ما إن اتجه هشام للباب حتى أسرعت سيرين تهتف به: "بابا استنى! أمسك حمزة بذراعيها يوقفها: "سيرين! نظرت إليه بعيونها الباكية برجاء: "ما تخليهوش يمشي واسمعه عشان خاطري يا حمزة. بابا هيتسجن." هز حمزة رأسه بقسوة: "يتسجن." انهمرت دموعها كالشلال من عيونها التي نظرت إليه بعدم تصديق لتلك القسوة التي عادت إلى عينيه من جديد. قالت بأسى: "ده أبويا يا حمزة. هتسجن أبويا." قال بغضب وهو يبعد عينيه عنها:
"هيتسجن بسبب اللي عمله، مش أنا اللي هسجنه." قالت بصوت متقطع ممزوج ببكائها: "بس هو ندمان." هتف حمزة بغضب بالغ: "بعد إيه؟! ندم بعد إيه؟ بعد ما دمرني، بعد ما ضيع سمعتي وسجنني وخلاني أنا أبقى في نظر الناس حرامي ونصّاب." أمسكت بذراعه برجاء توقفه عن التحدث عن الماضي الذي لن يزيده إلا حقدًا وكرهًا لأبيها: "عارفة إن بابا غلط، بس هو عاوز يصلح غلطته ويساعدك. اسمعه. لو بتحبني يا حمزة اسمعه."
أمسك بكتفها ونظر إلى عينيها بعيون تعصف بها نيران التشتت والضياع، فلا يستطيع أن يرفض لها طلبًا ولا يستطيع أن ينفذ لها ما تطلبه الآن، ليهتف بعنفوان: "بحبك. بحبك يا سيرين، بس بكرهه. بكرهه ومستحيل أثق في أي كلمة يقولها." ازدادت دموعها انهمارًا تهتف به بيأس: "بابا ندمان يا حمزة. ندمان قوي على غلطته. اديله فرصة واسمعه، لو بتحبني فعلًا اديله فرصة."
أغمض عينيه بقوة يحاول السيطرة على أعصابه حينما وجدها أمامه بهذا الانهيار ليرفع وجهها إليه قائلًا بحزم: "سيرين، أنتِ لو بتحبيني بجد خليكِ برا الموضوع ده." أمسك بوجهها بين يديه ومسح شلال دموعها المنساب من عينيها وهو يكمل: "سيرين لو بتحبيني ما تجيبيش سيرته تاني. ما تخلينيش أبقى الراجل اللي كان بيأذيكِ تاني عشان أنتِ بنت هشام. لو بتحبيني بجد خافي على ابني وبلاش تضيعيه زي ابننا اللي راح قبله بسببه."
اختنق صوتها بدموع القهر وقلة الحيلة، فليس عليها أصعب من أن تكون بين أبيها وبين الرجل الذي تحبه والذي تعرض لهذا الظلم من جانب أبيها: "بس أنا بنت هشام." رأسه وجذبها بقوة إلى حضنه: "أنتِ حبيبتي ومراتي وأم ابني. هشام ما يستاهلش إنك تكوني بنته." هزت رأسها بقلب مكسور: "بس ده أبويا مهما كان." زاد من ذراعيه حولها يقول بأمل: "انسيه وسيبيه يتحمل نتيجة غلطته." دار العالم من حولها وأظلمت عيناها بينما تقول بصوت خافت:
"ما أقدرش يا حمزة. ما أقدرش أنساه. محدش بينسى أبوه." قال حمزة بجمود: "أختك عملتها قبلك. على الأقل أنتِ ليكِ سبب وعذر." هزت رأسها ورحبت بتلك السحب السوداء التي تغشي عيونها: "ما أقدرش. أنا مش هي." أغمض عينيه وقال بجمود: "وأنا ما أقدرش أسامحه حتى بالرغم من حبي ليكِ."
تداخلت كلماته بين جنبات قلبها المكسور وحطمت ضلوعها من قسوتها لتنظر إليه بعيون زائغة قبل أن يشعر حمزة بتراخي أقدامها وهي ترحب بتلك السحب التي ستأخذها بعيدًا عن وقوفها بين كليهما. بلهفة أحاط بها بذراعيه وهي على وشك أن تفقد وعيها ليحملها قبل أن تقع ويضعها على الأريكة. بقلب لهيف جثا على ركبته أمامها يضع يده برقة على وجنتها وهو يناديها بهلع: "سيرين... سيرين... فتحي عينيكِ... سيرين ما تعمليش فيا كدة... فتحي عينيكِ."
حاولت استجماع قوتها ولكن دون إرادتها لم تستطع السيطرة على جسدها خائر القوى ولم تستطع فتح عينيها. أمسك بيدها لتلسعه برودة أطرافها والتي فقدت الإحساس بها. ليصيح بدرية بقلق أهوج: "درية! هاتيلي دكتور بسرعة! أسرع ليحضر لها كوبًا من الماء ليجلس ويرفعها إلى صدره بينما يداه تربت بخفة على وجنتها يحاول إفاقتها: "سيرين... سيرين حبيبتي فوقي... ما تعمليش فيا كدة... فتحي عينيكِ." ركض زين بسرعة تجاه مكتب حمزة على صوته العالي:
"في إيه يا حمزة بتزعق ليه؟ انتفض زين حينما وقعت عيناه على سيرين فاقدة الوعي ليسأل بهلع: "إيه اللي حصل يا حمزة؟ هتف به حمزة بانفعال: "أنت لسه هتسأل؟ شوف دكتور بسرعة يا زين! بضع دقائق وكان الطبيب يسرع بخطواته حيث قادته درية وزين. كان حمزة يفرك وجهه بانفعال وهو يطالع الطبيب بقلق سافر بينما يفحصها وقدماه لا تحتمل أي صدمة أو خبر سيئ. بقلق سافر سأل الطبيب: "إيه يا دكتور طمني؟ قال الطبيب:
"الضغط واطي جدًا سبب لها الهبوط الحاد ده. محتاجة نركب لها محلول مغذي مع شوية أدوية." أومأ له حمزة: "ناخدها المستشفى." "ممكن كمان في البيت عشان ترتاح. أنا هكتب على اللازم وهبعت ممرضة لحضرتك على البيت." أومأ له حمزة ليكمل الطبيب: "وياريت تحاول تبعدها عن الانفعال وتهتم بالتغذية والأدوية دي تمشي عليها بانتظام." قال حمزة بلسان مرتجف: "بس... بس الحمل بخير؟ هز الطبيب رأسه قائلًا:
"ما تقلقش الحمد لله الوضع كويس. بس زي ما قلت لك راحة واهتمام طول الفترة اللي جاية." سحب هشام نفسًا طويلًا قبل أن يجمع تلك الأوراق ويضعها أمامه على الطاولة ينظر إليها بتركيز شديد قبل أن يستعد لتنفيذ قراره، يتمنى لو باستطاعته أن يصل لهذا الخائن قبل أن يدخل إلى السجن ويفقد أثره، وربما يؤذي حمزة ويكون قد فات الأوان.
بكت سيرين بحرقة ما إن استعادت وعيها ومعه استعادت كلمات أبيها وكلمات حمزة فهي متمزقة أشلاء بين كليهما. أسرع حمزة إلى جوارها حينما شعر بإفاقتها لتتعالى شهقاتها التي مزقت قلبه ما إن رأته. حاول أن يرفع وجهها ولكنها أبعدت يديه ليزم شفتيه قائلًا بنبرة هادئة: "حبيبتي أنتِ تعبانة والدكتور قال الانفعال غلط عليكي." ظلت صامتة وانسابت دموعها ليضع وجهها بين يديه وبحنان يحاول مسح دموعها بينما يقول بنبرة صادقة:
"سيرين دموعك دي غالية قوي عندي. وعمري ما أتمنيت أكون سبب فيها، بس غصب عني مش قادر ولا هأقدر. أنتِ لو كنتِ في مكاني كنتِ هتعملي زيي. هشام خاني وخان ثقتي فيه، إزاي عاوزني أأمن له؟! سرقني ودمرني وبسببه اترميت في السجن، إزاي عاوزني أسامحه؟! ضيع شقى عمر أبويا وخلاني مديون بعد ما بعت بيتي وأرض أمي وكل اللي أملكه؟! إزاي تطلبي مني أسمع وأسامح وأديه فرصة بعد كل الأيام السودة اللي عشتها بسببه؟! حتى لو ندمان... ندم بعد إيه؟!
"ندمه ده متأخر قوي. كان ممكن وقتها يعترف بالحقيقة بس هو أنكر. أنكر وطلع هو منها وأنا اللي اتسجنت وكان ممكن أفضل في السجن لغاية دلوقتي. وبرضه مع أي مشكلة في الشغل تخليني أتأخر عن دفع أقساط القرض هتسجن. عارفة يعني إيه كل يوم أنام وأنا خايف أسيبك وأسيب ابني؟ ازدادت دموعها انهمارًا فهو محق وكلماته تؤلمها وتمزق نياط قلبها، وبالرغم من هذا يتمزق قلبها أيضًا من أجل أبيها. تابع بنبرة مبحوحة وقد انفتحت كل جروح الماضي:
"سيرين أنا بقيت شيطان بسببه، خطفتك واتجوزتك غصب عنك ومش كدة بس... أنا ضربتك وأهنتك وحتى نمت معاكِ غصب عنك بسببه. دمرتك من غير رحمة ولا شفقة بسببه. سبت جواكِ وجع وقهر لو فضلت عمري كله مش هأقدر أنساه. إزاي بعد كل ده بتقولي لي اسمعه وأديله فرصة؟ إزاي ما تكونيش حاسة بالنار اللي جوايا؟ مع إنك أكثر واحدة اتحرقتي بالنار دي." دفنت وجهها بالوسادة وتعالت شهقاتها أكثر فهو محق ولكن ماذا تفعل فهو أبيها أيضًا.
مزقت شهقاتها نياط قلبه وياليت بيده أن يمحي وجعها ولكن ما تطلبه ليس بيده ولا يستطيع فعله. جذبها إلى صدره يضمها إليه بينما ينادي اسمها برجاء: "سيرين... سامحيني... بس غصب عني ما أقدرش... ما أقدرش أسامحه." أبعدته عنها وغطت وجهها الباكي بيديها قائلة بصوت يقطر حزنًا ووجعًا: "سيبيني لوحدي." حاول التحدث ولكنها رفضت اقترابه أو حديثه وتركت العنان لدموعها لعلها تخفف من وجع قلبها على كليهما. حمزة محق... ولكنه أبيها! فماذا تفعل؟!
نظر عزام إلى سيدرا بينما أتقنت رسم تلك الابتسامة الساحرة على شفتيها المصبوغة بأحمر شفاه جذاب ليرفع حاجبه قائلًا: "بس لو زي ما بتقولي إنك بعد بحث طويل استقريتِ تشاركيني يا هانم... كنتِ هتعرفي إن عزام الصاوي مش بيحب الشراكة وعمر ما كان له شريك." ضحكت بثقة قائلة: "مظبوط... بس جايز عشان ما كانش في شريك زيي." ضحك عزام ضحكته الرجولية العالية ليشاركهم جمال الضحك بينما بداخله يلعن خبث ومكر تلك الفتاة.
فعزام الصاوي رجل أعمال في أوائل الخمسين من عمره وهو رجل ذو سمعة ونفوذ، وسيدرا بينما ترى نظراته لها منذ دخولها إلى مكتبه وهي قد قررت أنه ربما يكون صيدها التالي. تنهد عزام بينما ينقل نظراته بين تلك الفتاة الجميلة وبين ذلك الرجل الذي عرفته عليه أنه زوجها. "يعني أنت يا جمال بيه قررت تدخل السوق فجأة؟ قال جمال: "لا طبعًا... أنا كان شغلي في دبي وحاليًا نقلته هنا. وكنت بأفكر في فتح مجالات جديدة." تدخلت سيدرا بينما تضع ساقًا
فوق الأخرى: "وشركة سيادتك يا عزام بيه أكبر مورد للآلات والمعدات وإحنا حابين المجال ده. هنكون وسيط بينك وبين الشركات اللي بتورد لها." أرجع عزام رأسه للخلف بينما يتفحص جيدًا تلك الفتاة ويحاول قراءتها: "يعني أنا وسيط بين الشركة الأجنبية والشركات وأنتوا تبقوا وسيط بيني وبين الشركات؟ قالت بابتسامة لها مغزى: "مع ربح عالي ومن غير وجع دماغ التعامل مع الشركات. ضحكت بإغواء قائلة: تقدر تسيب لينا إحنا وجع الدماغ."
أومأ لها عزام قائلًا: "عمومًا... سيبوني أفكر." اعتدل جمال واقفًا وهو يصافحه قائلًا: "خد وقتك يا عزام بيه." "فرصة سعيدة." تلكأت سيدرا تتهادى بمشيها بينما وضعت يداها الناعمة بيد عزام قائلة برقة: "ما تتأخرش عليا... أقصد علينا في الرد يا عزام بيه." رفع عزام يداها إلى شفتيه يقبلها قائلًا: "في أسرع وقت." أومأت له بابتسامة قائلة: "ولو محتاج نتكلم في أي تفاصيل... رقم تليفوني أهو."
أمسك عزام برقم الهاتف لتتبادل معه النظرات لحظة قبل أن تغادر خلف جمال الذي هتف بسخط ما إن ركبت بجواره السيارة: "وكان لازمته إيه الفيلم الهابط بتاع جوزك الطرطور ده؟ ضحكت قائلة: "لازمته إنكم دايمًا بتحبوا الحاجة الصعبة." ضحك جمال بسخرية: "صعبة؟! لا ومن جهة إنك صعبة فأنتِ صعبة قوي." نظرت إليه سيدرا بغل: "لمي لسانك يا جمال أحسن لك." زجرها جمال بغضب: "أنتِ اللي تلمي لسانك!
أحسن لك يا بنت أنتِ وبطلي تهدديني بدل ما وحياة أمك الغالية لأسلمك تسليم أهالي لحمزة السيوفي." نظرت إليه سيدرا باستهزاء ثم أشاحت بوجهها وهي تتوعده فقد بقي القليل لتتخلص منه. دار حمزة حول نفسه فهل يترك حقه؟ لا لن يفعلها. ولكنها تذبل والحزن يكوي قلبها، لا يحتمل أن يبقى بجوارها ويرى هذا الحزن بعينيها.
طوال اليوم وهو يحاول ولكنها اكتفت بالصمت والبكاء. تركها كما تريد حتى إنه قضى الليلة خارج المنزل فلم يحتمل البقاء ورؤيتها بتلك الحالة. ليلة كئيبة باردة. شعرت بالبرد يتخلخل بجسدها الضعيف مهما اندثرت بالأغطية. تداخلت الصور والأصوات برأسها... أبيها وحمزة... طفلها القادم والذي فقدته... ما حدث لأمها... جروح حمزة وجروحها... ندم أبيها وانكساره...
ليلة صعبة وأصعب ما فيها عدم وجوده بجوارها فكم تحتاج إليه وتتمنى أن تبعد ذراعيه ذلك البرد الذي تشعر به حينما يأخذها بحضنه الدافئ. لم تستطع أن تنام أبدًا وهو كذلك، ولكن الابتعاد حاليًا أفضل ولو لليلة واحدة فهو لا يستطيع الابتعاد أكثر. اتصل بها كل نصف ساعة يطمئن عليها واكتفى بمجرد سماع صوتها وكلمة: "أنا كويسة."
تعالت دقات قلبها حينما استمعت لصوت مفاتيحه تدور بالباب وكم تمنت لو تستطيع أن تمحو اليومين الماضيين من حياتهما لتعود كما كانت. قامت بخطى واهنة من فراشها تستند بيدها إلى الجدار تريد أن تخرج وتتحدث معه لعله يستمع إليها. فهو سيكون أب وجد طفلها، هو أبيها! تعالى رنين هاتف حمزة ليجيب باقتضاب: "أيوه يا شاكر." "هشام اعترف على نفسه يا حمزة، وأكيد النيابة هتطلبك عشان ياخدوا أقوالك."
قال حمزة بينما توقف مكانه ولا يرى سيرين التي تسمرت قدماها بالأرض وانسابت دموعها بينما تستمع إليه بكل قسوة وجمود: "تمام يا شاكر، افتح القضية تاني. روح النيابة وتابع التحقيق، ولما تطلبني هبقى أجي أحط أقوالي." أغلق الهاتف وانتفض قلبه حينما استمع لأنين بكائها الصامت حينما استمعت لمكالمته وعرفت أن أبيها قد اعترف!
أسرع ناحيتها ولكن عيناه عجزت عن مواجهة عيونها التي نظرت إليه بعتاب قاسٍ وهي تدفعه بعيدًا عنها وتسرع لغرفتها وتوصد الباب خلفها. *** قالت نبيلة بقلق شديد بينما في طريقها لحمزة هي وعبد الحميد بعد أن عرف من شاكر بما حدث: "يا ترى إيه اللي حصل بينهم؟ زفر عبد الحميد بضيق: "أنا من الأول ما كنتش موافق على الجوازة دي. مهما كان أبوها." قالت نبيلة بجبين مقطب: "أدي أنت قولتها يا حج، أبوها مهما كان. يعني حمزة لازم يراعي ده."
قال عبد الحميد باستنكار: "عاوزاه يسيب حقه؟ قالت نبيلة وهي تهز رأسها: "حقه عند ربنا." نظر إليها عبد الحميد بغضب: "جرى لك إيه يا حجة؟ إيه! ماهواش راجل؟ عاوزاه يسيب حقه؟ قالت نبيلة بغضب مماثل: "وهو لما يسجن أبو مراته هيجيب حقه؟ عبد الحميد، ما تنساش البت حامل والزعل وحش عشانها." هتف عبد الحميد بتهكم: "زعلانة على الحرامي! "ده أبوها مهما كان." قال عبد الحميد بحدة: "وحمزة جوزها وأبو ولدها، لازم تخاف عليه."
قالت نبيلة بحزم: "لو مالهاش خير في أبوها مش هيبقى ليها خير في حمزة." أشاح عبد الحميد بوجهه بغضب وهو يزجر السائق: "اخلص يا واد وسرع شوية خلينا نوصل." نظرت إليه نبيلة بغضب فهو برأس يابس وحمزة مثله يابس كالصخر. *** قام حمزة من مكانه ونظر بجبين مقطب إلى سيرين التي خرجت من الغرفة واتجهت لباب الشقة. أوقفها قائلًا: "رايحة فين؟ قالت باقتضاب دون أن تنظر إليه: "رايحة لأبويا."
اشتعلت عيناه بالغضب فهو قد توقع منها أن تغضب منه ولكن أن تتجاهل وجوده بل وتذهب إلى هشام فهي بتلك الطريقة تتحداه. قال بصوت حاد: "ومين قال إني هسمح أنك تروحي مكان زي ده؟ التفتت إليه قائلة بلوم وعتاب: "وهو مين رماه في المكان ده؟ قال بجمود: "غلطته يتحمل نتيجتها." أفلتت دموعها وهي ترفع عيونها التي ذبلت غصون الزيتون بها: "غلط وندم وطلب تسامحه. أنت إيه ما بترحمش؟ ده ربنا بيسامح وبيرحم."
أبعد عيناه عن عيونها التي تكاد تقتله بتلك النظرات التي تحمل عتابًا قاسيًا: "أنا مش ربنا." لكمته بصدره بوجع قلبها الذي انكسر على يده فقد ظنت أن لها قيمة عنده: "أنت ظالم ومعندكش قلب." أمسك بذراعيها واشتعلت عيناه بالغضب وهو يقول بعنفوان: "أنا ظالم بعد كل اللي عملوه فيا؟! أنا اللي ظالم! هزت رأسها والدموع تحجب
رؤيتها بينما تهتف به بقهر: "أيوه ظالم. ظالم عشان خليتني بينك وبينه. من غير ما ترحمني وتقدر أن ده أبويا برضه. إزاي عاوزني أكون نايمة في حضنك وابنك بيكبر جوايا وأنت هتسجن أبويا؟ فرك وجهه بانفعال فهاهي مخاوفه وأسوأ كوابيسه تتحقق ليهتف بها بعصبية: "عاوزاني أعمل إيه؟ عاوزاني أسامحه بعد اللي عمله؟ مستحيل! انكسرت نظراتها بينما خرج صوتها ممزوجًا بغصة حلقها وهي تقول: "عاوزاك تحبني." أوجعه قلبه واختنق صوته
ليقول وهو يمسك بكتفيها: "ما أنا بحبك يا سيرين." أبعدته عنها وهي تصيح به باتهام: "كذاب. أنت مش بتحبني. أنت لو بتحبني كنت هتنسى. كنت هتسامح ما كنتش هتعمل حاجة توجعني كده." قال برجاء: "طلعي نفسك بره اللي بيحصل." هزت رأسها بأسى: "مقدرش." زم شفتيه قائلًا بحزم: "وأنا كمان مقدرش أسيب حقي." نظرت إليه ومسحت دموعها بظهر يدها قائلة: "يبقى أنا كمان مش هسيب أبويا في شدته." أمسك ذراعها يوقفها حينما خطت خطوة: "مفيش خروج." نظرت إليه
وانتزعت ذراعها من يده: "حمزة لو سمحت." قال بحزم: "قلت مفيش خروج. أنتِ مراتي وحقي أمنعك تروحي مكان زي ده." قالت بحدة: "مش من حقك تمنعني أقف جنب أبويا." نظر إليها قائلًا بإصرار: "حقي أمنعك تروحي مكان زي ده أو يبقى ليكي أي علاقة بالراجل ده تاني." رفع إصبعه بوجهها وأكمل بصرامة: "ولثاني مرة هحذرك من اللي في بطنك يا سيرين لو ضاع زي اللي قبله عمري ما هسامحك فاهمة؟ ***
ارتمت سيرين على الأريكة تبكي بقلة حيلة بعد أن غادر بخطوات غاضبة. هل تتحداه وتخرج وتهدم كل ما بينهما؟ أم تبقى وهي لا تستطيع أن تسامحه على ما فعله بأبيها؟ ولكنها لا تستطيع أن تلومه فهو محق وأبيها أخطأ. ولكنه يظل أبيها! *** نظر الضابط إلى هشام قائلًا: "بس اللي بتقوله ده خطير يا أستاذ هشام." قال هشام: "أنا بعترف على نفسي يا فندم." تنهد الضابط ونظر بالأوراق التي أمامه قبل أن يبدأ بالتحقيق. ***
قال حمزة بانفعال: "أعمل إيه يا جدي؟ مش قادر أسامحه ولا حتى عشان خاطرها." تنهد عبد الحميد الذي جلس أمامه قائلًا بحيرة وهو يرى النيران التي تحاصر حفيده: "والله ما أنا عارف يا ولدي. إذا كان عليا عاوز أقطع من لحمه ولحم بنته الكلبة الثانية. بس جدتك عندها حق يا ولدي، مرتك معذورة. ولو مالهاش خير في أبوها مش هيبقى ليها خير فيك." نظر إليه حمزة بدهشة: "أنت اللي بتقول كده؟
أومأ له عبد الحميد بإقرار: "آه، عشان مرتك أصيلة. هو أبوها مهما كان. وحقها تزعل لما يكون جوزها وأبو ولدها السبب في سجنه." ضرب حمزة طرف المكتب بقبضته قائلًا: "أعمل إيه؟ مش قادر." أمسك عبد الحميد بكتفه قائلًا: "أنت راجل يا ولدي. وهتقدر! الراجل الصح يعفي لما يقدر وكفاية أنه جاء لك لحد عندك واعترف بغلطه."
رفع حمزة عيناه إلى جده الذي هز رأسه قائلًا: "عندنا اللي بيجي شايل كفنه بنسامحه على الدم، والراجل جاء لك سامحه في الفلوس. عشان خاطر ولدك اللي جاي وعشان خاطر مرتك." *** تعالى رنين جرس الباب لتقوم سيرين من مكانها تفتح فتتفاجأ بإياد أمامها. "إياد! نظر إليها بغضب قائلًا: "أنتِ لسه في بيته بعد كل ده؟ قطبت جبينها: "إياد. أنت بتقول إيه؟
نظر إليه بغضب: "بقول إني مستغرب وجودك في بيت الراجل اللي عمل فيكِ كل ده وآخرتها كمان سجن أبوكِ." هتفت به بحدة: "إياد، لزم حدودك." تهكم: "حدودي؟! رفع حاجبه وتابع بسخرية: "ما تقولي الكلام ده للبيه." هتفت بغضب: "ما تدخلش بيني وبين جوزي." "اللي أتجوزك غصب." زمجرت بحدة: "وأنت مالك؟ نظر إليها وقال بانفعال: "مالي يا سيرين؟ مالي إني بحبك. بحبك وجاء هو في الآخر خطفك مني ويا ليته قدر وجودك في حياته." احتدت ملامحها
لتتفاجأ به يجذب يدها: "تعالي معايا وسيبيه يا سيرين. واحد زيه ما يستاهلكيش." صفعة قوية هوت على وجهه من يدها وهتفت به بغضب: "اطلع بره وانسى أن ليك بنت خالة. بره يا حيوان! *** حاولت تهدئة أنفاسها بعد ذهاب إياد ومازالت لا تستوعب ما نطق به ابن خالتها. التفتت بدقات قلب متعالية إلى نبيلة التي خرجت من غرفتها قائلة: "مين اللي كان على الباب يا سيرين؟ قالت بتعلثم: "ها. أبدًا يا ماما نبيلة." أومأت لها نبيلة
بابتسامة هادئة وهي تقول: "طيب تعالي نكمل كلامنا." أومأت لها سيرين وسارت بخطى واهنة لتجلس بجوار نبيلة التي ربتت على كتفها قائلة بابتسامة: "أبوكِ هيخرج يا سيرين." التفتت إليها بجبين مقطب: "إيه؟ ابتسمت نبيلة وأومأت لها: "آه. حمزة اتنازل." لم تصدق ما نطقت به نبيلة والذي حدث قبل ساعة. فقد اقتنع حمزة بكلام جده وذهب برفقة شاكر محاميه إلى النيابة وقد قام شاكر بنفي اعتراف هشام وبرره بأنه يحاول إبعاد التهمة عن ابنته سيدرا. ***
انكسرت عيون هشام أكثر من موقف حمزة بينما تقابلت عيونهما. وقف حمزة بملامح وجهه خالية فقد انهزم انتقامه أمام حبها. لم ينسَ ولكنه تنازل من أجلها حتى أنه مستعد لفعل أي شيء ليمحو تلك النظرات الحزينة بعيونها. قال حمزة وهو ينظر لهشام: "أنا عملت كده عشانها مش عشانك." طأطأ هشام رأسه بانكسار: "أنا ما أستاهلش تكون بنتي." ***
أوقف حمزة سيارته ونزل منها متوجهًا للمنزل يسرع لأخذها بحضنه وإنهاء كل ما حدث بينهما لتتسمر خطواته بينما تقابلت عيناه بعيون إياد الذي تمهل وهو يغادر بسيارته قاصدًا بكل حقد أن يراه حمزة ينزل من بيته! *** اتسعت ابتسامتها بينما استمعت لصوت مفاتيحه بالباب لتقول لنبيلة: "حمزة وصل." ابتسمت نبيلة قائلة: "طيب يلا قومي روحي استقبليه يا بنتي. ربنا يسعدكم."
غادرت الغرفة حيث بقيت نبيلة لتتجه إليه بقلب يلهو حبًا له بعد ما عرفت أنه من أجلها تنازل عن انتقامه. فهي ربحت الرهان والحب انتصر! قابلت ابتسامتها الجميلة ملامح وجهه الملتهبة. "حمزة! استعر الجحيم بعيناه ليقول بصوت جهوري غاضب: "ابن خالتك. كان بيعمل إيه في بيتي؟! انصدمت ملامحها وتجمدت مكانها. فهاهو مرة أخرى يلقيها بغابة ظنونه التي لا تنتهي بكل قسوة ويبدو أنها لن تخرج أبدًا من تلك الغابة القاسية!
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!