تحميل رواية بين سطور العشق بقلم سيليا البحيري pdf
بقلم سيليا البحيري
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
فيلا عيلة النجار – صالون واسع بيغرقه نور الصبح في هدوء الصبح، الفيلا الفخمة في ضواحي القاهرة كانت رايقة، وصوت العصافير جاي من البلكونة، وريحة القهوة مالية المكان. في الصالون، كانت حلا قاعدة على الأرض، ضهرها وراكن على الكنبة، وفي إيدها كشكول أسود شكله متهالك شوية. عنيها بتلمع من الحماس، وبتكتب كأنها عايشة جوّا القصة… وكأن العالم كله في دماغها، وهي بتحاول تطلعه على الورق. دخل زياد الأول، لابس قميص أبيض مفتوح من فوق، وكاميرا متعلقة في رقبته. زياد (بضحكة خفيفة): صباح الفرفشة يا آنسة شكسبير! بتكتبي ن...
رواية بين سطور العشق الفصل الحادي عشر 11 - بقلم سيليا البحيري
الفصل 11
كانت الفيلا غارقة في صمت الليل، لا يُسمع سوى همسات الرياح تتسلّل من بين ستائر غرفة حلا. جلست على طرف سريرها، ترتدي بيجامتها القطنية الوردية، وشعرها المنسدل يلامس كتفيها. عيناها تحدّقان في الفراغ، لكن قلبها يخفق بسرعة كأنها تركض وسط حلم جميل لا ينتهي.
كل شيء حولها أصبح ضبابيًا... لم تكن قادرة على استيعاب أن الكلمات التي لطالما تمنّت سماعها، قد خرجت بالفعل من فم أدهم قبل ساعات قليلة فقط.
وضعت يديها على وجهها، ثم همست بصوت مبحوح وهي تبتسم لنفسها:
"هو... هو قالها بجد؟! أنا مش بحلم... مش كده؟!"
وقفت فجأة، وبدأت تتحرك في الغرفة بلا وعي، تضحك بخفة ثم تمسك قلبها وكأنها تخشى أن يقفز من مكانه:
"إيه ده يا حلا... إيه اللي بيحصلك ده؟! إنتي كنتي بتقولي إنك بتحبيه كمدير، ككاتبته، كأستاذك... بس دلوقتي؟! لأ... دي حاجة تانية خالص."
اقتربت من المرآة، تنظر إلى انعكاس وجهها بعينين لامعتين:
"يعني هو كمان... كان بيبصلي كده مش صدفة... كان بيحبني وأنا مش واخدة بالي... ياااه."
لكن فجأة، تجهم وجهها قليلًا وهي تجلس على السرير من جديد، تحضن وسادتها بقوة:
"بس... هو أكبر مني بكتير... وأنا صغيرة... والناس... والناس هتقول إيه؟"
تسكت لحظة، ثم تضحك بخفة وهي تدفن وجهها في الوسادة:
"لا... أنا مش قادرة أصدق... أدهم بيحبني أنا... أنا!"
********************
كانت حلا لسه قاعدة على سريرها، تحضن الوسادة وتضحك لنفسها بين الحين والتاني، كأنها في عالم تاني. فجأة، انفتح باب غرفتها بهدوء، وظهر ريان، واقف عند العتبة، حاجبه مرفوع وعلامات الحيرة على وشه.
ريان (بصوت مستغرب):
"إيه المنظر ده؟! إنتي بتتحكي لوحدك؟! ولا بتتفرجي على فيلم كوميدي في مخك؟"
حلا (تنتبه فجأة وتقوم واقفة بسرعة):
"آه... لأ... أنا... كنت بفكر في حاجة... مش مهم يعني."
ريان (يتقدم ناحيتها وبيمثل إنه بيكشف عليها):
"استني كده... إيدك سخنة؟! عندك حرارة؟! ولا الحرارة دي من السعادة الغامضة اللي ماليه وشك؟"
حلا (تضحك وتبعد إيده):
"إنتَ أهبل! أنا زي الفل... مفيش حاجة."
ريان (سايبش الموضوع بسهولة):
"آه طبعًا... زي الفل وبتضحكي مع الوسادة وكأنها بترد عليكي. لا يا بنتي، أنا خايف أسيبك لوحدك تقومّي تكمّلي كلام معاها وتخطّبيها كمان."
حلا (تمسك ضحكتها وتحاول تبان طبيعية):
"خلاص يا ريان، بلاش هري. كنت بفكر في روايتي الجديدة بس... عادي يعني."
ريان (بابتسامة طيبة وهو بيشدها من إيدها):
"طيب يا أستاذة الكاتبة، الرواية هتستنى، العشا مش هيستنى... يلا قبل ما أخلّي مهاب يخلص على كل الأكل."
حلا (تضحك وهي خارجة معاه):
"حاضر يا حضرة المراقب العام."
ريان (وهو بيطالعها بنظرة أخ أكبر):
"والله إنتِ غريبة النهارده... بس ماشي، أنا هسيبك في حالك... مؤقتًا."
حلا (في سرها وهي بتنزل السلم):
"لو تعرف يا ريان... لو تعرف..."
***********************
في منزل عائلة سيرين
الليل ساكن، وسيرين قاعدة في غرفتها المضاءة بنور أباجورة خافتة، شعرها مسدول على كتفها، وعينيها تلمع بنظرة شريرة. كانت قاعدة على مكتبها، قدامها لابتوب مفتوح، وتكتب في دفتر صغير.
سيرين (تبتسم ابتسامة باردة وتتكلم مع نفسها):
"كل ما بقرب منها، كل ما بشوفهم بيحبوها أكتر... حاجة تقرف! مش فاهمة إيه اللي شايفينه في البنت دي!"
تمد يدها على فنجان قهوة، ترشف رشفة صغيرة، وتفتح صور حلا مع إخوتها على شاشة اللابتوب.
سيرين (بهمس ساخر):
"بس مش هيفضلوا كده كتير... أنا هخليهم يشوفوا وشها التاني... أو بالأصح، الوش اللي أنا هخترعه لها."
تتوقف لحظة، ثم تبدأ تكتب خطة:
1. إنشاء حساب مجهول على السوشيال ميديا.
2. نشر رسائل وصور مُفبركة على إنها لحلا مع شاب غريب.
3. إرسال الرسائل والصور دي لواحد من إخوتها، مع كلام يوحي إنها بتخون ثقتهم.
4. زرع الفتنة بينهم قبل ما حلا تلحق تدافع عن نفسها.
سيرين (تضحك بخبث وهي تكتب):
"هحط شوية بهارات... كلام غامض، صور ملعوب فيها كويس... والنتيجة؟ شك، غضب، وبعدها قطيعة."
تميل للخلف على الكرسي وتتنهد بارتياح:
"أيوه... كده تمام. ومش بس هبعدهم عنها... لأ، دي هتفضل طول عمرها فاكرة إن أقرب ناس ليها صدّقوا الكدبة... وهتتقطع من جوه."
*******************
في فيلا عائلة أدهم
الفيلا فخمة وأضواء الثريا الكبيرة تنعكس على الأرضية اللامعة. العائلة متجمعة في الصالون الرئيسي، الجو مشحون بالصمت، حتى صوت عقارب الساعة كان مسموع.
جلس فارس بجوار زوجته نادية، وعلى الجانب الآخر جلس شريف وبجانبه لوسيندا التي كانت تعقد ذراعيها وتنظر للأرض بعصبية.
فتح باب الصالون، ودخل عادل الرفاعي بابتسامة ودودة، وبجواره ابنه كريم، شاب طويل القامة، أنيق، ملامحه هادئة لكن عينيه فيها حماس.
عادل (مبتسم):
"مساء الخير يا جماعة... سعيد جدًا بالزيارة دي."
فارس (ينهض مرحبًا):
"مساء النور يا عادل، البيت بيتك."
جلس عادل وابنه، بينما شريف ابتسم ابتسامة رسمية:
"زي ما اتفقنا يا فارس... كريم شاف لوسيندا، و... بصراحة الولد معجب بيها جدًا."
كريم (بصوت هادئ وهو ينظر للوسيندا):
"مش بس معجب... أنا شايفها أجمل وأرق بنت شفتها في حياتي."
رفعت لوسيندا عينيها نحوه للحظة، نظرة باردة مليانة احتقار، ثم أدارت وجهها بعيد.
لوسيندا (بصوت منخفض ومتهكم):
"أنا مش مهتمة."
توتر الجو، لكن شريف نظر لها بحدة:
"لوسيندا... خدي بالك من كلامك!"
أدهم، الجالس على طرف الكنبة، كان يراقب الموقف ببرود وغضب مكتوم، بينما مازن كان يتكئ بارتياح على الكرسي الجانبي، وعلى وجهه ابتسامة شماتة واضحة.
مازن (بنبرة ساخرة وهو يوجه كلامه لأخيه أدهم همسًا):
"أخيرًا هنرتاح من الصداع ده."
أدهم اكتفى بنظرة تحذير لمازن كي يسكت، لكنه أعاد عينيه بسرعة إلى لوسيندا وكأنه يذكرها أن ما فعلته لم يُنسَ بعد.
عادل (محاولًا كسر الصمت):
"أنا متأكد إنها مسألة وقت، وهتعرف إن كريم شاب محترم ويستاهلها."
شريف (بحزم):
"المسألة مش اختيار، الخطوبة هتتم."
كريم ابتسم بخجل، وكأن أحلامه تتحقق، بينما لوسيندا ضغطت على أسنانها وهي تحبس دموع الغضب.
*******************
عادل (مبتسم وهو ينظر لفارس وشريف):
"طيب... إحنا شايفين إن الأمور واضحة، وعلشان ما نضيعش وقت، نقول نعمل الخطوبة إمتى؟"
كريم (بحماس يكاد يقف من مكانه):
"لو عليَّ... بكرة! أو حتى النهاردة! المهم ما نستناش كتير."
لوسيندا (تتسع عيناها بصدمة وتنظر له بعدم تصديق):
"إنت... إنت مجنون ولا إيه؟!"
قبل أن تكمل، جاءتها نظرة حادة مثل السيف من والدها شريف، نظرة مليئة بالتحذير الصامت، جعلت الكلمات تختنق في حلقها.
شريف (بصوت منخفض لكنه قاطع):
"لوسيندا...!"
خفضت رأسها وكتمت غيظها، وأغمضت عينيها للحظة حتى لا ينفجر غضبها أمام الجميع.
فارس (محاولًا تهدئة الجو):
"طيب، نقول الأسبوع الجاي... الجمعة، الكل يكون جاهز."
عادل (يهز رأسه موافقًا):
"تمام، الجمعة مناسبة جدًا."
كريم (يبتسم بسعادة وهو ينظر للوسيندا):
"أخيرًا... مش هصدق نفسي لحد ما أشوفك جنبي رسمي."
لم ترد لوسيندا، بل اكتفت بتثبيت نظراتها على الأرض، بينما مازن ينظر لها بخبث وكأنه يستمتع بكل لحظة إحراج تمر بها.
أما أدهم، فظل ساكتًا، عيناه جامدتان على لوسيندا، لكن تعبيره كان مزيجًا من الغضب البارد واللامبالاة.
*********************
في فيلا نادر، لندن – المساء
الفيلا فاخرة، ديكورات أوروبية أنيقة، والجو هادئ إلا من صوت خطوات نادر المتثاقلة وهو يدخل من الباب الرئيسي، حقيبته في يده، ملامحه شاحبة وكأنه يحمل وزنًا على كتفيه.
جيلان (تظهر من أعلى السلم، ترتدي فستانًا فاخرًا وتضع عطرًا نفاذًا، تبتسم ابتسامة واسعة لكنها بلا دفء):
"نادر! أخيرًا رجعت... وحشتني أوي."
تنزل بخطوات واثقة حتى تصل إليه، تعانقه عناقًا قصيرًا لكن عينيها تلمعان وكأنها تفكر في شيء آخر.
نادر (يحاول الابتسام لكنه فشل، صوته منخفض):
"الرحلة كانت طويلة... أنا محتاج أرتاح."
جيلان (تنظر له بتركيز وهي تلمح ارتباكه):
"إيه الحكاية؟! شكلك مش طبيعي... حصل حاجة في أستراليا؟"
نادر (يتنفس بعمق، يشيح بنظره عنها):
"لا... مفيش حاجة. شغل وبس."
جيلان (تقترب منه أكثر، بنبرة مغازلة لكنها باردة):
"عارف إني بحبك لما تكون مركز على شغلك... بس أنا كمان ليَّ حق أشوفك مبسوط، مش داخل عليَّ كإنك شايف شبح."
نادر (بحدة بسيطة):
"قلتلك... مفيش حاجة."
جيلان تبتسم، لكنها ابتسامة ماكرة، تدرك أنه يخفي أمرًا لكنها تقرر عدم الضغط الآن.
جيلان (تغير الموضوع بسرعة):
"طيب... يلا نطلع على العشا."
وائل مستنيك، وبالمناسبة... كان بيقول إنه محتاجك في مشروع جديد.
نادر (يهز رأسه باقتضاب، وكأنه لم يسمع جيدًا):
- بعدين... دلوقتي عايز شوية هدوء.
جيلان تراقبه وهو يصعد السلم، نظراتها مليئة بالريبة، بينما هو يصعد وكأن خطواته ثقيلة من ثقل الذكريات التي تحاول عقله دفنها... لكنه يفشل.
بعد دقائق من صعوده لغرفته، جيلان تدخل إلى غرفة المعيشة، تمسك بكأس عصير أحمر وتجلس على الأريكة، تراقب السقف وهي تفكر.
جيلان (تتمتم مع نفسها بسخرية):
- نادر... نادر... إيه اللي رجّعك من السفر بالمنظر ده؟ وشك شاحب، بالك مش معانا، وكأنك شايف شبح...
ترشف من العصير ببطء، ثم تبتسم ابتسامة صغيرة ماكرة.
جيلان (بهمس):
- ماشي... لو مش هتحكي، أنا هعرف بطريقتي.
تمسك هاتفها وتتصفح قائمة أرقامها، ثم تتوقف عند اسم "عماد" - صديق نادر القديم والمقرّب من كل رحلاته.
جيلان (بصوت ناعم مصطنع):
- ألو يا عماد... إزيك يا حبيبي؟... آه، سمعت إنك كنت على تواصل مع نادر وهو في أستراليا... كان مبسوط؟ عامل إيه هناك؟
تستمع لجوابه لكن عماد لا يعطيها شيئًا مهمًا، فتزداد ابتسامتها مكرًا.
جيلان (بعد أن تغلق الخط، وهي تفكر بصوت منخفض):
- واضح إن الموضوع كبير، وكبير أوي كمان... وأنا هعرفه، حتى لو اضطريت أفتش وراه بنفسي.
تنهض بخطوات هادئة متجهة نحو الدرج، وعيناها تتلألآن بالتصميم.
في لندن - فيلا أحمد وفيروز - صالون فاخر في المساء.
فيروز جالسة على الكنبة، ساقاها ممدودتان على الطاولة الصغيرة، تمسك مجلة مشاهير وتقلّب الصفحات ببطء بينما تلتهم قطعة كبيرة من كعكة الشوكولا. شعرها مصفف بعناية، ترتدي بيجامة حريرية فاخرة، وتضع أحمر شفاه لامع رغم أنها في البيت.
فيروز (تتمتم وهي تتصفح):
- أوووه... كارلا اتجوزت للمرة الرابعة؟ يا حظها! والمسكينة دي... لبست نفس الفستان مرتين؟ كارثة!
تضحك ضحكة صغيرة وهي تأخذ لقمة أخرى من الكعكة.
يدخل أحمد من الباب، يرتدي بدلته بعد يوم عمل طويل، يقف عند المدخل ويضع يديه على خصره متأملًا المنظر أمامه.
أحمد (ساخرًا):
- سبحان الله... ثلاث وثلاثين سنة وأنا بدخل البيت وأشوف نفس المشهد... نفس البيجامة الحرير، نفس المجلة، نفس الكعكة... حتى طريقة مسك الملعقة ما تغيّرت.
فيروز (ترفع رأسها ببرود وتبتسم ابتسامة جانبية):
- على الأقل أنا ثابتة على مبدأ... مش زيك، كل شوية رايح جاي على الشغل زي التور في الساقية.
أحمد (يقترب منها ويجلس على طرف الطاولة):
- مبدأ إيه يا هانم؟ مبدأ إنك تعيشي طول حياتك كأنك في عمر الـ25؟
فيروز (تضع المجلة جانبًا وتتنهد بتفاخر):
- هو في عمر أحلى من 25؟ بعدين... أنا لو ما اهتمتش بنفسي، مين هيهتم بولادي؟
أحمد (ضاحكًا):
- يا ستي ولادك بقى طولهم أطول مني... ومش ناقص غير إنهم يطلبوا منك إذن خروج.
فيروز (ترميه بنظرة متعالية لكن دافئة):
- مهما كبروا، أولادي خط أحمر... واللي يقرب منهم، أنا أقطع إيده قبل ما توصلهم.
يبتسم أحمد، يهز رأسه وكأنه يعرف أن وراء كل هذا الغرور قلب أم شرسة.
في فيلا أحمد بمصر، غرفة حلا - ليل.
الإضاءة دافئة، فيلم رومانسي شغال في الخلفية، وعلب شوكولاتة مفتوحة قدام البنات. حلا على السجادة ببيجاما حرير شيك (ستايل فيروز بس بروح بريئة)، شعرها مرفوع بطريقة عفوية. غزل وضحى جنبها وسط وسايد ملّونة.
حلا (بمزاح وهي تقضم قطعة شوكولاتة):
- يا سلام على اللمة... فيلم وشوكولاتة ومعايا سِلفاتي الجدعان!
غزل (تضحك بخجل):
- وإحنا كمان مبسوطين يا حلا.
ضحى (تضم وسادة لقلبها):
- أول مرة من زمان أحس إني قاعدة مع أخوات.
حلا (تلمع عينيها وتتكئ للأمام بخبث لطيف):
- طيب سؤال بريء... بما إني أخت العرايس—قصدي أخت الأزواج—الأستاذ ريان معاك يا غزل عامل إيه؟ والمهرّج بتاعنا زياد معاك يا ضحى؟ ها؟
تتبادل غزل وضحى نظرة مرتبكة، ثم تنظران للأرض بخجل.
غزل (تخفض صوتها):
- ريان... محترم قوي. يوم ما أبويه جه و... اتكلم بسوء، ريان وقف قدامه زي جبل. أنا... ممتنة.
حلا (تبتسم بفخر):
- ده أخويااا! كنتُ أقول لك من زمان إنه قلبه طيب بس دماغه صلبة.
ضحى (تتحسس حافة الكوب بخجل):
- وزياد... بيهزر كتير، بس... لما بيلاحظ إني متوترة، بيهدّي الدنيا بكلمتين. بحس معاه بأمان... حتى لو جوازنا "على الورق".
حلا (تغمز):
- "على الورق" بس؟ طب ماشي... أنا هفتح نشرة الرومانسية الخاصة بالعيلة: "نظرات، ابتسامات، وأمان!"
غزل (تضحك وتغطي وجهها):
- بلاش يا حلااا... لو سمعنا ريان هيموت خجل.
ضحى (تضحك هي كمان):
- وزياد هيقلبها هزار طول الأسبوع!
حلا (ترفع قطعة شوكولاتة كأنها نخب):
- اتفقنا... السر بيننا. بس اسمعوا: أنا أختهم قبل ما أكون صاحبتكم، ووقت اللزوم أبقى محامية عنكم ضد أي حد—even ضدهم!
تلمع عيون غزل وضحى بالامتنان. يعودن لمتابعة الفيلم، والضحكات الخافتة تتداخل مع صوت الموسيقى، والشوكولاتة تقلّ قطعة بعد قطعة.
الفيلم شغال لكن تركيز البنات كله على الضحك والمكايدات.
غزل (تبتسم بمكر وهي تمضغ شوكولاتة):
- طيب يا حلا... إحنا حكينا، دورك بقى. مفيش كده... حد في حياتك؟ ولا لسه القلوب عند بعضها؟
حلا (تفغر فمها بدهشة وتضحك بعصبية):
- إيه السؤال ده فجأة؟!
ضحى (تنضم للمؤامرة):
- أهو نفس اللي عملتيه معانا... يا عروسة المستقبل، اعترفي.
حلا (تحاول تركز في الفيلم وتشيح بنظرها):
- لااا... مفيش... أنا... يعني...
غزل ترفع حاجبها، وضحى تضحك وهي تلتفت لغزل.
غزل (بحسم مرح):
- أهو وشك اللي قال، مش لسانك!
ضحى (تصفق بيدها بخفة):
- يلا يا بنات، مين هو؟ إحنا إخواتك، مفيش أسرار.
حلا (تشد الوسادة على وجهها وتتكلم من ورائها):
- ... أدهم.
غزل (تصرخ بدهشة سعيدة):
- إيهييي! المخرج الكبير؟!
ضحى (تتسع عينيها):
- مديرك وشريكك في المسلسل؟!
حلا (تنزل الوسادة وهي حمراء الوجه):
- أيوه... بس خلاص، ولا كلمة! هو... اعترف لي من كام يوم وأنا... لسه مش مستوعبة.
غزل (تغمز):
- يا سلام... وبتسألي عن ريان وزياد! ده إحنا اللي كان لازم نسألك الأول.
ضحى (تضحك):
- يعني الفيلم ده رومانسي، بس واضح إن حياتك هي الأجمل.
حلا تضحك بخجل وتحاول الهروب من الموضوع، لكن الاختين مستمرتان في المكايدة حتى نهاية الفيلم.
في فيلا عائلة أدهم - غرفة أدهم بعد العشاء.
أدهم يجلس على أريكته المريحة، رابضًا للخلف وهو يمسك هاتفه ويتصل بتميم. وجهه فيه مزيج من السخرية والارتياح.
تميم (يرد ضاحك):
- ألو... إيه يا نجم، صوتك كده كأنك كسبت بطولة العالم في الشطرنج!
أدهم (يضحك بخفة):
- بطولة العالم إيه بس... دي بطولة النجاة من همّ اسمه لوسيندا.
تميم (ساخرًا):
- ياااه... أخيرًا؟ كنت فاكرها هتفضل معلقة في رقبتك طول العمر.
أدهم (بابتسامة مرتاحة):
- الحمد لله... النهاردة عادل وابنه كريم جم يطلبوا إيدها، وأبوها وافق. يعني... اللعبة انتهت.
تميم (بمزاح):
- انتهت؟ لأ... دي لوسيندا، ممكن تتصل بيك ليلة الفرح وتقولك "الحقني، أنا هربت"!
أدهم (يضحك):
- لو عملتها، هحجز لها تذكرة باتجاه واحد لأبعد جزيرة في المحيط.
تميم (بنبرة مرحة):
- المهم، شكلك مبسوط... أول مرة أسمع صوتك كده من شهور.
أدهم (بشيء من الجدية والهدوء):
- أيوه، ارتحت... حسيت إن الحمل اللي على كتفي نزل. في حاجات أهم بكتير دلوقتي محتاجة تركيزي.
تميم (بفضول):
- حاجات... ولا أشخاص؟
أدهم (بابتسامة صغيرة لا يراها تميم):
- ... الاتنين.
تميم (يضحك):
- خلاص فهمت، مش هسأل أكتر. بس لو كان الموضوع ليه علاقة باللي في بالي... يبقى أنا معاك للنهاية.
أدهم يبتسم بهدوء، ويميل برأسه على ظهر الأريكة، يشعر براحة حقيقية لأول مرة منذ فترة.
رواية بين سطور العشق الفصل الثاني عشر 12 - بقلم سيليا البحيري
فصل 12
في لندن - غرفة معيشة فخمة في فيلا أحمد وفيروز.
تجلس فيروز على الأريكة بجلستها المتعجرفة المعتادة، تمسك فنجان قهوة، وأحمد يجلس مقابلها يتصفح الجريدة. الشاشة الكبيرة أمامهما تعرض مكالمة فيديو مع أولادهم الأربعة.
فيروز (بابتسامة قلقة):
يا أولادي، إنتو بخير هناك؟ أنا قلبي مش مطمن عليكم خالص.
حلا (بحماس طفولي، عيونها تلمع):
ماما! بابا! عندي خبر يجنن! أنا بشتغل مع المخرج الشهير أدهم الراوي، وهيحول روايتي لمسلسل!
فيروز تتجمد للحظة، ثم تتغير ملامحها للامبالاة مشوبة بانزعاج.
فيروز (برسمية باردة):
إيه الكلام ده يا حلا؟! إنتِ المفروض تبقي مهندسة، مش قاعدة تكتبي قصص!
مهاب (يتدخل وهو يضحك بهدوء):
ماما، خلاص… اتفقنا. حلا تشتغل مع المخرج أدهم بشرط تكمل دراستها في كلية الهندسة.
حلا (بحماس):
وأنا وافقت! هعمل الاتنين مع بعض.
أحمد (بهدوء أبوي):
طيب طول ما بتعرفوا توازنوا، مفيش مشكلة. المهم صحتكم ومستقبلكم.
زياد ينظر لريان بتوتر واضح، ريان يحاول يفتح الموضوع.
ريان (يتلعثم):
هو… في حاجة لازم تعرفوها.
فيروز (تضيق عينيها):
خير؟
زياد (يتنحنح):
إحنا… أنا وريان… اتجوزنا.
فيروز تتجمد لثانيتين، ثم تنهض واقفة، الفنجان في يدها يرتجف.
فيروز (بصوت عالٍ):
إيه؟! من غير ما تقولوا ليا؟! وجوزتوا مين؟!
ريان (يحاول يهدئها):
غزل… أخت ضحى.
فيروز (بغضب):
وضحى دي تبقى مين؟
زياد (بهدوء):
زوجتي.
فيروز تصرخ بخيبة أمل وغضب:
اتجوزتوا من أختين من دون علمي؟!
أحمد (ينزل الجريدة وينظر لهم بصدمة):
هو إحنا بقينا نسمع عن جوازاتكم كده بالصدفة؟! إيه اللي بيحصل؟!
ريان (بإصرار):
ده كان لازم… كان في خطر عليهم.
فيروز (بحدة):
حتى لو في خطر، أنا لازم أكون أول واحدة تعرف.
جو التوتر يملأ الغرفة، وحلا تحاول التخفيف بجملة مرحة لكنها لا تجد الفرصة للكلام وسط الصراخ.
***
أحمد (ينظر لزياد وريان بحدة):
مهاب… إنت ساكت ليه؟ هوية البنات دول إيه؟
مهاب (يتنهد):
بابا… هما أختين. ضحى مرات زياد، وغزل مرات ريان. من عيلة بسيطة جدًا… والدهم راجل قاسي القلب، كان عايز يجوز غزل لراجل كبير في السن مقابل فلوس.
فيروز (تلوح بيدها بغضب):
يا مصيبتي! أختين من عيلة فقيرة… ووالدهم بالشكل ده؟! إنتو فاهمين إنتو جبتوا نفسكم في إيه؟! إزاي تعملوا حاجة بالشكل ده من غير ما ترجعوا ليا؟!
ريان (يحاول يشرح):
ماما، إحنا ما كانش قدامنا حل تاني. كان لازم نحميهم.
فيروز (بتهكم):
تحموهم بالجواز؟! ده أنا مش مصدقة!
أحمد (يقطب حاجبيه، صوته منخفض لكن فيه قلق واضح):
أنا مش هقولكوا غلط أو صح دلوقتي… بس واضح إنكم دخلتوا نفسكم في موقف معقد. أنا خايف عليكم أنتو الاتنين… العيلة دي وراها مشاكل شكلها كبير.
فيروز (وهي تنظر لأحمد باستياء):
مشاكل إيه يا أحمد! دول من أولها كده هيدخلونا في دوامة إحنا في غنى عنها.
زياد (بهدوء، لكن فيه حزم):
ماما… أنا وريان عارفين إحنا بنعمل إيه. إحنا مش هنسيبهم.
فيروز (بحدة):
وإنتو عارفين أنا مش هسيب الموضوع يعدي بالساهل.
يخيم الصمت للحظة، نظرات القلق على وجه أحمد، والغضب على وجه فيروز، بينما الإخوة يحاولون امتصاص الصدمة.
***
فيروز (تتنفس بسرعة من شدة العصبية):
خلاص، ما فيش داعي للكلام أكتر من كده… أنا راجعة مصر.
حلا (مصدومة):
ماما! ليه كل ده؟ إحنا بخير والله.
فيروز (بحدة وهي تشير بيدها):
خير إيه يا حبيبتي؟! أخواتك اتجوزوا من ورايا، من بنات عيلة فقيرة، ووالدهم شكله بلطجي… وإنتِ شغالة مع مخرج شاب مش عاجبني من الأساس! إزاي أكون قاعدة في لندن سايبة كل ده يحصل؟!
أحمد (ينظر لها بجدية):
فيروز، إهدي شوية…
فيروز (تقاطعه):
إهدي إيه؟ أنا مش هعرف أهدى إلا لما أكون جنبهم. أنت راجع معايا مصر، ولا ناوي تفضل قاعد هنا مستني الأخبار من التليفون؟
أحمد (يتنهد):
واضح إن مفيش فايدة من النقاش… حاضر، هنرجع. بس لازم ندخل الموضوع بهدوء.
فيروز (ترفع حاجبها):
هدوء؟! أول ما أوصل، أنا هعرف كل حاجة من أولها لآخرها… ومش هسيب حد يلعب بعقول أولادي.
على الشاشة، الإخوة الأربعة يتبادلون نظرات متوترة، وكل واحد منهم يفكر بطريقته في المواجهة اللي جاية.
***
في منزل ندى، غرفة المعيشة.
إضاءة دافئة، ديكور بسيط لكنه أنيق، أصوات ضحك خفيف تأتي من الداخل.
ندى جالسة على الأريكة بجانب والدها زاهر، بينما والدتها مريم تحضر أكواب الشاي وتراقبهما بابتسامة.
ندى (تتعلق بذراع والدها مازحة):
بابا، أنت أحلى أب في العالم… ما فيش زيك.
زاهر (بمرح):
وأنتِ أجمل بنت في الكون… بس أوعي أمك تسمع، هتزعل.
مريم (تدخل بالشاي وترفع حاجبها بخفة):
أها… أنا قاعدة قدامكم يا جماعة، مش في القطب الشمالي!
ندى (تضحك وتغمز):
غيرة، صح يا ماما؟
مريم (تضع الصينية وتجلس):
طبعًا… غيرة على جوزي من بنته، مش معقول كده.
زاهر (يمثل الجدية):
والله يا مريم، ندى واخدة عقلي… حتى لو بتحاولي تبعديني عنها، خلاص فات الأوان.
ندى (تمسك يد والدتها بحنان):
يلا يا ماما، ما تغاريش… أنا بحبكم أنتم الاثنين أكتر من أي حد في الدنيا.
مريم (تبتسم وتربت على كتفها):
وأحنا كمان يا حبيبتي… ربنا يخليكي لينا.
مريم (تشرب رشفة شاي وتنظر لندى بنظرة متفحصة):
طيب يا آنسة ندى… إحنا إمتى نفرح بيكي بقى؟
ندى (تتسع عيناها قليلًا وتحاول تخفي ارتباكها):
هوووه… إيه الكلام ده يا ماما فجأة؟
زاهر (يمزح):
هو سؤال طبيعي جدًا… البنت الحلوة دي أكيد في طابور شباب واقف على الباب.
ندى (تحاول التهرب وتضحك بخفة):
لا يا بابا، ولا طابور ولا حاجة… كلهم واقفين في طابور العيش مش هنا.
لكن في داخلها، يمر في عقلها وجه شاب عريض الابتسامة، شعره أسود، نظراته واثقة… تميم.
تتذكر لقائهما الأول في مطعم مزدحم حين اصطدم بها بالخطأ، والثاني قبل أيام في مقهى حيث ابتسم لها وكأنه يعرفها منذ زمن.
مريم (تراقب شرودها):
ندى… إيه؟ بتفكري في مين؟
ندى (تفزع قليلًا):
هاه؟ لا لا، ولا حد… بس كنت بفكر إني محتاجة أروح أجيب شوكولاتة من المطبخ.
زاهر (ضاحكًا):
شوكولاتة إيه اللي فجأة جات في دماغك؟! ده شكل في حاجة تانية في الموضوع.
ندى (تحاول الهروب وهي تنهض):
مفيش يا بابا… خلينا ناكل الحلو بدل ما نضيع وقتنا في الكلام ده.
تدخل المطبخ بسرعة، وابتسامة صغيرة ترتسم على وجهها وهي تحاول إنكار ما شعرت به عند تذكر تميم.
***
في كورنيش النيل، ليل هادئ.
الأنوار تنعكس على سطح المياه، وصوت الموج الخفيف يمتزج بأصوات المارة. تميم يجلس على السور، ساقاه تتأرجحان، وبجواره أدهم الذي ينظر إلى النيل بصمت.
أدهم (يلتفت إليه بنظرة ماكرة):
إيه الحكاية يا تميم… طول الطريق ساكت وسارح؟ مين اللي خطفت عقلك بالشكل ده؟
تميم (يرمش سريعًا ويحاول التماسك):
أنا؟ لا يا عم، مفيش… الجو حلو بس، وأنت عارف أنا بعشق المناظر الليلية.
أدهم (بنبرة ساخرة):
آه طبعًا… وخصوصًا لو المنظر ده عبارة عن عيون بنت معينة.
تميم (يضحك ضحكة قصيرة ويحرك يده بلا مبالاة):
إنت شكلك فاضي للدرجة دي علشان تألف قصص، ولا إيه؟
أدهم:
مش قصص… إحساسي بيقول إني أصبت الهدف.
تميم (ينظر له بخبث):
وإحساسي أنا بيقول إني لازم أسألك… هو إحنا هنحضر فرحك إمتى بقى على حلا؟
أدهم يفتح فمه بدهشة، يتجمد لثوانٍ وكأنه تلقى لكمة غير متوقعة.
أدهم (متصنعًا الهدوء):
إنت بتقول إيه؟
تميم (يضحك بانتصار):
أنا بسأل سؤال بريء… ولا أنت بتتلبك كده ليه؟
أدهم (يهز رأسه بابتسامة صغيرة فيها استسلام):
إنت خطير يا تميم… تعرف تقلب الترابيزة في ثانية.
تميم (بمرح):
اتعلمت من أستاذ كبير… مش كنت بتقول إنك أذكى واحد فينا؟
أدهم يشيح بوجهه نحو النيل، يخفي ابتسامة لا إرادية وهو يفكر في حلا، بينما تميم يتظاهر بالانشغال بالمياه، لكنه في الحقيقة يسترجع صورة ندى في عقله.
***
في منزل سيرين، غرفة سيرين، منتصف الليل.
الإنارة خافتة، شاشة اللابتوب تضيء وجهها، وابتسامة انتصار تتسلل لشفتيها.
هاتفها بجانبها مفتوح على تطبيق انستغرام، وحساب جديد تمامًا يحمل اسمًا غامضًا وصورة غير حقيقية.
سيرين (تتمتم وهي تكتب):
"الخطوة الأولى… زرع الفتنة."
تضغط على لوحة المفاتيح بسرعة، تحمل صورة قديمة معدلة لحلا مع شاب مجهول الملامح – صورة مزيفة ركبتها ببرنامج تعديل الصور – وتكتب تحتها تعليقًا مستفزًا.
سيرين (تضحك بصوت منخفض):
ههه… لو شافوا إخواتها الصورة دي، الدم هيفور في عروقهم… خصوصًا مهاب الغيور عليها.
تتنقل بين الحسابات، تتابع بعض معارف العائلة، وتبدأ بإرسال الرسائل الخاصة.
سيرين (تقرأ ما تكتبه بصوت خافت وهي تبتسم):
"شايفة أختك الصغيرة مين بتقابل؟ نصيحة… خلي عينك عليها قبل ما يفوت الأوان."
تضغط "إرسال" وترجع للخلف في كرسيها، عيناها تلمعان بنشوة الشر.
سيرين (تتنهد برضا):
أهه… أول شرارة اشتعلت… ولسه! اللعبة الحقيقية لسه هتبدأ.
تتناول كوب القهوة البارد على مكتبها، وتشرب جرعة وهي تحدق في الشاشة، وكأنها ترى في مخيلتها لحظة انفجار الخلاف بين حلا وإخوتها.
*******************
في فيلا عيلة أدهم بالليل.
الصالون الفخم منور بإضاءة دافية، فارس قاعد على كرسيه الجلدي، نادية بترشف قهوتها بهدوء، مازن ماسك موبايله، وشريف بيتكلم مع فارس عن الشغل.
لوسيندا قاعدة على الكنبة اللي قدامهم، بتمسح على ضوافرها المتلمعة، وكل شوية تبص لأدهم بنظرة "مائعة" وهو داخل من الباب الرئيسي.
أدهم (يقعد بثبات، ويبص عليهم كلهم):
ممكن آخد من وقتكم دقيقة… عندي موضوع مهم لازم تعرفوه.
الكل بيرفع راسه، حتى مازن يحط الموبايل جنبه ويميل يسمع.
فارس (ينزل الجرنال):
خير يا ابني… شكلك جاد.
أدهم (يبص عليهم واحد واحد):
أنا… قررت أتقدّم لواحدة.
إيد لوسيندا تقع على الترابيزة الصغيرة قدامها، عينيها توسع من الصدمة، ونادية تبصله بدهشة.
نادية:
واحدة؟! مين دي؟! إحنا نعرفها؟!
أدهم (يهز راسه بهدوء):
لأ… ما تعرفوهاش. بس أنا متأكد إنها الأنسب ليا.
مازن يبتسم بمكر، يلمح ارتباك لوسيندا ويقول بنبرة هزار خفيفة:
واضح إن أخونا الكبير مخبّي علينا كتير.
شريف (مستغرب):
وليه ما نعرفهاش؟! المفروض العيلة أول ناس تعرف.
أدهم:
هتعرفوها قريب… أول خطوة إني أقولكم إني جاد.
لوسيندا تبلع ريقها بالعافية، عينيها رايحة جاية بين أدهم وأبوها، قلبها تقيل جواها، تقوم مرة واحدة وهي بتحاول تمسك نفسها.
لوسيندا (بابتسامة متصنعة):
عن إذنكم… حاسة إني تعبانة شوية… هطلع أوضتي.
تمشي بسرعة قبل ما حد يلاحظ دموعها اللي بتلمع، بس مازن يلمح حزنها ويبتسم بشماتة.
فارس (يبص لأدهم):
طيب، لما تكون جاهز، إحنا معاك… بس لازم نعرف كل حاجة عن البنت دي.
أدهم (بثقة):
أكيد يا بابا… قريب جدًا.
لوسيندا طالعة السلم، إيدها ماسكة الدرابزين كإنها بتكتم دموعها، لحد ما تختفي في الممر فوق.
لوسيندا تدفع باب غرفتها بعنف، ترمي حقيبتها على السرير وتجلس على الأرض مستندة إلى السرير. دموعها تتساقط بصمت أولًا، ثم تتحول لبكاء مكتوم، تختنق أنفاسها من شدته. تضع رأسها بين يديها، كل ما يتردد في عقلها صورة أدهم وهو يقول: "قررت أتقدم لفتاة".
بعد عدة دقائق، تهدأ قليلًا، تمسح دموعها بكفها وتتنفس بعمق، تحاول استعادة كبريائها المعتاد. تتجه نحو المنضدة الصغيرة، تمسك هاتفها وتتردد… ثم تضغط على اسم "كريم".
كريم (من الطرف الآخر، صوته دافئ ومتحمس):
لوسيندا! دي معجزة! أنتِ بتتصلّي بيّ من نفسك؟! الدنيا حلوة النهاردة.
لوسيندا (تحاول التحكم بنبرتها، لكن صوتها مبحوح):
كريم… أنا… كنت محتاجة أسمع صوتك.
يصمت كريم لحظة، يلتقط نبرة الحزن.
كريم:
في إيه يا لوسيندا؟! صوتك مش طبيعي… إنتِ بتعيطي؟!
لوسيندا (تتنهد):
يمكن… مش عايزة أتكلم عن السبب. بس… حاسة إني وحيدة قوي.
كريم (يحاول إدخال المرح):
وحيدة؟! ده أنا مستعد أركب أسرع طيارة وأجيلك… حتى لو كان لازم أجيب معايا صندوق شوكولاتة وحزمة مناديل.
ابتسامة صغيرة ترتسم على وجهها رغم دموعها.
لوسيندا:
أنت غريب…
كريم:
غريب ولا لطيف؟! خلي بالك… أنا أكتر واحد يعرف يضحكك لما تكوني زعلانة. تفتكري أيام المدرسة؟! كنتِ بتزعلي مني، وبعد خمس دقايق كنتِ تضحكي غصب عنك.
لوسيندا (بصوت منخفض):
أنا ما كنتش بضحك… كنت بس… مش عارفة أعمل إيه معاك.
كريم (بنبرة مزاح):
يعني كنتِ بتحبيني من ورايا؟! عرفت!
لوسيندا (تتنهد وتغلق عينيها):
كريم… أنا فعلًا مش في مزاج أتحمل هزارك دلوقتي.
كريم (بنبرة أهدأ، أكثر جدية):
طيب خلاص، مش هزار… اسمعيني، أيًا كان اللي مزعلك، أنتِ قوية أكتر من أي حد. وإنتِ مش لوحدك… طالما أنا موجود.
تسكت لوسيندا للحظة، تشعر بارتباك من صدقه، لكنها لا تكشف السبب الحقيقي لحزنها.
لوسيندا:
أنا… بشكرك. يمكن ما أقدرش أقولك كل حاجة دلوقتي… بس أنت كنت الشخص الوحيد اللي خطر في بالي أكلمه.
كريم (بهدوء وحنان):
وده أكبر شرف ليا.
يصمتان قليلًا، ثم كريم يعود للمرح حتى يغير الجو:
كريم:
طيب، إيه رأيك بكرة آخدك مشوار ونكسر الروتين؟! نروح نتعشى في أي مكان بتحبيه… أو حتى أطبخ لك بنفسي.
لوسيندا (تضحك بخفة رغم دموعها):
أنت تطبخ؟! كارثة.
كريم (يمثل الإهانة):
إيه الكلام ده! أنا شيف عالمي بس ما حدش مقدر مواهبي.
ينتهي الاتصال بعد أن أصبح صوتها أكثر هدوءًا، لكنها ما زالت تحمل في قلبها ثقل اسم "أدهم". تضع الهاتف جانبًا، وتستلقي على السرير، تحدق في السقف بعينين دامعتين، بين صراع قلبها وكبريائها.
*******************
في فيلا النجار
الجو هادئ نسبيًا، التلفاز في الصالة يعمل على قناة إخبارية بينما مهاب يجلس على الأريكة يتصفح هاتفه بسرعة. وجهه متجهم من بداية اليوم بسبب ضغط العمل، لكن ما إن لمح الإشعار حتى توقف إصبعه فجأة، وعيناه تتسعان.
على شاشة هاتفه: صورة غير لائقة لحلا مع رجل، أُرسلت من حساب مجهول. الصورة التُقطت بزاوية توحي بسوء النية، وكتب المرسل تعليقًا مستفزًا.
مهاب (يتمتم بين أسنانه):
إيه القرف ده؟!
وجهه يتبدل فجأة، الدم يغلي في عروقه، أصابعه تنقبض على الهاتف بقوة حتى يكاد يحطمه. ينهض من مكانه فجأة كالإعصار، يخلع ساعة يده ويرميها على الطاولة، خطواته ثقيلة وسريعة، وصوته بدأ يعلو دون أن يشعر.
مهاب (بصوت مرتفع وهو يمشي في الممر):
هي فاكرة نفسها بتعمل إيه؟!
زياد، الذي كان يمر في الممر، يلحظ انفعاله.
زياد (مستغرب):
إيه يا مهاب؟! إيه اللي حصل؟!
مهاب (بعصبية، ودون النظر إليه):
بعدها هتعرف.
ريان يخرج من غرفته، يراقب مهاب وهو يتجه بعزم نحو جناح حلا، نبرة صوته تزداد حدة كأنه يتحدث مع نفسه:
مهاب:
أنا اللي مربّيها؟! ولا إيه الحكاية؟!
يصل إلى باب غرفة حلا، يرفع يده بعنف ليفتح الباب، لكن يتوقف لثانية واحدة، يتنفس بحدة، ثم يفتح الباب فجأة بقوة.
حلا كانت جالسة على الأرض، ترتب أوراق روايتها بجانب اللابتوب، ترتدي بيجاما مريحة وشعرها مرفوع بطريقة عشوائية، عيناها تتسعان وهي ترى مهاب يقف على الباب، ملامحه مشدودة، عينيه مشتعلة بالغضب، كتفيه مشدودتان وكأنه على وشك الانفجار.
حلا (بصوت مرتعب):
مهاب… في إيه؟!
لا يرد، يظل واقفًا يحدق بها بصمت، أنفاسه سريعة، يده ما زالت تمسك بالهاتف بقوة حتى بياض مفاصله ظهر. الجو في الغرفة أصبح ثقيلًا، والهدوء القاتل يوحي بأن العاصفة لم تبدأ بعد.
الكاميرا (تخيليًا) تتوقف على وجه حلا المصدوم ووجه مهاب المشتعل بالغضب.
رواية بين سطور العشق الفصل الثالث عشر 13 - بقلم سيليا البحيري
فصل 13
فيلا أحمد - أوضة حلا
الأوضة ضلمة إلا من لمبة صغيرة بتنور نور خافت. حلا قاعدة على سريرها، ماسكة كشكول وبتكتب ملاحظات، ابتسامة خجولة على وشها ولسه متأثرة بكلام أدهم. فجأة الباب يتفتح بعنف زي العاصفة. مهاب داخل وشه محمر من الغضب، نفسه تقيل، عروقه باينة، عينيه مولعة زي البرق. حلا تقوم واقفة مفزوعة.
حلا (مرتبكة بخوف):
مهاب!.. إيه ده؟! داخل كده ليه؟!
من غير ما ينطق، يقرب منها زي الإعصار، يرفع إيده ويخبطها بالقلم على وشها جامد. حلا تقع على الأرض جنب السرير. صوت ارتطامها يتسمع، عينيها تتسع من الصدمة والدموع.
حلا (مذعورة، ماسكة خدها):
آآآه!.. بتضربني ليه؟!!
مهاب يطلع الموبايل بسرعة، يحدفه قدامها بعنف. الشاشة عليها صورة مزيفة ليها مع راجل. حلا تبص فيها مذهولة، دموعها تنزل غصب عنها.
مهاب (صوته زي الرعد، غاضب ومكسور):
ده إيه؟! ها يا حلا؟!! ردييي!!!
حلا (بتشهق وتهز راسها بعنف):
لأ… لأ.. والله مش أنا!.. مهاب صدقني! دي مش حقيقة!.. مستحيل أعمل كده!
مهاب (بيصرخ، يمسكها من كتافها ويهزها جامد):
كفاية كدب! أنا شايف بعيني وتقولي مش حقيقي؟!! كسرتي ضهري يا حلا.. خذلتيني!!
حلا (بتصرخ وهي بتعيط):
لأاا!.. والله بريئة!.. مهاب صدقني!!
(مهاب، غضبه مولع، يرفع إيده ويبدأ يضربها تاني، وهي بتحاول تداري نفسها بإيديها وبتصرخ بخوف. فجأة يدخل زياد وريان على صوت الصريخ. يوقفوا مكانهم مصدومين من المنظر، ويجروا ناحيته.)
زياد (يمسك إيد مهاب):
مهاب!! وقف!! إنت بتعمل إيه يا مجنون؟!!
ريان (يدفعه لورا ويحاول يحرر حلا):
إنت اتجننت؟!! ليه بتضربها كده؟!
(حلا بتعيط بشدة وبتشهق، بتحتمي ورا زياد. مهاب واقف بيكح نفسه من كتر الغضب. يرفع الموبايل بعصبية قدام إخواته.)
مهاب (بيزعق وهو بيرفع الموبايل):
بصوا!! بصوا أختكم بتعمل إيه من ورانا!!!
(زياد يخطف الموبايل بعصبية، يبص على الصورة، عينيه توسع ويتجمد مكانه. يدي الموبايل لريان. ريان يبص بدوره، الصدمة مالية وشه، يبص في الأرض عاجز.)
ريان (بهمس مصدوم):
مستحيل… حلا…
حلا (بتبكي بحرقة وتتوسل):
ريان.. زياد.. صدقوني.. دي مش أنا.. والله مش أنا.. ماعرفش دي جات منين!!
(سكات تقيل يسيطر على الأوضة، الجو مشحون والهدوء يقطع زي السكينة. حلا مرمية على الأرض، بتعيط بحرقة. مهاب بيتنفس بصعوبة، يمسح وشه بإيده وكأنه بيحارب نفسه.)
مهاب (بحزم وصوته متكسر بالغضب):
زياد.. ريان.. اطلعوا برا.
زياد يتردد، يبص لحلا وهي بتعيط، وبعدين يبص لمهاب. ريان يشد إيده ويطلعه برة. الباب يتقفل وراهم، يسيبوا صوت بكا حلا المكبوت مالي المكان. مهاب يفضل واقف متجمد لحظة، يشيح بوشه بعيد عن أخته المكسورة قدامه، وبعدها يخرج من الأوضة بعاصفة غضب مولعة جواه.
حلا (بهمس):
ليه محدش صدقني… ليه…
*********************
التلات إخوات - مهاب، زياد، ريان - قاعدين في الصالون. الصمت مالي المكان، مفيش غير صوت أنفاسهم المتقطعة. مهاب ماسك الموبايل بعصبية، كل شوية يخبط إيده على الترابيزة. زياد متوتر وبيعض شفايفه. ريان مدي ضهره ومش قادر يستوعب اللي حصل. فجأة موبايل مهاب يرن بإشعار جديد. يبص على الشاشة… وشه يتحول لجمرة نار. يفتح الرسالة، يلاقي صورة تانية مفبركة… أبشع من الأولانية.
مهاب (بيصرخ زي الرعد):
ياااااااااا نهار أزرق!!! أقسم بالله ما هسيبها عايشة بعد اللي شفته!!
يقوم مرة واحدة، يفتح درج جانبي في الصالون ويطلع مسدس، يلوح بيه بجنون. زياد وريان يقفزوا من مكانهم مفزوعين.
زياد (مرعوب):
إنت اتجننت؟! رايح فين بالطبنجة يا مهاب؟!!
ريان (بيصرخ وهو بيحاول يمنعه):
اقف! ما تتهورش! إنت مش بتفكر خالص!!
مهاب (مصر يطلع على السلم، صوته مخنوق بالغضب):
مفيش كلام خلاص! اللي عملته ما يتسامحش! أختي ولا مش أختي… دمها لازم ينزل!!
زياد يمسك دراعه يحاول يوقفه، لكن مهاب يزقه جامد فيقع على الكنبة. ريان يقف قدامه يمنعه يطلع السلم، مهاب يوجه المسدس ناحيته وإيده بترتعش.
ريان (رافع إيديه بخوف وحزن):
مهاااب!! ده جنان! دي أختنا!!
مهاب (عينيه محمرة وصوته بيتكسر):
أختنا؟! أختنا اللي جابت العار علينا كلنا؟!! ما تقولش عليها أختنا تاني!!
زياد يقوم بسرعة ويقف جنب ريان، يحاولوا يوقفوه، لكن مهاب يزقهم بعنف ويجري يكمل طلعته على السلم. فجأة باب الصالون يتفتح، تدخل ضحى وغزل شايلين شنط السوق. يتجمدوا من المنظر: مهاب ماسك مسدس ووشه مولع غضب، وزياد وريان بيجروا وراه.
ضحى (مرعوبة، الشنط تقع من إيديها):
يا ساتر!! إيه اللي بيحصل ده؟!
غزل (بتقرب بخوف):
يا ربي… ليه مهاب ماسك سلاح؟!
زياد يصرخ وهو بيجري ورا مهاب اللي بدأ يطلع السلم بسرعة.
زياد:
مهاب هيقتل حلااا!!!
ضحى تتصدم، تحط إيدها على بوقها مش مصدقة، غزل الدموع تتحجر في عينيها. ريان يلف بسرعة عليهم وصوته بيرتعش.
ريان:
الحقونااا! ما تسيبهوش يوصللها!!
الأربعة - زياد، ريان، ضحى، غزل - يجروا وراه، وهو طالع السلم زي العاصفة، خطواته تقيلة كأنها طبول حرب. الكل بيصرخ باسمه يحاولوا يوقفوه. الأصوات مالية المكان: صريخ، بكا، وقع أقدام متسارع.
ضحى (وهي بتجري ورا جوزها زياد وبتعيط):
يا رب استرها معانا… أنا واثقة إن حلا بريئة!
غزل (بصوت بيرتعش، ماسكة إيد ريان):
لازم نلحقه قبل ما يعمل مصيبة ما تتصلحش طول العمر!
كلهم طالعين بسرعة، وصوت صرخاتهم "مهاااااب وقف!"، "إنت مش عاااقل!"، "اسمعنااا!"، يملأ الفيلا. مهاب متقدم بخطوات سريعة، ماسك المسدس بإصرار، وشه مولع بالجنون، دموع الغضب مالية عينيه.
المشهد يقفل عند وصول مهاب قدام أوضة حلا، يرفع إيده اللي ماسكة المسدس، واللي وراه زياد وريان وضحى وغزل يصرخوا بكل قوتهم:
زياد + ريان (سوا):
مهاااااااب!!! لااااااااااا!!
**********************
مهاب واقف قدام باب أوضة حلا، إيده ماسكة المسدس وأنفاسه متقطعة زي وحش هائج. زياد وريان وضحى وغزل بيجروا وراه، يمسكوا فيه بقوة قبل ما يقتحم الباب. خناقة جسدية عنيفة: المسدس على وشك يقع، الصريخ مالي المكان.
ريان (بيشد دراع مهاب وبيصرخ):
إنت هتقتل أختك!! فوق لنفسك يا مهاب ولا لأ؟!!
زياد (بيرميه بقوة على الحيطة):
اهدَى يا مجنووون!! هو ده اللي عايزه؟ جريمة في دمك؟!
مهاب بيصرخ بجنون، بيحاول يفلت منهم، عروقه بارزة ووشه أحمر.
مهاب:
والله ما عايز غير أشوف دمها مغرق الأرض!! لو ما كنتوش وقفتوني… كنت خلصت شرفنا من وساختها!
ضحى بتعيط وهي ماسكة دراع زياد تستنجد بيه، غزل بترتعش وهي بتحاول تهدي ريان.
ضحى (بتبكي):
حلا مالهاش ذنب! يمكن الصور مفبركة! اسمعني يا مهاب!!
غزل (بصوت مخنوق):
حتى لو غلطت… مش كده الغلط يتصلح! يا رب تفهم بس!
زياد يخطف المسدس منه بعنف ويرميه بعيد. مهاب يزأر بغضب، يركل الباب برجله يتفتح بعنف. جوه الأوضة: حلا قاعدة مرعوبة على السرير، عينيها محمرة من العياط. متكورة في الركن زي عصفور مكسور. تبص على إخواتها مرعوبة.
حلا (بصوت بيرتعش):
مهاب… بالله صدقني… أنا ما عملتش حاجة… والله الصور مش أنا!
مهاب مش سامع حاجة، بيرفع صباعه ناحيتها كأنه خنجر.
مهاب (غاضب):
اخرسي!! من النهارده… ما تطلعيش من الأوضة دي! اعتبري نفسك محبوسة زي الكلبة!
الجميع يتجمدوا من الصدمة. زياد يحاول يتكلم، لكن مهاب يصرخ مقاطعهم.
مهاب:
زياد! ريان! اسمعوني كويس… من النهارده ما فيش أكل يوصلها، ولا نقطة مي! فاهمين؟ سيبوها تنشف من الجوع والعطش لحد ما تعترف بوساختها!
ضحى تحط إيدها على بوقها مش مصدقة، غزل تهمس بفزع.
غزل:
يا ربي… إنت بتقول إيه؟! دي أختك… مش عدوة!
زياد (بينفجر فيه):
إنت اتجننت خلاص؟!! عايز تموتها بالبطئ؟!!
مهاب يقرب من حلا، يخطف منها الموبايل واللابتوب، يكسر اللابتوب قدامها ويرمي الموبايل في الأرض. حلا تصرخ بفزع.
حلا (بتصرخ وبتعيط):
لاااا! مهاب لااا! صدقنييي!
مهاب يبص لها بعين مولعة نار، بعدين يلف ناحية إخواته وزوجاتهم.
مهاب (ببرود قاتل):
ده قراري… ما حدش يقرب منها… ولا كلمة. واللي يعترض… يبقى خصمي.
يخبط الباب بعنف ويمشي زي العاصفة. يسيب وراه صمت مرعب. حلا تنهار في عياط هستيري، وزياد وريان وضحى وغزل واقفين مشلولين، عينيهم كلها دموع.
ريان (بهمس مكسور):
يا رب… إيه اللي بيحصل لعيلتنا؟
المشهد يقفل على وش حلا المبلول بالدموع، عينيها بتلمع بخوف رهيب… سجينة مستنية المجهول.
*********************
في - بيت سيرين - أوضة الصالون
سيرين مرمية على الكنبة، الموبايل في إيدها، ابتسامة ماكرة على وشها. عنيها بتلمع زي الديب اللي اصطاد فريسته. بتاكل حتة شوكولاتة بدلع وتضحك بخفوت. أبوها وأمها، نهلة وفوزي، قاعدين على الترابيزة بيشربوا شاي. أخوها ماهر قاعد بيراقبها بشك، دراعاته متشابكة.
فوزي (بتنهيدة تقيلة):
يا نهلة… شفتي البت دي؟! بتضحك من قلبها كإنها كسبت الدنيا كلها. والله من يوم ما وعَت… عمرها ما ضحكت كده غير وهي عاملة مصيبة!
نهلة (تحط الكوباية جنبها، تبص لسيرين بقلق):
صح… أنا أمها وبعرفها. الضحكة دي وراها بلاوي. يا ربي… عاملة إيه تاني المرة دي؟
ماهر يقوم يقرب بخطوات تقيلة، ينحني عليها شوية ويبص لها بتركيز.
ماهر (بصوت ساخر):
يلا قوليلنا يا أختي… إيه المسخرة الجديدة؟ ولا هتفضلي تمثلي دور البريئة؟
سيرين تتفاجئ، تحط الموبايل بسرعة جنبها وتعدل قعدتها، تحاول تبان هادية.
سيرين (بنعومة متصنعة):
مسخرة إيه يا ماهر؟! إنت طول عمرك شايفني مجرمة!
يا عيني... ضحكت شوية عملتوها قضية؟
نهلة (بحزم وقلق):
سيرين... إحنا مش غرب عنك. إيه اللي مفرحك أوي؟ قولي الصراحة.
سيرين تبتسم بخبث خفيف، تلعب في شعرها تخفي توترها.
سيرين (ببرود):
ولا حاجة يا ماما... شوية فيديوهات مضحكة على إنستجرام. إنتو مكبرين الموضوع!
ماهر يضحك بسخرية ويخبط إيده على الترابيزة.
ماهر:
إنستجرام؟! بجد؟! إنتي بتضحكي كإنك كسبتي مليون جنيه... وتقوليلنا فيديو مضحك؟! أنا حافظك... إنتي ما بتهديش غير لما تشوفي حد بيتبهدل من وراكي.
نهلة تتنهد وتحط إيدها على راسها، فوزي يهز راسه بحسرة.
فوزي (بمرارة):
يا بنتي... لو بتستغلي عقلك في حاجة تنفع... كان زمانك رفعتي راسنا. بس إنتي... مصايبك ما بتخلصش.
سيرين تحط إيديها على صدرها بتصنع براءة، تبتسم ابتسامة خفيفة بسخرية.
سيرين:
يا سلام... يعني دلوقتي أنا شيطانة! يعني ممنوع أضحك؟! طيب ماشي... من النهارده هعيش نكد عشان ترتاحوا!
تقوم متصنعة الزعل وتروح أوضتها بخطوات متمايلة، وماهر يضيق عينه ويبصلها.
ماهر (يهمس وهو بيراقبها):
والله الضحكة دي وراها مصيبة سودا... وهتنكشف... وهييجي اليوم اللي تدفعي فيه تمن كل اللي بتعمليه.
سيرين وهي داخلة أوضتها، تقفل الباب، وتظهر ابتسامتها الشيطانية تاني وهي ماسكة الموبايل وتهمس لنفسها:
سيرين (بهمس خبيث):
آه يا حلا... خلي إخواتك يكرهوكي... وخلي حياتك تنقلب جحيم... وأنا بس أتفرج!
*********************
في لندن - فيلا أحمد وفيروز.
أوضة المعيشة الفخمة، الجو مشحون. فيروز واقفة عند الشباك، متوترة، دراعتها متشابكة، وشها شاحب من الغضب والحزن. أحمد قاعد على الكرسي الكبير، بيمرر إيده في شعره بتوتر. على الترابيزة الموبايل اللي جالهم عليه خبر زياد وريان.
فيروز (بصوت مرتعش وغاضب):
ما كانش ناقصني غير الخبر ده يا أحمد! زياد؟! ريان؟! يتجوزوا من ورايا... من غير ما حتى يبصولي في وشي؟!
أحمد (يحاول يهديها):
فيروز... اهدي شوية. هم عيال... يمكن خافوا من رد فعلك... يمكن...
فيروز (بتقاطعه بانفجار):
خافوا؟! آه طبعًا... خافوا مني! أنا أمهم يا أحمد... أمهم! مش واحدة غريبة عنهم! طول عمري مربياهم على إني خط أحمر... إني بسندهم وبحميهم. والنهارده؟! يروحوا يتجوزوا من ورايا؟!
تلف وشها له، عنيها بتلمع بالدموع رغم كبرياءها.
فيروز (بمرارة):
اتجوزوا بنات من عيلة غلابة... بنات ما نعرفش عنهم حاجة! إنت متخيل يا أحمد؟!
أحمد (بياخد نفس تقيل):
أنا مش ضدهم يا فيروز، بس... اللي مضايقني إنهم ما خدوش رأينا. إحنا مش ناقصنا وجع دماغ. و... (يتوقف لحظة) عندي إحساس... في حاجة مش طبيعية.
فيروز تقرب منه بخطوات سريعة، تمسك إيده بقوة، لأول مرة تبين ضعفها.
فيروز (بصوت مبحوح):
أحمد... قلبي مش مرتاح. عندي إحساس إن مصيبة جاية على بنتي حلا. بقاللي يومين ما بنامش... كإني سامعة صوتها بتناديني.
أحمد (بقلق):
حلا؟! ليه جبتِ سيرتها دلوقتي؟! ما قالتش حاجة لما كلمناها... بالعكس، كانت بتتكلم بحماس عن شغلها مع المخرج أدهم.
فيروز (ترفع إيدها بعصبية):
أدهم ولا غيره! مش فارق معايا! اللي فارق بنتي... حلا! حاسة إنها مش بخير... والله العظيم مش بخير.
لحظة صمت تقيل. أحمد يبصلها بدهشة، عارف إن كبرياءها عمره ما منعها تبقى أم حساسة. فجأة فيروز تقوم بحزم، كأنها خدت قرار.
فيروز (بحزم لا يقبل النقاش):
أحمد، جهز الشنط. أنا راجعة مصر... وبأقرب طيارة. لازم أشوف عيالي بعيني... ولازم أعرف إيه اللي بيحصل معاهم.
أحمد (يقوم ويحط إيده على كتفها):
وأنا معاكي... مش هنسيبهم يواجهوا حاجة لوحدهم.
فيروز تهز راسها بعناد، تهمس كأنها بتتوعد الدنيا كلها:
فيروز:
عيالي خط أحمر... واللي يجرحهم... لازم يدفع التمن.
واقفين جنب بعض، وش فيروز مشدود بالغضب والأمومة، وأحمد بيفكر بهدوء في الخطوة الجاية، بس قلبه مولّع من القلق.
********************
الجو لسه متوتر بعد قرار الرجوع مصر. فجأة يتسمع صوت الجرس. الخادم يدخل يعلن وصول نادر وجيلان. فيروز تتجمد مكانها، الاشمئزاز مالي وشها. أحمد يقوم من مكانه متعجب.
أحمد (مستغرب):
نادر؟! إيه اللي جابهم دلوقتي؟! في الوقت ده؟!
فيروز (بغضب مكبوت):
وآخرها جات... الحيّة!
تدخل جيلان لابسة شيك بشكل مبالغ فيه، وجوزها نادر وراها. جيلان بتبتسم ابتسامة مصطنعة، وفيروز واقفة زي التمثال، عنيها كلها شر. نادر يفتح دراعاته بتحية دافية.
نادر:
أحمد! حبيبي... أخويا الغالي! بقالي كتير ما شفتكوش...
يتقدم يعانق أحمد، وأحمد يرد السلام بس بنص قلب، شايف توتر فيروز الواضح. جيلان ترفع حواجبها بابتسامة مصطنعة.
جيلان:
فيروز! حبيبتي... وحشاني!
فيروز (ببرود وعلو):
ما تنادينيش حبيبتي... أنا مش صحبتك.
صمت تقيل يخيم. نادر يبص بدهشة، أحمد يرفع حواجبه، وجيلان تتجمد لحظة لكنها تحاول تحتفظ بابتسامتها.
جيلان (بتمثيل مصدوم):
فيروز؟! ليه بتقولي كده؟! إحنا أصحاب عمر...
فيروز (بحدة، على وشك تصرخ):
أصحاب؟! إنتي جرحتيني في أعز ما عندي... في بنتي! عارفة يعني إيه بنتي يا جيلان؟! عارفة يعني إيه تتهميها في شرفها؟!
أحمد يفتح عينيه متفاجئ، يقوم بسرعة من مكانه.
أحمد (مذهول):
إنتي بتقولي إيه يا فيروز؟! تتهم مين؟!
(نادر يبص لمراته مصدوم كأنه أول مرة يسمع.)
نادر:
جيلان! إيه اللي فيروز بتقوله ده؟!
جيلان تحاول تلملم نفسها، تضحك بخبث وتلوّح بإيدها كأنها تقلل من الموضوع.
جيلان:
يا جماعة... ما تكبروش الموضوع. أنا كنت عايزة بس أحمي ابني وائل... كنت خايفة يدخل في علاقة مش مناسبة ليه...
فيروز (مقاطعة، بعاصفة غضب):
كدابة! إنتي ما كنتيش خايفة... إنتي كنتي طماعة! وفاكرة إنك لو شوّهتي سمعة بنتي... هتجبريني أوافق أجوزها لوائل! بس أنا فيروز... بنتي عمري ما هارميها لكلب زيه!
جيلان ترجع خطوة لورا، وشها يحمر من الإهانة. نادر يبصلها بعين مولعة غضب.
نادر (بصوت واطي بس مرعب):
جيلان... إنتي عملتي كده؟! إنتي وصلتي لدرجة إنك تشوهي سمعة بنت بريئة؟!
(جيلان تحاول تدافع، ترفع صوتها بعصبية مفضوحة.)
جيلان:
بريئة؟! آه بريئة عندكم... بس أنا كنت شايفة إنها ما تنفعش! حلا... قاعدة تكتب روايات وتتعمل مع رجالة غرب... ده كله بيجيب فضايح!
فيروز (بصوت قاطع زي الصفعة):
اسكتي! حلا أطهر من شرفك ألف مرة... ومش هاسمحلك تذكري اسمها بلسانك الوسخ.
أحمد يقرب خطوة من جيلان، وشه غاضب بطريقة محدش شافها قبل كده.
أحمد (بحزم):
جيلان... أنا ساكتلك من زمان عشرة. بس النهارده انكشفتِ قدامي. مش عايز أشوفك إنتي ولا نادر في بيتي تاني.
(نادر، رغم طمعه المعروف، يهز راسه بصدمة وخيبة.)
نادر (بمرارة):
عيب عليكي يا جيلان... طول عمري عارفك طماعة... بس ما كنتش متخيل توصلي للحقارة دي.
جيلان تبصله مصدومة من خيانته في لحظة المواجهة، تحاول تمسك نفسها بكبرياء.
جيلان:
نادر... ما تصدقهمش! دي فيروز بتلعب في دماغك...
فيروز (بابتسامة ساخرة):
ألعب؟! أنا؟! لو ما كنتيش حقودة وغيورة وطماعة... ما كنتيش فكرتي تفتحي بقك على بنتي.
(جيلان تنفجر أخيرًا، تصرخ بانفعال مكتوم من زمان.)
جيلان:
آه! غيرانة منها! غيرانة منكم كلكم! إنتو عايشين في القصور... وأنا طول عمري نفسي ابني يبقى في إيده ثروة زيكم... إيه يعني؟!
لحظة صمت تقيل... الكل مصدوم من اعترافها. أحمد يشيح وشه باشمئزاز، فيروز ترفع دقنها بتعالي، نادر يضرب كفه بكفه بغضب.
نادر (صارخ):
جيلان! كفاية! اسكتي! فضحتينا!
فيروز تاخد نفس عميق، وبعدين تبص لجوزها ببرود ملكة متزعزعش.
فيروز:
أحمد... قول لنادر يطلع مراته من بيتي قبل ما أنسى نفسي وأوريها أنا مين.
أحمد (بصرامة):
نادر... اتفضل. الباب قدامكم.
جيلان تبص لفيروز بكره، وبعدين تبص لنادر اللي بيجرها جَرّا برا. تخرج وهي بتهمس بوعيد، وفيروز واقفة زي الجبل، راسها مرفوع. أحمد يفضل واقف مذهول، يمسح وشه بتعب.
أحمد (بصوت مبحوح):
يا رب... الحقد ده هيودينا فين؟!
(فيروز تهمس لنفسها، عنيها بتلمع وكأنها بتحلف):
فيروز:
أنا راجعة مصر... وعيالي... مش هاسمح لحد يقربلهم تاني.
*********************
في مطعم شيك - القاهرة - بالليل.
كريم قاعد على ترابيزة متزينة بشموع حمرا، لابس بدلة أنيقة، عينه منورة ومستني خطيبته. تدخل لوسيندا لابسة فستان أسود بسيط بس ساحر. عينيها باين عليهم التعب من كتر العياط في الأيام اللي فاتت، بس بتحاول تبان قوية. كريم يقوم بسرعة، كأنه ملك الدنيا أول ما شافها.
كريم (بفرحة طفولية):
وأهو أخيرًا... آنستي الجميلة قررت تشرفني الليلة.
لوسيندا (بابتسامة خفيفة متعبة):
كريم... ما فيش داعي للكلام الكبير ده. أنا جيت عشان... يعني... نعمل الواجب.
يقعدوا. الجرسون يحط المنيو. كريم مش بيشيل عينه عنها، كأنها هي الدنيا كلها. هي ساعات تتجاهله، لكن فجأة تلاقي عينها في عينه، تحس بارتباك جواها.
كريم (مازح):
واجب؟! لو الخطوبة واجب... كنا عملناها في المحكمة! إنما إحنا هنا... عشان نبتدي نعيش.
لوسيندا ترفع حواجبها من كلامه الجريء، وبعدين بسرعة تبص لتحت عشان ما يقرأش ضعفها.
لوسيندا (ببرود):
كريم... إنت عارف... أنا مش من النوع اللي بيعرف يحب بسهولة.
كريم (يميل لقدام بصدق):
عارف. ومش مستعجل. كل اللي عايزه... تديني فرصة أكون جنبك. حتى لو كأني مجرد ظل.
تتجمد لحظة... كلمة "ظل" تخبط في قلبها، عشان عايشة في ظل حبها لابن عمها أدهم. بس لأول مرة تحس بحرارة ناحيته.
لوسيندا (بابتسامة صغيرة غصب عنها):
إنت غريب... إزاي تقدر تحب حد بيعاملك ببرود؟!
كريم (يضحك برقة):
يمكن عشان أنا شايف اللي ورا البرود. شايف لوسيندا الحقيقية... البنت الطيبة اللي خايفة تتوجع.
عينيها تتسع بدهشة. محدش قبل كده وصفها كده. الناس دايمًا فاكرينها مغرورة ومتعجرفة. وفجأة تحس إنه شايف اللي غيره مش شايفه.
قلبها يدق غصب عنها.
لوسيندا (تتظاهر بالسخرية): إيه ده؟ شاعر إنت ولا إيه؟
كريم (بمرح): شاعر… بس شاعر فيكي إنتِ وبس.
تضحك ضحكة صغيرة غير متوقعة. وش كريم ينور بالفرحة كأنه كسب معركة طويلة. الجرسون يرجع عشان ياخد الطلبات، بس كريم يرفع إيده بسرعة ويطلب أي حاجة من غير ما يشيل عينه عنها.
كريم (بهمس وهو مبتسم): النهارده… حسستيني إني أسعد راجل في الدنيا.
تبص له لوسيندا لحظة، قلبها بين دهشتها من مشاعره وإعجابها اللي بيكبر، وبين حبها القديم لأدهم. تتنهد ببطء، وتهمس لنفسها بالكاد يتسمع:
لوسيندا: يمكن… أكون ابتديت… أشوفك غير.
كريم ما يسمعش الكلمة كويس، لكنه يبتسم بثقة، حاسس إن جدارها بدأ يتهد. يرفع كباية المية ويقول:
كريم: لوسيندا… الليلة دي بداية جديدة. صدقيني.
المشهد يقفل على ابتسامته السعيدة، وارتباكها اللي فيه لمسة أمل جديدة ما عاشتهاش قبل كده.
في أوضة أدهم - فيلا الراوي - نص الليل.
الجو ساكن. أدهم قاعد على كرسي جنب مكتبه، الموبايل في إيده. عينيه حمرا من قلة النوم. يضغط زر الاتصال باسم "حلا" للمرة العاشرة في اليوم. الموبايل بيرن شوية، وبعدين الرسالة المعروفة: "الهاتف مغلق أو خارج نطاق التغطية". يرمي الموبايل على الترابيزة بانفعال مكتوم.
أدهم (بيكلم نفسه بقلق): يومين يا حلا… يومين وأنا ما سمعتش صوتك. معقول تكوني… زعلتي مني؟ معقول كلماتي خوفتك بدل ما تطمنك؟
يقوم، يبدأ يتمشى في الأوضة بعصبية، يعدي إيده في شعره مرة ورا التانية.
أدهم (بيكلم نفسه): يا ريتني ما استعجلت… ليه قلتلها؟ ليه اعترفت كده فجأة؟ يمكن ما كانتش مستعدة… يمكن شايفاني مجرد مخرج بيستغلها…
يمسك الموبايل تاني، يفتح صورها في الأستوديو. صورة ليها في المكتب، ضحكتها البريئة مالية الشاشة. يبتسم بمرارة.
أدهم (بصوت واطي): لا… مستحيل تكرهيني. كنتي مبسوطة… عينيكي كانوا بيحكوا قبل لسانك. في حاجة تانية… لازم يكون في حاجة تانية!
يقعد على الكرسي، يحط راسه بين إيديه، يتنفس ببطء، بيحاول يقنع نفسه ما ينهارش.
أدهم (بيكلم نفسه بإصرار): بكرة… بكرة هروح لها. أيا كان السبب… لازم أعرف. حتى لو كرهتني… ما اقدرش أعيش في العتمة دي.
الموبايل يهتز فجأة بإشعار، بس مش منها. يفتحه بسرعة، يلاقيه إيميل تافه. يقفله بعصبية، يرفع راسه للسقف وكأنه بيكلم ربنا.
أدهم (بهمس مكسور): يا رب… خليها بخير. بس بخير… حتى لو بعيد عني.
المشهد يقفل على أدهم وهو ضامم الموبايل لصدره، في لحظة ضعف نادرة، والليل ساكت أكتر حواليه.
في صالون فيلا عائلة أحمد - مساء متوتر.
الجو ثقيل، الصمت يسيطر على المكان. ضحى وغزل تجلسان مع أزواجهن زياد وريان. ملامح القلق واضحة على وجه الأختين، بينما زياد وريان متوتران، يحاولان تجنب النظر في عيون زوجتيهما.
ضحى (بصوت خافت لكن مليء بالقهر): زياد… إنت هتفضل ساكت كده؟ أختك جوه بتتعذب من غير ذنب، وإنت مش قادر تقول كلمة لأخوك الكبير؟
زياد يطأطئ رأسه، يمسك يديه بقوة، صوته مبحوح.
زياد: يا ضحى… إنتِ مش فاهمة… ده مهاب. لو فتحت بوقي ممكن يقطعني نصين.
ضحى تهز رأسها بيأس، دموعها على وشك النزول.
ضحى: يعني ترضى أختك تموت جوه زي الحيوان وإنت واقف؟
ريان يحاول التدخل، يرفع صوته قليلًا دفاعًا عن نفسه.
ريان: هو مش سهل يا غزل! مهاب نار، ومحدش بيوقف قصاده. لو حاولنا… ممكن تحصل كارثة أكبر.
غزل تنهض فجأة، وجهها متورد من الغضب، عيناها تقدحان شررًا. تقف أمام ريان وتواجهه بحدة غير معتادة منها.
غزل: كارثة أكبر من إيه يا ريان؟! من إن أختك تُدفن حية في أوضة؟ من إنكوا واقفين تتفرجوا عليها بتنهان؟!
ريان يتراجع في مكانه مرتبكًا، بينما زياد يمد يده يحاول تهدئة الموقف.
ريان (بصوت متردد): غزل… بترجاكِ، ما تعمليش دوشة. أنا خايف عليكِ وعلى ضحى… مش عايز يحصل لكم حاجة.
غزل تصرخ بحدة، تلوح بيديها بعصبية.
غزل: لأ يا ريان! ما تخافش عليّ… خاف على أختك اللي بتناديلكم وانتوا عاملين ودان من طين! انتوا أخواتها… لو انتوا ما حميتوهاش مين هيحميها؟ أنا ولا ضحى؟!
ضحى تضع يدها على وجهها وتبكي بصوت مكتوم، بينما غزل لا تهدأ، تتقدم خطوة للأمام وتكمل بمرارة وغضب شديد.
غزل: أنا والله لو كان عندي أخ زيكم ما كنتش حسيت بالأمان لحظة واحدة! رجالة إيه دول اللي يخافوا من أخوهم ويسيبوا أختهم تضيع؟!
زياد ينهض بسرعة، صوته يرتجف بين الغضب والضعف.
زياد: كفاية يا غزل! إنتِ فاكرة إني مش حاسس باللي بيحصل؟ إنتِ فاكرة إن قلبي مش بيتقطع؟ بس… أنا مش قادر… مش قادر أوقف مهاب.
غزل تحدق فيه بعيون دامعة مليئة بالخذلان، صوتها يخفت فجأة لكن قسوته تزداد.
غزل: لأ… إنت مش عايز تقدر. إنت اخترت تخاف. اخترت تسيب أختك لوحدها.
صمت ثقيل يسيطر على المكان، ريان يخفض رأسه كأنه تلقى صفعة، وضحى تبكي بهدوء، بينما غزل تبتعد عنهم وتجلس في زاوية الغرفة، قلبها يغلي من الغضب والخذلان.
رواية بين سطور العشق الفصل الرابع عشر 14 - بقلم سيليا البحيري
في فيلا النجار
الليل سايب سدوله، والجو تقيل مالي البيت. غزل وضحى طالعين بسرعة ع السلم، خطواتهم متوترة، وعيونهم مليانة غيظ وحيرة. يوصلوا قدام أوضة حلا المقفولة، الباب الأسود واقف زي حيطة فاصل بينهم وبينها.
ضحى (بتخبط على الباب بقلق):
حلااا... يا أختي... ردي عليا! أنا ضحى... افتحي الباب بالله عليكي.
غزل (تحط ودنها عالباب):
مفيش صوت... حتى نفس مش سامعاه! يا رب ما يكون جرالها حاجة...
ضحى (بصوت بيرتعش من الخوف والغضب):
حرام والله... يومين محبوسة، لا أكل ولا شرب! إيه اللي هيحصل فيها كده؟!
غزل (تمسك إيدها بعصبية):
لازم نكسر الباب... لازم!
ضحى (تهز راسها بحزن):
جربت قبل كده... القفل تقيل. مهاب مأمنها زي ما يكون حابس مجرمة.
غزل بتغلي من جوه، تبدأ تزق الباب بكتفها بقوة.
غزل (بعناد وهي بتخبط بجسمها على الباب):
مش معقول! هنفضل واقفين نتفرج وهي بتموت جوه؟!
ضحى (تشدها بخوف):
غزل! بالطريقة دي مش هنكسره... ولو مهاب سمعنا... إحنا ولا هي هنشوف خير!
غزل (بصوت واطي لكنه مليان قهر):
والله ما بقت تفرق معايا... لا مهاب ولا غيره. أنا سمعت عن ناس بيموتوا من العطش في يومين... إزاي هتستحمل هي؟!
ضحى (عينيها تدمع):
ربنا يسترها... يمكن قاعدة بتعيط لوحدها... يمكن وقعت من طولها... يمكن... (تغطي بوقها عشان ما تعيطش بصوت).
(لحظة صمت تقيل... مفيش غير دقات قلبهم ورجفتهم.)
غزل (تقعد على الأرض قدام الباب، ترفع صوتها عشان يوصل لحلا):
حلا... لو سامعة... إحنا هنا. مش هنسيبك لوحدك. حتى لو الدنيا كلها ضدك... إحنا معاكي.
ضحى (تلحقها وتقعد جنبها، وتحط إيدها على الباب):
أيوة والله معاكي... ما تخافيش يا أختي... ما تخافيش.
(لحظات طويلة تعدي... مفيش رد. القلق بيكبر. ضحى تبص لغزل والدموع مغرقاها.)
ضحى (بصوت مكسور):
غزل... لو جرالها حاجة... إحنا عمرنا ما هنسامح نفسنا.
غزل (بعصبية ووجع في نفس الوقت):
ولو حصل لها حاجة... مهاب هيعرف إني ما هسامحه طول عمري.
الاثنين مسنودين على الباب الكئيب، دموعهم سايبة في صمت، والبيت بيغرق في رهبة خانقة.
*******************
قدام أوضة حلا
غزل وضحى قاعدين على الأرض قدام الباب، عينيهم مليانة دموع، والجو مشحون. فجأة يتسمع صوت خطوات تقيلة جاية من الممر، سابقة معاها رهبة وسكوت خانق. ظل طويل يقرب، وصوت مهاب العميق يقطع الصمت زي السكينة.
مهاب (ببرود مرعب):
إيه اللي بتعملوه هنا؟
الاختين يتنفضوا، يبصوا لبعض برعب. غزل تبلع ريقها، وضحى تقوم بسرعة تحاول تبرر.
ضحى (بصوت متقطع):
إحنا... إحنا كنا بس... عايزين نتطمن عليها...
مهاب يقرب أكتر، نظرته تقيلة وجليدية، حاطط إيديه ورا ضهره، عينيه بتضغط على أعصابهم.
مهاب (ببطء متعمد):
تتطمنوا عليها؟! أنا مايلكم إن محدش يقرب من أوضتها. كلامي واضح... ولا تحبوا تجربوا غضبي إنتوا كمان؟
ضحى تنكس راسها بخوف، إنما غزل تبصله بعناد رغم رجفة إيديها.
غزل (بتحدي وصوتها مبحوح من الغضب):
إنت بقت إيه؟ جلاد؟ حابس أختك زي المجرمين! مش من حقك تعمل فيها كده.
مهاب يبتسم بسخرية باردة، ياخد خطوة لقدام، عينه في عينها عن قرب.
مهاب (باحتقار):
وإنتي مين عشان تفتحي بقك عندي؟
مين إداكي الحق تدخلي في شغل عيلتي؟
إنتي مجرد... مرات أخويا. غريبة... مالكيش كلمة هنا.
غزل تتراجع خطوة لورا من قوة كلامه، عينيها تلمع بالدموع بس ترفع راسها بإصرار.
غزل (بغصة وجرأة):
غريبة؟! يمكن غريبة عنك... بس مش عن حلا. هي مش بنتك... هي أختي زي ما هي أخت زياد و ريان! ومش هنسكت على الظلم اللي إنت بتعمله.
(مهاب يضحك ضحكة قصيرة كلها تهديد.)
مهاب:
إنتي بتحلمي...
إنتي واللي معاكي، اسمعوني كويس... لو قربتوا من باب أوضتها تاني... ساعتها هتقعوا في حفرة مش هتعرفوا تطلعوا منها.
ضحى اللي كانت ساكتة، ما استحملتش، تصرخ بصوت بيرتعش:
ضحى:
حرام عليك يا مهاب! دي أختك... مش عدوك!
مهاب يبصلها بنظرة قاتلة، فتسكت فورًا. يقرب أكتر، يعدي من بينهم ببطء، يحط إيده على باب أوضة حلا كإنه بيعلن ملكيته، وبعدين يبصلهم ببرود.
مهاب (بصوت واطي لكنه مرعب):
أنا المسؤول عنها... وأنا اللي أقرر مصيرها. إنتوا... مكانكوا مش هنا.
(ضحى تسحب إيد غزل المرتعشة وتهمس لها:)
ضحى:
يلا... نمشي.
غزل واقفة مصدومة، حاسة بالمهانة، تهمس وهي بتبص لمهاب بكره:
غزل (بغصة):
إنت... ما بتفرقش عن أبونا... نفس القسوة... نفس القلب الحجر.
عيون مهاب تلمع غضب لحظة، بس يبتسم بسخرية ويشيح وشه كأنه مش فارق معاه. غزل تغلي من جوه وتمشي مع ضحى. وهما نازلين السلم، غزل تهمس وهي بتمسح دموعها:
غزل (بحقد وحزن):
والله ما هسيبها مع الوحش ده لوحدها... حتى لو خرجنا من البيت، هنلاقي طريقة نخلصها.
(ضحى تهز راسها موافقة، دموعها نازلة بحرقة.)
ضحى:
أيوة... مستحيل نسيبها لوحدها... مستحيل.
******************
فيلا الراوي - الصبح
أدهم قاعد في أوضة المعيشة، عينه حمرا من السهر، ماسك الموبايل في إيده، بيقلب في سجل المكالمات. يضغط الرقم تاني، نفس الصوت يتكرر.
صوت الموبايل:
الرقم اللي بتحاول تتصل بيه... مقفول.
أدهم يخبط بكفه على الترابيزة بعصبية، يتمتم بقلق.
أدهم (متمتم):
مستحيل... حلا عمرها ما قفلت تليفونها يومين! في حاجة غلط... في حاجة مش طبيعية.
ياخد نفس عميق، يقرر يتصل بمهاب، يحط السماعة على ودنه. الرنة ما تلحقش تطول غير ومهاب يرد، صوته بارد وقاطع.
مهاب (بازدراء):
عايز إيه؟
أدهم (بتوتر صادق):
مهاب... أنا بقالي يومين بحاول أوصل لحلا، تليفونها مقفول... قلقت عليها. هي كويسة؟
(مهاب يضحك ضحكة قصيرة ساخرة كلها سم واحتقار.)
مهاب (بتهكم):
كويسة؟!
إنت آخر واحد في الدنيا ليك عين تسأل عليها.
أدهم (مستغرب):
قصدك إيه؟ بتتكلم كده ليه؟
مهاب (بغضب مكتوم):
ماتعملش بريء... كلكم واطيين زي بعض. إفتكرتني مش هعرف؟ الصور ما بتكدبش يا "ابن العم المثالي".
أدهم يتجمد مكانه، ملامحه تزداد استغراب، يقطب حواجبه.
أدهم (بصدمة):
صور؟! إيه الصور اللي بتتكلم عنها؟ أنا مش فاهم حاجة!
مهاب (بصوت حاد):
ماتتذاكاش عليا... حلا مش للواطيين اللي زيك. من النهاردة تبعد عنها خالص. ولو شوفت رقمك على موبايلها تاني... والله ما هيكون ليك مكان وسطينا.
أدهم يقوم واقف بغضب، صوته بيعلى رغم محاولته يسيطر على نفسه.
أدهم:
مهاب، استنى! إنت فاهم غلط... أنا مستحيل أعمل كده ولا أجرح حلا! قول لي على الأقل إيه اللي حصل—
فجأة يسمع صوت الإغلاق... "توت... توت...". مهاب قفل المكالمة ببرود قاتل.
أدهم يبص للموبايل بعينين ماليانة غضب وصدمة، يرميه على الكنبة، ويمسح على شعره بتوتر شديد.
أدهم (بصوت مبحوح):
لا... في حاجة ورا الموضوع... في حد بيلعب من ورا الكواليس.
مستحيل حلا تعمل حاجة تسيء ليها ولا لسمعتها كده... مستحيل!
يتنفس بسرعة، كأنه بيحارب فكرة مرعبة، وبعدين يهمس بحزم:
أدهم:
لازم أعرف الحقيقة... ولازم أوصل لحلا... قبل ما يفوت الأوان.
**********************
في كافيه هادي
ندى قاعدة على الترابيزة، عينيها مثبتة في الموبايل. صوابعها بتخبط بخفة على الشاشة وهي بتعيد الاتصال بحلا.
صوت الموبايل:
الرقم اللي بتحاول الاتصال بيه... مقفول.
ندى تزفر بقوة، عينيها تتملي قلق. جنبها قاعدة سيرين، ماسكة كباية الكابتشينو وبتراقب صاحبتها بملامح بريئة مصطنعة، وجواها مولع خبث شيطاني.
ندى (بقلق واضح):
مستحيل! بقالها يومين ما بتردش... حتى رسايلي ما بتوصلش. حلا عمرها ما تعمل كده... أكيد حصل لها حاجة.
(تمد إيدها تمسح جبينها بتوتر، وتهمس:)
ندى:
قلبي مش مرتاح... حسيت في صوتها آخر مرة، كانت مخنوقة.
سيرين تحط الكباية بهدوء، ابتسامة صغيرة ترتسم على شفايفها، تخفيها بسرعة قبل ما ندى تاخد بالها.
سيرين (بصوت هادي):
ندى... ماتكبريش الموضوع. يمكن بس مشغولة... أو زعلانة من حاجة ومش عايزة تحكي.
ندى (بانفعال):
لأ! أنا عارفة حلا. لو كانت زعلانة مني أو من أي حاجة... كانت قالتلي، كانت فضفضتلي.
(تخبط الترابيزة بعصبية)
لازم أعرف في إيه.
سيرين تميل برأسها بخبث، تبص لندى وكأنها مستمتعة بقلقها، وتتظاهر بالجدية.
سيرين:
يمكن أهلها مانعينها... يمكن في حاجة في البيت. إنتي عارفة مهاب عصبي إزاي!
(ندى ترفع نظرها بسرعة، القلق يزيد في وشها.)
ندى:
قصدك إيه؟ سمعتي حاجة؟
سيرين تضحك بخفة وتلوح بإيدها كأنها قالت حاجة تافهة.
سيرين:
لأاا، ما سمعتش... بس تخيلي. مهاب لو شاف منها حاجة مش عاجباه ممكن يولع الدنيا.
ندى ترتعش شوية، كلام سيرين لمس أوتار الخوف جواها. سيرين تبتسم داخليًا كأنها شايفة خطتها بتنجح.
ندى (بحزم):
مستحيل... حلا عاقلة، وبتعرف مهاب كويس.
ما فيش سبب يخليها تختفي كده فجأة.
سيرين تنحني لقدام، تبص في عينيها مباشرة بابتسامة ناعمة خبيثة.
سيرين:
ندى... ساعات أقرب الناس لينا بيعملوا حاجات ما تخطرش على البال.
ندى تبلع ريقها بقلق، تخبط الترابيزة تاني وهي بتتمتم:
ندى:
لأ... حلا مش كده... مستحيل!
سيرين (بهمس داخلي مش مسموع لندى):
آه يا ندى... قلقك كبر... ولسه اللي جاي أحلى.
ندى تمسك الموبايل تاني، ناوية تحاول للمرة الألف، بينما سيرين ترتشف قهوتها مبتسمة كأنها بتشرب "نصرها السام".
************************
في صالة الفيلا - ثاني يوم
البيت ساكت بشكل يخنق، الجو مشحون. ضحى وغزل واقفين في نص الصالة، شنط السفر جنبهم. لابسين عبايات بسيطة، ووشوشهم مليانة غضب. زياد واقف قصاد ضحى بيحاول يهديها، وريان قصاد غزل، مدي إيده ناحيتها بتوسل. بس نظراتهم الباردة بتقتل أي محاولة.
زياد (بصوت واطي فيه رجاء):
ضحى... يا حبيبتي، ليه كده؟ ليه عايزة تسيبي البيت؟
ضحى تلتفت له بحدة، عينيها مليانة خيبة أمل.
ضحى:
ليه؟! إنت بتسألني ليه؟! عشان عشت مع راجل واقف يتفرج على أخته وهي بتتهان وتتحبس زي المجرمة... وإنت ساكت!
زياد يتراجع خطوة ورا، كلامها زي الصفعة على وشه. غزل واقفة قصاد ريان، عينيها كلها اشمئزاز، صوتها مليان احتقار.
غزل (بصوت عالي):
وإنت يا ريان؟! إنت آخر واحد كنت أتوقع يخون حلا! إنت أكتر واحد كانت بتحبك وتشوفك سندها... إزاي قدرت تسيبها في إيدين الوحش مهاب؟!
ريان يتنفس بتوتر، يحاول يمد إيده ناحيتها:
ريان:
غزل... افهميني... مهاب ما بيتعاندش! لو كنت فتحت بوقي... كان قلب الدنيا علينا كلنا.
غزل (بتصرخ، وتبعد إيده):
سكوتك جريمة أكبر من جنونه! إنت المفروض كنت توقف في وشه... تحميها! بس لأ... اخترت السلامة، اخترت تخاف من أخوك... وضيعت أختك!
ريان يتنرفز، عروقه تبان، لكن صوته يتكسر بين الغضب والألم.
ريان:
أنا بحبك... مش عايز أخسرك كمان...
غزل تضحك بسخرية والدموع في عينيها، نظرتها تحرقه:
غزل:
حبك من غير رجولة ما يسواش رغيف عيش يا ريان. أنا ما ينفعش أعيش مع راجل يسيبني لو الدنيا ولعت. ما ينفعش أعيش مع جبان.
ريان يتجمد مكانه، قلبه بيتكسر. يبص لها بتوسل، بس يقابل عينيها المليانة قرف وكره.
ضحى تبص لزياد، صوتها أهدى من غزل لكن مليان وجع.
ضحى:
كنت فاكرة إني اتجوزت راجل ما يشبهش أبويا... بس طلع الخوف واكل قلبك. زياد... حتى لو إنت جوزي، ما أقدرش أعيش في بيت يتظلم فيه إنسانة وأنا ساكتة.
زياد يمد إيده، صوته بيتوسل:
زياد:
ضحى... ما تسيبينيش...
ضحى تهز راسها بدموع محبوسة:
ضحى:
أمشي لوحدي أهون من إني أعيش مع راجل ساكت على الظلم.
ضحى وغزل يتبادلوا نظرة حاسمة، يشيلوا الشنط. يقفوا عند الباب. غزل تبص لريان نظرة أخيرة كلها كره وخذلان.
غزل (بحزم):
هنسيب البيت... بس والله ما هنسيب حلا. هنلاقي طريقة نحررها... حتى لو ضدكم كلكم.
ضحى تومئ موافقة، تفتح الباب وتخرجوا بخطوات قوية رغم الوجع. الكاميرا تفضل على زياد وريان، واقفين زي التماثيل في نص الصالة، كل واحد محطم... صوت الشنط وهي بتتسحب على الأرض يعلن بداية الانفصال النفسي قبل الجسدي.
ريان يهمس لنفسه بصوت مكسور:
ريان:
غزل... سامحيني...
لكن صدى الباب وهو بيتقفل كان الرد الوحيد.
*********************
في شركة مهاب - مكتبه الكبير الزجاجي.
المكتب مرتب كالعادة، بس أوراق متناثرة على الترابيزة. مهاب قاعد على كرسيه، قدام الكمبيوتر بس عينه شارده خالص. صوابعه بتخبط على الترابيزة بعصبية، ووشه متوتر. بيحاول يركز في العقود، بس عقله بيرجع كل شوية لصور حلا وصريخها. فجأة يتنهد بقوة، يشيل نضارته ويرميها بعصبية على المكتب.
مهاب (يتمتم لنفسه):
ليه مش عارف أطلعها من دماغي... ليه؟!
سمر تدخل بخطوات واثقة، لابسة فستان شيك ووشها عليه ابتسامة باردة. ماسكة كباية قهوة وتحطها قدامه.
سمر (بصوت ناعم مصطنع):
حبيبي... شكلك مرهق. بقالي يومين شايفاك مش طبيعي. في حاجة مضايقاك في الشغل؟
مهاب يبص لها بعصبية، يحاول يمسك نفسه:
مهاب:
سمر... أنا مش ناقص أسئلة دلوقتي.
سمر تضحك ضحكة صغيرة، تقرب وتقعد على طرف المكتب، ميلة بجسمها ناحيته.
سمر:
أسئلة إيه؟ أنا خطيبتك يا مهاب... من حقي أعرف. ولا في سر مخبيه عني؟
مهاب يشيح بوشه، يحط إيده على جبينه. صوته متوتر وخافت:
مهاب:
أنا... تايه. في مشاعر مش مفهومة... غضبان... وبنفس الوقت... في حاجة مخنقاني.
سمر تضيق عينيها، الغيرة مولعة جواها، تحط إيدها على دراعه.
سمر (بهمس مرعب):
في واحدة ورا الاضطراب ده... مش كده؟
مهاب يبص لها بحدة، يحاول يخفي ارتباكه:
مهاب:
مالك... ما تدخليش في اللي مالكيش فيه.
سمر تضحك بخبث، تقوم تمشي وراه ببطء، وبعدين تنحني عند ودنه.
سمر (بصوت بارد):
خليني أتوقع... حلا؟ صح؟
تبتسم ابتسامة شيطانية وتكمل:
كنت دائمًا شايفة إنها نقطة ضعفك الوحيدة...
مهاب يقوم بغضب، يصرخ بصوت عالي:
مهاب:
اسكتي! ما تجيبيش سيرتها على لسانك أبدًا!
سمر ترجف لحظة من صوته، بس تبتسم ابتسامة مريضة، كأنها لقت دليل على شكوكها. تقرب أكتر، عينيها بتلمع بجنون.
سمر:
كل الانفعال ده... عشانها؟
تضحك بهمس:
هتندم يا مهاب... سيبها للقدر، وصدقني... ما فيش واحدة هتعرف تاخدك مني.
مهاب يتنفس بعصبية، يبعد عنها، يفتح الشباك الكبير كأنه محتاج هوا. بس أفكاره متلخبطة أكتر من الأول. يهمس لنفسه بغضب وانكسار:
مهاب:
أنا... إيه اللي بيحصلي ده؟!
********************
في مقهى هادئ في القاهرة، مساء.
أدهم جالس على الطاولة، ملامحه شاحبة، أصابعه تدق الطاولة بتوتر. أمامه كوب قهوة بارد لم يلمسه. يدخل مازن مع تميم، يسلمان عليه ويجلسان. ما إن جلسا حتى رفع أدهم عينيه إليهما، نظراته مليئة بالقلق.
تميم (مازحًا يحاول كسر الجو):
إيه يا عم... شكلك مش نايم من أسبوع. في إيه؟
أدهم يزفر بحدة، يمرر يده في شعره:
أدهم:
من خمس أيام... اعترفت لحلا... إنها كل حياتي. بس من يومين اختفت فجأة. تليفونها مقفول، ولا رسالة ولا أي رد.
مازن يرفع حاجبيه بدهشة:
مازن:
يعني إيه اختفت؟ يمكن زعلت منك؟ البنات ساعات بيحبوا يلعبوا لعبة "الاختفاء".
أدهم يهز رأسه بعصبية:
أدهم:
لا... دي مش كده. أنا حاسس في مصيبة. حاولت أوصلها بكل طريقة... ما فيش.
تميم يتدخل بجدية، عينيه تضيقان:
تميم:
طيب... في حد حواليها ممكن يكون عارف حاجة؟ صاحباتها؟ أهلها؟
أدهم يتنهد، ينظر لهما ثم يقول بصوت خافت مليء بالغضب:
أدهم:
اتصلت بأخوها الكبير... مهاب.
مازن يبتسم بخفة، لا يعرف بعد أبعاد الموضوع:
مازن:
طيب كويس... الأخ بيكون أمان. قالك إيه؟
أدهم يضرب الطاولة بقبضته، نبرة صوته تهتز:
أدهم:
أمان إيه؟! قالي كلام مقرف... حكى بطريقة كأني... أنا السبب في فضيحة! كان بيهينني... كأني عملت جريمة مع أخته. حتى ما خلانيش أفهم حاجة، وقفل الخط في وشي!
مازن يفتح فمه بدهشة، يحاول يستوعب:
مازن:
إيه؟ فضيحة؟! طب إزاي؟ أنت قلت إنك اعترفتلها بحبك بس...
تميم (مفكرًا، يضع يده على ذقنه):
ممكن في حد بينكم بيحاول يوقع... يا أخي الدنيا مليانة ناس بتغير.
أدهم يحرك رأسه بسرعة، نظرته حادة:
أدهم:
أيوه... بس ليه أختفت فجأة؟ ليه أهلها قافلين عليها بالشكل ده؟
مازن يتكئ للخلف على الكرسي، يحاول يخفف الجو، لكن الفضول بادٍ على وجهه:
مازن:
طيب... قولي اسمها إيه؟ يمكن أعرف حاجة أو أقدر أساعد.
أدهم يصمت لثوانٍ طويلة، متردد. ثم يهمس بصوت متكسر:
أدهم:
اسمها... حلا.
ما إن قال الاسم حتى تجمد مازن لجزء من الثانية، يكرر ببطء وهو يفكر:
مازن:
حلا...؟
تميم لم يلاحظ توتر مازن، يكمل الحديث:
تميم:
ممكن تكون في مشكلة عائلية. شوف، إنت لازم تهدى الأول، وبعدها نشوف طريقة نوصل بيها ليها.
مازن يبلع ريقه بصعوبة، يشيح بوجهه حتى ما ينكشف ارتباكه، يتمتم في داخله:
مازن (بصوت داخلي):
حلا؟! نفس الاسم اللي دائمًا بيذكره ريان صديقي... يا رب يكون مجرد تشابه.
أدهم يرفع عينيه مجددًا، صوته جازم رغم ارتباكه:
أدهم:
مهما كلفني الأمر... لازم أعرف هي فين، ولازم أوصلها.
تميم يضع يده على كتفه يشجعه، بينما مازن يظل صامتًا، قلقًا داخليًا من أن تنكشف الصلة بينهما وبين عائلة ريان قريبًا.
******************
في مطار القاهرة، قاعة الوصول.
القاعة مزدحمة بالمسافرين. يظهر يوسف بخطوات واثقة، طويل القامة، عيناه تحملان حدة وذكاء. بجانبه والدته ثريا، امرأة أنيقة وطيبة القسمات، عيناها مليئتان بالشوق والدموع.
ثريا (تمسك بذراع يوسف وتبتسم بفرحة ممتزجة بالدموع):
مش مصدقة إني رجعت مصر بعد كل السنين دي. نفسيتي مرتاحة من أول ما نزلت من الطيارة.
يوسف (يميل نحوها بابتسامة دافئة):
رجوعك كان لازم يحصل يا أمي... مهما عشنا بره، بلدنا ليها طعم تاني. دلوقتي وقت نرجع لحبايبنا.
ثريا (بعاطفة غامرة):
أكتر حد مستنياها... حلا. البنت دي غالية عندي زي بنتي. كنت دائمًا أقول لفيروز إن حلا محتاجة حضن، محتاجة قلب يسمعها.
يوسف (يضحك بخفة وهو يدفع عربة الحقائب):
ما تنسيش إن فيروز وأحمد في لندن... يعني حلا وإخواتها لوحدهم هنا.
يمكن علشان كده أنتِ قلبك معاها قوي.
ثريا تهز رأسها بأسى:
عارفة يا يوسف... يمكن علشان كده قلبي قلقان. فيروز قوية، بس أولادها محتاجين عين كبيرة ترعاهم... وأنا حاسة إن حلا بالذات في حاجة مضايقاها.
يوسف يلمح القلق في عينيها، فيبتسم ابتسامة مطمئنة لكن نبرته جادة:
لو في حاجة فعلًا... أنا هنا. مش هسيبهم. ومش هخلي حد يقرب من حلا إلا على جثتي.
ثريا تمسك يده بحنان شديد:
عارفة إنك قدها... يا برنس العيلة. ربنا يخليك ليا يا ابني.
يوسف يضحك ضحكة قصيرة، لكنه يتطلع إلى بوابة المطار وكأنه يستشعر غيمة سوداء تقترب:
يارب أكون جيت في الوقت المناسب... قلبي مش مرتاح.
**********************
في حديقة عامة
غزل وضحى جالستان على مقعد خشبي وسط أشجار كثيفة، كل منهما تحمل كوب قهوة ورغم الهدوء من حولهما، إلا أن التوتر واضح في ملامحهما. العيون حمراء من كثرة البكاء، لكن في داخلهما شعلة غضب.
ضحى تضرب الكوب بيدها بعصبية:
مش قادرة أستوعب... إزاي يسيبوها كده! إخواتها، دمها... واقفين يتفرجوا وهو بيكسرها!
غزل بصوت غاضب، عيناها تلمعان بالدموع:
إخواتها؟! لأ، دول مش إخوات... دول جبناء! زياد ساكت كأنه حجر... وريان، اللي طول عمره أقرب واحد ليها، أول واحد طعنها بصمته.
ضحى تهز رأسها بألم:
أنا كمان مش مسامحة زياد... والله يا غزل مش مسامحاه. طول عمري أقول إن الراجل رجولة قبل أي شيء... لكن هو؟ مجرد ظل.
غزل تنهض واقفة، تتحرك ذهابًا وإيابًا بانفعال.
لازم نعمل حاجة! مش هنسيبها بين إيدين الوحش دا. لو قعدنا مكتوفين الأيدينا... هيموتها.
ضحى تنظر إليها بتوتر:
بس إزاي؟! مهاب قافل عليها الباب بالمفتاح، والفيلا كلها تحت عينه. لو قربنا... هنكون إحنا الضحايا الجاية.
غزل تتوقف فجأة، عينيها تتسعان وكأن فكرة خطرت لها.
استني... حلا ليها صديقة... اسمها ندى. أنا فاكرة إنها أقرب وحدة ليها، ودايمًا معاها. يمكن ندى تعرف حاجة... يمكن هي الوحيدة اللي تقدر تساعدنا نوصل لحلا.
ضحى ترفع حاجبيها بدهشة:
ندى؟! إزاي نسيت! إيه الغباء دا؟! أكيد ندى قاعدة تدور عليها دلوقتي زي المجنونة... لازم نوصلها.
غزل تبتسم بخبث ممزوج بالإصرار:
أيوة... وندى مش زي إخواتها الجبناء. ندى بتحبها حب صادق. ساعتها هنكون إحنا وهي جبهة واحدة ضد الوحش مهاب.
ضحى تتنفس بعمق، يظهر الأمل لأول مرة في عينيها منذ أيام:
طيب... ندور على رقمها. أكيد في تليفون حلا القديم أو عندها حساب إنستجرام أو حاجة.
غزل بحزم، تضرب يدها بكفها الآخر:
لازم نوصل لها بأي ثمن. حلا مش هتفضل مسجونة... أنا مش هخلي بنت زيها تنكسر تحت إيدين مهاب زي ما كنت بشوف أبويا بيكسر أمي.
ضحى تضع يدها على يد غزل، وصوتها يرتجف لكن فيه قوة:
إحنا الاتنين سوا... هننقذها.
رواية بين سطور العشق الفصل الخامس عشر 15 - بقلم سيليا البحيري
فيلا نادر – لندن – الصالون الكبير
(الجو مشحون… نادر ماشي رايح جاي، وشه محمر من الغضب. جيلان قاعدة على الكنبة متوترة بس عنيها مليانة غل. وائل قاعد على طرف الكرسي، باصص في الأرض مصدوم من اللي حصل.)
نادر (بينفجر صوته):
جيلان!! إنتِ اتجننتي؟! إنتِ فقدتِ عقلك خالص؟! تروحي تتهمي بنت أحمد النجار في شرفها؟! قدام مراته؟! عارفة إنتِ عملتِ إيه؟! حرقتي كل جسر بينا وبينهم!
جيلان (تتظاهر بالبراءة وصوتها بيرتعش):
نادر… أنا… أنا كنت بس بحاول أحمي ابننا… مش عايزة حقه يضيع من الثروة الكبيرة دي، و…
نادر (يضرب الترابيزة بقبضته):
ثروة؟! للدرجة دي عميتي؟! الفلوس عميتك عن شرف الناس؟! أحمد كان بيعاملني زي أخوه، وفي لحظة واحدة دمرتي كل حاجة!
جيلان (بعناد ووقاحة):
فيروز هي السبب! الست المغرورة دي… عمرها ما بصتلنا غير باحتقار! أنا كنت عايزة أوريها إن بنتها مش ملاك زي ما فاكرة…
نادر (يمسك راسه بغضب):
لأ… لأ… متحاوليش تقلبي الطاولة عليا يا جيلان! فيروز مهما كانت مغرورة… عمرها ما دست على شرف حد! وإنتِ… اخترتي أوطى طريق!
وائل (بهدوء بس صوته مليان خذلان):
ماما… ماكنتش متوقع منك كده… أنا عارف حلا… معرفة سطحية صحيح، بس… دي بنت مختلفة… بريئة، مش زي الباقيين. لو رفضتني… حقها. بس إننا ناخدها بالافتراء؟! عيب… حتى عليا أنا.
جيلان (بدهشة وغضب):
وائل! إنت بتدافع عنها ضدي؟! أنا أمك!
وائل (بارد ومتعالي بس حاسم):
أنا مش بدافع عنها علشانها ولا علشانك… بدافع عن نفسي. أنا مش عايز واحدة تيجيلي بالقوة ولا بالخداع. أنا وائل نادر… الستات هما اللي يجروا ورايا… ما بفرضش نفسي على اللي ترفضني.
نادر (غاضب وصوته فيه وجع):
اسمعي يا جيلان… من النهاردة، مش عايز أسمع اسم فيروز ولا حلا ولا أي حد من عيلتهم يطلع من بقك! إنتي جردتينا من كرامتنا قدامهم… وفضحتي نفسك قدامي وقدام ابنك!
جيلان (بصوت واطي، جواها نار الحقد):
خسرت النهاردة… بس مش هنسى لفيروز اللي عملته فيا… مش هنسى…
نادر (بقسوة):
معركتك؟! إيه الحرب اللي انتي متصوراها في دماغك دي؟! دي ست… وبنتها ما عملتش فيكي حاجة! بس اسمعي كلامي كويس… لو حاولتِ تفتحي الموضوع ده تاني… هكون أول واحد يقفلك الباب في وشك!
وائل (يقوم واقف، يبصلها بنظرة استعلاء باردة):
ماما… إنتي خيبتِ أملي.
(يخرج من الصالون، سايب جيلان لوحدها. نادر يشيح بوشه عنها وهو مولع غضب. جيلان تقعد، أسنانها بتخبط في بعض، وعنيها مليانة نار.)
جيلان (بتمتم بحقد):
استني يا فيروز… مش هتفضلي فوق راسي متعجرفة كده… هخليكي تدفعي التمن…
*********************
في شقة صغيرة في القاهرة، ضوء الصباح يتسلل من بين الستائر. غزل وضحى جلستا معًا على الكنبة، أمامهما ورقة صغيرة فيها عنوان مكتوب بخط اليد. على الطاولة كؤوس شاي لم تمس بعد، وعيونهما مليئة بالتصميم والخوف في آن واحد.
ضحى (تنظر إلى الورقة بتردد):
"العنوان اهو… ندى تعيش هنا. تتوقعي أنها فعلًا هتساعدنا يا غزل؟"
غزل (بحزم وهي تشد الورقة بين يديها):
"لازم تساعدنا. ندى هي الوحيدة اللي كانت قريبة من حلا، ولو في حد ممكن يدلنا على طريقها أو يفتح لنا باب لفهم اللي بيحصل… فهي ندى."
ضحى (تخفض صوتها بقلق):
"بس إحنا مش عارفين مين ممكن يراقبنا… إنتِ عارفة إخواتها ما بيتركوناش في حالنا."
غزل (تبتسم ابتسامة خفيفة رغم التوتر):
"خلاص يا ضحى، ما بقاش مهم. إحنا تركنا حياتنا وبيوتنا عشان ننقذها. لو ما وقفناش دلوقتي، يمكن ما نلحقش أبدًا."
ضحى (تزفر وهي تمسك يد أختها):
"معك حق… خلينا نروح. بس لازم نكون حذرين. ما نكشفش كل أوراقنا مرة وحدة."
غزل (تهز رأسها موافقة):
"أكيد. نقول لها بس اللي يكفي يخليها تفهم إننا جادين… وبعدها، لو حسينا إنها فعلًا على ثقة، نطلب منها تدخل معنا في الموضوع."
ضحى (تنهض من مكانها وتحمل حقيبتها):
"طيب يلا. كل ثانية بتفرق. يمكن ندى تكون المفتاح الوحيد اللي يخرج حلا من الكابوس اللي عايشة فيه."
غزل (تتقدم نحو الباب بنظرة حاسمة):
"إن شاء الله. بس أوعي تنسي… ما في رجعة. خطوتنا اليوم هتحدد مصيرنا ومصيرها."
تخرجان من الشقة بخطوات متسارعة، والورقة الصغيرة بين أصابع غزل كأنها خريطة تقودهما إلى الأمل الأخير.
**********************
في بيت ندى – البيت بسيط ودافئ، ريحة القهوة مالية المكان.
(ندى قاعدة في أوضة المعيشة، متوترة وبتتصل بموبايل حلا بقالها أيام ومفيش رد. فجأة حد يخبط الباب جامد.)
(تدخل غزل وضحى، وشهم شاحب وتعبانين.)
ندى (بتقف بسرعة، قلبها بيدق جامد):
غزل! ضحى! في إيه؟! شكلكم مصدومين… فين حلا؟! ليه مش بترد عليا بقالها أيام؟!
غزل (عنياها مليانة دموع):
ندى… إنتي مش متصورة اللي حصل… (صوتها بيرتعش) مهاب…
ضحى (بتقطعها بعصبية وخوف):
مهاب حبس حلا! ضربها ضرب جامد وقفل عليها أوضتها… وسحب منها الموبايل وكل حاجة!
ندى (بتشهق، وشها بيحمر من الغضب):
إيه؟!! مهاب عمل كده؟!! مستحيل… حلا! حلا بريئة! ليه يضربها ويحجزها؟!
غزل (بأسى):
صدق صور… صور بشعة… قال إنها صور لحلا… ومن غير ما يسمع منها ولا يتأكد… بس صرخ وضربها وقفل الباب عليها.
ضحى (تمسك إيد ندى بقلق):
وإحنا ما قدرناش نعمل حاجة… والله حاولنا، بس هو هددنا وبهدلنا قدام الكل… وطردنا من الفيلا.
ندى (تحط إيديها على راسها، عنيها مليانة دموع وغضب):
يا رب! يا رب! مهاب الحقير! إزاي يجرؤ يمد إيده عليها ويذلها بالشكل ده؟! دي حلا أطيب خلق الله! (بتصرخ) مستحيل تعمل حاجة تهين كرامتها!
هدى (أم ندى، تتكلم بصوت هادي لكنه مصدوم):
يا بنتي… حلا اتربت قدام عينيا، أنا عارفاها زيي ما عارفاكي. مستحييييل تعمل حرام ولا تدنس شرفها. مهاب ظلمها ظلم كبير.
ندى (تشد إيد أمها بعصبية):
يما… أنا مش هسكت! مش هسيبها في إيدين واحد قلبه حجر! إزاي يعمل كده وهو المفروض أخوها الكبير يحميها مش يسحقها!
غزل (بتعيط):
ريان حاول يهدي الموضوع، بس مقدرش يعارض مهاب… وزياد كمان ساكت.
ندى (بتصرخ بغضب، عروق رقبتها طالعة):
يعني كلهم ساكتين؟!! كلهم بيتفرجوا عليها وهي بتنهار؟!! (تخبط الترابيزة بقوة) والله يا مهاب… مش هسامحك! هتندم على كل دمعة نزلت من عين حلا!
هدى (بحزن):
يا رب… يا رب الطف بيها واديها القوة.
ندى (بصوت فيه عزيمة، تبص في عين غزل وضحى):
لازم نلاقي حل… مش هنسيبها تموت في إيديه. لو محدش وقف جنبها… أنا هقف.
******************
الصالة شبه مظلمة، ستائر سميكة تحجب ضوء النهار، ورائحة قهوة باردة ما زالت عالقة على الطاولة الصغيرة. زياد جالس على الأريكة، ممدد يده على مسندها، وجهه متعب وعينيه حمراوان من السهر. ريان يجلس مقابله على كرسي منفصل، يمسك بهاتفه بين يديه لكنه لم يفتح أي تطبيق منذ دقائق طويلة، فقط ينظر إلى الشاشة السوداء وكأنه ينتظر خبرًا لن يأتي.
زياد (ينفخ زفيرًا ثقيلًا):
ما كنتش أتخيل يوم ييجي وألاقي نفسي قاعد في بيت زي دا.. البيت واسع.. بس فاضي. من غيرهم ما يسوى حاجة.
ريان (بهدوء، يحاول يخفف الجو):
طبيعي نحس كده.. اللي حصل كان صدمة للكل. يمكن بس محتاجين وقت.. وهما كمان.
زياد (ينظر له بنظرة متعبة):
وقت؟! (يضحك بسخرية مريرة) الوقت مش بيرجع اللي اتكسر يا ريان. الصور اللي شفتها.. مهما حاولت أقنع نفسي إنها مفبركة.. في جزء جوايا مصدق إنها حقيقة.
ريان (يركز عليه بحدة):
بس انت عارف إن العقل ساعات بيخون صاحبه.. يمكن عشان انت متأثر زيادة، صدقت اللي شفته. أنا ما قدرتش أقرر، محايد زي ما تقول. لكن.. (يصمت لحظة) اللي مضايقني فعلًا.. إن من كام يوم ما سمعناش أي صوت من أوضتها.
(يعدل جلسته ويضع الهاتف على الطاولة، ينظر بجدية لزياد)
ريان:
فكرت أطلع أشوفها.. يمكن محتاجة حد يكلمها.
(زياد ينتفض فجأة، صوته يعلو)
زياد:
لأ! ما تطلعش. سيبها. لو هي عايزة تخرج أو تتكلم.. كانت عملت كده.
ريان (بهدوء لكن بإصرار):
بس يا زياد.. إحنا مش عارفين حالتها. آخر مرة شفناها فيها.. كانت مكسورة. وأنت عارف إن حبسها جوه أوضتها بالشكل ده ممكن يدمرها.
زياد (ينظر بعيدًا، صوته يخفت وفيه ارتباك):
يمكن أنا اللي محتاجها تبقى بعيدة عني دلوقتي.. مش قادر أبص في عينيها من غير ما أتذكر الصور دي.
(لحظة صمت ثقيلة، عقارب الساعة على الحائط تسمع بوضوح، وكأنها تذكرهما أن الوقت يمر وهما عاجزين.)
ريان (يتنهد، ينظر له بجدية):
طيب، لو حصل لها حاجة؟! هتسامح نفسك؟!
زياد (يتجمد مكانه، يضغط أصابعه بعصبية على ركبته، ثم ينهض واقفًا يتمشى في الصالة):
ما تخوفنيش يا ريان. أنا.. أنا خلاص تايه. بين عقلي وقلبي.
(يرتشف من كوب القهوة البارد دون أن ينتبه، يرمقه بريان بنظرة أسف.)
ريان (بصوت خافت):
أنا برضه تايه.. بين إني أصدقك.. أو أصدق إحساسي إن في حاجة أكبر من مجرد صور.
(المشهد يغلق على لقطة طويلة للصالة المظلمة، زياد يسير بعصبية ذهابًا وإيابًا، وريان جالس مكانه، يشيع صمته بقلق واضح.)
والبيت يبدو كأنه يشاركهما الحزن والشكوك.
في شركة النجار – مكتب مهاب الكبير المطل على المدينة.
(السكرتيرة تدخل بخفة)
السكرتيرة:
أستاذ مهاب... في شاب مصر يقابلك، اسمه أدهم الراوي.
(مهاب كان بيقلب في عقود، يرفع راسه، ابتسامة سخرية ترتسم على وشه)
مهاب (ببرود):
خليه يدخل... نشوف بطل الأفلام بنفسه.
(بعد ثواني الباب يتفتح، أدهم يدخل وواقف واثق، طويل، أنيق، وسيم بس القلق باين في عينيه)
أدهم:
مساء الخير... أنا جيت عشان أفهم إيه اللي بيحصل، كلمتك امبارح على التليفون و...
(مهاب يقطع كلامه، يقوم من الكرسي بخطوات تقيلة متعمدة، عنيه كلها احتقار)
مهاب:
تفهم؟! عندك وش تيجي هنا وتطلب تفهم؟!
(أدهم يتجمد لحظة، متلخبط)
أدهم:
مهاب بيه، أنا مش فاهم قصدك إيه... حلا مختفية ومش بترد على موبايلها، وأنا قلقان عليها.
(مهاب يضحك بمرارة، يخبط بإيده على الطرابيزة)
مهاب:
قلقان عليها؟! بعد اللي عملته؟! بعد الصور اللي شفتها بعيني؟!
(علامات الصدمة تترسم على وش أدهم)
أدهم:
صور؟! أي صور؟! إنت بتتكلم عن إيه؟!
(مهاب يقرب منه جدًا، صوته واطي بس مليان احتقار)
مهاب:
كنت بحسبك محترم... مخرج ناجح، راجل من عيلة معروفة. يطلع كل همك تستغل بنت صغيرة عندها 18 سنة وتلعب بعقلها؟! أنا غلطت إني سمحتلك تدخل حياتها حتى لو من باب شغفها بالكتابة.
(أدهم يرفع صوته لأول مرة، الغضب يبان في ملامحه)
أدهم:
إنت بتتّهمني بحاجة زي دي؟! أنا بحب حلا... أيوه، اعترفتلها، ومش بخجل من إحساسي. بس عمرك ما هتلاقي عندي خيانة ولا قلة شرف! ولو في صور بتتداول فهي متفبركة... وأنا جاهز أواجهك وأي حد يثبت العكس!
(مهاب يبتسم بسخرية، يرجع يقعد على الكرسي كأنه حسم الموضوع)
مهاب:
متفبركة؟! يا سلام! كلهم بقوا ضحايا فبركة! اسمع يا أدهم، روح لأفلامك وخيالاتك. حلا مش لعبة في إيدك. ولو فكرت تقرب منها بعد النهاردة... يبقى بتعلن حرب مع مهاب النجار.
(أدهم يشد قبضته، يحاول يسيطر على أعصابه)
أدهم:
أنا ما بخافش من تهديدك. أنا عايز أعرف حلا فين، وإنها بخير. ولو إنت فعلًا أخوها الكبير وبتحبها... كان المفروض تسمع منها الأول قبل ما تحكم عليا بالشكل ده.
(صمت تقيل يسيطر على الأوضة... نظراتهم متشابكة: مهاب عنيه كلها غضب واحتقار، وأدهم عنيه مليانة قهر وصدق.)
في المساء – جوه فيلا النجار
(السكون مسيطر على المكان، لكن الغضب عند مهاب مغلي، داخل بخطوات متوترة بعد يوم طويل)
مهاب (بحدة وانفعال):
فين الفاجرة دي؟!
زياد (مرتبك):
فـ... في أوضتها... في إيه؟!
مهاب (ساخر وباحتقار):
الست المحترمة... طول الوقت كانت بتمثل علينا قصة شغلها مع أدهم الراوي... لكن الحقيقة هي وهو... مش مختلفين.
ريان (مصدوم):
إيه قصدك بالكلام ده؟!
مهاب (بصرامة):
زي ما سمعتوا... ولا حد فيكم يحاول يدافع عنها. ولو اتجرأت مراتك أنت يا زياد ولا أنت يا ريان تساعدها... مش هرحم ولا وحدة....
ريان (غاضب):
مهاب، خد بالك من كلامك...
(وبعدها يضيف بسخرية حادة)
اطمن... هما سابوا الفيلا الصبح ده.
زياد (ينفجر غضبًا):
وكل اللي حصل ده بسببك إنت!
مهاب (مستغرب بسخرية):
بسببي أنا؟! أنتما فعلًا مسحورين... البنتين الرخيصتين دول لعبوا بعقلكوا. اسمعوا كويس... هما مش لايقين على عيلتنا ولا بمستوانا. وممكن يكونوا دفعوا حلا تعمل تصرفاتها مع الحقير ده... صدقوني، خروجهم من الفيلا أحسن حاجة حصلت.
(ريان كان على وشك يرد بعنف، لكن صوت ارتطام وتكسير جاي من بره قطع الحوار)
ندى (تصرخ بغضب شديد):
مهاب... يا حقير! يا حيوان! اطلع يا مجنون!
ريان (مندهش):
ده صوت ندى؟!
زياد (مصدوم):
أيوه... بس إيه اللي بتعمله هنا؟!
ريان:
يلا نخرج ونشوف...
(بعد شوية، المواجهة كانت واقفة قدام بوابة الفيلا)
مهاب (ببرود متعجرف):
إنتي بتعملي إيه هنا يا ندى؟!
ندى (بعصبية جامحة):
فين حلا؟! عملت فيها إيه يا واطي؟!
ضحى (باحتقار، بتوجه كلامها لزياد):
إحنا هنا عشان ننقذ حلا بس... وبعدها هرفع عليك قضية خلع يا عديم الرجولة.
زياد (يغلي غضبًا):
ضحى! خلي بالك من كلامك.
ندى (تتقدم وتمسك ياقة مهاب):
اتكلم! عملت إيه بحلا؟!
مهاب (بارد كالجليد):
ده مش شغلك... إنتي مين أصلًا عشان تتدخلي في شؤون العيلة؟!
ندى (بعينين مولعة):
حلا مش بس صاحبتي... هي أختي، ومش هسيبها في إيدك. هطلعها من جحيمك مهما كلفني ده.
مهاب (بابتسامة باردة):
جربي لو تقدري... ودلوقتي... هترحلوا بهدوء ولا أجيبلكم البوليس؟!
ندى (بتحد ناري):
اتصل بيهم... وأنا أول واحدة هفضحك قدامهم وأقدم بلاغ ضدك.
زياد (يحاول يهدي بيأس):
ندى، ارجوك... خدي ضحى وغزل واطلعوا دلوقتي.
(لكن ندى تجاهلته خالص، وحدقت في مهاب بجرأة وقالت بصوت مليان غضب):
طول عمرك متغطرس أناني... دايمًا بتجيب التعاسة لحياة حلا... ومابقاش غير ده عشان تكمل جرائمك
قدام فيلا النجار – المساء
(ندى واقفة قدام مهاب بكل شراسة عند البوابة، وفجأة عربية فخمة وقفت قدام الفيلا، ونزل منها يوسف وهو بيساعد والدته ثريا المتعبة من السفر الطويل. الاتنين استغربوا المشهد: ضحى وغزل وندى متوترين، ريان وزياد ساكتين بوشوش متجهمة، ومهاب واقف ببرود)
ثريا (بتوجس):
في إيه هنا؟! وليه كل الدوشة دي؟!
يوسف (مستغرب وهو بيتفرج على الوجوه):
في إيه؟! ليه الكل كده؟!
(صمت قليل، ريان وزياد تبادلوا نظرات مرتبكة، قبل ما تقطع ندى الصمت بصوت ساخر مليان احتقار)
ندى:
ترجعوا من السفر وتلاقوا "السيد مهاب العظيم" حول حياة حلا لجحيم... ضربها وحبسها في أوضتها وكأنها سجينة عنده.
(اتسعت عيون يوسف بدهشة، والكلام وقع عليه كصفعة. الحقيبة وقعت من إيده على طول وارتجف قلب ثريا)
يوسف (بغضب شديد):
إيه اللي قولتيه يا ندى؟!
(التفت لمهاب)
مهاب... ده صحيح؟!
مهاب (ببرود متعجرف):
مالكش دعوة يا يوسف... دي أمور العيلة.
يوسف (ينفجر صراخ):
عيلة؟! حلا دي روحي قبل ما تبقى أختك! إزاي تقدر تعمل كده؟!
(ثريا حطت إيديها على قلبها بقلق شديد، ووشها مليان رعب)
ثريا (بصوت مرتجف):
مهاب... إيه الكلام ده؟! فين حلا؟! وليه ندى بتقول إنها محبوسة؟!
(يوسف ما استناش جواب. اندفع للأمام وركض بخطوات هائجة جوه الفيلا، والجميع وراه: ثريا مذعورة، وراهم ريان وزياد وندى وغزل وضحى. مهاب وقف لحظة جامد، وبعدها تبعهم بوشه المتحجر)
(صوت يوسف تعالى وهو بيطلع السلم بسرعة)
يوسف (بغضب شديد):
حلاااا! فين إنتي؟!
(وقف قدام باب أوضتها المغلق وضربه بكفيه بقوة لحد ما الجدران ارتجت)
يوسف (بجنون):
حلا! افتحي الباب... أنا يوسف، ردي عليا!
(الصمت كان قاتل. لا صوت، لا حركة)
(ثريا ارتجفت أكتر واقتربت وهي حاطة إيديها على الباب)
ثريا (بهمس مبحوح):
حلا... حبيبتي... افتحي... أنا خالتك...
(ندى واقفة ورا يوسف، دموع الغضب في عينيها، بينما ضحى وغزل ارتجفوا خوف)
يوسف (يصرخ ويضرب الباب بكتفه):
افتحي يا حلا! متسيبنيش كده...
(وفجأة التفت لمهاب اللي كان آخر واحد طالع، واندفع ناحيته ووشه أحمر من الغضب)
يوسف (بغضب لا يوصف):
المفتاح! إديني المفتاح دلوقتي!
(لكن مهاب ما اتحركش، وبص له ببرود كعادته)
يوسف (يصرخ بصوت يهز الفيلا):
قلب إيه ده يا مهاب اللي عندك؟! دي أختك ولا عدوة؟!
(صوت ثريا من وراهم وهي مرتجفة)
ثريا (بصوت متحشرج):
بالله عليك يا يوسف... افتحوا الباب... قلبي مش مطمن...
(يوسف رجع يضرب الباب بقوة أكبر، والدموع على وشه كادت تفلت)
يوسف:
حلاااا... ردي عليا! أنا هنا...
(لكن الغرفة فضلت صامتة، والصمت كان أقسى من أي صرخة)
(الكل واقف عند الباب، أنفاسهم متقطعة، وعيونهم معلقة على مهاب اللي ماسك المفتاح)
الغرفة – التوتر عالي، صراخ متداخل، أنفاس سريعة، ووشوش مشدودة من الغضب والخوف
يوسف (بعصبية وهو بيبسط إيده):
إديني المفتاح يا مهاب... دلوقتي!
مهاب (ببرود متعمد، مخبي المفتاح في جيبه):
مستحيل... مفيش حد هيفتح الباب غيري.
يوسف (يفقد السيطرة، بيصرخ بغضب):
أنت وحش من غير رحمة!
(ينقض عليه ويدفعه بقوة)
(يتخانقوا بعنف، ضربات متبادلة، صرخات، وصوت الكراسي بتتخبط في الأرض)
مهاب (يصرخ وهو بيرد الضرب):
ابتعد عني يا يوسف! مالكش دعوة باللي بيحصل هنا!
يوسف (ممسكه من ياقة قميصه، بيضربه بغضب):
حلا أختي... أختي قبل ما تكون أسيرة عندك! مش هسامحك لو أذيتها بأي حاجة!
(ثريا بتتأرجح ومحتاجة دعم، يدها على صدرها، كأنها هتقع.)
(غزل وضحى بتجري عليها وتحاول تساعدها)
ثريا (بصوت متقطع):
كفاية… وقفوهم… مش قادرة…
(ندى عيونها مولعة بالحقد، بتصرخ بجنون ناحية زياد وريان)
ندى (بغضب وحقد شديد):
اكسروا الباب!! اكسروا الباب حالًا!! متستنوش المجنون ده!
(زياد ما قدرش يستحمل أكتر، بيتقدم بغضب، يضرب كتفه على الباب بقوة. الطرقات تتوالى… لحد ما صوت التحطيم يعلى فجأة)
صوت كسر الباب يدوي في المكان كله…
(العراك بين يوسف ومهاب وقف لحظة، أنفاسهم مقطوعة، ووشوش الجميع اتجهت ناحية الغرفة المفتوحة… عيونهم واسعة من الصدمة)
رواية بين سطور العشق الفصل السادس عشر 16 - بقلم سيليا البحيري
فصل 16
ارتطم الباب بالأرض بعد ما كسره زياد بدفعة غاضبة، وصوت العراك وقف فجأة.
الكل اتجمد في مكانه… العيون اتسعت، والأنفاس توقفت.
ثريا (حاطة إيديها على بقها وبتشهق بحرقة):
- يا رب… حلا!
وقعت على ركبها وبتعيط بصوت متقطع، وغزل وضحى ركضوا يساعدوها قبل ما تقع.
على الأرض، كانت حلا مرمية بلا حراك، وشها شاحب، وشعرها مبعثر على البلاط البارد.
يوسف (بصوت مختنق وهو بيندفع ليها):
- حلااا!
(بركع جنبها بسرعة، حاطت إيده على جبينها وبعدين على معصمها يتأكد من نبضها)
تنفسي… يا أختي… تنفسي!
ندى (بتصرخ بغضب وهي بتبص لمهاب):
- كله منك!
(بتأشر عليه بعنيين مولعة كره)
لو حصل لها حاجة… أقسم إني مش هسامحك طول حياتي!
ريان (بينحني جنب يوسف، صوته متوتر):
- نبضها ضعيف… يوسف… لازم نوديها المستشفى فورًا.
زياد (وشه غامق):
- أنا معاك… لازم نروح حالًا، مفيش وقت!
يوسف (شايل حلا بين إيديه بسرعة، ووشه متشنج، عيونه بتلمع من دموع القهر):
- لو ماتت بسببك…
(يلتفت لمهاب بصوت جهوري ومرتعش من الغضب)
والله مش هسيبك حي!
مهاب، واقف متجمد في مكانه، حس بغصة غريبة في صدره، قلق خفي بيلسع قلبه رغم إنه حاول ينكره. عينيه معلقة على حلا في إيد يوسف، بس رجليه مش بتحرك.
ثريا (ممسكة إيد يوسف وبتعيط بحرقة):
- بالله عليك أنقذها… هي جزء من روحي، يا يوسف!
غزل (بتجثو جنب ثريا تهديها):
- اطمئني يا خالتي… يوسف مش هيقصر… هو يعتبرها زي أخته.
ضحى (تمسح دموع ثريا وهي بترتجف):
- إن شاء الله تقوم بالسلامة… بس لازم نتحرك بسرعة!
يوسف مش مستني أكتر، مشي بخطوات سريعة وهو شايل حلا بعناية.
قبل ما يطلع، استدار لمهاب للمرة الأخيرة، ووشه مرسوم عليه الاحتقار والغضب:
يوسف (بحزم):
- ما لكش أي كلمة… ولا أي حق تقرب منها بعد النهارده. أقسم إني هحميها منك، حتى لو ثمنها حياتي!
يوسف خرج بسرعة، وزياد وريان لحقوه بقلق واضح.
جوه، ثريا منهارة بين دموعها، وندى واقفة بتبص لمهاب بنظرة كره جارحة، كأنها بتطعنه من غير سيف.
ندى (بصوت حاد، مليان غضب):
- إن شاء الله طول عمرك تتعذب زي ما عذبتها…
مهاب ما ردش… بس فضل ساكت، عينيه غارقة في شرود وقلق رغمًا عنه، كأن حاجة جواه بدأت تتصدع.
********************
في لندن، الشنط مترصة في الصالة، وصوت عجلة الشنط بتجر على الأرضية الخشب، والجو مليان غضب وقلق.
فيروز (بستايل فاخر، لابسة فستان غالي رغم السفر، بتبص لمراتها ورافعه حاجبها باستنكار):
- تصدق يا أحمد؟ زياد وريان… ولادنا… بيتجوزوا بنتين مجهولتي الأصل من عيلة فقيرة! ومن غير إذننا ولا حتى رأينا! أيه العار ده؟!
أحمد (بيحاول يسيطر على أعصابه وهو يقفل الشنطة):
- فيروز… هما بقا مش عيال صغيرين. زياد شاب راجل وريان كمان… ومن حقهم يختاروا حياتهم.
فيروز (بحدة، بتنقض عليه بالكلام):
- من حقهم؟! ومن حقي أنا؟! أولاد النجار يتجوزوا بنات عاديين كده؟! أنا سهرت ليالي عشان أربيهم يبقوا نجوم، عشان يعلوا شأن العيلة، مش عشان يكسروا كبريائي كده!
أحمد (بتنهيدة عميقة، صوته فيه حزم):
- فيروز، كبرياؤك حاجة… وسعادة أولادك حاجة تانية. وبعدين اسمعي… يمكن البنتين دول يكونوا خير لهم. ماتحكميش عليهم قبل ما تشوفيهم بعينك.
فيروز (بتتلف في الصالة بعصبية، وبتلوح بإيدها):
- لا… قلبي مش مطمن. حاسة إن ولادي مش بخير… زياد، ريان، وحتى مهاب… وحلا الصغيرة! (حاطة إيدها على قلبها) مش عارفة ليه… بس قلبي كأم… بيوجعني.
أحمد (بيتوقف عن ترتيب الشنط، بيقرب منها، ماسك كتفها برفق):
- فيروز… اسمعيني كويس. أنا كمان قلقان، بس مش بس عشان الجواز… حاسس إن الوقت جه نرجع مصر خالص. الشغل هنا تعبتني، وعايز أكون قريب من ولادي.
فيروز (بتبص له بدهشة، وبعدين بتضحك ضحكة ساخرة):
- أحمد النجار… راجل الأعمال الكبير… سايب لندن عشان يقعد جنب ولاده في مصر؟! عمري ما كنت متخيلة ده منك.
أحمد (بجدية وحزم):
- ولادي أهم عندي من كل صفقات الدنيا. وحلا بالذات… (بيبتسم بحنين) هي المدللة، آخر العنقود… مش عايز أبعد عنها تاني.
فيروز (مرتبكة للحظة، وبعدين بتحاول تخبي قلقها بابتسامة متعجرفة):
- حلا؟ هي كويسة… مدللة زي ما بتحب، مفيش حاجة ناقصاها. بس… (بتسكت فجأة، حاطة إيدها على قلبها) يا رب… ليه حاسة إن فيه حاجة وحشة هتحصل؟
أحمد (بقلق، ماسك إيدها):
- ماتقدميش على الأحداث يا فيروز. بكرة الصبح هنبقى في مصر ونشوف كل حاجة بعينينا. المهم دلوقتي تكوني قوية.
فيروز (بصوت واطي، قلة ما تبين ضعفها):
- أحمد… مش قادرة أشوف ولادي بيتوجعوا.
أحمد (بيبتسم برفق، وبوس إيدها):
- وأنا كمان… بس هنقف جنبهم مهما حصل.
(لحظة صمت تقيلة، الاتنين بيبصوا للشنط كأنها شايلة معاها قرارات جديدة. صوت عربية تاكسي واقفة قدام الفيلا، فيروز لابسة المعطف الفاخر، رافعة راسها بتعجرف لكنها مخبية وراها قلق عميق. بيخرجوا مع بعض، وعين أحمد فيها إصرار إن العودة دي تكون بداية جديدة للعيلة).
*********************
في ممرات المستشفى…
النور أبيض قوي، ريحة المعقمات في المكان، وصوت خطوات بتجري وقلوب بتخفق بسرعة. حلا ورا باب الطوارئ، والدكاترة حواليها، والعيلة واقفة بره مستنية.
يوسف ماشي رايح جاي، وشه مولع من الغضب، عروق رقبته بارزة. زياد واقف متوتر، ماسك إيده ورا ضهره، ورجليه بترتعش شوية. ريان قاعد على الكرسي، وشه شاحب وبيمسك شعره بإيديه. ندى وثريا بيعيطوا بصمت، الدموع مغسلة وشوشهم. ومهاب واقف بعيد، إيده في جيبه، بيحاول يخبي قلقه، بس عينه كل شوية تبص على الباب المغلق.
فجأة يوسف وقف، استدار لزياد وريان، وصوته خرج كالصاعقة:
يوسف (بعصبية):
- إنتو! إنتو كنتوا واقفين معاه صح؟ شفتوه إزاي يرفع إيده عليها! ليه ما وقفتوشه؟ ليه سبتوه يوصلها للحالة دي؟! هي أختكم ولا لعبة؟!
زياد (يتلعثم):
- يوسف… إحنا… ما توقعنا يوصل للكده، كنا مصدومين زيك…
يوسف (صرخ مقاطعًا):
- مصدومين؟! المصيبة قدامكم وما قدرتوش تتحركوا؟! لو كنتوا رجال فعلًا كنتوا وقفتوا بينه وبينها! كنتوا فين لما كانت عم تنهار قدام عنيكم؟!
ريان نهض فجأة، عيونه حمراء من العياط، صوته مبحوح لكنه حاول يبرر:
ريان:
- يوسف، صدقني حاولت… بس مهاب… مهاب ما بيسمعش لحد! صرخت، وقفت قدامه، بس ما قدرت… هو أقوى، عنيد… وما بيسمعش غير صوت غضبه!
يوسف اتقدم خطوة لقدام، كاد يلكم ريان لولا إن ندى أمسكت بإيده بقوة:
يوسف (مشدود الأعصاب):
- مش حجة! ده مبررش أبدًا! حلا محتاجة تحس إن عندها سند، مش إخوة يتفرجوا! لو صار لها حاجة… والله ما هاسامحكم طول حياتي!
ثريا وهي بتعيط بصوت مرتجف، حطت إيدها على كتف يوسف:
ثريا:
- خلاص يا يوسف… الله يسترها… ركز بدعاءك ليها، البنت بين إيدين ربنا والدكاترة… متزودش النار يا ابني.
يوسف قفل عينيه للحظة، وزفر بقوة، بس رجع بصوته حاد وهو بيبص لزياد وريان:
يوسف (بصوت واطي لكن مليان تهديد):
- أنا مش هانسى. ومش هاسامح. ولو حصل لحلا أي حاجة… إنتو ومهاب هاتتحاسبوا قدامي واحد واحد.
بعدها صمت تقيل، محدش جرؤ يرد. كل الأنفاس محبوسة مستنية الباب يفتح، والوقت كأنه وقف.
********************
في بهو الدور الرابع في المستشفى… الجو متوتر على الآخر. يوسف واقف قدام أوضة المعاينة، وشه مشدود وإيده ورا ضهره، بيحاول يسيطر على قلقه. زياد وريان قاعدين على الكراسي المقابلة، بيتبادلوا نظرات متوترة، ومهاب واقف بيذرع الممر رايح جاي زي وحش محبوس.
باب الأسانسير اتفتح، ونزل منه مازن مسرع، ماسك أمه نادية اللي باينة عليها التعب. وراهم طلع أدهم، وشه وسيم لكنه صارم، عينيه الباردة بتفحص المكان كله. أول ما لمح مازن صديقه ريان نادى بصوت فرحان:
مازن:
- ريان! يااااه! إنت هنا؟! مش مصدق إني شفتك بالصدفة!
ركض له وعانقه بحرارة.
ريان (مبتسم متوتر):
- مازن…! إيه المفاجأة دي؟!
قبل ما يكملوا الكلام، وقع نظر مهاب على أدهم، وقف فجأة، جسمه كله توتر، عينيه مولعة غضب. صرخ بصوت مخنوق:
مهاب:
- إنت…! إيه اللي جابك هنا؟! وازاي لسه عندك وش تيجي وتتمشى قدامي؟!
نادية استغربت، بصت بين ابنها ومهاب:
- مهاب؟! إيه اللي بيحصل؟! وليه بتكلم أدهم كده؟!
أدهم وقف ثابت مكانه، مش بيتراجع خطوة واحدة، ونظراته الباردة واجهت غضب مهاب. بصوت هادي لكن مليان تحدي قال:
أدهم:
- جيت مع أمي… وصدفة ألاقيك هنا. بس شكلّك لسه بتصدق الأكاذيب.
مهاب كاد ينقض عليه، لولا إن زياد وريان أسرعوا يمسكوه، كل واحد أمسكه من دراعه. يوسف تقدم بصرامة:
يوسف:
- مهاب! كفاية… المكان مش ناقص فضايح. ركز في أختك دلوقتي.
مهاب كان مزفر بغضب ويشاور على أدهم:
مهاب:
- أختي اتدمرت بسببه! الصور اللي واصلة ليا مش محتاجة شرح. وما تقولولي براءة! أنا عارف النوع ده… بيتسلى بالبنت وبعدين يرميها!
نادية شهقت بدهشة، بصت لأدهم مصدومة:
- إيه الكلام ده؟!
مازن واقف مذهول، بص لريان وبعدين لأخوه:
- استنوا! حد يفهمني، إيه اللي بيحصل؟! إيه موضوع الصور ده؟!
حلا؟ تقصدوا أخت ريان؟
مهاب بصوت ساخر كأنه بيسكب سم:
– أيوة… اللي اتضح إنها لعبة في إيد أخوك. كان بيمثل عليها الحب عشان يستغلها… ودي النتيجة، فضيحة.
أدهم لأول مرة غير ملامحه، لمعة غضب باردة ظهرت في عينيه، بس ما صرخش، بس تقدم خطوة لقدام وبص في عين مهاب بنبرة مليانة احتقار:
– الحقير مش أنا… الحقير هو اللي يصدق ورقة وصورة وما يصدقش أخته. اللي يحاكمها من غير ما يسمعها. اللي يخليها تنهار وهو واقف يتفرج. أنا ما بلعبش بمشاعر حد… وأختك بريئة، سواء صدقت أو لأ.
مهاب حاول يفلت من زياد وريان عشان يهجم عليه، بس يوسف بصوت صارم جدًّا رفع إيده:
– كلمة كمان يا مهاب وأنا اللي هوقفك… مش أدهم. فوق لنفسك.
الجو كله توتر، ونادية حطت إيدها على صدرها بقلق:
– أنا مش فاهمة أي حاجة… بس اللي متأكدة منه إن في حاجة كبيرة مدفونة هنا.
وفجأة، باب أوضة المعاينة اتفتح، وخرج الدكتور بخطوات هادية، ماسك ورق بين إيده. الكل اتلفت له في لحظة، كأن الزمن وقف.
الدكتور بصوت جاد:
– عندي أخبار عن حالة الآنسة حلا…
********************
في ردهة المستشفى… الكل واقف على أعصابه، عيونهم كلها على الدكتور وهو خارج من أوضة المعاينة. رفع راسه وبص على يوسف الأول وبعدين قال بصوت هادي وموضوعي:
– اطمّنوا… البنت بخير جسمانيًّا، مفيش أي كسور أو نزيف جوه، مجرد شوية كدمات وخدوش بسيطة… بس حالتها النفسية تعبانة جدًّا. محتاجة راحة ودعم نفسي حقيقي.
الكل تنفس الصعداء، وندى حطت إيديها على صدرها بارتياح.
ندى بحزم وهي بتبص لمهاب:
– الحمد لله… بس اللي حصل معاها مش سهل خالص يا مهاب. إنت السبب في كل اللي حصل، وبحلفلك… لو ما وقفتش عند حدك، أنا اللي هوقفك.
مهاب التفت لها بغضب، بس يوسف كان أسرع:
يوسف بصرامة ورافع إيده في وش مهاب:
– خلاص يا مهاب، كفاية لحد هنا. القصة مش هزار. أنا عايز أشوف الصور اللي بتتكلم عنها. أنا وأدهم مع بعض… لو إنت واثق إنها حقيقية، مفيش هروب. ونشوف مين اللي لعب بالموضوع ده.
مهاب شد فكه وعروق رقبته نافرة:
– الصور قدامي… ومش هتهرب. أنا شفتها بعيني، ومفيش داعي تدافعوا عن واحد زي أدهم.
أدهم واقف ببرود قاتل، وشه بقى كأنه حيطة جليد، وبص في عيون مهاب بابتسامة ساخرة صغيرة:
– المشكلة مش بالصور يا مهاب… المشكلة إنك صدقتها. صدقتها من غير ما تسمع كلمة من أختك. حتى لو بتكرهني أو شاكك فيّ، مكنش لازم تظلمها.
مهاب انفجر غضب، خطى خطوة ناحية أدهم، لكن ريان وزياد وقفوه فورًا.
ريان:
– مهاب، هدي أعصابك!
يوسف تقدم خطوة، صوته ما بيتقبلش أي جدال:
– الصور لازم أشوفها… دلوقتي.
مازن واقف مذهول، عيناه بتتنقل بين صديقه ريان وبين أخوه أدهم ومهاب.
مازن بصوت مضطرب:
– أنا مش فاهم حاجة… صور؟ أختك يا ريان؟ وأخي ليه في الموضوع؟ حد يشرحلي!
نادية، اللي كانت متكئة على دراعها، بصت بحيرة:
– صح… أنا مش فاهمة حاجة. مهاب، إنت بتقول إيه؟
مهاب ابتسم ابتسامة ساخرة لاذعة، وبص لنادية وقال:
– أبسطلك يا مدام نادية… ابنك الحبيب أدهم طلع واحد حقير بيتسلى ببنات الناس. واللي مع أختي في الصور… هو.
نادية شهقت، حطت إيديها على بقها بصدمة:
– إنت بتقول إيه؟!
مازن التفت بسرعة لأخوه:
– أدهم؟! ده صح؟!
أدهم رفع حاجبه، وابتسامة باردة على وشه، وبص لمهاب باحتقار:
– مضيعة وقت… مفيش داعي أبرر. الأيام هتوري مين الحقير ومين الضحية.
مهاب كاد ينقض عليه تاني، لكن يوسف رفع صوته بصرامة لأول مرة:
– مهاب… ولا كلمة زيادة. الصور عايزين نشوفها دلوقتي. أنا وإياه وبس.
ساد صمت مشحون، ما قطعه غير الدكتور لما رجع وفتح باب الأوضة شوية:
– ممكن تهدوا الأصوات؟ المريضة محتاجة راحة تامة.
وبعدين خرج الدكتور تمامًا، ماسك ملف في إيده، وقال للجميع بصوت أخف:
– قلتلكم… حالتها مستقرة جسمانيًّا، بس لازم تراعوا نفسيتها الفترة الجاية.
الكل تبادل نظرات ثقيلة… يوسف مصرّ، مهاب متصلب، أدهم أبرد من الجليد، وندى ومازن غرقانين بالذهول والارتباك.
*******************
في شقة سيرين – شقتها الفخمة اللي متغلب عليها شوية فوضى
الوقت مساء، موسيقى صاخبة في الخلفية، كوبايات فاضية على الطرابيزة، وستاير نص مقفولة. سيرين قاعدة على الكنبة، لبسها لامع، رجل على رجل، وشها متجبر، سيجارة في إيد وكوباية في التانية. رنا قاعدة متوترة على الكرسي المقابل، بتحرك صوابعها بعصبية وبصيت حواليها كأنها خايفة حد يطلع من الضلمة.
سيرين بتضحك بسخرية وهي بتنفخ دخان السيجارة:
– هاااااه رنوش… شِفتي لعبتي صح؟ ولا حتى الشيطان يقدر يخطط بدهاء زيي. حلا المسكينة… تتنهد بسخرية… تخيلي وشها لما أخوها شاف الصور.
رنا بصوت متردد وهي متشابكة إيديها:
– سيرين… مش هتبالغي شوية؟ يعني… صور مفبركة! ده مستقبل بنت، سمعة عيلة كاملة! ما خفتيش ربنا؟
سيرين رافعة حاجبها وبتقهقه:
– ربنا؟ يا حبيبتي، ربنا مش بيحسب الحسابات بتاعت الانتقام. أنا خلصت… كنت عايزة أحرق قلبها… ونجحت! مهاب صدّق الصور ورماها زي الكلاب. أحسن حاجة! خليها تعرف قيمتها.
رنا بصوت مرتجف:
– بس ليه يا سيرين؟ هي ما أذتك… كانت تعتبرك أقرب صديقة!
سيرين بتقرب منها بحدة، حطت السيجارة على الطرابيزة وبصت في عينيها:
– وهي غلطت لما وثقت فيا. تضحك بخبث… هي أحلى مني؟ أكتر براءة؟ الكل بيحبها؟ لأ، أنا لازم أكون فوقها. الدنيا ما بتساعش اثنين… يا أنا يا هي.
رنا تحاول تبتسم عشان تخفي خوفها:
– بس… يعني لو انكشف إنك ورا الموضوع؟ الصور مفبركة… ممكن حد يكتشف!
سيرين تصقع ضاحكة:
– يكتشفوا؟ إزاي؟! أنا ذكية، غطيت كل أثر. وحتى لو شافوا إنها مفبركة… الكل أصلًا شافها وصدق! مش فارقة معايا. الكلمة اللي اتقالت مرة، بتفضل ملتصقة للآخر. حلا خلصت، انكسرت، ومفيش حاجة ترجعها.
رنا تخفض راسها وهمس:
– إنتي بتخوفيني يا سيرين… بجد، مش عارفة أستمر صاحبتك أو…
سيرين تمسك إيدها بقوة مفاجئة وتضغط عليها:
– أو إيه؟ عايزة تفضحيني؟ جربي، وشوفي صورك إنتي كمان تطلع على النت. صدقيني عندي ملفات تخليكي تهربي من البلد كلها.
رنا ترتجف، تسحب إيدها بسرعة:
– ل… لا طبعًا! أنا مش هقول حاجة… بس بترجاكي وقّفي هنا.
سيرين ترجع تقعد بهدوء كأن مفيش حاجة، تشرب رشفة من الكوباية:
– رنا… عيشي وتعلمي… الدنيا لعبة، والذكية هي اللي تعرف تحرك البيادق. وأنا… ترفع راسها بغرور… أنا الملكة.
رنا بتبلع ريقها بصعوبة، بتبص على الباب وكأنها نفسها تهرب فورًا.
*********************
بينما كانت تتكلم سيرين، كانت كريمة، والدة سيرين، تقف خلف الباب، يدها ترتجف وهي تمسك بمقبضه. عيناها امتلأتا دموعًا من هول ما تسمع. لم تتوقع يومًا أن تخرج من ابنتها كلمات كهذه.
كريمة تقتحم الغرفة فجأة، بعاصفة غضب:
سيرين!!!
قفزت رنا من مكانها بفزع، بينما استدارت سيرين ببطء، نظرة البرود لم تفارق وجهها.
كريمة بصوت مبحوح، مرتجف:
إنتِ… إنتِ اللي عملتِ كل ده؟! إنتِ اللي خرّبتِ سمعة بنت بريئة؟! إنتِ… إنتِ مش بنتي!
رفعت يدها وصفعت سيرين بقوة جعلت الأخيرة تترنح للحظة.
سيرين تصيح بجنون:
إزاي ترفعي إيدك عليّ؟!
كريمة بدموع وغضب:
ربيتك عشان تكوني إنسانة… طلعتِ وحش! عار عليّ… عار!
في تلك اللحظة، لمعت عينا سيرين بشيء مظلم، كأن الشيطان نفسه يسكنها. مدت يدها بخفة نحو الدرج، أخرجت منه سكينًا كانت تخبئها.
رنا تشهق برعب:
سيرين! إيه ده؟! إوعي!
كريمة بصدمة، متراجعة:
إنتِ… إنتِ مش هتعملي كده… إنتِ بنتي…
لكن سيرين تقدمت بخطوات باردة، نظرتها قاسية كالجليد.
سيرين بصوت منخفض، كالمسحور:
أنا مش بنتك… أنا سيّدة نفسي… وإنتِ الضعف اللي لازم يختفي.
وبحركة خاطفة، غرست السكين في صدر والدتها. صرخة مبحوحة خرجت من فم كريمة وهي تسقط أرضًا، عيناها متسعتان بخيبة وألم لا يوصف.
رنا تصرخ، تتراجع للخلف:
يا مجنونة!!! قتلتي أمك!!!
سيرين التفتت نحوها، وجهها يتقطر بالجنون، وضحكة مرعبة انطلقت منها.
سيرين:
وإنتِ كمان… كنتي هتفضحيني في أي لحظة، صح؟! مش هسيب فرصة لحد يوقفني!
قفزت على رنا بسرعة مفترسة، ورنا تصرخ وتترجى:
رنا باكية:
لااا! بالله عليكي لاااا!!
لكن الطعنات لم تتوقف… واحدة تلو الأخرى، حتى خمد صوت رنا، وسقط جسدها بجوار جثة كريمة.
الغرفة الآن امتلأت برائحة الدم، وصوت أنفاس سيرين المتقطعة. نظرت حولها، ثم جلست على الأرض بين الجثتين، ضحكتها تتصاعد شيئًا فشيئًا حتى تحولت إلى نوبة هستيرية.
سيرين بهمس:
محدش هيوقفني… محدش…
********************
السكين تسقط من يد سيرين مغطاة بالدماء… عيناها تزوغان يمينًا ويسارًا، أنفاسها متقطعة كأنها تخرج من كابوس لتجد نفسها وسطه. جسد والدتها كريمة ملقى أرضًا بلا حراك، ودموعها لم تجف بعد… ورنا تحاول بصعوبة أن تتنفس، لكن جرحها كان غائرًا.
سيرين بصوت مرتجف، تضع يديها على رأسها:
لا… لا… مش ممكن! إيه اللي عملته؟!
(ترتجف وترجع للخلف تصطدم بالحائط) أنا... أنا كنت بهزر... لأ... لأ ده مش حقيقي!
تنظر إلى يديها الملطختين بالدماء وتصرخ:
سيرين: دم؟! دمي إيه ده... لاااا!
رنا، بصوت مبحوح ضعيف، بالكاد تسمعها:
رنا: أنتي... شيطان... قتلتِ...
سيرين (تقترب منها مرعوبة): أسكتي! أسكتي بلاش تتكلمي... محدش هيعرف... محدش لازم يعرف!
رنا تغلق عينيها ببطء وتفقد أنفاسها الأخيرة.
الصمت يملأ المكان، فقط صوت دقات قلب سيرين العنيفة وارتجاف أنفاسها.
سيرين (تهمس لنفسها، تحاول تبرير ما حدث): أنا ما كنتش أقصد... هي اللي استفزتني... أمي كمان... آه، هي اللي جابت ده لنفسها، طول عمرها تقارني بغيري... أنا مش وحشة... أنا مش مجنونة!
وفجأة، تدرك خطورة الموقف... والدها فايز قد يعود في أي لحظة، وأخوها ماهر المعروف بقسوته عليها لن يرحمها إن اكتشف.
تنهض بسرعة، تتعثر بقطرات الدم، ثم تركض نحو النافذة لتتأكد أن الشارع فارغ.
سيرين (تتنفس بسرعة): لازم أهرب... لازم أختفي قبل ما يرجعوا... ماهر هيقتلني... لأ، مش هيقتلني، هيوديني في ستين داهية!
تبحث بعشوائية في الخزانة عن حقيبة صغيرة، ترمي بداخلها بعض الملابس والنقود التي كانت مخبأة. يداها ترتعشان وهي تحاول إغلاق السحاب.
تتوقف فجأة وتنظر لجثة والدتها، دموعها تنهمر لكنها تزداد اضطرابًا:
سيرين: سامحيني يا ماما... أنا ما كنتش عايزة كده... بس إنتي اللي جبتيها لنفسك! كنتي دايمًا تشوفي ماهر أحسن مني... كنتي دايمًا تقللي مني!
تضحك ضحكة هستيرية قصيرة ثم تكتم فمها بيدها خوفًا أن يسمعها أحد.
ثم تلتفت نحو الباب، تسمع صوت سيارة تقترب أمام البيت...
سيرين (بصوت مرتعش): بابا؟! لأ... لأ مش دلوقتي!
تأخذ حقيبتها وتجري نحو الباب الخلفي، تتوقف لحظة عند المرآة... تنظر إلى وجهها الملطخ بالدماء، وتصرخ بخوف حقيقي:
سيرين: أنا... أنا وحش!
تمسح الدم بسرعة على ثوبها، ثم تندفع للخارج قبل أن يفتح والدها الباب الأمامي.
********************
في اللحظة دي...
اتفتح باب البيت بعنف، وفايز دخل بخطوات تقيلة وهو بينادي:
- "كريمة!.. فينك يا كريمة؟!"
وراها ماهر شايل شنطته الطبية، وشه الجاد المعتاد بيخليه له وقار. لكن أول ما وصلوا للصالون، اتوقفوا فجأة.
عيونهم اتسعت، والصدمة جمدت الدم في عروقهم. كريمة ممددة على الأرض بلا حراك، دمها مغطي السجادة. جنبها رنا بتتنفس بصعوبة، وصوتها بيتهدج بالأنين.
فايز صرخ، صوته اختنق:
- "ياااا رب... كرييييمة!!"
اندفع ليها، ركع جنبها يحاول يحركها، يضغط على جرحها بإيده المرتجفة. دموعه سالت بغزارة وهو بيصرخ باسمها.
أما ماهر، ركع بسرعة جنب رنا، فتح شنطته الطبية وحاول يسعفها.
صوته كان ثابت رغم ارتجاف قلبه:
- "تماسكي يا رنا... تنفسي... أنا معاكِ، متخافيش."
رفعت رنا عينيها بصعوبة، نظراتها ضبابية لكنها مليانة رعب. حاولت ترفع إيديها المرتجفة، وأمسكت بكم ماهر.
همست بصوت متقطع، أنفاسها بتتقاطع بين كل كلمة والتانية:
- "م... م... ماهر... سير... سيرين... هي... اللـ... قتلتنا."
ماهر شهق بقوة، دمه تجمد للحظة. قرب أكتر، صوته غضب ومذعور في نفس الوقت:
- "إيه؟ قلتي إيه؟ مين؟"
دموع رنا نزلت، عينيها بتلف، وقبل ما تكمل صوتها انقطع خالص. جسمها ارتخى بين إيده.
ماهر صرخ:
- "رنااا! لاااا!"
لكن عرف فورًا إن قلبها وقف. حاول ينعشها، ضغط على صدرها بقوة، لكنه عارف إن الموضوع انتهى.
في اللحظة دي، رفع عينيه المليانة نار على جثة مامته. وبعدين استدار ببطء، وصوته طلع عميق ومرعوب من الحقيقة:
- "مستحيل... سيرين؟! أختي هي اللي عملت كده؟!"
أما فايز، انهار جنب جسم مراته، وشه شاحب ودموعه بتنهمر بغزارة. صرخ بصوت مبحوح وهو بيهزها:
- "كريمة اصحي... متسيبنيش... أنا مش عايش من غيرك! كريمة!!"
ماهر قرب، حط إيده على كتف أبوه بقوة وحاول يسيطر على نفسه رغم انفجار الألم جواه:
- "بابا... لازم نبلغ الشرطة فورًا... سيرين مجنونة. لو عملت كده، مش لازم نسيبها تفلت."
فايز رفع راسه ببطء، عيونه غارقة في دموعه وصدمته، وصوته بالكاد خرج:
- "سيرين؟... بنتي؟... لااا، مستحيل... ما توصلش للوحشية دي!"
لكن نظرة ماهر الحادة، المليانة بالقسوة واليقين، خلت الحقيقة تثبت زي الكابوس:
- "سمعت بنفسك يا بابا... رنا قالت اسمها. سيرين هي اللي قتلت ماما... وهي اللي طعنت رنا قدامي."
فايز شهق بشدة، حاسس قلبه اتقسم نصين. قعد على الأرض جنب جسم كريمة، واضغط راسه بين إيده كأنه فقد عقله:
- "يا رب... ليه كده؟! أنا كنت فين وأنا بربي بنتي تصير وحش؟!"
أما ماهر، رغم الألم اللي بياكل صدره، وقف بسرعة، قبضته مشدودة ووشه متجمد من الغضب:
- "رح ألاقيها... ولو تحت الأرض... هتدفع تمن كل نقطة دم سفكتها."
وساب وراه صرخة فايز الممزقة، وصوت بكائه وهو بيحضن جثة كريمة، وفي نفس الوقت البيت كله بقى ساحة موت، والجو مليان ريحة الدم والخيانة.
**********************
في الغردقة، لوسيندا قاعدة على اليخت، مستندة بذراعها على طرف الترابيزة الصغيرة قدامها، وعيونها مركزة على البحر بصمت. هوا المغرب بيلمس خصل شعرها بلطف. كريم قايم قدامها، بيراقبها كأنها القمر بعينه.
كريم (بابتسامة دافية وهو بيمد إيده ليها):
- "لوسيندا... تعرفي لما تصمتي كده، بتبقي أجمل؟ كأنك لوحة محدش جرّب يمسها."
لوسيندا (رافعه حاجبها بتردد):
- "كريم... ساعات بحس إنك بتبالغ قوي... بجد شايف كل ده فيا؟"
كريم (ممسك إيديها بحذر كأنه ماسك حاجة غالية):
- "أبدًا، أنا مش ببالغ... كل حاجة فيك بتخليني أحس إني طفل صغير قدامك. مش عايز حاجة من الدنيا غير إني أقعد جنبك."
لوسيندا بصتله فترة طويلة، صوته كان صادق بطريقة عمرها ما شافت قبل كده. قلبها اللي كان متجمد قدام خطوبتهم المفروضة بدأ يدوب شوية شوية.
لوسيندا (بتبتسم بخجل نادر):
- "طفل صغير؟ وإيه بقى الراجل اللي المفروض يكون خطيبي؟"
كريم (بيضحك بخفة، وبعدين حاطت إيده على صدره):
- "الرجالة قدام العالم... لكن قدامك أنا طفل، محتاج حنانك ونظرتك، وحتى كلمة صغيرة منك بتخليني أسعد إنسان على وش الأرض."
ابتسامة لوسيندا اتسعت، قلبها بدأ يخفق بطريقة مختلفة. مدت إيدها ولمست وجنته برفق، حسّت بحرارة جسمه تحت صوابعها.
لوسيندا (بهمس):
- "أنت غريب يا كريم... بتحسسني بحاجة عمري ما حسيت بيها قبل كده."
كريم (بيبص لها بعينيه اللي بتلمع بالحب):
- "قوليلي بس إنك بدأتِ تحسي بيا... ده كفاية بالنسبة لي."
لوسيندا تصمت شوية، وبعدين ابتسمت ابتسامة صغيرة، بس كانت كفاية تشعل قلب كريم فرحة. قرب منها أكتر، وهو بيتمتم كأنه بيعد نفسه قبلها:
- "هخلي قلبك يحبني... مش عشان مجبرة، لكن عشان قلبك في الآخر هيختارني."
ولأول مرة، لوسيندا ما حسّت بانزعاج
من قربه... بالعكس، حسّت بدفا ماعرفتش طعمه قبل كده.
********************
في مطار القاهرة الدولي، الدنيا كانت زحمة والناس ماشية يمين وشمال، صوت العفش وحقائب الناس بتتجر على الأرض، والمذيعة الداخلية بتعلن عن الرحلات، وناس كتير بيجروا عشان يلحقوا مواعيدهم. وسط كل ده، أحمد وفيروز ماشين مع بعض بخطوات هادية ناحية بوابة الخروج.
فيروز كانت متحمسة واضح، لابسة نظارة شمس غالية وبتعدل حجابها من وقت للتاني، وعيونها فيها بريق من الترقّب. بصّت لجوزها وقالت بنبرة ساخرة شوية:
فيروز (بابتسامة جانبية):
- "مشتاقة أشوف زوجات أولادنا، والله يا أحمد... من كلام زياد وريان عنهم، باين إنهم مجرد... شحاذتين اتخيلوا نفسهم رقي عشان يوقعوهما في الشباك."
أحمد وقف فجأة، تنهد، وبص لها بحدة فيها هدوء:
أحمد:
- "فيروز... بالله عليكِ. ما تبدأيش كلامك كده قدامهم. أولادنا اختاروا، والاختيار ما كانش سهل، ومش من حقك تأذيهم أو تأذي زوجاتهم."
فيروز رفعت حاجبها باستنكار:
فيروز:
- "أحمد! عايزني أصفق لهم وأتظاهر بالفرحة؟ أنا أمهم... كنت أتمنى لزياد وريان زوجات من طبقة تليق بيهم، مش نص نساء مالهمش أصل ولا نسب!"
أحمد قرب منها أكتر، مسك إيديها بلطف لكن شدد كلامه:
أحمد:
- "اسمعي يا فيروز... أنا عارف إنك عنيدة، لكن زياد وريان بيحبوا زوجاتهم. لو نطقتِ بكلمة جارحة، هتكسرِ قلوب أولادك، ومش هتسلمي نفسك بعد كده. تحبي يشوفوكِ كعدوة بدل ما تكوني الحضن اللي يلجأوله؟"
فيروز صمتت شوية، ارتبكت من نبرته الجادة، لكن ما استسلمتش:
فيروز (بغنج مصطنع):
- "أنا بس خايفة على أولادي... خايفة حد يستغلهم. أنت مش عارف الستات زيي."
أحمد ابتسم بخفة، كأنه يعرف طباع مراته كويس:
أحمد:
- "وأنا عارفك يا فيروز... لسانك أسرع من دماغك. بس بطلب منك تضبطي نفسك.
إحنا جايين هنا نفرح ونحضن عيلتنا، مش نفتح معارك.
فيروز حطت شنطتها على كتفها، وطلعت نفس طويل فيه شوية استسلام، وبعدين قالت بهدوء:
تمام… هحاول… بس ما تلومنيش لو مش عاجبني المنظر.
أحمد ابتسم وكمل ماشي جنبها وهو يتمتم:
أهم حاجة كلامك ما يوجعش زياد ولا ريان… عايزهم يشوفوا أمهم اللي اشتاقوا لها، مش ست غريبة بتقسو عليهم.
وبينما كانوا بيقربوا من بوابة الوصول، قلب أحمد كان مليان قلق من رد فعل مراته، وفيروز كانت خليط من الفضول والغرور، مستنية اللحظة اللي تشوف فيها زوجات أولادها عشان تحكم عليهم… من غير ما تعرف إن اللي جاي هيقلب كل مفاهيمها رأسًا على عقب.
رواية بين سطور العشق الفصل السابع عشر 17 - بقلم سيليا البحيري
في أوضة صغيرة فاضية في الدور الرابع في المستشفى، الصبح كان داخل من ورا الستاير البيضا، بس الجو جوه الأوضة كان مليان توتر.
مهاب واقف متخشب، إيده ورا ضهره وملامحه كلها غضب وصرامة، عينه معلقة بأدهم اللي قاعد على كرسي قدامه وباصص له بتحدي واضح.
زياد وريان واقفين متوترين جنب الشباك، ومازن قاعد على طرف السرير عينه مليانة قلق. يوسف واقف جمب راجل شيك ماسك لابتوب – ده كرم، صاحبه المبرمج.
مهاب (بغضب وهو باصص لأدهم):
"مش هتطول… شوية وقت ونعرف حقيقتك."
أدهم (بابتسامة باردة متحدية):
"الحقيقة يا مهاب بتبان دايمًا… حتى لو اتأخرت شوية."
زياد طلع نفس بضيق، وريان واقف ساكت بس التوتر باين عليه.
يوسف (بهدوء وهو بيشاور على كرم):
"كرم فحص الصور كويس، ده صاحبي وأنا واثق فيه. اسمعوا اللي هيقوله."
كرم قعد على الكرسي وحط اللابتوب قدامه، ضغط شوية أزرار وبعدين رفع راسه بثقة:
"الصور اللي وصلت لمهاب… مزيفة. متفبركة بالكامل ببرامج متطورة. الدمج معمول باحتراف، بس يتكشف بسهولة لو اتدقق فيها."
الكلام وقع زي الصاعقة على مهاب.
وشه تجمد، وبص لكرم ثواني، وبعدين لف ببطء ناحية أدهم.
أدهم (قام واقف وباصص له بانتصار):
"سمعت يا مهاب؟ أنا بريء… والأهم إن أختك حلا بريئة كمان."
مهاب خبط بإيده على الترابيزة جامد، وصوته بيرتعش من الغضب:
"بس… أنا رحت قبل كده لواحد وفحص الصور وقال لي إنها حقيقية!"
كرم (بهدوء):
"الراجل ده يا جاهل… يا إما واخد رشوة. الصور ما ينفعش حد يغلط في كشفها."
يوسف هز راسه ببطء، ونظرته مليانة عتاب:
"إزاي ما فكرتش لحظة إن حلا مستحيل تعمل كده؟ إزاي ما اديتهاش فرصة تشرح؟ دي أختك يا مهاب… بنتك الصغيرة اللي ربيتها بإيدك."
مهاب ساكت، وشه محمر وأنفاسه سريعة.
زياد رجع لورا وحط إيده على وشه وقال بصوت مخنوق:
"يا نهار أبيض… وإحنا صدقناك يا مهاب. سبناها لوحدها… ما وقفناش معاها."
ريان بص لتحت ودموعه بتلمع:
"كنا عايزين نساعدها… بس خفنا منك. خفنا من غضبك… وخسرنا ثقة أختنا."
مازن قام فجأة فرحان:
"أنا كنت متأكد! كنت عارف إن حلا بريئة… الحمد لله الحقيقة ظهرت."
أدهم قرب من مهاب وقال بنبرة قوية حادة:
"إنت ظلمت أختك… وكسرت قلبها. استحمل بقى وزر كل دمعة نزلت من عينها بسببك."
الكلام وقع على قلب مهاب زي السكينة، ما عرفش يرد.
رجع لورا، قعد على الكرسي، ومسك راسه بين إيديه والصدمة مالية وشه.
يوسف بص له طويل وقال بصوت واطي لكنه صارم:
"يا مهاب… ساعات ما بنخسرش من أعدائنا… بنخسر من قسوتنا على اللي بنحبهم."
سكتت الأوضة فجأة، كأن النفس اتحبس فيها.
أدهم بص ليوسف بنظرة قصيرة فيها انتصار واطمئنان، وبهمس لنفسه كأنه بيكلم قلبه:
"حلا… قريب أوي براءتك هتكون قدام الكل."
***
في أوضة المستشفى، الجو كان ساكت غير صوت جهاز التنفس الخفيف.
حلا فتحت عينها بشويش، طلعت أنين خفيف من شفايفها، وحركت جسمها على السرير شوية. فجأة حست صداع جامد… وفكرت على طول في كل حاجة: اللكمات، الصراخ، الأبواب المقفولة، ضلمة الأوضة… مهاب الغاضب، دموعها وهي بتستجديه إنه يصدقها.
الصور رجعت تاني في دماغها زي السكاكين، فشهقت، إيدها ارتجفت، والدموع نزلت من غير ما تقدر تمسك نفسها.
حلا (بصوت مرتجف وهي رافعة إيديها على وشها):
"لا… لا… بالله عليكم… صدقوني… أنا بريئة… ما عملتش حاجة… أقسملكم ما عملتش أي حاجة…"
ندى قامت بسرعة من الكرسي، أمسكت إيد حلا جامد وقالت بعصبية وحنان في نفس الوقت:
"اسكتي يا حبيبتي! مين قال إننا مش مصدقينك؟! إحنا معاك يا حلا… دايمًا معاك."
ضحى قربت وقعدت على طرف السرير، عينها مليانة دموع، مدت إيديها وربتت على كتف حلا:
"إحنا عارفينك كويس… عارفين قلبك الطيب… مستحيل تعملي اللي اتهموك بيه."
غزل، برقتها المعهودة، قعدت جنب راس حلا ومسحت على شعرها بحنية:
"ولا ثانية خطر على بالنا نشك فيكي… إنتي زي أختنا، وهنفضل معاكي مهما حصل."
ثريا، خالة حلا، ما قدرتش تمسك نفسها أكتر، قربت وفتحت دراعها، وسحبت حلا لحضنها بحنان أمومي دافي.
ثريا (بصوت حنون مرتجف):
"تعالي في حضني يا بنتي… أنا مصدقاكي من قبل ما تتكلمي. حلا، إنتي غالية علينا كلنا… صدقيني، الحق هينكشف مهما طال."
حلا تشبثت بثريا زي طفلة صغيرة، دموعها نزلت على كتفها:
"بس… مهاب… ما صدقنيش… هو كسرني… وأنا كنت فاكرة إنه أكتر حد في الدنيا هيحميني. وزياد… وريان… كلهم… سيبوني."
ندى أمسكت وش حلا بإيديها الاتنين وأجبرتها تبص فيها:
"إنتي ما فقدتيش حد… هما اللي فقدوا نفسهم لما ظلموك. واللي بيحبك فعلًا… هيرجع لك ندمان وواقف تحت رجلك."
ضحى هزت راسها موافقة:
"مش لازم تلومي نفسك، الغلط مش غلطك يا حلا… الغلط غلط اللي صدق الكذب وما صدقش قلبك."
غزل ضمت إيد حلا ليدها وقالت برقة:
"إحنا معاكي… كلنا. لحد ما تقفي على رجلك تاني."
ثريا مسحت دموع حلا وهي مبتسمة رغم الحزن:
"خليه درس يا بنتي… مش كل اللي بنحبهم بيفضلوا سند. بس اللي بيظلم بيرجع يندم، وده اللي هيحصل. صدقيني، ربنا مش هيسيبك."
حلا شهقت من البكاء، لكن لأول مرة من أيام حست شوية دفء، شوية أمان…
رفعت عينيها المبلولة بالدموع وبصت لهم كلهم، وبهمس بصوت مبحوح:
"شكرًا… شكرًا إنكم صدقتوني… ما كنتش هعرف أعيش لو حسيت إنكم كلكم سيبوني."
ندى ضغطت إيدها جامد، وقالت بابتسامة فيها قوة:
"لو الدنيا كلها ضدك… أنا معاكي. فاهميها صح يا حلا."
ضحى وغزل تبادلوا نظرات مليانة حب، بينما ثريا ضمتها أكتر كأنها بتحميها من الدنيا كلها.
***
وهي لسه حلا في حضن خالتها ثريا، والدموع ناوية تغطي وشها، اتفتح باب الأوضة بشويش. دخلت نادية بخطوات هادية، ومازن وراها مبتسم ابتسامة خجولة.
كل العيون اتجهت ناحية نادية. حلا بصت بدهشة، معرفتش السيدة الأنيقة اللي وشها طيب كده.
ندى همست لحلا:
"دي أم أدهم…"
حلا شهقت بشويش، مسحت دموعها بسرعة، وقلبها بدأ يخبط أكتر من قبل.
نادية (بصوت حنون وهي بتقرب):
"السلام عليكم… يا بنات، ممكن أدخل؟"
ثريا وقفت بابتسامة:
"طبعًا تفضلي يا حبيبتي… أهلًا وسهلًا."
نادية قربت لحد ما وقفت جنب السرير. بصت لحلا بنظرة طويلة، مزيج من الحنية والدهشة… بعدين قعدت على الكرسي اللي جنبها.
نادية (بابتسامة دافية):
"إنتي حلا… صح؟"
حلا ترددت، بعدين هزت راسها بخجل:
"أيوه… أنا حلا."
نادية (وعيونها لمعت):
"سبحان الله… كنت دايمًا بتمنى يبقى عندي بنت. عندي أدهم ومازن بس… لكن عمري ما حسيت بإحساس الأم مع بنت. يمكن عشان كده حسيت من أول ما شفتك إنك زي بنتي."
حلا فتحت عينها بدهشة، وقلبها رجع يخبط جامد… ما كانتش متخيلة تسمع الكلام ده من واحدة بتقابلها لأول مرة.
حلا (بصوت خافت ومرتبك):
"شكرًا… حضرتك طيبة جدًا."
ندى ابتسمت بمكر وقالت:
"يا حلا… باين إنك لقيتي أم تانية هنا."
ضحى ضحكت بشويش:
"مش بس أم… شكلها بتحبك من أول نظرة."
غزل أومأت:
"سبحان الله، الروح للروح."
نادية مدت إيدها ومسحت دمعة لسه على خد حلا:
"ما تعيطيش يا بنتي… اللي ظلمك هيرجع ندمان. أنا مش عارفة القصة كلها… بس واثقة إن الحق معاك. واللي يشوف عينك يعرف إنك نقية."
حلا ما قدرتش تمسك نفسها، اندفعت وحطت راسها على كتف نادية، والدموع نزلت تاني، لكن المرة دي دموع ارتياح:
"محتاجة حد يصدقني… محتاجة حد يضمني كده."
نادية ضمتها جامد، وعينيها مليانة دموع:
"اعتبري نفسك بنتي… ومن النهارده، أنا أمك."
مازن ابتسم وهو بيتفرج على المشهد، وقال بمزاح كده ليخفف الجو المؤثر:
"خلاص يا جماعة… من النهارده عندنا أخت جديدة في العيلة. وأدهم… لو عرف إن أمي حبتها قبل ما هو يقول كلمة، هيموت من الغيرة."
الكل ضحك رغم دموعهم، حتى حلا ابتسمت من قلبها لأول مرة من أيام.
ثريا بصت لنادية بامتنان:
"ربنا يبارك لك في قلبك الطيب. حلا محتاجة حب زي ده."
نادية ابتسمت:
"وربنا جبر بخاطري بيها زي ما جبرت بخاطرها."
الأوضة امتلأت بدفا مختلف… لأول مرة من زمان طويل، حست حلا إن في سند جديد في حياتها… أم جديدة، جات في اللحظة اللي كانت حاسة إن الكل سيبها.
***
الغرفة كانت مليئة بالسكينة بعد حديث نادية مع حلا، والدفء الذي غمر المكان. فجأة، انفتح الباب بقوة… ودخل مهاب أولًا، خلفه زياد وريان ويوسف، ثم أدهم ومازن.
وجوههم كلها متوترة، لكن وجه مهاب كان الأكثر شحوبًا وارتباكًا.
حلا رفعت عينيها، نظرت نحو الباب، قلبها خفق بقوة... الذكريات الأليمة عادت في لحظة.
ندى وقفت فورًا بحذر:
– خير؟ إيه اللي جابكم دلوقتي؟
يوسف ابتسم ابتسامة مطمئنة، اقترب من حلا وقال:
– اطمني يا حبيبتي... كل حاجة اتكشفت. الصور طلعت مفبركة... مزيفة.
ضحى شهقت بارتياح:
– يعني... حلا بريئة؟!
مازن ضحك بخفة:
– طبعًا بريئة... من أول يوم أنا كنت واثق.
غزل دمعت عيناها:
– الحمد لله... أخيرًا!
لكن العيون كلها تحولت إلى مهاب... الذي ظل واقفًا، يده مشدودة على قبضته، وصوته مبحوح حين نطق:
مهاب (بصوت مكسور):
– حلا... أنا... آسف. غلطت في حقك جامد. ظلمتك... وجرحتك... وكسرتك. أنا... ما استاهلش تسامحيني.
الهدوء عمّ الغرفة. حلا ظلت تنظر إليه بنظرة طويلة غامضة، مزيج من جرح عميق واشتياق لشقيقها الذي طالما كان سندها. الجميع انتظر ردها بترقب.
وبينما الدموع تسيل على وجنتيها، نهضت حلا ببطء من السرير، وقفت مترددة للحظة، ثم فجأة اندفعت نحوه، وارتمت في حضنه وهي تبكي بحرقة:
حلا (وهي تبكي):
– إزاي أزعل منك يا مهاب؟ إنت أخويا الكبير... إنت في مقام بابا... ما اقدرش أعيش وأنا زعلانة منك.
مهاب انهار من الداخل، ضمها بقوة، ودموعه لأول مرة انزلقت من عينيه، رغم محاولاته لكتمانها:
مهاب:
– سامحيني يا حبيبتي... والله ما هشك فيكي تاني. إنتي شرفي... وقلبي.
زياد اقترب ببطء، صوته مبحوح:
– حلا... إحنا كمان آسفين. كنا ضعاف... صدقنا مهاب وسكتنا. كان لازم نقف في وشه ونقول الحقيقة.
ريان هز رأسه موافقًا، وعيناه محمرتان:
– حقك علينا يا حلا... إنتي أختنا الصغيرة... كنا المفروض نحميكي مش نسيبك.
حلا التفتت إليهما والدموع ما زالت على وجهها، لكنها ابتسمت رغم ألمها:
– أنا مسامحة... إنتو إخواتي مهما حصل.
الجميع تأثر، حتى يوسف الذي كان يراقب بصمت اقترب وقال بعتاب محب:
– يا مهاب... إزاي ما صدقتش أختك من الأول؟ أنا لما رجعت ولقيت اللي حصل قلبي كان بيتقطع... حلا ما تستاهلش كل ده.
مهاب نكس رأسه خجلان:
– معاك حق... كنت أعمى.
أدهم كان واقف بعيد، يراقب المشهد بصمت، قلبه يعصف بمشاعر متناقضة. عيناه ظلت عالقة على حلا... البريئة، الطفلة، الفتاة التي أحبها من النظرة الأولى... والآن يراها تنهض من ألمها لتسامح الجميع.
نادية مسحت دموعها بخفة:
– يا ريت كل القلوب تبقى زي قلبك يا حلا... قلب أبيض يسامح.
مازن ضحك وهو يتصنع المزاح:
– خلاص... نعلنها رسمي: الحرب خلصت... العيلة رجعت لبعض.
ندى ضحكت بخفة وقالت:
– بس لو حد فكّر يجرحها تاني... هيلاقيني واقفة له بالمرصاد.
ضحى وغزل أومأتا بحماس:
– وإحنا معاكي.
الجو امتلأ بمزيج من الضحكات والدموع. لأول مرة منذ أيام، شعر الجميع بأن الغيوم السوداء بدأت تنقشع... لكن أعين أدهم لم تفارق حلا لحظة. قلبه يهمس:
"دي مش مجرد فتاة... دي قدري."
في شقة صغيرة مظلمة على أطراف المدينة، الستائر مسدلة بإحكام، والجو خانق برائحة السجائر والعرق.
سيرين جلست على الأرض، ظهرها ملتصق بالحائط، والسكين ما زالت في يدها ترتجف. عيناها حمراوان من السهر والخوف، ووجهها شاحب لكنه يفيض بغضب وحقد.
سيرين (تضحك بهستيريا وهي تكلم نفسها):
– خلّصت عليهم... أمي الغبية... ورنا الحقيرة... افتكرتوا إنكم أقوى مني؟! دلوقتي خلاص... محدش يقدر يفضحني.
تتوقف ضحكتها فجأة، تضع يديها على رأسها بقوة، وكأن صور والدتها الميتة تطاردها.
سيرين (بصوت مرتعش):
– بس... بس لو بابا عرف... لو ماهر عرف... ياااه... لا... لا!
تنهض فجأة، تتخيل المشهد أمامها:
أبوها فايز، الرجل الطيب، ينظر لها بصدمة، بعينيه المليئة بالخذلان:
"دي مش بنتي... دي مش سيرين اللي ربيتها."
ثم ترى شقيقها ماهر، بملامحه الحادة ونظراته الباردة، يقترب منها... يرفع يده كأنه يخنقها:
"إنتي جلبتي العار لينا... والموت أهون من وجودك."
صرخت بصوت عالٍ، تحركت للخلف بسرعة حتى ارتطمت بالحائط:
– اسكتوا! اسكتواااا! أنا مش ضعيفة! أنا... أنا أقوى منكم كلكم!
ظلت ترتجف، أنفاسها متقطعة، ثم فجأة اتسعت عيناها بفكرة سوداء. ابتسمت ابتسامة شريرة، ببطء...
سيرين (بصوت مبحوح مملوء بالسم):
– حلا... آه يا حلا. الكل دلوقتي بيحضنك ويصدقك. فاكرينك ملاك؟ ههههه... مش عارفين إن الشيطان أنا... وأنا هسحبك معايا جهنم.
تقترب من المرآة الصغيرة المكسورة بجانبها، تنظر إلى وجهها، تلمس خدها وكأنها تكلم انعكاسها:
– الجمال دا... السحر دا... محدش يقدر يقاومه. حلا... فاكرة نفسك محبوبة؟ لااا... أنا اللي لازم أكون فوق. لو فضلت موجودة... مش هيبقى ليّ مكان.
تنظر للسكين، ترفعها أمام وجهها وتبتسم بجنون:
– المرة الجاية... الطعنة دي هتكون في قلبك إنتي يا حلا.
ضحكتها تتعالى، تمتزج بالدموع والخوف... ضحكة شيطانية، لكنها تخفي رعبًا داخليًا من المصير الذي ينتظرها.
سيرين (تهمس لنفسها):
– مش هسيبهم يمسكوني... مش هسيب ماهر يلمسني حتى... قبل ما يلاقوني... هخلص من حلا. وبعدها... الدنيا كلها تتحرق!
ترتمي على الأرض، عينيها تلمعان بلمعة مجنونة، وتبدأ تخطط في ذهنها للخطوة القادمة... خطوة ملطخة بالدم.
أمام بوابة الفيلا الكبيرة.
سيارة فخمة تتوقف، يخرج منها أحمد النجار بوقاره المعروف، خطواته ثابتة وعيناه الصارمتان تفحصان المكان. بجانبه تنزل فيروز بكامل أناقتها، نظرة متعجرفة على ملامحها، لكن في داخلها قلق لم تستطع إخفاءه.
فيروز (بنفاد صبر):
– أخيرًا رجعنا... أنا مش مصدّقة إني سيبت أولادي المدة دي كلها! وأجي ألاقي زياد وريان متجوزين بنات ما لهمش أصل! عيب... عيب كبير!
أحمد (بحدة هادئة):
– كفاية كلامك دلوقتي يا فيروز... خلينا ندخل ونشوف إيه الأخبار.
يتقدم الحارس بخطوات سريعة، ينحني باحترام:
– الحمد لله على السلامة يا بيه... يا هانم.
أحمد (بصوت عميق):
– في إيه يا عم رمضان؟ شكلك مش طبيعي.
الحارس يتردد قليلًا، ينظر يمينًا ويسارًا، ثم يقترب بصوت منخفض:
– والله يا بيه... حصلت حاجات غريبة جدًا امبارح.
فيروز (برفع حاجبها بغرابة):
– غريبة؟ إيه قصدك؟
الحارس (بقلق):
– جات واحدة بنت... كانت متعصبة جدًا... اسمها ندى يمكن؟ كسرت إزاز النوافذ وهي بتصرخ... وبتزعق لمهاب بيه وأنا... والله ما فهمت إيه اللي بيحصل.
فيروز شهقت بحدة:
– إيه الكلام الفارغ دا؟! إزاي تدخل بنت غريبة بيتنا وتكسر وتصرخ؟!
أحمد (بصرامة):
– وبعدين يا رمضان؟
الحارس:
– خرج بعدها البهوات التلاتة... مهاب بيه، وزياد بيه، وريان بيه. والبنت دي كانت معاها اتنين كمان... بنات... بس والله معرفهمش. شكلهم كانوا غضبانين جدًا.
فيروز تضع يدها على صدرها:
– يا ساتر! طب وبعدين؟ فين حلا؟ فين أولادي؟
الحارس (بتوتر):
– بعديها على طول... جه
يوسف بيه ومعاه ست محترمة جدًا... تبقى أختك يا هانم، الست ثريا.
فيروز تفتح عينيها بدهشة:
– ثريا؟! يوسف جابها معاه من أمريكا؟!
الحارس (يهز رأسه):
– أيوة يا هانم... ودخلوا جوه الفيلا... وقعدوا دقائق قليلة بس. بعدين... لقيت بيه يوسف خارج وهو شايل حلا هانم بين إيديه... كانت مغمى عليها!
فيروز صرخت:
– إيه؟!! بنتي؟!! حلا؟!!!
أحمد (يتقدم خطوة، صوته غاضب لكن متماسك):
– إيه اللي بتقوله يا رمضان؟ مغمى عليها إزاي؟ راحت فين؟
الحارس (بتوتر واضح):
– معرفش والله يا بيه... هم كلهم خرجوا بسرعة... وركبوا عربياتهم ومشيوا. ومن ساعتها محدش رجع.
فيروز ارتعشت يداها، أمسكت بذراع أحمد بقوة:
– أحمد... بنتي! بنتي الصغيرة راحت فين؟ إيه اللي حصل لها؟ ليه يوسف ياخدها ويجري؟!
أحمد (بعينين ضيقتين):
– فيروز... اهدي. في حاجة كبيرة حصلت. بس ما تقلقيش... أنا مش هسيب الموضوع دا يعدي.
فيروز (بعصبية ممزوجة بالذعر):
– لأ، مش ههدي! إزاي يختفوا كده من غير ما نعرف؟! أنا مش هسامح حد لو بنتي حصل لها حاجة... حلا دي روحي... أنا جيت مخصوص عشانها!
الحارس ينظر لهم بحيرة:
– والله... دي الحقيقة اللي عندي. أنا بنفسي مش فاهم إيه اللي بيحصل.
أحمد يضع يده على كتف الحارس، بنبرة جادة:
– ماشي يا رمضان... شكرًا. خش انت.
فيروز ما زالت ترتعش، عينيها تدمع رغم كبريائها:
– أحمد... لازم نروح ندور عليهم... دلوقتي!
أحمد (بهدوء صارم):
– هنلاقيهم يا فيروز. هنلاقيهم... وهنعرف مين اللي عمل في بنتنا كده.
في قسم الشرطة – مكتب واسع فيه طاولة خشبية كبيرة.
يجلس فايز والد سيرين، ملامحه محطمة، عيناه محمرتان من البكاء، يده ترتعش وهو يمسك بمنديل. بجواره يقف ماهر، شقيق سيرين، الطبيب المعروف بهدوئه، لكن الآن هدوءه تبخر تمامًا، ووجهه ممتلئ بالغضب، قبضته مشدودة كأنه على وشك أن ينفجر.
الضابط المسؤول يجلس أمامهم يحاول التماسك، بينما الجو مشحون بشدة.
فايز (بصوت مبحوح، كأنه لا يصدق):
– مراتي... كريمة... راحت.
اللي عشت معاها عمري كله راحت... وإزاي؟ على إيد بنتي... بنتي أنا!
يضرب الطاولة بيده، تنهار دموعه بغزارة:
- ربيتها... علمتها... إزاي طلعت كده؟! ليه يا سيرين؟ لييييه؟!!
ماهر ينفجر بصوت غاضب:
- ما تستاهلش تبقى بنتك يا بابا! دي مسخ... مسخ مش بني آدم! أمي ماتت وهي بتنزف قدامي... ورنا... رنا اللي كنت معتبرها أختي... فضلت تصارع عشان تنطق... وعارفة قالت لي إيه قبل ما تطلع روحها؟
ينظر للضابط بعينين دامعتين لكنهما مملوءتين نارًا:
- قالت لي... "سيرين هي اللي عملت كده".
صمت ثقيل يسود الغرفة، فقط أنفاسهم المضطربة مسموعة.
فايز ينهار أكثر:
- كريمة... كانت كل حاجة ليا. وحلم حياتها تشوف عيالها ناجحين وسند لبعض... وأنا اللي كنت بقول دايمًا سيرين بس محتاجة وقت، محتاجة حضن... لكن! كانت شيطانة وأنا أعمى... أعمى ما شفتش!
ماهر يتحرك بعصبية، صوته يعلو:
- حضن؟! دي ما تستاهلش غير حبل المشنقة! والله يا بابا، لو وقعت في إيدي... مش هستنى حكم المحكمة. هاقتلع قلبها زي ما قلعت قلبنا كلنا!
يضرب الكرسي بقدمه بغضب، يكاد يسقط.
الضابط يرفع يده محاولًا تهدئته:
- دكتور ماهر، أفهم غضبك... أفهم وجعك. بس اسمعني. أي تصرف متهور منك هيضيع القضية. إحنا دلوقتي فاتحين بلاغ رسمي، وتم إصدار أمر ضبط وإحضار بحق سيرين.
ماهر بصوت مخنوق لكنه حاد:
- مش عايز بلاغات! عايزها هنا قدامي دلوقتي!
الضابط بحزم:
- هنلاقيها. صدقني، ما عندهاش مهرب. كل منافذ الهروب متراقبة، وصورتها اتوزعت. دي مجرمة قاتلة، ومكانها الطبيعي وراء القضبان.
فايز ينظر للضابط برجاء، صوته يرتعش:
- يا باشا... أنا مش قادر أستوعب... بنتي اللي من صلبي تعمل كده. أنا... أنا فقدت مراتي، وحسيت إني فقدت بنتي في نفس اللحظة. بس... أرجوك... هاتها... هاتها حية، عايز أسألها... ليه؟ بس ليه؟
ماهر بغضب يقطع كلامه:
- وأنا مش عايز أسمع منها حاجة! أنا هاسكت قلبي بس لما أشوفها بتدفع تمن دم أمي!
الضابط يتنهد، ينظر لهما بعطف وحزم معًا:
- سيبوها لينا. غضبكم مفهوم، لكن العدالة لازم تاخد مجراها. سيرين مش هتفلت... دي مسألة وقت بس.
فايز يغطي وجهه بيديه، تنهار دموعه بصوت مسموع، وهو يهمس:
- كريمة... سامحيني يا كريمة... ما قدرتش أحميكي... ولا قدرت أربي بنتنا زي ما كنتي بتحلمي.
ماهر يضع يده على كتف والده رغم غضبه، صوته مبحوح لكنه يحمل قوة:
- ما تقلقش يا بابا... أنا هاخليها تدفع تمن كل دمعة... وكل نفس أخير خرج من صدر أمي.
الضابط يحاول إنهاء الجلسة:
- خلاص يا جماعة... كفاية النهارده. هنبعتلكم أي جديد أول ما نوصل لمكانها. لكن عايزكم تهدوا... لأن سيرين خلاص نهايتها قربت.
الكاميرا (تخيليًا) تثبت على وجه ماهر، عيناه مشتعلة بلهيب الانتقام، ووجه فايز الغارق في دموع الخذلان... لينتهي المشهد بظلام ثقيل يلف المكان.
في غرفة حلا في المشفى - ضوء النهار يتسلل من النافذة، والجو مفعم بالهدوء والراحة.
حلا جالسة على السرير، وجهها شاحب قليلًا لكنها مشرقة بابتسامة خجولة. حولها العائلة: مهاب، زياد، ريان، يوسف، ثريا، نادية (والدة أدهم)، ندى، ضحى، غزل... والجميع يلتفون حولها.
أدهم واقف بجانب السرير، متوتر لكنه ثابت، عيونه لا تفارق حلا.
أدهم بصوت واضح، وهو ينظر مباشرة إلى مهاب:
- أستاذ مهاب... أنا عايز أطلب إيد أختك حلا، رسمي وقدام الكل. أنا بحبها... ومستعد أحافظ عليها بعنيا طول العمر.
صمت قصير يلف الغرفة، الجميع يبادل النظرات. حلا تخفض رأسها، وجهها يشتعل خجلًا، يديها تتشابكان بتوتر فوق الغطاء.
مهاب يتنهد بعمق، ينظر لأدهم بجدية:
- يا أدهم... أنا مقدر حبك لأختي، ومقدر كمان إنك وقفت معاها في وقت صعب. بس القرار مش قراري... القرار قرارها هي.
يلتفت نحو حلا، يلين صوته:
- حلا... إنتي إيه رأيك؟
حلا ترتبك، تتهرب بعينيها، ثم تهمس بخجل:
- أنا... أنا مش بعرف أقول... بس... بس ... اللي تشوفه يا أبيه.
ضحكة صغيرة خجولة تهرب من بين شفتيها، فترتفع الهمهمات والسعادة في الغرفة.
ثريا بحنان، تمسك يد حلا:
- ربنا يسعد قلبك يا بنتي... إنتي تستاهلي كل خير.
نادية تبتسم بعينين دامعتين، وهي تنظر لحلا وكأنها ابنتها:
- والله من أول ما شفتك يا حلا، حسيت إنك بنتي... وأدهم مش هيلاقي أحسن منك.
زياد بابتسامة آسفة، لكنه صادق:
- وإحنا... يمكن اتأخرنا نصدقك يا حلا... بس من النهارده، هانكون السند ليكي، طول الوقت.
ريان يهز رأسه موافقًا:
- صح... وربنا يباركلكم في حياتكم.
مهاب يعود لينظر لأدهم، بصوت جاد:
- بس في نقطة مهمة، يا أدهم. حلا لسه صغيرة... ولسه عندها دراسة. أنا مش ضد الخطوبة... لكن الجواز مؤجل لحد ما تخلص دراستها.
أدهم يبتسم مطمئنًا:
- أنا موافق. أهم حاجة عندي راحتها وسعادتها... والفرح يستنى زي ما تحبوا.
الجميع يتهلل فرحًا، بعضهم يصفق، وبعضهم يضحك بخفة، بينما حلا تخفي وجهها بين يديها من شدة الخجل، والدموع تلمع في عينيها.
ندى بمرح، تمسك كتف حلا:
- هوووف يا جماعة... البنوتة اتحمرت زي الطماطم!
الجو يمتلئ بالضحك، والقلوب تهدأ بعد أيام من الألم... وكأن القدر قرر أن يمنحهم لحظة نور وسط كل الظلام.
مهاب ينظر لحلا بحنان:
- خلاص يا أختي... إنتي وافقتي، وأنا موافق. ربنا يتمملك بخير يا غالية.
ترتمي حلا على صدر أخيها مهاب، دموع الفرح تنزل على وجنتيها، بينما عيون أدهم تلمع بانتصار وحب... لحظة خِطبتهم الأولى بدأت.
الغرفة ما زالت مليئة بالضحكات والتهاني، والكل ملتف حول حلا اللي وجهها متورد خجلًا ودموع فرح بتنزل على خدودها.
أدهم واقف جنبها مبتسم وفخور، نادية تمسح دموعها بسعادة، وثريا تدعي لبنت أختها بصوت مرتجف من التأثر.
فجأة...
رنَّ هاتف مهاب على الطاولة بجانبه. نغمة الاتصال قطعت الجو الحالم.
مهاب ينظر للهاتف باستغراب:
- غريبة...!
يمد يده ويأخذ الموبايل، يلمح اسم المتصل على الشاشة. يتجمد للحظة.
زياد مستغرب:
- مين اللي بيتصل يا مهاب؟
مهاب بصوت متردد:
- ... بابا.
ينتبه الجميع، الصدمة ترتسم على وجوههم.
ريان ينهض بسرعة:
- إيه؟! بابا؟! إزاي يعني؟! هو دايمًا بيتصل بينا من لندن على النت!
يوسف يحرك حاجبيه بدهشة:
- وده كمان رقم مصري! يعني... يعني عمو أحمد هنا في مصر؟
الكل يتبادل النظرات بصدمة. حلا تنظر لأخوتها بقلق، قلبها يخفق بقوة:
- مستحيل... بابا هنا؟ من غير ما يقولنا؟!
نادية بدهشة خفيفة:
- يمكن... يمكن رجع فجأة؟
ثريا تضع يدها على قلبها:
- معقول أحمد رجع هو وفيروز؟
يتوتر الجو فجأة، مشاعر مختلطة بين الفرحة والقلق. ملامح مهاب تصبح أكثر حدة، يحاول يستوعب.
مهاب يتمتم، شبه مصدوم:
- طب إيه اللي جابهم؟ وليه ما قالوش؟
زياد يحك رأسه بتوتر:
- لحظة... لو هم هنا فعلًا... يبقى أكيد عرفوا حاجة.
ريان بجدية، عيونه تقلق:
- أكيد الحارس بلغهم...
حلا تشهق بخوف، تضع يدها على فمها:
- يالهوي... لا يكونوا عرفوا اللي حصل معايا؟!
ندى تحاول تهدئتها:
- اهدي يا حلا، مش لازم يكونوا عرفوا كل حاجة...
لكن التوتر يزداد. أدهم يضع يده على كتف حلا بحنان، يحاول يثبتها:
- ما تقلقيش... لو عرفوا أو ما عرفوش، المهم دلوقتي إنك بخير. والباقي إحنا نتحمله.
الجميع يلتفت لمهاب اللي ما زال الهاتف يرن بين يديه. أصابعه متجمدة، عيونه معلقة بالشاشة.
مهاب بهمس، كأنه يكلم نفسه:
- طب أرد أقول إيه...؟
زياد يقترب منه:
- مهاب... رد. ما ينفعش تسيبه يرن كده.
ريان بحزم:
- بالذات لو فعلًا هنا في مصر. لازم نفهم.
مهاب يتنفس ببطء، يضغط على الزر:
- ... آلو؟
الغرفة كلها تصمت... الكل يترقب، كل العيون متجهة إلى مهاب وهو يضع الهاتف على أذنه.
رواية بين سطور العشق الفصل الثامن عشر 18 - بقلم سيليا البحيري
فصل 18
مهاب (يرد وهو مرتبك):
آلو... بابا؟
أحمد (صوته جاد وفيه غضب مكتوم):
إيه يا مهاب... إيه الحكاية؟ الحارس بيقول لي إن يوسف خد حلا وراح بها المستشفى! في إيه؟ حصل لها إيه؟
الكل في الغرفة اتجمد، حلا شهقت بخوف وبصت لأخوتها.
مهاب (يتلجلج):
بابا... هي... هي تعبت شوية...
أحمد (بصوت عالٍ):
تعبت شوية؟! يعني إيه تعبت شوية يا مهاب؟! أنا سايبك مسؤول عنها، وأول ما أرجع ألاقي بنتي في المستشفى! أنا عايز تفسير واضح.
ريان (يحاول يتدخل):
طب يا بابا، اهدأ بس واسمعنا الأول...
أحمد (مقاطع بحدة):
اهدأ إيه؟ أنا عايز أعرف دلوقتي. حلا مالها؟!
حلا دموعها نزلت، همست بصوت مكسور:
يا نهار أبيض... هو عرف إني في المستشفى...
ندى (تحاول تهديها):
بس هو لسه ما يعرفش حاجة تانية، ما تقلقيش...
زياد (يتمتم بعصبية):
الله يخرب بيت الحارس... كان لازم يسكت!
ثريا (تحاول تسيطر على الموقف):
أحمد، أنت دلوقتي جاي على فين؟
أحمد (بحزم):
أنا في مصر من بدري، ولسه واصل مع أمكم، وإحنا في الطريق على المستشفى دلوقتي. استنوني هناك... وما حدش يخبي عني كلمة.
مهاب حس بعرق بارد على جبينه، عينه بتزوغ من إخواته.
مهاب (بصوت واطي):
حاضر يا بابا...
الخط اتقفل.
الغرفة كلها اتسمرت في صمت ثقيل.
زياد (ينفخ بتوتر):
يا خبر... كده بابا وماما هيشوفونا كلنا عريانين قدام الحقيقة.
ريان (جدي جدًا):
أهم حاجة دلوقتي نفكر هنقول إيه... مش هينفع نقف قدامه متلخبطين.
حلا (دموعها على خدها، صوتها يرتعش):
طب ولو عرف... هيعمل إيه؟
أدهم (يبص لها بثبات، يمسك إيدها):
ما تخافيش... مهما حصل، أنا واقف في ضهرك.
مازن يحاول يخفف الجو بابتسامة متوترة:
أهو كده... الليلة شكلها هتبقى فيلم هندي.
*******************
الغرفة لسه ساكنة بعد ما اتقفل الخط. دقات قلب حلا باينة في وشها، والكل متوتر بطريقة مختلفة.
زياد (يمشي رايح جاي في الغرفة):
يا جماعة، بابا جاي دلوقتي وماما معاه. يعني هنقف قصادهم إزاي؟ هيشوفونا زي العيال الصغيرة اللي عاملين مصيبة!
ريان (يقعد على طرف الكنبة، حاطط إيده على وشه):
أنا مش عارف أبدأ منين أصلًا... نقول لهم إيه؟ إن الصور كانت مفبركة؟ ولا إن مهاب ضرب حلا؟ ولا إننا سيبناها لوحدها؟
مهاب (واقف متصلب، صوته خافت لكنه قاطع):
ما حدش يجيب سيرة الضرب. أنا اللي هتكلم.
زياد (بغضب، يلف عليه):
لأ يا مهاب! دي مش لعبتك لوحدك. إحنا كمان سايبينك تعمل اللي أنت عايزه وما وقفناش في وشك. يعني إحنا شركاء في اللي حصل.
ريان (يهز راسه بأسى):
عنده حق... بابا مش هيلومك لوحدك.
حلا (دموعها بتنزل وهي تتكلم بهدوء):
طب وأنا؟ هأقول لهم إيه؟ إني كنت محبوسة في أوضتي وبعيط بالساعات؟!
ثريا (تحضن حلا وتطبطب عليها):
حبيبتي ما تخافيش، أنا معاكِ. أحمد مهما غضب... عمره ما هيزعل منك.
يوسف (بصوت واثق، يحط إيده على كتف مهاب):
بص يا مهاب، لو ناوي تواجه بابا يبقى تواجهه برجولة. اعترف إنك غلطت... وأنت عارف إن الغلط كان من خوفك على حلا مش من كرهك لها. يمكن ده يخفف شوية.
ندى (تنفجر بعصبية):
بس هو كان لازم يصدقها! كان لازم يوقف جنبها مش ضدها!
الكل بص لها، وهي خدت نفس طويل وقالت أهدأ:
آسفة... بس أنا مش قادرة أنسى إزاي كانت بتعيط وبتتوسل.
نادية (والدة أدهم ومازن، تبص حواليها باستغراب):
أنا لسه مش فاهمة كل حاجة... إيه اللي بيحصل؟ صور إيه ومين اللي ظلم مين؟
أدهم (يميل عليها ويكلمها بهدوء):
هأفهمك كل حاجة بعدين يا ماما... بس دلوقتي خلينا نركز في اللي جاي.
مازن (يحاول يضحك ليفك التوتر):
يا نهار أبيض... الليلة دي شكلها مش هتعدي غير بفضايح.
زياد (يرميه بنظرة):
اسكت أنت يا مازن، أنت آخر واحد ينفع يتكلم عن الفضايح!
ضحكة صغيرة طلعت من ندى وغزلت التوتر للحظة، لكن رجع الصمت بسرعة.
ريان (بصوت عميق):
يا جماعة... لازم نتفق. أول ما بابا وماما يدخلوا... إحنا كلنا نقعد ساكتين. نخلي مهاب يبدأ، وبعدين لو اتسألنا نرد باللي حصل بالضبط. ما فيش كذب، ما فيش لف ودوران.
مهاب (يهز راسه، صوته متردد):
ماشي... أنا هتكلم. وأتحمل اللي جاي.
حلا تبص لمهاب بعيون دامعة، وتقول بخفوت:
أنا مسامحاك يا مهاب... بس يا ريت تقدر تواجههم من غير ما تدافع عن نفسك على حسابي.
مهاب اتجمد، وكأن الكلمات دي كسرت حاجز جوه قلبه.
يوسف (بصوت هادي):
خلاص... اللي حصل حصل. دلوقتي كلنا نستعد... أحمد وفيروز على وصول.
الغرفة كلها رجعت للهدوء المشحون.
كل واحد فيهم قاعد يفكر في أول كلمة هيقولها... والباب في أي لحظة ممكن يتفتح وتدخل العاصفة.
*******************
في مكان تاني، شارع ضلمة وراء، فاضي تقريبًا، لمبة بايظة تنور وتطفي.
سيرين لابسة بالطو أسود، شعرها مكركب، عينيها حمرا من السهر والجنون. ماشية متوترة، مستنية.
يطلع راجل ضخم، ملامحه ناشفة، لابس كاب أسود مغطي نص وشه.
المجرم (بصوت تخين):
اتأخرتي... أنا ما عنديش وقت أضيعه.
سيرين (بعصبية):
اسكت! أنا اللي بأدفع هنا... أنت تنفذ وبس.
المجرم (يضحك باستهزاء):
ههه... باين الدم فار في دماغك. عايزة إيه بالضبط؟
سيرين (تقرب منه وعينيها بتبرق بجنون):
سلاح... طبنجة مليانة رصاص. مش عايزة لعب عيال، عايزة حاجة تخلصني من... (تَشهَق شوية وتبلع الاسم) ... من عدوتي.
المجرم (يميل لقدام):
عدوة؟ ولا غيرة ستات؟
سيرين (تصرخ فجأة):
دي سرقت حياتي! سرقت صورتي عند الناس! خلتني أعيش ظل وهي البريئة الطاهرة! (تضحك ضحكة هستيرية) بس المرة دي... الرصاصة هتخش في صدرها وما حدش هيلحقها.
المجرم (يبص لها بريبة):
وشك مش وش قتل... بس كلامك حاجة تانية. قولي لي، عندك قلب تضغطي الزناد؟
سيرين (تطلع خنجر صغير من شنطتها وتلوح به بجنون):
قتلت قبل كده... أمي، رنا... كلهم كانوا عقبة واتشالوا. (تبتسم ببرود) صدقني، ما عنديش مشكلة أوسخ إيديا أكثر.
المجرم (يهز راسه بإعجاب مشوب بالشك):
أنتِ مجنونة... والمجانين بيدفعوا أكثر. الطبنجة جاهزة... بس السعر دبل.
سيرين (تبص في عينيه بنار):
الفلوس ما تهمنيش... كل اللي يهمني أشوف دمها سايح على الأرض. (تتنفس بسرعة) ... حلا لازم تختفي، غير كده حياتي ما لهاش معنى.
المجرم (يديها شنطة سودا صغيرة):
خدي... السلاح جوه. بس افتكري... كل طلقة ليها ثمن.
سيرين (تاخد الشنطة وتبتسم ابتسامة شيطانية):
الثمن الوحيد اللي يرضيني... صرختها الأخيرة.
***********************
في فيلا الراوي، فارس رجع الفيلا تعبان بعد يوم طويل في الشغل، دخل الصالة الواسعة بخطوات مترددة. رفع حواجبه باستغراب وهو ملاحظ إن فيه صمت غريب مالي المكان. عادةً بيلاقي نادية قاعدة في الصالة أو في الجنينة، معاها واحد من العيال أو حد من الخدم... بس النهاردة كل حاجة كانت فاضية.
صوته رجع صداه في القاعة:
فارس (مستغرب):
نادية؟! ... أدهم؟! ... مازن؟!
(صمت، ما فيش رد).
فجأة لوسيندا نزلت من على السلم لابسة فستان بسيط غير عادتها. شكلها كان أهدأ، مختلفة عن البنت المتصنعة اللي فارس كان يعرفها. ابتسمت بخجل أول ما شافته:
لوسيندا:
أهلًا يا عمي... لسه راجع دلوقتي؟
فارس (بقلق وباصص حوالين):
أيوه... بس فين الناس؟! إزاي البيت فاضي كده؟! فين نادية؟! هي أصلًا ما بتخرجش من الفيلا كثير.
لوسيندا (تهز كتافها بصدق):
والله ما أعرف... أنا كمان استغربت. كنت خارجة مع كريم شوية، رجعت ما لقيتش حد... افتكرت إنهم معاك.
فارس قعد على الكنبة وهو عاقد حواجبه بيفكر، وبص لها بنبرة فيها قلق و حدة:
فارس:
غريب قوي... نادية عمرها ما بتخرج من غير ما تقولي. وأدهم ومازن؟ ما سابوا لكيش أي خبر؟
لوسيندا:
لأ... ما قالوش حاجة. بس... يمكن يكونوا راحوا زيارة ولا حصل ظرف طارئ؟
سكت فارس شوية، وبص لها بنظرة فاحصة:
فارس (بهدوء):
على الأقل أنتِ موجودة... غريب إني أقول كده بس... شكلك متغير يا لوسيندا.
لوسيندا (بابتسامة خجل):
كريم... هو السبب. صدقني يا عمي، وجوده في حياتي علمني حاجات كثير... ما بقتش عايزة أضيع وقتي في التفاهات.
ابتسامة خفيفة ظهرت على وش فارس رغم القلق اللي جواه:
فارس:
كويس... ده يطمني. بس لسه غيابهم مقلقني... هأجرب أكلم أدهم.
يطلع تليفونه يحاول يتصل وهو يتنهد بقلق، في الوقت اللي لوسيندا قاعدة بهدوء على الطرف التاني، وعينيها باينة فيها الصدق في التغير اللي حصل معاها.
رواية بين سطور العشق الفصل التاسع عشر 19 - بقلم سيليا البحيري
الجو في الغرفة متوتر وصامت. كل العيون على الباب… ودقات القلوب مسموعة كأنها بتسبق خطوات القادمين.
فجأة، انفتح الباب بقوة.
دخل أحمد بخطوات ثابتة، طويل القامة، أنيق رغم التعب من السفر. عيونه القلقة مسلّطة مباشرة على حلا.
وراءه فيروز، لابسة جاكيت غالي، شعرها مصفف بعناية حتى وسط الانفعال. وجهها كان خليط بين لهفة وقلق وغضب مكتوم.
حلا شهقت بصوت مكتوم، دموعها غرقت عينيها وهي تقوم من السرير بسرعة.
حلا
بابا… ماما…
قفزت في حضن أحمد، وفضلت تبكي على صدره. أحمد ضمها بقوة وكأنه بيحاول يحميها من الدنيا كلها.
أحمد
حمد الله على السلامة يا روح قلبي… كنتي فين مني 3 سنين؟!
حلا
وحشتوني قوي… قوي يا بابا…
فيروز قريبة منهم، تحاول تمسك إيد بنتها، دموعها بتنزل رغم كبريائها.
فيروز
يا عمري… إنتي ضعّفتي كده ليه؟ ليه وشك باين تعبان؟ مين… مين عمل فيك كده؟
مهاب، زياد، و ريان واقفين متجمدين. عارفين إن اللحظة دي هتتفجر.
أحمد بعد ما بص لابنته، رفع عينه ناحية أولاده الثلاثة، وصوته بقى أكثر حدّة.
أحمد
أنا عايز أفهم… إيه اللي جاب أختكم المستشفى؟ مين هيقوللي؟
مهاب شد نفسه واقف مستقيم، عرقه بينقط، صوته متردد.
مهاب
بابا… الموضوع كبير شوية…
أحمد
كبير شوية؟! يعني إيه كبير شوية؟! أنا سايبكم رجالة تحموا أختكم، ألاقيها قدامي مرمية على سرير مستشفى!
ريان حاول يتدخل.
ريان
بابا… لو تسمعنا، كل حاجة هتتوضح…
أحمد
مش عايز لف ودوران! عايز كلمة واضحة. إيه اللي حصل؟
الغرفة كلها سكتت. حلا تمسكت بإيد باباها أكتر، وهي تبص لأخوتها بخوف.
فيروز، اللي لحد دلوقتي بتبص حوالين الغرفة مستغربة، لاحظت وجود ناس غرباء (غزل، ضحى، ندى، نادية، أدهم، مازن). رفعت حواجبها وقالت بصوت مستنكر.
فيروز
لحظة واحدة… مين كل الناس دول؟! أنا معرفش هنا غير إخوات حلا، وأختي ثريا، ويوسف… مين الباقي؟
ثريا بسرعة مسكت إيد أختها تحاول تهديها.
ثريا
هدي نفسك يا فيروز، دول أصحاب حلا… وأهل أصحابها… كانوا واقفين جنبها.
فيروز رفعت راسها بكبرياء.
فيروز
أصحابها؟! يعني البنت بدل ما تذاكر وتعيش وسط إخواتها، بقوا عندها ناس غرباء يلمّوا حواليها؟
أحمد رفع إيده يأشر لها توقف، وبص تاني على مهاب.
أحمد
مهاب… أنا سامعك. تقدر تقولّي اللي حصل ولا أبتدي أسأل واحدة واحدة؟
مهاب عض على شفايفه، باين إنه مش قادر ينطق. يوسف، اللي واقف جنبه، حط إيده على كتفه وقال بهدوء.
يوسف
خالي… أنا هقول لحضرتك اللي حصل… بس أرجوك قبل ما تسمع، اعرف إن اللي حصل كله كان خوف مش كره.
أحمد رفع عينه في يوسف بحدة، لكنه سكت يستنى.
يوسف
في صور… اتبعتت لمهاب… صور مفبركة ضد حلا. هو صدّقها… وغلط في رد فعله.
الغرفة كلها اتجمدت. أحمد رجع خطوة لورا، صوته بقى فيه غضب لا يوصف.
أحمد
صور؟! صور إيه؟!
فيروز شهقت بصدمة، حطت إيدها على قلبها.
فيروز
معقول؟! حد يلعب في سمعة بنتي؟!
حلا كانت بتبكي وهي تهز راسها.
حلا
والله يا بابا… أنا ما عملتش حاجة.
أحمد مسك وشها بإيده، يبص لها في عينيها.
أحمد
أنا عارف يا بنتي… أنا مصدقك.
الجملة دي كانت زي البلسم على قلب حلا، لكنها كانت زي السكين على قلب مهاب.
أحمد رجع يبص لأولاده، وصوته بقى جليدي.
أحمد
يعني صدقتوا صور على النت، وما صدقتوش أختكم اللي ربيتوها بين إيديكم؟!
مهاب بص في الأرض، عجزان يرد.
زياد قال بصوت متردد.
زياد
إحنا غلطنا يا بابا… بس… مهاب كان خايف عليها.
أحمد
خايف عليها؟! يضربها ويكسرها ويوديها المستشفى؟! ده اسمه خوف؟!
الغرفة اتشحن جوها لدرجة إن الكل وقف مش قادر يتنفس.
ثريا حاولت تهدي.
ثريا
أحمد… معلش، كلهم كانوا مضغوطين… اللي حصل مش سهل.
فيروز قربت من حلا وحضنتها، وبصت لأولادها بعينين فيها نار.
فيروز
أنا مش مسامحة أي حد فيكم. بنتي دي جوهرة… وإنتو كنتوا المفروض تبقوا الدرع اللي يحميها.
أحمد رفع إيده بعلامة إنه مش هيطوّل الكلام.
أحمد
أنا اللي هتصرف. من النهاردة… محدش يلمس شعره من بنتي. وأنا اللي هقف معاها في كل خطوة.
بص حواليه في الغرباء اللي في الغرفة.
أحمد
واللي مالوش علاقة… ياريت يسيبنا دلوقتي.
الجملة دي وقعت زي الصاعقة على أدهم، اللي لسه ماسك إيد حلا بهدوء.
الكل اتلخبط… العيون راحت فورًا ناحية أدهم ومازن ونادية، وضحى وغزل، وحتى ندى اللي شبكت إيدها في إيد حلا.
أدهم شد نفسه ووقف بخطوة للأمام، صوته هادي لكنه حاسم.
أدهم
مع احترامي يا أستاذ أحمد… بس أنا—
قبل ما يكمل، نادية أمه لمسته على دراعه بسرعة، تبص له بنظرة حاسمة كأنها بتقول: مش وقته… سيبهم يا ابني.
أدهم اتنهد، كتم الكلام اللي كان عايز يقوله، ورجع خطوة لورا، يكتفي بنظرة ثابته لحلا اللي بصتلُه برجاء ودموع.
ندى كانت أول واحدة تكسر الصمت.
ندى
آسفة جدًا… بس أنا مش ماشية. دي صاحبتي وأختي… وأنا معاها للنهاية.
فيروز رفعت حاجبها، تبص لها من فوق لتحت بسخرية مخملية.
فيروز
يا سلام! يعني حتى صحابها بيتكلموا كأنهم من العيلة؟
حلا
ماما… ندى مش مجرد صاحبة… دي سندي.
فيروز عضّت شفايفها بكبت واضح، لكن سكتت لما شافت نظرة أحمد اللي بيقول لها: مش دلوقتي.
ضحى وغزل تبادلوا نظرات مرتبكة، وقاموا يقفوا كأنهم هيمشوا.
لكن زياد وقف فجأة وقال بسرعة.
زياد
لأ، استنوا.
(يبص لأبوه وأمه بجرأة لم يعتادوها منه)
زياد
بابا… ماما… دي مراتي، ضحى. ومش من حق أي حد يطلب منها تمشي.
ريان مشي خطوتين لقدام بدوره.
ريان
وأنا كمان… غزل مراتي. وجودها هنا مش غربة، دي نصي التاني.
الصمت وقع للحظة.
فيروز شهقت بصدمة، اتسعت عينيها كأنها اتطعنت.
فيروز
إيه؟! اتجوزتوا؟! اتجوزتوا الشحاذتين دول؟!
ضحى وغزل اتجمّدوا مكانهم، دموع صامتة لمعت في عيونهم من الإهانة.
ريان وزياد شدوا نفسهم أكتر، كأنهم متوقعين الهجوم.
لكن قبل ما تفتح فيروز بقية غضبها، أحمد مد إيده ولمس دراعها بهدوء.
أحمد
فيروز… بلاش. مش وقته دلوقتي.
فيروز بصت له بغضب، عينيها نار، لكن سكتت على مضض.
أحمد رجع يبص على ولاده، صوته ثابت.
أحمد
يبقى خلاص… هما جزء من العيلة. ومحدش ليه يمد إيده عليهم ولا يقلل منهم.
ضحى وغزل بصوا لبعض بذهول وامتنان، ودموعهم نزلت غصب عنهم.
حلا، اللي كانت متوترة من لحظة دخول والديها، بصتلهم الآن بعيون ممتلئة أمل.
حلا
يمكن… دي أول مرة من زمان أحس إننا عيلة بجد.
بعد لحظة صمت طويلة، الكل كان واقف متوتر… نظرات متقاطعة، أنفاس محبوسة.
حلا أخدت نفس عميق، بصت على الكل بعيون باكية لكنها هادية.
حلا
كفاية بقى… بجد كفاية.
(تتلفت ناحية والديها)
حلا
ماما… بابا… أنا مسامحة إخواتي. مهما حصل… دول دمي. وأنا مش عايزة أعيش باقي حياتي وقلبي مليان كره أو عتاب.
فيروز
مسامحاهم؟! يا حلا، إزاي بعد اللي عملوه؟ بعد…
حلا
عشان قلبي يرتاح يا ماما. عشان نقدر نبدأ من جديد.
(تبتسم ابتسامة صغيرة)
حلا
إحنا ضيعنا كتير… 3 سنين بعاد عنكم، وخلافات بينّا… مش كفاية؟
أحمد كان واقف مطرق، عينيه ترمش بسرعة كأنه بيكتم مشاعره.
مهاب حس دموعه بتغلبه، بص الأرض ومفيش كلمة طالعة منه.
زياد ضحك ضحكة متوترة وقال.
زياد
أهو أخيرًا في حد عاقل في العيلة.
ريان مد إيده وشبكها في إيد غزل وقال.
ريان
أنا مع حلا. اللي فات… خلاص يعدي.
ندى قربت من السرير وحطت إيدها على كتف حلا.
ندى
وأنا كمان. أهم حاجة سعادتك يا حبيبتي.
ثريا، أخت فيروز، قالت وهي مبتسمة بدموع.
ثريا
حلا عندها حق يا فيروز… الولاد كبروا، ولازم إحنا كمان نسيب الماضي ونفرح برجوعكم لبعض.
يوسف، ابن ثريا، ابتسم وقال بخفة دم.
يوسف
يعني نسيب الزعل… ونفكر في حفلة لمّة ترجعنا زي زمان!
الجو اتغير فجأة… من ثقل خانق إلى دفء خفيف.
حلا ضحكت بخجل، دموعها على خدودها لكنها مبسوطة.
حلا
أيوة يا يوسف… خلونا نحتفل بلمّتنا بدل ما نفضل نعاتب ونجرح.
أحمد أخيرًا رفع رأسه، بص في عيون أولاده واحد واحد… ثم على فيروز اللي لسه غضبانة لكنها ساكتة.
مد إيده وحطها على إيد حلا وهو بيقول.
أحمد
حاضر يا بنتي… اللي تقوليه. من النهاردة نفتح صفحة جديدة.
الجميع ابتسموا رغم الدموع.
حتى مهاب، اللي كان ساكت طول الوقت، رفع راسه وبص لأخته بحب وقال.
مهاب
شكراً يا حلا… شكراً إنك أكبر من كلنا.
أدهم كان ماشي قدام بخطوات سريعة، ملامحه متجهمة، إيده معقودة على بعض، وراها أمه نادية الطيبة، ومعهم مازن اللي واضح من ضحكته إنه مستني اللحظة دي.
جلس أدهم على الكرسي بخشونة، ماسك راسه بيده، أنفاسه سريعة.
أدهم
أنا ما قدرتش أتحمل يا أمي! يعني إيه يقول "اطلعوا برّه"؟! وأنا؟! أنا اللي… اللي حبيتها… اللي شايف حياتي كلها معاها… أطلع غريب فجأة؟
نادية جلست جنبه بهدوء، صوتها ناعم.
نادية
حبيبي… أنا فاهمة غضبك. بس لازم تفهم برضه إنهم أهلها.
(تبتسم بلطف)
نادية
إنت عايز تقتحم حياتهم في أول ساعة رجعوا فيها بعد 3 سنين غياب؟ وهما لسه حتى ما استوعبوش شافوا بنتهم؟
أدهم
بس أنا جيت وطلبتها من مهاب! وأخوها وافق.
نادية
آه يا ابني… بس في فرق كبير بين إنك تاخد موافقة أخوها، وإنك تواجه أمها وأبوها اللي لسه نازلين من طيارة، تعبانين من سفر 5 ساعات، ومصدومين من اللي حصل لبنتهم.
(تمد إيدها على كتفه)
نادية
لو دخلت عليهم كده دلوقتي وقلت "أنا عايز بنتكم"، هيفتكروا إنك بتخطف اللحظة منهم… مش بتشاركهم فيها.
أدهم عضّ شفايفه بقوة، عينيه زائغة كأنه لأول مرة بيشوف نفسه من برّه.
سكت ثواني، وبعدين قال بصوت أخفض.
أدهم
إنتِ صح… أنا كنت متهوّر.
مازن انفجر ضاحكًا، مسند نفسه على الجدار.
مازن
يااااه! أدهم الراوي… المخرج الكبير اللي بيقول "المرأة مجرد مشهد إضافي في فيلم حياتي"، طلع أول واحد يتعفر في حب بنت!
أدهم رفع عينه له، نظرة قاتلة، لكن مازن كمل يضحك بمكر.
مازن
أهو، السيناريست العاطفي اللي جواك أخيرًا طلع للنور. من كره النساء… لدرجة الخطبة المستعجلة!
نادية ضحكت بخفة، وهي تهز راسها.
نادية
كفاية عليك يا مازن.
(ثم تنظر لأدهم بجدية وحنان)
نادية
الحب مش ضعف يا أدهم… الحب قوة. بس لازم يكون في وقته الصح. وأظن… وقتك لسه جاي.
أدهم تنهد طويل، مسند ضهره للكرسي… لأول مرة ملامحه مش باردة ولا متعجرفة، لكن مرتبكة وصادقة.
أدهم
يمكن… يمكن أول مرة في حياتي أحس إني عايز أسيب الكاميرا… وأبقى أنا البطل.
في فيلا عائلة النجار – المساء
الفيلا كلها مضيئة، القاعة الواسعة ممتلئة بأصوات الضحك وأطباق العشاء. جوّ احتفالي بكل معنى الكلمة.
حلا كانت جالسة بجانب والدتها فيروز اللي ماسكاها كأنها طفلة صغيرة، تحط اللقمة بنفسها في فمها.
فيروز
يا روحي… يا بنتي الغالية… 3 سنين بعيدة عن حضني. والله قلبي كان بيصرخ كل يوم.
(تنظر حولها بتحدي)
فيروز
وما يهمنيش مين يقول إني متعجرفة… أنا مش عايزة غيرك يا حلا بخير.
حلا
ماما! كفاية… أنا كبيرة دلوقتي.
فيروز
كبيرة في عينك إنتي! لكن عندي… لسه الصغيرة اللي كانت تنام في حضني.
الجميع ضحك بخفة، حتى مهاب اللي كان قليل الضحك ابتسم.
أحمد جلس في صدر الطاولة، عينيه مليانة فخر.
أحمد
أنا مش مصدّق إني رجعت ألاقي كل دا.
(ينظر إلى أولاده الثلاثة واحدًا واحدًا)
أحمد
أنا فخور بيكم. بس خليني أقول… مهاب… إنت فاجأتني.
مهاب
أنا؟
أحمد
آه. من يوم ما سبت البلد، وأنا قلقان. لكن إنت مسكت الشركات… وكبرت اسم العيلة أكتر من زمان. أنا كنت متابع، وكل مرة أشوف إنجاز جديد… أقول "دا ابني".
زياد
ياااه يا بابا، إحنا إيه؟ تلامذة؟
ريان
أيوة، دايما مهاب الأول على الفصل وإحنا واقفين برا.
ضحك الكل، حتى ثريا اللي علقت.
ثريا
المهم إنكم دلوقتي مع بعض. المال بيروح وييجي، لكن العيلة… هي اللي بتفضل.
يوسف، ابنها، رفع كأس العصير وهو يقول بخفة دم.
يوسف
نخب العودة… واللمة دي اللي بجد تستاهل فيلم سينما.
ضحكوا كلهم، حتى فيروز اللي عادةً بتنتقد كلام يوسف، رفعت كفها مع كاس العصير.
فيروز
نخب العيلة… ونخب رجوعي لأبنائي.
حلا نظرت لوالدتها بحب ودموع فرحة في عينيها، وهي تميل على كتفها وتهمس.
حلا
وحشتيني يا ماما…
فيروز
وإنتي موتيني يا بنتي.
الليلة استمرت بالحديث عن العمل، عن السفر، عن أحلام يوسف في أمريكا، وعن مغامرات زياد وتميم، وضحكات غزل وضحى.
الكل كان سعيد… لأول مرة من زمان.
بعد الضحك وتبادل النخب، التفت أحمد نحو يوسف، بنظرة فاحصة، كأن عينيه بترجع للماضي وهو بيتذكر والده الراحل.
أحمد
يوسف… تعالى هنا يا بني. خليني أشوفك كويس.
(ينظر له من أعلى لأسفل)
أحمد
كبرت… وبقيت راجل يعتمد عليه. كان زماني دلوقتي بقول لصديق عمري: "شوف ابنك يا عمر… عمل اللي بيتمناه أي أب".
سادت لحظة صمت قصيرة، ثريا مسحت دموعها بخفة، وفيروز وضعت يدها على يد شقيقتها بحنان.
يوسف
دا كله بفضلك يا عمي أحمد. إنت اللي وقفت جنبي بعد بابا… إنت اللي أمنت مستقبلي.
أحمد
أنا عملت أقل من الواجب يا يوسف. أبوك الله يرحمه كان أخي قبل ما يكون صديقي. وإنت بالنسبة لي زي أولادي بالظبط.
مهاب وزياد وريان تبادلوا النظرات، موافقين على كلام أبيهم.
أحمد
قوللي يا يوسف… أخبار شركتك في أمريكا إيه؟ كنت متابع نجاحك هناك، فاجأتني.
يوسف
الشركة كانت بخير الحمد لله. كبرت بسرعة، وعملت اسم كويس في السوق.
(ينظر إلى والدته ثريا ثم يكمل بثقة)
يوسف
لكن… قررت أصفي أعمالي هناك وأرجع مصر.
فيروز
تصفي أعمالك؟ ليه يا يوسف؟
يوسف
كفاية غربة يا خالتي. تعبت.
يوسف
أنا وأمي تعبنا… البُعد مش سهل.
يوسف
عايز أعيش في بلدي، أبدأ من جديد هنا. وأظن مصر تستحق مجهودي وخبرتي.
أحمد
الله! دا كلام يفرح القلب يا يوسف.
(يضرب على كتفه)
أحمد
مصر محتاجة شباب زيك… وشطارتك دي هنستفيد منها هنا.
ثريا
قلت له كده يا أحمد… قلت له إن الغربة مهما كبرت، مش هتدي للإنسان اللي بتديه له أرضه.
حلا
يوسف، يعني هتستقر هنا خلاص؟
يوسف
أيوة يا قمر. جه وقت الاستقرار… وجه وقت يكون ليا جذور هنا، مش هناك.
ضحك الجميع، وعلّق ريان بخفة.
ريان
يعني عندنا دلوقتي منافس جديد في السوق.
يوسف
منافس شريف يا ريان… وأهو خلينا نشوف مين فينا هيكسب أكتر.
الجميع ضحك، والأجواء ازدادت دفئًا… وكأن الفيلا أخيرًا استردت قلبها النابض بعد سنين من الغياب والغربة.
بعدما ساد الضحك والحديث عن يوسف، سكتت فيروز فجأة وهي ترفع حاجبيها بتعجرف، ناظرة نحو ضحى وغزل اللتين كانتا صامتتين طوال الوقت، تجلسان في نهاية الطاولة بخجل.
فيروز
وهُم دول بقى؟
(تنظر إلى زياد وريان بحدة)
فيروز
يعني دي النهاية؟ دي اختياراتكم؟
الجميع التفت إليها في توتر.
ضحى خفضت عينيها إلى الأرض، وغزل تشبثت بيد ريان تحت الطاولة، صامتتين.
زياد
ماما… دي ضحى مراتي. وأي كلمة تمسها، بتمسني أنا الأول.
ريان
وغزل برضه… مراتي، وشريكتي. مفيش حد ييجي عليها، حتى لو كان إنتِ يا ماما.
فيروز شهقت بدهشة، تكاد تنفجر بكبريائها.
فيروز
إيه دا؟ بتوقفوا في وشي عشان… عشان…!
لكن أحمد قاطعها بنظرة حادة وصوت منخفض لكنه حاسم.
أحمد
فيروز… كفاية.
(يميل ناحيتها بصوت يكاد يُسمع)
أحمد
إحنا جايين نفرح ونلمّ الشمل… مش نكسر الناس اللي حوالينا.
فيروز ضغطت على أسنانها، لكن عينيها ظلّتا مليئتين بالرفض.
حلا
ماما… لا تنسي مين وقف معايا يوم الكل ظلمني.
(تلتفت نحو ضحى وغزل بابتسامة)
حلا
لو مش هما… يمكن ما كنتش هنا دلوقتي قدامكم.
الجميع سكت للحظة، عيونهم تترقب رد فعل فيروز.
أحمد مال بكرسيه للأمام وقال بحزم أبوي.
أحمد
ضحى وغزل بقوا جزء من العيلة. بالنسبة لي… زي بناتي. وأنا ممتن ليهم على اللي عملوه مع حلا.
فيروز تنفست بعمق، وابتسمت ابتسامة مصطنعة، ثم قالت ببرود وهي ترفع كأسها.
فيروز
تمام… اللي يرضيكم.
لكن من عينيها كان واضح إنها استسلمت على مضض، وكأنها بتقول: "أنا ساكتة دلوقتي… بس مش للأبد."
ضحى وغزل تبادلتا النظرات بخجل، ثم نظرتا لحلا التي ابتسمت لهما مطمئنة، لتشعران أخيرًا أن هناك من يحميهما.
هدأت الأجواء قليلًا بعد توتر فيروز مع ضحى وغزل. جلست ثريا بالقرب من الزوجتين، تبتسم بحنان دافئ يختلف تمامًا عن أسلوب شقيقتها المتعجرفة.
ثريا
ضحى… غزل… ما تخلوش كلام الناس أو النظرات تغيّركم.
(تلمس يد كل واحدة منهما)
ثريا
أنا شُفت في عينيكم محبة حقيقية لحلا… والمحبة دي مش سهلة. عيلة زي دي محتاجة قلوبكم الكبيرة.
ضحى
شكراً يا طنط… إحنا عملنا اللي لازم يتعمل. حلا زي أختنا.
غزل
بالضبط… هي غالية علينا زي ما هي غالية عليكم.
ابتسمت حلا بعاطفة وهي تحدّق فيهن.
حلا
وأنا عمري ما هنسى وقفتكم معايا.
تأمل أحمد الموقف للحظة، لكنه بدا شاردًا، كأنه يتذكر شيئًا. فجأة نظر إلى مهاب باستفهام.
أحمد
مهاب… الشاب الوسيم اللي شُفته في المستشفى… كان مع أخوه الصغير وأمه. مين دول؟
ارتبك مهاب قليلًا، ثم رد بجدية.
مهاب
ده أدهم يا بابا… مخرج أفلام معروف. هو اللي اتفق مع حلا إنه يحوّل رواياتها لأفلام.
أحمد
أها… مخرج أفلام.
(يلتفت لحلا بابتسامة صغيرة، يراقب حمرة وجهها)
أحمد
واضح إن الموضوع مش بس "اتفاق شغل"، صح يا حلا؟
احمرّ وجه حلا خجلًا، وانخفضت عيناها إلى الأرض. ابتسم أحمد لنفسه، وكأنه فهم كل شيء من نظرتها فقط.
فيروز
يعني إيه؟ مين الشاب ده؟ إحنا ما نعرفوش.
مهاب
هو شاب محترم… جيه ليا قبل ما تيجوا النهاردة، وطلب إيد حلا مني.
ساد الصمت في الغرفة. فيروز شهقت، بينما أحمد اتسعت عيناه بدهشة.
فيروز
طلب إيدها منك؟! إنت بتهزر؟! حلا لسه صغيرة على الكلام ده!
أحمد
لحظة يا فيروز…
(ينظر إلى مهاب)
أحمد
وإنت قلتله إيه؟
مهاب
وافقت… لأن حلا موافقة. لكن الاتفاق إنه خطوبة بس، لحد ما تكمل دراستها وتبقى جاهزة.
فيروز
خطوبة إيه وبتاع إيه! البنت دي لسه محتاجة تعيش طفولتها!
حلا
ماما… بابا… أنا… أنا موافقة.
التفتت العيون نحوها في صدمة، حتى فيروز لم تستطع الكلام لثوانٍ.
أما أحمد فابتسم بخفة، كأنه يحاول أن يلتقط كل خجلها وصدقها في تلك اللحظة.
أحمد
إنتِ موافقة بجد يا حلا؟ ولا بتحاولي ترضي إخواتك بس؟
حلا
القرار في الآخر ليك يا بابا… أنا بثق فيك.
هنا شعر أحمد بعمق المسؤولية، وعاد للحظة الزمن اللي وعد فيه نفسه إنه يربي أبناءه على الأمان والصدق. نظر إلى مهاب بعزم.
أحمد
مهاب… بلّغ أدهم إننا في انتظار هو وعيلته ييجوا يتقدموا رسمي.
تجمدت ملامح فيروز، حاولت الاعتراض لكن نظرة أحمد الصارمة أوقفتها.
فيروز
زي ما تحب…
ابتسمت ثريا وهي تربت على كتف أختها قائلة.
ثريا
مرات… الأولاد كبروا… وحلا كبرت. مش كل حاجة نقدر نتحكم فيها.
يوسف أضاف وهو ينظر إلى خاله أحمد بإعجاب.
يوسف
قرار حكيم يا عمي… أدهم شكله راجل يعتمد عليه.
في تلك اللحظة، شعر الجميع أن الليلة لم تكن مجرد "لمّة عيلة"… بل بداية فصل جديد في حياة حلا، العائلة كلها، وحتى أدهم الذي لم يكن حاضرًا، لكن اسمه صار مركز الدائرة.
في فيلا عائلة الراوي – في المساء
جلسوا جميعًا في الصالون الواسع، طاولة القهوة ممتلئة بالعصائر والحلويات. بدا أن نادية عادت من المشفى مرهقة لكنها مطمئنة.
فارس
اتأخرتوا النهاردة… حصل إيه؟
نادية
ما تقلقش يا فارس. بنت صغيرة من عيلة النجار كانت في المستشفى، وابني أدهم…
(تنظر لابنها بنظرة دافئة)
نادية
عمل حركة جريئة كعادته.
رفع فارس حاجبه وهو ينظر إلى أدهم.
فارس
جريئة؟ يعني إيه؟
تنحنح أدهم قليلًا، وكأن الموضوع أكبر من قدرته على صياغته ببساطة، ثم قال بجدية.
أدهم
بابا… أنا طلبت إيد بنتهم.
شهق مازن بصوت مسرحي ساخر.
مازن
أيوه يا جماعة! الراجل اللي كان بيقول "أنا مش فاضي للستات" و"الحب كلام فارغ"… وقع! 😂
ضربه أدهم بنظرة حادة جعلته يتراجع وهو يضحك.
فارس
طلبت إيدها من مين؟
أدهم
من أخوها الكبير… ووافق.
ساد الصمت لثوانٍ. فارس أدار رأسه نحو نادية، وكأنه يبحث عن تأكيد.
نادية
ده صحيح. الولد اسمه مهاب، شكله راجل عاقل… وافق.
فارس
بس يا أدهم… إنت عارف إن الكلمة الأولى والأخيرة مش عنده. القرار عند والدها.
خفض أدهم عينيه، صوته صار أكثر رزانة من المعتاد.
أدهم
عارف… بس كان لازم أبدأ من مكان ما.
في تلك اللحظة، تحركت لوسيندا في مقعدها، كان في وجهها خليط من الانزعاج والحزن الخفيف، لكنها حاولت أن تبدو طبيعية.
لوسيندا
يعني… بتحبها للدرجة دي؟
نظر إليها أدهم بهدوء، لم يحاول أن يخفي شيئًا.
أدهم
أيوه يا لوسي… دي مختلفة.
ارتسمت ابتسامة حزينة على شفتيها، لكنها أخفتها سريعًا، متذكرةً خطيبها كريم الذي بدأ يغيّرها فعلًا.
شريف
يا سلام! أخيرًا! ابن أخويا لقى البنت اللي تحرّك قلبه. كنت فاكر إنك هتعيش حياتك كلها متجمد!
مازن
أيوه يا عمو… اتجمد إيه بس؟ ده كان تلج قطبي! دلوقتي بدأ يدوب.
ضحك الجميع، حتى فارس نفسه ابتسم رغم وقاره. ثم عاد ليقول بحزم.
فارس
اسمع يا أدهم… ما تعلّقش قلبك قوي قبل ما تسمع كلمة والدها. ممكن يرفض، وممكن يوافق. وإنت لازم تكون مستعد للحالتين.
أدهم
فاهم يا بابا… بس المرة دي… مش هتنازل بسهولة.
أخذت نادية نفسًا عميقًا، ثم ابتسمت بحنان وفخر، كأنها لم ترَ ابنها بهذا الوضوح من قبل.
نادية
هو ده ابني اللي كنت مستنياه…
أما لوسيندا فبقيت صامتة، تفكر بين نفسها… “يمكن فعلاً كل واحد له نصيبه… وأنا لقيت نصيبي مع كريم، حتى لو مش أدهم."
في أحد الأحياء المظلمة – شارع الليل
الأضواء النيون المتقطعة تنعكس على الأرصفة المبتلة، الموسيقى الصاخبة تتسلل من الحانات القريبة، والرجال يتسكعون يبحثون عن متعة عابرة.
كانت سيرين تسير بخطوات سريعة، عيناها تلمعان بالجنون والشر، وجهها الجميل يبدو وكأنه قناع يخفي وراءه روحًا سوداء.
اقتربت مجموعة من النساء بملابس فاضحة، إحداهن وضعت يدها على خاصرتها وقالت بصوت ساخر.
الست الأولى
واقفة ليه هنا يا قمر؟ إيه… جايّة تسرقي شغلنا؟
سيرين
أنا ما ليش دعوة بيكم… ابعدوا عن طريقي.
الست الثانية
إيه ده؟ شكلها غالية علينا. جاية منين بالبراءة دي؟
(تقترب أكثر منها وتقول بتهديد)
الست الثانية
إحنا ما بنسيبش حد ياخد زبون من غير إذن.
وقفت سيرين بثبات، وابتسمت ابتسامة جعلت الدم يتجمد في العروق.
سيرين
أنتم فاكرينني زيّكم؟… أنا مختلفة.
الست الثالثة
مختلفة إزاي يعني؟ في الآخر إنتِ بنت حلوة ماشية هنا بالليل… يبقى إيه غير كده؟
اقتربت سيرين ببطء، حتى أصبحت وجهاً لوجه مع المرأة الثالثة، ثم همست ببرود.
سيرين
مختلفة… لأني لو حد لمسني، ممكن أقطع رقبته.
سكتت النساء فجأة، وارتبكن للحظة. نظرة سيرين لم تكن نظرة فتاة خائفة أو ضائعة، بل نظرة وحش معتاد على الدم.
الست الأولى
إيه الجنون ده؟ إنتِ مين بالظبط؟
ابتسمت سيرين بخبث، وأدارت وجهها كأنها تتذكر الماضي.
سيرين
أنا اللي خلّصت من أمي بيدي… واللي خلّصت من صاحبة عمري قبل ما تبيعني. واللي جاية تدور على "واحدة" لازم تدفع التمن…
اتسعت عيون النساء بالرعب، تبادلن نظرات صامتة ثم تراجعن ببطء.
لكن واحدة منهن تجرأت وقالت.
الست الثانية
يا مجنونة! إنتِ قاتلة!
انفجرت سيرين بضحكة هستيرية قصيرة.
سيرين
وأفتخر…
صمتت فجأة، وعيناها اشتعلتا.
سيرين
اسمها "حلا". لسه عايشة… ولسه مش حاسة إن نهايتها قربت.
ارتجفت النساء، بعضهن أسرعن بالابتعاد، وأخرى تمتمت.
المرأة الثالثة
ربنا يستر من دي… شكلها شيطان في صورة بشر.
أما سيرين فابتسمت ببرود، وأكملت طريقها بخطوات ثابتة، كأنها ذئب يتعقب فريسته.
رواية بين سطور العشق الفصل العشرون 20 - بقلم سيليا البحيري
كان الجو مليئًا بالدخان والضحكات الرخيصة، والنساء يتسابقن على كل رجل يمرّ.
وفجأة، دخل رجل ممتلئ، ثري المظهر، ببدلة فاخرة ورائحة كحول تفوح منه.
بمجرد ظهوره، اندفعت النساء نحوه مثل سرب غربان جائعة.
امرأة 1 (بضحكة مصطنعة): تعال يا بيه، الليلة عندي أجمل من أي مكان.
امرأة 2 (تتزاحم): لا، لا، تعال عندي أنا… هخليك تنسى اسمك.
لكن عيني الرجل لم تلتفت لهن، بل توقفت فجأة عند سيرين…
كانت واقفة بعيد، بجمالها البارد المرعب، كأنها دخيلة على المشهد كله.
اقترب بخطوات متثاقلة، ونظر إليها من رأسها حتى قدميها، ثم قال:
الرجل (بشهقة إعجاب): إيه دا… إيه الجمال دا؟
(يبتسم ماكرًا)
تعالي معايا الليلة… هدفعلك عشر تلاف.
سيرين لم تتحرك، فقط نظرت إليه بنظرة حادة باردة جعلته يتراجع للحظة.
سيرين (بصوت منخفض مليء بالاحتقار): مش للبيع.
النساء تبادلن النظرات باستغراب، ثم بدأن يضحكن بسخرية.
امرأة 3 (بصوت عالٍ): هاها! يا لهوي… جاية هنا تقول "مش للبيع"!
الرجل ابتسم بخبث، معتقدًا أن الأمر لعبة:
الرجل: طيب… عشرين ألف.
سيرين (ببرود): قلت لأ.
بدأ وجهه يحمر من التحدي، وارتفعت الأسعار على لسانه كالمقامر:
الرجل: خمسين… مية… ميتين…
(يتنفس بسرعة)
طب خلاص… خمسمية ألف جنيه!
النساء شهقن بغيرة، أعينهن تقدح شررًا.
امرأة 2 (تصرخ): نص مليون عشانها؟! إحنا مش شايفين؟!
امرأة 1 (بحقد): يا ريتك تشوف قلبها الأسود قبل جمالها.
سيرين ظلت صامتة للحظة، ثم ابتسمت ابتسامة شيطانية صغيرة…
سيرين (بهمس مغرور): خمسمية ألف؟… موافقة.
الرجل هلّل وضحك بصوت عالٍ، وأمسك بيدها محاولًا سحبها معه.
لكنها استدارت إلى النساء، غمزت لهن بعينها الباردة وكأنها تقول:
"انظرن… أنا الأفضل دائمًا."
غلى الدم في عروق النساء وهن يتهامسن بكره وحقد، بينما سيرين تسير معه بخطوات هادئة، عقلها يعمل بخطة مظلمة:
"الليلة… مش هو اللي هيشتري جسدي… أنا اللي هشتري حياته بالدم."
---
في شركة "الراوي" للإنتاج والتصوير – مكتب أدهم
ضوء الشمس يتسلل من الزجاج الواسع ليضيء أرجاء المكتب العصري الأنيق.
أدهم يجلس أمام مكتبه، يقلب بعض الأوراق بلا تركيز، ذهنه كله عند فتاة واحدة.
فجأة يُفتح الباب بخفة، ويطلّ وجه حلا المشرق رغم التعب.
حلا (بابتسامة خجولة): صباح الخير يا أستاذ أدهم.
رفع رأسه فجأة، كأن قلبه استيقظ من سباته، ووقف بسرعة حتى كاد أن يوقع الكرسي خلفه.
أدهم (مندهش وفرح): حــلا! … إيه المفاجأة الجميلة دي؟! إزيك؟
اقتربت حلا بخطوات مترددة، وعيناها تلمعان بشيء من الحرج.
حلا: جيت… أعتذرلك. عارف إن بابا طردك امبارح من أوضة المستشفى، هو ما كانش يقصد يجرحك، بس… ما كانش يعرفك.
اقترب منها أدهم أكثر، وصوته امتلأ بالحنان:
أدهم: حلا… إنتي آخر واحدة تعتذري. والدك معاه كل الحق. أي أب في مكانه كان هيتصرف كده. وأنا بصراحة… سعيد إنه رجع، وعاوز أشوفه راضي ومطمن عليك.
جلست حلا على الأريكة المقابلة لمكتبه، ويديها تلتفان ببعضهما كطفلة خجولة.
حلا (بهمس): بس أنا زعلت… زعلت إنك اتضايقت عشاني.
جلس بجوارها، يراقب ملامحها البريئة. ابتسم بخفة وقال:
أدهم: لما بشوف عينيكي كده… أي زعل بينتهي. إنتي عندي بالدنيا كلها يا حلا.
ارتبكت، واحمرّ وجهها بشكل واضح، فخفضت رأسها، وراحت تمسك طرف طرحتها بيديها.
حلا (بخجل): أدهم… في حاجة لازم تعرفها.
اقترب أكثر، وصوته ارتعش بالأمل:
أدهم: قوليلي…
رفعت عينيها إليه للحظة، ثم هربت بنظرها سريعًا، كأنها تخشى أن يفضح بريق عينيها ما في قلبها.
حلا: بابا… وافق. وافق إنك تيجي رسمي… بس لازم تحدد معاد وتحضر عيلتك.
اندهش أدهم لدرجة أنه وقف فجأة، عينيه تتسعان بفرح لم يعرفه من قبل، كأن الحياة كلها أعطته ما حلم به دفعة واحدة.
أدهم (بحماس): إنتي… بتقولي إيه؟! وافق؟!
أومأت بخجل، وابتسمت ابتسامة صغيرة كفيلة أن تذيب جبالًا من الجليد.
حلا (بهمس): آه… وافق.
لم يتمالك نفسه، جلس بجانبها من جديد، يمسك يديها بين يديه كأنه يمسك كنزًا.
أدهم (بصوت مبحوح): حلا… أنا… ما صدقتش إن في يوم ممكن أكون ليكي. إنتي غيرتيني… رجّعتي الإحساس لقلب عمري ما عرفت يفرح.
حلا (ترتبك وتسحب يدها بخفة): أدهم… بلاش الكلام الكبير ده… أنا لسه طالبة… ولسه في حاجات كتير قدامي.
ابتسم لها برقة، وعينيه معلقتان بوجهها وكأنها أجمل لوحة رآها في حياته.
أدهم: عارف… وعشان كده أنا مش طالب أكتر من وجودك جنبي. خطوبة… نستنى لحد ما تخلصي دراستك. المهم إنك تبقي عارفة… إن قلبي ما بيعرفش غيرك.
حلا غطت وجهها بكفيها من شدة الخجل، وضحكت ضحكة صغيرة نقية.
حلا (بصوت متقطع من الضحك): إنت… إنت مجنون يا أدهم.
أزاح يديها بلطف عن وجهها، ونظر إليها نظرة مليئة بالصدق:
أدهم: مجنون بيكي… ومش عاوز علاج.
سكتت، ولم تستطع الرد، لكن حمرة وجهها وارتباكها كانا أبلغ من ألف كلمة.
---
بعد لحظة الصمت الحالم بينهما، حاولت حلا أن تغيّر الموضوع، عيناها تتنقلان بين الملفات على المكتب وصور البوسترات المعلقة على الجدران.
حلا (بتردد): طيب… وإيه أخبار الشغل؟ المسلسل… روايتي… هنكمل تصويره ولا لسه؟
ابتسم أدهم وهو يحاول أن يسيطر على فرحته الكبيرة بموضوع موافقة والدها، وعاد للحديث بجدية مهنية، لكن صوته ظل دافئًا.
أدهم: طبعًا هنكمل. مشروعك مش مجرد عمل عادي… دي رواية مختلفة، زيك بالظبط. أنا مؤمن إنها هتنجح جدًا، وهنطلع منها بمسلسل الناس كلها هتتكلم عنه.
ارتسمت ابتسامة صغيرة على شفتيها، لكن سرعان ما خبت لمعة عينيها وهي تتذكر الماضي القريب.
حلا (بهمس متوتر): بس… الصور اللي اتفبركت عني… خلتني أفكر كتير. مين ممكن يعمل كده؟ وليه؟ حسيت إني محاصرة… مش قادرة أتنفس.
تبدلت ملامح أدهم، صار جادًا جدًا، عيناه اشتعلتا بلمعة حامية، كأن أحدهم تجرأ وجرح شيئًا ثمينًا بالنسبة له.
أدهم (بحزم): حلا… اسمعيني كويس. اللي عمل الحركة دي، كان قصده يدمرك… يخليكي تنهاري. بس اللي معرفهوش إنك أقوى من كده، وإنك مش لوحدك دلوقتي.
نظرت له بدهشة، وقلبها يدق بقوة.
حلا: قصدك إيه…؟
اقترب أكثر، وصوته صار خافتًا لكنه مليء بالتصميم.
أدهم: قصدي إن الموضوع ده ما يتقفلش. أنا هساعدك لحد ما نعرف مين اللي عمل كده. وصدقيني… اللي يجرؤ يمس سمعتك، هيتحاسب.
ارتجفت يداها وهي تضعهما فوق الطاولة، كأنها تحتاج لشيء تتمسك به.
حلا (بصوت خافت): أنا محتارة يا أدهم… مين ممكن يكرهني بالشكل ده؟ أنا ما أذيتش حد.
أدهم نظر إليها طويلًا، يحاول قراءة الحزن في عينيها، ثم وضع يده بلطف على يدها المرتجفة، يثبتها.
أدهم (بنبرة صادقة): ساعات يا حلا… الكره بييجي من غير سبب. من غيرة، أو من نفس ضعيفة. بس أوعدك… مش هسيبك لوحدك تواجهينه.
أغمضت عينيها للحظة، وكأنها وجدت في كلماته ملجأً.
حلا (بتنهيدة): شكراً… مش عارفة أقولك إيه.
ابتسم ابتسامة صغيرة، وعاد يمزح ليخفف عنها:
أدهم: قوليلي إنك هتكملي تصوير الرواية معايا… وإنك مش هتهربي من المخرج اللي وقع في حب بطلة قصته.
فتحت عينيها بسرعة، وحدقت فيه بدهشة، قبل أن تغطي وجهها بكفيها من شدة الخجل.
حلا (بضحكة صغيرة): إنت… إنت مش طبيعي!
ضحك هو الآخر، ثم قال بجدية أكبر:
أدهم: على فكرة… نجاح المسلسل هيكون أفضل رد على أي حد حاول يشوه صورتك. خليهم يشوفوا مين هي حلا النجار… مش من صور مزيفة، لكن من موهبتك وحقيقتك.
رفعت رأسها أخيرًا، وفي عينيها بريق جديد من القوة.
حلا (بحزم خجول): عندك حق… لازم أكمّل. مش هسمح لحد يوقفني.
مد يده أمامها كأنه يطلب اتفاق رسمي:
أدهم (بابتسامة): يبقى اتفقنا… شركاء في الرواية، وشركاء في كشف الحقيقة.
ترددت لحظة، ثم مدت يدها الصغيرة بخجل، ووضعتها في يده.
حلا: اشطا
---
في مطعم فاخر مطل على النيل
المكان يلمع بأضواء خافتة تنعكس على صفحة الماء.
الطاولة مستطيلة أنيقة، يجلس حولها شريف بوقاره المعتاد، وابنته لوسيندا (لوسي) بجانبه، ثم كريم الوسيم الأنيق الذي لا يكف عن النظر إليها، ومعهما والدا كريم: جمال صديق شريف القديم، وزوجته الطيبة مرام.
الجميع يفتح قوائم الطعام، بينما كريم يكتفي بالتحديق في خطيبته، حتى لاحظ والده.
جمال (بابتسامة ساخرة): يا ابني… القائمة في إيدك مش صورة خطيبتك. ركّز تختار لنا حاجة نطلبها.
احمر وجه كريم على الفور، وتلعثم وهو يرفع القائمة بسرعة:
كريم: آ… آه… حاضر يا بابا. بس… يعني… الأكل مش مهم قوي، الأهم… (ينظر للوسي بحب) إننا نخلص ونحدد ميعاد الفرح.
ضحكت مرام بخفة وهي تضع يدها على يد ابنها:
مرام: يا لهوي يا كريم! هو لسه الناس بتتكلم عن المقبلات وأنت عايز تجري على الجواز؟
لوسي (بخجل خفيف): كريم… على مهلك شوية.
كريم اعتدل في جلسته، لكنه اقترب منها أكثر، يخفض صوته كأنه يبوح بسر:
كريم: أنا مستعجل عشان نفسي أصحى كل يوم ألاقيكي جنبي… تعبت من الانتظار يا لوسي.
ارتبكت لوسي، وجهها احمر قليلًا، فحاولت إخفاء ارتباكها بشرب رشفة ماء.
أما شريف، فابتسم لأول مرة منذ بداية الجلسة، وهو ينظر إلى جمال:
شريف: شايف يا جمال؟ ابنك مش قادر يخبّي. شكله واقع بجد.
جمال (ضاحكًا): واقع من زمان يا شريف. أنا أول مرة أشوفه كده… طول عمره عاقل، متزن، بس مع لوسي… بقى طفل مدلل.
مرام (بحنان): الطفل ده بيحبها بجد. وده اللي مخليني مطمئنة.
لوسي (بصوت خافت وهي تنظر لكريم): يعني… أنت فعلًا شايفني كل حاجة بالنسبة لك؟
أمسك كريم يدها فجأة أمام الجميع، بلا خجل، وصوته ملئ بالصدق:
كريم: إنتي مش كل حاجة… إنتي الحاجة الوحيدة اللي بتدي معنى لكل حياتي.
ساد الصمت لثوانٍ، الجميع ابتسموا، بينما لوسي شعرت بقلبها يرتجف، لأول مرة منذ زمن بعيد، كأن جدار البرود من حولها يتشقق.
شريف (بجدية يقطع الصمت): طيب… ندخل في المهم. أنا مش ضد استعجالكم… بس لازم يكون في وقت كافي نجهز فيه كل حاجة.
كريم (متعجل): شهر كفاية.
انفجر الجميع بالضحك، حتى لوسي وضعت يدها على فمها تخفي ابتسامة صغيرة لم تستطع منعها.
جمال (مازحًا): شهر إيه يا ابني! ده عايز أسبوع على كده!
مرام (بضحكة حنونة): يا حبيبي… هو عريس مستعجل مش عارف ينام الليل!
كريم خجل بشدة، يده ما زالت تمسك بيد لوسي وكأنه يخاف أن تفلت منه:
كريم (بخجل): أنا بس… أنا بحبها أوي… ومش قادر أستنى أكتر.
نظرت لوسي إليه طويلًا، هذه المرة لم تسحب يدها، بل تركتها بين يديه، وفي عينيها لمعة لم يعتد أحد أن يراها.
لوسي (بهمس): يمكن… يمكن الشهر مش كفاية… لكن أوعدك… مش هتستنى كتير.
ابتسم كريم ابتسامة واسعة، كأن الدنيا كلها أصبحت بين يديه.
أما شريف وجمال ومرام فقد تبادلوا نظرات رضا، بينما في أعماق لوسي كان هناك شيء جديد يولد… لأول مرة، شعرت أنها ليست وحيدة.
---
في مكان آخر
ندى تتمشى ببطء في الحارة الشعبية، تضع سماعات في أذنها وتفكر في مشاكل الأيام الماضية، لكن فجأة جذب انتباهها صوت همس سيدتين تجلسان على باب أحد البيوت.
إحدى الجارات (بصوت منخفض متوتر): سمعتي يا سعاد؟ البنت المجنونة دي… سيرين… يقولوا قتلت أمها بالسكين!
الأخرى (تشهق): يا نهار أسود! معقول؟! أنا كمان سمعت إنها قتلت صاحبتها… رنا! بس ليه؟ ليه يا ربي؟
ندى توقفت فجأة، قلبها كاد يتوقف. نزعَت السماعة من أذنها وحدّقت فيهما بذهول.
ندى (بصوت مرتجف): إنتو… إنتو بتقولوا إيه؟! سيرين… قتلت والدتها؟! ورنا كمان؟!
التفتت الجارتان إليها مرتبكتين.
الجارة الأولى: يا ساتر يا رب… إنتي ما تعرفيش يا ندى؟! الدنيا كلها بتتكلم!
ندى (بحزم وصوت يعلو): لأ… لأ! أنتو أكيد غلطانين. سيرين صحبتي… مستحيل تعمل كده!
الجارة الثانية (بخوف): لا يا بنتي… الناس كلها شافت الشرطة في بيتهم… بس ما حدش عارف التفاصيل.
ندى شعرت بدوار، خطواتها تراجعت للخلف ثم اندفعت تركض بكل قوتها نحو منزل سيرين.
---
المشهد: منزل عائلة سيرين
ندى تدق الباب بعنف، يكاد قلبها يقفز من صدرها.
بعد لحظات فتح الباب ماهر، الطبيب الشاب، عينيه متعبتان ووجهه مرهق.
ماهر (مندهش): ندى؟! إيه اللي جابك هنا؟
ندى (لهاث وصوت مضطرب): ما… ما تقوليش إن الكلام اللي سمعته صح يا ماهر… قوللي إن دي إشاعة! إن سيرين ما عملتش كده!
ماهر صمت لثوانٍ، عينيه امتلأتا بالحزن، ثم تنهد بعمق.
ماهر: ندى… أنا مش هكذب عليكي. أيوه… سيرين قتلت أمي… وقتلت صاحبتكوا رنا.
ندى (تصرخ بذهول): إيييييييييييييييه؟! لاااا! مستحيل! سيرين… صاحبتنا! إزاي تعمل كده؟!
أمسك ماهر بكتفيها محاولاً تهدئتها.
ماهر: سيرين مش طبيعية يا ندى. من زمان وأنا حاسس إنها ماشية في طريق ظلام. كانت بتكره كل الناس… حتى نفسها. أنا حاولت أوقفها… حاولت أعالجها… لكن الشيطان سيطر عليها.
ندى (دموع في عينيها): لكن… لكن ليه يا ماهر؟ ليه أمها؟ ليه رنا؟! رنا ما أذتهاش… دي كانت بتحبها!
أغلق ماهر عينيه بألم.
ماهر: رنا كانت هتفضحها… كانت عارفة حاجة خطيرة عنها. وسيرين… ما بتسكتش لأي حد يوقف طريقها.
ندى (مذهولة): يا إلهي… يبقى الصور اللي اتفبركت لحلا… أكيد هي اللي عملتها!
ماهر أطرق رأسه ثم رفع عينيه إليها بنظرة جادة:
ماهر: أيوه… وأنا متأكد. سيرين هي اللي وراء كل ده.
ندى (بحزن وخوف): يبقى لازم نوقفها يا ماهر… قبل ما تقتل حد تاني… قبل ما تقتل حلا!
اقترب ماهر أكثر، صوته صار جادًا:
ماهر: وأنا هعمل المستحيل عشان أوقفها. حتى لو كانت أختي… مش هسمح لها تدمّر حياة أي حد تاني.
ندى وضعت يديها على وجهها، الدموع تنهمر:
ندى: يا ربي… دي كانت صاحبتي… كنت بحسبها أخت! إزاي… إزاي تتحول لوحش بالشكل ده؟
ماهر بصوت منخفض وحزين:
ماهر: في ناس… بيتولدوا نور… وناس بيتولدوا ظلام. وسيرين… للأسف اختارت الظلام.
---
ندى ما زالت واقفة، أنفاسها متقطعة، والدموع في عينيها.
تنظر إلى ماهر بعينين مذعورتين.
ندى (بصوت مخنوق): طب… فين هي دلوقتي؟ فين سيرين؟!
ماهر يزفر بعمق، يمرر يده على وجهه المتعب.
ماهر: هاربة… اختفت من يوم الحادثة. الشرطة بتدور عليها، وأنا نفسي مش عارف مكانها. كأن الأرض انشقت وبلعتها.
ندى عضّت شفتها السفلى بقوة، يديها ترتجفان لكنها فجأة شدّت قبضتها بعزم.
ندى (بغضب مكتوم): عارفة… عارفة إنها هي اللي عملت الصور لحلا… هي اللي سببت كل البلاوي دي. كنت حاسة من الأول… بس دلوقتي اتأكدت.
ماهر (بحزن): للأسف يا ندى… أيوه، سيرين هي اللي عمل كل ده.
ندى رفعت رأسها، عينيها تلتمعان بالغضب والدموع معًا.
ندى (بحزم): أقسم بالله… لو شفتها قدامي… مش هرحمها. اللي عملته في حلا… وفي أمها… وفي رنا… حسابه عندي تقيل أوي.
ماهر ينظر إليها بدهشة ممزوجة بالإعجاب من قوتها.
ماهر: إهدي يا ندى… متخليش الغضب يعميكي. القانون هو اللي هيحاسبها.
ندى (تهز رأسها): لأ، يا ماهر. في ناس زي سيرين… القانون مش كفاية معاهم. اللي زيها محتاجين حد يوريهم معنى العقاب الحقيقي.
ماهر يقترب منها خطوة، صوته أكثر جدية:
ماهر: أنا فاهم مشاعرك… بس أوعى تخلي الكره يغيرك. متخليش سيرين تكسب مرتين: مرة بخيانتها… ومرة بتحويلك لنسخة منها.
ندى تتنفس بعمق، لكن ملامحها تبقى قاسية، تهمس وكأنها تتوعد:
ندى: متخافش يا ماهر… أنا عمري ما هكون زيها. بس أوعدك… سيرين مش هتفلت مني ولا من اللي عملته… أبدًا.
---
في ساحة الجامعة – منتصف النهار
الطلاب منتشرين في الساحة، البعض يجلس على العشب والبعض الآخر متجه إلى المدرجات.
ريان كان يسير بجانب مازن، يحمل حقيبته على كتفه بابتسامة واضحة.
ريان (بحماس): مازن! عندي خبر نار هيعجبك.
مازن (متحمس): خير يا عم؟ شكلك متفجر من السعادة.
ريان توقف فجأة، التف ليواجهه مباشرة:
ريان: أبويا… وافق على جواز حلا وأخوك ادهم.
مازن اتسعت عيناه بدهشة، ثم قفز في مكانه كطفل سعيد:
مازن: بجد؟! ياااه… أخيراً! أخويا اتغير 180 درجة بسببها. زمان كنت بقول عليه إنسان آلي… دلوقتي بقى عاشق ولهان.
ريان ضحك من قلبه، يربت على كتف مازن:
ريان (مازحاً): هو فعلاً شكله وقع في الفخ… بس فخ جميل.
مازن (ممازحاً): حلا عملت معجزة، أقسم بالله. أنا كنت فاكر أدهم هيفضل يهرب من البنات لحد ما يشيب. دلوقتي بقى بيكتبلك شعر لوحده!
الاثنان انفجرا ضاحكين وسط المارة، لدرجة أن بعض الطلاب التفتوا إليهما.
مازن فجأة غمز لريان بمكر، واقترب منه:
مازن (بصوت منخفض، بمكر): طب… قوللي بقى، إنت وأختنا الصغيرة غزل… إيه الأخبار؟
ريان احمر وجهه فجأة، وتلعثم:
ريان: آآه… يعني… كويس… الحياة ماشية.
مازن (مقاطعاً وهو يضحك): "كويس"؟! يا جدع ده إنتو متجوزين ولسه في الجامعة! أنا عايز تفاصيل… بتسيبك تذاكر ولا بتخليك تذاكرها هي؟
ريان كاد يختنق من الضحك والحرج، دفع مازن بخفة على كتفه:
ريان (مازحاً): يا عم سيبنا في حالنا… غزل دي حاجة تانية… مش مراتي وبس، دي نصفي التاني.
مازن صفق بيده وضحك:
مازن: ياااه! شوفوا ريان! طلع شاعر برضه زي أخويا… شكلك هتكتب قصيدة في غزل قريب.
ريان ابتسم بخجل، لكن عينيه أظهرت حباً حقيقياً لزوجته.
ريان (بجدية ناعمة): غزل فعلاً نعمة من ربنا… بتدعمني في كل حاجة. حتى وهي في كلية الهندسة وضغطها عالي، بتفكر فيا وبتسندني.
مازن نظر إليه بإعجاب، ثم ضحك من جديد ليكسر الجو الجاد:
مازن: خلاص… كده بقينا اتنين عشاق ولهانين في العيلة… أنا وأخويا، وإنت وغزل. ناقص مهاب بقى، بس ده موضوع تاني!
الاثنان ضحكا معاً، ثم اتجها نحو الكلية وسط جو مليء بالطاقة والمرح.
---
في استديو زياد، الكاميرا الخاصة بزياد موضوعة على الطاولة، وبجوارها بعض الصور المطبوعة لأعراس كان قد صورها مؤخراً.
ضحى تجلس على الكنبة عابسة، ذراعاها متشابكتان، بينما زياد يلف حولها بمرح كطفل يحاول استرضاء أمه.
زياد (بابتسامة عريضة): ضحى… يا قمر يا جميل… ليه مكشرة كده؟
ضحى (ببرود): إنت عارف ليه.
زياد (متصنع الدهشة): أنا؟! أنا عملت إيه؟ أنا ملاك… ملاك بأجنحة، ولو عايزة أطيرلك أجيب نجمة أجيب.
ضحى (تنظر له بحدة): ملاك إيه بس؟! يوم ما الكل وقف مع حلا أنا شوفتك ساكت… واقف كأن الموضوع ما يخصكش. حلا أختك يا زياد!
زياد جلس بجوارها، يضع يده على صدره وكأنه أصيب:
زياد (بدراما مبالغ فيها): آآه… كده يا ضحى؟ بتذبحيني بكلامك! طيب اسمعي مني… أنا ما كنتش ضدها ولا حاجة، أنا كنت محتار… مش قادر أصدق الصور ولا أصدق اللي اتقال. بس قلبي كان مع حلا، والله العظيم.
ضحى أبعدت وجهها، لكنها لم تستطع إخفاء ارتعاشة في عينيها.
زياد (يحاول مداعبتها): وبعدين تعالي هنا… إنتي فاكرة إن في يوم هقدر أسيب أختك؟ دي نص نصفي التاني… وإنتي نص التاني كله!
ضحى لم تتمالك نفسها وضحكت قليلاً، لكنها حاولت تخفي ابتسامتها:
ضحى: بلاش الحركات دي… مش هتمشي عليا.
زياد (يمثل الجدية فجأة): طيب… عندي اقتراح: أعملك جلسة تصوير خاصة… أحلى من صور العرسان اللي بييجوا عندي. وأخلي عنوان الألبوم "أجمل ست في الكون اسمها ضحى".
ضحى ضحكت بصوت عالٍ هذه المرة، وضربته بخفة على ذراعه:
ضحى: إنت مجنون يا زياد.
زياد (مقرباً وجهه منها بابتسامة): مجنون بيكي… ولو زعلتي مني تاني، هصورلك فيديو وأنا برقص قدام الكاميرا وأبعته للعيلة كلها.
ضحى ضحكت أكثر، لكن هذه المرة نظرتها امتلأت بالحب، ثم تمتمت:
ضحى: خلاص… مسامحاك. بس أوعى تزعلني تاني.
زياد احتضنها بحماس كطفل انتصر أخيراً:
زياد (بفرح): يييييييس! رجعتلي ضحكتي تاني.
---
في شارع جانبي هادئ – مساء
مهاب يقود سيارته بهدوء، شارد الذهن كعادته. عيونه نصف مغلقة من كثرة التفكير في همومه، خاصة ما حدث مؤخرًا مع حلا وعائلته.
فجأة، خرجت فتاة شابة من جانب الطريق تحمل كيس كتب وأغراض، لم ينتبه لها مهاب إلا متأخراً…
صوت فرامل حادة!!!
سقطت الفتاة على الأرض، الكيس انقلب وتناثرت الكتب.
مهاب (بصدمة وهو ينزل مسرعاً): يا إلهي! أنتي كويسة؟ سامحيني بالله عليكي… ما كنتش شايفك!
الفتاة ترفع رأسها ببطء، ابتسامة باهتة على وجهها رغم الألم:
حور: الحمد لله… ما حصلش حاجة خطيرة، يمكن خبطة بسيطة بس.
مهاب (ينحني بجوارها بقلق شديد): بسيطة إيه بس؟! إنتي وقعتِ جامد… ثانية واحدة، هساعدك تقفي.
يمد يده بحذر، يساعدها على النهوض. ملامحها بريئة جداً، شعرها الطويل متساقط على كتفيها وعيونها واسعة مليئة بالدهشة واللطف.
مهاب (بانفعال): أنا لازم أخدك المستشفى… مش هسيبك كده.
حور (تهز رأسها بسرعة): لا، لا… بلاش، أنا بخير والله. دي بس شوية خدوش… ومش عايزة أعمل دوشة.
مهاب ينظر إليها غير مقتنع، يلتقط الكتب المبعثرة من الأرض ويعيدها إلى الكيس:
مهاب (بحزم): الدوشة إيه؟ سلامتك عندي أهم من كل حاجة. حتى لو مجرد خدش، أنا مش هاكون مرتاح غير لما يطمن عليك دكتور.
حور (بخجل): شكراً… بس والله مش محتاجة. على فكرة… أنا الغلطانة، كنت ماشية ومش مركزة.
مهاب يحدق فيها للحظة، كأنه مذهول من طريقة كلامها اللطيفة رغم الموقف:
مهاب (بصوت منخفض): إزاي بتعتبري نفسك غلطانة وأنا اللي سايق زي الغايب عن الدنيا؟!
يسود صمت قصير، فقط أنفاسهما وصوت السيارات البعيدة.
حور تحاول التخفيف من التوتر بابتسامة خجولة:
حور: طيب خلاص… نعتبرها نص بالنص، أنا مش مركزة وأنت كنت شارد.
مهاب يبتسم لأول مرة منذ وقت طويل، ابتسامة صغيرة لكنها صادقة:
مهاب: نص بالنص… ماشي. بس في شرط…
حور (بفضول): شرط؟
مهاب: تخليني أوصلك بيتك، على الأقل أضمن إنك وصلتي بخير.
حور (تضحك بخفة): واضح إنك عنيد.
مهاب (بابتسامة دافئة): ممكن تقولي كده…
يمشيان معاً نحو السيارة. مهاب يفتح لها الباب كأي فارس قديم، وهي تنظر له بدهشة ممزوجة بالامتنان.
في السيارة، الجو صامت قليلاً، ثم تسأله بخجل:
حور: هو حضرتك اسمك إيه؟
مهاب: مهاب… وإنتي؟
حور (بابتسامة بريئة): حور.
مهاب يكرر الاسم في ذهنه، وكأنه عالق في نغمة موسيقية جميلة:
مهاب (بصوت منخفض): حور… اسم يليق بيكي فعلاً.
حور تضحك بخجل، تنظر من النافذة لتخفي ارتباكها.
أما مهاب، فعيناه تتسللان إليها بين الحين والآخر… شيء داخله اهتز منذ تلك اللحظة، وكأن قلبه وجد شيئاً لم يكن يبحث عنه.