بلحظة كان يلقي الهاتف ليتحطم بالحائط لآلاف القطع، بينما تابع بصوت أرعبها: إييه متجوزة طرطور؟ تروحي وتيجي على مزاجك؟ تلجم لسانها أمامه لأول مرة بعد أن شعرت بخوف حقيقي منه حينما صرخ بها. أين ذهب صوتها؟ لماذا استصعبت الرد عليه؟ لماذا أوجعها غضبه عليها تلك المرة؟ انطقي! مش مالي عينك أنا ولا إييه؟ نزعت ذراعها من يده وأسرعت إلى غرفتها تحتمي بها، ولأول مرة تجهش ببكاء كهذا بينما تعالى صوته الغاضب من خلف الباب:
الظاهر إني اتساهلت معاكي فقلتي تستغفليني. لكن أنا اللي غلطان. مفيش خروج من البيت تاني.. فاهمة ولا لا؟ لو كنتي فاكراني هبقى مغفل لتاني مرة وأديكي ثقتي تبقي غلطانة. أوعي تفتكري إني هنسى في يوم من الأيام انتي مين ولا بنت مين... فاهمة؟ تتابع صراحته وغضبه عليها وانفلات الكلمات من بين شفتيه والتي لا يدرك كم جرحتها، وقد أقر أنه لن ينسى يومًا.
اندفعت الدموع بغزارة من عيونها وهي تستمع إليه بينما يزمجر بغضب يشتم ويسب أبيها وأختها، وأنها مثلهم ولن يثق بها يومًا. لم يستمع إليها وكل الخطأ الذي أخطأته أنها ذهبت لوالدتها. ربما هو محق وكان عليها إخباره، ولكن أيكون عليه جرحها بتلك الطريقة؟
وضعت يدها على حلقها الذي غص بكلماته وغضبه لتتألم وتلقي اللوم على قلبها الذي تحرك له دون إرادتها وجعلها تسلك طريق نهايته مؤلمة، فحبها محكوم بهذا الماضي الذي سيظل واقفًا بينهما مهما حدث. خلعت نبيلة لعبد الحميد عباءته، ليقول بامتياض: أنا برضه مش مرتاح للبنت دي. هتفت نبيلة باستنكار: وبعدين يا عبد الحميد... خايف من إيه؟ خايف تغدر بيه تاني. هزت رأسها: لا متقلقش. هتف عبد الحميد: لا...
لازم أقلق. البنت دي حية زي أختها وأبوها. لا... لا يا عبد الحميد... هي غيرهم. استدار إليها باستنكار: نبيلة... ولما هي غيرهم حاولت تقتله ليه؟ ولد بنتك ده عنيد وراسه أنشف من الحجر. راح اتجوز حية أخت اللي غدرت بيه هي وأبوها، معرفش هو بيفكر في إيه... وآخرتها حاولت كمان تقتله عشان تغطي على عملة أبوها وأختها من غير ما حد يحاسبهم، فكرت إنه مقطوع من شجرة ومفيش حد وراه... طفرت نبيلة قائلة:
يا حج اسمعني الأول واعرف إيه اللي حصل قبل ما تحكم على البنية. أردفت نبيلة تخبر عبد الحميد بما حدث بين حمزة وسيرين، لتمتعض ملامح عبد الحميد ولكنه قال بعناد: تقوم تقتله! أمال تعمل إيه يا حج بعد ما عمل فيها كده؟ هز كتفه: وهو كان عمل إيه... حقه ومراته. نظرت إليه نبيلة بعدم رضا: وحتى لو مراته يا حج... ياخدها غصب؟ هتف بعناد: غصب ولا مش غصب... برضه مكنش ينفع تفكر إنها تقتله. هزت رأسها بجبين مقطب: أهو اللي حصل بقى...
حرق قلبها والبت باين إن دمها حامي مستحملتش اللي عمله فيها. جلست نبيلة أمامه وتابعت بهدوء: البت غلبانة يا عبد الحميد. نظر إليها بطرف عينه لتتابع: وولد بنتك مش عيل صغير ولولا إنه عارف إنها غيرهم مكانش سابها على ذمته. كفاية مشاكل يا عبد الحميد وخلينا نتلم تاني. خد حمزة تحت جناحك أنت وشريف وخليه يكبر في طوعكم، ولو على مراته سيبهالي أنا هعرف أتصرف معاها وأعرف إذا كانت كويسة وتستاهله ولا لا...
ولو كانت شبه أختها أنا اللي هخنقها بيدي. على مضض هو عبد الحميد رأسه فهو لا يهتم إلا بحفيده. لماذا لم توقفه... لماذا لم تصرخ به بأنه ليس من حقه أن يتحكم بها بتلك الطريقة... لماذا استمعت لإهانته لأبيها وصمتت.. وماذا كانت ستفعل بعد أن كسرها أبيها بتلك الطريقة؟ غزت الدموع مقلتيها مجددًا وهي تتذكر تهديده وكلماته لها لتتساءل متى أصبحت بتلك الحساسية... لماذا خافت من غضبه تلك المرة بالرغم من أنها كانت دومًا ما تتحداه...
إنه حتى لم يستمع إليها... فقط بدون تفكير انفعل عليها بتلك الطريقة ولم يتوقف عن كيل الإهانات لها... استند حمزة إلى جدار الشرفة يدخن السيجارة الخامسة والتي ينفث دخانها بغضب، بينما عجز عن النوم بعد غضبه عليها بتلك الطريقة وخاصة حينما لم تجب عليه وأفلتت من عيونها تلك النظرات التي أوجعته. يعترف أنه قد تمادى كثيرًا ولكن ماذا يفعل وقد انفلتت أعصابه كعادته؟
سحق سيجارته ودخل ليتوقف أمام باب غرفتها ويكور قبضته، فإن ظنت أنه سيعتذر فهي مخطئة كما أخطأت حينما تجاهلت تحذيره المسبق عن معرفته بخروجها. لن يتهاون أبدًا معها في شيء كهذا. بعناد دخل إلى غرفته وصفق الباب. أغلق جمال باب مكتبه وأخرج تلك الشريحة من أحد الأدراج ووضعها بالهاتف ليتصل بأحد الرجال الذين يعملون لصالحه. أمين. جمال باشا. إيه الأخبار؟ عملت اللي قلتلك عليه؟ بالحرف يا باشا...
المهندس سامي بيجيب أخبار المصنع أول بأول وأنا هنا في الشركة ببلغك بالليل بيحصل. طيب وبرضه معرفتش تخلي حد من بتوع الـ IT يشتغل تحت إيدك؟ صعب أوي يا جمال باشا... من وقت اللي حصل وحمزة بيه مقفل على كل حاجة ومش بيأمن لحد غير زين. مممم... طيب عمومًا يا أمين خليك زي ما أنت وأي جديد بلغني بيه. تمام يا باشا... مفيش دفعة من تحت الحساب؟ هبعتلك يا أمين.
أغلق جمال الهاتف وأرجع رأسه إلى الخلف يفكر ببضع خطوات يجب أن يتخذها ليؤمن نفسه من غدر سيدرا ومن غدر حمزة أيضًا. كان إياد قد وافق على مساعدة هشام لإيجاد سيدرا لإنقاذ سيرين. وبعد ما حدث لم يستطع التملص من مساعدته لهذا الرجل، فمهما كان... فهشام له مكانة في قلبه فقد اهتم به بعد موت أبيه. ربما يكون غلبه شيطانه وطمع ولكنه بالمطلق ليس بإنسان سيء، كما وأنه من أجل سيرين يجب أن يساعد هشام إن كان إيجاد سيدرا سينقذها مما هي فيه.
نظر إياد إلى هشام بشك قائلًا: وأنت إيه اللي مخليك متأكد كده؟ استحالة تكون سيدرا عملت كده من نفسها... لازم يكون حد ساعدها غيري. أنت مش قولت جمال كان معاها؟ جمال ده يخطط معاها آه... بس يفهم في حسابات الشركة لا طبعًا. يعني إيه؟ فرك هشام ذقنه قائلًا: يعني... في خاين جوه شركة حمزة. نظر إليه إياد ليفتح هشام بعض الأوراق والملفات ويبدأ بالشرح، ليقول: أنا محتاج أدخل لكمبيوتر الشركة...
وقتها يمكن أعرف هو مين وعن طريقه نوصل لسيدرا لو هي لسه على تواصل معاه. اتسعت عينا إياد: الشركة..! وأنت متخيل إنك ممكن تدخل الشركة تاني؟ لازم يا إياد. طيب ما نقول للي اسمه حمزة ده وهو يتصرف؟ هز رأسه: مش هيصدقني... لازم أحاول أثبت ده... يمكن وقتها أصلح اللي عملته. نظر إلى إياد قائلًا: أنا لازم أكفر عن ذنبي... ولازم سيرين وهدى يسامحوني.
في الصباح التالي، نظر مطولًا لباب غرفتها المغلق. فقد ظن أنها ستتمسك بعنادها وتخرج، ولكنها بغرفتها ولم تخرج منها. تلكأ كثيرًا حتى الساعة التاسعة قبل أن يغادر. جلس إلى مكتبه وقد احتقنت ملامحه بالغيظ. دخل إليه زين بابتسامة واسعة: شفت مؤشرات الإنتاج يا حمزة؟ هز حمزة رأسه باقتضاب: آه. قطب زين جبينه قائلًا: طيب أمال مكشر ليه... ده أنا قلت هدخل ألاقيك بتتنطط من الفرحة. زفر قائلًا: مش مكشر يا زين... بالعكس الحمد لله.
جلس زين ونظر إليه: طيب مالك يا حمزة... مفيش يا زين. تطلع زين إليه بمكر: يعني مش متخانق مع المدام مثلًا؟ أشاح حمزة بوجهه: بقولك إيه يا زين أنا مش رايق لهزارك. ومين قال إني بهزر... التكشيرة دي تكشيرة خناقة. نظر إليه وتابع: ها... زعلتها في إيه؟ فرك حمزة وجهه بعصبية وهو يخبر زين بما حدث ليقول أخيرًا: وهي فاكرة لما هتكسر كلامي هتطبطب عليها... تزعل ولا تتفلق حتى. رفع زين حاجبه وكتم ضحكته على غيظ صديقه ليقول:
بالراحة يا حمزة... الموضوع مش مستاهل... ولا هي ردت عليك؟ أشاح بوجهه: ولا ردت ولا حاجة. نظر إليه زين بعدم تصديق: سكتت؟ أومأ له ليتحدث نفسه بأن صمتها هذا ما ضايقه.
يومان وكلاهما ما يزال على نفس الحالة. هو يعاند وهي صامتة، وقد أدركت أنه يكره صمتها ويغتاظ منه، لذا قررت أخذ حقها بتلك الطريقة. تظل نائمة حتى ذهابه لعمله، وتجلس بغرفتها ما أن يقارب موعد عودته بالمساء. فكرت بمعاندته والذهاب لعملها ولكنها لم تجد بداخلها الرغبة في مشاجرة أخرى. تنظر يوميًا لباب غرفتها متوقعة منه أن يدخل إليها ولكنه لا يفعل مما زاد من عنادها.
في المساء التالي، عاد مبكرًا عكس عادته لترتبك سيرين التي كانت جالسة تشاهد التلفاز بغرفة المعيشة. أغلق الباب بهدوء وتوجه إليها، فها هو يرى ملامحها التي اشتاق إليها خلال اليومين الماضيين حتى وإن عاند. مساء الخير. أطفأت سيرين التلفاز وخطت إلى غرفتها بصمت دون قول شيء، ليمسك حمزة بذراعها يوقفها وقد أغضبه تجاهلها له ليقول: لما أكلمك تردي يا سيرين. نزعت ذراعها من يده ونظرت إليه بغضب قائلة: مش عاوزة أرد عليك... أنا حرة.
لا مش حرة. هتفت بعناد: لا حرة... وأنا مش عاوزة أتكلم معاك. رفع حاجبه: بقى كده؟ أومأت له بتحدي: آه كده... مش المهم إني أنفذ أوامرك عشان مكونش بستغفلك... أفتكر إني بعمل كده ومش بخرج من البيت... أتكلم أو ما أتكلمش أنا حرة ولا دي كمان هتتحكم فيا فيها؟ أفلتت نبرته المعاتبة: أنا مش بتحكم فيكي... أنا قلقت لما اتأخرتي كده من غير ما أعرف مكانك. رفعت عينيها إليه ليهز رأسه ويكمل بهدوء:
جايز اتعصبت عليكي شوية زيادة بس ده من قلقي. أشاحت بوجهها عنه واستدارت لتنصرف ليوقفها بنبرة عالية ممزوجة بنفاذ صبره: وآخرة اللي بتعمليه... التفتت إليه وقالت ببرود استفزه: وأنا بعمل إيه... أنا في حالي وأنت خليك في حالك. أمسكها من ذراعها: دي مش طريقة عيشة على فكرة. رفعت وجهها إليه وقذفت بها الحقيقة: وهو إيه الطبيعي في العيشة اللي بينا... عمر ما هيكون بينا عيشة طبيعية. احتقن وجهه بالغضب قائلًا: ليه؟
عشان أنت عمرك ما هتنسى اللي هي عملته فيك ولا اللي أبويا عمله... هتفضل تذلني. نظر إليها والخجل يملأ قسمات وجهه ليقول بنبرة هادئة: أنا ما قصدتش... كانت لحظة عصبية... قلقت عليكي. قصدت أن تجرحه ببرودها كما جرحها لتقول: وتقلق عليا ليه... أنت المفروض بس تقلق مني... عشان أنا أخت وبنت اللي خانوك وسرقوك.
أسرعت تفر إلى غرفتها من أمامه لتنفلت دموعها فكم هو مؤلم أن تبعد نفسها عنه وتصده بتلك الطريقة، ولكنها مضطرة فهو أوضح لها كثيرًا أن صورتها بعينيه لم تتغير حتى وإن تغيرت معاملته لها ستظل أخت سيدرا وابنة هشام. لقد قالها بلسانه لن يثق بها يومًا، فهل تطمع أن يحبها... ربما كالمرة السابقة هو يشعر بالشفقة عليها لا أكثر... ولكن لا توهم نفسها بالمزيد. جلس حمزة على طرف فراشه يكور قبضته بغضب... فكم كان جارح كلامه لها...
للمرة الألف راجع ما حدث بينهما... إنها جاءت إليه بفكرة أنقذت شركته وهو من لذعها بسم كلماته وهو يضع الماضي نصب عينيه... إنها بدأت تتجاوب مع حياتهما وهو من أفسد هذا حينما شك بها بالرغم من أنه كان يمكن أن يستمع إليها... ولكن غيرته الهوجاء المجنونة هي ما أفسدت هذا...
نعم هو لا ينكر ويعترف أن مجرد نطقها أنها كانت عند خالتها كل ما جال بخاطره هو ابن خالتها ليستشيط غضبًا وتنفلت أعصابه ويقول كل تلك الكلمات لينفي تهمة الغيرة عنه... يغار... نعم يغار... سحب نفسًا طويلًا من سيجارته بينما يهز رأسه... لا يغار... ولماذا يغار... إنها زوجته وهو من حقه أن يعلم مكانها... هذا هو فقط... ولكن لا... لا... كذاب يا حمزة... أنت عمرك ما عملت كده...
نعم محق، لم يشعر بتلك النيران الغيورة على أحد من قبل ولا حتى سيدرا. تلك النيران التي استعرت من مجرد نظرة طارق لها... من ملابسها... من حديثها عن زملائها... من ابن خالتها... لا، إنه يغار... ليعترف بهذا ويضم هذا الاعتراف لاعترافه السابق أنه لا يتوقف عن التفكير بها، وأنه كلما نظر إليها تغلغلت تلك المشاعر القوية التي ترغب بها بجسده وكيانه وعصفت به!
كلما نظر إليها يحدث نفسه أنها امرأته، وهو يريدها ويريد أن يمتلكها ويوشمها باسمه! توقف تفكيره حينما تعالى ناقوس الخطر برأسه، فالطريق المؤدي من تلك الاعترافات هو طريق واحد... إنه يحبها؟! ولكن هل يقع بحب... ابنة هشام وأخت سيدرا؟! كذب عقله وقلبه بأنه لن يقع... وهو متأكد أنه بالفعل غارق حتى أذنيه! تعالت الأصوات المهللة فرحًا بينما وقف حمزة وسط العاملين بمصنعه يعلن عن صرف مكافأة لهم بمناسبة شهر رمضان.
قال حمزة: كل سنة وأنتوا طيبين. رد العاملون: وأنت طيب يا حمزة بيه... ربنا يبارك لك. قال حمزة: متشكر... وأي حد له طلبات يطلبها فورًا. تعالت مجددًا الأصوات ليبتسم بسعادة وهو يسير على نهج والده، فحتى إن كان لا يمتلك الكثير كما حاله الآن، وأنه بحاجة لكل قرش، إلا أن تلك الدعوات هي الأهم. جلس إلى مكتبه يتابع بعض مؤشرات البورصة لأسهم مصنعه الجديد التي طرحها منذ عدة أيام ليبتسم برضى.
دخل إليه زين وما زال يرمقه بنظراته غير الراضية، ليقذفه حمزة بالقلم: هتفضل مكشر كتير يا بخيل؟ قال زين باستنكار: أنا بخيل؟ أومأ له حمزة: أيوه بخيل... يا راجل ده شهر واحد في السنة، مستخسر حتة مكافأة في الناس اللي بتشتغل معانا. هز زين كتفه: مش مستخسر ولا حاجة يا حمزة... بس إحنا ظروفنا مش زي الأول، وأنت لازم تعرف كده. هز حمزة رأسه: أنا مش عارف حاجة غير اللي أبويا علمه لي... وبعدين مش الـ ٥٠٠ ألف دول اللي هيفرقوا معانا.
تنهد زين قائلًا: ماشي يا حمزة... أهو مالك وأنت حر فيه. ضحك حمزة حتى دمعت عيناه لينظر إليه زين بدهشة، بينما قال حمزة بسخرية ضاحكة: مالي... ضحكتني يا راجل... ما أنت عارف اللي فيها، ده أنا عليَّ ديون لو بعت نفسي مش هسددها. هز زين رأسه وقد أوجعه قلبه على صديقه ليقول بتشجيع: ما تقولش كده... أنت قدها، وبعدين ما تقلقش إن شاء الله ربنا هيقف معانا وهنسدد الديون ونرجع أحسن من الأول. قال حمزة بأمل: يا رب يا زين...
أنا كل اللي بحلم بيه المصنع يشتغل وأسدد دفعات القرض في ميعادها. قال زين: إن شاء الله. بعد قليل تعالى رنين هاتفه لتقول نبيلة بحب: كل سنة وأنت طيب يا حبيبي. ابتسم دون إرادته، فحتى إن أراد أن يقسو فتلك المرأة حنون وتحبه: وأنتِ طيبة يا حجة. قالت نبيلة: اعمل حسابك هتفطر معانا أول يوم أنت ومراتك. قال حمزة: لا... معلش اعفينا. قالت نبيلة: ما فيش أعذار... أنا مش هفطر ولا أحط لقمة في بقي غير وأنت قاعد معايا على السفرة.
قال حمزة: مش هينفع عندي شغل كتير. قالت نبيلة: ما تتججش يا ولدي بالشغل... هتجي يعني هتجي. قال حمزة: طيب سيبيها لظروفها. قالت نبيلة: أنا قلت كلمتي... ورحمة أمك ما تكسر بخاطري. فكر كثيرًا طوال الليل في حل لمعضلته الصعبة معها... فكل إنش بكيانه يطالبه بقربها ما عدا عقله المتشبث بالماضي. وحينما لم يصل لحل ليتفق قلبه مع عقله، قرر أن يريح تفكيره على الأقل ويطلب هدنة... هدنة من كل شيء ما عداها...
فعلى الأقل ليفكر أنه سينفذ كلمته بأنه لن يكون سبب حزن أو ألم لها. وفي اليوم التالي... كان يخطو أول خطوة. فتحت سيرين عينيها على تعالى صوت ذلك الرنين المزعج... لتعتدل جالسة تنظر حولها بحثًا عن مصدر هذا الصوت... أين يرن هذا الهاتف بلا انقطاع؟ سارت خلف الصوت لتجد ذلك الهاتف يرن على الطاولة، ولكن قبل أن تتناوله اجتذب نظرها الورقة بجواره. والتي تضمنت بضع كلمات بخط كبير: (المرة دي جبته أسود يا رب يعجبك)
لم تستطع السيطرة على تلك الابتسامة التي بزغت من وسط غيوم قلبها لتجد نفسها تتطلع إلى تلك الورقة وتقرأها مرات ومرات، متجاهلة رنين الهاتف الذي أجبرها على أن تفيق وتجيب عليه أخيرًا ليأتيها صوته بنفاذ صبر فقد خشي أن لا تجيب. قال: التليفون عجبك؟ أخفت ابتسامتها وكأنه يراها لا يستمع إليها وهي تقول باقتضاب: مش عاوزة حاجة منك. قال: ليه؟ هتفت بسخرية أضحكته: عشان كلها كام يوم وتكسره.
ضحك ضحكته الرجولية قائلًا: ده واضح إنك ناوية تستفزيني تاني. ظلت صامتة وكأن لسانها أصبح عاجز عن النطق أمامه... وكيف تنطق وتنساق خلف تلك المشاعر التي تولدها كلماته بها وتتعلق بالأمل؟ تعالى رنين جرس الباب ليأتيها صوته: مين؟ قالت سيرين: مش عارفة. قال: طيب شوفي مين وأنا معاكي. أومأت له بطاعة لم يعهدها بها... تسمرت قدماها بينما وجدته أمامها بتلك الطلة الآسرة. قال: كل سنة وأنتِ طيبة. لا... هذا أكثر من احتمالها...
هل هو من يحمل لها تلك الهدية المتمثلة بفانوس رمضان؟ سحرته تلك الابتسامة التي أشرقت بها غابات عيونها الجميلة بينما ظلت واقفة أمامه بعدم تصديق... كاذب إن قال إنه لم يغرق بحب تلك الفتاة... كاذب... كاذب فهو يعشق تلك العيون التي تمتزج ببراءة وشراسة... براءة طفلة سعيدة بفانوس رمضان وشراسة امرأة عذبته بعنادها وبسحرها! أعاد كلماته وهو يبتسم ابتسامته الحلوة التي قلما تراها: باقول كل سنة وأنتِ طيبة. حاولت أن تخفي تراقص دقات
قلبها وهي تقول باقتضاب: وأنت طيب. أشار لها بالفانوس لتنتزعه من يده وتنظر إلى ذلك الفانوس بحب، فكم هو ماكر لعب على أوتار الأنثى! دخل خلفها وأغلق الباب وابتسامة واسعة على شفتيه بينما تطالع هذا الفانوس بتلك النظرات التي تتقافز بداخلها السعادة. حسنًا، لا يستطيع رفض طلب قلبه ليجد نفسه بلحظة يضمها إليه... تخبطت وقاومته في البداية ولكنها مثله رفضت ألا تستجيب لنبضات قلبها.
سكنت بين ذراعيه بضع لحظات ليثير عاصفة بكيانها ما أن شعرت بشفتيه تطبع تلك القبلة المطولة فوق خصلات شعرها بينما يهمس: آسف... ما تزعليش.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!