تلقى صدمة موجعة أخرى حينما قال الطبيب: "للأسف الجنين مفيش فيه نبض.. لازم ينزل." تلجم لسانه ولم يستطع النطق.. فالصدمات أقوى من احتماله. ردد بلسان ثقيل: "مات؟ "للأسف.... الجنين ميت من امبارح." أوجعه قلبه بقوة فقد مات ابنه بسبب صدمتها في أبيها. ربت الطبيب على كتف حمزة حينما رأى امتقاع وجهه المصدوم ليقول برفق: "معلش يا فندم.... قدر الله وما شاء فعل... بس حاليًا المدام لازم تدخل عمليات عشان كده خطر عليها."
أومأ حمزة له بنبرة مبحوحة: "اعمل اللازم يا دكتور.... جلس أمام غرفة العمليات بعزيمة مكسورة، ووضع رأسه بين يديه وشعور أليم بالذنب ينخر بقلبه... هو السبب؟ هو من جعلها تتعرض لتلك الصدمة في أبيها؟ هو من كسرها وحطم قلبها بتلك الطريقة القاسية ليتوقف نبض الجنين ببطنها.... كان قاسيًا وأراد أن يكشف دناءة وخيانة هشام أمام ابنته ولم يقدر أن بداخلها روح بريئة لن تحتمل تلك الصدمة....
أغمض عينيه بألم شديد فقد نالت تلك الفتاة على يديه الكثير.... اجتاح ذلك الألم أعماق قلبه بقوة وصورتها لا تفارق خياله. تلك التي كانت تتحداه بعيون شرسة كسر نظرات عيونها بحقيقة أبيها الذي كانت تدافع عنها بهذا الكبرياء العالي... وضع يديه على حلقه لعله يستطيع منع الشعور بتلك الغصة المؤلمة بينما يفكر بآثامه تجاه تلك الفتاة التي تغلغلت بداخله لا يعرف كيف ولا متى ولا حتى لماذا...
لا يعرف شيئًا سوى أنه لن يكون سببًا بعد اليوم في أي حزن أو ألم لها.... بعد ساعة كانت قد خرجت من غرفة العمليات ليقف بجوار فراشها يطالعها بنظرات مليئة بالندم والأسف، وقد اجتاح الشحوب ملامحها المتألمة بينما لا تزال تحت تأثير المخدر.... سحب المقعد ووضعه بجوار فراشها وجلس عليه ومد إحدى يديه يضعها فوق يديها التي تعلقت بها تلك الحقنة المغذية بينما مد يديه الأخرى تجاه وجهها يبعد خصلات شعرها لينظر مليًا لملامحها....
ألهذه الدرجة هي هشة أسفل كل تلك القوة والشرسة التي تتظاهر بها؟ ألهذه الدرجة ليست أكثر من فتاة صغيرة تحلت بجرأة مزيفة في مواجهة ظلمه لها؟ لماذا أدخلها في انتقام لا ذنب لها به؟ لماذا آذاها بتلك الطريقة وهو قد جرب الأذى والظلم؟ لا يعرف لماذا بتلك اللحظة داهمت صورة والدته خياله.... لقد كانت أمه امرأة جميلة لم تفارق صورة ابتسامتها الحلوة خياله بالرغم من الألم الذي عاشت بهذه الحرب مع عائلتها سنوات لتبعدها عن والده....
والده الذي تحمل الألم والمرض ليثبت لهم أنه ليس بطامع أبدًا بأموالهم.... تلك الأموال اللعينة التي جعلت امرأة كانت تنام بين ذراعيه تغدر به وتطعنه بظهره.... لا أحد سيشعر لماذا هو محترق بتلك الدرجة على تلك الأموال التي دفع والده عمره ثمنًا لها....
لقد مات أبيه على مكتبه أمام عينيه بعد نوبة قلبية حادة داهمته وأخبره الطبيب أنها لم تكن الأولى وأنه حذره كثيرًا ولكن أبيه كان مصممًا على أن يثبت لعبد الحميد البدراوي أنه ليس طامعًا ولا مستغلًا... لم يكن يطمع سوى بحب امرأته التي عاشت منبوذة منهم... لمعت الدموع بعينيه بينما تذكر تلك الليلة التي وقف وحده يأخذ عزاء والده بينما لم يكن أكثر من شاب في مقتبل العمر يبلغ العشرين ربيعًا... تركه والده ووالدته قبله وحيدًا...
انكسر ظهره من تلك الدنيا الظالمة التي غدرت به... انكسر ظهره من خيانة هشام أكثر من خيانة ابنته لسنوات عشرة لم يصونها.... انكسر ظهره وهو يخسر كل ما بناه أبيه وحارب من أجله بلحظة وثق فيها بزوجته.... انكسر ظهره وهو يكسر تلك الوحيدة التي لامست قلبه... انكسر ظهره. من التظاهر بالقوة بينما هو لا يريد سوى الإجهاش بالبكاء ندمًا وألمًا..... خرج صوته متحشرجًا بينما يطبع قبلة طويلة على جبينها هامسًا: "آسف...
نظرت هدى إلى هشام الذي عاد وهو يجر أقدامه بخذلان ووهن: "مالك يا هشام؟ ارتمى على المقعد دون قول شيء لتسأله هدى مجددًا: "أنت كنت فين... هشام رد عليا. هنعمل إيه دلوقتي؟ سيرين ضاعت كده خلاص.... المجرم ده مش عاوز يسيبها بعد كل اللي عمله فيها. أنت لازم تتصرف يا هشام وترجع بنتي... خرجت الكلمات من فمه ثقيلة ليقر بذنبه الذي صعق هدى لتصيح به ببكاء: "يعني أنت السبب في اللي حصل لبنتي؟ ... أنت السبب في كل اللي هي فيه!
أومأ لها لتصيح به بانهيار: "حرام عليك..... ليه عملت كده؟ ... ليه حرام عليك؟ ... أنا مش هسامحك أبدًا.. منك لله ضيعت بنتي عشان طمعك... منك لله." تركها حمزة بينما لا تزال لم تستفق بعد وذهب لشراء ملابس لها. ولكن ما إن عاد إلى المشفى حتى قطب جبينه بقلق ما إن أسرعت تلك الممرضة ناحيته ليسألها بقلق: "فاقت؟ قائلة بتلعثم: "المدام فاقت بس... قال بقلق شديد وهو يتجه إلى غرفتها: "مالها؟ هزت كتفها:
"منهارة من ساعة ما عرفت إن الجنين مات.... أسرع بخطاه إلى غرفتها ليرى الدموع الغزيرة تكسو قسمات وجهها الجميل..... نظر إليها بنظرات ضائعة تماثل ضياعها بالرغم من أنه حاول التماسك أمامها لتزداد دموعها انهمارًا وتبكي بحرقة كما لم تبكِ من قبل... فكم هو محترق قلبها حينما استفاقت وعرفت أنها فقدت جنينها... ذلك الجنين الذي كانت ستقتله لم تكن تعرف أن وجع فقدانه مؤلم بتلك الطريقة.... ماذا فعلت لينالها كل هذا؟
لماذا حينما تعلقت بهذا الطفل يذهب منها؟ لماذا بعد أن تقبلت وجوده ولمست العذر لحمزة بعد أن عرفت حقيقة غدر أبيها به؟ ...... إنه لم يحتمل ذلك الحزن الذي سكن وجدانها ولا الانكسار الذي شعرت به حينما عرفت حقيقة والدها... اقترب حمزة منها ومال ناحيتها فتلاقت عيونها بعينيه ليرى بها انكسارًا وحزنًا لم يراه به سابقًا.... قال بنبرة حنونة: "بتعيطي ليه دلوقتي؟ أنتي مش ما كنتيش عاوزاه؟
ازداد انهمار دموعها لتحرق وجنتيها فلم يكن كلامه به لوم أو تأنيب بل كان حنانًا يتساءل به عن سبب بكائها بينما بالفعل كانت تريد أن تتخلص من هذا الطفل... قالت بنبرة مختنقة بحمم دموعها المنهمرة بلا توقف: "مش هتفهم...... عمرك ما هتفهمني ولا تحس باللي أنا حاسة بيه... كنت فاكرة إني مش عايزاه بس.. بس ده ابني.... ابني... اللي ربنا عاقبني وأخده مني...
" انهارت بوجع وقهر ولم يعد بإمكانها الصمود فهذا الجنين ضحية بريئة دفع الثمن بلا أي ذنب.... لقد كان ضحية لهم هما الاثنين دون أن يدركا ذلك.... بلحظة كان يجذبها إليه ويحتضنها بقوة لتنهار روحها المقهورة بين ذراعيه تبكي بوجع وألم وقهر أم فقدت جنينها.... ارتعش قلبه بينما هي راقدة فوق دقاته ليستمع إلى بكائها بصمت هزم رجولته بينما الذنب القاتل ينحره بلا رحمة.... كانت يداه تربت على ظهرها بحنان وكأنها ابنته الصغيرة....
جزء من روحه يتمنى لو بإمكانه سحب كل وجعها وحزنها من داخلها لداخله لعله يجد سبيلًا يرحمه من ألم الضمير القاتل...... بعد دقائق طويلة بدأ بكاؤها يهدأ قليلًا ليربت حمزة بحنان على كتفها بينما يرفع وجهها الباكي إليه ويهمس بكلمة واحدة ليت باستطاعتها مسح كل الذنوب التي اقترفها بحقها: "آسف... لم تتخيل أبدًا في يوم من الأيام أن تكون داخل أحضانه بإرادتها بل وتبكي وهو من يواسيها بهذا الحنان...
ما كان بحسبانها أبدًا أن تتحول كل تلك الكراهية التي كانت تحملها له لتلك المشاعر التي لا تفهمها.... لم تتخيل أن تتحول عواطفها من قمة النفور إلى التوق والقبول... ماذا فعل بها هذا الرجل؟ لماذا يثير تلك العاصفة بداخلها؟ لماذا تراه ظالمًا ومظلومًا؟ لماذا يتمزق قلبها من أجله بينما يهمس لها بأسفه وذنبه وهي ترى هذا الوجع بعينيه؟ ....... لماذا تتوجع من أجل هذا الظلم الذي ناله دون أدنى ذنب من أبيها وأختها؟ ....
أتلك عاقبة من وثق بزوجته وأبيها؟ كان يصارع الموت وهي تضع الخطط مع أبيها لنهب ثروته.... لماذا فجأة انمحت من ذاكرتها صفعاته وإهاناته وظلمه لها وبقي في ذاكرتها كلماته فقط؟! ... كلماته لها تلك الليلة.... نظراته وترحيبه بالسكين التي غرستها بصدره... تمزقه ما بين رغبته بالثقة بها وما بين عدم الثقة بعد ما حدث له.... كلمات أبيها وهو يعترف بغدره به.... سجنه شهور طويلة بلا ذنب.... كلمات جده وجلده له بلاذعته! ...
دوامات متعالية تتقاذف تفكيرها بلا هوادة... ما تلك المشاعر التي تشعر بها تجاهه؟ لماذا تبكي على صدره في محنتها؟! ... لماذا تشعر بهذا الوجع لفقدان ذلك الخيط الذي كان يجمعها به حتى ولو كان جاء بتلك الطريقة القاسية؟! لم تكن يومًا خيالية ولكنها تؤمن بالحب؟! ... الحب الذي يجتاح الكيان بلا سبب وبلا وقت وبلا تفسير. وهذا الرجل بالرغم من كل ما فعله وحدث بينهما إلا أنه الرجل الوحيد الذي تشعر تجاهه بتلك المشاعر دون إرادتها....
فقد انتزع جزءًا من قلبها بالقوة كما انتزعها من منزلها بالقوة وكما انتزع زواجه بها بالقوة.... بعيدًا عن كل هذا ترى فيه حنانًا ورفقًا ووجعًا جعله كالأعمى لا يرى أمامه... فهو يحمل شيئًا عاصفًا قويًا يجتاح قلبها..... نيران ملتهبة تعصف بها كما النيران المتعالية بعينيه.. تلك النيران التي تخبرها أن لا أمل في أي شيء بينهما أبدًا...
بينما هي بين ذراعيه كان قلبه يتعرض لغزو يجتاحه ويزلزل كيانه وإرادته بأن تلك الفتاة هزت عرش قلبه ومشاعره ولن تتراجع عن احتلال كل خلية من خلاياه بالرغم من مقاومته الضارية... أقنع نفسه الآلاف المرات أنها فقط تعرضت للظلم من جانبه لذلك لا يحتمل دموعها واكتفى بهذا التبرير لرغبته بإدخالها إلى داخل ضلوعه وامتصاص كل الألم من جوانبها....
هدأت شهقاتها لترفع رأسها بعيدًا عن صدره وتمد يداها المرتجفة تمسح دموعها ولكن يداه كانت أسرع لتشعر بأنامله الخشنة تمسح دموعها من فوق خدها الناعم بينما يقول برفق: "اهدي... ششش خلاص ما تعيطيش... اهدي." هزت رأسها دون قول شيء لتدخل الطبيبة بعد قليل تتفحصها قائلة بهدوء: "حمد الله على سلامتك." هزت سيرين رأسها ولم يخرج صوتها من حنجرتها... لتنهي الطبيبة فحصها وتخرج حيث انتظر حمزة بالخارج ليسألها: "حالتها إيه؟ قالت الطبيبة:
"يعني أحسن... بس محتاجة راحة تامة الفترة اللي جاية وطبعًا نراعي حالتها النفسية." أومأ لها لتدون بضع أدوية وتكمل: "بس أهم حاجة الأدوية دي هتستمر عليها أسبوعين مع الراحة تامة." "تقدر تخرج إمتى؟ "بعد المحلول ما يخلص لو حبيتوا ممكن تخرج.... طالما هتهتموا بيها في البيت.... كانت طوال الطريق صامتة لا تتحدث وكيف تتحدث أو حتى تنظر إليه وهي ترى كم هي ضئيلة أمام فعل أبيها....
كل بضع دقائق كان حمزة يختطف نظرة ناحيتها ليجدها تسند رأسها على زجاج السيارة دون قول شيء.... سألها برفق: "أنتي كويسة؟ هزت رأسها وعادت لتنظر في الفراغ. بعد قليل أوقف حمزة السيارة أسفل المنزل لتتفاجأ به يلف الناحية الأخرى ويحملها.... ويصعد بها للمنزل.... اضطرت أن تضع يداها حول عنقه بينما كانت خطواته تسير بها ليضعها برفق فوق الفراش..... نظر إلى وجهها الشاحب لحظة بينما اقترب منها قائلًا بحنان: "حمد الله على سلامتك."
أومأت له وقلبها يتقافز من مكانه بينما تابع باهتمام: "على ما تغيري هدومك هكون جهزتلك حاجة تاكليها عشان ترتاحي زي ما الدكتورة قالت." خرج لتسيل دموعها مجددًا بصمت قاتل فهو يهتم بها بالرغم من فعل أبيها....... كم قلبها مجروح متوجع..... بدلت ملابسها واندثرت بالأغطية تتكور على نفسها تخفي وجهها الباكي بالوسادة. دخل حمزة بعد قليل يحمل صينية عليها ساندويتشات جهزها لها وفاكهة ليجدها متكورة على نفسها ومغمضة عينيها.
وضع بجوارها الطعام على الكومود وقال بهدوء: سيرين، يلا قومي عشان تأكلي. لم تجب عليه ليستمع لبكائها الصامت الذي يوجع قلبه. :سيرين قالت بصوت مختنق وهي تغمض عيونها: مش عاوزة حاجة. فقط كانت تلك الكلمات التي سمعها منها كلما حاول أن يجعلها تأكل أو تستيقظ. ففي اليوم التالي أيضًا ظلت كما هي دون أن تنطق أو تتحدث، فقط نائمة. شعرت به أكثر من مرة خلال الليل يطمئن عليها، ليجتاح الألم قلبها أكثر كلما اهتم بها بالرغم من فعل أبيها.
نظرت سيدرا إلى والدتها قائلة بخفوت: أنا قلتلك ألف مرة مش هشتغل معاه. :ليه بس يا سيدرا؟ هتفت بحدة من بين أسنانها: أنتِ عارفة كويس أوي ليه، ولا فاكراني هبلة بريالة؟ جمال ده هيضحك عليا. نظرت إلى والدتها وتهكمت بنفسها فهي تعرف جيدًا طمع زوج والدتها. :ما تنسيش يا سيدرا إن جمال السبب في العز ده كله. تهكمت سيدرا: نعم! قالت نادية بحقد: إيه تنكري إن هو اللي عرفك طريق حمزة السيوفي، ولا إنه اللي دبرلك الحادثة؟ قاطعتها سيدرا:
طيب بس... بس أنتِ هتفضحينا. هزت نادية رأسها: لا يا حبيبتي، أنا بس بفكرك إنه ساعدك. قالت بسخط: ما هو خد نصيبه. ولا هو طمع وخلاص. :لا يا حبيبتي هو عاوز مصلحتنا. الملايين اللي حاطاها في البنك بأفكار جمال هتبقى أكتر بكتير. لوت سيدرا شفتيها بسخط وحدثت نفسها أنه قد آن الأوان لتضع نهاية لوالدتها وزوجها. أنها قد حصلت على ما أرادت منهم وانتهى دورهم. في اليوم التالي. فتح حمزة عيناه على رنين هاتفه حيث غفى على الأريكة وهو جالس.
:أيوه يا زين. :إيه يا حمزة فينك؟ من إمبارح مش عارف أوصلك. حمزة رأسه وهو يفرك وجهه: ما فيش، أنا في البيت. :بيت إيه؟ أنت نسيت إننا النهاردة رايحين المصنع عشان نشوف الماكينات بعد ما اتركبت؟ هز رأسه: لا مش هينفع. أجله يا زين. سأله زين بدهشة: ليه؟ :عادي يا زين، وبطل زن. :لا طبعًا مش هبطل زن. وبعدين إيه اللي عادي وأهم من شغلك؟ حمحم حمزة قائلًا: ما فيش يا زين. سيرين بس تعبانة شوية ولازم أفضل جنبها. فتح زين فاهه
لحظة قبل أن يقول بخبث: سيرين؟! :بطل سخافة. :أنا قلت حاجة؟ أنا بس مستغرب. أنتوا رجعتوا لبعض؟ قال حمزة باقتضاب: بعدين يا زين هأفهمك. المهم دلوقتي أجل كل حاجة يومين كده لغاية ما حالتها تتحسن وأقدر أسيبها لوحدها. ضحك زين بمكر: أسبوع يا سيدي مش يومين.
في مساء اليوم كان قد فقد صبره من صمتها ومن حالتها السيئة التي بقيت عليها منذ الأمس، فهي لا تغادر الفراش وكلما دخل إليها يجد الطعام كما هو لا تلمسه. تركها لعلها تهدأ ولكن طال الأمر وستضر نفسها، ليقرر أنه لن يتركها لأكثر من هذا، سيجعلها تنطق. دخل الغرفة وفتح الأنوار قائلًا: سيرين، يلا قومي عشان تأكلي. وما تقوليش مش عاوزة. أنا سايبك من إمبارح براحتك، بس النهاردة هتاكلي يعني هتاكلي.
ظلت مغمضة عينيها وتوليه ظهرها لتشعر به يضع الطعام على طرف الفراش بجوارها ويميل ناحيتها يمسك بكتفها. :قومي يلا. هزت رأسها وأبعدت الصينية قائلة: مش عاوزة. هز رأسه بإصرار: ما فيش حاجة اسمها مش عاوزة. لازم تأكلي. أنا طلبتلك أكل هيعجبك أوي. رفع حاجبه قائلًا بنبرة مرحة: شوربة زعانف السمك. نظرت إليه بطرف عينيها الخضراوين الجميلتين ليشفق على انكسارها، ليتابع بمرح بينما يفتح على الطعام:
بصي بقى دي شكلها انبهار. والمطعم نصحني بيها. نظر إليها بينما لم يعهد صمتها بتلك الطريقة وتابع: قالولي لو سيرين شربتها هتنطق على طول. قرب يداه بالملعقة إلى فمها قائلًا: يلا جربي كده. أبعدت يداه ليزفر ويضع الملعقة بالصينية قائلًا: لا بصي بقى أنا خلقي ضيق وأنتِ عارفة. هتفضلي ساكتة هأخليكي تنطقي بأي طريقة. جلس على طرف الفراش بجوارها ونظر إليها قائلًا بمشاكسة: وبعدين ده أنا سايب شغلي وقاعد معاكي وأنا ما عملتهاش مع أي حد.
غمز لها قائلًا: شكلك أثرتي فيا! نظر إليها بينما هددت دموعها بالانهمار ليشاكسها قائلًا: وبعدين أنا مش واخد عليكي كده. هيبة لسانك هتروح قدامي لو فضلتي ساكتة كده. ابتسم لها ابتسامته الحلوة لترى لأول مرة صفاء عينيه العسليتين بينما نظر إليها وأكمل: أنا أخذت على طولت لسانك. يلا بقى قولي أي حاجة. غص حلقها بقوة فهي لم تتوقع منه أن يكون بهذا العطف والشفقة بها. هز رأسه بقلة حيلة ليزفر قائلًا:
طيب افتحي بوقك وأنا هأكلك، يلا يا ستي. فرك حمزة ذقنه وهو يطالعها بمكر بينما قال: يعني مصممة تفضلي ساكتة؟ اقترب منها وقال ليستفزها: تعرفي إن شفايفك وهي مقفولة كده مش حلوة. مال ناحيتها أكثر وهمس بمكر: بس برضه مغرية! وبما إنك ساكتة كده أنا ممكن أستغل الفرصة وأبوسك مثلًا. ما أن اقتربت شفتاه من شفتيها حتى دفعته قائلة: اوعى يا حيوان. ضحك عليها وهو يقول: أخيرًا نطقْتِ!
نظرت إليه بغيظ ليربت على خصلات شعرها بحنان ويقرب الطعام منها قائلًا: يلا بقى كلي. أمسك بالملعقة وقربها من فمها لتفتح فمها وتتناول الطعام من يده. ابتسم برضى حتى وإن تناولت بضع لقيمات فهي أفضل من لا شيء كما أنه استطاع جعلها تخرج من ذلك الاكتئاب الذي سيطر عليها.
طفرت الدموع من عينيها فجأة وقد أوجعها اهتمامه، فهي الآن كانت بحاجة لينتقم منها ويعذبها حتى لا تشعر كم هي وعائلتها بتلك الحقارة بينما هو يهتم بها بذلك الحنان الذي هي بأمس الحاجة له. تنهد قائلًا برفق وهو لا يعلم كيف يطبطب على جروحها: طيب أنتِ بتعيطي ليه دلوقتي؟ تابعت بكاءها دون قول شيء ليسألها بتأثر: زعلانة عشان البيبي؟ هزت رأسها وازدادت دموعها انهمارًا ليشاكسها بمرح اضطر له حتى لا تستسلم لتلك الموجة الحزينة:
نجيب واحد تاني يا ستي ولا تزعلي. انتفض من مكانه حينما قذفته بكوب الماء ليضحك بوجود البيبي أو لا. أنتِ اتظلمتِ مني وأنا مش هعيش بتأنيب الضمير ده، لازم أكفّر عن اللي عملته. نظرت بعينيه وقد لمعت الدموع بعينيها بينما تقول: مش محتاجة شفقة منك. ومين جاب سيرة الشفقة؟ سحب نفسًا عميقًا وتابع: سيرين خلاص بعد كل اللي حصل مينفعش ننفصل. ليه؟ أنت مش مجبر. هز رأسه قائلًا: ومين قال إني مجبر؟
أنتِ بقيتي خلاص مراتي، أنا عملت كده بكامل إرادتي وبالنسبة ليا خلاص جوازنا بقى أمر واقع مينفعش نغيره. غص حلقها بالدموع: واللي بابا عمل؟ قاطعها بإشارة من يده: مش عاوز كلام في اللي فات. عمرك ما هتنسى اللي فات ولا أنا هنساه. نظرت إليه وقالت بكذب: أنت بتكرهني وأنا بكرهك. هز رأسه قائلًا: حاليًا أنا مش حاسس ولا بكره ولا بحب، أنا عاوز أقف على رجلي وأجمع نفسي وأنسى كل اللي فات.
وأنتِ كمان لازم تنسي، اعتبرينا اتنين القدر وقعهم في طريق بعض وبقى طريقهم واحد. لمعت الدموع بعينيها: احنا مفيش بينا أي طريق، أنا عدوتك عمرك ما هتشوفني غير كده، ذنب أبويا هيفضل قدام عينيك. تنهد قائلًا: أنا مش شايفك عدوتي ولا حاجة، أنا مش شايف أي حاجة ولا قادر أشوف. من كتر النار اللي حواليا. هزت رأسها قائلة بألم: النار دي أبويا السبب فيها.
تنهد مطولًا ونظر إليها قائلًا: اسمعي يا سيرين، خلاص الموضوع مش لعبة، أنتِ مراتي وشايلة اسمي مفيش حاجة اسمها تمشي وتسيبي بيتي. ومبدئيًا انسي إن أنا أسيب مراتي تعيش في بيت هشام. نظر إليها وتابع: ولو فاكرة إني برضه هسمح إنك تعيشي مع مامتك عند خالتك، وابن خالتك تبقي بتحملي. زجرته بنظراتها الغاضبة: لو سمحت! نظر إليها ورفع حاجبه: أنتِ عارفة إيه بيعصبني الأحسن ما تعمليهوش. نظرت
إليه واحتقن وجهها بالغضب: ولا أعصبك ولا تعصبني، احنا لازم نطلق. أمسك ذراعها بقليل من الحزم وهو يقول: بصي بقى أنا جبت آخري، قلت طلاق مش هطلق. نزعت ذراعها من يده هاتفة: وأنا كمان جبت آخري ومش محتاجة شفقة منك، أنت قلت قبل كده إننا خالصين يبقى طلقني. زفر بنفاذ صبر: اسمعي بقى اللي هقوله وبطلي كلام، هو. أنا مش خطفتك وأجبرتك على الجواز مني؟ أومأت له لينظر لعينيها ويتابع: وكمان خليتك مراتي بالعافية.
رشقته بنظراتها الحانقة ليداعب وجنتها المنتفخة بابتسامة باردة يستفزها بها. يبقى أكيد هجبرك برضه تفضلي معايا، يلا بقى يا مراتي يا حلوة مش عاوز أسمع منك الكلام ده تاني، ويلا ادخلي جوه ولا تحبي أشيلك؟ أبعدت يديه عن وجهها بحدة: ابعد إيدك. وملكش دعوة بيا. ضحك قائلًا: وأنتِ شايفاني لازق فيكي؟ أنا بس عاوز أريحك. زجرته بنظرات غاضبة: أنا مرتاحة. غمز لها: وده اللي أنا عاوزه. زفرت
بغيظ لترفع إصبعها بوجهه: هفضل بس ملكش دعوة بيا، وكمان هرجع شغلي. رفع حاجبه: والهانم بتشتغل إيه؟ نظرت إليه بتعالٍ: في السفارة. نظر إليها بابتسامة لتحمحم، أيوه في الأرشيف. ضحك وداعب خصلات شعرها باستفزاز. تمام سيبيني أفكر في موضوع الشغل ده. نظرت إليه: وتفكر ليه؟ أنا مش مسجونة هنا وحقي أشتغل. وأنا كمان حقي أوافق أو لا. فتحت فمها لتتحدث ليقول بخبث: أنا غلطان إني شربتك شوربة زعانف السمك دي، كنتِ ساكتة أحسن.
تركها ودخل إلى غرفته وابتسامة مرتسمة على شفتيه لا ينكرها لبقائها، وهي لم تستطع منه ابتسامتها فهو لم يدعها تغادر. توقف عبد الحميد وابنه شريف مع نبيلة التي أصرت على المجيء لحمزة. تفاجأ حمزة بمجيئهم ليظل واقفًا بضع دقائق دون قول شيء لتقول نبيلة: هتسيبنا على الباب يا ولدي؟ هز رأسه وتراجع للخلف لتدخل نبيلة ومعها جده وخاله. قال عبد الحميد بهدوء: حمزة يا ولدي، أنا جايلك النهاردة وعاوز ننهي الجفا اللي بينا.
نظر إليه حمزة بتهكم الآن فقط أراد هذا. ليقول بسخرية: بعد إيه؟ تدخل شريف قائلًا: اللي حصل حصل يا حمزة، وياما بيحصل بين الأهل. بكت نبيلة بحرقة: الله يلعن الفلوس اللي خلتني أبعد عن بنتي. غص حلق حمزة ليقول عبد الحميد بسخط: أنا ما غلطتش وحدي يا حمزة، أبوك غلط لما أخد بنتي مني غصب عني. كان بيحبها. وأنا أعرف منين إنه ما كانش طمعان فيها؟ تنهد عبد الحميد وأردف يتذكر قائلًا:
أبوك كان مهندس صغير لساته متخرج جه البلد عندنا لما عينته الحكومة، واحنا كنا من أكبر عائلات البلد. كنت أعرف منين إنه ما كانش حاطط عينه على أرضها وفلوسها لما أتقدم لها؟ ومش بس كده ده اتجوزها غصب عني. إيه يا ولدي كنت عاوزني أخده بالحضن؟ قال حمزة باتهام: لا تدمره وتقفله في كل شغل يحاول يعمله، تكسره وتحرق مخازنه، تتفق مع أعدائه عليه لغاية ما مات. زم عبد الحميد شفتيه
وحاول الدفاع عن نفسه: أبوك دماغه كانت يابسة، قلت له بالذوق كتير بعد موت أمك يسيبك ليا صمم ورفض، الشيطان لعب بيا وفكرت لو فلس هيضطر يسيبك. زجرته نبيلة بحدة لتقوم من مكانها وتجلس بجوار حمزة تمسك وجهه بين يديها قائلة برجاء: كفاية يا حمزة، كفاية يا ابن الغالية. قبلت جبينه وكل جزء بوجهه بحنان برجاء: ورحمة أمك سامح وانسى، أنا نفسي تكون في حضني قبل ما أموت. قال باقتضاب وهو يحاول أن يخفي دقات قلبه: بعد الشر عليكي.
قام عبد الحميد من مكانه وانحنى متخليًا عن جبروته وكبريائه: سامحني يا ولدي. تسللت سيرين عائدة لفراشها بعد أن استمعت لتلك المحادثة والتي أخبرتها المزيد عن هذا الإنسان المختبئ بداخله، لقد نالت منه الدنيا كثيرًا. اقتربت خطواته لتتظاهر بالنوم بينما دخل إليها يناديها بصوت هادئ: سيرين. اعتدلت جالسة تنظر إليه ليقول: جدتي برا وعاوزة تطمن عليكي. نظرت إليه بمشاكسة: وهي عاوزة تعمل فيا زي جدك؟
ابتسم قائلًا: لا هي غيره، وبعدين ألوم الراجل ليه إذا كنت أنا مش بقعد معاكي خمس دقايق وببقى عاوز أقتلك، ده زين ذات نفسه اشتكى من لسانك. تهكمت قائلة: على أساس إنه ملاك. ضحك قائلًا: لا وأنتِ ما شاء الله. نظرت إليه بغضب ليقول: ممكن بقى تبقي مهذبة وتخلي لسانك الحلو جوه بوقك، وتقفلي شفايفك الحلوة دي بدل ما أقفّلها أنا.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!