سنين… أنا مش هانسى.
*******************
– في لندن –
في بهو المنزل الهادئ، جلس أحمد على الأريكة يقرأ إحدى الصحف، بينما كانت فيروز في المطبخ تتابع تحضير الشاي.
على الطاولة أمام أحمد، كان هاتف فيروز يهتز للمرة الثالثة على التوالي، يظهر على شاشته اسم "جيلان".
توقف أحمد عن القراءة وحدّق بالهاتف، ثم رفع حاجبيه باستغراب.
أخذ الهاتف بيده ونادى على فيروز:
– "فيروز… تليفونك بيرن من بدري، جيلان هي اللي بتتصل، إيه الحكاية؟"
خرجت فيروز من المطبخ، يعلو وجهها بعض التوتر، ومدّت يدها لتأخذ الهاتف بسرعة قبل أن يكتشف أحمد ما حدث.
– "سيبه يا أحمد… مش هرد عليها."
– "ليه بس؟ حصل حاجة بينكم؟"
تنهدت فيروز، ثم وضعت الهاتف على الوضع الصامت:
– "بص يا أحمد… أنا قررت أقطع علاقتي بيها نهائي. الموضوع انتهى خلاص."
– "تقطعوها كده من غير ما أعرف حاجة؟! أنا فاكر إنكم أصحاب من سنين…"
– "إحنا كنا… بس خلاص، اللي حصل يخليني ما أتعاملش معاها تاني. مش عايزة مشاكل، ولا عايزة أفتح الموضوع تاني."
أحمد ظل ينظر إليها بتمعّن، لكنه لم يرغب في الضغط عليها، فقد عرف من نبرة صوتها أن الأمر جاد.
– "ماشي يا فيروز… أنا مش هسأل، بس إنتِ عارفة إنك لو حابة تحكيلي، أنا موجود."
ابتسمت له ابتسامة شاحبة، ثم التفتت لتعود إلى المطبخ وهي تقول:
– "عارفة يا أحمد… شكرًا."
على الطاولة، ظل الهاتف صامتًا، بينما جيلان تكرر محاولاتها في مكانٍ آخر، تجهل أن الأبواب قد أُغلقت تمامًا.
***********************
في مصر، – فيلا العائلة – غرفة المعيشة – مساءً –
كانت الإضاءة دافئة في الغرفة، وأصوات العائلة في الخارج تملأ المكان، لكن غزل كانت جالسة على الأريكة، تنظر إلى فنجان الشاي بين يديها وكأنها تحاول قراءة مصيرها فيه. وجهها شاحب وعيناها مليئتان بظل الحزن.
اقترب ريان بخطوات هادئة وجلس إلى جوارها، يميل بجسده قليلًا نحوها.
ريان (بصوت منخفض): غزل… عارف إن اللي حصل مش كان اختيارك… ولا حتى اختياري.
رفعت رأسها نحوه، تتأمل ملامحه للحظة ثم عادت بعينيها إلى فنجانها.
غزل (بصوت مبحوح): ريان… أنا… مش قادرة أعيش كده… إحنا متجوزين على الورق بس… ده اللي أنا قادرة عليه دلوقتي.
تنهّد ريان، وكأنه كان يتوقع كلماتها، لكنه أجبر نفسه على الابتسام بخفة.
ريان: موافق… خدي مساحتك، وقتك، زي ما تحبي. مش هضغط عليك… ولا هطلب حاجة مش جاهزة لها.
رفعت نظرها له، نظرة امتنان ممتزجة بالخوف.
غزل: أنا مش بكرهك… بس الظروف… واللي حصل… صعب أنساه.
ريان (بابتسامة دافئة): وأنا مش مستعجل… يمكن يوم ما… نقدر نبدأ من جديد… من غير جروح.
سادت لحظة صمت بينهما، لم يقطعها إلا صوت ضحكات قادمة من الخارج. شعرت غزل أن قلبها أخف قليلًا، لكنها ما زالت تضع جدارًا بينهما… جدارًا لم يقرر أيهما متى سيهدمه.
*********************
كانت الأوضة لسه هادية ومريحة لما اتفتح باب الفيلا، ودخلت حلا بخطوات هادية وهي بتمسح نقط المطر من على كتافها. رفعت عينها، ولقت ريان قاعد جنبها على الكنبة، بيتكلموا مع بعض بكلام دافي وابتسامات خجولة.
وقفت حلا في مكانها للحظة، وابتسمت ابتسامة خبيثة صغيرة، بس مكنتش فيها أي نية وحشة… كانت ابتسامة فضول ومكر طفولي.
حلا (بصوت ماكر): هممم… جيت في الوقت الغلط… أو يمكن الوقت الصح بالظبط.
ريان رفع عينه عليها ببطء، وبص لها بنظرة تحذير صامتة، النظرة اللي بتقول: "ما تقوليش كلمة يا حلا."
بس هي ما تراجعتش، بالعكس ابتسمت ابتسامة أوسع، ابتسامة مليانة حب وألفة، ورفعت حاجبها كأنها سايبة سر صغير عندها.
حلا: طيب، هسيبكم… استمتعوا بالليل.
وبعدين طلعت السلم بخطوات خفيفة، وبتضحك بصوت واطي كده بالكاد تسمعه، وراحت سايبة ريان يتنفس بضيق، واللي قدامه/قدامها مخبية ارتباكها في ابتسامة صغيرة.
*********************
في زاوية مقهى هادئ، جلست ندى تتأمل سطور كتابها بتركيز، وكوب القهوة أمامها يرسل بخارًا دافئًا يتراقص في الهواء. كانت تحاول أن تنسى ضغوط يومها، إلى أن انقطع تركيزها بصوت مألوف وابتسامة أوسع من اللازم.
تميم (بمرح وهو يقترب): "يا نهار أبيض! دي مش البت اللي كسرت عيني قدّام نص روّاد المطعم المرّة اللي فاتت؟"
ندى (ترفع عينيها ببرود): "آه… أنت! سبحان الله… الدنيا صغيرة أوي."
تميم (يجلس دون استئذان): "صغيرة أوي، بس باين عليكي النهارده مش ناوية ترميني بكلامك الحاد كالمعتاد… ولا تحبي أرجعك لمود العصبية بتاع المطعم؟"
ندى (تغلق الكتاب بهدوء): "لا… بلاش، أنا في هدنة مع العالم النهارده."
تميم (يميل للأمام بابتسامة ماكرة): "هدنة مع العالم… وأنا مش من العالم يعني؟ ولا أنا حالة خاصة؟"
ندى (ترفع حاجبها): "إنت حالة محتاجة معاملة خاصة فعلًا… معاملة فيها كتير من الصبر."
تميم (يضحك بخفة): "الصبر مفتاح الفرج، وأنا مستعد أصبر… لغاية ما تضحكيلي بدل ما ترفضي وجودي."
ندى (تتنهد وهي تبتسم رغماً عنها): "أهو بدأت… لسانك ده محتاج كتمة."
تميم: "كتمة! لا لا، ده أنا اللي المفروض أكتب كتاب عن الصبر في التعامل معك."
****************
– في فيلا عيلة أدهم – أوضة السفرة بالليل
الكل قاعد حوالين ترابيزة العشا الفخمة، الأكل متحط في النص، وصوت المواعين مختلط بكلام متقطع.
فارس (بابا أدهم، بيبتسم بهدوء): مازن، إيه أخبار المحاضرة النهاردة؟
مازن (بنشاط): كانت ممتازة يا بابا، بدأنا بندرس الحالات الجراحية على طول…
قبل ما يكمل، لوسيندا اتقدمت بخبث ناحية أدهم وهي بتتظاهر بالضحك: وأنت يا أدهم، ليه شكلك تعبان كده؟ لو كنت مكاني، كنت هاهتم بيك أكتر… (بغمزة من غير خجل).
أدهم رفع حاجبه وهو بيرجع كرسيه ورا شوية، بصوته بارد: لوسيندا… إحنا قاعدين على سفرة عيلة، خليكي محترمة.
لوسيندا (بضحكة متعمدة): أوووه، ما كنتش أقصد حاجة، أنا بس بحب أهتم باللي حواليا… خصوصًا إنت.
ساعتها ساد صمت تقيل شوية، نادية أم أدهم تبادلت نظرة ضيقة مع جوزها، ومازن كتم ضحكة خفيفة.
وفجأة، صوت عم شريف عالي بغضب: لوسيندا! الكلام ده إيه؟!
مش عارفة يعني إيه حياء؟!
(بيدق بكفه على الترابيزة)
دي آخر مرة أشوفك بتتصرفي كده!
ابتسمت لوسيندا ابتسامة باهتة، وعيونها بقت بتلمع من الخجل.
أدهم (بيحاول يهدي الموقف وهو ماسك كباية ميه):
عمي، مفيش داعي…
شريف (مصرخ، بنبرة جامدة):
لأ، لازم تعرف حدودها… مش هقبل إنها تحط نفسها في الموقف ده تاني!
عم الهدوء أوضة السفرة، ومفيش غير صوت المواعين تاني، ولوسيندا قاعدة بتضرب في راسها وبتلعب في عيشة جنبها.
*******************
بعد لحظات من الصمت الحرج الذي تلا توبيخ شريف لابنته، رفعت لوسيندا رأسها وعيناها مليئتان بالغضب المكبوت.
لوسيندا (بابتسامة صفراء):
على فكرة يا جماعة… أنا شفت أدهم في الشركة مع واحدة… شكلها غريب شوية، وأسلوبها بريء… زيادة عن اللزوم.
(تنظر لأدهم مباشرة)
بس واضح أوي إن في بينكم حاجة، مش كده يا ابن عمي؟
توقفت أيدي الجميع عن الأكل، نادية حدقت في ابنها بدهشة، وفارس رفع حاجبه متسائلًا.
أدهم (بصوت منخفض ولكنه مميت):
لوسيندا… اقفلي الموضوع ده فورًا.
لوسيندا (ببرود مستفز):
ليه؟ ولا علشان خايف أقول أكتر؟ أنا بس بسأل… مين البنت دي؟ ولا… حبيبتك السرية؟
أدهم تغير وجهه فجأة، وبرودة صوته تحولت لنبرة حادة، وكلماته خرجت مثل السهام:
أيوه… هي البنت اللي بحبها.
ساد الصمت… نظرات الصدمة توزعت على الوجوه، نادية فتحت فمها دون أن تجد ما تقول، وفارس نظر لابنه بحدة، بينما قلب لوسيندا كاد يتوقف.
لوسيندا (مذهولة، بصوت مرتعش):
إيه؟!
أدهم (بعينين ثابتتين، يضغط على الكلمات):
وهي أنظف، وأشرف، وأغلى عندي من ناس كتير… ومش هسمح لحد، أي حد، يقرب منها أو يتكلم عليها نص كلمة.
الدماء انسحبت من وجه لوسيندا، شعور الهزيمة والغيرة يأكلها، وابتسم أدهم ابتسامة صغيرة باردة، يعرف جيدًا أنها الآن تحترق.
فارس (يتدخل بنبرة جدية):
أدهم… مين البنت دي؟
نادية (بنبرة قلق):
فعلًا يا ابني، مين هي؟ وإحنا ليه أول مرة نسمع عنها؟
أدهم لم يجب، اكتفى بالنظر إليهما بثبات، ثم ألقى نظرة أخيرة على لوسيندا قبل أن ينهض من مكانه بهدوء مميت.
*******************
بعد أن غادر أدهم المائدة تاركًا الصمت يسيطر، تبادل الجميع النظرات المتوترة.
رفع شريف كوب الماء، ارتشف منه بهدوء، ثم وضعه على الطاولة، وعيناه مثبتتان على ابنته.
شريف (ببرود حاد):
واضح إني سايبك على راحتك ومدلعك زيادة عن اللزوم يا لوسيندا… ودي غلطتي أنا.
لوسيندا (بضيق):
بابا… أنا ما عملتش حاجة غلط.
شريف (بنبرة قاطعة):
خلاص، مفيش داعي للنقاش… في عريس اتقدم لك، وابن راجل محترم وصديق عمري، وأنا وافقت.
ضربت الشوكة على الطبق من يد لوسيندا، وجهها احمر وهي تصرخ:
لوسيندا:
إيه؟! إزاي توافق من غير ما تسألني؟! أنا مش هتجوز!
ابتسم شريف ابتسامة صغيرة، لكن عينيه كانتا تشتعلان غضبًا.
شريف:
هتتجوزي، غصب عنك… يمكن تتأدبي وتعرفي حدودك.
لوسيندا (تضرب بيدها على الطاولة):
مش هتجوز، وده آخر كلام!
في لحظة، نهض شريف واقترب منها، وصفعها صفعة قوية جعلت رأسها يميل للجانب، والدموع تتجمع في عينيها.
شريف (بصوت مرتفع):
كفاية دلع وقلة احترام! أنا راجل وأعرف مصلحتك أكتر منك… والجوازة دي هتتم، يعني هتتم.
تدخل فارس بسرعة، يقف بينه وبينها:
فارس:
شريف… إهدى، كفاية كده.
أما نادية فنهضت من مكانها واحتضنت لوسيندا التي بدأت تبكي بحرقة، تهمس لها بكلمات تهدئة.
في الطرف الآخر من الطاولة، جلس مازن مائلًا للخلف، يراقب المشهد بابتسامة شماتة واضحة، وعيناه تقولان: "يومك يا بنت العم".
*******************
في شركة عائلة النجار - مكتب مهاب ويوسف - ظهيرة يوم عمل.
كانت أصوات الطابعات الخافتة تملأ المكتب، فيما جلس مهاب على مكتبه يتصفح بعض العقود، بينما كان يوسف يتكئ على الكرسي المقابل وهو يقلب في هاتفه.
يوسف (يرفع حاجبه مبتسمًا):
على فكرة يا مهاب… أنا بقيت مقتنع إنك أكتر واحد في الدنيا بيكره الحب.
مهاب (ببرود):
لأ، أنا ما بكرهش الحب… أنا بكره الوجع اللي بيجي معاه.
يوسف (ساخرًا):
آه طبعًا، خصوصًا لما الواحد يبقى مخطوب لعقربة من نوع سمر.
ابتسم مهاب ابتسامة ساخرة، وضع القلم على المكتب وقال:
مهاب:
أنا وسمر… دي مش خطوبة حب، دي صفقة بيني وبين أبوها، كل واحد بياخد اللي عايزه.
يوسف (يهز رأسه):
طب وإنت بتاخد إيه بالظبط؟
مهاب:
شغل… نفوذ… تسهيلات في مشاريع، وأهو بدل ما نضيع سنين في الكلام، الصفقة تمت.
يوسف (بجدية):
بس سمر دي مش طبيعية، واضح إنها مهووسة بيك، وده خطر.
مهاب (بنبرة حاسمة):
عارف… وعشان كده أنا مخلي علاقتنا في أضيق الحدود.
يوسف (يضحك):
يعني مفيش ورد، مفيش قهوة الصبح، مفيش رسايل "وحشتني"؟
مهاب (ببرود مميت):
ورد إيه؟ أنا لو جبت لها ورد، هتفتكر إني بحبها بجد… وأنا مش عايز أديها أوهام.
********************
في بهو الفيلا الفسيح، كان الجو دافئًا، والضحكات الخفيفة تتناثر بين ريان وغزل وزياد وضحى وحلا، حين دوى صوت باب المدخل وهو يفتح بعنف.
التفت الجميع في وقت واحد، لتقع أعينهم على رجل خمسيني الملامح، عابس الوجه، عيناه تقدحان شررًا، وملابسه تفوح منها رائحة السفر والغبار.
تجمدت غزل وضحى في مكانهما، وكأن الدم جف في عروقهما. خرجت الكلمات من فمهما متقطعة:
غزل بصوت مرتجف:
بابا...!
ضحى تراجعت للخلف، تمسك بطرف عباءتها، واللون فارق وجهها.
ابتسم الأب ابتسامة ساخرة وهو يتفحص أرجاء الفيلا:
الأب:
آهو… ما شاء الله! القصور بقت للعيشة المرفهة… وأنا اللي كنت فاكر إنكم بتشحتوا!
غزل بخوف:
إحنا… إحنا مش سرقنا حاجة، دي حياتنا بعيد عنك…
ضحى بصوت متحشرج:
ليه جيت هنا؟
أطلق ضحكة قصيرة مشوبة بالاحتقار، واقترب منهما خطوة خطوة:
الأب:
جيت أشوف بناتي اللي مرّمطوا سمعتي… وماشيين على حل شعرهم، جوزتي نفسك لواحد ما يسواش، وهربتي من راجل محترم كان هينتشلنا من الفقر… وديكِ أختك التانية ماشية على خطاك!
عند هذه اللحظة، اشتعلت النار في عيني ريان، تقدم بخطوات غاضبة، قبضته مشدودة:
ريان:
إنتَ إزاي تجرؤ تتكلم عن مراتي وأختها كده؟!
الأب (ساخرًا):
مراتك؟ دي بنتي… وأنا أحرّف عنها اللي يعجبني… دي جابتلي العار!
لم يمهل ريان لحظة، فانقض عليه بقوة، قبضته ترتطم بوجهه، والأب يترنح للوراء، الدماء تغلي في العروق.
ريان (يصرخ):
أنتَ آخر واحد يفتح بقه عن الشرف!
زياد أسرع وأمسك ريان من ذراعيه، يحاول إبعاده:
كفاية يا ريان! مش وقته!
الأب وهو يمسح الدم عن فمه ويبتسم ابتسامة حاقدة:
اعتبروني مش أبوكم من النهاردة… أنا ماليش بنات!
ضحى انهارت جالسة على الأريكة، ودموعها تنهمر بصمت، وغزل وضعت يدها على وجهها تبكي بقهر، أما ضحى فاندفعت إلى أختها الصغيرة تحتضنها، ودموعها تتساقط بغزارة وهي تهمس:
ضحى:
إحنا مع بعض…
الجو في الفيلا صار خانقًا، والهواء ثقيلًا بالحزن والمرارة، بينما خطوات الأب تبتعد، حاملة معها جرحًا جديدًا في قلب كل واحدة منهن.
رواية بين سطور العشق الفصل العاشر 10 - بقلم سيليا البحيري
فصل 10
في أستراليا - منزل أسماء - بعد العصر
(الجو في الخارج بارد، السماء ملبدة بالغيوم، وأمطار خفيفة تنقر على زجاج النوافذ. تدخل أسماء إلى المنزل بخطوات بطيئة، تحمل كيسًا صغيرًا من السوق، وتضعه على الطاولة بهدوء. تنزع معطفها وتعلقه، ثم تجلس على الأريكة وتحدق في الفراغ.)
مارغريت (تدخل وهي تحمل كوب شاي ساخن):
ها أنتِ أخيرًا... كنت قلقة، تأخرتِ اليوم أكثر من المعتاد.
أسماء (تأخذ الكوب بصمت، تنظر إلى البخار المتصاعد منه):
اليوم... لم يكن يومًا عاديًا يا مارغريت.
مارغريت (تجلس بجانبها، بقلق):
ماذا حدث؟
أسماء (تبتسم ابتسامة باهتة):
في السوق... رأيته.
مارغريت (تقطب حاجبيها):
"رأيته"؟ من تقصدين؟
أسماء (تتنفس بعمق):
نادر... الرجل الذي كان من المفترض أن أرتدي معه فستان الزفاف قبل ثمانية وعشرين عامًا... قبل أن يتركني واقفة أمام المذبح ويتزوج تلك... جيلان.
مارغريت (بغضب مكتوم):
أوه... هذا الوغد. وماذا قال؟ هل اعتذر على الأقل؟
أسماء (تهز رأسها ببطء، تضحك بسخرية مريرة):
الاعتذار يا مارغريت يحتاج إلى ضمير... وهو جاء بلا ضمير، محملًا بأعذار تافهة. قال إنه كان "مضطرًا" وإن الظروف أجبرته، وكأنني لم أكن أنا أيضًا أعيش في نفس الظروف.
مارغريت:
وهل صدقته؟
أسماء (تنظر لها بعينين لامعتين ببرود):
أنا لا أصدق من طعن قلبي، حتى لو جثا على ركبتيه. اليوم تأكدت أن الجرح القديم... ما زال مغروسًا، لكنه لم يعد يؤلمني كما كان... أصبح جزءًا مني، ذكرى لن أنساها، لكنها لن تتحكم بي.
مارغريت (بإعجاب):
هذه هي أسماء التي أعرفها... قوية، حتى أمام أشباح الماضي.
أسماء (تنهض ببطء، تمسك الكوب):
القوة يا مارغريت ليست أن تنسى... القوة أن تتذكر كل شيء... ولا تسمح لأحد أن يعيدك إلى نقطة الانكسار مرة أخرى.
(تتجه إلى النافذة، تنظر إلى المطر، وكأنها تغلق صفحة قديمة... ولكنها لا تمزقها.)
********************
فلاش باك
قاعة الفرح
أضواء النجف بتلمع، والزينة البيضا والدهبي ماليه المكان، والضحك كان من شوية مالي القاعة... لحد ما كل حاجة اتغيرت.
أسماء كانت واقفة بفستانها الأبيض، قلبها بيدق بين القلق والفرحة، وأبوها محمود بيبصلها بعينين مليانين خوف وحنان.
همس وهو ماسك إيدها:
محمود (بصوت واطي وحزين):
يا بنتي... أنا قلتلك، الواد ده ما يتأمنش. قلبي كان حاسس... ربنا يستر.
أسماء هزت راسها كإنها بترمي القلق ورا ضهرها، وبصّت على إخواتها فارس ومراته نادية، وشريف ومراته منار، اللي كانوا بيبتسموا لها عشان يطمنوها.
وفجأة، الناس بدأت تهمس...
الباب الكبير اتفتح، ودخل نادر... بس ما دخلش لوحده.
معاه جيلان، لابسة فستان فرح لامع، ماسكة دراعه بكبرياء.
أسماء وقفت متصمرة، الكلام وقف في حلقها.
جيلان قربت بخطوات هادية وابتسامة مليانة لؤم على وشها، ووقفت قدام أسماء:
جيلان (ببرود ولسانها فيه سم):
آسفة يا عروسة... بس العريس اختار الأحسن. عارفة... مش كل يوم الراجل يلاقي واحدة تعرف تاخد اللي هي عايزاه.
ابتسمت أكتر، وقربت تهمس:
إنتِ كنتِ مجرد... بروفة.
وش أسماء تجمد، ودمعة سخنة نزلت على خدها.
فارس وشريف اندفعوا لقدام، عروق الغضب باينة في جبينهم.
فارس (بصوت عالي):
يا واطي!
مد إيده وبكسه على وش نادر، وشريف مسكه من ياقة بدلته وهزه بعنف.
شريف (بغضب):
تلعب على أختنا؟ قدام عينينا؟!
لكن نادر، رغم الدم اللي سال من شفايفه، اكتفى بابتسامة مستفزة:
واضح إنكم ما تعرفوش أنا مين... مفيش حد يرفضني.
فارس ضربه تاني بقوة، وجيلان صرخت وهي بتحاول تبعده.
وسط الدوشة، رجلي أسماء ضعفت، وعينيها بهتت، وأصوات الناس بقت بعيدة... لحد ما وقعت على الأرض.
محمود (مذعور):
أسماء!!!
جرى عليها بسرعة، وركع فارس وشريف جنبها، ووشوشهم مليان رعب.
فارس (بيهز كتفها):
أسماء! سامعاني؟!
شريف (بصوت متهدج):
يلا افتحي عينيكي... ما تسيبناش.
لكنها ما ردتش، ودموع أبوها نازلة على وشها الأبيض الشاحب، وقلبه بيكاد يتقطع.
*******************
End Flash Back
(تجلس أسماء على الطاولة، تحدّق في فنجان القهوة البارد أمامها، تستعيد في ذهنها اللقاء الذي لم تتوقعه اليوم... فجأة يهتز هاتفها المحمول، يظهر على الشاشة اسم شقيقها فارس).
أسماء (تتنفس بعمق قبل أن ترد):
ألو... فارس؟
فارس (بصوت دافئ):
أيوه يا أختي الغالية... وحشتيني قوي، إيه أخبارك؟
أسماء (بابتسامة خفيفة رغم حزنها):
بخير الحمد لله... وإنت عامل إيه؟
فارس:
تمام... بس والله البيت ناقص من يوم ما سافرتي، بقالنا سنين ما شفناكي.
أسماء (تهرب من تلميحاته):
تعرف الظروف... وبعدين أنتم مش مقصرين في الاتصال.
فارس:
الاتصال حاجة... والشوفة حاجة تانية يا أسماء. نفسي أشوفك ولو أسبوع.
(صوت مرح يتسلل إلى المكالمة، يعلو من جانب فارس)
مازن:
عمّتييييي!
أسماء (تضحك رغماً عنها):
مازن! يا ولد، صوتك بقى رجولي.
مازن (بحماس):
عندي 20 سنة دلوقتي، مش ولد بقى! على فكرة أنا زعلان منك... عمري ما شفتك في مصر من يوم ما كنت صغير.
أسماء (تحاول أن تخفي ارتباكها):
يا حبيبي، أنت عارف الظروف...
مازن (ممازحًا):
ظروف إيه! إحنا نجيبك على حسابنا، أنا وفارس بابا نعمل حملة "رجعوا أسماء مصر".
فارس (ضاحكًا):
حملة قوية، وهنكسبها.
أسماء (تتنهد بخفة):
نشوف يا ولاد... يمكن الأيام تجيب اللي فيه الخير.
(تحاول أن تخفي عنهم أثر لقاء اليوم بنادر، وصوتها يبقى ثابتًا وهي تنهي المكالمة بعد دقائق من المزاح الخفيف)
*********************
في مكان آخر
الجو متوتر، رائحة السيجار تعبق في المكان، والعجوز يجلس خلف مكتبه الضخم، وجهه محمر من الغضب. الباب يُفتح بعنف ويدخل والد غزل وضحى، وعلى ملامحه الغضب نفسه.
العجوز (بصوت غليظ وهو ينهض من مكانه):
أخيرًا قررت تجي! فين كانت مخك يا محمود؟! أنا قلت لك البنت دي لازم تبقى لي، وانت سبّتني أضيعها من إيدي!
الأب (يرمي معطفه على الكرسي بغضب):
أنا؟! انت اللي كنت نايم في العسل، البنتين هربوا من بيتي بليل زي الحرامية، وانا كنت متفق معاك على مهر محترم!
العجوز (يضرب المكتب بيده):
مهر إيه يا راجل! أنا دافعلك أضعاف اللي تسوى بنتك، وبالمقابل، كنت هأخلي جيبك مليان دهب! بس أنت فشلت، فشلت!
الأب (يقترب منه بعينين تقدحان شررًا):
فشلت عشان اعتمدت على كلامك الفاضي وعلى إنك هتخوفها بفلوسك وسنك! البنت عنيدة ومرسومة على راسي، لكن انت استعجلت وفضحت كل حاجة!
العجوز (بتهكم):
أنا استعجلت؟! ولا انت اللي أهملت ولادك وسبتهم يختلطوا بالشباب، لحد ما اتجوزوا وانت مش داري؟!
الأب (يرد باستهزاء):
جواز إيه؟! ده كله تمثيل عشان يهربوا من مصيرهم. لكن صدقني، غزل هترجع لي... وأنا هأبيعها لك لو عايز، بس المهر هيتضاعف.
العجوز (يصرخ):
هترجع إزاي بعد ما بقت على ذمة راجل؟! أنا ما بلمش فضلات غيري يا محمود! كنت عايزها بنت، مش... (يصمت وهو يلوح بيده باشمئزاز)
الأب (يمسكه من ياقة ثوبه بعنف):
احترم كلامك يا عجوز، انت اللي خربت الصفقة!
العجوز (يدفعه بعيدًا):
وانت اللي ضيعت حياتي!
البنت كانت هتكون لعبة العمر... وأنت بعتها برخص التراب!
يتبادلان نظرات حقد، كأن كلا منهما يفكر في كيف سينتقم من الآخر، قبل أن يدير الأب ظهره بعصبية ويخرج، تاركًا العجوز يتنفس بحدة.
*******************
في موقع تصوير مسلسل "حكاية حلا" صباحًا.
الكاميرات منصوبة، الإضاءة تُضبط بعناية، وأصوات الفنيين تمزج بين حركة وصخب، بينما يقف أدهم عند زاوية الموقع يتابع كل التفاصيل.
حلا تقف أمام المرآة الكبيرة، ترتب شعرها وتبتسم بوجه يلمع بالحماس.
حلا (بحماس، وهي تمسك نص المشهد):
مش مصدقة... أخيرًا، حلم حياتي بيتحقق!
أدهم (يقترب منها بخطوات هادئة وابتسامة خفيفة):
وده مجرد البداية يا حلا... لسه هتشوفي اسمك منور في كل مكان.
حلا (تنظر إليه بعينين يملؤهما الامتنان):
شكرًا يا أدهم... لو مش إنت، ما كنتش وصلت لهنا.
(نظراتهما تتشابك لثوانٍ، قبل أن يقطعهما صوت ضحكة خفيفة)
ليان (تقترب منهما وهي تمسك كوب قهوة، بابتسامة ماكرة):
أوووه... إيه النظرات دي يا أستاذ أدهم؟ ولا أنا جيت في وقت مش مناسب؟
أدهم (يرفع حاجبه وهو يحاول إخفاء ارتباكه):
ليان... إنتِ بتهيأ لك.
ليان (بمزاح وهي تلمس كتفه):
بتهيأ لي؟ أنا ممثلة، وبعرف أقرأ العيون كويس... وعيونك بتقول كتير!
حلا (تضحك بخجل وهي تنظر بعيدًا):
يا ليان بلاش إحراج بقى.
ليان (بمرح):
إحراج إيه، ده أنا فرحانة... بس لو عايز نصيحتي يا أدهم، خليك جاهز... البطل بيقع أسرع من الجمهور!
(أدهم يبتسم ويهز رأسه، بينما حلا تحاول إخفاء ابتسامتها وهي تمسك نص المشهد، وقلبها يخفق أكثر مع كل كلمة)
*******************
بعد فترة قصيرة في استوديو التصوير، الأضواء خافتة بعد انتهاء العمل.
حلا كانت تجمع أوراق النص بهدوء، تحاول ترتيبها داخل ملفها، لكن يديها كانت ترتجف قليلًا من التعب والرهبة وهي تدرك أن أدهم لا يزال في الغرفة.
أدهم (واقف بجانب الكاميرا، ينظر إليها بصمت):
تعبتِ اليوم، صح؟
حلا (تبتسم بخجل دون أن ترفع نظرها):
عادي... بحب الشغل ده.
أدهم (يخطو نحوها ببطء، نبرته منخفضة):
حلا... في حاجة لازم أقولها لك.
حلا (ترفع رأسها بارتباك):
إيه هي؟
أدهم (يتنفس بعمق، ينظر في عينيها مباشرة):
أنا... بحبك.
حلا (عينها تتسع، تشهق بخفة):
أستاذ أدهم... أنا...
أدهم (مقاطعًا بلطف، يبتسم ابتسامة هادئة):
ما تقوليش حاجة دلوقتي. بس كان لازم تعرفي...
حلا (تخفض نظرها، تحاول إخفاء احمرار وجهها، تضم الملف إلى صدرها):
أنا... مش عارفة أرد.
أدهم (بهدوء):
مش مهم دلوقتي... المهم إنك تعرفي إني مش شايفك بس كاتبة موهوبة... أنا شايفك أكتر من كده بكتير.
(لحظة صمت ثقيلة، حلا تنسحب بخطوات سريعة وهي تحاول السيطرة على دقات قلبها، وأدهم يراقبها بابتسامة خفيفة)
********************
في الجامعة.
الشمس الساطعة كانت رامية ظلها على أرض الساحة الواسعة، والطلبة رايحين جايين بين القاعات.
ريان ماشي جنب غزل، خطواته واثقة، وهي ماسكة شنطتها الصغيرة بإيدها، عينيها في الأرض أكتر من قدامها.
أصوات الهمس بدأت تنتشر حواليهم:
طالبة 1 (بصوت واطي):
سمعتي إنهم اتجوزوا فجأة؟
طالب 2:
الكل عارف السبب... حكاية قديمة بينهم.
طالبة 3 (بابتسامة فيها سخرية):
أكيد ما اتجوزوش إلا بعد ما... (تغمز)
وش غزل احمرّ، وحست بالحرارة طالعالها، فسرّعت خطواتها كأنها بتهرب من نظراتهم.
لكن ريان لاحظ ارتباكها، فمسك إيدها قدام الكل بكل ثقة.
ريان (بصوت عالي مسموع):
لو في حد عنده كلمة زيادة عن مراتي... يقولها لي في وشي بدل ما يهمس زي الجبان.
ناس وقفوا، والساحة سكتت لحظة، قبل ما يظهر صوت صافي وهي جاية بخطوات كلها غرور:
صافي (بابتسامة مائلة):
محدش بيألف حاجة يا ريان... إحنا بس مستغربين إزاي... فجأة بقيت بتحميها أوي كده.
ريان قرب منها لحد ما اضطرت ترفع راسها تبص في عينيه:
ريان (بهدوء بس حاد):
عشان إنتي ما تعرفيش قيمة كلمة "شرف"، فاكرة الكل شبهك. جوازنا شرعي ونضيف، وأي كلمة تانية منك عن غزل... اعتبريها مواجهة معايا أنا شخصيًا.
صافي اتلخبطت لحظة، وحاولت تخبي ده بابتسامة باردة، قبل ما ترجع ورا بخطوات هادية.
غزل كانت بتبص، قلبها بيدق بين الخوف والفخر، وريان كمل ماشي معاها، وحط إيده على كتفها بثبات:
ريان (بصوت واطي لها):
ما تسمحيش لكلامهم يجي جنبك... طول ما إنتِ معايا، إنتِ في أمان.
غزل اكتفت بابتسامة خجولة، لكن عينيها كانوا منورين بالامتنان.
********************
في كافيه جنب النيل.
زياد وضحى قاعدين على ترابيزة جنب الشباك، ضوء الغروب الدافي داخل، وصوت موسيقى كلاسيك خفيف مالي الجو. قدامهم فنجانين قهوة، وبقايا حتة كيك ضحى ما كلتش منها كتير.
ضحى (بصوت واطي وهي بتبص في فنجانها):
يا زياد... عايزة أسألك حاجة، بس عايزاك تجاوبني بصدق.
زياد (مبتسم وهو بيقلب القهوة بالملعقة):
أوووه... بدأنا امتحانات؟! اتفضلي، اسألي.
ضحى (بعيون مترددة):
إنت اتجوزتني أنا ليه؟ أقصد... كان ممكن تسيب الموضوع لحد تاني من العيلة. إنت ماكنتش مجبر.
زياد (رافع حواجبه بمزاح):
وندمتي؟
ضحى (هزت راسها بمرارة):
لأ، مش كده... بس إنت من عيلة غنية أوي، وأنا... من حارة بالكاد تعرف النور. كل اللي شايفاه إني كنت حمل، وجوازي منك كان بس عشان تحميني من أبويا.
زياد (وقف مزاحه، ومال لقدام، صوته بقى جاد):
ضحى... اسمعيني كويس.
ضحى (بتحاول تبتسم ومش قادرة):
أنا بس واقعية... عارفة إني مش مناسبة لعالمك.
زياد (بحزم وهو بيحط الملعقة على جنب):
بس كده! ما أسمعش الجملة دي تاني. إنتِ مش أقل من أي حد، ويفضّل إنك تبقي فخورة إنك من بيئة بسيطة. أنا ما اتجوزتكش شفقة، ولا بس عشان أحميكي... أنا اتجوزتك عشان إنتِ... اللي كنت عايزها تبقى جنبي.
ضحى (بعينين متسعة):
عايزني... أنا؟
زياد (بابتسامة هادية وعينيه جد):
أيوه. عشان إنتِ قوية، وأجمل مما بتتصوري، وقيمتك مش في اللي معاكي... قيمتك في قلبك وعقلك.
ضحى (بهمس، كأنها مش مصدقة):
بس إنت ما قلتش الكلام ده قبل كده.
زياد (بمزاح لطيف):
عشان الحاجات المهمة بخليها للأماكن اللي بتعمل قهوة حلوة زي دي.
ضحكت ضحى بخفة، وقلبها بيدق بسرعة، ولأول مرة من زمان حست إن في حد شايفها مختلفة... وإنها تستاهل.
*********************
في حديقة ما.
سيرين قاعدة على الكرسي، ماسكة موبايلها، تكتب وتمسح، وبعدين تعيد الكتابة، وابتسامة ماكرة مرسومة على وشها.
سيرين (بصوت واطي وهي بتكلم نفسها):
يا حلا... يا حلا... مسكينة إنتِ، فاكرة الدنيا هتضحكلك؟ مش عارفة إني مش هسيبك تتهني حتى يوم واحد.
دخلت صاحبتها المقرّبة رنا، شايلة كباية قهوة وقعدت قصادها.
رنا (بفضول):
إيه بقى الضحكة الشريرة دي؟ باين إنك بتطبخي مصيبة.
سيرين (بخبث):
عندي فكرة صغيرة... أو بالأصح قنبلة، أول ما تنفجر، حياتها كلها هتبوظ.
رنا (بتضحك):
إنتِ عمرك ما بتتغيري! بس حلا عملتلك إيه عشان الكره ده كله؟
سيرين (بصوت جاد وعينيها كلها مكر):
ما عملتش حاجة مباشرة... بس وجودها لوحده بيستفزني. الكل شايفها ملاك بريء، وأنا هوريهم الوش التاني... حتى لو اضطرّيت أختَرعه.
رنا (مقرّبة منها وفضولها زاد):
طب والخطة إيه؟
سيرين (بهدوء لئيم وهي بترشف قهوتها):
هضربها في أضعف نقطة... ثقة الناس فيها.
أول ما الشك يدخل قلوبهم… كل حاجة هتتهد.
رنا (بضحكة متواطئة):
يا ساتر، أنتِ خطر على البشرية.
سيرين (مبتسمة وهي سرحانة في الفراغ):
على اللي يستحق بس… وحلا؟ آه، هي تستحق وبجدارة.
سيرين ورنا قاعدين على الكنبة، سيرين بتهمس بجدية، ورنا بتبص حواليها بتوتر.
سيرين (بصوت واطي): اسمعي يا رنا… لو الخطة مشت زي ما أنا مرتبة بالظبط… حلا حياتها كلها هتتقلب فوق تحت.
رنا (مترددة، بتحرك إيدها بتوتر): سيرين… أنا مش متطمنة… مش عايزة أدخل في حاجة تأذي حد.
سيرين (رافعة حاجبها بابتسامة ماكرة): أنا ما قلتش أذيها… أنا بس هفكرها إنها مش الملاك اللي فاكرة نفسها.
خطوات ندى بتقرب من بعيد، شنطتها على كتفها، وعينيها مركزين عليهم بحدة.
ندى (بصوت ثابت وهي بتقرب): صباح الخير… إيه الكآبة اللي ماليه الجو دي؟
رنا بتنتفض شوية وبتعدل قعدتها، وسيرين بتضحك ابتسامة مصطنعة.
سيرين: لا ولا حاجة… كنا بس بنتكلم عن… عن الواجبات.
ندى (بترفع حواجبها وتضحك بسخرية): واجبات؟ أنتِ يا سيرين عمرك ما كنتي بتهتمي بالواجبات… إيه الحكاية بجد؟
سيرين (بتحاول تغيّر الموضوع): أنتِ دايمًا شكاكة يا ندى.
ندى (بتقرب أكتر وبتوطي صوتها): لما أتعامل مع حد زيك… آه، ببقى شكاكة جدًا.
رنا توترها بيزيد وبتشيح بنظرها بعيد، وده بيخلي شك ندى يكبر.
ندى: بصي يا سيرين… أنتِ عارفة إني ما بخافش من حد… وأي حاجة تفكري تعمليها ضد حلا… هتلاقي نفسك بتواجهي مشكلة كبيرة معايا قبل أي حد تاني.
سيرين (بتتظاهر بالبرود): مين قال إني بفكر أعمل حاجة؟
ندى (بابتسامة باردة): إحساسي… وإحساسي عمره ما بيغلط. فخلي بالك قبل ما تعملي حاجة تندمي عليها.
ندى تمشي بخطوات واثقة، وسيرين بتبص وراها بعين مليانة غضب، ورنا تهمس بقلق.
رنا: قلتلك… ندى مش سهلة.
سيرين (بإصرار): ومهما كانت مش سهلة… الخطة هتمشي.