الفصل 12 | من 33 فصل

رواية ضائعه في غابة ظنونه الفصل الثاني عشر 12 - بقلم رونا فؤاد

المشاهدات
25
كلمة
3,266
وقت القراءة
17 د
التقدم في الرواية 36%
حجم الخط: 18

سكنت بين ذراعيه بضع لحظات ليثير عاصفة بكيانها، ما أن شعرت بشفتيه تطبع تلك القبلة المطولة فوق خصلات شعرها بينما يهمس: "آسف، ما تزعليش."

لحظات دار الكون من حولها، لا تستوعب ما يحدث ولا تلك السعادة التي غزت قلبها وكيانها بعد ما فعله من أجلها. لحظات سكن قلبها بين ذراعيه قبل أن ينتفض من بين ضلوعها حينما شعرت بأنفاسه الساخنة تقترب من وجنتيها لتتخبط صور وذكريات بعقلها جعلتها تنتفض من بين ذراعيه وتدفعه بعيدًا عنها، وقد تشتت نظرات عيونها بمزيج من الخوف والألم الذي أفسد تلك اللحظة، فهي لن تنسى أبدًا اقترابه منها بتلك الطريقة، والتي كلما اقترب منها يوقظ بداخلها تلك الذكريات السيئة.

قطب حمزة جبينه حينما ابتعدت عنه بتلك الطريقة ليقول بتساؤل: "في إيه يا سيرين مالك؟ أنت لسه زعلانة مني؟

لا تعرف حقًا ماذا يمكنها أن تقول. فجأة انمحى من داخلها كل ما حدث منه قبل عدة أيام، كما انمحى كل ما فعله منذ أول لقاء بينهما. نست كل شيء، ضربه، إهانته، كل ما فعله. إلا تلك الليلة السوداء أبدًا لا تستطيع تجاوزها. وكما لا تستطيع تجاوز ذكريات تلك الليلة، كما أنها لا تريد التحدث عنها. فقط تريد دفنها بعميق ذاكرتها، ولكن دون إرادتها حينما اقترب منها اختلجت نبضات قلبها خوفًا من تكرار ما حدث.

شعر حمزة بما اختلج قسماتها، يدرك أن ما حدث بينهما كما قالت من قبل لا يوجد به شيء طبيعي. فهو منجذب إليها لا ينكر هذا، ولكنه لا يستطيع الاستسلام لهذه الأحاسيس. لا يريد أن يرى الحزن في عيونها، ولكن ماذا يفعل إن كانت الخيوط التي تجمعها بعائلتها دون إرادته ستجرحها وتؤلمها. حمحم لينقي صوته بينما سحب نفسًا مطولًا قبل أن يقول وهو يتطلع إليها:

"على فكرة أنا مش وحش قوي يا سيرين، أنا بس اللي حصلي هو اللي كان وحش، ووحش قوي كمان." رفعت عيناها إليه لينظر إليها ويكمل بنبرة نادمة: "طبعًا ما فيش مبرر لكل اللي عملته فيك، وعارف إنك مظلومة، وإني من أول ما دخلت حياتك ما قدمتش ليك حاجة غير الأذية. بس أنا كمان اتظلمت، اتظلمت واتأذيت بإيد عيلتك، وما كانش قدامي غيرك آخد حقي منه." أخفض عيناه وهو يهز رأسه ويكمل:

"منتهى الجبن وعدم الرجولة إني استقويت عليك، وأخذت حقي منك بالطريقة دي. بس غصب عني، ما كنتش شايف ولا عارف أفكر. كل اللي كنت حاسس بيه نار الظلم اللي اتعرضت له." فرك وجهه بانفعال وانفلتت مكنونات صدره التي كبحها طويلًا بداخل أعماقه:

"صعب قوي علي إني أتخدع بالطريقة دي. صعب علي شقا عمر أبويا يضيع في لحظة بسبب ثقتي فيها. صعب إن الست اللي كانت بتنام في حضني تعمل في كده، واللي وجعني أكثر منها هو هشام. سنين بيشتغل معايا ومن قبلي مع أبويا. يغدر بي بالطريقة دي ليه؟ قصرت معاها في إيه؟ وهو خان ثقتي ليه؟

"شهور وأنا مرمي في السجن والأسئلة دي بسألها لنفسي مئة ألف مرة كل يوم وأنا مرمي مع المجرمين. طيب هي واحدة طماعة اتجوزتني عشان فلوسي. هشام بقى باع سنين العشرة ليه؟ ليه عمل في كده؟ وليه سمح لها إنها تعمل في كده؟ ليه أداها السكينة اللي دبحتني بها؟ ازداد انفعال نبرته بينما غصت الذكريات حلقه لتتفاجأ به يفتح أزرار قميصه ويجذب يدها بقليل من القوة جعلتها تتراجع للخلف بخوف قبل أن يضع يديها على ذلك الأثر البارز بصدره ويسألها:

"عارفة ده إيه؟ نظرت إليه بعيون لمعت بها الدموع وعزت رأسها ليقول: "ده أول جرح أخذته لما قلبي وقف في الحادثة." تهكمت ملامحه بسخرية مريرة: "الحادثة اللي أنا فرحت إنها كانت مدبرة عشان فلوس التأمين هتسدد شوية من ديوني. الحادثة اللي راح فيها محمود الشاب الصغير اللي ما لحقش يفرح بابنه بسبب طمع واحدة شيطانة ما لهاش وصف زيها. واحدة خططت عشان تقتل جوزها."

شهقت سيرين ووضعت يدها على فمها بينما لا تستطيع تصديق أن أختها قد تكون سببًا بذلك الحادث. هزت رأسها مرارًا بعدم تصديق، ربما طماعة ولكن قاتلة؟ لا، لا. هز رأسه وتهكمت ملامحه: "مش مصدقة؟ أومأ لها وسحب نفسًا عميقًا: "ليك حق ما تصدقيش. إذا كنت أنا نفسي مش مصدق إن في واحدة بالقذارة دي."

خانتها عيونها الباكية لتنزل تجاه صدره العاري بينما برز ذلك الشق بجوار قلبه لتزداد دموع عيونها انهمارًا بينما رأت الأثر الذي لم تتردد هي الأخرى في تركه له بصدره حينما غرزت به تلك السكين. رأى نظراتها المتألمة ليمد يداه فجأة يدفنها بخصلات شعرها ويجذبها إليه ويسمح لدمعة عصية لمعت بعيونه بالنزول بكبرياء بينما يقول وهو يمسك بيدها يضعها فوق أثر جرحه الذي تركته:

"الجرح ده أنا أستاهله ولازم يفكرني باللي عملته فيك والظلم اللي ظلمته ليك. بالضبط زي جرحها اللي هيفضل محفور في وعمري ما هنساه." هز رأسه وأكمل بأسى: "للأسف يا سيرين حتى الجرح اللي أنا حبيته منك جنبه الجرح اللي عيلتك سابته لي. غصب عني مش بسهولة هنسى، وغصب عني كل ما هقرب منك هوجعك وأجرحك لما أفتكر إن هما عيلتك."

ارتجفت شفتاها التي تبللت بدموعها، فها هو يخبرها بالحقيقة التي لا هروب منها، وكم يموت قلبها رعبًا أن ينطق بالفراق بعد تلك الحقيقة التي نطق بها. "سيرين." ناداها بنبرة صوته الحنونة ليرفع ذقنها إليه وينظر لتلك الغابات التي تاه في غياهبها بينما أكمل: "أنت بقيتي مهمة قوي في حياتي، وأنا ما أقدرش أستغنى عنك."

"بالرغم من كل اللي قلته ليك عن كرهي لعيلتك واللي عملوه في، بس مش عارف أكرهك ولا أبعد عن طريقك. حاولت أبعد بس ما بقيتش عارف، وحاليًا مش عاوز أفكر في أي حاجة ولا أي سبب للمشاعر المتلخبطة جواي دي." نظر لأعماق عيونها وتابع بنبرة راجية:

"خلينا ننسى الواقع شوية ونفتكر بس إننا الاثنين بقينا في طريق بعض. هنسى إنك بنته، هنسى شوية ومش هفكر في أي حاجة، وأنت كمان حاولي تنسي كل اللي فات مع إني عارف إنه صعب. لو عرفنا نعيش ونكمل هعرف وقتها إن في سبب يخليني عاوزك في حياتي." غص حلقها وارتجفت شفتاها بالسؤال: "ولو ما عرفناش؟ هز رأسه ونظر إلى عيونها: "هنعرف! أنا ما بقيتش أعرف أعيش يوم من غيرك." قالت بصوت مختنق: "ليه؟ "إحنا مش قلنا بلاش أسئلة ولا تفكير في أسباب؟

انسابت دموعها بوجع: "بس في سبب." نظر إليها قائلًا: "يعني لو سألتك عن السبب اللي مخليك باقية معي لغاية دلوقتي بعد كل اللي عملته فيك هتقولي لي؟ خفضت عيونها فلا تستطيع أبدًا الإقرار بهذا الحب الذي كما قال بلا تفسير أو سبب. ليتنهد قائلًا: "أنا كمان مش عاوز أفكر في إجابات للأسئلة دي." لانت نبرته وهو يتطلع إليها بينما يقول:

"سيرين، أنا بحب أتكلم معاك، بحب أشوفك كل يوم، بحب لما بستفزك، حتى لسانك الطويل بقيت بحب أسمع أي حاجة بيقولها. عنيك الحلوين وشعرك اللي هيجنني. كلك على بعضك مجنناني من يوم ما شفتك. شبر ونص بس قدامك بتلخبط ومش ببقى عارف أي حاجة. كل اللي قلته ده أنا عارفه وبعترف بيه بس برضه مش عارف له سبب، وحاليًا مش عاوز أعرف أسباب. أنا وعدت نفسي قبل كده إني مش هأذيك ولا أضايقك وغصب عني عملتها. المرة دي بوعدك إني هحاول ولا أذيك ولا أضايقك. أنت مش زي أي بنت شفتها ولا عرفتها، عشان كده هسألك تقبلي الهدنة دي وتمشي معي الطريق من غير ما تسألي إيه آخرته."

انسابت دمعتان من عيونها فهي تحبه بل تعشقه، وكل ما نطق به جعلها تعترف بتلك الحقيقة، ولكن الحقيقة من لسانه موجعة مؤلمة، كيف نطق بالحقيقة العارية أمامها وهي أنه لا يستطيع أن ينكر مشاعره نحوها، وكذلك لا تستطيع تلك المشاعر جعله يتجاوز ما فعلته عائلتها به. لقد وضع حيرته وأفكاره أمامها وكأنه ينزل الحمل من فوق صدره الذي احتمل الكثير من الجروح ليضعها بداخل صدرها، صدرها الذي أجاش بحبه ووافق على أي طريق طالما هو موجود به.

رفع ذقنها ينظر لعيونها يسألها بنفاذ صبر: "موافقة يا سيرين؟ هزت رأسها لتتهادى ابتسامة عذبة لشفتيه جعلتها تريد أن تمحي من داخله كل الحزن الماضي ولا تبقي على شيء سوى تلك الابتسامة.

ضمها إليه لتغمض عيناها وتترك لآخر دموعها العنان، فهي مغامرة وستقبل أن تغامر بالرغم من أنها تغامر بقلبها. أخبرت نفسها برهانها الخطير، أنه إن أحبها سينسى ويتجاوز وستستحق وقتها الفوز بقلبه، وإن لم يحبها سيدمي قلبها، ولكنها لن تكون عاشت وقتها تتساءل عن ماذا كان يمكن أن يحدث إن وافقت أو رفضت. قبلت عرضه فهي طالما عرفت أن الحب يفعل المعجزات. ربما لا تكون واثقة بتلك المقولة مئة بالمئة، ولكنها أصبحت تثق بالذي ترقد رأسها فوق دقات قلبه.

أغمض عيناه ولا يعرف كيف استطاع أن يؤلمها بتلك الأنانية. كيف يطلب منها أن تكون معه وهو لا يريد الاعتراف بحبها؟ كيف يكون أنانيًا ويخبرها أن لا نهاية واضحة لطريقها معه؟

الحب جنون وتملك وأنانية، وهو وصل حد الجنون والتملك والأنانية بما طلبه منها، ولكن من قال إن موافقتها ليست بأقصى حدود الجنون الذي جعل قلبه يتشبث بها أكثر. إن كانت ستغفر وتنسى فهو لن يكون بأقل منها مغامرة، فليحاول إذن أن. صمت تفكيره وكأنه أصيب بالشلل. أبدًا لن يستطيع أن ينسى أو يغفر أو على الأقل أن يكذب على نفسه ويقول إنه سيفعل. لا لن يغفر ولن ينسى وسياخذ حقه. ولكن إن كان سينسى شيئًا هو أن تلك القابعة بين ذراعيه والقابعة بين طيات قلبه أن لها علاقة بهم. هذا ما سيعد نفسه به. ينسى أنها تنتمي لتلك العائلة.

نظر هشام لإياد بتوتر ليومئ إياد له قبل أن يفتح الباب ويدخل وخلفه هشام والخزي والندم يتشعشع بملامحه. تسمرت هناء مكانها وقطبت جبينها: "أنت بتعمل إيه هنا؟ قال إياد: "ماما لو سمحت، أونكل هشام عاوز يتكلم مع خالتو." هزت رأسها برفض قاطع: "يتكلم معاها في إيه بعد اللي عمله؟ قال هشام بنبرة خفيضة: "أنا عارف إني غلطت يا هناء، بس غصب عني، الشيطان لعب بي." قالت هناء باشمئزاز: "ده ما فيش شياطين غيرك أنت وبنتك." هز رأسه:

"ما كنتش أعرف كل اللي بتخطط له." زمت هدى شفتيها بغضب حينما خرجت من غرفتها واستمعت له لتهدر به: "أمال كنت عارف إيه؟ كنت متوقع إيه من بنت نادية بعد اللي عملته أمها فيك من سنين؟ قال بانكسار: "غصب عني يا هدى، والله غصب عني." "ما تجيبش سيرة ربنا على لسانك." "اسمعيني يا هدى وبعدين احكمي." "أنا مش عاوزة أسمع منك حاجة. كفاية اللي جرى لي أنا وبنتي من تحت راسك." نظر إليها هشام برحاء ليقول إياد:

"عشان خاطري يا خالتو اسمعيه. أونكل هشام غلط لما لعبت سيدرا بدماغه إنه يزور تقرير الضرايب ويمضي حمزة عليه، بس ما كانش يعرف إنها كانت ناوية تعمل كل ده. ما حدش جاء في دماغه خطتها دي أبدًا." قال هشام برجاء: "اديني فرصة يا هدى وأنا هحاول أصلح اللي عملته." أفلتت ضحكتها حينما استيقظ حمزة للسحور بتلك الهيئة. شعره مبعثر فوق جبينه، عيناه نصف مغلقة وجبينه مقطب. لتشاكسه قائلة: "يا ساتر إيه المنظر ده؟

نظر إليها بطرف عيناه الناعسة وألقى الهاتف بجواره على الطاولة التي تتوسط المطبخ قائلًا بصوت أجش من أثر النوم: "بتتصلي بي عشان تصحيني؟ هزت كتفها وتابعت تجهيز الطعام: "أمال عاوزني أصحيك إزاي؟ "زي البني آدمين تدخلي تنادي علي وتصحيني، مش تتصلي خمسين مرة تزعجيني بصوت التليفون." هزت كتفها واستدارت لتكمل تجهيز السحور بينما تقول: "وأنا أدخلك ليه وأنت نايم؟

لا طبعًا، انحبست أنفاسها وسقطت الملعقة من يدها حينما بلحظة وجدته خلفها، بينما لمع المكر بعيونه وقد استفاق من مشاكساتها. وهتف: وفيها إيه لما تدخلي لي؟ ابتلعت لعابها وهربت من عيونه العابثة بينما تعالت دقات قلبها، وهرب لسانها كعادته مؤخرًا أمامه ليبتسم بعبث بينما احمرت خدودها خجلًا. وقال: ده شكل القطة أكلت لسانك. زمت شفتيها بغيظ ودفعته قائلة بحنق:

أنا غلطانة إني تعبت نفسي ووقفت أجهزلك الأكل وكمان صعبت عليّ تصوم من غير ما تتسحر وصحيتك.. بس آخر مرة أصحيك ولا أعبرك بعد كده، ابقي اصحي لوحدك. ضحك عاليًا ضحكته الرجولية قائلًا: ده ولا ألف قطة تقدر على لسانك.. اتحولتي فجأة كده ليه؟ غمز لها بمكر: ما كنا من شوية بنات رقيقة ومكسوفين، فجأة قلبتي هولاكو. اقترب منها أكثر بينما التوت شفتيه بالمكر وهو يتابع: كل ده عشان قلت عاوز أصحى على صوتك بدل صوت التليفون المزعج.

اندفعت الدماء مرة أخرى لوجنتيها تصرخ بين نفسها: لا لا، كيف باستطاعته فعل الأفاعيل بها بمجرد كلمة؟ ابتسم ومد يديه إلى وجنتيها الملتهبة خجلًا يلمسها قبل أن يطاوع رغبته ويطبع تلك القبلة على وجنتها. تزلزل وجدانها حرفيًا، وكما اختفى لسانها اختفت إرادتها لإبعاده لتتوقف مكانها متسمرة وقد احتقن وجهها بالحمرة بينما شعرت بشفتيه تلامس وجنتها بتلك الرقة.

أولته ظهرها سريعًا بارتباك حاولت إخفاءه بينما تظاهرت بإكمال إعداد الطعام لتتسع ابتسامته وعيناه تتابعها باهتمام. يرى ارتباكها مهما حاولت إخفاءه، يقتله خجلها ويجعله يريد أن يأخذها بين ذراعيه مرة أخرى ولكنه يخشى أن يخيفها منه، فهو أدرك أنه كلما اقترب منها تتذكر ذلك اللقاء القاسي بينهما. هتفت بحنق: أنت هتفضل قاعد كده؟ خرج من تفكيره على صوتها وقطب جبينه بتساؤل لتزجره: قوم جهز معايا.

ضحك عاليًا فهي لا تستطيع أن تحيا دقائق هادئة. *** في اليوم التالي، كان عليهم التحرك صباحًا إلى منزل عائلته بعد أن رحبت بقبول دعوتهم على الإفطار. قطب جبينه وهو يشير إلى ما ترتديه: إيه ده؟ وضعت نظاراتها الشمسية فوق شعرها تتساءل ببراءة مزيفة بينما هي تعلم أن فستانها الصيفي قصير ولكن ماذا تفعل والجو حار بتلك الطريقة: إيه؟ سحب نفسًا مطولًا، فأول يوم بالصيام ليس بحاجة لها لتستفزه: سيرين، أنتِ عارفة أنا بتكلم على إيه؟ هزت

كتفها متظاهرة بعدم الفهم: لا.. ويلا عشان ما نتأخرش. قال من بين أسنانه: يبقى تدخلي بسرعة تغيري اللي أنتِ لابساه. هزت رأسها: لا طبعًا أنسى.. أنا خلاص جهزت. أجابها: أنتِ اللي تنسي إنك تنزلي كده. هزت كتفها بنبرة هادئة تحاول إقناعه: وفيها إيه.. أنتَ بزنس مان والمفروض أوبن مايند عن كده. زفر بنفاد صبر: أنا ولا أوبن مايند ولا زفت.. أنا راجل متخلف ورجعي وما أحبش مراتي تلبس كده.. اتفضلي ادخلي غيري. طرقت الأرض بقدمها:

أوف بقى.. مش ها غير. هتف بنبرة عالية: أوف في عينك.. اسمعي الكلام ويلا ادخلي. طوال الطريق وهي مقطبة جبينها وتهز قدمها بعصبية، فهي مغتاظة من نفسها أكثر منه لأنها رضخت لهذا التحكم من جانبه.. لا، لم ترضخ.. هي فقط تنازلت لعدم افتعال مشكلة.. هذا ما أقنعت نفسها به. كان الطريق طويل فتململت سيرين ولم تستطع الثبات على صمتها طويلًا فقالت: أنا زهقت ما تتكلم. التفت إليها قائلًا: أتكلم أقول إيه؟ هزت كتفها:

أي حاجة.. أنا مش بحب أسكت. أجابها: طيب اتكلمي أنا سامعك. قالت: لا اتكلم أنت. أجابها: لا عندي صداع.. نظر إليها بطرف عينه وتابع: أصل في واحدة ناهدت معايا الصبح كثير فصدعت. نظرت إليه بغيظ وتبرطمت: أحسن. التوت شفتيه بابتسامة بينما يلهي نفسه بالطريق أمامه، فلولا أنه صائم لما كان توقف عن إسكات تلك الشفاه التي تغريه منذ الصباح! ***

وصلت السيارة أمام تلك البوابة الحديدية الضخمة التي انفتحت على مصراعيها ووقف على جانبيها عبد الحميد وشريف ورجال يرحبون بهم. ما إن أوقف السيارة أسفل تلك الدرجات الحجرية الضخمة بالباحة الواسعة حتى اندفعت نبيلة تنزل تلك الدرجات بترحيب وابتسامة واسعة ليجد حمزة نفسه بين ذراعيها. قالت: نورت يا غالي.. نورت بيت عيلتك. بعد أحضان كثيرة وجدت نفسها هي الأخرى بين ذراعي نبيلة ترحب بها: يا هلا.. يا هلا. صافح حمزة خاله وجده:

كل سنة وأنت طيب يا ولدي. لحظات وظهرت بعض النساء خلف نبيلة لتعرفهم بسعادة: تعالي يا حياة شوفي حمزة كبر إزاي. التفتت إلى حمزة: خالتك حياة.. أكيد أمك الله يرحمها كلمتك عنها. أومأ لها حمزة لتجذبه خالته الكبرى في حضنها بحنان. قالت: دول بنات خالتك.. ريهام.. وريحان.. ورنا. صالحهم حمزة وكذلك سيرين لتتابع نبيلة: دي مرت خالك هادية.. ودول بنات خالك سارة وسمر.

صافحهم حمزة وسيرين أيضًا لتتابع نبيلة بابتسامة واسعة تعريف حمزة بعائلته بعد تلك القطيعة الطويلة، بينما لم يجتذب ذهن سيرين سوى كل تلك الفتيات أقاربه.. بنات.. بنات.. هو العيلة كلها بنات؟ زمت شفتيها وعضت عليها تحاول التمهل وتُبين ما يشتعل بداخلها منذ أن رأت بنات خالته وبنات خاله وكلهم فتيات جميلات للغاية.

خرجت من شرودها على يد حمزة يمسك ذراعها برفق ليدخلوا المنزل سويًا.. نظر حمزة بجنبات هذا المنزل الذي طالما حدثته أمه عنه حينما كان صغيرًا.. لم تكن نادمة أنها تركته ولكنها كانت تحب أن تتفهم عائلتها اختيارها! كانت نبيلة جالسة بجوار حمزة والفرحة لا تسعها وكذلك عبد الحميد مهما حاول الاحتفاظ بجمود ملامحه فهو حفيده الوحيد وابن بنته الغالية التي طالما كان لها مكانة في قلبه كونها الصغرى المدللة! دخل شريف قائلًا:

الدبايح جاهزة يا حاج. هز عبد الحميد رأسه ونظر إلى حمزة قائلًا: يلا يا ولدي تعالَ معي نقف مع الرجال على الدبايح وسيب مرتك مع الحريم. أومأ له حمزة لتنظر إليه سيرين بتوجس ليهمس لها بمرح: مش هياكلوكي.. هما صايمين. أفلتت ضحكتها لتنظر إليها الفتيات ثم إلى حمزة لتعود تلك النيران تناغش قلبها! ابتسمت حياة وفتحت الحديث بعد انصراف الرجال: يا زين ما اختار حمزة.. حلوة وزي القمر.

ابتسمت لها سيرين لتبدأ بينهما أحاديث متفرقة زالت الكثير من التوتر بينهم.. أحبت الألفة بين عائلته وقضت ساعتين منهمكة في الحديث معهم بلا توقف، وكم أحبت تلك الفتيات أيضًا لتتجاذب الحديث بينهم.. منهم من ما زالت بالجامعة ومنهم من لم تدخلها بعد، وأحبت مجال سيرين السياسة والاقتصاد.. وأخرى أنهت دراستها ولكن لا تعمل فعائلتها لا تسمح لهم بالعمل كفتيات لتتدخل نبيلة قائلة:

تعالي معايا يا سيرين غيري هدومك وارتاحي على ما يجي وقت الفطار. أومأت لها لتصعد خلف نبيلة التي بطريق صعودهم صحبتها بجولة في أرجاء هذا المنزل العريق بينما تنهدت بأسى: حمزة ولدي الغالي كان في السجن وإحنا في البيت الكبير ده مرتاحين. زاغت عيون سيرين بأسى مماثل لتقول نبيلة: قلبي اتخلع من مكانه لما عرفت إنه رضي يتسجن ولا إنه يلجأ لجده.. تنهدت وتابعت بابتسامة من وسط دموعها:

بس خلاص من دلوقتي إحنا عيلته وعيلتك أنتِ كمان.. ما فيش حاجة هتبعدكم عننا. جده وخاله واقفين في ضهره ومش هيسيبوه أبدًا. ابتسمت لها سيرين لتربت نبيلة على كتفها قائلة: اسمعي يا بنتي أنا من أول ما شفتك وقلت إنك غيرهم وإنك هتعوضي ولدي حمزة عن اللي شافه.. نظرت لعيونها وتابعت بتحذير: إياكِ تخلفي ظني. أومأت لها بالرغم من تهديدها ولكنها تفهمته فهي بكل الأحوال خائفة على حفيدها لتبتسم نبيلة برضى بينما تسير معها قائلة:

تعالي معايا عاوزة أديكِ حاجة. دخلت سيرين خلفها إلى تلك الغرفة الواسعة الأنيقة ذات الألوان الكريمية والأثاث الذهبي لتتناول نبيلة تلك العباءة الحريرية الأنيقة من فوق ذلك السرير الكبير الذي توسط الغرفة وتعطيها لها: أنا جبتها لك مخصوص.. يا رب تعجبك. ابتسمت لها سيرين: شكرًا بس تعبتي نفسك. أجابتها: ما فيش أي تعب. ثم قالت: يلا روحي غيري هدومك على ما الفطار يجهز. ثم قالت: تعالَ يا ولدي.

التفتت سيرين على صوت نبيلة لتجد حمزة واقفًا على الباب: يلا يا ولدي ارتاحوا أنتم شوية على ما الفطار يجهز. توقفت الكلمات في حلق سيرين التي قالت: يرتاح فين؟ رفع حمزة حاجبه وأمسك ذراعها يوقفها عن الحديث ويبتسم لنبيلة التي قالت: عاوزة حاجة يا بنتي؟ هز حمزة رأسه: لا يا حجة شكرًا. خرجت نبيلة لتنظر إليه سيرين وتهتف: هو إيه اللي لا.. كنت هأقولها تشوف لك أوضة تانية. ابتسم بخبث: ومالها الأوضة دي؟ رفعت حاجبيها: نعم؟!

شاكسها بغمزة منه: دي حتة أوضة حلوة أوي. قالت: حلوة ولا وحشة.. شوفلك أوضة تانية. رفع حاجبه باستنكار: وده ليه بقى إن شاء الله؟ زمت شفتيها بغيظ: إيه هو اللي ليه؟! يلا بقى امشي. هز رأسه بمكر: أمشي أروح فين؟ ألقى بنفسه على الفراش الوثير قائلًا: أنا مقتول نوم وهنام. اندفعت نحوه توكزه بكتفه: هتنام إيه.. قوم. فتح نصف عين يطالعها بمكر: عاوزاني أقوم ليه.. أنا لازم أنام ومبصش ليكي كثير بخدودك اللي عاوزة تتاكل دي.

احتقن وجهها بحمرة الخجل ليتلجم لسانها وقد عرف كيف السبيل لإسكاتها! التوت شفتيه بابتسامة ماكرة حينما صمتت وكسي الخجل وجهها ليداعب وجنتها الجميلة بظهر يديه بينما يقول: يلا بقى قومي من قدامي عشان أنا صايم.. سيبيني أنام أحسن. دفعته بصدره بغيظ أخفى خجلها وهي تقول: هأسيبك دلوقتي.. بس اعمل حسابك بعد الفطار تشوفلك أوضة تانية.

لحظات وكان حمزة يغط في نوم عميق لتتحرك سيرين في الغرفة قليلًا وتعبث بهاتفها بملل قبل أن تقرر أخيرًا أن تقوم لتأخذ دوش وتستبدل ملابسها. ***

وقفت أمام المرآة تتطلع إلى نفسها بحيرة بعد أن ارتدت تلك العباءة التي أهدتها لها جدته.. فالبرغم من أنها عباءة غاية في الأناقة وتبدو أنها باهظة للغاية إلا أن سيرين لا تعرف إن كانت تلائمها أم لا، فهي لأول مرة ترتدي مثلها.. لتفرد خصلات شعرها وتعبث بها تهندمها على كتفها غافلة عن هذا الذي فتح عينيه على تلك الحورية الخاطفة للأنفاس بدرجة كبيرة بجمالها الذي يلائم أي شيء ترتديه.. لم يستطع السيطرة على عينيه التي هامت تتأملها من رأسها حتى أخمص قدميها إلا حينما دفن وجهه في الوسادة يهرب من النظر إليها ولكن كيف وقد انطبعت صورتها داخل جفونه.. تعالت دقات قلبه فها هو صوتها

جاء ليكمل على إرادته: حمزة. لم يكن ليستعذب اسمه من قبل إلا حينما يخرج من بين تلك الشفتين.. أعادتها مرة أخرى: حمزة. همهم دون أن يرفع رأسه من الوسادة. قالت له: اصحى. حدثها وما زال متمسكًا بحصنه المتمثل بتلك الوسادة: صاحي. كعادتها شفتاها لم تصمت لتناكفه وهي تقول: ولما أنت صاحي.. ما تقوم. قال: حاضر هأبقى أقوم. هتفت بإصرار طفولي: لا قوم دلوقتي. حدث نفسه: ما بلاش. زفرت بنفاد صبر وهي توكزه بكتفه: قوم بقي.

أغمض عينيه يتمسك بإرادته: هأبقى أقوم. هزت رأسها بإصرار: لا قوم دلوقتي يلا. عشان تقولي رأيك في اللي أنا لابساه. دارت حول نفسها بحيرة وهي تكمل: أنا أصلي أول مرة ألبس كدة... ومش عارفة حلوة عليا ولا لأ. قال دون أن يتحرك: حلوة. نظرت إليه بغيظ لتنزع الوسادة من فوق عيونه هاتفة بحنق: وأنت شفت حاجة؟ أغمض عينيه قائلًا: قلت حلوة. عقدت حاجبيها: أنت مغمض عينك ليه؟ قال ببراءة: عشان أنا صايم. لوت شفتيها باستنكار: والله...

وأنا بقولك قوم عشان تاكل، أنا بقولك قولي رأيك. هتف بإصرار: وأنا بقولك صايم. زفرت بضيق: إيه صايم دي... فتح عينيه لتتقابل بعيونها الجميلة بينما تطلق سهامها الشرسة غيظًا منه، ليبتسم بخبث بينما يقول وهو يتطلع إليها: صايم... يعني صايم... أقولك حلوة وزي القمر وهتجننيني وأنا صايم. احمر وجهها خجلًا ليغمض عينيه مستغفرًا بينما ظهرت أمامه تلك التفاحات الشهية بخدودها المنتفخة ليهتف وهو يشيح بوجهه:

قومي من قدامي حالًا يا سيرين ومش عايز أشوفك إلا على الفطار. غالبت خجلها وهي تقطب جبينها منه بينما تابع متبرطمًا: إيه البت اللي هتجنني دي. قذفته بالوسادة تخفي خجلها وهي تقول لتغيظه: أنت رخم قوي وأنا غلطانة إني بآخد رأيك أصلًا، وبعدين عارفة إني حلوة وزي القمر. التفت إليها وبلحظة كان يقذفها بالوسادة بقوة هاتفًا: قومي يا بت من هنا... امشي.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...